Полный текст (517 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وألوانه كثيرة، والناس يكرهونه لأنه يورث الهم والأحلام الرديئة، وسوء الخلق، وتعسر قضاء الحوائج، ويكثر بكاء الصبي وسيلان لعابه، ويثقل اللسان إذا سحق وشرب ماءه، وإذا وضع بين قوم لا علم لهم به حصلت بينهم العداوة لكنه يسهل الولادة تعليقا.
(البلور) هو صنف من الزجاج يحكى أن ببلاد كيسان جبلين أحدهما بلور، وإذا أريد قطع البلور في ذلك الموضع قطع في الليل لأنه في النهار يكون له شعاع عظيم.
خواصه: النظر فيه يشرح القلب، ويبسط النفس، ويسكن وجع الضرس.
(المرجان) هو واسطة بين النبات والمعدن لأنه بتشجره يشبه النبات، وبتحجره يشبه المعدن، ولا يزال لينا في معدنه، فإذا فارقه تحجر ويبس.
خواصه: النظر فيه يشرح الصدر ويبسط النفس ويفرح القلب، ويذهب بالداء المحتبس في العين، ويسكن الرمد، وسحاقته المخلوطة بالخل تجلو قلح الأسنان، وإذا وضع على الجرح منعه من الانتفاخ، وأنواعه كثيرة أحمر وأزرق وأبيض وأصله من البحر. قيل: إنه شجر ينبت. وقيل: إنه من حيوانه.
(حجر الماطليس) هو حجر هندي لا يعمل فيه الحديد، والبيت الذي يكون فيه لا يدخله السحر ولا الجن ولأجل ذلك كان الإسكندر يجعله في عسكره.
(الحجر الماهاني) من تختم به أمن من الروع والهم والحزن والغم، ولونه أبيض وأصفر، ويوجد بأرض خراسان.
(حجر مراد) يوجد بناحية الجنوب.
وخاصيته: إن الجن تتبع حامله وتعمل له ما أراد.
(الدهنج) خاصيته: أنه إذا سقي إنسان من محكه يفعل فعل السم، وإذا سقي شارب السم منه نفعه، وإذا مسح به موضع اللدغ سكن وينفع من خفقان القلب وإذا طلي بحكاكته بياض البرص أزاله، وإن علق على إنسان غلب عليه الباه.
(السبج) خواصه: أنه يقوي النظر الضعيف من الكبر أو نزول الماء ولبسه ينفع عسر البول وإدمان النظر فيه يحد البصر، وسحاقته تجلو البصر، وإذا علق على من به صداع زال عنه.
(المغناطيس) يوجد في بحر الهند، وهناك لا يتخذ في السفن حديد، ويوجد ببلاد الأندلس أيضا وأجود أنواعه ما كان أسود يضرب إلى حمرة. خواصه: الاكتحال بسحاقته يورث ألفة بين المكتحل وبين من يحبه، ويسهل الولادة تعليقا، ومن تختم به كانت حاجته مقضية، وتعليقه في العنق يزيد في الذهن، وإذا سحق وشرب من سحاقته من به سم بطل سمه، وإذا أصابته رائحة الثوم بطلت خاصيته، وإذا غسل بالخل عاد إلى حالته، وأجوده ما جذب نصف مثقال من الحديد.
(حجر الخطاف) الخطاف يوجد في عشه حجران.
أحدهما أحمر، والآخر أبيض، فالأحمر إذا علق على من يفزع في نومه زال فزعه، والأبيض إذا علق على من به صرع زال عنه.
(حجر الزاج) إذا دخن البيت بسحاقته هرب منه الفأر والذباب.
(حجر الزنجفر) أصله من الزئبق واستحال. وخاصيته:
أنه يدمل الجراحات وينبت اللحم.
(حجر الملح) هو أنواع، وأجوده ما يوجد بأرض سدوم بالقرب من بحر لوط، وقد جعله الله قواما للدنيا.
ومن خاصيته: أنه يحسن الذهب، ويزيد في صفرته، وعن النبي ﷺ أنه قال: يا علي ابدأ بالملح واختم به، فإن فيه شفاء من سبعين داء.
(حجر النطرون) قال أرسطو: ينفع الأرحام التي غلبت عليها الرطوبة ينشفها ويقويها، وإذا ألقي في العجين طيبه وبيضه ونشفه، وهو نوعان: أبيض وأحمر.
(حجر اللازورد) مشهور. قال أرسطو: من تختم به عظم في أعين الناس، وينفع من السهر. والله أعلم. ومن أراد العتمق في ذلك، فعليه بالكتب الموضوعة له، ولكن قد ذكرنا ما هو معروف، والحمد لله على كل حال، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثامن والستون في الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس فيه ومن كرهه ومن استحسنه
وما ذكرت ذلك إلا لأني كرهت أن يكون كتابي هذا بعد اشتماله على فنون الأدب والتحف والنوادر والأمثال عاطلا من هذه الصناعة التي هي مراد السمع، ومرتع النفس، وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس
стр. 387
الوحيد، وزاد الراكب لعظم موقع الصوت الحسن من القلب، وأخذه بمجامع النفس.
فصل في الصوت الحسن
قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
«١» هو الصوت الحسن، وعن النبي ﷺ : أنه قال: أتدرون متى كان الحداء؟ قالوا: لا بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله. قال: إن أباكم مضر خرج في طلب مال له، فوجد غلاما قد تفرقت إبله، فضربه على يده بالعصا، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، فسمعت الإبل صوته، فعطفت عليه، فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان كلاما تجتمع عليه الإبل، فاشتق الحداء.
وقال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁ لما أعجبه حسن صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، وقيل: إن داود ﵊ كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع، وتجتمع عليه الخلق، فيقرأ الزبور بتلك القراءة الرخيمة، وكان له جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فكانتا تضبطان جسده ضبطا شديدا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب، وكانت الوحوش والطير تجتمع لاستماع قراءته.
قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: بلغنا أن الله تعالى يقيم داود ﵊ يوم القيامة عند ساق العرش، فيقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.
وقال سلام الحادي للمنصور، وكان يضرب المثل بحدائه: مر يا أمير المؤمنين بأن يظمأوا إبلا ثم يورودها الماء فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها، وتترك الشرب.
وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق، فيصفو له الدم، وتنمو له النفس ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف له الحركات، ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء، حتى يرقص ويطرب، وزعمت الفلاسفة: أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح. ألا ترى إلى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان، واستراحت إليها أنفسهم، وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه، ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن، وتعب على الجوارح ما خلا السماع، فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح، وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف، وصلة الأرحام، والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب، وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويتذكر نعيم الملكوت، ويمثله في ضميره، ولأهل الرهبانية نغمات، وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها، ويبكون على خطاياهم، ويتذكرون نعيم الآخرة.
وكان أبو يوسف القاضي يحضر مجلس الرشيد، وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه يتذكر نعيم الآخرة، وقد تحن القلوب إلى حسن الصوت حتى الطير والبهائم، وكان صاحب الفلاحات يقول: إن النحل أطرب الحيوان كله على الغناء.
قال الشاعر:
والطير قد يسوقه للموت ... إصغاؤه إلى حنين الصوت
وزعموا أن في البحر دواب ربما زمرت أصواتا مطربة، ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها، فاعتنى بها وضعة الألحان بأن شبهوا بها أغانيهم، فلم يبلغوا، وربما يغشى على سامع الصوت الحسن للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته القلب. ألا ترى إلى الأم كيف تناغي ولدها، فيقبل بسمعه على مناغاتها، ويتلهى عن البكاء، والإبل يزداد نشاطها وقوتها بالحداء، فترفع آذانها وتلتفت يمنة ويسرة، وتتبختر في مشيتها.
وزعموا أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حفائر ثم يضربون عندها بأصوات شجية فتجتمع السمك في الحفائر، فيصيدونه وقد نبهت على ذلك في باب ذكر البحار، وما فيها من العجائب.
والراعي إذا رفع صوته، ونفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها، وجدّت في رعيها، والدابة تعاف الماء، فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب وليس شيء مما يستلذ به أخف مؤنة من السماع.
стр. 388
قال أفلاطون: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمدت نارها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمدت وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض، وتشغله عن التفكير، ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن غيلة الشيباني:
وسماع مسمعة يعللنا ... حتى ننام تناوم العجم
وحكي أن البعلبكي مؤذن المنصور رجع في أذانه ليلة وجارية تصب الماء على يد المنصور، فارتعدت حتى وقع الأبريق من يدها، فقال له المنصور: خذ هذه الجارية، فهي لك ولا تعد ترجع هذا الترجيع.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة في قينة:
ألم ترها لا أبعد الله دارها ... إذا رجّعت في صوتها كيف تصنع
تدير نظام القول ثم تردّه ... إلى صلصل من صوتها يترجّع
وبعد، فهل خلق الله شيئا أوقع بالقلوب، وأشد اختلاسا للعقول من الصوت الحسن لا سيما إذا كان من وجه حسن كما قال الشاعر:
ربّ سماع حسن ... سمعته من حسن
مقرّب من فرح ... مبعّد من حزن
لا فارقاني أبدا ... في صحة من بدن
وهل على الأرض من جبان مستطار الفؤاد يغني بقول جرير:
قل للجبان إذا تأخرّ سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي
إلا وقد شجعت نفسه، وقوي قلبه.
أم هل على الأرض من بخيل قد انقبضت أطرافه يوما يغني بقول حاتم الطائي:
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إنّ الجواد يرى في ماله سبلا
إلا انبسطت أنامله، ورشحت أطرافه.
واختلف الناس في الغناء، فأجازه عامة أهل الحجاز، وكرهه عامة أهل العراق، فمن حجة من أجازه ما روي أن النبي ﷺ قال لحسان: «شن الغطاريف على بني عبد مناف، فو الله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام» .
واحتجوا في أباحة الغناء، واستحسانه بقول النبي ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها: «أهديتم الفتاة إلى بعلها؟
قالت: نعم. قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لم نفعل. قال: أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم القول، ألا بعثتم معها من يقول:
أتيناكم أتيناكم ... فحيّونا نحييكم
ولولا الحبّة السمراء ... لم نحلل بواديكم
ولا بأس بالغناء إذا لم يكن فيه أمر محرم، ولا يكره السماع عند العرس والوليمة والعقيقة وغيرها، فإن فيه تحريكا لزيادة سرور مباح أو مندوب، ويدل عليه ما روي من إنشاء النساء بالدف والألحان عند قدوم النبي ﷺ حيث قلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع «١»
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
ويدل عليه ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد الحرام حتى أكون أنا التي أسأمه.
ويدل عليه أيضا ما روي في الصحيحين من حديث عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا بكر دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام منى يدففان ويضربان والنبي ﷺ متغش بثوبه، فانتهرها أبو بكر، فكشف النبي ﷺ عن وجهه، وقال: دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد.
стр. 389
وعن قرة بن خالد بن عبد الله بن يحيى قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه للنابغة الجعدي:
أسمعني بعض ما عفا الله لك عنه من هناتك، فأسمعه كلمة، فقال له، وإنك لقائلها. قال: نعم. قال: طالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.
وعن عبد الله بن عوف قال: أتيت باب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فسمعته يغني بالركابية يقول:
فكيف ثوائي بالمدينة بعدما ... قضى وطرا منها جميل بن معمر
وكان جميل بن معمر من أخصّاء عمر قال، فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت؟ قلت: نعم.
قال: إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.
وقد أجازوا تحسين الصوت في القراءة والأذان، فإن كانت الألحان مكروهة، فالقراءة والأذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة، فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن، وما جعلت العرب الشعر موزونا إلا لمد الصوت والدندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنشور.
ومن حجة من كره الغناء أنه قال: أنه ينفر القلوب، ويستفز العقول، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهذا باطل في أصله وتأولوا في ذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً
«١» . وأخطأ من أوّل هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير، والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون: إنها أفضل منه، وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا.
وقال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟ فقال: نعم العون على طاعة الله تعالى يصل الرجل به رحمه ويواسي به صديقه. قال: ليس عن هذا أسألك.
قال: وعم سألتني؟ قال: أن يغني الرجل. قال: وكيف يغني؟ فجعل الرجل يلوي شدقيه ويفتح منخريه، فقال الحسن: والله يا ابن أخي ما ظننت أن عاقلا يفعل بنفسه هذا أبدا، فلم ينكر الحسن عليه إلا تشويه وجهه وتعويج فمه.
وسمع ابن المبارك سكران يغني هذا البيت:
أذلّني الهوى فأنا الذليل ... وليس إلى الذي أهوى سبيل
قال: فأخرج دواة وقرطاسا، وكتب البيت، فقيل له:
أتكتب بيت شعر سمعته من رجل سكران، فقال: أما سمعتم المثل: رب جوهرة في مزبلة.
وكان لأبي حنيفة جار من الكيالين مغرم بالشراب، وكان يغني على شرابه بقول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فأخذه العسس ليلة وحبسه، ففقد أبو حنيفة صوته، واستوحش له، فقال لأهله: ما فعل جارنا الكيال؟
قالوا: أخذه العسس، وهو في الحبس، فلما أصبح أبو حنيفة توجه إلى عيسى بن موسى، فاستأذن عليه، فأسرع إذنه، وكان أبو حنيفة قليلا ما يأتي أبواب الملوك، فأقبل عليه عيسى بن موسى، وسأله عما جاء بسببه، فقال:
أصلح الله الأمير: إن لي جارا من الكيالين أخذه عسس الأمير ليلة كذا، فوقع في حبسه، فأمر عيسى بن موسى بإطلاق كل من في الحبس إكراما لأبي حنيفة، فأقبل الكيال على أبي حنيفة يتشكر له، فلما رآه أبو حنيفة قال له: هل أضعناك يا فتى؟ يعرض له بشعره الذي ينشده، قال: لا والله ولكنك بررت وحفظت.
وكان عروة بن أدية ثقة في الحديث روى عنه مالك بن أنس، وكان شاعرا مجيدا لبقا غزلا، وكان يصوغ ألحان الغناء على شعره وينحلها للمغنين. قيل: إنه وقفت عليه إمرأة يوما وحوله التلاميذ، فقالت له: أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح، وأنت تقول:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي «٢» ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد
هبي بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد
وكان عبد الملك الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة. قيل: إنه مر يوما بسلامة وهي تغني، فأقام يسمع غناءها فرآه مولاها، فقال له: هل
стр. 390
لك أن تدخل، وتسمع، فأبى، فلم يزل به حتى دخل فغنته، فأعجبته، ولم يزل يسمعها، ويلاحظ النظر حتى شغف بها، فلما شعرت بلحظه إياها غنته:
رب رسولين لنا بلغّا ... رسالة من قبل أن نبرحا
الطرف للطرف بعثناهما ... فقضيّا حاجة وما صرّحا
قال: فأغمي عليه، وكاد يهلك، فقالت له: إنّي والله أحبك. قال: وأنا والله أحبك، قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك. قال: وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ قال: أخشى أن تكون صداقة ما بيني وبينك عداوة يوم القيامة. أما سمعت قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ٦٧
«١» . ثم نهض وعاد إلى طريقته التي كان عليها، وأنشأ يقول:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم إنّما ... سبل الضلالة والهدى أقسام
وقدم عبد الله بن جعفر على معاوية بالشام، فأنزله في دار عياله، وأظهر من إكرامه ما يستحقه، فغاظ ذلك فاختة بنت قرظة زوج معاوية فسمعت ذات ليلة غناء عند عبد الله بن جعفر، فجاءت إلى معاوية، فقالت: هلم، فاسمع ما في منزلك الذي جعلته من لحمك ودمك، وأنزلته بين حرمك، فجاء معاوية، فسمع شيئا حرّكه وأطربه، فقال: والله إني لأسمع شيئا تكاد الجبال أن تخر له، ثم انصرف، فلما كان في آخر الليل سمع معاوية قراءة عبد الله بن جعفر، وهو قائم يصلي، فنبه فاختة، وقال لها: اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي ملوك بالنهار رهبان بالليل.
ثم إن معاوية أرق ذات ليلة، فقال لخادمه: اذهب فانظر من عند عبد الله بن جعفر، وأخبره إني قادم عليه، فذهب وأخبره، فأقام عبد الله كل من كان عنده، فلما جاء معاوية لم ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟
قال عبد الله: هذا مجلس فلان يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: مره، فليرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل واحد. قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين. قال: إن أذني عليلة، فمره أن يرجع إلى مجلسه، وكان مجلس بديح المغنّي، فأمره عبد الله بن جعفر، فرجع إلى موضعه، فقال له معاوية:
داو أذني من علتها، فتناول العود وغنى وقال:
ودّع سعاد فإنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
قال: فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال له معاوية:
لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لقيت لأبليت، ولو سئلت لأعطيت، وكان معاوية قد خضب. قال، فقال ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكان عند معاوية جارية أعز جواريه عليه، وكانت تتولى خضابه، فغنى بديح وقال:
أليس عندك شكر للتي جعلت ... ما ابيضّ من قادمات الرأس كالحمم «٢»
وجددّت منك ما قد كان أخلقه ... صرف الزمان وطول الدهر والقدم «٣»
فطرب معاوية طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال له ابن جعفر يا أمير المؤمنين إنك سألتني عن تحريك رأسي، فأجبتك وأخبرتك، وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال: كل كريم طروب، ثم قام، وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتي له إذني، ثم ذهب، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاصة كسوته، وإلى كل رجل منهم بألف دينار، وعشرة أثواب.
وحدّث ابن الكلبي، والهيثم بن عدي قالا: بينما عبد الله بن جعفر في بعض أزقة المدينة إذا سمع غناء، فأصغى إليه، فإذا صوت رقيق لقينة تغني وتقول:
قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التّصابي على الفتى حرج «٤»
فنزل عبد الله عن دابته، ودخل على القوم بلا إذن، فلما رأوه قاموا إجلالا له، ورفعوا مجلسه، فأقبل عليه صاحب المجلس، وقال يا ابن عم رسول الله ﷺ : أتدخل مجلسنا بلا إذن، وليس هذا من شأنك؟ فقال عبد الله: لم أدخل إلا بإذن. قال: ومن أذن لك؟ قال: قينتك هذه سمعتها تقول: قل للكرام ببابنا يلجوا. فولجنا، فإن كنا كراما، فقد أذن لنا، وإن كنّا لئاما خرجنا مذمومين، فقبل صاحب المنزل يده، وقال: جعلت فداك، والله ما أنت إلا من أكرم
стр. 391
الناس، فبعث عبد الله إلى جارية من جواريه، فحضرت ودعا بثياب وطيب، فكسا القوم، وطيبهم، ووهب الجارية لصاحب المنزل، وقال: هذه أحذق بالغناء من جاريتك.
وسمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فقال:
اطلبوه، فجاءوا به، فقال: أعد عليّ ما غنيت به، فغنى وأحفل «١» . وكان سليمان أغير «٢» الناس، فقال لأصحابه:
كأنها والله جرجرة الفحل في الشوك، وما أظن أنثى تسمع هذا إلّا صبت «٣» إليه، ثم أمر به فخصي.
أصل الغناء ومعدنه:
قال أبو المنذر هشام: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب والسناد والهزج، فأما النصب، فغناء الفتيان والركبان، وأما السناد: فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج:
فالخفيف كله وهو الذي يستفز القلوب ويهيج الحليم.
وقيل: كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى، فاشيا ظاهرا، وهي المدينة والطائف وخيبر وفدك ووادي القرى، ودومة الجندل، واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب.
ويقال: إن أول من صنع العود لامك بن قاين بن آدم، وبكى به على ولده، ويقال: إن صانعه بطليموس صاحب الموسيقى، وهو كتاب اللحون الثمانية، والله أعلم بحقيقة ذلك، وحسبنا الله، ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب التاسع والستون في ذكر المغنين والمطربين وأخبارهم ونوادر الجلساء في مجالس الرؤساء
قيل: إن أول من غنى في العرب قينتان للنعمان يقال لهما: الجرادتان ومن غنائهما:
ألا يا قين ويحك قم فهينم «٤» ... لعلّ الله يسقينا غماما
وإنما غنتا هذا حين حبس الله عنهم المطر.
وقيل: أول من غنّى في الإسلام الغناء الرقيق طويس وهو الذي علم ابن سريج والدلال نوبة الضحى، وكان يكنى أبا عبد النعيم، ومن غنائه، وهو أول صوت غنى به في الإسلام هذا البيت:
قد براني الشوق حتى ... كدت من وجدي أذوب «٥»
ثم نجم بعد طويس ابن طنبور، وأصله من اليمن، وكان أهزج الناس وأخفهم غناء، ومن غنائه:
وفتيان على شرب جميعا ... دلفت لهم بباطية هدور «٦»
فلا تشرب بلا طرب فإنّي ... رأيت الخيل تشرب بالصفير
ومنهم حكم الوادي، ومن غنائه:
إمدح الكأس ومن أعملها ... واهج قوما قتلونا بالعطش
إنما الراح ربيع باكر ... فإذا ما وافت المرء انتعش
وكان لهارون الرشيد جماعة من المغنين منهم: إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي وغيرهما، وكان له زامر يقال له: برصوما، وكان إبراهيم أشدهم تصرفا في الغناء، وابن جامع أحلاهم نغمة، فقال الرشيد يوما لبرصوما: ما تقول في ابن جامع؟ قال يا أمير المؤمنين، وما أقول في العسل الذي من حيثما ما ذقته فهو طيب. قال: فإبراهيم الموصلي؟ قال: بستان فيه جميع الأزهار والرياحين.
وكان ابن محرز يغني كل إنسان بما يشتهيه كأنه خلق من قلب كل إنسان. وغنى رجل بحضرة الرشيد بهذه الأبيات:
وأذكر أيام الحمى ثمّ أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا
فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
стр. 392
بكت عيني اليسرى فلما نهيتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا «١»
قال: فاستخف الرشيد الطرب، فأمر له بمائة ألف درهم.
وحدّث ابن الكلبي عن أبيه قال: كان ابن عائشة من أحسن الناس غناء وأنبههم فيه، وكان من أضيق الناس خلقا إذا قيل له غنّ قال: لمثلي يقال غنّ، عليّ عتق رقبة إن غنيت يومي هذا، فلما كان في بعض الأيام سال وادي العقيق، فلم يبق في المدينة مخبأة ولا مخدرة ولا شاب ولا كهل إلا خرج يبصره، وكان فيمن خرج ابن عائشة المغني وهو معتجر «٢» بفضل ردائه، فنظر إليه الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، وكان الحسن فيمن خرج إلى العقيق وبين يديه عبدان أسودان كأنهما ساريتان يمشيان أمام دابته، فقال لهما:
أقسم بالله إن لم تفعلا ما آمركما به لأنكلن بكما، فقالا يا مولانا قل ما أمرتنا به، فلو أمرتنا أن نقتحم النار فعلنا.
قال: فاذهبا إلى ذلك الرجل المعتجر بفضل ردائه فأمسكاه، فإن لم يفعل ما آمره به وإلا فاقذفا به في العقيق.
قال: فمضيا والحسن يقفوهما «٣» ، فلم يشعر ابن عائشة إلا وهما آخذان بمنكبيه، فقال: من هذا؟ فقال له الحسن: أنا هذا يا ابن عائشة، فقال: لبيك وسعديك بأبي أنت وأمي قال: اسمع مني ما أقول لك، واعلم أنك مأسور في أيديهما، وقد أقسمت إن لم تغن مائة صوت ليطرحانك في العقيق. قال: فصاح ابن عائشة: ووايلاه واعظم مصيبتاه، فقال له الحسن: دعنا من صياحك وخذ فيما ينفعنا. قال: اقترح وأقم من يحصي، ثم أقبل يغني، فترك الناس العقيق، وأقبلوا عليه، فلما تمت أصواته مائة كبّر الناس بلسان واحد تكبيرة ارتجت لها أقطار الأرض، وقالوا للحسن: صلى الله على جدك حيا وميتا، فما اجتمع لأحد من أهل المدينة سرور قط إلا بكم أهل البيت، فقال له الحسن: ما فعلت هذا بك يا ابن عائشة إلا لأخلاقك الشرسة، فقال ابن عائشة: والله ما مرت بي شدة أعظم من هذه لقد بلغت أطراف أعضائي، فكان ابن عائشة بعد ذلك إذا قيل له: ما أشد يوم مر عليك؟ يقول: يوم العقيق.
وحدّث أبو جعفر البغدادي قال: حدثني عبد الله بن محمد كاتب بغداد عن أبي عكرمة قال: خرجت يوما إلى المسجد الجامع، فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل، فإذا على بابه المشدود، وهو أحذق خلق الله تعالى بالغناء، فقال: أين تريد يا أبا عكرمة؟ قلت: المسجد الجامع لعلي أستفيد حكمة أكتبها، فقال: أدخل بنا إلى أبي عيسى. قلت: أمثل أبي عيسى في قدره، وجلالته يدخل عليه بلا إذن؟ فقال للحاجب: أعلم أمير المؤمنين بمكان أبي عكرمة، فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان إليّ فحملوني حملا، فدخلت إلى دار ما رأيت أحسن منها بناء، ولا أظرف منها هيئة فلما نظرت إلى أبي عيسى قال لي: ما يعيش من يحتشم اجلس، فجلست، فأتينا بطعام كثير، فلما انقضى أتينا بشراب، وقامت جارية تسقينا شرابا كالشعاع في زجاجة كأنها كوكب دري، فقلت: أصلح الله الأمير وأتم عليه نعمه ولا سلبه ما وهبه. قال: فدعا أبو عيسى بالمغنين وهم المشدود ودبيس ورقيق. ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة بالغناء، فابتدأ المشدود وغنى يقول:
لما استقلّ بارداف تجاذبه ... واخضرّ فوق بياض الدرّ شاربه
وأشرق الورد من نسرين وجنته ... واهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه «٤»
كلّمته بجفون غير ناطقة ... فكان من ردّه ما قال حاجبه
ثم سكت وغنّى دبيس:
الحبّ حلو أمرّته عواقبه ... وصاحب الحبّ صبّ القلب ذائبه
استودع الله من بالطرف ودّعني ... يوم الفراق ودمع العين ساكبه
ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي ... إرفق بقلبك قد عزّت مطالبه «٥»
ثم سكت وغنّى رقيق:
بدر من الإنس حفّته كواكبه ... قد لاح عارضه واخضرّ شاربه
стр. 393
إن يوعد الوعد يوما فهو مخلفه ... أو ينطق القول يوما فهو كاذبه
ثم سكت، وابتدأ المشدود يقول:
يا دير حنّة من ذات الأكيراح ... من يصح عنك فإنّي لست بالصاحي
ثم سكت وغنى دبيس:
دع البساتين من آس وتفّاح ... واعدل هديت إلى شيخ الأكيراح
واعدل إلى فتية ذابت لحومهم ... من العبادة إلّا نضو أشباح
ثم أقبل أبو عيسى على المشدود وقال له غنّ لي شعري فغنّاه:
يا لجّة الدمع هل للغمض مرجوع ... أم للكرى من جفون العين ممنوع
ما حيلتي وفؤادي قائم دنف ... بعقرب الصدغ من مولاي ملسوع
لا والذي تلفت نفسي بفرقته ... فالقلب من فرق الأحزان مصدوع «١»
ما أرّق العين إلّا حبّ مبتدع ... ثوب الجمال على خدّيه مخلوع
قال أبو عكرمة: فو الله لقد حضرت من المجالس ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، فما حضرت مثل ذلك المجلس ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا.
وحكي عن الرشيد أنه قال يوما للفضل بن الربيع: من بالباب من الندماء؟ قال: جماعة فيهم هاشم بن سليمان مولى بني أمية، وأمير المؤمنين يشتهي سماعه. قال: فأذن له وحده، فدخل، فقال: هات يا هاشم، فغناه من شعر جميل حيث يقول:
إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا ... جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح عقلي ما أصبت به أهلي
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
قال: فطرب الرشيد طربا شديدا، وقال: أحسنت لله أبوك، قلّده عقدا نفسيا. فما رآه هاشم ترقرقت عيناه بالدموع، فقال له الرشيد: ما يبكيك يا هاشم؟ فقال:
يا أمير المؤمنين إن لهذا العقد حديثا عجيبا إن أذن لي أمير المؤمنين حدثته به، فقال: قد أذنت لك. قال يا أمير المؤمنين: قدمت يوما على الوليد وهو على بحيرة طبربة، ومعه قينتان «٢» لم ير مثلهما جمالا وحسنا، فلما وقعت عينه عليّ قال: هذا إعرابي قد ظهر من البوادي أدعو به لنسخر به، فدعاني، فسرت إليه. ولم يعرفني، فغنت إحدى الجاريتين بصوت هو لي، فأخطأته الجارية، فقلت لها: أخطأت يا جارية، فضحكت، ثم قالت: يا أمير المؤمنين ألم تسمع ما يقول هذا الأعرابي يعيب علينا غناءنا؟ فنظر إليّ كالمنكر، فقلت يا أمير المؤمنين: أنا أبين لك الخطأ، فلتصلح، وتر كذا، ووتر كذا، ففعلت وغنت شيئا ما سمع منها إلا في هذا اليوم، فقامت الجارية مكبة عليّ وقالت: أستاذي هاشم وربّ الكعبة، فقال الوليد: أهاشم بن سليمان أنت؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وكشفت عن وجهي، وأقمت معه بقية يومنا، فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فقالت الجارية يا أمير المؤمنين أتأذن لي في بر أستاذي؟ فقال الوليد: ذلك إليك، فحلت يا أمير المؤمنين هذا العقد من عنقها ووضعته في عنقي، وقالت: هو لك، ثم قربوا إليه السفينة ليرجع إلى موضعه، فركب في السفينة، وطلعت معه إحدى الجاريتين، وتبعتها صاحبتي، فأرادت أن ترفع رجلها، وتطلع السفينة فسقطت في الماء، فغرقت لوقتها، وطلبت، فلم يقدر عليها، فاشتد جزع الوليد عليها، وبكى بكاء شديدا، وبكيت أنا عليها أيضا بكاء شديدا، فقال لي يا هاشم: ما نرجع عليك مما وهبناه لك، ولكن نحب أن يكون هذا العقد عندنا نذكرها به، فبعني إياه، فعوضني عنه ثلاثين ألف درهم، فلما وهبتني العقد يا أمير المؤمنين تذكرت قضيته، وهذا سبب بكائي، فقال الرشيد:
لا تعجب، فإن الله كما ورثنا مكانهم ورثنا أموالهم.
وقال علي بن سليمان النوفلي: غنى دحمان الأشقر عند الرشيد يوما فأنشده:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا «٣» ... كفى لمطايانا «٤» برؤياك هاديا «٥»
стр. 394
إذا ما طواك الدّهر يا أمّ مالك ... فشأن المنايا القاضيات وشانيا
قال: فطرب الرشيد طربا شديدا واستعاده منه مرات، ثم قال له: تمنّ عليّ. قال: أتمنى الهنيء والمريء. وهما ضيعتان غلتهما أربعون ألف دينار في كل سنة، فأمر له بهما، فقيل له يا أمير المؤمنين: إن هاتين الضيعتين من جلالتهما يجب أن لا يسمح بمثلهما، فقال الرشيد:
لا سبيل إلى استرداد ما أعطيت، ولكن احتالوا في شرائهما منه، فساوموه فيهما حتى وقفوا معه على مائة ألف دينار، فرضي بذلك، فقال الرشيد: إدفعوها له، فقالوا:
يا أمير المؤمنين في إخراج مائة ألف دينار من بيت المال طعن، ولكن نقطعها له، فكان يوصل بخمسة آلاف وثلاثة آلاف حتى استوفاها.
ومن ذلك ما حكى إسحاق الموصلي قال: كان الواثق بن المعتصم أعلم الناس بالغناء، وكان يضع الألحان العجيبة ويغني بها شعره، وشعر غيره، فقال له يوما: يا أبا محمد لقد فقت أهل العصر في كل شيء، فغنني شعرا أرتاح إليه، وأطرب عليه يومي هذا.
قال إسحاق: فغنيته هذه الأبيات:
ما كنت أعلم ما في البين من حرق ... حتى تنادوا بأن قد جيء بالسفن
قالت تودّعني والدمع يغلبها ... فهمهمت بعض ما قالت ولم تبن «١»
مالت إليّ وضمتّني لترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتّي إيّاك لم تكن
قال: فخلع عليّ خلعة كانت عليه وأمر لي بمائة ألف درهم.
وقال وغنيته يوما:
قفي ودّعينا يا سعاد بنظرة ... فقد حان منا يا سعاد رحيل
فيا جنّة الدنيا ويا غاية المنى ... ويا سؤل نفسي هل إليك سبيل
وكنت إذا ما جئت جئت لعلّة ... فأفنيت علّاتي فكيف أقول «٢»
فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لي إليك وصول
فقال: والله لا سمعت يومي غيره وألقى عليّ خلعة من ثيابه، وأمر لي بصلة ما أمر لي قبلها بمثلها.
ومن حكايات الخلفاء ومكارم أخلاقهم:
ما حكي عن إبراهيم بن المهدي قال: قال جعفر بن يحيى يوما لبعض ندمائه: إني قد استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غدا. فهل من مساعدة؟ فقلت: جعلت فداءك أنا أسعد بمساعدتك وأسر بمشاهدتك. فقال: بكر بكور الغراب.
قال: فأتيته عند الفجر، فوجدت الشموع قد أوقدت بين يديه وهو ينتظرني في الميعاد، فلما زلنا في أطيب عيش إلى وقت الضحى، فقدمت إلينا موائد الأطعمة عليها من أفخر الطعام وأطيبه، فأكلنا وغسلنا أيدينا، ثم خلعت علينا ثياب المنادمة، وضمخنا بالخلوق وانتقلنا إلى مجلس الطرب ومدت الستائر وغنت القينات فظللنا بأنعم يوم ثم إنه داخله الطرب. فدعا بالحاجب وقال له: إذا أتى أحد يطلبنا فأذن له ولو كان عبد الملك بن صالح بنفسه، فاتفق بالأمر المقدر أن عم الرشيد عبد الملك بن صالح قدم علينا في ذلك الوقت وكان صاحب جلالة وهيبة ورفعة، وعنده من الورع والزهد والعبادة ما لا مزيد عليه، وكان الرشيد إذا جلس مجلس لهو لا يطلعه على ذلك لشدة ورعه، فلما قدم دخل به الحاجب علينا فلما رأيناه رمينا ما في أيدينا وقمنا إجلالا له نقبل يده وقد ارتعنا لذلك وخجلنا وزاد بنا الحياء، فقال لا بأس عليكم كونوا على ما أنتم عليه، ثم صاح بغلام، فدفع له ثيابه، ثم أقبل علينا وقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم قال: فما كان بأسرع من أن طرحت عليه ثياب خز معلم وقدمت إليه موائد الطعام والشراب، فطعم وشرب الشراب لساعته، ثم قال: خففوا عني فإنه شيء ما فعلته والله قط. قال: فتهلل وجه جعفر ثم التفت إلى عبد الملك، فقال له: جعلت فداءك قد علوت علينا وتفضلت، فهل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فاقضيها لك مكافأة لك على ما صنعت؟
قال: بلى إن في قلب أمير المؤمنين بعض تغير عليّ، فتسأله الرضا عني، فقال جعفر: قد رضي عنك أمير المؤمنين قال: وعليّ عشرة آلاف دينار، فقال جعفر: هي حاضرة لك من مالي ولك من مال أمير المؤمنين مثلها.
قال: أريد أن أشد ظهر ابني إبراهيم بمصاهرة من أمير المؤمنين قال: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته الغالية. قال:
стр. 395
وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. قال: وقد ولّاه أمير المؤمنين مصر. فانصرف عبد الملك بن صالح وبقيت متعجبا من إقدام جعفر على ذلك من غير استئذان وقلت:
عسى أن يجيبه أمير المؤمنين إلى ما سأله من الولاية والمال والرضا إلا المصاهرة قال: فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد لأنظر ما يكون من أمرهم، فدخل جعفر فلم يلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ثم بابراهيم بن عبد الملك بن صالح فخرج إبراهيم وقد عقد نكاحه بالغالية بنت الرشيد، وعقد له على مصر الرايات والألوية تخفق على رأسه وخرج كل من في القصر معه إلى بيت عبد الملك بن صالح قال: ثم بعد ذلك خرج إلينا جعفر وقال: أظن أن قلوبكم تعلقت بحديث عبد الملك بن صالح وأحببتم سماع ذلك. قلنا هو كما ظننت.
قال: لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال: كيف كان يومك يا جعفر بالأمس؟ فقصصت عليه القصة حتى بلغت إلى دخول عبد الملك بن صالح فكان متكئا فاستوى جالسا، وقال: لله أبوك ما سألك؟ قلت:
سألني رضاك عنه يا أمير المؤمنين، قال: بم أجبته؟ قلت:
قد رضي عنك أمير المؤمنين. قال: قد رضيت عنه، ثم ماذا قلت، وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار. قال: فبم أجبته؟
قلت قد قضاها عنك أمير المؤمنين. قال: وقد قضيتها عنه، ثم ماذا قلت، ورغب أن يشد أمير المؤمنين ظهر ولده إبراهيم بمصاهرة منه قال: فبم أجبته؟ قلت: قد زوّجه أمير المؤمنين بابنته الغالية. قال: قد أجبته إلى ذلك. ثمّ ماذا قلت؟ قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه. قال: فبم أجبته؟ قلت: قد ولاه أمير المؤمنين مصر. قال: قد وليته إياها، ثم نجز له جميع ذلك من ساعته.
قال إبراهيم بن المهدي: فو الله ما أدري أي الثلاثة أكرم وأعجب فعلا ما ابتدأه عبد الملك بن صالح من المنادمة ولم يكن فعل ذلك قط أم إقدام جعفر على الرشيد أم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر، فهكذا تكون مكارم الأخلاق.
وحكى أبو العباس عن عمر الرازي قال: أقبلت من مكة أريد المدينة فجعلت أسير في جمد من الأرض، فسمعت غناء لم أسمع مثله، فقلت: والله لأتوصلن إليه، فإذا هو عبد أسود، فقلت له: أعد عليّ ما سمعت فقال: والله لو كان عند قرى أقريكه لفعلت، ولكني أجعله قراك، فإني والله ربما غنيت بهذا الصوت وأنا جائع فأشبع، وربما غنيته وأنا كسلان فأنشط، أو عطشان فأروى، ثم اندفع يغني ويقول:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
قال عمر: فحفظته منه، ثم تغنيت به على الحالات التي وصفها إليّ فإذا هي كما ذكر، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
حكى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين المتوكل أهدى إليه عبد الله بن طاهر من خراسان جارية يقال لها محبوبة كانت قد نشأت بالطائف فبرعت في الجمال والأدب وأجادت قول الشعر، وحذاقة الغناء، فشغف بها أمير المؤمنين المتوكل حتى كانت لا تفارق مجلسه ساعة واحدة، ثم أنه حصل منه عليها بعد ذلك جفاء، فهجرها.
قال علي بن الجهم، فبينما أنا نائم عنده ذات ليلة إذ أيقظني، فقال: يا علي، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: قد رأيت الليلة في منامي كأني رضيت على محبوبة وصالحتها، فقلت: خيرا رأيت يا أمير المؤمنين أقرّ الله عينك إنما هي جاريتك والرضا والجفاء بيدك، فوالله إنا لفي حديثها إذ جاءت وصيفة فقالت: يا أمير المؤمنين سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال: قم بنا يا علي ننظر ما تصنع، فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب بالعود وتقول:
أدور في القصر لا أرى أحدا ... أشكو إليه ولا يكلّمني
كأنّني قد أتيت معصية ... ليس لها توبة تخلّصني
فهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره وصارمني «١»
стр. 396
قال: فصاح أمير المؤمنين، فلما سمعته تلقته، وأكبت على رجليه تقبلهما، فقال: ما هذا؟ قالت: يا مولاي رأيت في منامي هذه اليلة كأنك قد رضيت عني، فأنشدت ما سمعت. قال: وأنا والله رأيت مثل ذلك، ثم قال يا علي: هل رأيت أعجب من هذا الاتفاق، ثم أخذ بيدها ومضى إلى حجرتها وكان من أمرهما ما كان.
ومن ذلك ما حدث الشيباني قال: كان عند رجل بالعراق قينة، وكان أبو نواس يختلف إليها، وكانت تظهر له أنها لا تحب غيره وكان كلما دخل إليها وجد عندها شابا يجالسها ويحادثها فقال فيها هذه الأبيات:
ومظهرة لخلق الله ودّا ... وتلقي بالتحية والسّلام
أتيت لبابها أشكوا إليها ... فلم أخلص إليه من الزّحام
فيا من ليس يكفيها خليل ... ولا ألفا خليل كلّ عام
أراك بقيّة من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
وقال أبو سويد: حدثني أبو زيد الأسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام مفروش بالديباج الأخضر في وسط بستان ملتف قد أثمر وأينع وعلى رأسه وصائف كل واحدة منهن أحسن من صاحبتها، وقد غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت. فقلت: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، وكان مطرقا، فرفع رأسه، وقال: أبا زيد في مثل هذا حين تصاحبنا.
فقلت: أصلح الله الأمير أو قامت القيامة؟ قال: نعم على أهل المحبة، ثم أطرق مليا ورفع رأسه وقال: أبا زيد ما يطيب في يومنا هذا؟ قلت: أصلح الله الأمير قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء مضمومة لفّاء أشربها من كفها وأمسح فمي بخدها، فلما رأت الوصائف ذلك تنحين عنه، ثم رفع رأسه، فقال: أبا زيد حضرت في يوم فيه انقضاء أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك؟.
قلت: نعم أصلح الله الأمير كنت جالسا عند دار أخيك سعيد بن عبد الملك، فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال انفلت من شبكة صياد عليها قميص سكب اسكندراني يبين منه بياض بدنها وتدوير سرتها ونقش تكتها، وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها بذؤابتين تضربان إلى حقويها لها صدغان كأنهما نونان وحاجبان قد قوسا على محاجر عينيها، وعينان مملوءتان سحرا، وأنف كأنه قصبة بلور، وفم كأنه جرح يقطر دما وهي تقول: عباد الله من لي بدواء ما لا يشتكى وعلاج ما لا يسمى، طال الحجاب وأبطأ الجواب، والقلب طائر، والعقل عازب والنفس والهة، والفؤاد مختلس، والنوم محتبس. رحمة الله على قوم عاشوا تجلدا وماتوا كمدا، ولو كان إلى الصبر حيلة أو إلى ترك الغرام سبيل لكان أمرا جميلا، ثم أطرقت طويلا ورفعت رأسها، فقلت لها: أيتها الجارية إنسية أنت أم جنية، سماوية أنت أم أرضية؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك واذهلني حسن منطقك، فسترت وجهها بكمها كأنها لم ترني، ثم قالت: أعذر أيها المتكلم فما أوحش الساعد بلا مساعد، والمقاساة لصب معاند، ثم انصرفت، فو الله ما أكلت طعاما طيبا إلا غصصت به لذكرها، ولا رأيت حسنا إلا سمج في عيني لحسنها فقال سليمان: أبا زيد كاد الجهل يستفزني والصبا يعاودني والحلم يعزب عني لشجو ما سمعت. اعلم يا أبا زيد أن تلك التي رأيتها هي الذلفاء التي قيل فيها:
إنّما الذلفاء ياقوتة ... أخرجت من كيس دهقان «١»
شراؤها على أخي ألف ألف درهم، وهي عاشقة لمن باعها والله إن مات ما يموت إلا بحبها ولا يدخل القبر إلا بغصتها، وفي الصبر سلوة وفي توقع الموت نهية. قم أبا زيد في دعة الله تعالى، ثم قال: يا غلام نفله ببدرة، فأخذتها وانصرفت.
وقال: فلما أفضت الخلافة إليه صارت الذلفاء إليه، فأمر بفسطاط «٢» ، فأخرج على دهناء الغوطة وضرب في روضة خضراء مونقة زهراء ذات حدائق بهجة تحتها أنواع الزهر ما بين أصفر فاقع وأحمر ساطع وأبيض ناصع.
وكان لسليمان مغن يقال له سنان، به يأنس وإليه يسكن فأمره أن يضرب فسطاطه بالقرب منه، وكانت الذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المتنزه، فلم يزل سنان يومه ذلك عند سليمان في أكمل سرور، وأتم حبور إلى أن انصرف من الليل إلى فسطاطه، فنزل به جماعة من إخوانه
стр. 397
فقالوا له: نريد قرى «١» أصلحك الله. قال: وما قراكم؟
قالوا: أكل وشرب وسماع. قال: أما الأكل والشرب فمباحان لكم، وأما السماع فقد عرفتم شدة غيرة أمير المؤمنين ونهيه عنه إلا ما كان في مجلسه. قالوا: لا حاجة لنا بطعامك وشرابك إن لم تسمعنا. قال: فاختاروا صوتا واحدا أغنيكموه. قالوا: غننا صوت كذا، فرفع صوته يغني بهذه الأبيات:
محجوبة سمعت صوتي فأرّقها ... من آخر الليل لما نبّه السّحر
لم يحجب الصوت أحراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصوت منحدر
لو مكنّت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من لينها في المشي تنفطر «٢»
قال: فسمعت الذلفاء صوت سنان، فخرجت إلى صحن الفسطاط تسمع، فجعلت لا تسمع شيئا من حسن خلق ولطافة قد إلا رأت ذلك كله في نفسها وهيئتها، فحرك ذلك ساكنا من قلبها، فهملت عيناها، وعلا نحيبها، فانتبه سليمان، فلم يجدها معه، فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحال، فقال: ما هذا يا ذلفاء؟
فقالت:
ألا ربّ صوت رائع من مشوّه ... قبيح المحيا واضع الأب والجدّ «٣»
يروعك منه صوته ولعله ... إلى أمة يعزى معا وإلى عبد
فقال سليمان: دعيني من هذا، فو الله لقد خامر قلبك منه ما خامر «٤» ، ثم قال: يا غلام عليّ بسنان، فدعت الذلفاء خادما لها، فقالت له إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان، فحذرته، فلك عشرة آلاف درهم، وأنت حر لوجه الله تعالى، فخرج الرسولان، فسبق رسول أمير المؤمنين سليمان، فلما أتى به قال يا سنان: ألم أنهك عن مثل هذا؟
قال يا أمير المؤمنين حملني على ذلك حلمك، وأنا عبد أمير المؤمنين، وغرس نعمته فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عن عبده، فليفعل. قال: قد عفوت عنك ولكن أما علمت أن الفرس إذا صهل ودقت له الحجرة «٥» ، وأن الفحل إذا هدر ضبعت «٦» له الناقة، وأن الرجل إذا تغنى أصغت له المرأة. إياك إياك والعود إلى ما كان منك، فيطول غمك.
وحكي أن الرشيد فصد يوما فأرسلت إليه بعض حظاياه قدحا فيه شراب مع وصيفة لها حسنة الوجه جميلة الطلعة بديعة المحيا، وغطته بمنديل مكتوب عليه هذه الأبيات:
فصدت عرقا تبتغي صحّة ... ألبسك الله به العافية
فاشرب بهذا الكأس يا سيدي ... واهنأ به من كفّ ذي الجارية
واجعل لمن أنفذه خلوة ... تحظى بها في الليلة الآتية
قال: فنظر الرشيد إلى الوصيفة التي جاءت بالقدح فاستحسنها، فافتضها، ثم أرسلها فعلمت مولاتها بذلك، فكتبت إليه رقعة تقول فيها هذه الأبيات:
بعثت الرسول فأبطا قليلا ... على الرغم منّي فصبرا جميلا
وكنت الخليل وكان الرسول ... فصرت الرسول وصار الخليلا
كذا من يوجّه في حاجة ... إلى من يحبّ رسولا جميلا
قال فاستحسن الرشيد ذلك منها وأرسل إليها: أنا عندك الليلة.
وأهدى داود بن روح المهلبي إلى المهدي جارية، فحظيت عنده، فواعدته المبيت عنده ليلة، فمنعها الحيض، فكتب إليها يقول:
لأهجرنّ حبيبا خان موعده ... وكان منه لصفو العيش تكدير
فأرسلت إليه تجيبه:
لا تهجرنّ حبيبا خان موعده ... ولا تذمنّ وعدا فيه تأخير
ما كان حبسي إلا من حدوث أذى ... لا يستطاع له بالقول تفسير
стр. 398
وقال محمد بن مروان يصف جارية له:
أمست تباع ولو تباع بوزنها ... درّا بكى أسفا عليها البائع
وكان للمأمون جويرية «١» من أحسن الناس وأسبقهم إلى كل نادرة فحظيت عنده، فحسدها الجواري وقلن لا حسب لها، فنقشت على خاتمها حسبي حسني، فازداد بها المأمون عجبا، فسمتها الجواري، فماتت، فجزع عليها المأمون جزعا شديدا وقال:
اختلست ريحانتي من يدي ... أبكي عليها آخر الأبد
كانت هي الأنس إذا استوحشت ... نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة كان بها مرتعي ... ومنهلا كان بها موردي
كانت يدي كان بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي
وللمتوكل في قينة:
أمازحها فتغضب ثم ترضى ... فكلّ فعالها حسن جميل
فإن غضبت فأحسن ذي دلال ... وإن رضيت فليس لها عديل «٢»
وحدّث أبو عبد الله بن عبد البر قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال: كان في المدينة رجل من بني هاشم وكان له قينتان يقال لإحداهما رشا وللأخرى جؤذر وكان بالمدينة رجل مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس المستظرفين، فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليسخر به، فلما أتاه قال له: أصلحك الله إنك لفي لذتك ولا لذة لي قال: وما لذتك؟ قال: تحضر لي نبيذا، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به، فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ وأمر أن يطرح فيه سكر العشر «٣» ، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه فتناوم الهاشمي وغمز جاريتيه عليه، فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرز قال في نفسه: ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين وأهل اليمن يسمون الكنف بالمراحيض، فقال لهما: يا حبيبتي أين المرحاض؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟ قالت: يقول غنياني
رحضت فؤادي فخلّيتني ... أهيم من الحب في كل وادي «٤»
فاندفعتا تغنيانه، فقال في نفسه: والله ما أظنهما فهمتا عني، وما أظنهما إلا مكيتين وأهل مكة يسمونها المخارج، فقال: يا حبيبتي أين المخرج؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟ قالت يقول غنياني:
خرجت لها من بطنه مكّة بعدما ... أقام المنادي بالعشي فأعتما
فاندفعتا تغنيانه، فقال في نفسه: لم يفهما عني، وما أظنهما إلا شاميتين وأهل الشام يسمونها المذاهب، فقال:
يا حبيبتي أين المذهب؟ فقالت إحداهما لصاحبتها:
ما يقول حبيبنا؟ قالت: يقول غنياني
ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا كل هذا التّجنب
فغنتاه الصوت، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لم يفهما عني، وما أظن القحبتين إلا مدنيتين، وأهل المدينة يسمونها بيت الخلاء، فقال: يا حبيبتي أين بيت الخلاء؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟
قالت: يقول غنياني
خلا علي بقاع الأرض إذ ظعنوا ... من بطن مكة واسترعاني الحزن
قال فغنتاه، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ما أظن الفاسقتين إلا بصريتين، وأهل البصرة يسمونها الحشوش، فقال: يا حبيبتي أين الحشوش؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: ما يقول سيدنا؟ قالت: يقول غنياني
أوحشوني وعزّ صبري فيهم ... ما احتيالي وما يكون فعالي
قال فاندفعتا تغنيانه فقال: ما أراهما إلا كوفيتين، وأهل الكوفة يسمونها الكنف، فقال لهما: يا حبيبتي أين الكنيف؟ فقالت إحداهما لصاحبتها: يعيش سيدنا ما رأيت أكثر اقتراحا من هذا الرجل. قالت: ما يقول؟ قالت:
يسأل أن تغني له
تكنّفني الهوى طفلا ... فشيّبني وما اكتهلا
стр. 399
فقال: واويلاه، وأعظم مصيبتاه، هذا والهاشمي يتقطع ضحكا فقال لهما: يا زانيتان إن لم تعلماني به أنا أعلمكما ثم رفع ثيابه وسلح عليهما وعلى الفراش. فانتبه الهاشمي وقد غشي عليه من شدة الضحك، قال: ويلك ما هذا تسلح على وطائي «١» ؟ فقال الرجل: حياة نفسي أعز عليّ من وطائك. وقيل إنه لما قيل له: ويلك ما هذا؟ قال المضحك هذه الأبيات:
تكنّفني الملاح وأضجروني ... على ما بي بنيّات الزواني
فلما قلّ عن ذاك اصطباري ... قذفت به على وجه الغواني
قال، فانبسط الهاشمي ودفع إليه مالا ومضى إلى سبيله.
قال علي بن الجهم قلت لقينة:
هل تعلمين وراء الحبّ منزلة ... تدني إليك فإنّ الحبّ أقصاني
قالت تأتي من باب الذهب وأنشدت:
إجعل شفيعك منقوشا تقدّمه ... فلم يزل مدنيا من ليس بالدّاني
وكان أشعب يختلف إلى قينة بالمدينة «٢» ، فجلس عندها يوما يطارحها الغناء فلما أراد الخروج قال لها:
ناوليني خاتمك أذكرك به قالت: إنه من ذهب، وأخاف أن تذهب، ولكن خذ هذا العود، فلعلك أن تعود، وناولته عودا من الأرض.
وكان بعض القينات من الجمال والحسن بجانب ثم أصابتها علة فتغير حالها، فكانت تنشد:
ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح
أباها عليّ الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح
وكان المعتصم يحب قينة من حظاياه فاتفق أنه خرج إلى مصر وتركها فذكرها في بعض الطريق، فاشتاق إليها، فغلبه الوجد، فدعا مغنيا له وقال: ويحك قد ذكرت جاريتي فلانة بنت فلانة، فأقلقني الشوق إليها فعسى أن تغنيني شيئا في معنى ما ذكرته لك، فأطرق مليا ثم غناه:
وددت من الشوق المبرّح أنّني ... أعار جناحي طائر فأطير
فما لنعيم ليس فيه بشاشة ... وما لسرور ليس فيه سرور
وإنّ امرأ في بلد نصف قلبه ... ونصف بأخرى غيرها لصبور
والحكايات في معنى ذلك كثيرة ولو أردت بسطها لاحتجت إلى مجلدات، ولكن ما قل وجل خير من كثير يمل، وفيما ذكرته كفاية، والله المسؤول أن يمدني منه باللطف والعناية ونسأله التوفيق والهداية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الحادي والسبعون في ذكر العشق ومن بلي به والافتخار بالعفاف وأخبار من مات بالعشق وما في معنى ذلك
وفيه فصول
الفصل الأول في وصف العشق
قال الجاحظ: العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أن السرف اسم لما جاوز الجود. وقال أعرابي: العشق خفي أن يرى وجلي أن يخفى فهو كامن ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن تركته تواري، وقيل: أو العشق النظر وأول الحريق الشرر، وكان العشاق فيما مضى يشق الرجل برقع حبيبته، والمرأة تشق رداء حبيبها. ويقولان إنهما إذا لم يفعلا ذلك عرض البغض بينهما. وقال عبد بني الحسحاس:
وكم قد شققنا من رداء محبّر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس
إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقع ... من الحبّ حتى كلنّا غير لابس
стр. 400
وقيل لأعرابي: ما بلغ من حبك لفلانة؟ قال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف، فأجد من ذكرها رائحة المسك.
وقيل: رأى شبيب أخو بثينة جميلا عندها، فوثب عليه وآذاه، ثم إن شبيبا أتى مكة وجميل فيها، فقيل لجميل دونك شبيبا، فخذ بثأرك منه فقال:
وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت أتى الحبيب أخو الحبيب
وأنشد الأخفش الحداد يقول:
مطارق الشوق منها في الحشى أثر ... يطرقن سندان قلب حشوه الفكر
ونار كور الهوى في الجسم موقدة ... ومبرد الحبّ لا يبقي ولا يذر «١»
وفي الجليس الأنيس لأبي العالية الشامي قال: سأل أمير المؤمنين المأمون يحيى بن أكثم عن العشق ما هو؟
فقال: هو سوانح تسنح للمرء، فيهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه، وقال ثمامة: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس وصاحب ملك مسالكه ضيقة ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطي عنان طاعتها وقوة تصريفها، توارى عن الأبصار مدخله، وخفي في القلوب مسلكه.
وكان شيخ بخراسان له أدب وحسن معرفة بالأمور قال لسليمان بن عمرو ومن معه: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة ولكم حداء ونغم، فهل فيكم عاشق؟ قال: لا.
قال: اعشقوا، فإن العشق يطلق اللسان، ويفتح جبلة البليد، والبخيل، ويبعث على التلطف وتحسين اللباس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وتشريف الهمة.
وقال المجنون:
قالت جننت على ذكري فقلت لها ... الحبّ أعظم ممّا بالمجانين
الحبّ ليس يفيق الدهر صاحبه ... وإنّما يصرع المجنون في الحين
قال ذو الرياستين: إن بهرام جور كان له ابن وكان قد رشحه للأمر من بعده، فنشأ الفتى ناقص الهمة ساقط المروءة خامل النفس مسيء الأدب، فغمه ذلك، فوكل به من المؤدبين والمنجمين والحكماء من يلازمه ويعلمه وكان يسألهم عنه، فيحكون له ما يغمه من سوء فهمه وقلة أدبه إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوما، فقال له المؤدب: قد كنا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صيرنا إلى الرجاء في فلاحه، قال: وما ذاك الذي حدث؟ قال: رأى ابنة فلان المرزبان، فعشقها، فغلبت عليه، فهو لا يهدأ إلا بها ولا يتشاغل إلا بها، فقال بهرام: الآن رجوت فلاحه، ثم دعا بأبي الجارية، فقال له: إني مسر إليك سرا، فلا يعدوك، فضمن له ستره، فأعلمه ان ابنه قد عشق ابنته، وانه يريد أن ينكحها أياه، وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها، وتقع عينه عليها، فإذا استحكم طمعه فيها تجتنبه وتهجره، فإن استعلمها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك، ثم لتعلمني خبرها وخبره، ولا تطلعهما على ما أسره إليك، فقبل أبوها ذلك منه، ثم قال للمؤدب، والموكل بأدبه حضه وشجعه على مراسلة المرأة، ففعل ذلك، وفعلت المرأة كما أمرها أبوها فلما انتهت إلى التجني عليه، وعلم الفتى السبب الذي كرهته لأجله أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرماية وضرب الصولجان حتى مهر في ذلك.
ثم رفع إلى أبيه أنه محتاج إلى الدواب والآلات والمطاعم والملابس والندماء، وما أشبه ذلك. فسر الملك بذلك، وأمر له بما طلب، ثم دعا مؤدبه، فقال له:
إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من خبر هذه المرأة لا يدري به، فتقدم إليه وأمره أن يرفع أمرها إليّ ويسألني أن أزوجه إياها، ففعل المؤدب ذلك، فرفع الفتى ذلك لأبيه، فدعا بأبيها وزوجه إياها وأمر بتعجيلها إليه، وقال:
إذا اجتمعت أنت وهي فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك، فلما اجتمعا صار إليه، فقال: يا بني لا يضعن قدرها عندك مراسلتها إياك، وليست في خبائك، فإني أمرتها بذلك وهي أعظم الناس منة عليك بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك حتى بلغت الحد الذي تصلح معه للملك من بعدي فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك، ففعل الفتى وعاش مسرورا بالجارية، وعاش أبوه مسرورا به وأحسن ثواب أبيها، ورفع منزلته لصيانة سره، وأحسن جائزة المؤدب لامتثال ما أمر به.
стр. 401
وكان عبد الله بن عبيدة الريحاني يهوى جارية، فزارته يوما، فأقام يحدثها ويشكو إليها ألم الفراق، فحان وقت الظهر، فناداه إنسان الصلاة يا أبا الحسن، فقال له:
رويدك حتى تزول الشمس أي حتى تقوم الجارية.
وقالت ليلى العامرية في قيسها:
لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كانا
لكنه باح بسرّ الهوى ... وإنّني قد ذبت كتمانا
وقال أحمد بن عثمان الكاتب:
وإنّي ليرضيني الممر ببابها ... وأقنع منها بالشتيمة والزجر
وقال الفتح بن خاقان صاحب المتوكل:
أيّها العاشق المعذّب صبرا ... فخطايا أخي الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحط لذنب ... من غزاة وحجّة مبرورة
وقال عمر بن أبي ربيعة: كنت بين امرأتين هذه تساررني وهذه تعضني فما شعرت بعضة هذه من لذة هذه، وأنشد شيبان العذري يقول:
لو حزّ بالسيف رأسي في محبّتها ... لطار يهوي سريعا نحوها رأسي
وقال يحيى بن معاذ الرازي: لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا.
الفصل الثاني من هذا الباب فيمن عشق وعف والافتخار بالعفاف
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ من عشق فعف، فمات، فهو شهيد، وقال ﷺ : عفوا تعف نساؤكم.
وقال بعضهم: رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضعف والنحافة رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ فقالت: حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي:
تزوّد كلّ الناس زادا يقيهم ... ومالي زاد والسلام على نفسي
فناديت كما أمرتني، وإذا بفتى نحيل الجسم قد أقبل إليّ، فقال: أنا الزاد، فمضيت به إليها، فما زاد على النظر والبكاء، ثم قالت له: انصرف بسلام، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك يا هذا، أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد؟
قال إبراهيم بن محمد المهلبي:
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتأنيس والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر «١»
كذلك الحبّ لا إتيان معصية ... لا خير في لذّة من بعدها سقر «٢»
وقال بعض بني كلب:
إن أكن طامح اللحاظ «٣» فإنّي ... والذي يملك الفؤاد عفيف
ونحو ذلك قول القائل:
فقالت بحق الله إلّا أتيتنا ... إذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت وما في القوم يقظان غيرها ... وقد نام عنها كل واش وحارس
فبتنا بليل طيّب نستلذه ... جميعا ولم أقلب لها كفّ لامس
ونزل رجل على صديق له مستترا خائفا من عدو له، فأنزله في منزله وتركه فيه، وسافر لبعض حوائجه، وقال لامرأته: أوصيك بضيفي هذا خيرا، فلما عاد بعد شهر قال لها: كيف ضيفنا: قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف قد أطبق عينيه، فلم ينظر إلى امرأة صاحبه ولا إلى منزله إلى أن عاد من سفره.
وكان عمر بن أبي ربيعة عفيفا يصف ويعف ويحوم ولا يرد.
ودخلت بثينة على عبد الملك بن مروان، فقال لها يا بثينة: ما أرى فيك شيئا مما كان يقوله جميل، فقالت:
يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إليّ بعينين ليستا في رأسك،
стр. 402
قال: فكيف رأيتيه في عشقه؟ قالت: كان كما قال الشاعر:
لا والذي تسجد الجباه له ... مالي بما تحت ذيلها خبر
ولا بفيها ولا هممت بها ... ما كان إلّا الحديث والنظر
وقد قدمت هذين البيتين في الجزء الأول، فيما جاء في الكتابة على سبيل الرمز وعن أبي سهل الساعدي قال: دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت، فقال لي: يا أبا سهل، إن رجلا يلقى الله ولم يسفك دما، ولم يشرب خمرا، ولم يأت فاحشة أفترجو له الجنة؟ قلت: أي والله، فمن هو؟ قال: إني لأرجو أن أكون ذلك، فذكرت له بثينة، فقال: إني لفي آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت حدثت نفسي بريبة قط.
وعن عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ أنه دعته بغي إلى نفسها، وبذلت له مالا، وكانت تتكهن وتسمع بإتيان رسول الله ﷺ ، وكانت جميلة، فأرادت أن تخدع عبد الله رجاء أن يكون النبي ﷺ منها للنور الذي رأته بين عينيه، فأبى وقال:
أمّا الحرام فالحمام دونه ... والحلّ لا حل فنستبينه «١»
فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه
وقال آخر:
وأحور مخضوب البنان محجّب ... دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها
بخلت بنفسي عن مقام يشينها ... ولست مريدا ذاك طوعا ولا كرها «٢»
وراود شاب ليلى الأخيلية عن نفسها فاشمأزت، وقالت:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
وقال ابن ميادة:
موانع لا يعطين حبّة خردل ... وهنّ دوان في الحديث أوانس «٣»
ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبة ... كما كرهت صوت اللجام الشوامس «٤»
وقال آخر:
حور حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الكلام فواسقا ... ويصدّهن عن الخنى الإسلام «٥»
وكان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف:
أتأذنون لصبّ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يظهر الشوق إن طال الجلوس به ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر
واختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر، فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، وكانت واحدة زمانها في الحسن والأدب طلبت منها بخمسمائة ألف درهم، فهويها إبراهيم، وكره أن يراودها عن نفسها، فغنى يوما وهي قائمة على رأسه:
يا غزالا لي إليه ... شافع من مقلتيه
أنا ضيف وجزاء الم ... ضيف إحسان إليه
ففهمت الجارية ما أراد، فحكت ذلك لمولاتها فقالت:
إذهبي إليه، فأعلميه أني وهبتك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد البيتين، فأكبت عليه، فقال لها: كفى، فلست بخائن، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.
وأنشد المبرد:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلّا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى فاحش مددت يدي ... ولا مشت بي لزلة قدم
стр. 403
وقال آخر:
يقول لا تنظر فذاك بلية ... بلى كل ذي عينين لا بدّ ناظر
وهل باكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عفّ فيما بينهنّ السرائر «١»
وكان بعض الخلفاء قد نذر على نفسه أن لا ينشد شعرا، ومتى أنشد بيت شعر فعليه عتق رقبة. قال: فبينما هو في الطواف يوما إذ نظر إلى شاب يتحدث مع شابة جميلة الوجه، فقال له: يا هذا اتق الله أفي مثل هذا المكان؟ فقال يا أمير المؤمنين: والله ما ذاك لخنى، ولكنها ابنة عمي وأعز الناس عليّ وإن أباها منعني من تزوجها لفقري وفاقتي، وطلب مني مائة ناقة، ومائة أوقية من الذهب، ولم أقدر من ذلك. قال: فطلب الخليفة أباها، ودفع إليه ما اشترطه على ابن أخيه، ولم يقم من مقامه حتى عقد له عليها، ثم دخل الخليفة إلى بيته وهو يترنم ببيت من الشعر، فقالت له جارية من حظاياه: أراك اليوم ما مولاي تنشد الشعر، أفنسيت ما نذرت أم تراك قد هويت، فأنشد هذه الأبيات يقول:
تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أسليت حينا
أراك اليوم قد أحدثت عهدا ... وأورثك الهوى داء دفينا
بحقك هل سمعت لها حديثا ... فشاقك أو رأيت لها جبينا
فقلت شكا إليّ أخ محبّ ... كمثل زماننا إذ تعلمينا
وذو الشجو القديم وإن تعزّى ... محبّ حين يلقى العاشقينا
ثم عدّ الأبيات فإذا هي خمسة أبيات، فأعتق خمس رقاب، ثم قال: لله درك من خمسة أعتقت خمسة، وجمعت بين رأسين في الحلال «٢» .
وروي عن عثمان الضحاك قال: خرجت أريد الحج فنزلت بخيمة بالأبواء فإذا بجارية جالسة على باب الخيمة، فأعجبني حسنها فتمثلت بقول نصيب.
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل لا تملينا فما ملّك القلب
فقالت: يا هذا أتعرف قائل هذا البيت؟ قلت: بلى هو نصيب، فقالت: أتعرف زينبه؟ قلت: لا. قالت: أنا زينبه. قلت: حياك الله وحباك. قالت: أما والله إن اليوم موعده، وعدني العام الأول بالاجتماع في هذا اليوم، فلعلك أن لا تبرح حتى تراه. قال: فبينما هي تكلمني إذا أنا براكب قالت: ترى ذلك الراكب؟ قلت: نعم. قالت:
إني لأحسبه إياه، فأقبل فإذا هو نصيب، فنزل قريبا من الخيمة، ثم أقبل فسلم، ثم جلس قريبا منها، فسألته أن ينشدها، فأنشدها، فقلت في نفسي: محبان قد طال التنائي بينهما، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة، فقمت إلى بعيري لأشد عليه، فقال: على رسلك إني معك، فجلست حتى نهض معي فسرنا وتسامرنا، فقال لي: أقلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة. قلت: نعم قد كان ذلك. قال: ورب البيت منذ أحببتها ما جلست منها مجلسا هو أقرب من مجلسي هذا، فتعجبت لذلك، وقلت: والله هذه هي العفة في المحبة.
وعن محمد بن يحيى المدني قال: سمعت بعض المدنيين يقول: كان الرجل إذا أحب الفتاة يطوف حول دارها حولا يفرح أن يرى من يراها، فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار، واليوم هو يشير إليها، وتشير إليه ويعدها وتعده، فإن التقيا لم يتشاكيا حبا ولم يتناشدا شعرا بل يقوم إليها، ويجلس بين شعبتيها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة.
وقال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: الضمة والغمزة والقبلة، ثم أنشأت تقول:
ما الحبّ إلّا قبلة ... وغمز كف وعضد
ما الحبّ إلّا هكذا ... إن نكح الحبّ فسد
ثم قالت: كيف تعدون أنتم العشق؟ قلت: نمسك بقرنيها ونفرق بين رجليها. قالت: لست بعاشق أنت طالب ولد، ثم أنشأت تقول:
قد فسد العشق وهان الهوى ... وصار من يعشق مستعجلا
يريد أن ينكح أحبابه ... من قبل أن يشهد أو ينحلا
وقيل لرجل: وقد زفت عشيقته على ابن عم لها:
стр. 404
أيسرك أن تظفر بها الليلة؟ قال: نعم والذي أمتعني بحبها وأشقاني بطلبها. قيل، فما كنت صانعا بها قال: كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بما يبقى ذميم عاره، وينشر قبيح أخباره، إني إذن للئيم لم يلدني كريم.
ومر سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ليلة في بعض سكك المدينة، فسمع امرأة تقول:
ألا طال هذا الليل وازوّر جانبه «١» ... وليس إلى جنبي خليل ألا عبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربّي والحياء يعفّني ... وإكرام بعلي أن تنال مراتبه
قال، فسأل عمر رضي الله تعالى عنه عنها، فقيل له:
إنها امرأة فلان، وله في الغزاة ثمانية أشهر، فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يغيب الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.
ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في كتاب تلقيح فهوم الأثر عن محمد بن عثمان بن أبي خيثمة السلمي عن أبيه عن جده قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يطوف ذات ليلة في سكك المدينة إذ سمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل ... سهل المحيا كريم غير ملجاج «٢»
تنميه أعراق صدق حين تنسبه ... أخي وفاء عن المكروب فرّاج
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا أرى معي بالمدينة رجلا تهتف به العواتق «٣» في خدورهن «٤» . عليّ بنصر بن حجاج، فلما أصبح أتي بنصر بن حجاج، فإذا هو من أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فقال عمر: عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره، فخرج من عنده وله وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال له:
اعتم فاعتم، فافتتن الناس بعينيه، فقال له عمر: والله لا تساكنني في بلدة أنا فيها، فقال يا أمير المؤمنين: ما ذنبي؟
قال: هو ما أقول لك، ثم سيره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر من عمر إليها شيء فدست إليه المرأة أبياتا وهي:
قل للإمام الذي تخشى بوادره ... مالي وللخمر أو نصر بن حجاج
لا تجعل الظنّ حقّا أن تبيّنه ... إن السبيل سبيل الخائف الراجي
إن الهوى زمّ بالتقوى فتحبسه ... حتى يقرّ بإلجام وإسراج
قال، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال: الحمد لله الذي زم الهوى بالتقوى قال: وطال مكث نصر بن حجاج بالبصرة، فخرجت أمه يوما بين الأذان والإقامة متعرضة لعمر فإذا هو قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة، فقالت له: يا أمير المؤمنين والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله تعالى، وليحاسبك الله أيبيتن عبد الله وعاصم إلى جنبيك، وبيني وبين ابني الفيافي، والأودية، فقال لها: إن ابني لم تهتف بهما العواتق في خدورهن، ثم أرسل عمر إلى البصرة بريدا إلى عتبة بن غزوان فأقام أياما ثم نادى عتبة من أراد أن يكتب إلى أمير المؤمنين، فليكتب، فإن البريد خارج، فكتب نصر بن حجاج: بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليك يا أمير المؤمنين أما بعد، فاسمع مني هذه الأبيات:
لعمري لئن سيرتني أو حرمتني ... وما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفيّا على غير ريبة ... وقد كان لي بالمكّتين مقام
لئن غنت الذلفاء يوما بمنية ... وبعض أماني النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاء ومالي جرمة فألام
فيمنعني ممّا تقول تكرّمي ... وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا تقول صلاتها ... وحال لها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جبّ مني كاهل وسنام «٥»
стр. 405
قال، فلما قرأ عمر رضي الله تعالى عنه هذه الأبيات قال: أما ولي السلطان، فلا، وأقطعه دارا بالبصرة في سوقها، فلما مات عمر ركب راحلته وتوجه نحو المدينة، والله أعلم.
الفصل الثالث من هذا الباب في ذكر من مات بالحب والعشق
حدّث أبو القاسم بن إسماعيل بن عبد الله المأمون قال:
حدثني أبي قال: كان بالمدينة قينة من أحسن الناس وجها وأكملهم عقلا وأكثرهم أدبا قد قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية فوقعت عند يزيد بن عبد الملك فأخذت بمجامع قلبه فقال لها ذات يوم: ويحك أما لك قرابة أو أحد تحبين أن أضيفه وأسدي إليه معروفا؟ قالت:
يا أمير المؤمنين أما قرابة فلا ولكن بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاي وأحب أن ينالهم خير مما صرت إليه.
فكتب إلى عامله بالمدينة في إحضارهم إليه وأن يدفع إلى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن لهم في الدخول عليه فأذن لهم وأكرمهم غاية الإكرام وسألهم عن حوائجهم فأما اثنان منهم فذكرا حوائجهما فقضاها، وأما الثالث فسأله عن حاجته فقال:
يا أمير المؤمنين ما لي حاجة، قال: ويحك أو لست أقدر على حوائجك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ولكن حاجتي ما أظنك تقضيها فقال: ويحك فاسألني فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها، قال: بلى، فلي الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر جاريتك فلانة التي أكرمتنا بسببها تغني ثلاثة أصوات أشرب عليها ثلاثة أرطال فافعل قال: فتغير وجه يزيد ثم قام من مجلسه فدخل على الجارية فأعلمها فقالت: وما عليك يا أمير المؤمنين فأمر بالفتى فأحضر وأمر بثلاثة كراسي من ذهب فنصبت فقعد يزيد على أحدها والجارية على الآخر والفتى على الثالث ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت ثم قال للفتى: سل حاجتك فقال: تأمرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر:
لا أستطيع سلوّا عن مودتها ... أو يصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا «١»
فأمرها فغنت وشرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية ثم أمر بالأرطال فملئت وقال للفتى سل حاجتك فقال:
مرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر:
تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند ولكن من يبلّغه هندا
ألا عرّجا بي بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
فأمرها فغنت وشرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية ثم أمر بالأرطال فملئت ثم قال للفتى سل حاجتك؟ قال:
تأمرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا الشعر:
منيّ الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرّق بيننا الدّهر
والله لا أسلوكمو أبدا ... ما لاح بدر أو بدا فجر
فأمرها فغنت قال: فلم تتم الأبيات حتى خرّ الفتى مغشيا عليه فقال يزيد للجارية: قومي انظري ما حاله فقامت إليه فحركته فإذا هو ميت، فقال لها يزيد: ابكيه، فقالت: لا أبكيه يا أمير المؤمنين وأنت حي، فقال لها:
ابكيه فوالله لو عاش ما انصرف إلا بك، فبكت الجارية وبكى أمير المؤمنين وأمر بالفتى فجهز ودفن، وأما الجارية فلم تمكث بعده إلا أياما قلائل وماتت.
وحكي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قدم على عبد الملك بن مروان فجلس ذات ليلة يسامره فتذاكرا الغناء والجواري المغنيات والعشق فقال عبد الملك لعبد الله: حدثني بأمر ما مر لك في هذه الأغاني وما رأيت من الجواري؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين اشتريت جارية مولدة بعشرة آلاف درهم وكانت حاذقة مطبوعة فوصفت ليزيد بن معاوية فكتب إلي في شأنها فكتبت إليه: والله لا تخرج مني ببيع ولا هبة فأمسك عني فكانت عندي على تلك الحالة لا أزداد فيها إلا حبا، فبينما أنا ذات ليلة إذ أتتني عجوز من عجائزنا فذكرت لي أن بعض أعراب المدينة يحبها وتحبه ويراها وتراه وإنه يجيء كل ليلة متنكرا فيقف بالباب فيسمع غناءها ويبكي شغفا وحبا، فراعيت ذلك الوقت الذي قالت عليه العجوز فإذا به قد أقبل مقنعا رأسه وقعد مستخفيا فلم أدع بها في تلك الليلة وجعلت أتأمل موضعها وموضعه فإذا بها تكلمه ويكلمها ولم أر بينهما إلا عتبا ولم يزالا كذلك حتى ابيض الصبح فدعوت بها وقلت لقيّمة الجواري أصلحي فلانة بما يمكنك فأصلحتها وزينتها، فلما جاءت بها قبضت على
стр. 406
يديها وفتحت الباب وخرجت فجئت إلى الفتى فحركته فانتبه مذعورا فقلت: لا بأس عليك ولا خوف هي هبة مني إليك، فدهش الفتى ولم يجبني فدنوت إلى أذنه وقلت: قد أظفرك الله تعالى ببغيتك فقم وانصرف بها إلى منزلك فلم يرد جوابا فحركته فإذا هو ميت فلم أر شيئا قط كان أعجب من أمره. قال عبد الملك: لقد حدثتني بعجب فما صنعت الجارية؟ قلت: ماتت والله بعده بأيام بعد نحول عظيم وتعليل وماتت كمدا ووجدا على الغلام.
وقيل أن عبد الله بن عجلان الهندي رأى أثر كف عشيقته في ثوب زوجها فمات.
وذكر محمد بن واسع الهيتي أن عبد الملك بن مروان بعث كتابا إلى الحجاج بن يوسف الثقفي يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عند عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد ... إذا ورد عليك كتابي هذا وقرأته فسير لي ثلاث جوار مولدات أبكارا يكون إليهن المتنهى في الجمال وأكتب لي بصفة كل جارية منهن ومبلغ ثمنها من المال فلما ورد الكتاب على الحجاج دعا بالنخاسين وأمرهم بما أمره به أمير المؤمنين وأمرهم أن يسيروا إلى أقصى البلاد حتى يقعوا بالغرض وأعطاهم المال وكتب لهم كتبا إلى كل الجهات فساروا يطلبون ما أراد أمير المؤمنين فلم يزالوا من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم حتى وقعوا بالغرض ورجعوا إلى الحجاج بثلاث جوار مولدات ليس لهن مثيل قال: وكان الحجاج فصيحا فجعل ينظر إلى كل واحدة منهن ومبلغ ثمنها فوجدهن لا يقام لهن بقيمة وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن ثم كتب كتابا إلى عبد الملك بن مروان يقول فيه بعد الثناء الجميل:
وصلني كتاب أمير المؤمنين أمتعني الله تعالى ببقائه يذكر فيه أني أشتري له ثلاث جوار مولدات أبكارا وأن أكتب له صفة كل واحدة منهن وثمنها فأما الجارية الأولى أطال الله تعالى بقاء أمير المؤمنين فإنها جارية عيطاء السوالف عظيمة الروادف كحلاء العينين حمراء الوجنتين قد أنهدت نهداها والتفت فخذاها كأنها ذهب شيب بفضة وهي كما قيل:
بيضاء فيها إذا استقبلتها دعج ... كأنها فضّة قد شابها ذهب
وثمنها يا أمير المؤمنين ثلاثون ألف درهم، وأما الثانية فأنها جارية فائقة في الجمال معتدلة القدر والكمال تشفي السقيم بكلامها الرخيم وثمنها يا أمير المؤمنين ستون ألف درهم، وأما الثالثة، فإنها جارية فاترة الطرف لطيفة الكف عميمة الردف شاكرة للقليل مساعدة للخليل بديعة الجمال كأنها خشف الغزال وثمنها يا أمير المؤمنين ثمانون ألف درهم ثم أطنب في الشكر والثناء على أمير المؤمنين وطوى الكتاب وختمه ودعا النخاسين فقال لهم: تجهزوا للسفر بهؤلاء الجواري إلى أمير المؤمنين. فقال أحد النخاسين:
أيد الله الأمير إني رجل كبير ضعيف عن السفر ولي ولد ينوب عني أفتأذن لي في ذلك؟ قال: نعم، فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا يوما ليستريحوا في بعض الأماكن فنامت الجواري فهبت الريح فانكشف بطن إحداهن وهي الكوفية فبان نور ساطع وكان اسمها مكتوم فنظر إليها ابن النخاس وكان شابا جميلا ففتن بها لساعته فأتاها على غفلة من أصحابه وجعل يقول:
أمكتوم عيني لا تملّ من البكا ... وقلبي بأسهام الأسى يترشّق
أمكتوم كم من عاشق قتل الهوى ... وقلبي رهين كيف لا أتعشّق
فأجابته تقول:
لو كان حقا ما تقول لزرتنا ... ليلا إذا هجعت عيون الحسّد
قال: فلما جن الليل انتضى الفتى ابن النخاس سيفه وأتى نحو الجارية فوجدها قائمة تنتظر قدومه فأخذها وأراد أن يهرب ففطن به أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه بالحديد ولم يزل مأسورا معهم إلى أن قدموا على عبد الملك بن مروان فلما مثلوا بالجواري بين يديه أخذ الكتاب ففتحه وقرأه فوجد الصفة وافقت اثنتين من الجواري ولم توافق الثالثة ورأى في وجهها صفرة وهي الجارية الكوفية فقال للنخاسين: ما بال هذه الجارية لم توافق حليتها التي ذكرها الحجاج في كتابه وما هذا الاصفرار الذي بها والانتحال فقالوا يا أمير المؤمنين نقول ولنا الأمان، قال: وإن كذبتم هلكتم. فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى وهو مصفّد بالحديد فلما قدموه بين يدي أمير المؤمنين بكى بكاء شديدا وأيقن بالعذاب ثم أنشأ يقول:
أمير المؤمنين أتيت رغما ... وقد شدّت إلى عنقي يديّا
مقرّا بالقبيح وسوء فعلي ... ولست بما رميت به بريّا
فإن تقتل ففوق القتل ذنبي ... وأن تعفو فمن جود عليّا
فقال عبد الملك: يا فتى ما حملك على ما صنعت
стр. 407
استخفاف بنا أم هوى الجارية، قال: وحق رأسك يا أمير المؤمنين وعظم قدرك ما هو إلا هوى الجارية فقال: هي لك بما أعددته لها فأخذها الغلام بكل ما أعده لها أمير المؤمنين من الحلي والحلل وسار بها فرحا مسرورا إلى نحو أهله حتى إذا كانا ببعض الطريق نزلا بمرحلة ليلا فتعانقا وناما فلما أصبح الصباح وأراد الناس السير نبهوهما فوجدوهما ميتين فبكوا عليهما ودفنوهما بالطريق ووصل خبرهما إلى عبد الملك فبكى عليهما وتعجب من ذلك.
ومن ذلك ... ما روي عن النبي ﷺ أنه أخرج خالد بن الوليد المخزومي رضي الله تعالى عنه إلى مشركي خزاعة قال خالد: فأخرجني إليهم رسول الله ﷺ في عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والبأس قال: فجد بنا المسير إليهم فسبق إليهم الخبر فخرجوا إلينا فقاتلناهم قتالا شديدا حتى تعالى النهار وطار الشرار وهاجت الفرسان وتلاحمت الأقران فلولا الله تعالى أيدنا بنصره لكادت الدائرة أن تكون علينا ولكن تداركنا الله برحمة منه فهزمناهم وقتلناهم قتلا ذريعا ولم ندع لهم فارسا إلا قتلناه. ثم طلبنا البيوت فنهبنا وسبينا. فلما هدأ القتال والنهب أمرت أصحابي بجمع السبايا لنقدم بهن على رسول الله ﷺ . فلما خرجنا وأحصيناهم، خرج منهم غلام لم يراهق الحلم، ولم يجر عليه القلم، وهو ماسك بشابة جميلة فقلنا له: يا غلام انعزل عن النساء فصاح صيحة مزعجة وهجم علينا فو الله لقد قتل منا في بقية نهارنا مائة رجل، قال خالد: فرأيت أصحابي قد كرهوا قتاله، وتأخروا عنه فملك منهم جوادا وعلا على ظهره ونادى: البراز يا خالد قال: فبرزت إليه بنفسي بعد أن أنشدت شعرا فو الله لم يمهلني حتى أتم شعري بل حمل علي فتطاعنا حتى تكسرت القنا وتضاربنا بالسيوف حتى تفللت فوالله لقد اقتحمت الأهوال ومارست الأبطال فما رأيت أشد من حملاته ولا أسرع من هجماته فبينما نحن نعترك إذ كبا به فرسه فصار بين قوائمه فوثبت عليه وعلوت على صدره وقلت له: إفد نفسك بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنا أردك من حيث جئت، قال: يا خالد ما أنصفتني أتركني حتى أجد من نفسي القوة، قال خالد: فتركته، وقلت: لعله أن يسلم ثم شددته وثاقا وصفدته بالحديد وأنا أبكي إشفاقا على حسن شبابه ثم أوثقته على بعير لي فلما علم أن لا خلاص له قال: يا خالد سألتك بحق إلهك إلا ما شددت ابنة عمي على ناقة أخرى إلى جانبي؟ قال خالد: فأخذتها وشددتها على ناقة أخرى إلى جانبه ووكلت بهما جماعة من أشد القوم بالقواضب والرماح وسرنا، فلما استقامت مطاياهما جعل الغلام والجارية يتناشدان الأشعار ويبكيان إلى آخر الليل فسمعته يذكر قصيدة يسب فيها الإسلام ويذكر أن لا يسلم أبدا فأخذت السيف وضربته فرميت رأسه فصاحت الجارية وأكبت صارخة فحركتها فوجدتها ميتة فأبركنا الأباعر وحفرنا ودفناهما فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أقبلنا نحدثه بعجيب ما رأينا مع الغلام فقال: لا تحدثوني شيئا أنا أحدثكم به فقلنا: من أعلمك به يا رسول الله؟
قال: أخبرني جبريل ﵇ وتعجب رسول الله ﷺ من موافقتهما وموافقة أجلهما.
ومن ذلك، ما حكاه الثوري، قال: حدثني جبلة بن الأسود وما رأيت شيخا أصبح ولا أوضح منه قال:
خرجت في طلب إبل لي ضلت، فما زلت في طلبها إلى أن أظلم الظلام، وخفيت الطريق، فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدها فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتا حسنا بعيدا وبكاء شديدا فشجاني حتى كدت أسقط عن فرسي؛ فقلت: لأطلبن الصوت ولو تلفت نفسي فما زلت أقرب إليه إلى أن هبطت واديا فإذا راع قد ضم غنما له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم:
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
قال فدنوت منه وسلمت عليه فرد السلام وقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع به الممالك، أتاك يستجير بك، ويستعينك، قال: مرحبا وأهلا انزل على الرحب والسعة فعندي وطاء وطيء وطعام غير بطيء. فنزلت فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ثم قال:
اعذرني في هذا الوقت. فقلت: والله ان هذا لخير كثير.
فمال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت فإني لبين النائم واليقظان إذ سمعت حس شيء وإذا بجارية قد أقبلت من كبد الوادي فضحت الشمس حسنا فوثب قائما إليها وما زال يقبل الأرض حتى وصل إليها وجعل يتحادثان. فقلت: هذا رجل عربي ولعلها حرمة له، فتناومت وما بي نوم فما زالا في أحسن حديث ولذة مع شكوى وزفرات إلا أنهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح فلما طلع الفجر عانقها وتنفسا الصعداء وبكى وبكت ثم قال لها: يا ابنة العم سألتك بالله لا تبطئي عني كما أبطأت الليلة، قالت: يا ابن العم أما علمت أني
стр. 408
أنتظر الواشين والرقباء حتى يناموا. ثم ودعته وسارت وكل واحد منهما يلتفت نحو الآخر ويبكي. فبكيت رحمة لهما وقلت في نفسي: والله لا أنصرف حتى أستضيفه الليلة وأنظر ما يكون من أمرهما فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداءك، الأعمال بخواتيمها وقد نالني أمس تعب شديد فأحب الراحة عندك اليوم، فقال: على الرحب والسعة لو أقمت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلا كما تحب؛ ثم عمد إلى شاة فذبحها وقام إلى نار فأججها وشواها وقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلا أنه أكل أكل من لا يريد الأكل فلم أزل معه نهاري ذلك ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما إلا أنه كالولهان ولم أعلمه بشيء مما رأيت فلما أقبل الليل وطأت وطائي فصليت وأعلمته أني أريد الهجوع لما مر بي من التعب بالأمس، فقال لي: نم هنيئا، فأظهرت النوم ولم أنم فأقام ينتظرها إلى هنيهة من الليل فأبطأت عليه فلما حان وقت مجيئها قلق قلقا شديدا وزاد عليه الأمر فبكى ثم جاء نحوي فحركني فأوهمته أني كنت نائما فقال: يا أخي، هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني وجاءتني البارحة، قلت: قد رأيتها، قال: فتلك ابنة عمي وأعز الناس علي وإني لها محب ولها عاشق وهي أيضا محبة لي أكثر من محبتي لها وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي وتكبر علي فصرت راعيا بسببها فكانت تزورني في كل ليلة وقد حان وقتها الذي تأتي فيه واشتغل قلبي وتحدثني نفسي أن الأسد قد افترسها، ثم أنشأ يقول:
ما بال ميّة لا تأتي كعادتها ... أعاقها طرب أم صدّها شغل
نفسي فداؤك قد أهللت بي سقما ... تكاد من حرّه الأعضاء تنفصل «١»
قال: ثم انطلق عني ساعة فغاب وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية قد قتلها الأسد وأكل أعضاءها وشوه خلقتها ثم أخذ السيف وانطلق فأبطأ هنيهة وأتى ومعه رأس الأسد فطرحه ثم أنشأ يقول:
إلا أيها الليث المدلّ بنفسه ... هلكت لقد جرّيت حقا لك الشّرا
وخلفتني فردا وقد كنت آنسا ... وقد عادت الأيام من بعدها غبرا «٢»
ثم قال: بالله يا أخي إلا ما قبلت ما أقول لك فإني أعلم أن المنية قد حضرت لا محالة فإذا أنا مت فخذ عباءتي هذه فكفني فيها وضم هذا الجسد الذي بقي منها معي، وادفنا في قبر واحد وخذ شويهاتي «٣» هذه وجعل يشير إليها فسوف تأتيك امرأة عجوز هي والدتي فأعطها عصاي هذه وثيابي وشويهاتي وقل لها: مات ولدك كمدا بالحب فإنها تموت عند ذلك فادفنها إلى جانب قبرنا وعلى الدنيا مني السلام.
قال: فو الله ما كان إلا قليل حتى صاح ووضع يده على صدره ومات لساعته، فقلت: والله لأصنعن له ما أوصاني به فغسلته وكفنته في عباءته وصليت عليه ودفنته ودفنت باقي جسدها إلى جانبه وبت تلك الليلة باكيا حزينا فلما كان الصباح أقبلت امرأة عجوز وهي كالولهانة فقالت لي:
هل رأيت شابا يرعى غنما فقلت لها: نعم، وجعلت أتلطف بها ثم حدثتها بحديثه وما كان من خبره فأخذت تصيح وتبكي وأنا ألاطفها إلى أن أقبل الليل وما زالت تبكي بحرقة إلى أن مضى من الليل برهة فقصدت نحوها فإذا هي مكبة على وجهها وليس لها نفس يصعد ولا جارحة تتحرك فحركتها فإذا هي ميتة فغسلتها وصليت عليها ودفنتها إلى جانب قبر ولدها وبت الليلة الرابعة فلما كان الفجر قمت فشددت فرسي وجمعت الغنم وسقتها فإذا أنا بصوت هاتف يقول:
كنّا على ظهرها والدهر يجمعنا ... والشمل مجتمع والدار والوطن
فمزّق الدهر بالتفريق ألفتنا ... وصار يجمعنا في بطنها الكفن
قال: فأخذت الغنم ومضيت إلى الحي لبني عمهم فأعطيتهم الغنم وذكرت لهم القصة فبكى عليهم أهل الحي بكاء شديدا ثم مضيت إلى أهلي وأنا متعجب مما رأيت في طريقي.
ومن ذلك ... ما حكي أن زوج عزة أراد أن يحج بها فسمع كثير الخبر فقال: والله لأحجنّ لعلي أفوز من عزة بنظرة، قال: فبينما الناس في الطواف إذ نظر كثير لعزة وقد مضت إلى جملة فحيته ومسحت بين عينيه وقالت له: يا جمل فبادر ليلحقها ففاتته فوقف على الجمل وقال:
حيتّك عزة بعد الحجّ وانصرفت ... فحيّ ويحك من حيّاك يا جمل
стр. 409
لو كنت حيّيتها ما كنت ذا سرف ... عندي ولا مسّك الإدلاج والعمل
قال: فسمعه الفرزدق فتبسم وقال له: من تكون يرحمك الله قال: أنا كثير عزة فمن أنت يرحمك الله؟ قال:
أنا الفرزدق بن غالب التميمي، قال: أنت القائل:
رحلت جمالهم بكلّ أسيلة ... تركت فؤادي هائما مخبولا «١»
لو كنت أملكهم إذا لم يرحلوا ... حتى أودّع قلبي المتبولا «٢»
ساروا بقلبي في الحدوج وغادروا ... جسمي يعالج زفرة وعويلا «٣»
فقال الفرزدق: نعم، فقال كثير: والله لولا إني بالبيت الحرام لأصيحن صيحة أفزع هشام بن عبد الملك وهو على سرير ملكه، فقال الفرزدق: والله لأعرّفن بذلك هشاما ثم توادعا وافترقا فلما وصل الفرزدق إلى دمشق دخل إلى هشام بن عبد الملك فعرّفه بما اتفق له مع كثير فقال له: اكتب إليه بالحضور عندنا لنطلق عزة من زوجها ونزوجه إياها، فكتب إليه بذلك فخرج كثير يريد دمشق فلما خرج من حيه وسار قليلا رأى غرابا على بانة وهو يفلي نفسه وريشه يتساقط فاصفر لونه وارتاع من ذلك وجدّ في السير ثم إنه مال ليسقي راحلته من حي بني فهد وهم زجرة الطير فبصر به شيخ من الحي فقال: يا ابن أخي أرأيت في طريقك شيئا فراعك؟ قال: نعم رأيت غرابا على بانة يتفلى وينتف ريشه فقال له الشيخ: أما الغراب فإنه اغتراب والبانة بين والتفلي فرقة، فازداد كثير حزنا على حزنه لما سمع من الشيخ هذا الكلام وجدّ في السير إلى أن وصل إلى دمشق ودخل من أحد أبوابها فرأى الناس يصلون على جنازة فنزل وصلى معهم، فلما قضيت الصلاة صاح صائح لا إله إلا الله ما أغفلك يا كثير عن هذا اليوم، فقال: ما هذا اليوم يا سيدي؟ فقال: إن هذه عزة قد ماتت وهذه جنازتها فخر مغشيا عليه، فلما أفاق أنشأ يقول:
فما أعرف الفهدي لا درّ دره ... وأزجره للطير لا عزّ ناصره
رأيت غرابا قد علا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقال غراب واغتراب من النوى ... وبانة بين من حبيب تعاشره
ثم شهق شهقة فارقت روحه الدنيا ومات من ساعته ودفن مع عزة في يوم واحد.
وحكى الأصمعي: قال: بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر مكتوب عليه هذا البيت:
أيا معشر العشّاق بالله خبروا ... إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع
فكتبت تحته:
يداري هواه ثم يكتم سرّه ... ويخشع في كلّ الأمور ويخضع
ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبا تحته:
فكيف يداري والهوى قاتل الفتى ... وفي كلّ يوم قلبه يتقطع
فكتبت تحته:
إذا لم يجد صبرا لكتمان سرّه ... فليس له شيء سوى الموت أنفع
ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد كتب قبل موته:
سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا ... سلامي على من كان للوصل يمنع
وحكي أيضا عن الأصمعي رحمه الله تعالى أنه قال:
بينما أنا نائم في بعض مقابر البصرة إذ رأيت جارية على قبر تندب وتقول:
بروحي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الحبّ صبرا على الحب
قال: فقلت لها: يا جارية بم كان أوفى البرية وبم كان أقواها؟ فقالت: يا هذا، إنه ابن عمي هويني فهويته فكان إن أباح عنفوه وإن كتم لاموه فأنشد بيتي شعر وما زال يكررهما إلى أن مات؛ والله لأندبنه حتى أصير مثله في قبر إلى جانبه فقلت لها: يا جارية فما البيتان؟ قالت:
يقولون لي إن بحت قد غرّك الهوى ... وإن لم أبح بالحبّ قالوا تصبّرا
стр. 410
فما لامرىء يهوى ويكتم أمره ... من الحبّ إلّا أن يموت فيعذرا
ثم إنها شهقت فارقت روحها الدنيا رحمة الله تعالى عليها والحكايات في ذلك كثيرة، وفي الكتب مشهورة ولولا الإطالة والخوف من الملالة لجمعنا في هذا المعنى أشياء كثيرة، ولكن اقتصرنا على هذه النبذة اليسيرة والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثاني والسبعون في ذكر دقائق الشعر والمواليا والدوبيت وكان وكان والموشحات والزجل والحماق والقومة والالغاز ومدح الأسماء والصفات وما أشبه ذلك
وفيه فصول
الفصل الأول في الشعر
قد قسم الناس الشعر خمسة أقسام:
مرقص كقول أبي جعفر طلحة وزير سلطان الأندلس:
والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض إلا من كؤوس الشقيق
ومطر كقول زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
ومقبول كقول طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
ومسموع مما يقام به الوزن دون أن يمجه الطبع كقول ابن المعتز:
سقى المطيرة ذات الظلّ والشجر ... ودير عبدون هطّال من المطر
ومتروك وهو ما كان كلّا على السمع والطبع كقول الشاعر:
تقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشى ... قلاقل همّ كلّهنّ قلاقل «١»
وقد قسم الناس فنون الشعر إلى عشرة أبواب حسبما بوب أبو تمام في الحماسة، وقال عبد العزيز بن أبي الأصبع الذي وقع لي أن فنون الشعر ثمانية عشر فنا وهي:
غزل ووصف وفخر ومدح وهجاء وعتاب واعتذار وأدب وزهد وخمريات ومراث وبشارة وتهاني ووعيد وتحذير وتحريض وملح، وباب مفرد للسؤال والجواب. ولنذكر إن شاء الله تعالى من ذلك ما تيسر على سبيل الاختصار.
ولنبدأ من ذلك بذكر الغزل المذكر (ابن نباتة) :
أأغصان بان ما أرى أم شمائل ... وأقمار تم ما تضمّ الغلائل
وبيض رقاق أم جفون فواتر ... وسمر دقاق أم قدود قواتل
وتلك نبال أم لحاظ رواشق ... لها هدف منّي الحشى والمقاتل
بروحي أفدي شادنا قد ألفته ... غدوت وبي شغل من الوجد شاغل
أمير جمال والملاح جنوده ... يجور علينا قدّه وهو عادل
له حاجب عن مقلتي حجب الك ... رى وناظره الفتّان في القلب عامل «٢»
رفعت إليه قصّة الدمع شاكيا ... فوقّع يجري فهو في الخد سائل
شكوت فما ألوي وقلت فما صغى ... وجدّ بقلبي حبه وهو عازل
طويل التواني دلّه متواتر ... مديد التجنّي وافر الحسن كامل
أطارحه بالنحو يوما تعلّلا ... فيبدو وللإعراب فيه دلائل
ويرفع وصلي وهو مفعول في الهوى ... وينصب هجري عامدا وهو فاعل
تفقهت في عشقي له مثل ما غدا ... خبيرا بأحكام الخلاف يجادل
стр. 411
فيا مالكي ما ضرّ لو كنت شافعي ... بوصلك فافعل بي كما أنت فاعل
فإني حنيفي الهوى متحنبل ... بعشقك لا أصغي وإن قال قائل «١»
كمال الدين بن النبيه:
الله أكبر كلّ الحسن في العرب ... كم تحت لمّة ذا التركي من عجب
صبح الجبين بليل الشعر منعقدّ ... والخد يجمع بين الماء واللهب «٢»
تنفّست عن عبير الراح ريقته ... وافترّ مبسمه الشهدي عن حبب
لا في العذيب ولا في بارق غزلي ... بل في جنى فمه أو ريقه الشنب «٣»
كأنّه حين يرمي عن حنيته ... بدر رمى عن هلال الأفق بالشهب
يا جاذب القوس تقريبا لوجنته ... والهائم الصبّ منها غير مقترب
أليس من نكد الأيام يحرمها ... فمي ويلثمها سهم من الخشب
من لي بأغيد قاسي القلب مبتسم ... لا عن رضا معرض عني بلا غضب
فكم له في وجود الذنب من سبب ... وليس لي في قيام العذر من سبب
تميل أعطافه تيها بطرّته ... كما تميل رماح الخط بالعذب «٤»
أشار نحوي وجنح الليل معتكر ... بمعصم بشعاع الكأس مختضب
بكر جلالها أبوها قبل ما جليت ... في حجر لدن أو في قشرة العنب
البها زهير:
يعاهدني لا خانني ثم ينكث ... وأحلف لا كلمته ثم أحنث
وذلك دأبي لا يزال ودأبه ... فيا معشر العشاق عنّا تحدثوا
أقول له صلني يقول نعم غدا ... ويكسر جفنا هازئا بي ويعبث
وما ضرّ بعض الناس لو كان زارني ... وكنّا خلونا ساعة نتحدث
أمولاي إنّي في هواك معذّب ... وحتّام أبقى في الغرام وأمكث
فخذ مرة روحي ترحني ولا أرى ... أموت مرارا في النهار وأبعث
فإنّي لهذا الضيم منك لحامل ... ومنتظر لطفا من الله يحدث
أعيذك من هذا الجفاء الذي بدا ... خلائقك الحسنى أرقّ وأدمث
تردّد ظن الناس فيّ فأكثروا ... أحاديث فيها ما يطيب ويخبث
وقد كرمت في الحبّ منّي شمائل ... ويسأل عني من أراد ويبحث
النابلسي:
ما كنت أعلم والضمائر تصدق ... أن المسامع كالنواظر تعشق «٥»
حتى سمعت بذكركم فهويتكم ... وكذاك أسباب المحبّة تعلق
ولقد قنعت من اللقاء بساعة ... إن لم يكن لي بالدوام تطرّق «٦»
قد ينعش العطشان بلّة ريقه ... ويغص بالماء الكثير ويشرق
فعسى عيوني أن ترى لك سيدي ... وجها يكاد الحسن فيه ينطق
أبو الحسين الجزار:
في خده من بقايا اللثم تخميش ... وبي لتشويش ذاك الصدع تشويش
стр. 412
ظبي من الترك أغنته لواحظه ... عما حوته من النبل التراكيش
إذا تثنّى فقلب الغصن منكسر ... وإن تبدّى فطرف البدر مدهوش
يا عاذلي إن تكن عن حسن صورته ... أعمى فإني عما قلت أطروش
كم ليلة بات يسقيني المدام على ... روض له بثياب الغيم ترقيش
والغيث كالجيش يرتج الوجود له ... والبرق رايته والرعد جاويش
في مجلس ضحكت أرجاؤه طربا ... لأنه ببديع الزّهر مفروش
سيدي أبو الفضل بن أبي الوفاء:
ترى متى من فتور اللحظ ينتشط ... من قلبه بحبال الشعر مرتبط
قد رقّ لي خصره المضنى فناسبني ... فقلت خير الأمور الأنسب الوسط
وقد خفى الردف عني من تثاقله ... فقلت هذا على ضعفي هو الشطط
وصدره الرحب قد عانقته سحرا ... والقلب منبعث الآمال منبسط
وفيه تلك النهود المشتهاة ترى ... رمانها فيه قلبي أمره فرط
إنّ الصواب لتعجيل السرور فقم ... قبل الفوات فأوقات الهنا غلط «١»
القاضي مجد الدين بن مكانس:
أهدى تحيته وجاد بوعده ... أفديه من قمر بدا في سعده
بدر جرى ماء الحياة بثغره ... وتردّدت فضلاته في خدّه
أسكنته قلبي فأوقد خدّه ... نيران أحشائي عليه ووجده
من لي به حلو الشمائل أهيف ... روت العوالي عن مثقف قدّه «٢»
يا عاذلي في حبّه لو أبصرت ... عيناك فوق الردف مسبل جعده «٣»
لعذرت كلّ متيم في حبّه ... وعلمت أن ضلاله في رشده
فو حق موتي في هواه صبابة ... وحياة مبسمه الشهي وبرده
ما جاد غيث الدمع إلا عن هوى ... خلع القلوب ببرقه وبرعده
قم يا رسول وأبلغ العشاق ما ... ألقاه من جور الحبيب وبعده
وإذا سألتك أن تؤدّي في الهوى ... خبري فصف فعل الغرام وأبده
عز الدين الموصلي:
والصحيح أن هذه الأبيات لابن نباتة لأنها في ديوانه:
نفس عن الحب ما أغفت وما غفلت ... بأي ذنب وقاك الله قد قتلت
دعها ومدمعها الجاري لقد لقيت ... ما قدّمت من أسى قلبي وما عملت
أفديك من ناشط الأجفان في تلفي ... والسحر يوهم لي أنها كسلت
وأوضح الحسن لو شاءت ذوائبه ... في الأفق وصل دجا الظلماء لاتصلت
معسّل بنعاس في لواحظه ... أما تراها إلى كل القلوب حلت
من لي بألحاظ ظبي يدّعي كسلا ... وكم ثياب ضنى حاكت وكم غزلت
وحمرة فوق خدّيه ومرشفه ... هذي محاسنها تزهو وذي ذبلت
أما كفاني تكحيل الجفون أسى ... حتى المراشف منه باللمى كحلت
أستودع الله أعطافا شوت كبدي ... وكلما رمت تجديد الوصال قلت «٤»
ومهجة لي كم ألقت بمسمعها ... إلى الملام ولا والله ما قبلت
غيره للفاضل:
стр. 413
شرخ الشباب بحبكم أفنيته ... والعمر في كلف بكم قضّيته «١»
وأنا الذي لو مرّ بي من نحوكم ... داع وكنت بحفرتي لبّيته «٢»
كيف التعرّض للسلو وحبّكم ... حبّ بأيام الشباب شريته
لله داء في الفؤاد أجنّه ... يزداد نكسا كلّما دوايته «٣»
قالوا حبيبك في التجنّي مسرف ... قاس على العشاق قلت فديته
أأروم من كلفي عليه تخلصّا ... لا والذي بطحاء مكة بيته
ولو استطعت بكل إسم في الورى ... من لذّة الذكرى به سميته
وللشيخ بدر الدين الدماميني:
سلّ سيفا من الجفون صقيلا ... مذ تصدى جلاه رحت قتيلا
صح عن جفنه حديث فتور ... وهو ما زال من قديم عليلا
مرّ أبدى لنا من الخصر ردفا ... فأرانا مع الخفيف ثقيلا «٤»
ذو قوام كأنّه الغصن لكن ... بالهوى نحو وصلنا لن يميلا
فكامل الحسن وافر ظل وجدي ... فيه يا عاذلي مديدا طويلا «٥»
فاتك الجفن ذو الجمال كثير ... أتلف العاشقين إلّا قليلا
قلت إذ لاح طرفه ولماه ... فاتر اللحظ بكرة وأصيلا
كيف حالي وهل لصب إليه ... من سبيل فقال لي سل سبيلا
وقال آخر:
لو أنّ قلبك لي يرق ويرحم ... ما بتّ من ألم الجوى أتألم
ومن العجائب أنّني لا سهم لي ... من ناظريك وفي فؤادي أسهم «٦»
يا جامع الضدين في وجناته ... ماء يرق عليه نار تضرم
عجبي لطرفك وهو ماض لم يزل ... فعلام يكسر عندما تتكلم
ومن المروءة أن تواصل مدنفا ... والدهر سمح والحوادث نوّم «٧»
وقال آخر:
تصدّق بوعد إنّ دمعي سائل ... وزوّد فؤادي نظرة فهو راحل
فخدّك موجود به التبر دائما «٨» ... وحسنك معدوم لديه المماثل «٩»
أيا قمرا من شمس طلعة وجهه ... وظل عذاريه الدّجى والأصائل
تنقّلت من طرف مع القلب والهوى ... وهاتيك للبدر المنير منازل
جعلتك للتمييز نصبا لخاطري ... فهلّا رفعت الهجر والهجر فاعل
وقال ابن صابر:
قبّلت وجنته فألفت جيده ... خجلا ومال بعطفه الميّاس
فانهلّ من خديه فوق عذاره ... عرق يحاكي الطلّ فوق الآس «١٠»
فكأنّني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزفرات من أنفاسي
وقال آخر:
وغزال كل من شبّهه ... بهلال أو ببدر ظلمه
стр. 414
قال إذا قبّلت وهما فمه ... قد تعدّيت وأسرفت فمه «١»
وقال آخر:
بأبي غلام لست غير غلامه ... مذ جاد لي بسلامه وكلامه
ذو حاجب ما إن رأيت كنونه ... أبدا وصدغ ما رأيت كلامه «٢»
وقال جمال الدين بن مطروح:
ذكر الحمى فصبا وكان قد ارعوى ... صب على عرش الغرام قد استوى
تجري مدامعه ويخفق قلبه ... مهما جرى ذكر العقيق مع اللوى
وإذا تألّق بارق من بارق ... فهناك ينشر من هواه ما انطوى
فخذوا أحاديث الهوى عن صادق ... ما ضلّ في شرع الغرام وما غوى
وبمهجتي رشأ أطالت عذّلي ... فيه الملام وقد حوى ما قد حوى «٣»
قالوا أفيه سوى رشاقة قدّه ... وفتور عينيه وهل موتي سوى
ما أبصرته الشمس إلّا واكتست ... خجلا ولا غصن النقا إلّا التوى
يروي الأراك محاسنا عن ثغره ... يا طيب ما نقل الأراك وما روى
وقال آخر:
عبث النسيم بقدّه فتأودا ... وسرى الحياء بخده فتوّردا
رشأ تفرّد فيه قلبي بالهوى ... لما غدا بجماله متفردا
قاسوه بالغصن الرطيب جهالة ... تالله قد ظلم المشبّه واعتدى
حسن الغصون إذا اكتست أوراقها ... وتراه أحسن ما يكون مجردا
وقال غيره:
يا حسنا مالك لم تحسن ... إلى قلوب في الهوى متعبة
رقّمت بالورد وبالسوسن ... صفحة خد بالسنا مذهبّة
وقد أبى خدك أن أجتني ... منه وقد ألسعني عقربه «٤»
يا حسنه إذ قال ما أحسني ... ويا لذاك اللفظ ما أعذبه
قلت له كلّك عندي سنا ... وكل ألفاظك مستعذبه
ففوّق السهم ولم يخطني ... ومذ رآني ميّتا أعجبه «٥»
وقال كم من عاشق أحبّني ... وحبه إياي قد أتعبه
يرحمه الله على أنني ... قتلي له لم أدر ما أوجبه
وقال آخر:
مليح يغار الغصن عند اهتزازه ... ويخجل بدر التمّ عند شروقه
فما فيه معنى ناقص غير خصره ... وما فيه شيء بارد غير ريقه «٦»
وقال يحيى بن أكثم:
دنا هاجري نحوي بمقلته الكحلا ... فلما رأى ذلّي ثنى عطفه دلّا
فتيّمني شوقا وأنحلني أسى ... وأفقدني صبرا وأعدمني عقلا
شكوت فما ألوى وولّى وما لوى ... وأعرض مزورّا فسلّ الحشى سلا
إذا ما دعاه فرط سقمي لزورة ... يناديه فرط العجب من عطفه كلّا
стр. 415
وقال أيضا:
بأبي غزالا غازلته مقلتي ... بين العذيب وبين شطي بارق
وسألت منه زورة تشفي الجوى ... فأجابني عنها بوعد صادق «١»
بتنا ونحن من الدجا في خيمة ... ومن النجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الذكي لناشق
وضممته ضمّ الكميّ لسيفه ... وذؤابتاه حمائل في عاتقي «٢»
حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته عني وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على فراش خافق «٣»
لما رأيت الليل آخر عمره ... قد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفا ... صعب عليّ بأن أراك مفارقي
وقال ابن نباتة:
بدا ورنت لواحظه دلالا ... فما أبهى الغزالة والغزالا
وأسفر عن سنا قمر منير ... ولكن قد وجدت به الضلالا
صقيل الخد أبصر من رآه ... سواد العين فيه فخال خالا «٤»
وممنوع الوصال إذا تبدّى ... وجدت له من الألفاط لالا
عجبت لثغره البسّام أبدى ... لنا درّا وقد سكن الزّلالا
شهدت بشهد ريقته لأنّي ... رأيت على سوالفه نمالا
فيا عجبا لحسن قد حواه ... وقد أهدى إلى قلبي الوبالا
سأشكو الحسن ما بقيت حياتي ... وأشكر من صنائعه الجمالا
القاضي فخر الدين بن مكانس:
يا غصنا في الرياض مالا «٥» ... حملتني في هواك مالا
يا رائحا بعد أن سباني ... حسبك ربّ السمّا تعالى
وله أيضا:
أجارك الله قد رثت لي ... ممّا ألاقي عدا وحسد
وعاذلي مذ رأى ضلوعي ... تعدّ سقما بكى وعدّد
ابن رفاعة:
يقولون هل منّ الحبيب بزورة ... ومنّاكم المطلوب قلنا لهم منّا
فقالوا لنا غوصوا على قدّه وما ... يحاكي إذا ما اهتز قلنا لهم غصنا
الشيخ برهان الدين القيراطي:
ووردي خدّ نرجسيّ لواحظ ... مشايخ علم السحر عن لحظه رووا
وواوت صدغيه حكين عقاربا ... من المسك فوق الجلّنار قد التووا
ووجنته الحمرا تلوح كجمرة ... عليها قلوب العاشقين قد اكتووا
ودي له باق ولست بسامع ... لقول حسود والعواذل إذ عووا
ووالله ما أسلو ولو صرت رمّة ... فكيف وأحشائي على حبّه انطووا «٦»
وللشيخ برهان الدين القيراطي أيضا:
شبّه السيف والسنان بعيني ... من لقتلي بين الأنام استحلّا
стр. 416
فأبى السيف والسّنان وقالا ... حدّنا دون ذاك حاشى وكلّا «١»
وله أيضا:
بأبي أهيف المعاطف لدن ... حسد الأسمر المثقف قدّه
ذو جفون مذ رمت منها كلاما ... كلّمتني سيوفهنّ محدّه
وقال آخر:
تملّك رقّي شادن قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد
أقول لصحبي حين يرنو بطرفه ... خذوا حذركم قد سلّ صارمه الهندي
ومما قيل في الغزل المؤنث
للشيخ شمس الدين بن البديري:
خيال سلمى عن الأجفان لم يغب ... وطيفها عن عياني غير محتجب
وذكرها أنس روحي وهي نائية ... والقلب ما زال عنها غير منقلب
لم أصغ فيها للاح راح يعذلني ... ولا لواش خلي بات يلعب بي
عذابها في الهوى عذب ألذّ به ... ومرّ هجرانها أحلى من الضّرب «٢»
فإن نأت أو دنت وجدي كما علمت ... تشيب فيه الليالي وهو لم يشب
دعها فأمر هوى المحبوب متّبع ... وغير طاعته في الحب لم يجب
وقال عفا الله عنه:
سقى طللا حلته سلمى معاهد ... وحيّاه من دمعي مذاب وجامد
فربع به سلمى مصيف ومربع ... وأرض نأت عنها قفار جلامد
وحيث ثوت أرضا فأعذب مورد ... ولو كدّرت منها عليّ الموارد
رعى الله دهرا سالمتني صروفه ... وظلّت لياليه بسلمى تساعد
وقد غفل الواشون عنّي ولم أزل ... ويقظان طرف البين عنّي راقد
وأيامنا بالقرب بيض أزاهر ... وأوقاتنا بالوصل خضر أمالد
وأرواحنا ممزوجة وقلوبنا ... ونحن كأنا في الحقيقة واحد
وكم قد مرجنا في مروج صبابة ... ولم يطّرد فينا من البين طارد
نجرّ ذيول اللهو في قمص الهوى ... تلوح علينا للغرام شواهد
ولم يخطر التفريق منا بخاطر ... ولم نحسب الأيّام فينا تعاند
فهل أنت يا سلمى وقد حكم الهوى ... كما كنت لي أم حاد بالقلب حائد
وهل ردّنا باق وإلّا تغيرت ... على عادة الأيام منك العوائد
وهل محيت آثار رسم حديثنا ... وأنساك حفظ الود هذا التباعد
وهل تذكرين العهد إذ نحن باللوى ... وقولك لا عاش الخؤون المعاهد
وهل أنت غيّرت الذي أنا حافظ ... وهل أنت أحللت الذي أنا عاقد
وهل بدّلت منك المودة بالجفا ... وفيك يقيني بالوفا منك شاهد
وإنّي ما بدّلت عهدك في الهوى ... ولا اختلفت فيما علمت العوائد
ولا بتّ مسرورا وعيشك ليلة ... وكيف سلوّي والحبيب مباعد
فإن كنت حبل الود صرّمت طرفه ... فودي طريف في هواك وتالد «٣»
وإن قلت إنّ الحب غيّره النوى ... لعمري وجدي بالحشاشة واقد
وإن أوردوا يوما صبابة عاشق ... فبي يضرب الأمثال من هو وارد
стр. 417
فما شئت كوني إنّي بك مدنف ... صبور على البلوى شكور وحامد «١»
ومنك تساوى عندي الوصل والجفا ... وفيك لقد هانت عليّ الشدائد
ولو رمت ألوي عن هواك أعنّتي ... لقاد زمامي نحو حبّك قائد
نصبت شراك الحبّ صدت حشاشتي ... فكيف خلاصي والهوى منك صائد
بعدت وقلت البين يسلي أخا الهوى ... وهل يسلي ذا الأشجان هذا التباعد
وما غيّر التفريق ما تعهدينه ... وسوق سلوي في المحبّين كاسد
وجلّ مناي القرب منك وإنّما ... إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
وقال عفا الله عنه:
تهدّدني بتبريح وبين ... وتوعدني بتفريق وصد
وتحلف لي لتلبسني سقاما ... تهي جلدي به وتذيب جلدي «٢»
وترميني بنبل من جفون ... فتضنيني وتصميني وتردي «٣»
وتحرقني بنار الصدّ حتى ... تذيب حشاشتي كمدا وكبدي
فقلت لها ودمعي في انسكاب ... يفيض دما على صفحات خدّي
ومن لي أن يقال قتيل وجد ... واذكر في هواك ولو بصدّي
وقال عفا الله عنه:
سلوي عنك شيء ليس يروى ... وحبّي فيك سار مع الركّاب
ولم يمرر سواك على ضميري ... ووجدي فيك أيسره عذابي
ومالك عن سواد العين يوما ... وما لسواد قلبي من حجاب
وما اخضرّت دواعي الشوق إلّا ... هززت إليك أجنحة التصابي
وقال عفا الله عنه:
قفا نبك دارا شطّ عنّا مزارها ... وأنحلنا بعد البعاد أدكارها «٤»
وعوجا بأطلال محتها يد النوى ... فأظلم بالنأي المشت نهارها
فقدنا بها ريما من الإنس إن رنت ... بمقلتها يصمي القلوب أحورارها
تصيد قلوب العاشقين أنيسة ... ويحسن منها صدّها ونفارها
ويهزأ بالأغصان لين قوامها ... إذا مال فوق الغصن منها خمارها
وليس لبدر التمّ قامة قدها ... وما هو إلّا حجلها وسوارها «٥»
منازلها منّي الفؤاد وإن نأى ... عن العين مثواها ففي القلب دارها
يمثّلها بالوهم فكري لناظري ... وأكثر ما يضني النفوس افتكارها
وهيّج دمعي حرّ نار صبابتي ... وما خمدت بالدمع منّي نارها
وساعدني بالأيك ليلا حمائم ... تهاتف شجوا لا يقرّ قرارها
بكين ولم تسفح لهنّ مدامع ... وعينيّ فاضت بالدموع بحارها
ولمؤلفه رحمه الله تعالى، وهو قول ضعيف على قدر حاله لكنه يسأل الواقف عليه من أفضاله ستر ما يراه من عيوبه وإن يدعو له بمغفرة ذنوبه:
نسيم الصبا بلّغ سليمى رسائلي ... بلطف وقل عن حال صبّك سائلي
فقد صار بالأسقام صبّا معذّبا ... قريح جفون من دموع هوامل
стр. 418
صبورا على حر الغرام وبرده ... حليف الضنى لم يصغ يوما لعاذل
يبيت على جمر الغضي متقلّبا ... يئن غراما فارحميه وواصلي
ألا يا سليمى قد أضرّ بي الهوى ... وهاجت بتبريح الغرام بلابلي «١»
رميت بسهم من لحاظك قاتل ... فلم يخط قلبي والحشى ومقاتلي
كتمت غرامي في هواك ولم أبح ... بسر فناحت أدمعي برسائلي
سليمى سلي ما قد جرى لي من النوى ... فقد عاد لي حال له رقّ عاذلي
لعلّ تجودي للكئيب وتسمحي ... بوعد وبعد الوعد إن شئت ماطلي
عسى تنطفي بالوعد ناري وأشتفي ... فبالسقم أعضائي وهت ومفاصلي
خفيت عن العوّاد لولا تأوّهي ... وعظم أنيني لا يراني مسائلي
فرقّي فقد رقّت عداي لذلتي ... وفاضت على حالي عيون عواذلي
قطعت زماني في عسى ولعلّها ... وما فزت في الأيام منك بطائل
فما آن أن ترضي عليّ وترحمي ... ضني جسدي فالوجد لا شك قاتلي
توسّلت بالمختار في جمع شملنا ... نبي له فضل على كل فاضل
وله رحمه الله تعالى:
يا ربّة الحسن من بالصد أوصاكي ... حتى قتلت بفرط الهجر مضناك
ويا فتاة بفتّان القوام سبت ... من في الورى يا ترى بالقتل أفتاك
لقد جننت غراما مذ رأى نظري ... في النوم طيف خيال من محياك
ومذ رآه جفا طيب المنام وقد ... أضحى عليلا حزينا لم يزل باك
عذّبتني بالتجنّي وهو يعذب لي ... فهل ترى تسمحي يوما برؤياك
إن كنت لم تذكرينا بعد فرقتنا ... فالله يعلم أنّا ما نسيناك
ما آن أن تعطفي جودا عليّ فقد ... أضحى فؤادي أسيرا لحظ عيناك
ما كنت أحسب أنّ العشق فيه ضنّى ... ولا عذاب نفوس قبل أهواك
حتى تولّع قلبي بالغرام فما ... أمسى أسيرا سوى في حسن معناك
رقّي لعبدك جودا واعطفي وذري ... ولا تطيلي بحقّ الله جفواك
يا هند رفقا بقلب ذاب فيك أسى ... ومهجة تلفت ما هند أقساك
رقّ العذول لحالي في الهوى ورثى ... وأنت يا هند لا ترثي لمضناك
والله لو متّ ما أسلاك يا أملي ... ولو فنيت غراما لست أنساك
وقال آخر:
كأنّ فؤادي يوم سرت دليل ... يسير أمام العيس وهو ذليل «٢»
فصرت عقيب الظاعنين لكي أرى ... فؤادي سرى في الركب وهو عجول
وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... لتعلم ما هذا إليه يؤول
فقلت لها قد متّ قبل ترحلي ... فمن باب أولى أن يجدّ رحيل
وقلت فليلي طال همّا فأنشدت ... وما زال ليل العاشقين طويل
فقلت وجسمي لم يزل مترجّفا ... فقالت وجسم العاشقين نحيل
فقلت لها لو كنت أدري فراقنا ... بيوم وداع ما إليه سبيل
لقلعت عيني في هواك بأصبعي ... لكيلا أرى يوما عليّ ثقيل
стр. 419
وقال الوأواء الدمشقي عفا الله عنه:
يا من نفت عنّي لذيذ رقادي ... مالي ومالك قد أطلت سهادي «١»
فبأي ذنب أم بأيّة حالة ... أبعدتني ولقد سكنت فؤادي
وصددت عنّي حين قد ملك الهوى ... روحي وقلبي والحشا وقيادي
ملكت لحاظك مهجتي حتى غدا ... قلبي أسيرا ما له من فادي
لا غرو إن قتلت عيونك مغرما ... فلكم صرعت بها من الآساد
يا من حوت كلّ المحاسن في الورى ... والحسن منها عاكف في بادي
رفقا بمن أسرت عيونك قلبه ودعي السيوف تقرّ في الأغماد وتعطّفي جودا عليّ بقبلة فبميم مبسمكي شفاء الصّادي «٢»
ماتت أطال الله عمرك سلوتي ... ولقد فني صبري وعاش سهادي
ومن المنى لو دام لي فيك الضّنى ... يا حبذا لأراك من عوّادي «٣»
وأجيل منك نواظري في ناضر ... من خدّك المترقرق الوقّاد
وأقول ما شئت اصنعي يا منيتي ... مالي سواك ولو حرمت مرادي
إلّا مديح المصطفى هو عمدتي ... وبه سألقى الله يوم ميعادي
وقال البها زهير:
إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوّق «٤»
وفوقي سحاب يمطر الهمّ والأسى ... وتحتي بحار بالجوى تتدفّق
سلوا أمّ عمرو كيف بات أسيرها ... تفكّ الأسارى دونه وهو موثق
فلا أنا مقتول ففي القتل راحة ... ولا أنا ممنون عليه فيعتق
مجنون ليلى:
وقد خبّروني أنّ تيماء منزل ... لليلى إذا ما الليل ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنّا ستنقضي ... فما للنوى يرمي بليلى المراميا
أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعدّ اللّياليا
وأخرج من بين البيوت لعلّني ... أحدث عنك النفس بالليل خاليا
ألا أيها الركب اليمانون عرّجوا ... علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
يمينا إذا كانت يمينا فإن تكن ... شمالا ينازعني الهوى عن شماليا
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها ... اثنتين صلّيت الضّحى أم ثمانيا
خليليّ لا والله لا أملك الهوى ... إذا علم من أرض ليلى بداليا «٥»
خليليّ لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبّها ... فهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا
ولو أنّ واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
وددت على حبّي الحياة لو أنّه ... يزاد لها في عمرها من حياتيا
على أنّني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليّ ولا ليا
إذا ما شكوت الحبّ قالت كذبتني ... فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا
стр. 420
فلا حبّ حتى يلصق الجلد بالحشى ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا
وقال آخر:
قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال خلّفته لو مات من ظمإ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت عهدت الوفا والصدق شميته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي «١»
كمال الدين بن النبيه:
أما وبياض مبسمك النقي ... وسمرة مسكة اللمس الشهي
ورمّان من الكافور تعلو ... عليه طوابع الندّ الندي
وقدّ كالقضيب إذا تثنّى ... خشيت عليه من ثقل الحلي
لقد أسقمت بالهجران جسمي ... وأعطشني وصالك بعد ريّي
إلى كم أكتم البلوى ودمعي ... يبوح بمضمر السر الخفي
وكم أشكو للاهية غرامي ... فويل للشجي من الخلي
صفي الدين الحلي:
أبت الوصال مخافة الرّقباء ... وأتتك تحت مدارع الظلماء «٢»
أصفتك من بعد الصدود مودة ... وكذا الدواء يكون بعد الداء
أحيت بزورتها النفوس وطالما ... ضنّت بها فقضت على الأحياء
أمّت بليل والنجوم كأنها ... درّ بباطن خيمة زرقاء
أمست تعاطيني المدام وبيننا ... عتب غنيت به عن الصهباء
آبت إلى جسدي لتنظر ما انتهت ... من بعدها فيه يد البرحاء
ألفت به وقع الصفاح فراعها ... جزعا وما نظرت جراح حشائي «٣»
أمصيبة منّا بنبل لحاظها ... ما أخطأته أسنّة الأعداء
أعجبت ممّا قد رأيت وفي الحشا ... أضعاف ما عاينت في الأعضاء
أمسي ولست بسالم من طعنة ... نجلاء أو من مقلة نجلاء
وله رحمه الله تعالى:
قفي ودعينا قبل وشك التّفرّق ... فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي
قضيت وما أودى الحمام بمهجتي ... وشبت وما حلّ البياض بمفرقي
قنعت أنا بالذل في مذهب الهوى ... ولم تفرقي بين المنعّم والشّقي
قرنت الرضا بالسخط والقرب بالنوى ... ومزّقت شمل الوصل كلّ ممزّق
قبلت وصايا الهجر من غير ناصح ... وأحببت قول الهجر من غير مشفق
قطعت زماني بالصّدود وزرتني ... عشية زمّت للترحّل أينقي «٤»
قضى الدهر بالتفريق فاصطبري له ... ولا تذممي أفعاله وترفّقي
وقال عفا الله عنه:
جاءت لتنظر ما أبقت من النهج ... فعطّرت سائر الأرجاء بالأرج «٥»
جلت علينا محيّا لو جلته لنا ... في ظلمة الليل أغنتنا عن السرج «٦»
حوريّة الخد تحمي ورد وجنتها ... بحارس من نبال الغنج والدّعج
جزت إساءة أفعالي بمغفرة ... فكان غفرانها يغني عن الحجج
стр. 421
جادت لعرفانها أنّي المريض بها ... فما عليّ إذا أذنبت من حرج
جسّت يدي لترى ما بي فقلت لها ... كفّي فذاك جوى لولاك لم يهج «١»
جفوتني فرأيت الصبر أجمل بي ... والصمت في الحب أولى من اللهج
جارت لحاظك فينا غير راحمة ... ولذّة الحب جور الناظر الغنج
وقال ابن نباتة:
رقّت لنا حين همّ السّفر بالسّفر ... وأقبلت في الدّجى تسعى على حذر «٢»
راض الهوى قلبها القاسي فجادلنا ... وكان أبخل من تموز بالمطر «٣»
رأت غداة النوى نار الكليم وقد ... شبّت فلم تبق من قلبي ولم تذر
رشيقة لو تراها عندما سفرت ... والبدر ساه إليها سهو معتذر
رأيت بدرين من وجه ومن قمر ... في ظل جنحين من ليل ومن شمر
رشفت درّ الحميّا من مقبّلها ... إذ نبّهتني إليها نسمة السّحر
رنت نجوم الدجى نحوي فما نظرت ... من يرشف الراح قبلي من فم القمر
راق العتاب وأبدت لي سرائرها ... في ليلة الوصل بل في غرّة القمر
وقال ابن الساعاتي:
قبّلتها ورشفت خمرة ريقها ... فوجدت نار صبابة في كوثر
ودخلت جنّة وجهها فأباحني ... رضوانها المرجوّ شرب المسكر
وقال آخر:
بكت للفراق وقد راعها ... بكاء المحب لبعد الدّيار
كأنّ الدموع على خدّها ... بقية طل على جلّنار
الوأواء الدمشقي تضمين:
قالت متى الظعن يا هذا فقلت لها ... إمّا غدا زعموا أو لا فبعد غد
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
لابن نباتة:
عذولي لست أسمع منه قولا ... على غيداء مثل البدر تمّا
له طرف ضرير عن سناها ... ولي أذن عن الفحشاء صمّا
وقال آخر:
وربّ ليال في هواها سهرتها ... أراعي نجوم الليل فيها إلى الفجر
حديثي عال في السّهاد لأنني ... رويت أحاديث السهاد عن الزّهر
السّراج الورّاق:
يا لائمي في هواها ... أسرفت في اللوم جهلا
ما يعلم الشوق إلّا ... ولا الصبابة إلّا
وقال آخر:
وعدت أن تزور ليلا فألوت ... وأتت في النهار تسحب ذيلا
قلت هلّا صدقت في الوعد قالت ... كيف صدّقت أن ترى الشمس ليلا
لعز الدين الموصلي:
قد سلونا عن الغزال بخود ... ذات وجه بها الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتّك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن
وقال آخر:
قالت وناولتها سواكا ... ساد بفيها على الأراك
سواي ما ذاق طعم ريقي ... قلت لها ذاقه سواكي
стр. 422
وقال آخر:
سألتها أن تعيد لفظا ... قالت محب دعوه يعذر
حديثها سكر شهيّ ... وأحسن السّكر المكرّر
ابن نباتة:
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بجسمي المنهاض «١»
قالت تغيّرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالإعراض
وقال أبو الطيب المتنبي:
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
الناهبات عيوننا وقلوبنا ... وجناتهنّ الناهبات الناهبا
الناعمات القاتلات المحييات ... المبديات من الدلال غرائبا
حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهنّ فوق ترائبا
وبسمن عن برد خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يا حبّذا المتجمّلون وحبّذا ... واد لثمت به الغزالة كاعبا
كيف الرجاء من الخطوب تخلّصا ... من بعد أن أنشبن فيّ مخالبا
وله أيضا من جملة قصيدة:
ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنّا ظلت أبكي وتبسم
فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميّتا يتكلم
الشريف الرضي:
وتميس بين مزعفر ومعصفر «٢» ... ومعنبر وممسّك ومصندل «٣»
هيفاء إن قال الشباب لها انهضي ... قالت روادفها أقعدي وتمهلي
وإذا سألت الوصل قال جمالها ... جودي وقال دلالها لا تفعلي
ابن اسرائيل:
وعدت بوصل والزمان مسوّف ... حوراء ناظرها حسام مرهف
نشوانة خصباء منهل ثغرها ... ورد وريقتها سلاف قرقف
وتخال بين البدر منها والنقا ... غصنا يميس به النسيم مهفهف
لا تحسبن الخلف شيمة مثلها ... وعدت ولكنّ الزّمان يسوّف
يا بانة قد أطلعت أغصانها ... وردا جنيّا باللواحظ يقطف
وغزالة يحكي الغزالة وجهها ... ويعير ناظرها الحسام الأوطف
ما تأمرين لمغرم تسطو به ... أجفانك المرضى ولا تستعطف
قسما بوجهك وهو صبح مشرق ... وسواد شعرك وهو ليل مسدف «٤»
وبهز غصن البان منك على النقا ... مالي إلى أحد سواك تشوّف «٥»
ولنذكر إن شاء الله تعالى في هذا الباب نبذة من ملح النظم ورقائق الشعر من غير تبويب ولا ترتيب.
للشيخ شمس الدين بن الريدي:
ولما نأت سلمى وشطّ بها النوى ... وأيقنت أنّي بالغرام أذوب
علقت بأخرى غيرها متلاهيا ... ليطفى ضرام في الحشا ولهيب
وكان هيامي والهوى وصبابتي ... لمن هو في الأولى إليّ حبيب
стр. 423
وله في المعنى:
تلاهيت عنها في الغرام بغيرها ... وقلت لقلبي هذه هي زينب
وقبّلت فاها مبردا لصبابتي ... فأضرمت نارا في الحشا تتلهّب
فكنت كمن هو ذا غريقا بلجة ... تمسّك بالموج الذي يتقلّب
وقال أيضا:
سألت القلب هل ميلي لليلى ... وهل عند الفؤاد لها التفات
فقال الآن لا لكن تأنّى ... فقلت الحبّ فيه تقلبّات
فإنّ الحبّ يهجم بعد بأس ... ويعتاد المحبّ تغيّرات
فلا تظهر لها يوما سلوّا ... فتفضحك التصابي الواردات
وترمى بالصدود وبالتجنّي ... وتنحلك الوعود الكاذبات
فكن جلدا ولا تك ذا لجاج ... فما يغنيك إن فات الفوات
وقال البيطار:
يقولون هذي أمّ عمرو قريبة ... دنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنّما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواء
وقال غيره:
وقالوا بع حبيبك وابغ عنه ... حبيبا آخرا تحيا سعيدا
إذا كان القديم هو المصافي ... وخان فكيف أأتمن الجديدا
وقال آخر:
لم أنس إذ قلت من وجدي لها غلطا ... ووجهها مشرق في حندس الظلم
سلوت عنك فقالت وهي ضاحكة ... لتقرعنّ عليّ السنّ من ندم
وقال آخر:
أمن المروءة أن أبيت مسهّدا ... قلقا أبلّ ملابسي بدموعي
وتبيت ريّان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع
وقال آخر:
إلى الله أشكو جور أهيف شادن ... وقعت فما لي من يديه خلاص
جرحت بعيني خدّه وهو جارح ... بعينيه قلبي والجروح قصاص
وقال آخر:
قد كنت أسمع بالهوى فأكذّب ... وأرى المحبّ وما يقول فأعجب
حتى رميت بحلوه وبمره ... من كان يتهم الهوى فيجرّب
وقال آخر:
سألتها التقبيل من خدّها ... عشرا وما زاد يكون احتساب
فمذ تلاقينا وقبلتها ... غلطت في العدّ وضاع الحساب
وقال آخر:
يا من سقامي من سقام جفونه ... وسواد حظي من سواد عيونه
قد كنت لا أرضى الوصال وفوقه ... واليوم أقنع بالخيال ودونه
وقال آخر:
صبّحته عند المساء فقال لي ... تهزي بقدري أو تريد مزاحا
فأجبته إشراق وجهك غرّني ... حتّى توهّمت المساء صباحا
أبو عبد الله الغواص:
من عذيري من عذول في رشا ... قامر القلب هواه فقمر
قمر لم يبق مني حسنه ... وهواه غير مقلوب قمر
وقال آخر:
جاذبتها والريح تجذب برقعا ... من فوق خد مثل قلب العقرب
стр. 424
وطففت ألثم ثغرها فتحجّبت ... وتسترت عني بقلب العقرب
وقال آخر:
ولو متّ من كثرة الأشواق وانبدلت ... مدامعي بدم من كثرة السهر
ما اخترت عنك سلوا لا ولا نظرت ... عيني لغير محيّا وجهك القمر
إبراهيم بن العباس:
تمر الصبّا صفحا بساكن ذي الغضى ... ويسرع قلبي إذ يهبّ هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنّما ... هوى كل نفس أين حلّ حبيبها
وقال النوفلي:
إذا اختلجت عيني رأت من تحبّه ... فدام لعيني ما حييت اختلاجها
وما ذقت كأسا مذ علقت بحبها ... فأشربه إلّا ودمعي مزاجها
وقال آخر رحمه الله تعالى:
يا ذا الذي زار وما زارا ... كأنّه مقتبس نارا
قام بباب الدار من تيهه ... ما ضرّه لو دخل الدارا
وقال آخر:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثي ... وأبحت منّي ظاهري لجليسي
فالكل منّي للجليس مؤانس ... وجبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
ابن نباتة:
أناشده الرحمن في جمع شملنا ... فيقسم هذا لا يكون إلى الحشر
إذا ما غدا مثل الحديد فؤاده ... فوالعصر إنّ العاشقين لفي خسر «١»
أمين الدين بن أبي الوفاء:
يا نازلا منّي فؤادا راحلا ... ومن العجائب نازلا في راحل
أضرمت قلب متيّم أهلكته ... وسكنته والنار مثوى القاتل
وقال آخر:
يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو
يمرّ بي كلّ وقت ... وكلّما مرّ يحلو
الحاجبي:
ملأت فؤادي من محبة فاتن ... أميل إليه وهو كالظبي رائغ
وقلت لقلبي قم لتعشق شادنا ... سواه فقال القلب ما أنا فارغ
وقال ديك الجن:
ولي كبد حرّى ونفس كأنّها ... بكفّ عدو ما يريد سراحها
كأنّ على قلبي قطاة تذكرت ... على ظمإ وردا فهزّت جناحها
وقال عبد الله بن طاهر:
أقام ببلدة ورحلت عنه ... كلانا بعد صاحبه غريب
أقلّ الناس في الدنيا سرورا ... محبّ قد نأى عنه الحبيب
وقال آخر:
ما اخترت ترك وداعكم يوم النوى ... والله لا مللا ولا لتجنّب
لكن خشيت بأن أموت صبابة ... فيقال أنت قتلته فتقاد بي «٢»
وقال ابن المعتز:
هب لعيني رقادها ... وانف عنها سهادها
وارحم المقلة التي ... كنت فيها سوادها
стр. 425
كن صلاحا لها كما ... كنت دهرا فسادها
وقال آخر:
وقالوا دع مراقبة الثريّا ... ونم فالليل مسعود الجناح
فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصّباح
وقال آخر:
ولي فؤاد إذا طال النزاع به ... طار اشتياقا إلى لقيا معذبه
يفديك بالنفس صبّ لو يكون له ... أعزّ من نفسه شيّ فداك به
وقال آخر:
وما هجرتك النفسّ يا ميّ إنها ... قلتك ولا أن قلّ منك نصيبها
ولكنهم يا أحسن الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها
وقال المحاربي:
إذا أنت لم توقن بما صنع الهوى ... بأهل الهوى فافقد حبيبا وجرّب
ترى حرقات يلدغ القلب حرّها ... بأنضج من كي الغضى المتلهّب
وقال الأقرع بن معاذ:
أقول لمفت ذات يوم لقيته ... بمكة والأنضاء ملقى رحالها «١»
بحقّك أخبرني أما تأثم التي ... أضرّ بجسمي منذ مرّ خيالها
فقال بلى والله أو سيصيبها ... من الله بلوى في الزمان تنالها
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... سريع على جيب القميص انهمالها
عفا الله عنها كلّ ذنب ولقيّت ... مناها وإن كانت قليلا نوالها
وقال آخر:
بالله ربكما عوجا على سكني ... عاتباه لعلّ العتب يعطفه «٢»
وعرّضا بي وقولا في حديثكما ... ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه
فإن تبسّم قولا عن ملاطفة ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
وإن بدا لكما من سيدي غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
وقال عبد الله بن أبي الشيص:
ومعرضة تظنّ الهجر فرضا ... تخال لحاظها للضعف مرضى
كأنّي قد قتلت لها قتيلا ... فما منّي بغير الهجر ترضى
وقال الحسين بن الضحاك:
بعضي بنار الهجر مات حريقا ... والبعض أضحى بالدموع غريقا
لم يشك عشقا عاشق فسمعته ... إلّا ظننتك ذلك المعشوقا
وقال آخر:
وأجيل فكري في هوا ... ك بلا لسان ناطق
أدعو عليك بحرقة ... من غير قلب صادق
وقال آخر:
يا ويح من خبل الأحبة قلبه ... حتى إذا ظفروا به قتلوه «٣»
عزّوا ومال به الهوى فأذله ... إنّ العزيز على الذليل يتيه
أنظر إلى جسد أضرّ به الهوى ... لولا تقلّب طرفه دفنوه
من كان خلوا من تباريح الهوى ... فأنا الهوى وحليفه وأخوه
следующие страницы →