← Адаб

Адаб · id 23802

المستطرف في كل فن مستظرف

شهاب الدين الأبشيهي

Полный текст (517 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

شديد السواد في بطنه لون حمرة وللذكر قرنان. يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس قيل إنه يتولد من أخثائها ومن شأنه جمع الروث وادخاره ومن عجيب أمره أنه إذا شم الورد مات ويعيش بعوده للروث، وله جناحان لا يكادان يريان إلا إذا طار، وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا وهو يمشي القهقرى ومن طبعه أنه يحرس النيام فإذا قام أحدهم يتغوط تبعه ليأكل من رجيعه وذلك من شدة شهوته للغائط. (حرف الحاء) : (حجل) : طير فوق الحمامة أغبر اللون أحمر المنقار والرجلين يسمى دجاج البر وهو صنفان نجدي وتهامي، النجدي أغبر والتهامي أبيض وله شدة الطيران وإذا تقاتل ذكران تبعت الأنثى الغالب. له شدة شبق وأفراخه تخرج من البيض كاسية ويعمر في الغالب عشرين سنة وإذا قوي على غيره أخذ بيضه فحضنه ومن سر الله تعالى أنه إذا أفرخ ذلك البيض تبع الفرخ أمه التي باضته ومن طبعه أنه يخدع غيره في قرقرته ولذلك يتخذه الصيادون في أشراكهم. غريبة: قيل أن أبا نضر بن مروان أكل مع بعض مقدمي الأكراد فأتى على سماطه بحجلتين مشويتين فلما رآها ضحك فقال: مم تضحك قال: كنت أقطع الطريق في عنفوان شبابي فمر بي تاجر فأخذته فلما أردت قتله تضرع إلي فلم أقيله، فلما علم أنه لا بد لي من قتله التفت يمينا وشمالا فرأى حجلتين كانتا بقربنا فقال: اشهدا لي أنه قاتلي ظلما فقتلته، فلما رأيت هاتين الحجلتين تذكرت حمقه في استشهاده بهما فقال أبو نصر والله لقد شهدتا عليك عند من أقادك بالرجل ثم أمر به فضربت عنقه. الخواص: لحمها جيد معتدل الهضم، ومرارتها تنفع الغشاوة في العين، وإذا سعط بها إنسان في كل شهر مرة جاد ذهنه وقل نسيانه وقوي بصره. (حدأة) : بكسر الحاء وفتح الدال مع همزة. أخس الطير وتبيض بيضتين وربما باضت ثلاثا وتحضن عشرين يوما ومن ألوانها الأسود والرمادي وهي لا تصيد إلا خطفا وفي طبعها أنها تقف في الطيران وهي أحسن الطير مجاورة لأنها إذا جاعت لا تأكل أفراخ جارها ويقال إنها طرشاء وفي طبعها أنها لا تخطف من الجهة اليمنى لأنها عسراء وهي سنة ذكر وسنة أنثى كالأرنب. (عجيبة) : روى الحافظ السلفي في فضائل الأعمال أن عاصم بن أبي النجود شيخ القراء في زمانه قال: أصابتني خصاصة فجئت إلى بعض إخواني فأخبرته بأمري فرأيت في وجهه الكراهة فخرجت من منزله إلى الجبانة فصليت ما شاء الله ثم وضعت رأسي على الأرض وقلت: يا سامع الأصوات يا مجيب الدعوات يا قاضي الحاجات اكفني بحلالك عن حرامك واغنني بفضلك عمن سواك، قال: فو الله ما رفعت رأسي حتى سمعت وقعة بقربي فإذا بحدأة قد طرحت كيسا أحمر فقمت فأخذته فإذا فيه ثمانون دينارا وجوهرة ملفوفة في قطن قال فاتجرت بذلك واشتريت لي عقارا وتزوجت. الخواص: مرارتها تجفف في الظل وتنقع في إناء زجاج فمن لسع قطر منها في ذلك الموضع واكتحل مخالفا لجهة اللسع ثلاثة أميال أبرأته ودسمها إذا خلط بقليل من المسك وماء الورد وشرب على الريق نفع من ضيق النفس وإذا وضع في بيت لم تدخله حية ولا عقرب. (حرباء) : دويبة صغيرة على هيئة السمك ورأسها تشبه رأس العجل إذا رأت الإنسان انتفشت وكبرت ولها أربعة أرجل وسنام كهيئة الجمل ولها كنى كثيرة منها أم قرة ويقال لها جمل اليهود وهي أبدا تطلب الشمس فمن أجل ذلك يقال أنها مجوسية وتستقبلها بوجهها وتدور معها كيفما دارت فإذا غابت الشمس أخذت في كسبها ومعاشها ويقال إن لسانها طويل نحو ذراع وهو مطوي في حلقها فذلك تخطف به ما بعد عنها من الذباب وتبتلعه والأنثى من هذا النوع تسمى أم حبين ويقال أن الصبيان ينادونها أم حبين انشري برديك إن الأمير ناظر إليك وضارب بسوطه جنبيك فإذا ازدادوا عليها نشرت جناحيها وانتصبت على رجليها فإذا ازدادوا عليها أيضا نشرت أجنحة أحسن من تلك ملونة وإذا مشت تطأطىء برأسها وتتلون ألوانا ولذا يقال يتلون كالحرباء. (حمار أهليّ) : معروف ليس في الحيوان من ينزو على غير جنسه إلا هو والفرس ونزوه بعد تمام ثلاثين شهرا وكنيته أبو محمود وأبو جحش وغير ذلك وهو أنواع فمنه ما هو لين الأعطاف سريع الحركة ومنه ما هو بضد ذلك ويوصف بالهداية إلى سلوك الطريق. لطيفة: في الحديث عن النبي ﷺ أنه لما فتح خيبر أصاب حمارا أسود فكلمه فقال: ما اسمك فقال: يزيد بن شهاب أخرج الله تعالى من نسل جدي ستين حمارا كلها لا يركبها إلا نبي ولم يبق من الأنبياء غيرك وكنت أتوقعك لتركبني وأنا عند يهودي يجيع بطني ويضرب ظهري وكنت أعثر به عمدا فسماه النبي ﷺ يعفورا وقال له: أتشتهي

стр. 352

الإناث؟ قال: لا. وكان ﷺ يركبه في حوايجه وإذا أراد حاجة عند إنسان أرسله إليه فيدفع الباب برأسه فيخرج صاحب البيت فيعرفه ويقضي حاجته. فلما مات النبي ﷺ ذهب إلى بئر كانت لأبي الهيثم فتردى فيها جزعا على النبي ﷺ فكانت قبره وقيل هذا الحديث منكر وقد ذكره السهيلي في التعريف والإعلام وللناس في ذمه ومدحه أقوال متباينة بحسب الأغراض. فمن مدحه أن أبا صفوان وجد راكبا على حمار فقيل له في ذلك فقال: عير هي من نسل الأكراد يحمل الرحل ويبلغ العقبة ويمنعني أن أكون جبارا في الأرض وقال آخر: وأقل الدواب مؤنة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتعا وكان حمار أبي يسارة مثلا في الصحة والقوة وهو حمار أسود حمل الناس عليه من منى إلى المزدلفة أربعين سنة وكان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار ويجعلان أبا يسارة قدوة لهما وحجة. ومن ذمه ما نقل عن عبد الحميد الكاتب أنه قال: لا تركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يدك وإن كان بليدا أتعب رجلك وقيل: ما ينبغي لمركب الدجال أن يكون مركبا للرجال. وقال أعرابي: الحمار بئس المطية إن أوقفته أدلى وإن تركته ولى كثير الروث قليل الغوث سريع إلى الفرارة بطيء في الغارة لا توقى به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء، قال الزمخشري: إنّ الحمار ومن فوقه ... حماران شرّهما الرّاكب ومن العرب من لا يركبه أبدا ولو بلغت به الحاجة والجهد. قيل: كان لرجل بالبادية حمار وكلب وديك فالديك يوقظه للصلاة والكلب يحرسه إذا نام والحمار يحمل أثاثه إذا رحل قال: فجاء الثعلب فأكل الديك فقال: عسى أن يكون خيرا ثم أصيب الكلب بعد ذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عسى أن يكون خيرا ثم جاء الذئب فبقر بطن الحمار فقال: عسى أن يكون خيرا، قال: ثم إن جيرانه من الحي أغير عليهم فأخذوا فأصبح ينظر إلى منازلهم وقد خلت، فقيل له: إنما أخذوا بأصوات دوابهم فقال: إنما كانت الخيرة في هلاك ما عندي فمن عرف لطف الله رضي بفعله. (حمام) : هو أنواع كثيرة والكلام في الذي ألف البيوت وهو قسمان أحدهما بري وهو الذي يوجد في القرى والآخر أهلي وهو أنواع وأشكال فمنه الرواعب والمراعيش والشداد والغلاب والمنسوب ومن طبعه أنه يطلب وكره ولو كان في مسافة بعيدة ولأجل ذلك يحمل الأخبار ومنه من يقطع عشرة فراسخ في يوم واحد وربما صيد وغاب عن وطنه عشر سنين وهو على ثبات عقله وقوة حفظه حتى يجد فرصة فيطير ويعود إلى وطنه وسباع الطير تطلبه أشد الطلب وخوفه من الشاهين أشد من غيره وهو أطير منه لكن إذا أبصره يعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد والشاة إذا رأت الذئب والفأر إذا رأى الهر ومن طبعه أنه لا يريد إلا ذكره إلى أن يهلك أو يفقد أحدهما ويحب الملاعبة والتقبيل ويسفد لتمام أربعة أشهر ويحمل أربعة عشر يوما ويبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما ويخرج من إحدى البيضتين ذكر والأخرى أنثى واتخاذها في البيوت لا بأس به غير أنه لا يجوز تطييرها والاشتغال بها والارتقاء بها على الأسطحة وعليه حمل أهل العلم قوله ﵊: «شيطان يتبع شيطانة حين رأى شخصا يتبع حمامة» ، فإن لم يحصل شيء مما ذكر جاز اتخاذها، قال رسول الله ﷺ : «اتخذوا الحمام في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم واللعب بها من عمل قوم لوط» . وقال النخعي: من لعب بالحمام لم يمت حتى يذوق ألم الفقر ولم يوجد شيء أبله من الحمام، فإنه تؤخذ أفراخه، فتذبح في مكان ثم يعود في ذلك المكان ويبيض فيه ويفرخ. وقال الجاحظ: وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمامة قد تبتاع بخمسمائة دينار، ولم يبلغ ذلك القدر شيء من الطير وغيره، وهو الهادر الذي جاوز الغاية قالوا: ولو دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة ولو حدثت أن برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار لكان ذلك سمرا، وقد تباع البيضة الواحدة من بيض ذلك الحمام بخمسة دنانير، والفرخ بعشرين، فمن كان له زوج منه قام في الغلة مقام ضيعة وأصحابه يبنون من أثمانه الدور والحوانيت وهو مع ذلك ملهى عجيب ومنظر أنيق. الخواص: دمه ينفع الجراحات العارضة للعين والغشاوة، ويقطع الرعاف ويبرىء حرق النار إذا خلط بالزيت منه، وزبل الأحمر ينفع للسع العقرب إذا وضع عليه وإذا شرب منه مقدار درهمين مع ثلاثة دراهم دار صيني نفع من الحصاة. (حرف الخاء) : (الخطاف) : أنواع كثيرة، فمنه نوع دون العصفور رمادي اللون يسكن ساحل البحر ومنه ما لونه أخضر

стр. 353

وتسميه أهل مصر الخطار، ونوع طويل الأجنحة رقيق يألف الجبال ونوع أصفر يألف المساجد يسميه الناس السنونو، وزعم بعضهم أنه الطير الأبابيل، ويقال: أن آدم ﵊ لما أهبط إلى الأرض حصل له وحشة، فخلق الله له هذا الطير يؤنسه، فلأجل ذلك لا تجدها تفارق البيوت وهي تبني بيتها في أعلى مكان بالبيت وتحكم بنيانه وتطينه، فإن لم تجد الطين ذهبت إلى البحر فتمرغت في التراب والماء وأتت فطينته وهي لا تزبل داخله بل على حافته أو خارجا عنه وعنده ورع كثير لأنه وإن ألف البيوت لا يشارك أهلها في أقواتهم ولا يلتمس منهم شيئا، ولقد أحسن واصفه حيث يقول: كن زاهدا فيما حوته يد الورى ... تبقى إلى كلّ الانام حبيبا وانظر إلى الخطاف حرّم زادهم ... أضحى مقيما في البيوت ربيبا ومن شأنه أنه لا يفرخ في عش عتيق بل يجدد له عشا وأصحاب اليرقان يلطخون أفراخه بالزعفران، فيذهب، فيأتي بحجر اليرقان، ويلقيه في عشه لتوهمه أن اليرقان حصل لأولاده وهو حجر صغير فيه خطوط يعرفه غالب الناس فعند ذلك يأخذه من به اليرقان ويحكه ويستعمله ومن عجيب أمره أنه يكاد يموت من صوت الرعد وإذا عمي ذهب إلى شجرة يقال لها عين شمس فيتمرغ فيها، فيفيق من غشوته ويفتح عينيه. لطيفة: قيل: إن خطافا وقف على قبة سليمان وتكلم مع خطافة، وراودها عن نفسها، فامتنعت، فقال لها: تتمنعين مني ولو شئت قلبت هذه القبة. قال: فسمع سليمان، فدعاه وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله إن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم. الخواص: مرارته تسود الشعر ولحمه يورث السهر وقلبه يهيج الباه إذا أكل جافا ودمه يسكن الصداع. (خفاش) : طير يوجد في الأماكن المظلمة وذلك بعد الغروب وقبل العشاء لأنه لا يبصر نهارا ولا في ضوء القمر وقوته البعوض، وهذا الوقت هو الذي يخرج فيه البعوض أيضا لطلب رزقه، فيأكله الخفاش، فيتسلط طالب رزق على طالب رزق وهو من الحيوان الشديد الطيران. قيل إنه يطير الفرسخين في ساعة وهو يعمر مثل النسر وتعاديه الطيور فتقتله، لأنه قيل إن عيسى ﵊ لما سأله النصارى في طير لا عظم فيه صنع لهم ذلك بإذن الله تعالى فهي تكرهه لأنه مباين لخلقتها ومن طبعه الحنو على ولده حتى قيل إنه يرضعه وهو طائر. (خنزير) : حيوان معروف وله كنى كثيرة منها أبو جهم وأبو زرعة وأبو دلف وهو مشترك بين البهيمة والسبع لأنه ذو ناب ويأكل العشب والعلف وهو كثير الشبق حتى قيل أنه يجامع الأنثى وهي سائرة فيرى في مشيها ستة أرجل، فيتوهم الرائي أنه حيوان بستة أرجل وليس كذلك والذكر مثله، فمن غلب استقل بالنزو على الأنثى وتحرك أذنابها في زمن هيجانها وتطأطىء رأسها وتغير أصواتها وتحمل من نزوة واحدة، وتحمل ستة أشهر وتضع عشرين ولدا وينزو الذكر إذا بلغ ستة أشهر، وقيل: أربعة باختلاف البلاد وقيل: ثمانية، وإذا بلغت الأنثى خمس عشرة سنة لا تحمل، وهذا الجنس أفسد الحيوان والذكر أقوى الفحول وليس لذوات الأربع ما للخنزير في نابه من القوة حتى قيل إنه يضرب به السيف والرمح فينقطع ما لاقاه وإذا التقى ناباه من الطول مات لأنهما حينئذ يمنعانه من الأكل. ومن عجيب أمره أنه يأكل الحيات ولا يؤثر فيه سمها وإذا عض كلبا سقط شعره، وإذا مرض وأطعم السرطان يفيق، ومن عجيب أمره أنه إذا ربط على ظهره حمار وبال الحمار وهو على ظهره مات ولا يسلخ جلده إلا بالقلع مع شيء من لحمه على ما ذكروا. (خنفساء) : دويبة تتولد من عفونات الأرض وبينها وبين العقرب مودة، وكنيتها أم فسو، لأن كل من وضع يده عليها يشم رائحة كريهة. فائدة: قيل إن رجلا رأى خنفساء، فقال: ما يصنع الله بهذه، فابتلاه الله تعالى بقرحة عجز الأطباء فيها، فبينما هو ذات يوم إذا بطرقي يقول من به وجع كذا إلى أن قال: من به قرحة، فخرج إليه ذلك الرجل فلما رأى ما به. قال: ائتوني بخنفساء، فضحك منه الحاضرون، فقال: ائتوه بالذي يطلب، فأتوه بها، فأخذها، فأحرقها، وأخذ رمادها، وجعل منه على تلك القرحة فبرئت، فعلم ذلك المقروح أن الله تعالى ما خلق شيئا سدى وأن في أخس المخلوقات أهم الأدوية، فسبحان القادر على كل شيء. الخواص: إذا قطعت رؤوس الخنافس وجعلت في برج الحمام كثر الحمام في ذلك البرج والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر ويجلو الغشاوة والبياض، وإذا بخر المكان بورق الدلب هربت منه الخنافس على ما ذكر. (خيل) : جماعة الأفراس وسميت بذلك لأنها تختال في مشيتها، وهي من الحيوان المشرف، ولقد مدحها الله تعالى

стр. 354

ووصى بها النبي ﵊، فقال: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» . وقال: «عليكم بإناث الخيل، فإن ظهورها عز وبطونها كنز» ، وروي عن ابن عباس أو علي ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لما أراد الله تعالى خلق الخيل أوحى إلى الريح الجنوب، وقال: إني خالق منك خلقا، فاجتمعي، فاجتمعت، فأتى جبريل، فأخذ منها قبضة، فخلق الله منها فرسا كميتا، وقال: خلقتك عربيا وفضلتك على سائر البهائم، فالرزق بناصيتك، والغنائم تقاد على ظهرك، وبصهيلك أرهب المشركين وأعز المؤمنين، ثم وسمه بغرة وتحجيل، فلما خلق الله تعالى آدم قال: يا آدم اختر أي الدابتين: الفرس أو البراق، فقال: الفرس يا رب، فقال الله تعالى: اخترت عزك وعز أولادك، وفي الحديث: «ما من فرس إلا ويقول في كل يوم: اللهم من جعلتني له فاجعلني أحب أهله إليه» . وقيل: الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وهي المغزو عليها، وفرس لك وهي التي تسابق عليها، وفرس للشيطان وهي التي جعلت للخيلاء. وفي الحديث: «إن الملائكة لا تحضر شيئا من اللهو إلا في مسابقة الخيل وملاعبة الرجل أهله» . ولقد سابق النبي ﷺ على الخيل، وقيل: إن الذكر من الخيل أقوى من الأنثى، ولا يرد علينا ركوب جبريل في قصة موسى وفرعون الأنثى لأن ذلك من حكمة الله تعالى حتى تبعتها أحصنهم، فأغرقوا لأن الحصان إذا رأى الحجرة تبعها، وقيل: إن الله تعالى أمر نبيه موسى ﵊ أن يعبر البحر فعبره، وهم خلفه، فأعمى أعينهم عن الماء، فكانوا يرون بلقعا، والخيل تراه ماء، فلولا دخول جبريل البحر بفرسه لما دخلت خيلهم، وهي أصناف منها: الصافنات، وهي التي إذا ربطت في مكان وقفت على إحدى رجليها وقلبت بعض الأخرى في الوقوف، وقيل غير ذلك وكانت الصافنات ألف فرس لسليمان ﵊، فعرضها يوما ففاتته الصلاة، قيل صلاة العصر، فأمر بعقرها فعوضه الله عنها الريح، فكانت فرسه وقيل: إنما عقرها على وجه القربى كالهدي وقيل: إن الفرس لا يحب الماء الصافي ولا يضرب فيه بيده كما يضرب بها في الماء الكدر، فرحا به، فإنه يرى شخصه في الماء الصافي فيفزعه، ولا يراه في الماء الكدر، وقد قيل في الحث على حب الخيل: أحبّوا الخيل واصطبروا عليها ... فإنّ العزّ فيها والجمالا إذا ما الخيل ضيّعها أناس ... ربطناها فأشركت العيالا نقاسمها المعيشة كل يوم ... وتكسبنا الأباعر والجمالا «١» (حرف الدال) : (دابة) : اسم لكل ما دب على الأرض وأما التي ذكرها الله تعالى في سورة سبأ، فقيل: الأرضة، وقيل السوسة، وسبب ذلك أن سليمان ﵊ كان قد أمر الجن ببناء صرح فبنوه، ودخل فيه وأراد أن يصفو له يوم واحد من دهره، فدخل عليه شاب، فقال له: كيف دخلت من غير استئذان؟ فقال: أذن لي رب البيت، فعلم سليمان أن رب البيت هو الله تعالى، وإن الشاب ملك الموت أرسل ليقبض روحه فقال: سبحان الله هذا اليوم طلبت فيه الصفاء فقال: طلبت ما لم يخلق قال: وكان قد بقي من بناء المسجد الأقصى بقية، فقال له: يا أخي يا عزرائيل أمهلني حتى يفرغ قال ليس في أمر ربي مهلة قال: فقبض روحه، وكان من عادته الانقطاع في التعبد شهرين وثلاثة، ثم يأتي، فينظر ما صنعت الجن، فلما قبض كان متوكئا على عصاه، واستمر ذلك مدة، والجن تتوهم أنه مشرف عليها، فتعمل كل يوم بقدر عشرة أيام حتى أراد الله ما أراد، فسلط على العصا الأرضة فأكلتها، فخرّ ميتا، فتفرقت الجن عنه، وقيل إن واحدا منهم مر عليه، فسلم، فلم يجبه فدنا منه، فلم يجد له نفسا، فحركه، فسقطت العصا، فإذا هو ميت. قال: وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة، والعصا التي اتكأ عليها من خرنوب قال الله تعالى: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ «٢» . قال: فشكرت الجن الأرضة حتى قيل أنهم كانوا يأتونها بالماء حيث كانت. وأما الدابة التي من أشراط الساعة، فاختلف في أمرها، فقيل: تخرج من الصفا، وهو الصحيح، وقيل: من الطائف، وقيل من الحجر وطولها ستون ذراعا ذات قوائم، وهي مختلفة الألوان وذلك في ليلة يكون الناس مجتمعين بمنى أو سائرين إلى منى ومعها عصا موسى وخاتم سليمان لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تلحق المؤمن، فتضربه بالعصا فتكتب في وجهه مؤمن وتدرك الكافر، فتسمه بالخاتم وتكتب في وجهه كافر. وروي أنها

стр. 355

تخرج إذا انقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقل الخير. (داجن) : وهو ما يربيه الناس في البيوت من صغار الغنم والحمام وال دج اج وغير ذلك، وفي حديث الأفك: ما نعلم لها قضية غير أنها جارية حديثة السن تعجن وتنام فتأتي الداجن، فتأكل العجين. (دب) : من السباع وكنيته أبو جهل وأبو جهينة وغير ذلك، ولا يخرج زمن الشتاء حتى يطيب الهواء وإذا جاع يمص يديه ورجليه، فيندفع جوعه، وهو كثير الشبق وينعزل بأنثاه، وتضع جروا واحدا، وتصعد به إلى أعلى شجرة خوفا عليه من النمل لأنها تضعه قطعة لحم، ثم لا تزال تلحسه وترفعه في الهواء حتى تنفرج أعضاؤه وتخشن ويصير له جلد، وفي ولادتها صعوبة وربما ماتت منها وقد تلده ناقص الخلق شوقا منها للسفاد وهي من الحيوان الذي يدعو الإنسان للفعل به، وقيل: إن الدب يقيم أولاده تحت شجرة الجوز، ثم يصعد فيرمي بالجوز إليها إلى أن تشبع، وربما قطع من الشجر الغصن العتل الضخم الذي لا يقطع إلا بالفأس، والجهد، ثم يشد به على الفارس فلا يضرب أحدا إلا قتله. (دجاجة) : وكنيتها أم ناصر الدين وأم الوليد وغير ذلك، وإذا هرمت لم يبق لبيضها مح، وتوصف بقلة النوم. قيل أن نومها بقدر ما تتنفس وعندها خوف في الليل، ولأجل ذلك تطلب وقت الغروب مكانا عاليا وتخشى الثعلب. قيل إنها إذا رأته ألقت نفسها إليه من شدة الخوف ولا تخشى من بقية السباع، وقيل: يعرف الذكر من الأنثى بإمساك منقاره، فإن تحرك فذكر وإلا فأنثى، ومن الدجاج ما يبيض في اليوم مرتين وهو من أسباب موتها ويستكمل خلق البيضة في بطن الدجاجة في عشرة أيام، وفي الحديث أن النبي ﷺ أمر باتخاذ الغنم للأغنياء وباتخاذ الدجاج للفقراء، ومن العجيب في صنعة الله تعالى أن خلق الفروج من البياض، وجعل الصفار غذاء له كما خلق الطفل من المني وجعل دم الحيض غذاء له، فتبارك الله أحسن الخالقين. الخواص: لحم الدجاج الفتي يزيد في العقل ويصفي اللون، ويزيد في المني ويقيم الباه والمداومة عليه تورث النقرس والبواسير على ما ذكر. (دج) : طير كبير أغبر يكون بساحل البحر كثيرا وبالقرب من الإسكندرية والناس يصطادونه ويأكلونه. (دود) : إسم جنس، ومنه دود القز ويقال لها الهندية. ومن عجيب أمرها أنها تكون أولا مثل بزر التين ثم تصير دودا، وذلك في أوائل فصل الربيع ويكون عند خروجه مثل الذر في قدره ولونه، ويخرج في الأماكن الدافئة إذا كان مصرورا في حق، وربما تأخر خروجه فتجعله النساء تحت ثديهن بصرته، فيخرج وغذاؤه ورق التوت الأبيض. قال: ولا يزال يكبر حتى يصير بقدر أصبع، وينتقل السواد إلى البياض وكل ذلك في مدة ستين يوما. قال: ثم يأخذ في النسج بما يخرجه من فيه إلى أن ينفذ ما في جوفه ثم يخرج شيئا كهيئة الفراش له جناحان لا يسكنان من الاضطراب، وعند خروجه يهيج إلى السفاد ويلصق الذكر مؤخره إلى مؤخر الأنثى ويلتحمان مدة، ثم يفترقان. قال ويكون قد فرش لهما خرقة بيضاء فينشران البزر عليها، ثم يموتان هذا إذا أريد منهما البزر وإن أريد الحرير تركا في الشمس بعد فراغهما من النسج، فيموت وهو سريع العطب حتى إنه ليخشى عليه من صوت الرعد والعطاس ومس المرأة الحائض والرجل الجنب، ورائحة الدخان والحر الشديد والبرد الشديد، ونحو ذلك قال أبو الفتح البستي: ألم تر أن المرء طول حياته ... معنّى بأمر لا يزال يعالجه كذلك دود القزّ ينسج دائما ... ويهلك غمّا وسط ما هو ناسجه وقال آخر: يفنى الحريص بجمع المال مدّته ... وللحوادث ما يبقى وما يدع كدودة القزّ ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع (ديك) : وكنيته أبو حسان وأبو حماد وغير ذلك، ويسمى الأنيس والمؤانس ومن طبعه لا يألف زوجة واحدة، وهو أبله الطبيعة لأنه إذا سقط من بيت أصحابه لا يهتدي إلى الرجوع إليه، وفيه من الخصال الحميدة ما لا يحصر منها أنه يساوي بين أزواجه في الطعمة، ويذكر الله تعالى في الليل حتى قيل إنه ليوقته ويقسمه، وربما لا يخرم في توقيته، وفي الصحيح: إذا سمعتم صياح الديك، فاذكروا الله تعالى، فإنه يصيح بصياح ديك العرش. وروى الغزالي عن ميمون بن مهران أن لله ملكا تحت العرش على صورة الديك، فإذا مضى ثلث الليل الأول

стр. 356

ضرب بجناحيه، وقال: ليقم المسلمون، فإذا مضى الثلث الثاني ضرب بجناحيه وقال: ليقم الذاكرون، فإذا كان السحر وطلع الفجر ضرب بجناحيه وقال: ليقم الغافلون، وعليهم أوزارهم. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «إن لله ديكا أبيض له جناحان موشحان بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، ورأسه تحت العرش وقوائمه في الهواء، فإذا كان ثلث الليل الأول خفق بجناحيه وقال: سبحان الملك القدوس، فإذا كان الثلث الثاني خفق بجناحيه وقال: قدوس، فإذا كان الثلث الثالث خفق بجناحيه وقال: ربنا الرحمن الرحيم لا إله إلا هو» . وروى الثعلبي بإسناده عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة أصوات يحبها الله تعالى: صوت الديك، وصوت قارىء القرآن، وصوت المستغفر بالأسحار» . وفي الحديث: «لا تسبوا الديك، فإنه يؤقت للصلاة» . وزعم أهل التجربة أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في أهله وماله. نادرة: قيل كان لإبراهيم بن مزيد ديك، وكان كريما عليه، فجاء العيد وليس عنده شيء يضحي عليه، فأمر امرأته بذبحه واتخاذ طعام منه وخرج إلى المصلّى، فأرادت المرأة أن تمسكه، ففر، فتبعته، فصار يخترق من سطح إلى سطح، وهي تتبعه، فسألها جيرانها وهم هاشميون عن موجب ذبحه، فذكرت لهم حال زوجها، فقالوا: ما نرضى أن يبلغ الاضطرار بأبي إسحاق إلى هذا القدر، فأرسل إليه هذا شاة وهذا شاتين وهذا بقرة وهذا كبشا حتى امتلأت الدار، فلما جاء ورأى ذلك قال: ما هذا؟ فقصت عليه زوجته القصة، فقال: إن هذا الديك لكريم على الله، فإن إسماعيل نبي الله فدي بكبش واحد، وهذا فدي بما أرى. (حرف الذال) : (ذباب) وكنيته أبو جعفر وهو أصناف كثيرة يتولد من العفونة ومن عجيب أمره أنه يلقي رجيعه على الأبيض يسود وعلى الأسود يبيض ولا يقعد على شجرة الدباء، وفي الحديث: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه، فإن في إحدى جناحيه دواء وفي الأخرى داء» ، وإن من طبعه أن يلقي نفسه بالجناح الذي فيه الداء. وحكي أن المنصور كان جالسا، فألح عليه الذباب حتى أضجره، فقال: انظروا من بالباب من العلماء، فقالوا: مقاتل بن سليمان، فدعا به، ثم قال له: هل تعلم لأي حكمة خلق الله الذباب؟ قال: ليذل به الجبابرة. قال: صدقت، ثم أجازه، ومن خصائص النبي ﷺ أنه كان لا يقع عليه ذباب قط، وقال المأمون: قالوا أن الذباب إذا دلك به موضع لسعة الزنبور سكن ألمه، فلسعني زنبور، فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة، فما سكن له ألم، فقالوا: هذا كان حتفا قاضيا، ولولا هذا العلاج لقتلك. وقال الجاحظ: من منافع الذباب أنها تحرق وتخلط بالكحل، فإذا اكتحلت به المرأة كانت عينها أحسن ما يكون، وقيل: إن المواشط تستعمله ويأمرن به العرائس، وقيل: إن الذباب إذا مات وألقي عليه برادة الحديد عاش، وإذا بخر البيت بورق القرع هرب منه الذباب. (ذئب) : حيوان معروف وكنيته أبو جعدة وأبو جاعد، وأبو ثمامة لونه رمادي وهو من الحيوان الذي ينام بإحدى عينيه ويحرس بالأخرى حتى تمل، فيغمضها، ويفتح الأخرى كما قال بعض واصفيه: ينام بإحدى مقلتيه ويتّقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع «١» وإذا أراد السفاد اختفى، ويطول في سفاده كالكلب، وإذا جاع عوى، فتجمع الذئاب حوله، فمن هرب منها أكلوه وإذا خاف منه الإنسان طمع فيه، وليس في الأرض أسد يعض على عظم إلّا ويسمع لتكسيره صوت بين لحييه إلا الذئب، فإن لسانه يبري العظم بري السيف ولا يسمع له صوت، وقيل: إذا أدماه الإنسان، فشم الذئب رائحة الدم لا يكاد ينجو منه، وإن كان أشد الناس قلبا وأتمهم سلاحا، كما أن الحية إذا خدشث طلبها الذر فلا تكاد تنجو منه، وكالكلب إذا عض الإنسان يطلبه الفأر فيبول عليه، فيكون في ذلك هلاكه، فيحتال له بكل حيلة، وقيل: لا يعرف الالتحام عند السفاد إلا في الكلب والذئب، وإذا هجم الصياد على الذئب والذئبة وهما يتسافدان قتلهما كيف شاء، والله أعلم. (حرف الراء) : (رخ) : طير عظيم الخلقة يوجد بجزائر الصين، قال أبو حامد الأندلسي: ذكر لي بعض المسافرين في البحر أنهم أرسوا بجزيرة، فلما أصبحوا وجدوا في طرفها لمعانا وبريقا، فتقدموا إليه، وإذا هم بشيء مثل القبة قال: فجعلوا يضربون فيه بالفؤوس إلى أن كسروه، فوجدوه كهيئة البيضة، وفيه فرخ عظيم قال، فتعلقوا بريشه

стр. 357

وجروه، ونصبوا القدور، وخرجوا يحتطبون من تلك الجزيرة حطبا يقال له حطب الشباب فلما أكلوا ذلك الطعام اسودت لحية ولمة كل ذي شيب قال، فلما أصبحوا جاءهم الرخ، فوجدهم قد صنعوا بفرخه ما صنعوا، فذهب، وأتى في رجليه بحجر عظيم وتبعهم بعدما ساروا في البحر وألقاه على سفينتهم، فسبقت السفينة، وكانت مشروعة بتسع قلوع، ووقع الحجر في البحر، فنجاهم الله تعالى منه، وكان ذلك من لطف الله تعالى بهم قال: وقد كان بقي معهم أصل ريشة قيل إنهم كانوا يجعلون فيها الماء فتسع مقدار قربة، فسبحان الخالق الأكرم. (رخم) : طير أغبر أصفر المنقار معروف وهو من أشر الطيور ويقال: إنها صماء وسبب ذلك ما قيل في بعض الحكايات: إن موسى ﵊ لما مات تكلمت بموته، وكانت تعرف مكانه، فأصمها الله تعالى حتى لا ترشد أحدا إلى موضعه. (حرف الزاي) : (زرافة) : حيوان غريب الخلقة، ولما كان مأكولها ورق الشجر خلق الله تعالى يديها أطول من رجليها، وهي ألوان عجيبة يقال: إنها متولدة من ثلاث حيوانات الناقة الوحشية والبقرة الوحشية والضبع فينزو الضبع على الناقة فيأتي بذكر فينزو ذلك الذكر على البقرة فتتولد منه الزرافة، والصحيح أنها خلقة بذاتها ذكر وأنثى كبقية الحيوانات لأن الله تعالى لم يخلق شيئا إلا بحكمة. (زنبور) : حيوان فوق النحل له ألوان وقد أودعه الله حكمة في بنيانه بيته وذلك أنه يبنيه مربعا له أربعة أبواب كل باب مستقبل جهة من الرياح الأربع، فإذا جاء الشتاء دخل تحت الأرض ويبقى إلى أيام الربيع، فينفخ الله تعالى فيه الروح فيخرج ويطير وفي طبعه التهافت على الدم واللحم ومن خاصيته أنه إذا وضع في الزيت مات وفي الخل عاش، ولسعته تزال بعصارة الملوخية. (حرف السين) : (سعلاة) نوع من المتشيطنة. قال السهلي: هو حيوان يتراءى للناس بالنهار ويغول بالليل، وأكثر ما يوجد بالغياض، وإذا انفردت السعلاة بإنسان وأمسكته صارت ترقصه وتلعب به كما يلعب القط بالفأر قال: وربما صادها الذئب وأكلها وهي حينئذ ترفع صوتها وتقول: أدركوني فقد أخذني الذئب، وربما قالت: من ينقذني منه وله ألف دينار، وأهل تلك الناحية يعرفون ذلك، فلا يلتفتون إلى كلامها. (سمندل) حيوان يوجد بأرض الصين، ومن عجيب أمره أنه يبيض في النار، ويفرخ فيها ويؤخذ وبره، فينسخ ويجعل منه المناشف، وهذه المناشف إذا اتسخت جعلت في النار، فتأكل النار وسخها ولا تحرقها. حكي أن شخصا بلّ واحدة من هذه المناشف بالزيت وجعلت في النار، وأوقدت ساعة ولم تحترق. (سنجاب) حيوان كهيئة الفأر يوجد في بلاد الترك على قدر اليربوع إذا أبصر الإنسان هرب منه، وشعره كشعر الفأر وهو ناعم، فيؤخذ ويسلخ جلده ويجعل فروا يلبس وطبعه موافق لكل طبع وأحسنه الأزرق. (سنور) حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأر والحشرات كناه وأسماؤه كثيرة. حكي أن أعرابيا صاد سنورا، فرآه شخص، فقال: ما تصنع بهذا القط، ولقيه آخر، فقال: ما تصنع بهذا الخيدع؟ ولقيه آخر، فقال: ما تصنع بهذا الخيطل؟ ولقيه آخر، فقال: ما تصنع بهذا الهر؟ قال: أبيعه. قال: بكم؟ قال: بمائة درهم، فقال: إنه يساوي نصف درهم قال: فرمى به، وقال: لعنه الله ما أكثر أسماءه وأقل قيمته. وهذا الحيوان يهيج في زمان الشتاء في شهرين منه وتراهن يترددن صارخات في طلب السفاد، فكم من حرة خجلت وذي غيرة هاجت حميته، وعزب تحركت شهوته، وطيب فم السنّور كطيب فم الكلب في النكهة، وقيل: أن الهرة تحمل خمسين يوما، وهو يجمع بين العض بالناب والخمش بالمخلاب، وليس كل سبع كذلك، وهو يناسب الإنسان في بعض الأحوال، فيعطس ويتمطى، ويغسل وجهه بلعابه ويلطخ وبر ولده بلعابه حتى يصير كأن الدهن يسري في جلده، وقيل: إذا بال الهر شم بوله ودفنه قيل: لأجل الفأر، فإذا شمه علم أن هناك هرا، فلم يخرج، وأما سنور الزباد، فهو الفهد بالهند ويوجد الزباد تحت إبطيه وفخذيه. (سوس) هو دود الحبوب والفاكهة. ومن الفوائد التي تكتب في الحبوب فلا تسوس أسماء الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة وقد نظمها بعضهم، فقال: ألا كلّ من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه «١» فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه

стр. 358

(حرف الشين) : (شادهوار) حيوان يوجد بأرض الترك يقال أن له قرنا عليه اثنتان وسبعون شعبة مجوفة، فإذا هبت الريح سمع لها تصويت عجيب يكاد يدهش وربما قيل إن فيه شعبة يورث سماعها البكاء والحزن، وأخرى تورث الفرح والضحك، وأنه أهدي إلى بعض الملوك شيء من شعبها، فرأى فيه ذلك، ويقال إن من الحيوان شيئا يوجد بالغياض في قصبة أنفه إثنا عشر ثقبا إذا تنفس يسمع له صوت كصوت المزمار، فتأتيه الحيوانات لتسمعه، فتدهش، فيغفل بعضها من الطرب، فيثب عليه، فيأخذه، ويأكله، وهي تعلم ذلك منه وتحترز، فإذا لم يمسك منها شيئا ضاق خلقه وصاح بها صيحة، فتهرب وتتركه. (شاهين) طير يكون كهيئة الصقر إلا أنه عظيم واسع العينين، ومزاجه أيبس من مزاج الصقر، وحركته من العلو إلى أسفل أقوى، ولذلك ينقض على الطير بشدة، فربما يخطئه فيضرب نفسه بالأرض بشدة، فيموت، وقيل: أول من صاد به قسطنطين، وذلك أنه قد جعل له الحكماء الشواهين تظله من الشمس إذا سار، فاتفق في بعض الأيام أنه ركب فدارت الشواهين عليه، وسار. قال: فطار واحد منها وانقض على صيد، فأخذه، فأعجب الملك ذلك وصار يتصيد به. (شحرور) طير أسود فوق العصفور يصوت بأصوات مطربة. (حرف الصاد) : (صرد) حيوان يسمى الصرصار على قدر الخنفساء له جناحان ويقال له الصوام لأنه أول طير صام يوم عاشوراء. (صعو) طير من صغار العصافير أحمر الرأس. (حرف الضاد) : (ضأن) نوع من الحيوانات ذوات الأربع، وهو من الحيوانات المباركة تحمل الأنثى منه بواحد واثنين، وفيها البركة، وغيرها تحمل بالسبعة والتسعة، وليس فيها بركة وإذا رعت زرعا نبت عوضه، وذلك لبركتها بخلاف ذوات الشعر، ومن عجيب أمرها أنها إذا رأت الذئب تخور وتخاف منه ولا يخاف من سائر السباع. قال بعض القصاص: مما أكرم الله تعالى به الكبش أن خلقه مستور العورة من قبل ومن دبر، ومما أهان به التيس أن خلقه مهتوك الستر مكشوف العورة من قبل ومن دبر، ويقال: الضأن من دواب الجنة، وهي صفوة الله من البهائم، ويقال في المدح: هو كبش من الكباش وفي الذم هو تيس من التيوس، وأهدى بعضهم إلى صديقه شاة هزيلة فقال: تقول لي الأخوان حين طبختها ... أتطبخ شطرنجا عظاما بلا لحم ومن العجب أنه يأتي غنم من الهند للكبش منها ألية في صدره وأليات في كتفيه، وألية على ذنبه، وربما تكبر ألية الضأن حتى تمنعه من المشي ومن عجيب أمرها أنها إذا تسافدت وقت المطر لا تحمل وعند هبوب الريح إن كانت شمالية حملت ذكرا، وجنوبية حملت أنثى، والله أعلم. ومن خواصها: أن لحمها ينفع للسوداء، ويزيد في المني والباه، وإذا تحملت المرأة بصوفها قطع حبلها، وإذا غطي إناء العسل بصوف الضأن الأبيض منع وصول النمل إليه، وإذا دفن قرن كبش تحت شجرة كثر حملها على ما ذكر والله أعلم. (ضب) حيوان يجعل جحره في الأرض الصلدة وعنده بلم، فربما لا يهتدي لجحره إذا خرج منه، فلذلك لا يحفره إلا بقرب كودية أو أشارة، وهو من الحيوان الذي يعمر. قيل: إنه يعيش سبعمائة سنة، ومن طبعه أنه يصبر على الماء يقال: إنه لا يشرب، فإنه يبول في كل أربعين يوما قطرة، والأنثى تبيض سبعين بيضة وأكثر، وتجعلها في الأرض، وتتعاهدها في كل يوم إلى أربعين يوما، فيخرج، وبيضها قدر بيض الحمام، وهذا الحيوان شديد الخوف من الآدمي، ولذلك يجعل العقارب في جحره حتى يمتنع بها، ويخرج من جحره كليل البصر، فيستقبل الشمس، فيحصل له بذلك حدة في بصره، وإذا عطش نشق النسيم فيروى، وبينه وبين الأفاعي مناسبة، وذلك أنه لا يخرج زمن الشتاء. فائدة: قيل أن أعرابيا أتى النبي ﷺ وفي كمه ضب قد صاده، وقال: لولا أن تسميني العرب عجولا لقتلتك، وسررت الناس بقتلك فقال عمر: دعني يا رسول الله أقتله، فقال ﵊: مهلا يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ قال: ثم أقبل الأعرابي على النبي ﷺ وقال: والله لا آمنت بك إلا أن يؤمن بك هذا الضب، وأخرجه من كمه قال: فعند ذلك قال النبي ﷺ يا ضب: فأجابه بلسان فصيح لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين، فقال: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي

стр. 359

الجنة رحمته، وفي النار عذابه، فقال: من أنا يا ضب؟ قال: رسول رب العالمين قد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك، قال، فقال الأعرابي عند ذلك: يا ويلاه ضب اصطدته بيدي من البرية يشهد لك بالرسالة. أنا أولى منه بذلك، هات يدك أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا، ولقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أكثر بغضا مني إليك، ولقد صرت الآن أذهب من عندك وما على وجه الأرض أحدا أكثر محبة مني إليك، ولأنت الساعة أحب إليّ من أهلي وولدي وما تملك يدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي، فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي هداك لهذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولكن لا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقراءة. قال: فعلمني يا حبيبي. قال: فعلمه سورة الفاتحة، وسورة الإخلاص، وقال: من قرأها ثلاث مرات، فكأنما قرأ القرآن. قال: لهذا يقبل اليسير ويعفو عن الكثير، ثم سأله: ألك مال؟ فقال: يا حبيبي ليس في بني سليم أفقر مني، فقال لأصحابه: أعطوه، فأعطوه حتى أثقلوه، فقال عبد الرحمن بن عوف يا رسول الله: عندي ناقة عشارية أعطيها له، فقال: إن الله يعطيك ناقة في الجنة من درة قوائمها من الزبرجد الأخضر وعيناها من الياقوت الأحمر، وعليها هودج من السندس تخطفك من الصراط كالبرق. قال: فخرج الأعرابي من عنده، فتلقاه ألف فارس من المشركين كلهم يريدون قتل النبي ﷺ ، فأخبرهم بقصته، فأسلموا عن آخرهم، وأمر النبي ﷺ خالد بن الوليد عليهم، وهذه القصة ذكرها الدراقطني بتمامها، والبيهقي والحاكم، وابن عدي. الخواص: قلبه يذهب الحزن والخفقان، وشحمه يطلى به الذكر يزيد في الباه، وكعبه يشد على وجع الضرس يبرأ، وإذا جعل على وجه فرس لا يسبقه شيء، وبعره يذهب البرص والكلف طلاء، ومن أكل لحمه لا يعطش زمانا طويلا. (ضبع) حيوان معروف ومن كناه أم عامر ومن طبعه حب لحم الآدمي حتى قيل: إنه ينبش القبور وإذا مر بإنسان نائم حفر تحت رأسه ووثب عليه وبقر بطنه وشرب دمه. الخواص: من شرب دمه ذهب وسواسه، ومن علّق عليه عينه أحبه الناس، وإذا جعلها في خل سبعة أيام ثم جعلها تحت فص خاتم فكل من كان به سحر، وجعل الخاتم في قليل ماء وشربه زال سحره. (ضفدع) حيوان يتولد من المياه الضعيفة الجري، ومن العفونات وعقيب الأمطار وأول ما يظهر مثل الحب الأسود، ثم ينمو، ثم تتشكل له الأعضاء، وإذا نق جعل فكه الأسفل في الماء والأعلى من خارج وفي صوته حدة. قال سفيان: ليس من الحيوان أكثر ذكرا لله تعالى من الضفدع، وفي الآثار أن داود ﵊ قال: لأسبحن الله تعالى بتسبيح ما سبحه أحد قبلي، فنادته ضفدعة يا داود تمنّ على الله تعالى بتسبيحك، وأنا لي تسعون سنة ما جف لساني عن ذكر الله تعالى قال: فما تقولين في تسبيحك قالت أقول: سبحان من هو مسبح بكل لسان، سبحان من هو مذكور بكل مكان، فقال داود: ما عسى أن أقول. وقال بعضهم: إنها كانت تأخذ الماء بفيها وتجعله على نار إبراهيم الخليل، والله أعلم. (حرف الطاء) : (طاووس) طير مليح ذو ألوان عجيبة وعنده الزهو في نفسه والعجب، ومن طبعه العفة وهو من الطير كالفرس من الحيوان، والأنثى تبيض حين يمضي لها من العمر ثلاث سنين وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه، وتبيض الأنثى مرة واحدة في كل شهر، ففي السنة اثنتا عشرة بيضة أو أقل أو أكثر، ويسفد الذكر في أيام الربيع، ويرمي ريشه في أيام الخريف، كالشجر فإذا بدأ طلوع الورق طلع ريشه، ومدة حضنه ثلاثون يوما. فائدة: قيل: إن آدم لما غرس الكرمة جاء إبليس لعنه الله، فذبح عليها طاووسا، فشربت دمه، فلما طلعت أوراقها ذبح عليها قردا، فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا، فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا، فشربت دمه، فمن أجل ذلك تجد شارب الخمر أول ما يشربها وتدب فيه يزهو بنفسه، ويميس عجبا كالطاووس، فإذا جاء مبادىء السكر لعب وصفق بيديه كالقرد، فإذا قوي سكره قام وعربد، كهيئة الأسد، فإذا انتهى سكره انقبض كما ينقبض الخنزير، ثم يطلب النوم والناس تتشاءم بإقامته بالدور، قيل: لأنه كان سببا لدخول إبليس الجنة وخروج آدم منها، والله على كل شيء قدير «١» .

стр. 360

(حرف الظاء) : (ظبي) واحد الغزلان، وهو ثلاثة أصناف الأول الآرام، وهو ظباء الرمل ولونها رمادي وهي سمينة العنق. والثاني: العفر ولونها أحمر وهي قصيرة العنق. والثالث: الأدم وهي طويلة العنق وتوصف بحدة البصر وقيل: إن الظبي يقضم الحنظل ويمضغه مضغا وماؤه يسيل من شدقيه ويرد الماء الملح فيشرب الماء الأجاج ويغمس خرطومه فيه كما تغمس الشاة لحييها في العذب، فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر ويستحلي مرارة الحنظل. الخواص: لسانه يجفف ويطعم للمرأة السليطة تزول سلاطتها، وبعره وجلده يحرقان ويسحقان ويجعلان في طعام الصبي يزيد ذكاؤه ويصير فصيحا ذلقا حافظا. (ظربان) دويبة فوق جرو الكلب منتنة الريح تزعم العرب أن من صادها وفست في ثوبه لا تزول الرائحة منه حتى يبلى الثوب ويحكى من شؤمها أنها تأتي بيت الظبي، فتفسو فيه ثلاث مرات فتقتل ما فيه، وتأكله بعد ذلك. (حرف العين) : (عجل) : حيوان معروف وهو ذكر البقر وسمي بذلك لاستعجال بني اسرائيل بعبادته والسبب في ذلك أن موسى علي الصلاة والسلام وقت الله له ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر وكان فيهم شخص يسمى موسى بن ظفر السامري في قلبه من حب عبادة البقر شيء فابتلى الله به بني اسرائيل فقال: ائتوني بحلى قال: فأتوه بجميع حليهم فصنع منه عجلا جسدا وألقى عليه قبضة من التراب أخذه من أثر فرس جبريل ﵇ فصار له خوار كما أخبر الله تعالى، فعكفوا على عبادته من دون الله تعالى، وكانوا يأتون إليه ويرقصون حوله ويتواجدون فيخرج منه تصويت كهيئة الكلام فيتعجبون من ذلك ويظنون أنه تكلم، وإنما فعل ذلك بإغواء إبليس لعنه الله حتى يطغيهم. فائدة: نقل القرطبي عن سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمهما الله أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان فيقرأون من القرآن ثم ينشد لهم الشعر فيرقصون ويطربون، ثم يضرب لهم بعد ذلك بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم حرام فقال: مذهب الصوفية أن هذه بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذوا العجل فهذه الحالة هي حالة عبّاد العجل وإنما كان النبي ﷺ مع أصحابه في جلوسهم كأنما على رؤسهم الطير مع الوقار والسكينة فينبغي لولاة الأمر وفقهاء الإسلام أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى. (عقرب) : هو من الحشرات. قال الجاحظ: إنها تلد من فيها مرتين «١» وتحمل أولادها على ظهرها وهم كهيئة القمل كثير العدد وقال غيره إذا حملت تسلط عليها أولادها فأكلوا بطنها وخرجوا «٢» كهيئة الذر ثم يكثرون ويطوفون بالأرض ولها ثمانية أرجل ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب النائم إلا إذا تحرك شيء منه والخنافس تأوي إليها وربما لسعت التنين العظيم فقتلته. (غريبة) : قال ذو النون المصري بينما أنا في بعض سياحتي إذ مررت بشاطىء البحر فرأيت عقربا أسود قد أقبل إلى أن جاء إلى شاطىء البحر، فظننت أنه يشرب فقمت لأنظر فإذا بضفدع قد خرج من الماء وأتاه فحمله على ظهره وذهب به إلى ذلك الجانب، قال ذو النون فاتزرت بمئزري وعمت خلفه حتى إذا صعد من ذلك الجانب صعدت وسرت وراءه فما زال حتى جاء إلى شجرة، فوجدت تحتها غلاما نائما من شدة السكر قد أقبل عليه تنين عظيم، قال: فلصقت العقرب برأس التنين ولسعته فقتلته ثم رجعت إلى ظهر الضفدع فعبر بها إلى الماء وسار بها إلى المكان الذي جاءت منه قال ذو النون فتعجبت من ذلك وأنشدت: يا راقدا والجليل يحفظه ... من كل سوء يكون في الظلم كيف تنام العيون عن ملك ... يأتيك منه فوائد النعم ثم أيقظت الغلام وأخبرته بذلك قال: فلما سمع ذلك قال: أشهدك على إني قد تبت عن هذه الخصلة ثم جرينا ذلك التنين ورميناه في البحر ولبس ذلك الغلام مسحا وساح إلى أن مات رحمة الله تعالى عليه، وما أحسن ما قال بعضهم: إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب

стр. 361

ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب فقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد ... وخرّب فأر قبل ذا سدّ مأرب إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من التضييع في غير واجب فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكرّ علينا جيشه بالعجائب «١» فائدة: إذا لدغ أحد فاقرأ عليه هذه الكلمات وهي: سلام على نوح في العالمين وصلى الله على سيدنا محمد في المرسلين أعيذك من حاملات السم أجمعين لا دابة بين السماء والأرض إلا ربي آخذ بناصيتها كذلك يجزي عباده المحسنين إن ربي على صراط مستقيم نوح قال لكم من ذكرني لا تلدغوه إن ربي بكل شيء عليهم وصلى الله على سيدنا محمد الكريم. وقال بعض العلماء: من قال: عقدت زبان العقرب ولسان الحية ويد السارق بقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ أمن من العقرب والحية والسارق. وفي البخاري أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله ماذا لقيت من عقرب لدغتني البارحة فقال له النبي ﷺ : أما إنك لو قلت إذا أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك. وروى الترمذي أن من قال حين يمسي أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات ثم قال سلام على نوح في العالمين لم تضره الحية والعقرب والسر في ذكر نوح دون غيره هو أنه لما ركب في السفينة سألّته الحية والعقرب أن يحملها معه فشرط عليهما أنهما لا يضران من ذكر اسمه بعد ذلك فشرطا له ذلك. الخواص: من بخر البيت بزرنيخ أحمر وشحم بقر هربت منه العقارب، ومن شرب مثقالين من حب الأترج أبرأه من سمها، ومن علق عليه شيء من ورق الزيتون برىء أيضا لوقته. (عقعق) : طير ذو لونين طويل الذنب قدر الحمامة على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة وهو لا يأوي إلا الأماكن العالية وإذا باض جعل حول بيضه ورق الدلب خوفا عليه من الخفاش لا يفسده. الخواص: دمه إذا جعل على قطن وألصق على موضع النصل والشوكة الغائبة في البدن أخرجه. (علق) : دود أحمر وأسود يكون بالماء يعلق بالخيل والآدمي فإذا علقت بك فرش عليها ماء وملحا وإذا علقت بفرس فبخره بوبر الثعلب فإنها تنفصل من رائحة دخانه. ومن خواصه أن البيت إذا بخر به هرب ما فيه من البق والبعوض وإذا جفف وسحق وقلع الشعر وطلي به مكانه منع نباته. (عنقاء) : اختلف فيها فقال بعضهم: هو طائر عظيم الخلقة له وجه إنسان وفيه من كل حيوان لون وقال بعضهم هو طير غريب الشكل يبيض بيضا كالجبال ويبعد في طيرانه وسميت بذلك لأنه كان في عنقها طوق أبيض، قال القزويني: إنها تخطف الفيلة لعظمها وكبر جثتها كما تخطف الحدأة الفأر قال: وكانت في قديم الزمان بين الناس إلى أن خطفت عروسا بحليها فذهب أهلها إلى نبي ذلك الزمان فشكوها إليه فدعا عليها فذهب بها إلى بعض الجزائر التي خلف خط الاستواء وهي جزيرة لا يصل إليها أحد وجعل لها فيها ما تقتات به من السباع كالفيل والكركند وغير ذلك وقال أصحاب التواريخ إن هذا الطير يعمر حتى قيل إنه يعيش ألفي سنة ويتزوج إذا مضى عليه خمسمائة. وحكى الزمخشري في ربيع الأبرار، أن الله تعالى خلق في زمن موسى ﵊ طيرا يقال له: العنقاء له وجه كوجه الإنسان، وأربعة أجنحة من كل جانب وخلق له أنثى مثله ثم أوحى الله تعالى إلى موسى إني خلقت خلقا كهيئة الطير وجعلت رزقه الوحوش والطير التي حول بيت المقدس قال: فتناسلا وكثر نسلهما فلما توفي موسى ﵊ انتقلت إلى نجد والعراق، فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان إلى أن تنبأ خالد بن سنان العبسي، فشكوها له، فدعا عليها، فانقطعت وانقطع نسلها وانقرضت «٢» . (عنكبوت) دويبة لها ثمانية أرجل وستة عيون وهي من الحيوان الذي صيده الذباب وولده يخرج قويا على النسج من غير تعليم ولا تلقين ويخرج أولاده دودا صغيرا ثم يتغير وتصير عنكبوتا وتكمل صورته. فائدة: قيل إن امرأة ولدت جارية، ثم قالت لخادم لها

стр. 362

إقتبس لنا نارا، فخرج، فوجد بالباب سائلا، فقال له: ما ولدت سيدتك؟ فقال: بنتا، فقال: لا تموت حتى تبغي بألف رجل ويتزوجها خادمها ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الخادم، وأنا أصبر لهذه حتى يحصل منها ما يحصل، فصبر حتى قامت أمها لتقضي بعض شؤونها وعمد إلى البنت. فشق بطنها بسكين، وهرب، قال فجاءت أمها، فوجدتها على تلك الحالة، فدعت بمن يعالجها حتى شفيت، فلما كبرت بغت، قال: ثم إنها سافرت وأتت مدينة على ساحل من سواحل البحر، فأقامت هناك تبغي قال، وأما الرجل فإنه صار من التجار، وقدم لتلك المدينة ومعه مال كثير، فقال لامرأة عجوز هنال أخطبي لي امرأة حسنة أتزوج بها قال، فوصفتها له وقالت ليس هنا أحسن منها، ولكنها تبغي، فقال العجوز ائتني بها قال، فذهبت وأخبرتها بالقصة، فقالت لها: حبا وكرامة، فإني قد تبت عن البغي، فتزوج الرجل بها، وأحبها حبا شديدا وأقام معها أياما، وكان يود أن يراها متجردة، فلم يمكنه ذلك حتى إذا كان في بعض الأيام خرج على عادته لقضاء أشغاله ودخلت هي الحمام، وعرضت له حاجة، فرجع إلى الدار، وصعد إلى قصرها، فلم يرها، فسأل عنها، فقيل له هي في الحمام، فدخل عليها، فرآها متجردة، ورأى في بطنها أثرا كالخياطة، فقال: ما هذا؟ قالت: لا أعلم إلا أن أمي أخبرتني أنه كان لنا خادم وأنه يوم ولادتي غافل أمي وشق بطني بسكين وهرب وأنها حين رأتني كذلك دعت بعض الأطباء، فخاط بطني وعالجني حتى أندمل جرحي، وشفيت، وبقي هذا الأثر، فقال لها: أنا ذلك الخادم، وحكى لها السبب، وأن ذلك السائل أخبره أنها تموت بالعنكبوت، ثم إنه اهتم بأمرها وجمع مهندسي البلدة التي هم فيها وسألهم أن يبنوا له بناء لا ينسج عليه العنكبوت، فقالوا كل بناء ينسج عليه إلا أن يكون البلور لنعومته لا ينسج عليه، فأمرهم أن يصنعوا لها قصرا من البلور، وبذل لهم ما أرادوا، فعملوه وفرشه وأمرها أن تقيم فيه لا تخرج منه خوفا عليها من العنكبوت، قال: فبينما هو ذات يوم إذ رأى عنكبوتا قد نسج في ذلك القصر، فقام إليه، فرماه وقال لها هذا الذي يكون موتك منه قال: فداسته بإبهامها وقالت كالمستهزئة: أهذا الذي يقتلني، فشدخته، فتعلق بطرف إبهامها من مائه شيء فعمل بها حتى ورمت ساقها، ثم وصل الورم إلى قلبها، فقتلها، فما أفاده قصره ولا صرحه شيئا. قال الله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ «١» الآية. فائدة: نسج العنكبوت على ثلاثة مواضع: على غار النبي ﷺ ، وعلى غار عبد الله بن أنيس لما بعثه النبي ﷺ لخالد الهذلي، فقتله، وحمل رأسه، ودخل به في غار خوفا من أهله، ونسج على عورة زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ لما صلب عريانا، وقيل إنها نسجت مرتين على داود حين كان جالوت يطلبه. الخواص: نسجها إن وضع على الجراح الطرية يقطع دمها، ويجلو الفضة إذا دلكت به والذي يوجد من نسجها في بيت الخلاء ينفع المحموم إذا تبخر به. (ابن عرس) حيوان معروف وهو بأرض مصر كثير ويسمى العرسة وهو عدو للفأر وعنده الحيل، قيل: إنه عدا خلف فأر، فصعد منه على شجرة، فصعد خلفه، وأمر أنثاه أن تقف تحت الشجرة، ثم قطع الغصن الذي كان عليه الفأر، فسقط، فأخذته أنثاه. ومما يحكى عنه أنه يحب الذهب فيسرقه ويلد عليه. عجيبة: قيل إن رجلا صاد فرخا من أولاده وحبسه تحت طاسة، فجاء أبوه، فوجده، فذهب وأتى بدينار، فوضعه، فلم يفلته، ثم ذهب وأتى بآخر وما زال كذلك حتى أتى بخمسة دنانير، فلم يفلته، ثم أتى بخرقة، فلم يفلته، فأراد ابن عرس أن يأخذ ما برطله به فلما علم الرجل ذلك فهم أنه لم يبق عنده شيء، فأفلته له. (حرف الغين) : (غراب) وكنيته أبو حاتم وله كنى غير ذلك، وهو أنواع كثيرة منها الأكحل، وغراب الزرع، والأزرق وهذا النوع يحكي جميع ما سمعه، والعرب تتفاءل بصياح الغراب، فتقول: إذا صاح مرتين فشر، وإذا صاح ثلاثة فخير، وهو كالإنسان عند الجماع، وفي طبعه الاستتار عن الناس عند مجامعته، والأنثى تبيض ثلاثا أو أربعا أو خمسا، وتحضن ذلك والأب يسعي في طعمتها إلى أن تفرخ، فإذا فرخت خرجت أفراخها قبيحة المنظر، فتفرق منها وتتركها وتغيب فيرسل الله لها البعوض فتتغذى به ثم لا تزال تتعاهدها حتى ينبت لها الريش فتأتيها ومنه قول الحريري «٢» :

стр. 363

يا رازق النعّاب في عشه ... وجابر العظم الكسير المهيض ومن طبعه أنه لا يتعاطى الصيد بل إن وجد رمة أكل منها ويقم من الأرض ما وجد ويسمى بالفاسق لأنه لما أرسله نوح ﵇ ليكشف عن الماء، وجد في طريقه رمة فسقط عليها وترك ما أرسل إليه، ويسمى بالبين لأنه إذا رحل العرب من مكان نزل فيه وزعق في أثرهم. ومن الغرائب أن بين الغراب وبين الذئب إلفة وذلك إنه إذا رأى الذئب بقر بطن شاة سقط وأكل منها ومعه الذئب لا يضره. الخواص: إذا غمس الغراب في الخل ثم جفف وسحق ريشه وطلي به الشعر سوده، وإذا علق منقاره على إنسان زالت عنه العين، وزبل الغراب الأبقع ينفع الخوانيق والخنازير طلاء، وإن صر في خرقة على من به السعال زال. (غرغر) دجاج بني إسرائيل يقال إن فرقة من بني إسرائيل كانت بتهامة، فطغت وبغت وتجبرت وكفرت، فعاقبهم الله تعالى بأن جعل رجالهم القردة وكلابهم الأسود وعنبهم الأراك وجوزهم المقل ودجاجهم الغرغر، وهو دجاج الحبشة فلا ينفع لحمه لرائحته الكريهة، وهذا مشاهد في زماننا هذا الآن على ما نقل، والله أعلم. (حرف الفاء) : (فاختة) طير أغبر من ذوات الأطواق بقدر الحمام لها حسن الصوت يحكى أن الحيات تهرب من صوتها، وفي طبعها الأنس، فمن أجل ذلك تتخذ بيتها في البيوت، وهي من الحيوان الذي يعمر وقد ظهر منها ما عاش خمسا وعشرين سنة. الخواص: دمها ينفع من الآثار في العين من ضربة أو قرحة إذا قطر فيها. (فأرة) وكنيتها أم خراب وغير ذلك وتسمى بالفويسقة، وذلك أن النبي ﷺ انتبه ليلة، فوجدها قد جذبت الفتيلة، وأحرقت طرف سجادته، فقتلها، وأمر بقتلها، وهي التي قطعت حبل سفينة نوح، وأذاها لا يكاد ينحصر ومنه: أنها تأتي إلى إناء الزيت، فتشرب منه، فإذا نقص صارت تشرب بذنبها، فإذا لم تصل إليه ذهبت وأتت في فيها بماء وأفرغتها فيه حتى يعلو لها الزيت، فتشربه، وربما وضعت فيه حجرا، فكسرته، ويقال إنها بقايا الممسوخين الذين كانوا يهودا ومن أراد أن يعلم ذلك فليضع لها لبن ناقة في إناء، فإن لم تشربه فهي منهم. الخواص: عنيه تشد على الماشي يسهل تعبه، وإذا بخر البيت بزبل الذئب أو الكلب ذهب منه الفأر. (فرس البحر) حيوان غليظ أفطس الوجه ناصيته كالفرس ورجلاه كالبقر وذنبه قصير يشبه ذنب الخنزير، وجلده يوجد بالنيل، ووجهه أوسع من وجه الفرس يصعد البر ويرعى الزرع، وربما قتل الإنسان وغيره. (فهد) حيوان شرس الأخلاق. قال أرسطو: هو متولد من الأسد والنمر في طبعه مشابهة بطبع الكلب، ونومه ثقيل، وفي طبعه الحنو على أنثاه وقيل: أول من صاد به كليب بن وائل وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية وأكثر من اشتهر باللعب به أبو مسلم الخراساني. (فيل) حيوان يوجد بأرض الهند، وكنيته أبو الحجاج، والأنثى أم سبل وهو ينزو على أنثاه إذا بلغ من العمر خمس سنين، وتحمل أنثاه سنتين ثم تضع ولا يقربها الذكر في مدة حملها، ولا بعده بثلاث سنين ولا يلقح إلا ببلاده وإذا أرادت الوضع دخلت النهر لأن رجليها لا ينثنيان، فتخاف عليه، والذكر يحرسها خوفا على ولده من الحيات، فإنها تأكله، وهو عند شدة غلمته كالجمل، ويهيج في زمن الربيع، وزعم أهل الهند أن لسانه مقلوب، ولولا ذلك لكان يتكلم لشدة ذكائه، وقيل: إن ثدييه في صدره كالإنسان، وهو أضخم الحيوان، وأعظمه جرما، وما ظنك بخلق ربما كان نابه أكثر من ثلاثمائة سن، وهو مع ذلك أملح وأظرف من كل نحيف الجسم رشيق، وربما مر الفيل مع عظم بدنه خلف القاعدة فلا يشعر برجله ولا يحس بمروره لخفة همسه، واحتمال بعض جسده لبعض، وأهل الهند يزعمون أن أنياب الفيل، وقرناه يخرجان مستبطنين حتى يخرقان وخرطوم أنفه يده وبه يتناول الطعام إلى جوفه وبه يقاتل وبه يصيح وصياحه ليس في مقدار جرمه. وقيل: إن الفيل جيد السباحة وإذا سبح رفع خرطومه كما يغيب الجاموس جميع بدنه، إلا منخريه ويقوم خرطومه مقام عنقه والخرق الذي في خرطومه لا ينفذ، وإنما هو وعاء إذا ملأه من طعام أو ماء أولجه في فيه لأنه قصير العنق لا ينال ماء ولا مرعى، وأهل الهند تجعله في القتال وهو أيضا يقاتل مع جنسه، فمن غلب دخلوا تحت أمره. وقيل: جعل الله في طبع الفيل الهرب من السنور. حكي عن هارون مولى الأزد أنه خبأ معه هرا ومضى بسيف إلى الفيل فلما دنا منه رمى بالهر في وجهه فأدبر

стр. 364

هاربا وكبر المسلمون، وظنوا أنه هرب منه. قال أبو الشمقمق: يا قوم إني رأيت الفيل بعدكم ... تبارك الله لي في رؤية الفيل رأيت بيتا له شيء يحرّكه ... فكدت أفعل شيئا في السراويل وقيل: إذا اغتم الفيل لم يكن لسواسه هم إلا الهرب بأنفسهم ويتركونه. ومن عجيب أمره أن سوطه الذي به يحث ويضرب محجن حديد أحد طرفيه في جبهته والآخر في يد راكبه، فإذا أراد شيئا غمزه به في لحمه وأول شيء يؤدبون به الفيل يعلمونه السجود للملك. قيل: خرج كسرى أبرويز لبعض الأعياد وقد صفوا له ألف فيل وأحدق به ثلاثون ألف فارس، فلما رأته الفيلة سجدت له، فما رفعت رؤوسها حتى جذبت بالمحاجن وراضتها الفيالون، وتزعم أهل الهند أن جبهة الفيل تعرق كل عام عرقا غليظا سائلا أطيب من رائحة المسك، ولا يعرض ذلك العرق إلا في بلادها خاصة، وإن عظام الفيل كلها عاج إلا أن جوهر نابه أكرم وأثمن ولولا شرف العاج وقدره لما فخر الأحنف بن قيس على أهل الكوفة في قوله: نحن أكثر منكم عاجا وساجا وديباجا وخراجا، وقيل أن الفيلة لا تتسافد في غير بلادها. فائدة: من قرأ سورة الفيل ألف مرة في كل يوم عشرة أيام متوالية، ثم جلس على ماء جار، وقال: اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر، اللهم عز الظالم وقلّ الناصر، وأنت المطلع العالم اللهم إن فلانا ظلمني وأساءني ولا يشهد بذلك غيرك أنت مالكه فأهلكه، اللهم سربله سربال الهوان، وقمصه قميص الردى، اللهم اقصفه ست مرات، اللهم اخفضه مرتين، فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، فإن الله يستجيب له ما لم يكن ظالما. الخواص: جلده إذا بخر به بيت هرب بقه وإذا سقي إنسان من وسخ أذنه نام نومة طويلة، وإذا علق من نابه شيء على شجرة لم تثمر، وإذا عمل من جلده ترس يكون أصلب من كل ترس. (حرف القاف) : (قاقم) دويبة تشبه السنجاب إلا أنه أبرد منه مزاجا، وهو أبيض يقق وجلده أعز قيمة من السنجاب. (قاوند) طير يكون بساحل البحر يبيض في الرمل ويحضن بيضه سبعة أيام، ثم تخرج أفراخه بعد ذلك، فيزقها بعد سبعة أيام، ويقال ما يمسك الله البحر في هيجانه عن أن يفيض على الساحل إلا إكراما له لأنه يقال أنه يبر والديه. خواصه: أنه يقيم المقعد ويحلل البلاغم المزمنة وينفع الأمراض الباردة وأوجاع الأعصاب. (قرد) حيوان معروف وكنيته أبو خالد، وغير ذلك، وهو قبيح المنظر، مليح الذكاء، سريع الفهم يتعلم الصنائع. قيل: إنه أهدي للمتوكل قرد خياط، وآخر صائغ، وأهل اليمن يعلمون القرد البيع والجلوس في الدكاكين حتى قيل إنه يخرز النعل ويصر القرطاس، وهو ذو غيرة، وعنده لواط حتى قيل أنه يعدو خلف المليح من شدة المحبة، والتفت ابن الرومي يوما إلى أبي الحسن الأخفش وهو يحاكي القرد فقال: هنيئا يا أبا الحسن المفدّى ... بلغت من الفضائل كلّ غاية شركت القرد في قبح وسخف ... وما قصّرت عنه في الحكاية (قنفذ) بالذال المعجمعة وكنيته أبو سفيان، ومن عجيب أمره أنه يصعد الكرم، فيرمي العنقود، ثم ينزل، فيأكل منه ما أطاق، فإن كان له أفراخ تمرغ في الباقي فيتعلق بشوكه، فيذهب به إلى أولاده، وهو مولع بأكل الأفاعي، فإذا لدغته لا يؤثر فيه سمها لدفع ذلك بشوكه، وإذا تأذى منها ذهب فأكل السعتر البري، فيزول أذاها، وهو الحيوان الذي يسفد مباطنة كالرجل وله خمسة أرجل. (حرف الكاف) : (كركند) «١» حيوان يوجد ببلاد الهند والنوبة وهو دون الجاموس وله قرن واحد عظيم لا يستطيع رفع رأسه منه لثقله، وهو مصمت قوي يقاتل به الفيل، فيغلبه، ولا تعمل ناباه شيئا معه وعرض قرنه شبران، وليس بطويل جدا، وهو محدد الرأس شديد الملامسة، وإذا نشر قرنه ظهرت في معاطفه صور عجيبة كالطواويس والغزلان، وأنواع الطير، والشجر وبني آدم، ولذلك يتخذ منه صفائح الأسرة والمناطق للملوك، ويتغالون في ثمنها بحيث تبلغ المنطقة أربعة آلاف أو أكثر، والأنثى تحمل ثلاث سنين ويخرج ولدها نابت الأسنان والقرون، قوي الحافر، ويقال

стр. 365

إنها إذا قاربت الوضع أخرج الولد رأسه من بطنها وصار يرعى أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه في بطن أمه، ويزعم أهل الهند أنه إذا كان ببلاد لم يدع فيها من الحيوان شيئا حتى يكون بينها وبينه مائة فرسخ من جميع الجهات هيبة له وهربا منه، ويسمى الحمار الهندي، وهو شديد العداوة للإنسان يتبعه إذا سمع صوته، فيقتله، ولا يأكل منه شيئا. (كروان) طير معروف لا ينام غالب الليل خصوصا في القمر، وعنده ذكاء قيل: إنه يتكلم بجميع ما يبصره ولا يحتمل المغابنة. (كركي) طير محبوب للملوك وله مشتى ومصيف، فمشتاه بأرض مصر، ومصيفه بأرض العراق، وهو من الحيوان الرئيس، قيل: إذا نزل بمكان اجتمع حلقة ونام، وقام عليه واحد يحرسه وهو يصوت تصويتا لطيفا حتى يفهم أنه يقظان، فإذا تمت نوبته أيقظ غيره لنوبته، قال القزويني: وإذا مشى وطىء الأرض بإحدى رجليه، وبالأخرى قليلا خوفا من أن يحس به، وإذا طار سار سطرا يقدمه واحد كهيئة الدليل، ثم تتبعه البقية. (كلب) معروف وهو نوعان «١» : أهلي وسلوقي، وهذان النوعان سواء إلا أن أنثى السلوقي أسرع في التعلم من ذكره، وهذا الحيوان حليم، وعنده رياضة، وفي طبعه إكرام الأجلاء من الناس. وحكي أن رجلا عزم جماعة، فتخلف شخص منهم في منزله، ودخل على زوجة صاحب المنزل، فضاجعها، فوثب الكلب عليهما، فقتلهما، فرجع صاحب المنزل، فوجدهما قتيلين، فأنشد يقول: وما زال يرعى ذمّتي ويحوطني ... ويحفظ عهدي والخليل يخون فواعجبا للخل يهتك حرمتي ... وواعجبا للكلب كيف يصون «٢» وحكى أبو عبيدة قال: خرج رجل إلى الجبانة ومعه أخوه وجاره لينظروا إلى الناس، فتبعه كلب له، فضربه ورماه بحجر، فلم ينته، ولم يرجع، فلما قعد ربض الكلب بين يديه، فجاء عدو له في طلبه، فلما رآه خاف على نفسه، فإذا بئر هناك قريبة القعر، فنزل فيها وأمر أخاه وجاره أن يهيلا عليه التراب، ثم ذهب أخوه وجاره إلى سبيلهما، وصار الكلب ينبح حوله فلما انصرف العدو أتاه الكلب، فما زال يبحث في التراب إلى أن كشفه عن رأسه، فتنفس الرجل، ومر به أناس، فتناولوه وردوه إلى أهله، فلما مات ذلك الكلب عمل له قبر ودفنه فيه، وجعل عليه قبة وسمى ذلك قبر الكلب وفي ذلك قيل: تفرّق عنه جاره وشقيقه ... وما حاد عنه كلبه وهو ضاربه ومن ذلك ما حكي أن رجلا قتل ودفن، وكان معه كلب فصار يأتي كل يوم إلى الموضع الذي دفن فيه، وينبح وينبش ويتعلق برجل هناك، فقال الناس: إن لهذا الكلب شأنا، فكشفوا عن ذلك وحفروا ذلك الموضع، فوجدوا قتيلا، فقبضوا على ذلك الرجل الذي ينبح عليه الكلب وضربوه، فأقر بقتله، فقتل، وهو من الحيوان الذي يعرف الحسنة، وقيل: أن الأنثى تحيض في كل شهر سبعة أيام وأكثر ما تضع إثنا عشر جروا، وذلك في النادر، والغالب خمسة أو ستة، وربما ولدت واحدا، ويعيش الكلب في الغالب عشر سنين، وربما بلغ عشرين سنة، ووصف للمتوكل كلب بأرمينية يفترس الأسد، فأرسل من جاء به إليه، فجوع أسدا وأطلقه عليه، فتهارشا وتواثبا حتى وقعا ميتين، وقيل: كلب الصياد يشبه به الفقير المجاور للغني لأنه يرى من نعمته وبؤس نفسه ما يفتت كبده، وقيل لرجل: ما بال الكلب يرفع رجله إذا بال؟ قال: يخاف أن يلوث ذراعيه. قيل: أو للكلب ذراعان؟ قال: هو يتوهم ذلك. فائدة: حكي أن الإمام أحمد بن حنبل ﵁ سمع شخصا من وراء النهر يروي أحاديث مثلثة، فسار إليه، ودخل عليه فوجده يطعم كلبا، وهو مشتغل به. قال الإمام أحمد: فأخذت في نفسي، وأضمرت أن أرجع إذا لم يلتفت الرجل إليّ، ثم قال: حدثني أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامة، فلم يلج الجنة، وإن أرضنا هذه ليست بأرض كلاب، وقد قصدني هذا الكلب، فخشيت أن أقطع رجاءه» . قال، فقال الإمام أحمد ﵀: هذا الحديث يكفيني، ثم رجع قافلا إلى أهله. فائدة أخرى: قال الترمذي: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض سلط عليه إبليس السباع، وكان أشدها الكلب، قال: فنزل عليه جبريل ﵇، وأمره أن يضع يده

стр. 366

عليه، ففعل، واطمأن إليه، وألفه وصار يحرسه، وبقيت الألفة فيه لأولاده إلى يوم القيامة، وقيل: إن أول من اتخذ الكلب بعد آدم نوح عليهما الصلاة والسلام، وذلك لأن قومه كانوا يعمدون بالليل، فيفسدون ما صنعه في السفينة بالنهار، فأمره الله أن يتخذ كلبا حارسا، ففعل، قال: فكان إذا أتاه مفسد قام عليه، فيستيقظ نوح ﵊ فيدفعه. فائدة أخرى: قيل: كان كلب أهل الكهف أسمر، واسمه قطمير، وقيل: أصفر، وقيل: خلنجي اللون وليس في الحيوان ما يدخل الجنة، إلا هو وكبش إسماعيل وناقة صالح وحمار العزير وبراق النبي ﷺ . فائدة أخرى: إذا نبح عليك كلب، وخفت منه فاقرأ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ٣٣ «١» . وقل بعد ذلك: لا إله إلا الله، فإنك تكفاه. (حرف اللام) : (لغلغ) طير معروف. قيل: إنه من طيور الفواخت ويأتي إلى أرض مصر في أيام الشتاء، فيأكل ما قسم الله له من الرزق، ويأكل منه من له فيه رزق، ثم يرحل إلى بلاده. (حرف الميم) : (مالك الحزين) طير يوجد بالضحضاح غذاؤه السمك وسمي بذلك لأنه قيل: أنه لا يشرب حتى يروى خوفا من أن ينقص الماء، وإذا نشف الضحضاح حزن لأنه لا يستطيع العوم، ونظيره دويبة بأرض فارس معروفة عندهم يقال: إن غذاءها التراب، فإذا أكلت لا تشبع خوفا من أن يفرغ. (حرف النون) : (نمل) قال ﵊: ألا تنظرون إلى صغير من خلق الله كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر. انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بحلظ البصر ولا بمستدرك الفكر كيف دبت على الأرض، وسعت في مناكبها، وطلبت رزقها تنقل الحبة إلى جحرها تجمع في حرها لبردها وفي وردها لصدرها لا يغفل عنها المنان ولا يحرمها الديان، ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها لقضيت من خلقها عجبا، وللقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، لا إله إلا هو ولا معبود سواه. وقيل: إذا خافت على حبها أن يعفن أخرجته إلى ظهر الأرض ليجف، وقيل: إنها تفلق الحبة نصفين خوفا من أن تنبت، فتفسد إلا الكزبرة، فإنها تفلقها أربعا لأنها من دون الحب ينبت نصفها، وليس كل أرباب الفلاحة يعرف هذا، فسبحان من ألهمها ذلك، وقيل: إنها تشم رائحة الشيء من بعيد ولو وضعته على أنفك لم تجد له رائحة، وإذا عجزت عن حمل شيء استعانت برفقتها، فيحملونه جميعا إلى باب جحرها، وقيل: إذا انفتح باب قرية النمل، فجعلت فيه زرنيخا أو كبريتا هجرتها، والله أعلم. (نحل) حيوان ليس له نظر في العواقب وله معرفة بفصول السنة، وأوقاتها وأوقات المطر، وفي طبعه الطاعة لأميره والانقياد له، ومن شأنه في تدبير معاشه أنه يبني له بيتا من الشمع شكلا مسدسا لا يوجد فيه اختلاف كالقطعة الواحدة إذا طار ارتفع في الهواء وحط على الأماكن النظيفة، وأكل نوار الزهر، والأشياء الحلوة وشرب من الماء الصافي، وأتى، فأخرج ذلك، فأول ما يخرج الشمع ليكون كالوعاء، ثم العسل وقيل: إنه يقسم الأعمال، فبعضه يعمل البيوت، وبعضه يعمل الشمع، وبعضه يعمل العسل، وفي طبعه النظافة فيجعل رجيعه خارج الخلية، وما مات منه أخرجه ورماه، وعنده الطرب فيحب الأصوات اللذيذة، وله آفات تقطعه كالظلمة والغيم والريح، والمطر والدخان والنار، وكذلك المؤمن له آفات تقطعه منها ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام ونار الهوى. فائدة: قيل: مرض شخص، فقال: إئتوني بماء وعسل، فأتوه بذلك، فخلط الجميع وشربه فشفي. وروي أن شخصا شكا إلى النبي ﷺ بطن أخيه، فأمره بشرب العسل، فشربه، ثم جاء ثانيا، فأمره بشربه، ثم جاء في الثالثة، فقال يا رسول الله: إن بطنه لم يزل، فقال رسول الله ﷺ : «صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عملا، فسقاه الثالثة فشفي» . نادرة: قيل إن بعضهم حضر مجلس المنصور، فقال بعض الحاضرين المراد من قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٢» . أهل البيت فإنهم

стр. 367

النحل، والشراب القرآن، فقال له بعض من حضره من اللطفاء: جعل الله طعامك وشرابك ما يخرج من بطون بني هاشم، فضحك الحاضرون عليه، وأبهته. الخواص: إذا خلط العسل الخالص بمسك خالص، واكتحل به نفع من نزول الماء في العين والتلطخ به يقتل القمل، ولعقه علاج لعضة الكلب، والمطبوخ منه نافع للمسموم «١» . (نسر) هو سيد الطيور ويعمر طويلا. قيل أنه يعيش ألف سنة وله قوة على الطيران حتى قيل: أنه يقطع من المشرق إلى المغرب في يوم، وجثته عظيمة حتى قيل: أنه يحمل أولاد الفيلة، وله قوة حاسة الشم، حتى قيل: أنه يشم رائحة الجيفة من مسيرة أربعمائة فرسخ، وإذا سقط على جيفة تباعدت عنها الطيور هيبة له حتى يفرغ من الأكل وعنده شره، قيل: إنه يأكل حتى يضعف عن الحركة بحيث أن أضعف الناس لو أراد إمساكه في تلك الحالة أمسكه، وإذا باض ذهب وأتى بورق الدلب، فجعله في عشه خوفا من الخفاش أن يفسد بيضه، وهو لا يحضن البيض، وإنما يبيض في الأماكن العالية ويبقيه في الشمس، فتكون حرارتها بمنزلة الحضن، ومن طبعه أنه لو شمّ الطيب مات، وعنده الحزن على فراق إلفه حتى قيل: إنه ليموت كمدا، ويقال للأنثى منه أم قشعم، وفي الحديث: «أتاني جبريل ﵇ فقال يا محمد: لكل شيء سيد، فسيد البشر آدم، وسيد ولد آدم أنت، وسيد الروم صهيب، وسيد فارس سلمان، وسيد الحبش بلال، وسيد الطيور النسر، وسيد الشهور رمضان، وسيد الأيام الجمعة، وسيد الكلام العربي، وسيد العربي القرآن، وسيد القرآن سورة البقرة» . الخواص: إذا أخذ قلب النسر وجعل في جلد الذئب وعلق على شخص كان مهابا عند الناس مقضي الحاجة، وإذا عسر على المرأة الوضع جعل تحتها من ريشه يسهل وضعها. (نعام) يذكر ويؤنث وتسمى الأنثى بأم البيض والذكر بالظليم، ومن عجيب أمرها أنها تبيض بيضا طوالا متساوية القدر وتجعلها أثلاثا للحضن وثلثا تأكله في حضنها، وثلثا تكسره وتفتحه فيتعفن ويدود فيكون منه غذاء أولادها، وعندها الحمق أنها تخرج من حضنها فتجد بيض غيرها، فتحضنه وتترك بيض نفسها. فائدة: روى كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى لما خلق القمح وأنزله على آدم كان على قدر بيض النعام، وقال له: هذا رزقك ورزق أولادك قم فاحرث وازرع، قال: ولم يزل الحب على ذلك مدة ثم نزل إلى بيض الدجاجة، ثم الحمامة، ثم النبق وكان في زمن العزيز على قدر الحمص، وقيل: كل حيوان إذا كسرت رجله مشى بالأخرى إلا النعام، فإنه يبرك إلى أن يموت، وخلق الله تعالى له قوة الشم البليغ حتى قيل: أنه يشم رائحة القناص من مسيرة نصف ميل، وهي لا تشرب الماء كالضب ويقال: إن القناص إذا أدركها أدخلت رأسها في شيء له شعب أو حجر تظن أنها قد استترت منه، ولها معدة قوية تقطع الحديد والصوان والجمر، وفي طبعها الأذى، يقال: أنها تخطف الحلق من أذن الصغير، وقيل أن الذئب لا يتعرض لبيض النعام وأفراخه مادام الأبوان حاضرين لأنهما إذا رأياه ركضه الذكر إلى أن يسلمه إلى الأنثى، فتركضه إلى أن تسلمه إلى الذكر ولا يزالان به حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا، وقيل: أشد ما يكون عدوها إذا استقبلت الريح وتقول العرب صنفان من الحيوان أصمان لا يسمعان: النعام والأفاعي، وسأل أبو عمرو الشيباني بعض العرب عن الظليم هل يسمع، فقال: يعرف بعينيه وأنفه ولا يحتاج معهما إلى سمع. (نمير) حيوان أغبر وكنيته أبو الصعب، وهو صنفان: صنف عظيم الجثة صغير الذنب، والآخر بالعكس. قال الجاحظ: وهو يحب الشراب وعنده شراسة في خلقه، ويقال: أن أنثاه لا تدع ولدها إلا مطوقا بحية ولا يضرها نهشها، وذلك لأجل الصياد حتى لا يظفر به، وإذا مرض أكل الفأر فيبرأ، وفي طبعه عداوة الأسد وعنده شرف في نفسه يقال: أنه لا يأكل جيفة ولا يأكل من صيد غيره، ولا يملك نفسه عند الغضب، وأدنى وثبته عشرون ذراعا وأكثرها أربعون. الخواص: من حمل من جلده شيئا صار مهابا عند الناس، ومن كان به بواسير فجلس على جلده زالت بواسيره. (حرف الهاء) : (هدهد) طير معروف، وهو من رسل سليمان ﵊ وعنده حدة البصر حتى قيل أنه يرى الماء

стр. 368

تحت الأرض وسبب غيابه عن خدمة سليمان ﵊ حين سأل عنه ولم يجده هو أن هدهدا من سبأ أخبره أن عرش بلقيس صفته كذا وكذا، فذهب لينظره فدخلت الشمس من مكانه، فرآها سليمان ﵊، فتفقده وطلبه، فلما حضر قال: يا نبي الله إني رأيت كيت وكيت، وقص عليه القصة، ويقال أنه قال لسليمان ﵊ لما أراد تعذيبه: يا نبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فارتعد سليمان من هذا الكلام وأطلقه. الخواص: إذا بخر البيت بريشه طرد الهوام عنه وعينه إذا علقت على صاحب النسيان ذكر ما نسيه وريشه إذا حمله إنسان وخاصم غلب خصمه وقضيت حاجته وظفر بما يريد ولحمه إذا أكل مطبوخا نفع من القولنج، وإن بخر بمخه برج حمام لم يقربه شيء يوذيه، ومن علق عليه لحيه الأسفل أحبه الناس، والله أعلم. (حرف الواو) : (ورشان) طير يتولد بين الحمام والفاختة، وهو حسن شديد الحنو يقال إنه يكاد يقتل نفسه إذا أمسك القناص أولاده من شدة حنوه، وقال بعضهم: أنه يقول في صياحه: لدوا للموت وابنوا للخراب، والهدهد يقول: إذا نزل القضاء عمي البصر، والفاختة تقول: ليت هذا الخلق ما خلقوا وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا وليتهم عملوا لما علموا، والخطاف يقول: قدموا خيرا تجدوه عند ربكم، والحمامة تقول: سبحان ربي الأعلى، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل لسان، والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى، والعقاب يقول: البعد عن الناس رحمة، ومن الطيور من يقرأ الفاتحة كالدرة ويمد صوته في الضالين كالقارىء. (حرف الياء) : (يأجوج ومأجوج) : سموا بذلك لكثرتهم، وقيل: بل هو اسم أعجمي غير مشتق. قال مقاتل: وهم ولد يافث بن نوح ﵊، وقول من قال: إن آدم نام، فاحتلم، فالتصق منيه بالتراب، فتولد منه هذا الحيوان مردود بعدم احتلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي الحديث: «يأجوج ومأجوج أمة عظيمة لا يموت أحدهم حتى يرى من صلبه ألف نسمة» انتهى. وهم أصناف منهم: ما طوله عشرون ذراعا، وما طوله ذراع وأقل وأكثر. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أن لهم مخالب الطير، وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، ولهم شعور تقيهم الحر والبرد، وإذا مشوا في الأرض كان أولهم بالشام وآخرهم بخراسان، يشربون مياه المشرق إلى بحيرة طبرية، ويمنعهم الله تعالى من دخول مكة والمدينة وبيت المقدس، ويأكلون كل شيء يمرون به، ومن مات منهم أكلوه، ويقال: أن صنفا منهم له أذنان إحداهما صلدة، والأخرى وبرة، فهو يلتحف بإحداهما ويفترش الأخرى. وفي الحديث: أنه ﵊ سئل هل بلغتهم الدعوة؟ فقال ﵊: دعوتهم ليلة أسري بي، فلم يجيبوا، فهم خلق النار. وفي الحديث أيضا: إن الله إذا كان يوما القيامة قال: يا آدم أرسل بعث النار، فيقول يا رب، وما بعث النار؟ فيقول الله تعالى من كل ألف تسعمائة وتسعون للنار وواحدة للجنة، قال: فاشتد الأمر على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم واحدا. وفي الحديث أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فأخبره بالردم، فقال: صفه، فقال يا رسول الله: انطلقت إلى أرض ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه، فدخلت في بيت، فلما كان وقت الغروب سمعت ضجة عظيمة أفزعتني، فارتعدت منها قال، فقال صاحب البيت لا بأس عليك إن هذه الضجة أصوات قوم يذهبون هذه الساعة من خلف هذا الردم أتريد أن تنظر إليه فإذا لبنه مثل الصخرة ومساميره مثل جذوع النخل كله من حديد كأنه البرد المخبر، فقال رسول الله ﷺ من سره أن ينظر إلى من رأى الردم، فلينظر هذا الرجل، قال المفسرون: وهذا هو السد الذي بناه ذو القرنين، وهذه الأمة خلفه تطلب المجيء إلى هذه الجهة تنقبه كل يوم، فيعيده الله كما كان إلى أن يقضي الله أمره ثم يسلط الله عليهم بعد ذلك دودا يطلع في حلاقيمهم، فيهلكهم الله به، والأخبار في ذلك كثيرة. (يجمور) دابة وحشية لها قرنان طويلان كأنهما منشاران تنشر بهما الشجر، وقيل: هو كالأيل يلقي قرنيه في كل سنة، وهما صامتان. وقال الجوهري: هو الحمار الوحشي. نادرة: قيل: ترافق رجلان في طريق، فلما قربا من مدينة من المدن قال أحدهما للآخر: قد صار لي عليك حق، وإني رجل من الجان ولي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: إذا وصلت إلى المكان الفلاني من هذه

стр. 369

المدينة، فهناك عجوز عندها ديك، فاشتره منها واذبحه، فقال له الآخر: وأنا أيضا لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: إذا ركب الجني إنسانا ما يعمل له قال: تشد إبهاميه بسير من جلد اليحمور وتقطر في أذنيه من ماء السذاب في اليمنى أربعا وفي اليسرى ثلاثا، فإن الراكب له يموت تفرقا ودخل الأنسي ففعل ما أمره به الجني من شراء الديك، وذبحه، فلم يشعر بعد أيام إلا وقد أحاط به أهل صبية من تلك البلدة وقالوا له: أنت ساحر، ومن حين ذبحت الديك سلبت من صبية عندنا عقلها، فلا نفلتك إلا إلى صاحب المدينة، قال: ائتوني بسير من جلد اليحمور وقليل من ماء السذاب، ودخلت على الصبية، فشددت وقطرت ماء السذاب في أذنيها، فسمعت صوتا يقول: آه علمتك على نفسي، ثم مات من ساعته، وشفى الله تلك الشابة. فصل في خواص الطير والحيوان على الإجمال الضب والخنزير لا يلقيان شيئا من أسنانهما أبدا، وكل حيوان يعوم بالطبع. الإنسان والقرد وكل ذي عين، فإن أهداب عينه في الجهة العليا فقط إلا الإنسان من الجهتين، والفرس لا طحال له والبعير لا مرارة له والظليم لا مخ لعظمه، والحيات لا ألسنة لها، والسمكة لارئة لها لأنها تتنفس من كبدها، وكل حيوان لا حافر له فله قرن وما لا قرن له فله حافر. والحيوان المتهم باللواط: القرد والخنزير والحمار والسنور، والعيون التي تضيء بالليل عين الأسد والنمر والأفعى والسنور. والذي يدخر القوت من الحيوان: الإنسان والفأر والغراب والنحل والنمل. والذي يحيض من الحيوان: الإنسان والفرس والكلب والأرنب والضبع والخفاش، ويقال أيضا: الرعاد من السمك فتبارك الله أحسن الخالقين، وهذا آخر ما قصدت إيراده في هذه الباب، والله أعلم بالصواب. الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم ذكر المسعودي في كتابه عن بعض العلماء: أن الله خلق في الأرض قبل آدم ثمانيا وعشرين أمة على خلق مختلفة، وهي أنواع منها: ذوات أجنحة وكلامهم قرقعة، ومنها ما له أبدان كالأسود ورؤوس كالطير، ولهم شعور وأذناب وكلامهم دوي، ومنها ما له وجهان واحد من قبله والآخر من خلفه، وأرجل كثيرة، ومنها يشبه نصف الإنسان بيد ورجل وكلامهم مثل صياح الغرانيق، ومنها ما وجهه كالآدمي وظهره كالسلحفاة وفي رأسه قرن وكلامهم مثال عوي الكلاب ومنها ما له شعر أبيض وذنب كالبقر، ومنها ما له أنياب بارزة كالخناجر وآذان طوال. ويقال: إن هذه الأمم تناكحت وتناسلت حتى صارت مائة وعشرين أمة، ولم يخلق الله تعالى أفضل ولا أحسن ولا أجمل من الإنسان. وقال عمر بن الخطاب ﵁: خلق الله تعالى ألف أمة وعشرين أمة منها ستمائة في البحر، وأربعمائة وعشرون في البر، وفي الإنسان من كل خلق، فلذلك سخّر الله له جميع الخلق، واستجمعت له جميع اللذات وعمل بيده جميع الآلات، وله النطق والضحك، والبكاء، والفكرة، والفطنة، واختراعات الأشياء، واستنباط جميع العلوم، واستخراج المعادن، وعليه وقع الأمر والنهي والوعد والوعيد والنعيم والعذاب، وإياه خاطب وله قرب، وخلق الله تعالى إسرافيل ﵇ على صورة الإنسان، وهو أقرب الملائكة إليه، وفي الحديث: «لا تضربوا الوجوه، فإنها على صورة إسرافيل» . وآيات الله تعالى في البشر أكثر من أن تحصر: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ «١» . وقال الشيخ عبد الله صاحب كتاب تحفة الألباب: دخلت إلى باشقرد فرأيت قبور عاد، فوجدت سن أحدهم طوله أربعة أشبار وعرضه شبران، وكان عندي في باشقرد نصف ثنية أخرجت لي من فك أحدهم الأسفل، فكان نصف الثنية شبرين ووزنها ألف ومائة مثقال، وكان دور فك ذلك العادي سبعة عشر ذراعا وطول عظم عضد أحدهم ثمانية أذرع، وعرض كل ضلع من أضلاعهم ثلاثة أشبار كلوح الرخام. قال: ولقد رأيت في بلغار سنة ثلاثين وخمسمائة من نسل عاد رجلا طويلا طوله أكثر من سبعة وعشرين ذراعا كان يسمى: دنقي أو ديقي وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الولد الصغير، وكان من قوته يكسر بيده ساق الفرس ويقطع جلده وأعضاءه كما يقطع

стр. 370

باقة البقل، وكان صاحب بلغار قد اتخذ له درعا تحمل على عجلة وبيضة عادية لرأسه كأنها قطعة من جبل، وكان يأخذ في يده شجرة من، البلوط كالعصا لو ضرب بها الفيل لقتله، وكان خيرا متواضعا، كان إذا لقيني يسلم عليّ ويرحب بي ويكرمني، وكان رأسي لا يصل إلى ركبتيه رحمة الله تعالى عليه، ولم يكن في بلغار حمام يمكنه دخولها إلا حمام واحدة، وكانت له أخت على طوله ورأيتها مرات في بلغار، وقال لي قاضي بلغار يعقوب بن النعمان: إن هذه المرأة العادية قتلت زوجها وكان اسمه آدم وكان أقوى أهل بلغار قيل: إنها ضمته إليها، فكسرت أضلاعه، فمات من ساعته. وروي عن وهب بن منبه في عوج بن عناق أنه كان من أحسن الناس وأجملهم إلا أنه كان لا يوصف طوله، قيل: إنه كان يخوض في الطوفان، فلم يبلغ ركبتيه، ويقال إن الطوفان علا على رؤوس الجبال أربعين ذراعا، وكان يجتاز بالمدينة فيتخطاها كما يتخطى أحدكم الجدول الصغير، وعمره الله دهرا طويلا حتى أدرك موسى ﵇، وكان جبارا في أفعاله يسير في الأرض برا وبحرا ويفسد ما شاء، ويقال: إنه لما حصر بنو إسرائيل في التيه ذهب فأتى بقطعة من جبل على قدرهم واحتملها على رأسه ليلقيها عليهم فبعث الله طيرا في منقاره حجر مدور فوضعه على الحجر الذي على رأسه، فانثقب من وسطه وانخرق في عنقه، وأخبر الله نبيه موسى ﵊ بذلك، فخرج إليه وضربه بعصا فقتله، ويقال: إن موسى ﵊ كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، وقفز في الهواء عشرة أذرع، وضربه فلم يصل إلى عرقوبه، فتبارك الله أحسن الخالقين. ومن ذلك ما قيل عن أمه عناق بنت آدم ﵊، وكانت مفردة بغير أخ، وكانت مشوهة الخلقة لها رأسان، وفي كل يد عشرة أصابع، ولكل أصبع ظفران كالمنجلين. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هي أول من بغى في الأرض وعمل الفجور، وجاهر بالمعاصي واستخدم الشياطين وصرفهم في وجوه السحر، وكان قد أنزل الله على آدم ﵊ أسماء عظيمة تطيعه الشياطين بها وأمره أن يدفعها إلى حواء لتحترز بها، فغافلتها عناق وسرقتها واستخدمت بها الشياطين، وتكلمت بشيء من الكهانة، فدعا عليها آدم، وأمنت على ذلك حواء، فأرسل الله عليها أسدا أعظم من الفيل، فهجم عليها وقتلها، وذلك بعد ولادتها عوجا بسنتين. ومن ذلك ما حكي عن بعض فقهاء الموصل: أنه شاهد ببلاد الأكراد المحمدية في جبل من جبال الموصل إنسانا طوله تسعة أذرع وهو صبي لم يبلغ الحلم وكان يأخذ بيده الرجل القوي ويرميه خلف ظهره فأراد صاحب الموصل استخدامه، فقيل له في عقله خبل، فتركه. وروي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: دخلت بلدة اليمن، فرأيت بها إنسانا من وسطه إلى أسفله بدن واحد، ومن وسطه إلى أعلاه بدنان مفترقان برأسين ووجهين وأربع أيد، وهما يأكلان ويشربان ويتقاتلان ويتلاطمان ويصطلحان. قال: ثم غبت عنهما قليلا ورجعت، فقيل لي: أحسن الله عزاءك في أحد الشقين، فقلت: وكيف صنع به؟ فقيل: ربط في أسفله حبل وثيق وترك حتى ذبل، ثم قطع ورأيت الجسد الآخر بالسوق ذاهبا وراجعا «١» . ومنه: ما أرسله بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة، وهو رجلان في جسد واحد، فأحضر الأطباء وسألهم عن انفصال أحدهما عن الآخر فسألوهما هل تجوعان معا وتعطشان معا؟ قال: نعم، فقالوا له: لا يمكن فصلهما، ويقال: إنه أحضر أباهما فسأله عن حالهما، فأخبر أنهما يختصمان في بعض الأحيان وأنه يصلح بينهما «٢» . ومن ذلك: ما ذكر أنه أهدي إلى أبي منصور الساماني فرس له قرنان، وثعلب له جناحان إذا قرب منه إنسان نشرهما، وإذا بعد ألصقهما. وذكر القاضي عياض رحمة الله تعالى عليه أنه ولد له مولود على أحد جنبيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا لا يبعد، فإنه يوجد كثيرا في السنور الدبركي وذكر أنه ولد بالقاهرة غلام له أربعة أرجل، ومثلها أيد وذكر أنه كان لبعض ولاة مصر مملوك يدعى طقطو، فولاه فوض من أعمال الصعيد فتزوج بها وولد له ولد، ثم انقلب امرأة فتزوج بها وولدت ولدين، وأما كبش بأربعة قرون ودجاجة بأربعة أرجل، وحيوان برأسين، والمخرج واحد، فكثير، وعجائب الله تعالى في مصنوعاته غير متناهية، فلله الحمد على ما أنعم به علينا لا نحصي ثناء عليه. ومن ذلك: إنسان الماء وهو حيوان يشبه الآدمي، وفي بعض الأوقات يطلع ببحر الشام شيخ بلحية بيضاء، ويستبشر الناس برؤيته في تلك السنة بالخصب.

стр. 371

ومن ذلك: بنات الماء وهم أمة ببحر الروم يشبهن النساء ذوات شعور وثدي وفروج، وهن حسان ولهن كلام لا يفهم، وضحك ولعب، ولهن رجال من جنسهن ويقال: إن الصيادين يصطادونهن ويجامعونهن، فيجدون لذة عظيمة لا توجد في غيرهن من النساء، ثم يعيدوهن في البحور ثانيا، ويقال: إن هذا الصنف يوجد بالبرلس ورشيد على ما ذكر «١» . وحكي عن الشيخ أبي العباس الحجازي قال: حدثني بعض التجار أنه في سنة من السنين خرجت إليه سمكة عظيمة فنقبوا أذنها وجعلوا فيها الحبال، وأخرجوها، ففتحت أذنها، فخرجت جارية حسناء بيضاء سوداء الشعر حمراء الخدين كحلاء العينين من أحسن ما يكون من النساء ومن صرتها إلى نصف ساقيها شيء كالثوب يستر قبلها ودبرها ودائر عليها كالإزار، فأخذها الرجال إلى البر، فصارت تلطم وجهها وتنتف شعرها، وتعض يدها وتصيح كما تصيح النساء حتى ماتت في أيديهم فألقوها في البحر، فتبارك الله أحسن الخالقين. وحكى القزويني عن بعض البحريين: أن الريح ألقتهم على جزيرة ذات أشجار، وأنهار، فأقاموا بها مدة وكانوا إذا جاء الليل يسمعون بها همهمة وأصواتا وضحكا ولعبا، فخرج من المركب جماعة وكمنوا في جانب البحر، فلما جاء الليل خرج بنات الماء على عادتهن، فوثبوا عليهن، فأخذوا منهن اثنتين، فتزوج بهما شخصان، فأما أحدهما، فوثق بصاحبته، فأطلقها، فوثبت في البحر، وأما الآخر فبقي مع صاحبته زمانا وهو يحرسها حتى ولدت له ولدا كأنه القمر، فلما طاب الهواء، وركبوا البحر ووثق بها، فأطلقها، فأغفلته وألقت نفسها في البحر، فتأسف عليها تأسفا عظيما، فلما كان بعد أيام ظهرت من البحر ودنت من المراكب وألقت لصاحبها صدفا فيه در وجوهر، فباعه وصار من التجار. ونظير هذه الحكاية: ما ذكره ابن زولاق في تاريخه أن رجلا من الأندلس من الجزيرة الخضراء صاد جارية منهن حسناء الوجه سوداء الشعر حمراء الخدين نجلاء العينين كأنها البدر ليلة التمام كاملة الأوصاف فأقامت عنده سنين وأحبها حبا شديدا وأولدها ولدا ذكرا، وبلغ من العمر أربع سنين، ثم إنه أراد السفر فاستصحبها معه، ووثق بها، فلما توسطت البحر أخذت ولدها وألقت نفسها في البحر، فكاد أن يلقي نفسه خلفها حسرة عليها، فلم يمكنه أهل المركب من ذلك، فلما كان بعد ثلاثة أيام ظهرت له، ألقت له صدفا كثيرا فيه در، ثم سلمت عليه وتركته، فكان ذلك آخر العهد بها، فتبارك الله ما أكثر عجائب خلقه، وما لم نشاهده ونسمع به أكثر، فسبحان القادر على كل شيء لا إله إلا هو ولا معبود سواه، فالعاقل يعرف الجائز، والمستحيل، ويعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدرة الله تعالى قليل، وإذا سمع عجبا جائزا استحسنه ولم يكذب قائله، والجاهل إذا سمع ما لم يشاهده قطع بتكذيب قائله، وتزييف ناقله، وذلك لقلة عقله. وقد وصف الله تعالى الجاهل بعدم العقل بقوله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ «٢» وقد أودع الله تعالى من عجائب المصنوعات في الآفاق والسماوات ما يدل عليه قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ١٠٥ «٣» . فلا تكن منكر العجائب، فكل الأشياء من آياته: فيا عجبا كيف يعصى الال ... هـ أم كيف يجحده الجاحد وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنه الواحد ومن شاهد حجر المغناطيس وجذبه للحديد، وكذلك حجر الماس الذي يعجز عن كسره الحديد ويكسره الرصاص ويثقب الياقوت والفولاذ ولا يقدر على ثقب الرصاص يعلم أن الذي أودعه هذا السر قادر على كل شيء، فلا تكن مكذبا بما لا تعلم وجه حكمته، فإن الله تعالى قال: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ «٤» . قال صاحب تحفة الألباب: إن في بلاد السودان أمة لا رؤوس لهم، وقد ذكرهم الشعبي في كتاب سير الملوك، وذكر في بلاد المغرب أمة من ولد آدم كلهم نساء، ولا يعيش في أرضهم ذكر، وأن هؤلاء النساء يدخلن في ماء عندهم، فيحبلن من ذلك، وتلد كل إمرأة منهن بنتا ولا يلدن ذكرانا أبدا.

стр. 372

وقيل: إن ولد تبع اليماني وصل إليهم لما أراد أن يصل إلى الظلمات التي دخلها ذو القرنين، وإن ولد تبع هذا كان إسمه إفريقش، وهو الذي بنى إفريقية، وسماها باسمه، وأنه وصل إلى وادي السبت، وهو واد يجري فيه الرمل كما يجري فيه السيل لا يمكن أن يدخل فيه حيوان إلا هلك، فلما رآه استعجل الرجوع، وذو القرنين لما وصل إليه أقام إلى يوم السبت، فسكن جريانه فعبره إلى أن وصل إلى الظلمات، فيما يقال والله أعلم. وتلك الأمة التي لا رؤوس لهم أعينهم في مناكبهم وأفواههم في صدورهم، وهم كثيرون كالبهائم يتناسلون ولا مضرة على أحد منهم. وأما الملك العظيم والعدل الكثير والنعم الجزيلة والسياسة الحسنة، والرخاء والأمن الذي لا خوف معه، ففي بلاد الهند وبلاد الصين، وأهل الهند أعلم الناس بعلم الطب وعلم النجوم والهندسة والصناعات العجيبة التي لا يقدر أحد سواهم على أمثالها، وفي بلادهم وجزائرهم ينبت العود وشجر الكافور، وجميع أنواع الطيب كالقرنفل والنسبل والدارصيني «١» ، والكبابة، والبسباسة، وأنواع العقاقير والأدوية، وعندهم حيوان المسك، وهو حيوان كالغزال يجتمع المسك في سرته، وعندهم حيوان الزباد وهو حيوان كالسنور يخرج منه عرق كالقطران أسود ثخين يسيل من جسده وتزيد رائحته بالتغرب بحيث تكون أذكى من المسك الأذفر، ويخرج من بلادهم أنواع اليواقيت، وأكثرها في جزيرة سرنديب، وعلى جبلها نزل آدم ﵊ من الجنة فيما يقال. وحكي إنه كان ببابل سبع مدائن كل مدينة فيها أعجوبة كان في إحداها تمثال الأرض، فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته وامتنعوا عن القيام بالخراج خرج أنهارها عليهم في التمثال، فلا يطيق أهل تلك الناحية سد الماء حتى يعتدلوا، وما لم يسد التمثال لا يسد في ذلك البلد. وفي الثانية حوض إذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كل واحد بما أحب من الشراب، فصبه ذلك الحوض، فاختلطت الأشربة، فكل من سقي من ذلك الحوض كان شرابه الذي جاء به. وفي الثالثة طبل إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه، فإن كان حيا سمع له صوت وإن كان ميتا لم يسمع له صوت. وفي الرابعة مرآة إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب نظروا فيها، فأبصروه على أي حالة هو عليها، كأنهم يشاهدونه. وفي الخامسة أوزة من نحاس، فإذا دخل الغريب صوتت الأوزة صوتا يسمعه أهل المدينة. وفي السادسة قاضيان جالسان على الماء فيأتي الخصمان، فيمشي المحق على الماء حتى يجلس مع القاضيين، ويقع المبطل في الماء. وفي السابعة شجرة ضخمة لا تظل إلا ساقها، فإن جلس تحتها أحد أظلته إلى ألف شخص، فإذا زادوا على الألف واحدا جلسوا في الشمس كلهم. ولو بسطت المقال في ذلك لا تسع المجال. وقد اقتصرت في ذلك على ما ذكرت والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الرابع والستون في خلق الجان وصفاتهم روي عن الشيخ عبد الله صاحب تحفة الألباب أنه قال: قرأت في بعض الكتب المتقدمة المأثورة عن العلماء رحمهم الله تعالى أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الجان خلق نار السموم وخلق من مارجها خلقا سماه جانا، كما قال الله تعالى: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ٢٧ «٢» وقال الله تعالى في موضع آخر: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ١٥ «٣» وقيل: إن الله تعالى خلق الملائكة من نور النار، والجان من لهبها والشياطين من دخانها، وقد جاء في بعض الأخبار أن نوعا من الجن في قديم الزمان قبل خلق آدم ﵊ كانوا سكانا في الأرض قد طبقوها برا وبحرا، سهلا وجبلا، وكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة، وكانوا يطيرون إلى السماء، ويسلمون على الملائكة، ويستعلمون منهم خبر ما في السماء. وكثرت نعم الله عليهم إلى أن بغوا وطغوا وتركوا

стр. 373

وصايا أنبيائهم، فأرسل الله تعالى عليهم جندا من الملائكة فحصل بينهم مقتلة عظيمة، وغلبوا الجن وطردوهم إلى أطراف البحار وأسروا منهم أمما كثيرة. وذكر المسعودي أن الفرس واليونان قالوا: كان الجن بالأرض قبائل منهم من يسترق السمع، ومنهم من ينط مع لهب النار، ومنهم من يطير، ولكل قبيلة ملك، وكان من جملتهم إبليس لعنه الله، ثم بعد خمسة آلاف سنة افترقوا وملكوا عليهم ملوكا، وأقاموا على ذلك مدة طويلة، ثم تحاسدوا على الملك، وأغار بعضهم على بعض وجرت بينهم وقائع وحروب، وكان إبليس لعنه الله يصعد إلى السماء ويختلط بالملائكة، فبعثه الله تعالى بجيوش من الملائكة، فهزم الجن، وقتلهم، وتملك الأرض مدة طويلة إلى أن خلق آدم ﵊ واتفق له معه ما اتفق، وأهبط آدم إلى الأرض وعظم شأنه، فعند ذلك انتقل إبليس إلى البحر المحيط وسكن هناك، ثم ألقى عليه قوة شهوة السفاد فهو لا يلد لكنه يلقح كالطير، ويبيض ويفرخ. قيل: إنه يخرج من كل بيضة ستون ألف شيطان، فيسلطهم على الخلق، وأقربهم إليه وأدناهم منه، ومن مجلسه، أكثرهم إيذاء للخلق. وفي الحديث: أن إبليس لعنه الله قال يا رب أنزلتني إلى الأرض وطردتني وجعلتني رجيما فاجعل لي مسكنا قال: مسكنك الأسواق قال: فاجعل لي طعاما. قال: ما لم يذكر اسمي عليه. قال: فاجعل لي شرابا قال: كل مسكر. قال: فاجعل لي مؤذنا. قال: المزامير. قال: فاجعل لي صيدا، أو قال مصائد قال: النساء. فصل في مكايده لعنه الله منها: أنه كان في بني إسرائيل عابد يدعى برصيصا وله جار له بنت فحصل لها مرض، فقال له جيرانه لو حملتها إلى جارك برصيصا ليدعو لها، قال فجاء إبليس إلى العابد، وقال إن لجارك عليك حق الجوار، وإن له بنتا مريضة، فما ضرك لو جعلتها عندك في جانب البيت ودعوت الله لها عقب عبادتك، فعسى أن تشفى من مرضها. قال: فلما أتاه جاره بالبنت قال له العابد: دعها وانصرف. قال: فتركها عنده مدة حتى شفيت، فجاء له إبليس ووسوس له حتى وطئها، فحملت منه، فلما حملت جاء له إبليس لعنه الله فقال له: اقتلها لئلا تفتضح قال: فقتلها، ودفنها. قال: فعند ذلك ذهب الشيطان إلى أهلها وأعلمهم بذلك، فجاءوا إلى العابد وكشفوا عن قضيته، ثم أخذوه ومضوا ليقتلوه، فعارضه إبليس اللعين في الطريق، فقال له: إن سجدت لي خلصتك منهم، فسجد له، فعند ذلك تبرأ منه ومات الرجل كافرا. اللهم اعصمنا من مكائد الشيطان برحمتك يا أرحم الراحمين. ومن ذلك ما اتفق أن بني إسرائيل اتخذوا شجرة وصاروا يعبدونها فجاء بعض عبادهم بفأس ليقطعها، فعارضه إبليس لعنه الله، وقال له: تركت عبادتك وجئت لشيء لا يعود عليه نفعه، ولم يزل به حتى تقاتل معه، فصرعه العابد، وجلس على صدره، ثم رجع ولم يزل يعمل معه ذلك في كل يوم إلى ثلاثة أيام، فلما رآه لا يرجع قال له: اترك قطعها، وأنا أجعل لك في كل يوم دينارين تستعين بهما على نفقتك وعبادتك، وعاهده على ذلك، فرجع. قال: فجعل له تحت وسادته دينارين، ثم دينارين، ثم دينارين، ثم قطع ذلك عنه، فأخذ العابد الفأس وذهب إلى قطع الشجرة، فعارضه إبليس في الطريق، وتحاور معه، وتجاذبا، فصرعه إبليس وجلس على صدره، وقال له: إن لم ترجع عن قطعها، وإلا ذبحتك، فقال له العابد: خل عني، واخبرني كيف غلبتني، فقال له: لما غضبت لله غلبتني، ولما غضبت لنفسك غلبتك. ومنها أشياء كثيرة ليس هذا محل استيفائها. قال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ٥٠ «١» . فصل في المتشيطنة وهم أنواع كثيرة منها: الولهان يوجد في جزائر البحار على صورة الإنسان. حكى بعض المسافرين أنه عرض لمركب وهو راكب على نعامة يريد أخذ المركب، وصاح بهم صيحة عظيمة خروا منها على وجوههم وأخذ بعض من في المركب. ومنها السعلاة يحكى أن صنفا منها يتزيا بزي النساء، ويتراءى للرجال. وحكي أن بعضهم تزوج امرأة منهن وهو لا يعلم، فأقامت معه مدة وولدت منه أولادا ذكورا وأناثا، فلما

стр. 374

كانت ذات ليلة صعدت معه السطح، فنظرت، فرأت نارا من بعد عند الجبانة، فاضطربت، وقالت: ألم تر نيران السعالى، وتغير لونها، وقالت: بنوك وبناتك أوصيك بهم خيرا، ثم طارت ولم تعد إليه، ومنها نوع يقال له: المذهب يخدم العباد ومقصوده بذلك أن يعجبوا بأنفسهم. وحكي أن بعض العباد نزل صومعة يتعبد فيها، فأتاه شخص بسراج وطعام، فتعجب العابد من ذلك، فقال له شخص بالصومعة: إنه المذهب يريد أن يخيل لك أن ذلك من كرامتي، والله إني لأعلم أنه شيطان. وقال بعض الصوفية: المذهب أصناف منهم من يحمل الفانوس بين يدي الشيخ، ومنهم من يأتيه بالطعام والشراب وغير ذلك، ومنهم من ينشد الشعر. وقال بعض المسافرين: أبق لي غلام، فخرجت في أثره، فإذا أنا بأربعة يتناشدون شعر الفرزدق وجرير. قال: فدنوت منهم، وسلمت عليهم، فقالوا: ألك حاجة؟ فقلت: لا، فقال بعضهم: تريد غلامك؟ قلت: وما أعلمك بغلامي؟ قال: كعلمي بجهلك. قلت: أو جاهل أنا؟ قال: نعم، وأحمق. قال: ثم غاب وأتاني بالغلام مقيدا، فلما رأيته غشي عليّ، فلما أفقت قال: أنفخ في يده، ففعلت، فانفرج القيد عنه وصرت لا أنفخ في شيء من ذلك ولا في وجع من الأوجاع إلا برىء وخلص صاحبه. ومنها نوع يقال له: العفريت، يخطف النساء. يقال: إن رجلا اختطفت ابنته في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقال بعض المسافرين: بينما نحن سائرون ذات ليلة إذ عرض لي قضاء الحاجة، فانفردت عن رفقتي، وضللت عنهم، فبينما أنا سائر في أثرهم إذ رأيت نارا عظيمة وخيمة، فجئت إلى جانبها، وإذا أنا بجارية جميلة جالسة فيها، فسألتها عن حالها، فقالت: أنا من فزارة إختطفني عفريت يقال له ظليم وجعلني ههنا، فهو يغيب عني بالليل، ويأتيني بالنهار، فقلت لها امضي معي، فقالت: أهلك أنا وأنت، فإنه يتبعنا ويأتينا، فيأخذني ويقتلك، فقلت: لا يستطيع أخذك ولا قتلي، وما زلت أرددها الحديث حتى رضيت، فأنخت لها ناقتي، فركبتها، وسرت بها حتى طلع الفجر، فالتفت، فإذا أنا بشخص عظيم مهول قد أقبل ورجلاه تخطان في الأرض، فقالت: ها هو قد أتانا، فأنخت ناقتي وخططت حولها خطا «١» ، وقرأت آيات من القرآن، وتعوذت بالله العظيم، فتقدم وأنشد يقول: يا ذا الذي للحين يدعوه القدر «٢» خل عن الحسناء «٣» ثم سر وإن تكن ذا خبرة فينا اصطبر «٤» قال، فأجبته: يا ذا الذي للحين يدعوه الحمق خل عن الحسناء رسلا وانطلق «٥» ما أنت في الجن بأوّل من عشق قال: فتبدى لي في صورة أسد، وجاذبني وجاذبته ساعة، فلم يظفر أحد منا بصاحبه، فلما أيس مني قال: هل لك في جز ناصيتي، أو إحدى ثلاث خصال؟ قلت: وما هن؟ قال: مائتان من الإبل، أو أخدمك أيام حياتي، أو ألف دينار الساعة، وخلّ بيني وبين الجارية، فقلت لا أبيع ديني بدنياي، ولا حاجة لي بخدمتك، فاذهب من حيث أتيت. قال: فانطلق، وهو يتكلم بكلام لا أفهمه، وسرت بالجارية إلى أهلها، وتزوجت بها، وجاءني منها أولاد. وقيل: لما سخر الله تعالى الجن لسليمان ﵊ نادى جبريل ﵇: أيها الجن أجيبوا نبي الله سليمان بن داود بإذن الله تعالى، قال: فخرجت الجن والشياطين من الجبال والكهوف والغيران «٦» والأودية والفلوات والآجام وهم يقولون: لبيك لبيك والملائكة تسوقهم سوق الراعي للغنم حتى حشرت بين يدي سليمان ﵊ طائعة ذليلة، وكانوا إذا ذاك أربعا وعشرين فرقة، فنظر إلى ألوانها، فإذا هي سود وشقر ورقط وبيض وصفر وخضر، وعلى صور جميع الحيوانات، ومنهم من رأسه رأس أسد وبدنه بدن الفيل،

стр. 375

ومنهم من له خرطوم وذنب، ومنهم من له قرون وحوافر، وغير ذلك من الأنواع قال: فعند ذلك تعجب نبي الله سليمان ﵊ من هذه الأشكال، وسجد شكرا لله تعالى، وقال: إلهي ألبسني هيبة من عندك، وجعل يسألهم عن طباعهم، وعن طعامهم وشرابهم، وهم يجيبونه، ثم فرقهم في الصنائع: من قطع الصخور والأحجار والأشجار والغوص في البحار، وأبنية الحصون، وفي استخراج المعادن والجواهر. قال الله تعالى: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ٣٩ «١» . ونكتفي من ذلك بهذا القدر اليسير، والله المسؤول في تيسير كل عسير، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الخامس والستون في ذكر البحار وما فيها من العجائب وذكر الأنهار والآبار وفيه فصول الفصل الأول في ذكر البحار روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق الماء خلق ياقوتة خضراء لا يعلم طولها وعرضها إلا الله ، ثم نظر إليها بعين الهيبة، فذابت وصارت ماء فاضطرب الماء، فخلق الريح ووضع عليها الماء، ثم خلق العرش ووضعه على متن الماء وعليه قوله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ «٢» . واعلم أن بحر الظلمات «٣» لا يدخله شمس ولا قمر، وإن بحر الهند خليج منه «٤» ، وبحر اللاذقية خليج منه «٥» ، وبحر الصين خليج منه، وبحر الروم خليج منه «٦» ، وبحر فارس خليج منه «٧» ، وكل هذه البحار التي ذكرتها أصلها من البحر الأسود الذي يقال له البحر المحيط «٨» ، وأما بحر الخزر «٩» وبحر خوارزم «١٠» ، وبحر أرمينية «١١» ، والبحر الذي عند مدينة النحاس، وغير ذلك من البحار الصغار فهي منقطعة عن البحر الأسود «١٢» ، ولذلك ليس فيها جزر ولا مد. وقيل سئل النبي ﷺ عن الجزر والمد، فقال: هو ملك عال قائم بين البحرين إن وضع رجله في البحر حصل له المد، وإذا رفعها حصل له الجزر «١٣» . وقيل: إنما سمي البحر الأسود لأن ماءه في رأى العين كالحبر الأسود، فإن أخذ منه الإنسان في يده شيئا رآه أبيضا صافيا إلا أنه أمرّ من الصبر مالح شديد الملوحة، فإذا صار ذلك الماء في بحر الروم تراه أخضر كالزنجار، والله تعالى يعلم لأي شيء ذلك. وكذلك يرى في بحر الهند خليج أحمر كالدم، وبحر أصفر كالذهب، وخليج أبيض كاللبن تتغير هذه الألوان في هذه المواضع، والماء في نفسه أبيض صاف، وقيل: إن تغيّر الماء بلون الأرض. وأما ما يخرج من البحر من السمك وغيره فقد روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى ساحل البحر، وأمّر علينا أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه نتلقىّ عير قريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة نمصها ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، فأشرفنا على ساحل البحر، فرأينا شيئا كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هو دابة من دواب البحر تدعى العنبر «١٤» ، فأقمنا شهرا نأكل منها، ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، ولقد رأيتنا نغترف من الدهن الذي في وقب عينيها بالقلال، ونقطع منه القطعة كالثور، ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينها، وأخذ

стр. 376

ضلعا من أضلاعها، فأقامها، ثم رحّل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها وتزودنا من لحمها، فلما قدمنا المدينة ذكرنا لرسول الله ﷺ ذلك، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمها، فتطعمونا، فأرسلنا له منه، فأكله. وقيل: يخرج من البحر سمكة عظيمة، فتتبعها سمكة أخرى أعظم منها لتأكلها فتهرب منها إلى مجمع البحرين «١» ، فتتبعها، فتضيق عليها مجمع البحرين، لعظمها وكبرها، فترجع إلى البحر الأسود، وعرض مجمع البحرين مائة فرسخ، فتبارك الله رب العالمين. وقال صاحب تحفة الألباب: ركبت في سفينة مع جماعة، فدخلنا إلى مجمع البحرين، فخرجت سمكة عظيمة مثل الجبل العظيم، فصاحت صيحة عظيمة لم أسمع قط أهول منها ولا أقوى، فكاد قلبي ينخلع، وسقطت على وجهي أنا وغيري، ثم ألقت السمكة نفسها في البحر، فاضطرب البحر اضطرابا شديدا، وعظمت أمواجه، وخفنا الغرق، فنجانا الله تعالى بفضله، وسمعت الملاحين يقولون هذه سمكة تعرف بالبغل قال: ورأيت في البحر سمكة كالجبل العظيم، ومن رأسها إلى ذنبها عظام سود كأسنان المنشار كل عظم أطول من ذراعين وكان بيننا وبينها في البحر أكثر من فرسخ، فسمعت الملاحين يقولون: هذه السمكة تعرف بالمنشار إذا صادفت أسفل السفينة قصمتها نصفين، ولقد سمعت أنا من يقول أن جماعة ركبوا سفينة في البحر، فأرسوا على جزيرة فخرجوا إلى تلك الجزيرة، فغسلوا ثيابهم واستراحوا ثم أوقدوا نارا ليطبخوا، فتحركت الجزيرة، وطلبت البحر، وإذا بها سمكة «٢» ، فسبحان القادر على كل شيء لا إله إلا هو، ولا معبود سواه. وقيل: إن في البحر سمكة تعرف بالمنارة لطولها يقال: إنها تخرج من البحر إلى جانب السفينة، فتلقي نفسها عليها، فتحطمها، وتهلك من فيها، فإذا أحس بها أهل السفينة صاحوا وكبروا وضجوا وضربوا الطبول ونقروا الطسوت والسطول والأخشاب لأنها إذا سمعت تلك الأصوات ربما صرفها الله تعالى عنهم بفضله ورحمته. وقال الشيخ عبد الله صاحب تحفة الألباب: كنت يوما في البحر على صخرة، فإذا أنا بذنب حية صفراء منقطة بسواد طولها مقدار باع فطلبت أن تقبض على رجلي، فتباعدت عنها، فأخرجت رأسها كأنها رأس أرنب من تحت تلك الصخرة، فسللت خنجرا كبيرا كان معي فطعنت به رأسها، فغار فيه، فلم أقدر على خلاصه منها، فأمسكت نصابه بيدي جميعا وجعلت أجره حتى ألصقتها بباب الجحر، فتركت الجحر، وخرجت من تحت الصخرة، فإذا هي خمس حيات في رأس واحد، فتعجبت من ذلك، وسألت من كان هناك عن اسم هذه الحية فقال: هذه تعرف بأم الحيات، وذكروا أنها تقبض على الآدمي في الماء، فتمسكه حتى يموت وتأكله، وأنها تعظم حتى تكون كل حية أكثر من عشرين ذراعا وأنها تقلب الزوارق، وتأكل من قدرت عليه من أصحابها، وأن جلدها أرق من جلد البصل، ولا يؤثر فيها الحديد شيئا «٣» . قال: ورأيت مرة في البحر صخرة عليها شيء كثير من النارنج الأحمر الطري الذي كأنه قطع من شجرة، فقلت في نفسي: هذا قد وقع من بعض السفن، فذهبت إليه، فقبضت منه نارنجة، فإذا هي ملتصقة بالحجر، فجذبتها، فإذا هي حيوان يتحرك ويضرب في يدي، فلففت يدي بكم ثوبي، وقبضت عليه وعصرته، فخرج من فيه مياه كثيرة، وضمر، فلم أقدر أن أقلعه من مكانه، فتركته عجزا عنه، وهو من عجائب خلق الله تعالى، وليس له عين ولا جارحة إلا الفم، والله أعلم لأي شيء يصلح ذلك. قال: ولقد رأيت يوما على جانب البحر عنقود عنب أسود كبير الحب أخضر العرجون كأنما قطف من كرمه، فأخذته، وكان ذلك في أيام الشتاء، وليس في تلك الأرض التي كنت فيها عنب، فرمت أن آكل منه، فقبضت على حبة منه، وجذبتها، فلم أقدر أن أقلعها من العنقود حتى كأنها من الحديد قوة وصلابة، فجذبتها جذبة أقوى من الأولى، فانقشرت قشرة من تلك الحبة كقشر العنب وفي داخلها عجم كعجم العنب، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا من عنب البحر ورائحته كرائحة السمك. وفي البحر أيضا حيوان رأسه يشبه رأس العجل، وله أنياب كأنياب السباع، وجلده له شعر كشعر العجل، وله عنق وصدر وبطن، وله رجلان كرجل الضفدع، وليس له

стр. 377

يدان «١» يعرف بالسمك اليهودي، وذلك أنه إذا غابت الشمس ليلة السبت يخرج من البحر، ويلقي نفسه في البر ولا يتحرك، ولا يأكل، ولو قتل، ولا يدخل البحر حتى تغيب الشمس ليلة الأحد، فيحنئذ يدخل البحر ولا تلحقه السفن لخفته وقوته وجلده يتخذ منه نعل لصاحب النقرس، فلا يجد له ألما ما دام ذلك الجلد عليه، وهو من العجائب. وقيل: إن في بحر الروم سمكا طويلا طول السمكة مائة ذراع، وأكثر، وله أنياب كأنياب الفيل تؤخذ وتباع في بلاد الروم، وتحمل إلى سائر البلاد، وهي أحسن، وأقوى من أنياب الفيل «٢» ، وإذا شق الناب منها يظهر فيه نقوش عجيبة، ويسمونه الجوهر، ويتخذون منه نصبا للسكاكين، وهو مع قوته وحسن لونه ثقيل الوزن كالرصاص. وفي البحر أيضا سمك يسمى الرعاد إذا دخل في شبكة، فكل من جر تلك الشبكة أو وضع يده عليها أو على حبل من حبالها تأخذه الرعدة حتى لا يملك من نفسه شيئا كما يرعد صاحب الحمى، فإذا رفع يده زالت عنه الرعدة، فإن أعادها عادت إليه الرعدة «٣» ، وهذا أيضا من العجائب، فسبحان الله جلت قدرته. وقال صاحب تحفة الألباب: حدثني الشيخ أبو العباس الحجازي قال: حدثني رجل يعرف بالهاروني من ولد هارون الرشيد أنه ركب سفينة في بحر الهند، فرأى طاووسا قد خرج من البحر أحسن من طاووس البر وأجمل ألوانا. قال: فكبر بالحسنة فجعل يسبح وينظر لنفسه، وينشر أجنحته، وينظر إلى ذنبه ساعة، ثم غاص في البحر «٤» . وفي البحر دابة يقال لها: الدرفين «٥» تنجي الغريق لأنها تدنو منه حتى تضع يده على ظهرها، فيستعين بالإتكاء عليها، ويتعلق بها، فتسبح به حتى ينجيه الله بقدرته، فسبحان من دبّر هذا التدبير اللطيف، وأحكم هذه الحكمة البالغة. وزعموا أن السمك يتجه نحو الغناء والصوت الحسن، ويصبو لسماعه. وربما قيل إن بعض الصيادين يحفرون في البحر حفائر، ثم يجلسون، فيضربون بالمعازف وآلات الطرب، فيجتمع السمك، ويقع في تلك الحفائر. وقيل: إن الدرفين وأنواع السمك إذا سمعت صوت الرعد هربت إلى قعر البحر، وقيل: إن خيل البحر توجد بنيل مصر، وهي صفة خيل البر. وقيل: إنها تأكل التماسيح وربما خرجت فرعت الزرع، وإذا رأى أهل مصر أثر حوافرها حكموا أن ماء النيل ينتهي في طلوعه إلى ذلك المكان. وقيل: إن في البحر المحيط شيئا يتراءى كالحصون، فيرتفع على وجه الماء ويظهر منه صور كثيرة، ويغيب، ومن عجيب ما حكي أن فيه جزيرة فيها ثلاث مدن عامرة، وهي كثيرة الأمطار، وأهلها يحصدون زرعها قبل جفافه لقلة طلوع الشمس عندهم ويجعلونه في بيت ويوقدون حوله النيران حتى يجف. وعجائبه لا تحصى، ولا يمكن حصرها. ويقال: إن الإسكندر لما سار إلى بحر الظلمات مر بجزيرة بها أمة رؤوسهم مثل رؤوس الكلاب يخرج من أفواههم مثل لهب النار، وخرجوا إلى مراكبه، وحاربوه، ثم تخلص منهم وسار، فرأى صورا متلونة بألوان شتى وسمكا طوله مائة ذراع، وأكثر، وأقل، فسبحان الله تعالى ما أكثر عجائب خلقه. ويقال أنه مر في بعض الجزائر على قصر مصنوع من البلور على قلعة محكمة البناء وحولها قناديل لا تطفأ، ومن جزائر البحر جزيرة القمر «٦» يقال إن بها شجرا طول الشجرة مائتا ذراع، ودور ساقها مائة وعشرون ذراعا، وبها طوائف من السودان عرايا الأبدان يلتحقون بورق الشجر وهو ورق يشبه ورق الموز لكنه أسمك وأعرض وأنعم، ويقال: إن هذه الجزيرة بالقرب من نيل مصر، وإن هذه الأمة التي بها يتمذهبون بمذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، وهم في غاية اللطافة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالقرب منهم معدن الذهب والياقوت وبها الفيلة البيض وحيوانات مختلفة الأشكال من الوحوش وغيرهما، وبها العود القماري والآبنوس والطواويس، وبها مدن كثيرة.

стр. 378

ومنها جزيرة الواق «١» خلف جبل يقال له: اصطفيون داخل البحر الجنوبي، ويقال إن هذه الجزيرة كانت ملكتها امرأة، وإن بعض المسافرين وصل إليها ودخلها ورأى هذه الملكة، وهي جالسة على سرير، وعلى رأسها تاج من ذهب وحولها أربعمائة وصيفة كلهن أبكار، وفي هذه الجزيرة من العجائب شجر يشبه شجر الجوز، وخيار الشنبر ويحمل حملا كهيئة الإنسان، فإذا انتهى سمع له تصويت يفهم منه واق واق، ثم يسقط، وهذه الجزيرة كثيرة الذهب حتى قيل إن سلاسل خيمهم ومقاود كلابهم وأطواقها من الذهب. ومنها جزيرة الصين يقال: إن بها ثلاثمائة مدينة ونيفا سوى القرى والأطراف وأبوابها اثنا عشر بابا، وهي جبال في البحر بين كل جبلين فرجة، وهذه الجبال تمر بها المراكب مسيرة سبعة أيام، وإذا جاوزت السفينة الأبواب سارت في ماء عذب حتى تصل إلى الموضع الذي تريده، وفيها من الأودية والأشجار والأنهار ما لا يمكن وصفه، فتبارك الله رب العالمين. وقيل: إن الاسكندر لما فرغ من بناء سده حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم نام، وإذا بحيوان عظيم صعد من البحر إلى أعلى وسد الأفق، فظن من حول الملك أنه يريد ابتلاعهم، ففزعوا، فانتبه، فقال: ما لكم؟ فقالوا له؟ انظر ما حل بنا، فقال: ما كان الله ليأخذ نفسا قبل انقضاء أجلها، وقد منعني من العدو فلا يسلط عليّ حيوانا من البحر. قال: فإذا بالحيوان قد دنا من الملك، وقال: أيها الملك أنا حيوان من هذا البحر، وقد رأيت هذا السد بني وخرب سبع مرات، ولم يزد على ذلك، ثم غاب في البحر، فتبارك من له هذا الملك العظيم، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وقيل: إن بجزيرة النسناس باليمن مدينة بين جبلين وليس لها ماء يدخل فيها إلا من المطر، وطولها نحو ستة فراسخ، وهي حصينة ذات كروم ونخيل، وأشجار، وغير ذلك، وإذا أراد إنسان الدخول فيها حثى على وجهه التراب، فإن أبى إلا الدخول خنق أو صرع، وقيل: إنها معمورة بالجان، وقيل: بخلق من النسناس، ويقال: إنهم من بقايا عاد الذين أهلكهم الله بالريح العقيم، وكل واحد منهم شق إنسان، ونقل عن بعض المسافرين أنه قال: بينما نحن سائرون إذ أقبل علينا الليل فبتنا بواد، فلما أصبح الصباح سمعنا قائلا يقول من الشجرة: يا أبا بجير الصبح قد أسفر، والليل قد أدبر، والقناص قد حضر، فالحذر الحذر. قال: فلما ارتفع النهار أرسلنا كلبين كانا معنا نحو الشجرة، فسمعت صوتا يقول: ناشدتك. قال، فقلت لرفيقي: دعهما. قال: فلما وثقا بنا نزلا هاربين، فتبعهما الكلبان وجدّا في الجري، فأمسكا شخصا منهما قال: فأدركناه وهو يقول: الويل لي مما به دهاني ... دهري من الهموم والأحزان قفا قليلا أيها الكلبان ... إلى متى إليّ تجريان قال: فأخذناه ورجعنا، فذبحه رفيقي وشواه، فعفته ولم آكل منه شيئا، فتبارك الله ما أكثر عجائب خلقه. لا إله إلا هو ولا معبود سواه. الفصل الثاني في ذكر الأنهار والآبار والعيون قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ «٢» . وقال المفسرون: هو المطر، ومعنى سلكه أدخله في الأرض، وجعله عيونا ومسايل ومجاري كالعروق في الجسد، فمن الأنهار ما هو من الأمطار المجتمعة، ولهذا ينقطع عند فراغ مادته، ومنها ما ينبع من الأرض، وأطول ما يكون من الأنهار ألف فرسخ، وأقصره عشرة فراسخ إلى اثنين وثلاثة، وبين ذلك، وكلها تبتدىء من الجبال وتنتهي إلى البحار والبطائح، وفي ممرها تسقي المدن والقرى وما فضل منها ينصب في البحر المالح ويختلط به، ولا يمكن استيفاء عددها لكنا نشير إلى بعضها فنقول. النيل المبارك: ليس في الأنهار أطول منه لأنه مسيرة شهرين في بلاد الإسلام، وشهرين في بلاد النوبة، وأربعة في الخراب، وقيل: إن مسافته من منبعه إلى أن ينصب في البحر الرومي ألف وسبعمائة فرسخ وثمانية وأربعون فرسخا. قال ذلك صاحب مباهج الفكر ومناهج العبر «٣» .

стр. 379

واختلف في زيادته، فقيل إن الأنهار والعيون تمده في الوقت الذي يريده الله تعالى. وفي الحديث: «إنه من أنهار الجنة» ، وقال أهل الأثر: إن الأنهار التي من الجنة تخرج من أصل واحد من قبة في أرض الذهب، ثم تمر بالبحر المحيط، وتشق فيه. قالوا ولولا ذلك لكانت أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور. نهر الفرات: يوجد بأرض أرمينية. فضائله كثيرة، والنيل أصدق حلاوة منه، وبه من السمك الأبيض ما تكون الواحدة قنطارا بالدمشقي، وطول هذا النهر من حين يخرج من عند ملطية إلى أن يأتي إلى بغداد ستمائة وثلاثون فرسخا، وفي وسطه مدن وجزائر تعد من أعمال الفرات. جيحون: نهر عظيم تتصل به أنهار كثيرة، ويمر على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم، ولا ينتفع به شيء من البلاد سوى خوارزم لأنها منسفلة عنه، ثم يصب في بحيرة بينها وبين خوارزم ستة أيام، وهو يجمد في الشتاء خمسة أشهر، والماء يجري من تحت الجمد، فيحفر أهل خوارزم منه لهم أماكن ليستقوا منها، وإذا اشتد جموده مروا عليه بالقوافل والعجل المحملة، ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق ويعلوه التراب ويبقى على ذلك شهرين. سيحون: نهر عظيم. قيل: إن مبدأه من حدود الترك ويجري حتى يتصل ببلاد الفرغانة، وربما يجتمع مع جيحون في بعض الأماكن. الدجلة: نهر بغداد. وله أسماء غير ذلك وماؤه أعذب المياه بعد النيل، وأكثرها نفعا. قيل: مقداره ثلاثمائة فرسخ، وفي بعض الأوقات يفيض حتى قيل إنه يخشى على بغداد الغرق منه، وهو نهر مبارك كثيرا ما ينجو غريقه. حكي إنه وجد به غريق فيه الروح، فلما أفاق سألوه عن حاله، فأخبرهم أنه لما غلب على نفسه رأى كأن أحدا يحمله ويصعد به، وروي في الأثر أن الله تعالى أمر دانيال ﵊ أن يحفر لعباده ما يستقون منه وينتفعون به، فكان كلما مر بأرض ناشده أهلها أن يحفر ذلك عندهم إلى أن حفر دجلة والفرات. وأما الأنهار الصغار فكثيرة ولكنا نذكر منها طرفا فنقول: نهر حصن المهدي: قال صاحب تحفة الألباب: إنه بين البصرة والأهواز، وإنه يرتفع منه في بعض الأوقات شيء يشبه صورة الفيل، ولا يعرف أحد شأنه. نهر أذربيجان: قيل إن بالقرب منه نهرا يجري فيه الماء سنة، ثم ينقطع ثمان سنين، ثم يعود في التاسعة، وقيل إنه ينعقد حجرا ويستعمل منه اللبن ويبنى به. وقيل إن في تلك الأرض بحيرة تجف فلا يوجد فيها ماء ولا سمك، ولا طين سبع سنين، ثم يعود الماء والسمك والطين، فتبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. نهر صقلاب: يجري فيه الماء يوما واحدا في كل أسبوع، ثم ينقطع ستة أيام. نهر العاصي: بأرض حماة. وقيل: بحمص وهو نهر معروف. وفيه يقول بعضهم: مدينة حمص كعبة القصف أصبحت ... يطوف بها الداني ويسعى لها القاصي «١» بها روضة من حسنها سندسية ... تعلق في أكناف أذيالها العاصي «٢» نهر العمود: بأرض الهند عليه شجرة نابتة من حديد، وقيل من نحاس وتحتها عمود من نحاس وقيل: من حديد طوله من فوق الماء نحو عشرة أذرع وعرضه ذراع، وعلى رأسه ثلاث شعب مسنونة محدودة، وعنده رجل يقرأ كتاب الله تعالى، ويقول: يا عظيم البركة طوبى لمن صعد هذه الشجرة وألقى بنفسه على هذا العمود، فيدخل الجنة، وقال أهل تلك الناحية: من يريد ذلك فيصعد على تلك الشجرة ويلقي نفسه، فيتقطع. نهر باليمن: قال صاحب تحفة الألباب: إنه عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب، وعند غروبها يجري من المغرب إلى المشرق. نهر ببلاد الحبشة والسودان: يجري إلى المشرق يشبه النيل في زيادته ونقصانه وأرضه بها الخصب والبركة وبها شجر كالأراك يحمل ثمرا كالبطيخ داخله شيء يشبه القند في الحلاوة، ولكن فيه بعض حموضة وهذا النهر يجري في بلادهم ثمانية أشهر، ثم ينصب في البحر المحيط فسبحان من دبّر هذا التدبير، وأحكم هذه الصنعة. لا إله إلا هو الحكيم الخبير. الفصل الثالث في ذكر الآبار قال مجاهد: كنت أحب أن أرى كل شيء غريب، فسمعت أن ببابل بئر هاروت وماروت، فسرت إليها، فلما وصلت إلى ذلك المكان وجدت عنده بيوتا، فدخلت في

стр. 380

بعضها، فوجدت شخصا، فسلمت عليه، فرحب بي وسألني عن حاجتي، فذكرت له غرضي فأمر يهوديا يذهب معي، فيوقفني على البئر، ويطلعني على الملكين. قال، فسرنا إلى البئر، ففتح سردابا ونزلنا، فأمرني أن لا أذكر اسم الله تعالى. قال: فلما رأيت الملكين رأيت شيئا كالجبلين العظيمين منكسين على رؤوسهما الحديد من أعناقهما إلى ركبهما. قال مجاهد: فلما رأيت ذلك ذكرت الله تعالى. قال: فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان السلاسل. قال، ففر اليهودي، فتعلقت به، فقال: أما أمرتك أن لا تذكر اسم الله تعالى كدنا والله نهلك. بئر برهوت: بقرب حضر موت، وهي التي قال النبي ﷺ إنها مجمع أرواح الكفار، قال علي كرم الله وجهه: أبغض البقاع إلى الله تعالى بئر برهوت ماؤها أسود منتن تأوي إليها الكفار، والموكل بها ملك يسمى دومة. بئر عسفان: ماؤها يستشفى به. قيل إن النبي ﷺ تفل فيها. قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما: كنا نغسل المريض منها، فيعافى. وقيل: إن النبي ﷺ توضأ منها. بئر معروفة بأرض حلب: خاصيتها أنها إذا شرب منها المكلوب زال كلبه ما لم يجاوز الأربعين. وبنيسابور آبار كثيرة، وهي معادن الفيروزج، وإنما يمنع الناس عنها كثرة عقاربها. وبأرض فارس بئر ينبع منها ماء في وقت من السنة، فيرتفع على وجه الأرض لمحة واحدة ويجري، فينتفع به في سقي الزرع، ثم يعود إلى ما كان، وعجائب الله كثيرة لا تكاد تنحصر. لا إله إلا الله ولا معبود سواه. الباب السادس والستون في ذكر عجائب الأرض وما فيها من الجبال والبلدان وغرائب البنيان وفيه فصول الفصل الأول في ذكر الأرض وما فيها من العمران روى وهب بن منبه ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: إن لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم. الدنيا منها عالم واحد، وما العمران في الخراب إلا كخردلة في كف أحدكم. وقال رواة الأثر: إن لله دابة في مرج من مروجه في غامض علمه رزقها في كل يوم بقدر رزق العالم بأسره، وجميع مدائن الدنيا أربعة آلاف مدينة وخمسمائة وست وخمسون مدينة، وقيل غير ذلك. وأقاليم الأرض سبعة. الأقليم الأول الهند، والثاني الحجاز، والثالث: أقليم مصر. الرابع أقليم بابل. الخامس أقليم الروم والشام، السادس أقليم الترك، السابع أقليم الصين. وأوسط الأقاليم أقليم بابل، وهو أعمرها، وفيه جزيرة العرب، وفيه العراق الذي هو سرة الدنيا وبغداد في وسط هذا الأقليم فلاعتداله اعتدلت ألوان أهله، فسلموا من شقرة الروم وسواد الحبشة، وغلظ الترك، وجفاء أهل الجبال، ودمامة أهل الصين «١» . والممالك المشهورة التي ضبطت عدتها في زمن المأمون ثلاثمائة وثلاث وأربعون مملكة. أوسعها ثلاثة أشهر وأضيقها ثلاثة أيام. وقال أهل الهيئة: إنه يكون عند خط الإستواء ربيعان وصيفان وخريفان وشتاءان في سنة واحدة، وأنه يكون في بعض البلاد ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار «٢» وبعضها حر وبعضها برد، فسبحان من خلق كل شيء، فأتقنه. لا إله إلا هو ولا معبود سواه. الفصل الثاني في ذكر الجبال قيل: إن الله تعالى لما خلق الأرض ماجت واضطربت، فخلق الجبال وأرساها بها، فاستقرت، ومجموع ما عرف بالأقاليم السبعة من الجبال مائة وثمانية وتسعون جبلا، فمنها ما طوله عشرون فرسخا، ومنها ما طوله مائة فرسخ إلى ألف فرسخ. ولنذكر منها ما هو مشهور ومعروف بين الناس. فمن أعجبها: جبل سرنديب: وطوله مائتان ونيف وستون ميلا وفيه أثر قدم آدم ﵊ حين أهبط، وحوله

стр. 381

الياقوت وفي أوديته الماس الذي يقطع به الصخور ويثقب به اللؤلؤ، وفيه العود والفلفل ودابة المسك ودابة الزباد. جبل الروم: الذي فيه السد طوله سبعمائة فرسخ وينتهي إلى بحر الظلمات. جبل أبي قبيس: سمي بذلك لأن آدم ﵊ كنّاه بذلك حين اقتبس منه النار التي بين أيدي الناس، وقيل غير ذلك. جبل القدس: جبل شريف مبارك فيه غار يضيء بالليل من غير سراج، ويزوره الناس. جبل أروند: بهمذان برأسه عين تخرج من صخرة أياما معدودة في السنة تقصد من كل وجه يستشفى بها. جبل الشام: لونه أسود كالفحم وترابه أبيض تبيض به الثياب. جبل الأندلس: فيه غار إذا دهنت فتيلة وأدخلتها فيه أوقدت، وبها جبل به عينان إحداهما باردة والأخرى حارة، والمسافة التي بينهما مقدار شبر، وجبل به معدن الكبريت والزئبق والزنجفر. جبل سمرقند: يقطر منه ماء في الصيف يصير جليدا وفي الشتاء يحرق من حرارته. جبل الصور: بكرمان يكسر حجره، فيخرج منه كصور الآدميين قائمين وقاعدين ومضطجعين، وإذا سحق وطرح في الماء يرى كذلك. جبل الأرجان: بطبرستان يقطر منه ماء كل قطرة تصير حجرا مسدسا أو مثمنا. جبل هرمز: ينزل منه ماء إلى وهدة، فإن صاح إنسان صيحة وقف فإن ثنّى جرى. جبل الطير: بإقليم الصعيد يجتمع عنده الطير في كل سنة مرة ويدخل في كوة هناك، فتمسك الكوة على واحدة، وتطير البقية، ويكون ذلك علامة الخصب في تلك السنة. ولنقتصر على ذلك، ومن أراد الوقوف على جميعها فعليه بتاريخ مرآة الزمان. الفصل الثالث في ذكر المباني العظيمة وغرائبها وعجائبها قال أهل التواريخ، ونقلة الأخبار: إن أول بناء بني على وجه الأرض الصرح الذي بناه نمرود الأكبر بن كوش بن حام بن نوح ﵊ وبقعته بكوثى من أرض بابل وبه إلى عصرنا أثر ذلك البناء كأنه جبال شاهقات. قالوا: كان طوله خمسة آلاف ذراع بناه بالحجارة والرصاص والشمع واللبان ليمتنع هو وقومه من طوفان ثان، فأخرب الله تعالى ذلك الصرح في ليلة واحدة بصيحة، فتبللت بها ألسنة الناس، فسميت أرض بابل. إرم ذات العماد: التي لم يخلق مثلها في البلاد. حكى الشعبي في كتاب سير الملوك: أن شداد بن عاد ملك جميع الدنيا وكان قومه قوم عاد الأولى زادهم الله بسطة في الأجسام وقوة حتى قالوا من أشد منا قوة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً «١» . وأن الله تعالى بعث إليهم هودا نبيا ﵊ فدعاهم إلى الله تعالى، فقال له شداد: إن آمنت بإلهك فماذا لي عنده؟ قال: يعطيك في الآخرة جنة مبنية من ذهب ويواقيت ولؤلؤ وجميع أنواع الجواهر. قال شداد: أنا أبني مثل هذه الجنة ولا أحتاج إلى ما تعدني به. قال: فأمر شداد ألف أمير من جبابرة قوم عاد أن يخرجوا ويطلبوا أرضا واسعة كثيرة الماء طيبة الهواء بعيدة من الجبال ليبني فيها مدينة من ذهب. قال: فخرج أولئك الأمراء، ومع كل أمير ألف رجل من خدمه وحشمه، فساروا في الأرض حتى وصلوا إلى جبل عدن، فرأوا هناك أرضا واسعة طيبة الهواء، فأعجبتهم تلك الأرض، فأمروا المهندسين والبنائين، فخطوا مدينة مربعة الجوانب دورها أربعون فرسخا من كل جهة عشرة فراسخ، فحفروا الأساس إلى الماء وبنوا الجدران بحجارة الجزع اليماني حتى ظهر على وجه الأرض ثم أحاطوا به سورا ارتفاعه خمسمائة ذراع وغشوه بصفائح الفضة المموهة بالذهب فلا يكاد يدركه البصر إذا أشرقت الشمس، وكان شداد قد بعث إلى جميع معادن الدنيا، فاستخرج منها الذهب واتخذه لبنا، ولم يترك في أحد من الناس في جميع الدنيا شيئا من الذهب إلا غصبه، واستخرج الكنوز المدفونة، ثم بنى داخل المدينة مائة ألف قصر بعدد رؤساء مملكته كل قصر على عمد من أنواع الزبرجد واليواقيت معقودة بالذهب طول كل عمود مائة ذراع، وأجرى في وسطها أنهارا، وعمل منها جداول لتلك القصور والمنازل، وجعل حصاها من الذهب والجواهر واليواقيت وحلى قصورها بصفائح الذهب والفضة، وجعل على حافات الأنهار أنواع الأشجار جذوعها من الذهب وأوراقها وثمرها من أنواع الزبرجد واليواقيت واللآلىء. وطلى

стр. 382

حيطانها بالمسك والعنبر وجعل فيها جنة مزخرفة له وجعل أشجارها الزمرد واليواقيت وسائر أنواع المعادن، ونصب عليها أنواع الطيور المسموعة الصادح والمغرد، وغير ذلك، ثم بنى حول المدينة مائة ألف منارة برسم الحراس الذين يحرسون المدينة، فلما كمل بناؤها أمر في مشارق الأرض ومغاربها أن يتخذوا في البلاد بسطا وستورا وفرشا من أنواع الحرير لتلك القصور والغرف، وأمر باتخاذ أواني الذهب والفضة، فاتخذوا جميع ما أمر به، فلما فرغوا من ذلك جميعه خرج شداد من حضرموت في أهل مملكته، وقصد مدينة إرم ذات العماد، فلما أشرف عليها ورآها قال: قد وصلت إلى ما كان هود يعدني به بعد الموت، وقد حصلت عليه في الدنيا، فلما أراد دخولها أمر الله تعالى ملكا، فصاح بهم صيحة الغضب، وقبض ملك الموت أرواحهم في طرفة عين، فخروا على وجوههم صرعى. قال الله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ٥٠ «١» . وذلك قبل هلاك عاد بالريح العقيم، وأخفى الله تعالى تلك المدينة عن أعين الناس، فكانوا يرون بالليل في تلك البرية التي بنيت فيها معادن الذهب والفضة واليواقيت تضيء كالمصابيح، فإذا وصلوا إليها لم يجدوا هناك شيئا «٢» . وقد نقل أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له عبد الله بن قلابة الأنصاري دخل إليها وذلك أنه ضلت له إبل، فخرج في طلبها، فوصل إليها فلما رآها دهش وبهت ورأى ما أذهله وحيره، وقال في نفسه: هذه تشبه الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين في الآخرة، فقصد بابا من أبوابها، فلما وصل إليه أناخ راحلته، ودخل المدينة، فرأى تلك القصور والأنهار والأشجار، ولم ير في المدينة أحدا. فقال: أرجع إلى معاوية وأخبره بهذه المدينة وما فيها، ثم حمل معه شيئا من تلك الجواهر واليواقيت في وعاء، وجعله على راحلته وعلم على المدينة علامة، وقال قربها من جبل عدن كذا، ومن الجهة الفلانية كذا، ثم انصرف عنها بعدما ظفر بإبله، ثم دخل على معاوية رضي الله تعالى عنه بدمشق، وأخبره بجميع ما رآه، فقال له معاوية: في اليقظة رأيتها أم في المنام؟ قال: بل في اليقظة، وقد حملت من حصبائها وأخرج له شيئا مما حمله من الجواهر واليواقيت فتعجب معاوية من ذلك، ثم أرسل إلى كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه، فلما دخل عليه قال له معاوية يا أبا إسحاق: هل بلغك أن في الدنيا مدينة من ذهب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، وقد ذكرها الله في القرآن لنبيه ﷺ بقوله عز من قائل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ٦ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ٧ «٣» . وقد أخفاها الله تعالى عن أعين الناس، وسيدخلها رجل من هذه الأمة يقال له عبد الله بن قلابة الأنصاري، ثم التفت، فرأى عبد الله بن قلابة فقال: ها هو يا أمير المؤمنين، وصفه واسمه في التوراة «٤» ، ولا يدخلها أحد بعده إلى يوم القيامة. وقيل: إن ذلك كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأن الرجل الذي دخلها حكى ذلك لعمر بن الخطاب فلم ينكره ولا من كان حاضرا بل قال إن النبي ﷺ قال يدخلها بعض أمتي «٥» ، والله أعلم. ومن المباني العجيبة الخورنق: الذي بناه النعمان بن امرىء القيس وهو النعمان الأكبر بناه في عشرين سنة، فلما انتهى أعجبه، فخشي أن يبنى لغيره مثله، فأمر أن يلقى بانيه من أعلاه، فألقوه فتقطع، واسم بانيه سنمار، فصارت العرب تضرب به المثل. يقولون جزاه جزاء سنمار. قال الشاعر: جازى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار ومن المباني العجيبة حائط العجوز: واسمها دلوك القبطية، وسبب بنائها لذلك أنها ولدت ولدا، فأخذت له الرصد، فقيل لها يخشى عليه من التمساح، فلما شب الغلام خافت عليه، فبنت الحائط وجعلته من العريش إلى إسوان شاملا لكورة مصر من الجانب الشرقي، وقيل: بنته خوفا على مصر وأهلها بعد غرق فرعون أن يطمع الملوك فيها، وقد قيل إنها أرادت أن تخوف ولدها من التمساح حتى لا ينزل البحر، فصورت له صورة التمساح، فرآه شكلا مهولا، فأذهله، وأخذه الفزع والهم فضعف وانسل إلى أن مات. لا مفر من قضاء الله تعالى. ومن المباني العجيبة الأهرام: وهي بالجانب الغربي من مصر مشاهدة في زماننا هذا. قيل أن دور الهرم الأكبر من

стр. 383

الثلاثة ألفا ذراع من كل جهة خمسمائة ذراع وعلوه خمسمائة ذراع، وقد ذهب المأمون إلى مصر حتى شاهدها على ما ذكر، وفتح منها هرما، وتعجب من بنيانها وصفتها قيل: إن كل حجر من حجارتها ثلاثون ذراعا في عرض عشرة أذرع، وقد أحكم إلصاقه ونحته وتسويته ولا يقدر النجار الصانع أن يتخذ من خشب صندوقا صغيرا على إحكامه، وهي من عجائب الدنيا. قال بعضهم: أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع تتخلّف الآثار عن سكانها ... حينا ويدركها الفناء فتصرع وزعم قوم أن الأهرام الموجودة بمصر قبور لملوك عظام أرادوا أن يتميزوا بها عن الناس بعد مماتهم كما تميزوا عنهم في حياتهم، ورجوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور وتراخي العصور. ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها، فنقب أحدها بعد جهد شديد وعناء طويل، فوجد داخله مزاليق ومهاوي يهول أمرها ويعسر السلوك فيها، ووجد في أعلاه بيت وفي وسطه حوض من رخام مطبق، فلما كشف غطاؤه لم يوجد فيه إلا رمة بالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكف عما سواه. ويقال: إن الذي بناها اسمه سوريد بن سهراق بن سرياق لرؤيا رآها وهي آفة تنزل من السماء وهي الطوفان، فقالوا: إنه بناها في ستة أشهر وقال: قلّ لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة سنة، والهدم أيسر من البنيان، وكسوناها الديباج الملون، فليكسها حصرا، والحصر أهون من الديباج، والأمر فيها عجيب جدا، والله أعلم. ومن المباني العجيبة منار الاسكندرية التي بناها ذو القرنين، قيل: إنها كانت مبنية بحجارة منهدمة مغموسة في الرصاص فيها نحو من ثلاثمائة بيت تصعد الدابة بحملها إلى كل بيت، وللبيوت طاقات تطل على البحر ويقال: إن طولها كان ألف ذراع، وفي أعلاها تماثيل من نحاس منها تمثال رجل قد أشار بيده إلى البحر، فإذا صار العدو على نحو ليلة منه سمع له تصويت يعلم به أهل المدينة مجيء العدو، فيستعدون له، ومنها تمثال كلما مضى من الليل ساعة صوّت تصويتا مطربا، ويقال: إنه كان بأعلاها مرآة من الحديد الصيني عرضها سبعة أذرع كانوا يرون فيها المراكب بجزيرة قبرص، وقيل: كانوا يرون فيها من يخرج من البحر من جميع بلاد الروم، فإن كانوا أعداء تركوهم حتى يقربوا من المدينة، فإذا مالت الشمس للغروب أداروا المرآة مقابلة الشمس، واستقبلوا بها السفن، فيقع شعاعها بضوء الشمس على السفن فتحرق في البحر، ويهلك كل من فيها، وكانت الروم تؤدي الخراج ليأمنوا بذلك من إحراق السفن، ولم تزل كذلك إلى زمن الوليد بن عبد الملك. قال المسعودي: قيل إن ملكا من الروم تحيل على الوليد وأظهر أنه يريد الإسلام، وأرسل إليه تحفا، وهدايا، وأظهر له بواسطة حكماء كانوا عنده أن ببلاده دفائن، وأرسل له بذلك قسيسين من خواصه، وأرسل معهم أموالا قيل إنهم حفروا بقرب المنارة ودفنوا تلك الأموال وقالوا للوليد: إن تحت المنارة كنوزا لا تنفذ وبإزائها خبية بها كذا وكذا ألف دينار، فأمرهم باستخراج ما بالقرب من المنارة، فإن كان ذلك حقا استخرجوا ما تحت المنارة بعد هدمها فحفروا واستخرجوا ما دفنوه بأيديهم، فعند ذلك أمر الوليد بهدم المنارة واستخراج ما تحتها فهدموها، فلم يجدوا تحتها شيئا، وهرب أولئك القسيسون، فعلم الوليد أنها مكيدة عليه، فندم على ذلك غاية الندم، ثم أمر ببنائها بالآجر ولم يقدروا أن يرفعوا إليها تلك الحجارة، فلما أتموها نصبوا عليها المرآة كما كانت، فصدئت، ولم يروا فيها شيئا مثل ما كانوا يرون أولا، وبطل إحراقها، فندموا على ما فعلوا، وفاتهم من جهلهم وطمعهم نفع عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقد عملت الجن لسليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في الإسكندرية مجلسا على أعمدة من الجزع اليماني المصقول كالمرآة إذا نظر الإنسان إليها يرى من يمشي خلفه لصفائها، وفي وسط ذلك المجلس عمود من الرخام طوله مائة وأحد عشر ذراعا، وفي تلك الأعمدة عمود واحد يتحرك شرقا وغربا بطلوع الشمس وغروبها يشاهد الناس ذلك ولا يعلمون ما سببه. وفي مدينة حمص مدينة أخرى تحت المدينة المسكونة العليا فيها من عجائب البنيان والبيوت والغرف والماء الجاري في كل طريق من طرقها ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وعند حوران مدينة عظيمة يقال لها: اللجأة فيها من البنيان ما يعجز عن وصفه ألسنة العقلاء. كل دار منها مبنية من الصخر المنحوت ليس في الدار «١» خشبة واحدة بل

стр. 384

أبوابها وغرفها، وسقوفها وبيوتها من الصخر المنحوت الذي لا يستطيع أحد أن يعمله من الخشب، وفي كل دار بئر وطاحون، وكل دار مفردة لا يلاصقها دار أخرى، وكل دار كالقلعة الحصينة إذا خاف تلك النواحي من العدو دخلوا إلى تلك المدينة، فينزل كل إنسان في دار بجميع عياله وخيله، وغنمه وبقره، ويغلق بابه، ويجعل خلف الباب حصاة فلا يقدر أحد على فتح ذلك الباب لإحكامه، وفي هذه المدينة أكثر من مائتي ألف دار، فيما يقال، ولا يعلم أحد من بناها، وسمتها العرب اللجأة لأنهم يلجأون إليها عند الخوف. ومن المباني العجيبة إيوان كسرى أنو شروان: بناه سابور ذو الأكتاف في نيف وعشرين سنة، وطوله مائة ذراع في عرض خمسين بناه بالآجر، والجص، وجعل طول كل شرافة من شراريفه خمسة عشر ذراعا، ولما ملك المسلمون المدائن أحرقوا هذا الإيوان، فأخرجوا منه ألف دينار ذهبا. وحكي أن المنصور لما أراد بناء بغداد عزم على هدمه وأن يجعل آلته في بنائه، فقيل له: إن نقضه يتكلف بقدر العمارة، فلم يسمع وهدم شرافة، وحسب ما أنفق عليه، فوجد الأمر كذلك، وقيل إن بعض رؤساء مملكته قال له لما أراد هدمه: هو آية الإسلام، فلا تهدمه. وحكي أنه كان بمدينة قيسارية كنيسة بها مرآة إذا اتهم الرجل امرأته بزنا نظر في تلك المرآة، فيرى صورة الزاني، فاتفق أن بعض الناس قتل غريمه، فعمد أهله إليها، فكسروها والله أعلم، وقد اقتصرت من ذلك على هذا القدر اليسير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها المعادن لا تكاد تحصى لكن منها ما يعرفه الناس ومنها ما لا يعرفونه وهي مقسومة إلى ما يذوب وإلى ما لا يذوب، والذي اشتهر بين الناس من المعادن سبعة: وهي الذهب والفضة والنحاس والحديد والقصدير والأسرب والخارصيني. ولنبدأ أولا بذكر (الذهب) فقيل طبعه حار لطيف لشدة اختلاط أجزائه المائية بالترابية. قيل: إن النار لا تقدر على تفريق أجزائه فلا يحترق ولا يبلى ولا يصدأ، وهو لين براق، حلو الطعم، أصفر اللون، فالصفرة من ناريته، والليونة من دهنيته، والبراقة من صفاء مائه. خواصه: يقوي القلب ويدفع الصرع تعليقا، ويمنع الفزع والخفقان ويقوي العين كحلا ويجلوها إذا كان ميلا، ويحسن نظرها وإذا ثقبت به الأذن لم تلتحم وإذا كوى به لم ينفط ويبرأ سريعا، وإمساكه في الفم يزيل البخر. (الفضة) قريبة منه وتصدأ وتحترق وتبلى بالتراب، وإذا أصابتها رائحة الرصاص والزئبق تكسرت أو رائحة الكبريت اسودت. ومن خواصها: أنها تزيل البخر من الفم إذا وضعت فيه، وإذا أذيبت مع الزئبق وطلي بها البدن نفع ذلك من الحكة والجرب وعسر البول. (النحاس) قريب منها لكنه أيبس، وأغلظ في الطبع. ومن خواصه: إذا صدىء وطلي بالحامض زال صدؤه، والأكل في آنيته يولد أمراضا لا دواء لها. (الحديد) كثير الفائدة إذ ما من صنعة إلا وله فيها مدخل. ومن خواصه: أنه يمنع غطيط النائم إذا علق عليه وحمله يقوي القلب ويزيل الخوف والأفكار والأحلام الرديئة، ويسر النفس، وصدؤه ينفع أمراض العين كحلا والبواسير تحملا. (القصدير) صنف من الفضة دخل عليه آفات من الأرض. ومن خواصه: أنه إذا ألقي في قدر لم ينضج ما فيها. (الأسرب) هو الرصاص. (ومن خواصه) : أنه يكسر الماس، ومن خواص الماس الدخول في كل شيء، وإذا شد من الرصاص قطعة على الخنازير، والغدد أبرأتها. (الخارصيني) حجر لونه أسود، لونه يعطي حمرة. ومن خواصه: إذا عمل منه مرآة ونظر فيها في الظلمات نفعت للقوة وإذا نتف الشعر بملقاط منه لم ينبت. الأحجار الجوهرية: أصل الجوهر، وهو الدر على ما قيل أن حيوانا يصعد من البحر على ساحله وقت المطر ويفتح أذنه يلتقط بها المطر، ويضمها ويرجع إلى البحر، فينزل إلى قراره ولا يزال طابقا أذناه على ما فيها خوفا أن يختلط بأجزاء البحر

стр. 385

حتى ينضج ما فيها، ويصير درا، فإن كانت القطرة صغيرة كانت الدرة صغيرة، وإن كانت كبيرة فكبيرة، فإن كان في بطن هذا الحيوان شيء من الماء المر كانت الدرة كدرة، وإن لم يكن كانت صافية، وقيل غير ذلك. والدر نوعان: كبير، وصغير. قيل إنه تصل الواحدة إلى مثقال «١» . خواصه: أنه يفرح القلب ويبسط النفس ويحسن الوجه، ويصفي دم القلب، وإذا خلط مع الكحل شد عصب العين. (الياقوت) سيد الأحجار، وأصول ألوانه أربعة: الأحمر والأصفر والأزرق والإسمانجوني ويتولد منها ألوان كثيرة وأعدلها الأحمر الخالص الرماني الشبيه بحب الرمان الأحمر، ودونه الأحمر المشرب ببياض، ثم الوردي، ثم الخمري، ثم العصفري وأردؤه الأزرق، الذي لونه يشبه زهر السوسن وأقله قيمة الأبيض. خواصه: أنه لا يعمل فيه الفولاذ ولا حجر الماس ولا تدنسه النار ويورث لابسه مهابة ووقارا، ويسهل قضاء الحوائج ويدر الريق في الفم ويقطع العطش ويدفع السم ويقوي القلب، وجميعه ينفع للمصروع تعليقا، والأبيض منه يبسط النفس، ويوجد من الأصفر ما وزنه ثلاثون مثقالا على ما قيل. (البلخش) هو مقارب الياقوت في القيمة ودونه في الشرف. ومن خواصه: أنه يورث قبض النفس وسوء الخلق والحزن وهو ألوان أحمر وأخضر وأصفر. (البنقش) أصناف أحمر مفتوح اللون صاف وأحمر قوي الحمرة، وأسود يعلوه حمرة مطوسة بزرقة خفيفة، ثم أصفر مفتوح اللون. (عين الهر) حجر يتكون من معدن الياقوت، والغالب عليه البياض الناصع بإشراق مفرط ومائيته رقيقة شفافة وفي مائيته سر إذا حرك يمينا تحركت يسارا وبالعكس. ومن خواصه: إذا علق على العين أمن عليها من الجدري على ما قيل. (الماس) يوجد بواد بالهند يقال إنه مشحون بالحيات، فيأتي من يريد إستخراجه من ذلك الوادي فيضع في الوادي مرآة كبيرة، فتأتي الحيات فتنظر إلى خيالها في المرآة، فتفر من ذلك الجانب فينزل، فيأخذ ما له فيه رزق، وقيل إنهم ينحرون الجزر ويلقون لحمها في ذلك الوادي، فيلتصق الماس وغيره باللحم، فتأتي الطير، فتختطف اللحم وتصعد به إلى الجبال فتأكل اللحم وتترك الحجر، فيأخذه صاحب اللحم «٢» ، وقيل: إن الحيات لها مشتى ستة أشهر في مكان، ومصيف ستة أشهر في مكان آخر، فإذا ذهبت إلى مشتاها ومصيفها أخذ الحجر في غيبتها، والله أعلم بصحة ذلك. ومن عجيب أمره أنه إذا أريد كسره جعل في أنبونة قصب وضرب فإنه يتفتت وكذا إذا جعل في شمع أو قار، وإذا جعل عليه دم تيس وقرب من النار ذاب. ومن خواصه: أن الملوك يتخذونه عندهم لشرفه، وهو من السموم القاتلة القطعة الصغيرة منه إذا حصلت في الجوف ولو بقدر السمسمة خرقت الأمعاء. ومن خواصه الجليلة: أنه يعرق عند وجود السم أو الطعام المسموم. (الزمرد) ويسمى الزبرجد وهو ألوان أخضر وزنجاري وصابوني، ويكون الحجر منه خمسة مثاقيل وأقل. ومن خواصه: أنه يدفع العين ويفرح القلب ويقوي البصر، ويصفي الذهن وينشط النفس. (الفيروزج) نوعان: إسحاقي، وخلنجي، وأجوده الإسحاقي الأزرق الصافي «٣» . خواصه: النظر فيه يجلو البصر، ويقويه، وينشط النفس، ولا يصيب المتختم به آفة من قتل أو غرق، وقال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: ما افتقرت يد تختمت بفيروزج، وإذا مضى له بعد خروجه من معدنه عشرون سنة نقض لونه، ولا يزال كذلك حتى ينطفىء. (العقيق) معدن بأرض صنعاء باليمن، وهو ألوان ويوجد عليه غشاوة ويحمى عليه ببعر الإبل، ثم يبرد ويكسر، وقيل: يوجد بالهند ولكن اليمن أجود. خواصه: التختم به وحمله يورث الحمل والأناة، وتصويب الرأي ويسر النفس، ويكسب حامله وقارا، وحسن خلق، ويسكن الحدة عند الخصومة. قال رسول الله ﷺ : «من تختم بالعقيق لم يزل في بركة» . (الجزع) هو حجر أيضا يؤتى به من اليمن والصين،

стр. 386

وألوانه كثيرة، والناس يكرهونه لأنه يورث الهم والأحلام الرديئة، وسوء الخلق، وتعسر قضاء الحوائج، ويكثر بكاء الصبي وسيلان لعابه، ويثقل اللسان إذا سحق وشرب ماءه، وإذا وضع بين قوم لا علم لهم به حصلت بينهم العداوة لكنه يسهل الولادة تعليقا. (البلور) هو صنف من الزجاج يحكى أن ببلاد كيسان جبلين أحدهما بلور، وإذا أريد قطع البلور في ذلك الموضع قطع في الليل لأنه في النهار يكون له شعاع عظيم. خواصه: النظر فيه يشرح القلب، ويبسط النفس، ويسكن وجع الضرس. (المرجان) هو واسطة بين النبات والمعدن لأنه بتشجره يشبه النبات، وبتحجره يشبه المعدن، ولا يزال لينا في معدنه، فإذا فارقه تحجر ويبس. خواصه: النظر فيه يشرح الصدر ويبسط النفس ويفرح القلب، ويذهب بالداء المحتبس في العين، ويسكن الرمد، وسحاقته المخلوطة بالخل تجلو قلح الأسنان، وإذا وضع على الجرح منعه من الانتفاخ، وأنواعه كثيرة أحمر وأزرق وأبيض وأصله من البحر. قيل: إنه شجر ينبت. وقيل: إنه من حيوانه. (حجر الماطليس) هو حجر هندي لا يعمل فيه الحديد، والبيت الذي يكون فيه لا يدخله السحر ولا الجن ولأجل ذلك كان الإسكندر يجعله في عسكره. (الحجر الماهاني) من تختم به أمن من الروع والهم والحزن والغم، ولونه أبيض وأصفر، ويوجد بأرض خراسان. (حجر مراد) يوجد بناحية الجنوب. وخاصيته: إن الجن تتبع حامله وتعمل له ما أراد. (الدهنج) خاصيته: أنه إذا سقي إنسان من محكه يفعل فعل السم، وإذا سقي شارب السم منه نفعه، وإذا مسح به موضع اللدغ سكن وينفع من خفقان القلب وإذا طلي بحكاكته بياض البرص أزاله، وإن علق على إنسان غلب عليه الباه. (السبج) خواصه: أنه يقوي النظر الضعيف من الكبر أو نزول الماء ولبسه ينفع عسر البول وإدمان النظر فيه يحد البصر، وسحاقته تجلو البصر، وإذا علق على من به صداع زال عنه. (المغناطيس) يوجد في بحر الهند، وهناك لا يتخذ في السفن حديد، ويوجد ببلاد الأندلس أيضا وأجود أنواعه ما كان أسود يضرب إلى حمرة. خواصه: الاكتحال بسحاقته يورث ألفة بين المكتحل وبين من يحبه، ويسهل الولادة تعليقا، ومن تختم به كانت حاجته مقضية، وتعليقه في العنق يزيد في الذهن، وإذا سحق وشرب من سحاقته من به سم بطل سمه، وإذا أصابته رائحة الثوم بطلت خاصيته، وإذا غسل بالخل عاد إلى حالته، وأجوده ما جذب نصف مثقال من الحديد. (حجر الخطاف) الخطاف يوجد في عشه حجران. أحدهما أحمر، والآخر أبيض، فالأحمر إذا علق على من يفزع في نومه زال فزعه، والأبيض إذا علق على من به صرع زال عنه. (حجر الزاج) إذا دخن البيت بسحاقته هرب منه الفأر والذباب. (حجر الزنجفر) أصله من الزئبق واستحال. وخاصيته: أنه يدمل الجراحات وينبت اللحم. (حجر الملح) هو أنواع، وأجوده ما يوجد بأرض سدوم بالقرب من بحر لوط، وقد جعله الله قواما للدنيا. ومن خاصيته: أنه يحسن الذهب، ويزيد في صفرته، وعن النبي ﷺ أنه قال: يا علي ابدأ بالملح واختم به، فإن فيه شفاء من سبعين داء. (حجر النطرون) قال أرسطو: ينفع الأرحام التي غلبت عليها الرطوبة ينشفها ويقويها، وإذا ألقي في العجين طيبه وبيضه ونشفه، وهو نوعان: أبيض وأحمر. (حجر اللازورد) مشهور. قال أرسطو: من تختم به عظم في أعين الناس، وينفع من السهر. والله أعلم. ومن أراد العتمق في ذلك، فعليه بالكتب الموضوعة له، ولكن قد ذكرنا ما هو معروف، والحمد لله على كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الباب الثامن والستون في الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس فيه ومن كرهه ومن استحسنه وما ذكرت ذلك إلا لأني كرهت أن يكون كتابي هذا بعد اشتماله على فنون الأدب والتحف والنوادر والأمثال عاطلا من هذه الصناعة التي هي مراد السمع، ومرتع النفس، وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس

стр. 387

الوحيد، وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب، وأخذه بمجامع النفس. فصل في الصوت الحسن قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ «١» هو الصوت الحسن، وعن النبي ﷺ : أنه قال: أتدرون متى كان الحداء؟ قالوا: لا بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله. قال: إن أباكم مضر خرج في طلب مال له، فوجد غلاما قد تفرقت إبله، فضربه على يده بالعصا، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، فسمعت الإبل صوته، فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلاما تجتمع عليه الإبل، فاشتق الحداء. وقال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁ لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وقيل: إن داود ﵊ كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع، وتجتمع عليه الخلق، فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة، وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطا شديدا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب، وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته. قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: بلغنا أن الله تعالى يقيم داود ﵊ يوم القيامة عند ساق العرش، فيقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم. وقال سلام الحادي للمنصور، وكان يضرب المثل بحدائه: مر يا أمير المؤمنين بأن يظمأوا إبلا ثم يورودها الماء فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها، وتترك الشرب. وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق، فيصفو له الدم، وتنمو له النفس ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف له الحركات، ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء، حتى يرقص ويطرب، وزعمت الفلاسفة: أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح. ألا ترى إلى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان، واستراحت إليها أنفسهم، وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه، ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن، وتعب على الجوارح ما خلا السماع، فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح، وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف، وصلة الأرحام، والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب، وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويتذكر نعيم الملكوت، ويمثله في ضميره، ولأهل الرهبانية نغمات، وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها، ويبكون على خطاياهم، ويتذكرون نعيم الآخرة. وكان أبو يوسف القاضي يحضر مجلس الرشيد، وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر نعيم الآخرة، وقد تحن القلوب إلى حسن الصوت حتى الطير والبهائم، وكان صاحب الفلاحات يقول: إن النحل أطرب الحيوان كله على الغناء. قال الشاعر: والطير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصوت وزعموا أن في البحر دواب ربما زمرت أصواتا مطربة، ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها، فاعتنى بها وضعة الألحان بأن شبهوا بها أغانيهم، فلم يبلغوا، وربما يغشى على سامع الصوت الحسن للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته القلب. ألا ترى إلى الأم كيف تناغي ولدها، فيقبل بسمعه على مناغاتها، ويتلهى عن البكاء، والإبل يزداد نشاطها وقوتها بالحداء، فترفع آذانها وتلتفت يمنة ويسرة، وتتبختر في مشيتها. وزعموا أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حفائر ثم يضربون عندها بأصوات شجية فتجتمع السمك في الحفائر، فيصيدونه وقد نبهت على ذلك في باب ذكر البحار، وما فيها من العجائب. والراعي إذا رفع صوته، ونفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها، وجدّت في رعيها، والدابة تعاف الماء، فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب وليس شيء مما يستلذ به أخف مؤنة من السماع.

стр. 388

قال أفلاطون: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمدت نارها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض، وتشغله عن التفكير، ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن غيلة الشيباني: وسماع مسمعة يعللنا ... حتى ننام تناوم العجم وحكي أن البعلبكي مؤذن المنصور رجع في أذانه ليلة وجارية تصب الماء على يد المنصور، فارتعدت حتى وقع الأبريق من يدها، فقال له المنصور: خذ هذه الجارية، فهي لك ولا تعد ترجع هذا الترجيع. وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة في قينة: ألم ترها لا أبعد الله دارها ... إذا رجّعت في صوتها كيف تصنع تدير نظام القول ثم تردّه ... إلى صلصل من صوتها يترجّع وبعد، فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب، وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن لا سيما إذا كان من وجه حسن كما قال الشاعر: ربّ سماع حسن ... سمعته من حسن مقرّب من فرح ... مبعّد من حزن لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدن وهل على الأرض من جبان مستطار الفؤاد يغني بقول جرير: قل للجبان إذا تأخرّ سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي إلا وقد شجعت نفسه، وقوي قلبه. أم هل على الأرض من بخيل قد انقبضت أطرافه يوما يغني بقول حاتم الطائي: يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى في ماله سبلا إلا انبسطت أنامله، ورشحت أطرافه. واختلف الناس في الغناء، فأجازه عامة أهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق، فمن حجة من أجازه ما روي أن النبي ﷺ قال لحسان: «شن الغطاريف على بني عبد مناف، فو الله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام» . واحتجوا في أباحة الغناء، واستحسانه بقول النبي ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها: «أهديتم الفتاة إلى بعلها؟ قالت: نعم. قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لم نفعل. قال: أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم القول، ألا بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحييكم ولولا الحبّة السمراء ... لم نحلل بواديكم ولا بأس بالغناء إذا لم يكن فيه أمر محرم، ولا يكره السماع عند العرس والوليمة والعقيقة وغيرها، فإن فيه تحريكا لزيادة سرور مباح أو مندوب، ويدل عليه ما روي من إنشاء النساء بالدف والألحان عند قدوم النبي ﷺ حيث قلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع «١» وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع أيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحرام حتى أكون أنا التي أسأمه. ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين من حديث عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرها أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه، وقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد.

стр. 389

وعن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك، فأسمعه كلمة، فقال له، وإنك لقائلها. قال: نعم. قال: طالما غنيت بها خلف جمال الخطاب. وعن عبد الله بن عوف قال: أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فسمعته يغني بالركابية يقول: فكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر وكان جميل بن معمر من أخصّاء عمر قال، فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم. قال: إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم. وقد أجازوا تحسين الصوت في القراءة والأذان، فإن كانت الألحان مكروهة، فالقراءة والأذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة، فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن، وما جعلت العرب الشعر موزونا إلا لمد الصوت والدندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنشور. ومن حجة من كره الغناء أنه قال: أنه ينفر القلوب، ويستفز العقول، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً «١» . وأخطأ من أوّل هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير، والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون: إنها أفضل منه، وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا. وقال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ فقال: نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه. قال: ليس عن هذا أسألك. قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه، فقال الحسن: والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا، فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه. وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت: أذلّني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل قال: فأخرج دواة وقرطاسا، وكتب البيت، فقيل له: أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران، فقال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة. وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان يغني على شرابه بقول العرجي: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر قال: فأخذه العسس ليلة وحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته، واستوحش له، فقال لأهله: ما فعل جارنا الكيال؟ قالوا: أخذه العسس، وهو في الحبس، فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع إذنه، وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك، فأقبل عليه عيسى بن موسى، وسأله عما جاء بسببه، فقال: أصلح الله الأمير: إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا، فوقع في حبسه، فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة، فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له، فلما رآه أبو حنيفة قال له: هل أضعناك يا فتى؟ يعرض له بشعره الذي ينشده، قال: لا والله ولكنك بررت وحفظت. وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روى عنه مالك بن أنس، وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا، وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين. قيل: إنه وقفت عليه إمرأة يوما وحوله التلاميذ، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت تقول: إذا وجدت أوار الحب في كبدي «٢» ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد هبي بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة. قيل: إنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فأقام يسمع غناءها فرآه مولاها، فقال له: هل

стр. 390

لك أن تدخل، وتسمع، فأبى، فلم يزل به حتى دخل فغنته، فأعجبته، ولم يزل يسمعها، ويلاحظ النظر حتى شغف بها، فلما شعرت بلحظه إياها غنته: رب رسولين لنا بلغّا ... رسالة من قبل أن نبرحا الطرف للطرف بعثناهما ... فقضيّا حاجة وما صرّحا قال: فأغمي عليه، وكاد يهلك، فقالت له: إنّي والله أحبك. قال: وأنا والله أحبك، قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك. قال: وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة. أما سمعت قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ٦٧ «١» . ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها، وأنشأ يقول: قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام فاليوم أعذرهم وأعلم إنّما ... سبل الضلالة والهدى أقسام وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه ما يستحقه، فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية، فقالت: هلم، فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك، وأنزلته بين حرمك، فجاء معاوية، فسمع شيئا حرّكه وأطربه، فقال: والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له، ثم انصرف، فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر، وهو قائم يصلي، فنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل. ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه: اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر، وأخبره إني قادم عليه، فذهب وأخبره، فأقام عبد الله كل من كان عنده، فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟ قال عبد الله: هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: مره، فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد. قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين. قال: إن أذني عليلة، فمره أن يرجع إلى مجلسه، وكان مجلس بديح المغنّي، فأمره عبد الله بن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية: داو أذني من علتها، فتناول العود وغنى وقال: ودّع سعاد فإنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل قال: فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال له معاوية: لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت لأبليت، ولو سئلت لأعطيت، وكان معاوية قد خضب. قال، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه، وكانت تتولى خضابه، فغنى بديح وقال: أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم «٢» وجددّت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم «٣» فطرب معاوية طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي، فأجبتك وأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال: كل كريم طروب، ثم قام، وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني، ثم ذهب، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته، وإلى كل رجل منهم بألف دينار، وعشرة أثواب. وحدّث ابن الكلبي، والهيثم بن عدي قالا: بينما عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة إذا سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا صوت رقيق لقينة تغني وتقول: قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التّصابي على الفتى حرج «٤» فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن، فلما رأوه قاموا إجلالا له، ورفعوا مجلسه، فأقبل عليه صاحب المجلس، وقال يا ابن عم رسول الله ﷺ : أتدخل مجلسنا بلا إذن، وليس هذا من شأنك؟ فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن. قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه سمعتها تقول: قل للكرام ببابنا يلجوا. فولجنا، فإن كنا كراما، فقد أذن لنا، وإن كنّا لئاما خرجنا مذمومين، فقبل صاحب المنزل يده، وقال: جعلت فداك، والله ما أنت إلا من أكرم
следующие страницы →