Полный текст (517 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
جادت لعرفانها أنّي المريض بها ... فما عليّ إذا أذنبت من حرج
جسّت يدي لترى ما بي فقلت لها ... كفّي فذاك جوى لولاك لم يهج «١»
جفوتني فرأيت الصبر أجمل بي ... والصمت في الحب أولى من اللهج
جارت لحاظك فينا غير راحمة ... ولذّة الحب جور الناظر الغنج
وقال ابن نباتة:
رقّت لنا حين همّ السّفر بالسّفر ... وأقبلت في الدّجى تسعى على حذر «٢»
راض الهوى قلبها القاسي فجادلنا ... وكان أبخل من تموز بالمطر «٣»
رأت غداة النوى نار الكليم وقد ... شبّت فلم تبق من قلبي ولم تذر
رشيقة لو تراها عندما سفرت ... والبدر ساه إليها سهو معتذر
رأيت بدرين من وجه ومن قمر ... في ظل جنحين من ليل ومن شمر
رشفت درّ الحميّا من مقبّلها ... إذ نبّهتني إليها نسمة السّحر
رنت نجوم الدجى نحوي فما نظرت ... من يرشف الراح قبلي من فم القمر
راق العتاب وأبدت لي سرائرها ... في ليلة الوصل بل في غرّة القمر
وقال ابن الساعاتي:
قبّلتها ورشفت خمرة ريقها ... فوجدت نار صبابة في كوثر
ودخلت جنّة وجهها فأباحني ... رضوانها المرجوّ شرب المسكر
وقال آخر:
بكت للفراق وقد راعها ... بكاء المحب لبعد الدّيار
كأنّ الدموع على خدّها ... بقية طل على جلّنار
الوأواء الدمشقي تضمين:
قالت متى الظعن يا هذا فقلت لها ... إمّا غدا زعموا أو لا فبعد غد
فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
لابن نباتة:
عذولي لست أسمع منه قولا ... على غيداء مثل البدر تمّا
له طرف ضرير عن سناها ... ولي أذن عن الفحشاء صمّا
وقال آخر:
وربّ ليال في هواها سهرتها ... أراعي نجوم الليل فيها إلى الفجر
حديثي عال في السّهاد لأنني ... رويت أحاديث السهاد عن الزّهر
السّراج الورّاق:
يا لائمي في هواها ... أسرفت في اللوم جهلا
ما يعلم الشوق إلّا ... ولا الصبابة إلّا
وقال آخر:
وعدت أن تزور ليلا فألوت ... وأتت في النهار تسحب ذيلا
قلت هلّا صدقت في الوعد قالت ... كيف صدّقت أن ترى الشمس ليلا
لعز الدين الموصلي:
قد سلونا عن الغزال بخود ... ذات وجه بها الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتّك فيه ... ودفعناه بالتي هي أحسن
وقال آخر:
قالت وناولتها سواكا ... ساد بفيها على الأراك
سواي ما ذاق طعم ريقي ... قلت لها ذاقه سواكي
стр. 422
وقال آخر:
سألتها أن تعيد لفظا ... قالت محب دعوه يعذر
حديثها سكر شهيّ ... وأحسن السّكر المكرّر
ابن نباتة:
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بجسمي المنهاض «١»
قالت تغيّرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالإعراض
وقال أبو الطيب المتنبي:
بأبي الشموس الجانحات غواربا ... اللابسات من الحرير جلاببا
الناهبات عيوننا وقلوبنا ... وجناتهنّ الناهبات الناهبا
الناعمات القاتلات المحييات ... المبديات من الدلال غرائبا
حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهنّ فوق ترائبا
وبسمن عن برد خشيت أذيبه ... من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يا حبّذا المتجمّلون وحبّذا ... واد لثمت به الغزالة كاعبا
كيف الرجاء من الخطوب تخلّصا ... من بعد أن أنشبن فيّ مخالبا
وله أيضا من جملة قصيدة:
ولما التقينا والنوى ورقيبنا ... غفولان عنّا ظلت أبكي وتبسم
فلم أر بدرا ضاحكا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميّتا يتكلم
الشريف الرضي:
وتميس بين مزعفر ومعصفر «٢» ... ومعنبر وممسّك ومصندل «٣»
هيفاء إن قال الشباب لها انهضي ... قالت روادفها أقعدي وتمهلي
وإذا سألت الوصل قال جمالها ... جودي وقال دلالها لا تفعلي
ابن اسرائيل:
وعدت بوصل والزمان مسوّف ... حوراء ناظرها حسام مرهف
نشوانة خصباء منهل ثغرها ... ورد وريقتها سلاف قرقف
وتخال بين البدر منها والنقا ... غصنا يميس به النسيم مهفهف
لا تحسبن الخلف شيمة مثلها ... وعدت ولكنّ الزّمان يسوّف
يا بانة قد أطلعت أغصانها ... وردا جنيّا باللواحظ يقطف
وغزالة يحكي الغزالة وجهها ... ويعير ناظرها الحسام الأوطف
ما تأمرين لمغرم تسطو به ... أجفانك المرضى ولا تستعطف
قسما بوجهك وهو صبح مشرق ... وسواد شعرك وهو ليل مسدف «٤»
وبهز غصن البان منك على النقا ... مالي إلى أحد سواك تشوّف «٥»
ولنذكر إن شاء الله تعالى في هذا الباب نبذة من ملح النظم ورقائق الشعر من غير تبويب ولا ترتيب.
للشيخ شمس الدين بن الريدي:
ولما نأت سلمى وشطّ بها النوى ... وأيقنت أنّي بالغرام أذوب
علقت بأخرى غيرها متلاهيا ... ليطفى ضرام في الحشا ولهيب
وكان هيامي والهوى وصبابتي ... لمن هو في الأولى إليّ حبيب
стр. 423
وله في المعنى:
تلاهيت عنها في الغرام بغيرها ... وقلت لقلبي هذه هي زينب
وقبّلت فاها مبردا لصبابتي ... فأضرمت نارا في الحشا تتلهّب
فكنت كمن هو ذا غريقا بلجة ... تمسّك بالموج الذي يتقلّب
وقال أيضا:
سألت القلب هل ميلي لليلى ... وهل عند الفؤاد لها التفات
فقال الآن لا لكن تأنّى ... فقلت الحبّ فيه تقلبّات
فإنّ الحبّ يهجم بعد بأس ... ويعتاد المحبّ تغيّرات
فلا تظهر لها يوما سلوّا ... فتفضحك التصابي الواردات
وترمى بالصدود وبالتجنّي ... وتنحلك الوعود الكاذبات
فكن جلدا ولا تك ذا لجاج ... فما يغنيك إن فات الفوات
وقال البيطار:
يقولون هذي أمّ عمرو قريبة ... دنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنّما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواء
وقال غيره:
وقالوا بع حبيبك وابغ عنه ... حبيبا آخرا تحيا سعيدا
إذا كان القديم هو المصافي ... وخان فكيف أأتمن الجديدا
وقال آخر:
لم أنس إذ قلت من وجدي لها غلطا ... ووجهها مشرق في حندس الظلم
سلوت عنك فقالت وهي ضاحكة ... لتقرعنّ عليّ السنّ من ندم
وقال آخر:
أمن المروءة أن أبيت مسهّدا ... قلقا أبلّ ملابسي بدموعي
وتبيت ريّان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع
وقال آخر:
إلى الله أشكو جور أهيف شادن ... وقعت فما لي من يديه خلاص
جرحت بعيني خدّه وهو جارح ... بعينيه قلبي والجروح قصاص
وقال آخر:
قد كنت أسمع بالهوى فأكذّب ... وأرى المحبّ وما يقول فأعجب
حتى رميت بحلوه وبمره ... من كان يتهم الهوى فيجرّب
وقال آخر:
سألتها التقبيل من خدّها ... عشرا وما زاد يكون احتساب
فمذ تلاقينا وقبلتها ... غلطت في العدّ وضاع الحساب
وقال آخر:
يا من سقامي من سقام جفونه ... وسواد حظي من سواد عيونه
قد كنت لا أرضى الوصال وفوقه ... واليوم أقنع بالخيال ودونه
وقال آخر:
صبّحته عند المساء فقال لي ... تهزي بقدري أو تريد مزاحا
فأجبته إشراق وجهك غرّني ... حتّى توهّمت المساء صباحا
أبو عبد الله الغواص:
من عذيري من عذول في رشا ... قامر القلب هواه فقمر
قمر لم يبق مني حسنه ... وهواه غير مقلوب قمر
وقال آخر:
جاذبتها والريح تجذب برقعا ... من فوق خد مثل قلب العقرب
стр. 424
وطففت ألثم ثغرها فتحجّبت ... وتسترت عني بقلب العقرب
وقال آخر:
ولو متّ من كثرة الأشواق وانبدلت ... مدامعي بدم من كثرة السهر
ما اخترت عنك سلوا لا ولا نظرت ... عيني لغير محيّا وجهك القمر
إبراهيم بن العباس:
تمر الصبّا صفحا بساكن ذي الغضى ... ويسرع قلبي إذ يهبّ هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنّما ... هوى كل نفس أين حلّ حبيبها
وقال النوفلي:
إذا اختلجت عيني رأت من تحبّه ... فدام لعيني ما حييت اختلاجها
وما ذقت كأسا مذ علقت بحبها ... فأشربه إلّا ودمعي مزاجها
وقال آخر رحمه الله تعالى:
يا ذا الذي زار وما زارا ... كأنّه مقتبس نارا
قام بباب الدار من تيهه ... ما ضرّه لو دخل الدارا
وقال آخر:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثي ... وأبحت منّي ظاهري لجليسي
فالكل منّي للجليس مؤانس ... وجبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
ابن نباتة:
أناشده الرحمن في جمع شملنا ... فيقسم هذا لا يكون إلى الحشر
إذا ما غدا مثل الحديد فؤاده ... فوالعصر إنّ العاشقين لفي خسر «١»
أمين الدين بن أبي الوفاء:
يا نازلا منّي فؤادا راحلا ... ومن العجائب نازلا في راحل
أضرمت قلب متيّم أهلكته ... وسكنته والنار مثوى القاتل
وقال آخر:
يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو
يمرّ بي كلّ وقت ... وكلّما مرّ يحلو
الحاجبي:
ملأت فؤادي من محبة فاتن ... أميل إليه وهو كالظبي رائغ
وقلت لقلبي قم لتعشق شادنا ... سواه فقال القلب ما أنا فارغ
وقال ديك الجن:
ولي كبد حرّى ونفس كأنّها ... بكفّ عدو ما يريد سراحها
كأنّ على قلبي قطاة تذكرت ... على ظمإ وردا فهزّت جناحها
وقال عبد الله بن طاهر:
أقام ببلدة ورحلت عنه ... كلانا بعد صاحبه غريب
أقلّ الناس في الدنيا سرورا ... محبّ قد نأى عنه الحبيب
وقال آخر:
ما اخترت ترك وداعكم يوم النوى ... والله لا مللا ولا لتجنّب
لكن خشيت بأن أموت صبابة ... فيقال أنت قتلته فتقاد بي «٢»
وقال ابن المعتز:
هب لعيني رقادها ... وانف عنها سهادها
وارحم المقلة التي ... كنت فيها سوادها
стр. 425
كن صلاحا لها كما ... كنت دهرا فسادها
وقال آخر:
وقالوا دع مراقبة الثريّا ... ونم فالليل مسعود الجناح
فقلت وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصّباح
وقال آخر:
ولي فؤاد إذا طال النزاع به ... طار اشتياقا إلى لقيا معذبه
يفديك بالنفس صبّ لو يكون له ... أعزّ من نفسه شيّ فداك به
وقال آخر:
وما هجرتك النفسّ يا ميّ إنها ... قلتك ولا أن قلّ منك نصيبها
ولكنهم يا أحسن الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها
وقال المحاربي:
إذا أنت لم توقن بما صنع الهوى ... بأهل الهوى فافقد حبيبا وجرّب
ترى حرقات يلدغ القلب حرّها ... بأنضج من كي الغضى المتلهّب
وقال الأقرع بن معاذ:
أقول لمفت ذات يوم لقيته ... بمكة والأنضاء ملقى رحالها «١»
بحقّك أخبرني أما تأثم التي ... أضرّ بجسمي منذ مرّ خيالها
فقال بلى والله أو سيصيبها ... من الله بلوى في الزمان تنالها
فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... سريع على جيب القميص انهمالها
عفا الله عنها كلّ ذنب ولقيّت ... مناها وإن كانت قليلا نوالها
وقال آخر:
بالله ربكما عوجا على سكني ... عاتباه لعلّ العتب يعطفه «٢»
وعرّضا بي وقولا في حديثكما ... ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه
فإن تبسّم قولا عن ملاطفة ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
وإن بدا لكما من سيدي غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
وقال عبد الله بن أبي الشيص:
ومعرضة تظنّ الهجر فرضا ... تخال لحاظها للضعف مرضى
كأنّي قد قتلت لها قتيلا ... فما منّي بغير الهجر ترضى
وقال الحسين بن الضحاك:
بعضي بنار الهجر مات حريقا ... والبعض أضحى بالدموع غريقا
لم يشك عشقا عاشق فسمعته ... إلّا ظننتك ذلك المعشوقا
وقال آخر:
وأجيل فكري في هوا ... ك بلا لسان ناطق
أدعو عليك بحرقة ... من غير قلب صادق
وقال آخر:
يا ويح من خبل الأحبة قلبه ... حتى إذا ظفروا به قتلوه «٣»
عزّوا ومال به الهوى فأذله ... إنّ العزيز على الذليل يتيه
أنظر إلى جسد أضرّ به الهوى ... لولا تقلّب طرفه دفنوه
من كان خلوا من تباريح الهوى ... فأنا الهوى وحليفه وأخوه
стр. 426
وقال أحمد بن طاهر:
تقول العاذلات تسلّ عنها ... وداو عليل صبرك بالسلو
فكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذّ من الشماتة بالعدو
وقال إسحاق مولى المهلب:
هبيني يا معذبتي أسأت ... وبالهجران قبلكم بدأت
فأين الفضل منك فدتك نفسي ... عليّ إذا أسأت كما أسأت
وقال أبو العتاهية:
يقول أناس لو نعتّ لنا الهوى ... ووالله ما أدري لهم كيف أنعت «١»
سقام على جسمي كثير موسع ... ونوم على عيني قليل مفوّت
إذا اشتدّ ما بي كان أفضل حيلتي ... له وضع كفي فوق خدي وأسكت
وقال بشار:
يا قرّة العين إني لا أسميك ... أكني بأخرى أسمّيها وأعنيك
أخشى عليك من الجارات حاسد ... أو سهم غيران يرميني ويرميك
لولا الرقيبان إذا ودعت غادية ... قبّلت فاك وقلت النفس تفديك
يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلّا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا مرّة في الدهر واحدة ... بالله لا تجعليها بيضة الديك
وقال آخر:
ألم تعلمي يا أحسن الناس أنّني ... أحبّك حبا مستكنّا وباديا
أحبّك ما لو كان بين قبائل ... من الناس أعداء لجرّ التصافيا
وقال آخر:
أقول لشادن في الحسن أضحى ... يصيد بطرفه قلب الكمي
ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأدّ زكاة منظرك البهيّ
وذاك بأن تجود لمستهام ... برشف من مقبّلك الشهيّ
فقال أبو حنيفة لي إمام ... يرى أن لا زكاة على الصبي
وقال آخر:
سقى الله ربعا كنت أخلو بوجهكم ... وثغر الهنا في روضة الحسن ضاحك
أقمنا زمانا والعيون قريرة ... وأصبحت يوما والجفون سوافك
وقال آخر:
ألم تعلمي يا عذبة الماء أننّي ... أظلّ إذا لم أسق ماءك صاديا
ومازلت بي يا بين حتى لو أنني ... من الوجد استبكي الحمام بكى ليا
أبو العباس الشهير بالنفيس:
يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق
الوزير ظهير الدين الملقب بأبي شجاع:
لأعذّبنّ العين غير مفكّر ... فيها بكت بالدمع أو فاضت دما
ولأهجرنّ من الرقاد لذيذه ... حتى يعود على الجفون محرّما
هي أوقعتني في حبائل فتنة ... لو لم تكن نظرت لكنت مسلّما
سفكت دمي فلأسفحنّ دموعها ... وهي التي بدأت فكانت أظلما
وقال العتبي:
أضحت بخدّي للدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم «٢»
стр. 427
والصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلّا عليك فإنه مذموم
الرفاء الأندلسي:
ومهفهف كالغصن إلّا أنه ... تتحير الألباب عند لقائه
أضحى ينام وقد تكلّل خدّه ... عرقا فقلت الورد رشّ بمائه
وقال آخر:
اخضرّ واصفرّ لاعتلال ... فصار كالنرجس المضعّف «١»
كأنّ نسرين وجنتيه ... بشعر أصداغه مغلف
يرشح منه الجبين ماء ... كأنّه لؤلؤ منصّف
وقال آخر:
ما زال ينهل من صرف الطلا قمري ... حتى غدت وجنتاه البيض كالشفق
وقام يخطر والأرداف تقعده ... طورا وحاول أن يسعى فلم يطق
فعائل فعلت فعل الشمول به ... فعل النسيم بغصن البانة الورق
جاذبته لعناقي فانثنى خجلا ... وكلّلت وجنتاه الحمر بالعرق
وقال لي بفتور من لواحظه ... إنّ العناق حرام قلت في عنقي
وقال آخر:
بأركان هذا البيت إنّي لطائف ... وفي الكون أسرار وفيه لطائف
رعى الله أياما وناسا عهدتهم ... جيادا ولكنّ الليالي صيارف
وبي ذهبيّ اللون صيغ لمحنتي ... يريد امتحاناتي وما أنا زائف
يذيب فؤادا وهو لا غشّ عنده ... فيا ذهبيّ اللون إنّك خائف
وقال آخر:
أسنى ليالي الدهر عندي ليلة ... لم أخل فيها الكاس من أعمالي
فرقت فيها بين جفني والكرى ... وجمعت بين القرط والخلخال
ومما قيل في الرقباء:
لو أن لي في الحب أمرا نافذا ... وملكت بسط الأمر في التعذيب
لقطعت ألسنة العواذل كلّها ... ولكنت أقلع عين كلّ رقيب
وقال أعرابي:
بسهم الحبّ كلم في فؤادي ... ولا كالكلم من عين الرقيب
تمكّن ناظراه به وأضحى ... مكان الكاتبين من الذنوب
ومن حذر الرقيب إذا التقينا ... نسلّم كالغريب على الغريب
ولولاه تشاكينا جميعا ... كما يشكو المحبّ إلى الحبيب
وقال آخر:
من عاش في الدنيا بغير حبيب ... فحياته فيها حياة غريب
عين الرقيب غرقت في بحر العمى ... لا أنت لا بل عين كلّ رقيب
وقال أحمد بن أبي سلمة:
يعذلني فيه جميع الورى ... كأنّني جئت بأمر عجيب
أظنّ نفسي لو تعشّقتها ... بليت فيها بملام الرقيب
وأنا الغريب فلا ألام على البكا ... إنّ البكا حسن بكلّ غريب
وقال آخر:
وما فارقت سعدى عن قلاها ... ولكن شقوة بلغت مداها
بكيت نعم بكيت كلّ إلف ... إذا بانت حبيبته بكاها
стр. 428
وقال آخر:
وقائلة ما بال دمعك أبيض ... فقلت لها يا علو هذا الذي بقي
ألم تعلمي أنّ البكا طال عمره ... فشابت دموعي عندما شاب مفرقي
وعمّا قليل لا دموع ولا دما ... ولم يبق إلّا لوعتي وتحرّقي
وقال آخر:
ولم أر مثلي غار من طول ليله ... عليه لأنّ الليل يعشقه معي
وما زلت أبكي في دجى الليل صبوة ... من الوجد حتى ابيضّ من فيض أدمعي
وقال أخر:
رجوت طيف خيال ... وكيف لي بهجوع
والذاريات جفوني ... والمرسلات دموعي «١»
وقال آخر:
يا نازح الطيف من نومي يعاودني ... فقد بكيت لفرط النازحين دما
أوجبت غسلا على عيني بأدمعها ... فكيف وهي التي لم تبلغ الحلما
وقال آخر:
ارحم رحمت لوعتي ... وابعث خيالك في الكرى
ودموع عيني لا تسل ... عن حالها يا ما جرى
وقال آخر:
أملت أن تتعطفوا بوصالكم ... فرأيت من هجرانكم ما لا أرى
وعلمت أن فراقكم لا بدّ أن ... يجري به دمعي دما وكذا جرى
وقال آخر:
إنّ عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنّهنّ الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها
وقال آخر:
يقولون لي والدمع قرّح مقلتي ... بنار أسى من حبّة القلب تقدح
أدمعك جمر قلت لا تتعجبوا ... فكلّ وعاء بالذي فيه ينضح
وقال البدر الذهبي:
قالوا تباكى بالدموع وما بكى ... بدم على عيش تصرّم وانقضى
فأجبتهم هو من دمي لكنّه ... لما تصاعد صار يقطر أبيضا
قال ابن مطروح في الغيرة:
ولو أمسى على تلفي مصرّا ... لقلت معذبي بالله زدني
ولا تسمح بوصلك لي فإني ... أغار عليك منك فكيف منّي
وقال آخر:
أغار عليك من نظري ومنّي ... ومنك ومن مكانك والزمان
ولو أنّي خبأتك في جفوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني
المظفر بن عمر الآمدي:
قولي لمن قد جفوني إذ لهجت بهم ... دون الأنام وخير القول أصدقه
أحبّكم وهلاكي في محبّتكم ... كعابد النار يهواها وتحرقه
وقال غيره:
لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح
ذاك زمان مرّ حلو الجنى ... ظفرت فيه بحبيب وراح
الشريف الرضي:
علّلاني بذكركم واسقياني ... وامزجا لي دمعي بكأس دهاق «٢»
стр. 429
وخذا النوم من جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشّاق
وقال آخر:
قالوا أترقد مذ غبنا فقلت لهم ... نعم وأشفق من دمعي على بصري
ما حقّ طرف هداني نحو حسنكم ... أنّي أعذبه بالدمع والسهر
عز الدين الموصلي:
فسدت لطول بعادكم أحلامنا ... وعقولنا وجفا الجفون منام
والطيف قد وعد الجفون بزورة ... يا حبّذا إن صحّت الاحلام
ومما قيل في السهر وطول الليل ونحو ذلك:
قال الشاعر:
وربّ ليل سهرناه وقد طلعت ... بقية البدر في أولى تسايره
كأنّما أدهم الظلماء حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره «١»
وقال آخر:
ليل المحبين مطويّ جوانبه ... مشمّر الذيل منسوب إلى القصر
ما ذاك إلّا لأنّ الصبح نمّ بنا ... فأطلع الشمس من غيظ على القمر
وقال غيره:
فلم أر مثل ليل ذوي التّصابي ... وكلّ يشتكيه بكل حال
فيشكو طوله أهل التجافي ... ويشكو قصره أهل الوصال
وقال آخر:
ليلي وليلى سواء في اختلافهما ... قد صيّراني جميعا في الهوى مثلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا
وقال آخر:
إنّ الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الأعمار «٢»
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهنّ مع السرور قصار
وقال غيره:
ربّ ليل لم أذق فيه الكرى ... حظّ عيني فيه دمع وسهر «٣»
كلّما هيّج ليلى حرقي ... صحت ياليل أما فيك سحر
وقال آخر:
يا ليل طل أو لا تطل ... لا بدّ لي من سهرك
لو بات عندي قمري ... ما بت أرعى قمرك
وقال بشار بن برد:
خليليّ ما بال الدّجى لا يزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضّح
أضلّ إليها المستنير طريقه ... أم الدّهر ليل كله ليس يبرح
وقال آخر:
كأنّ الثريا راحة تشبر الدجى ... ليعلم طال الليل أم قد تعرّضا
فليل تراه بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا
وقال ابن منقذ:
لما رأيت النجم ساه طرفه ... والقطب قد ألقى عليه سباتا «٤»
وبنات نعش في الحداد سوافر «٥» ... أيقنت أنّ صباحهم قد ماتا
стр. 430
وقال آخر في ليلة ممطرة:
أقول والليل في امتداد ... وأدمع الغيث في انسفاح
أظن ليل بغير شك ... قد بات يبكي على الصباح
وقال أيضا:
تاب الزمان من الذنوب فوات ... واغنم لذيذ العيش قبل فوات
تمّ السرور فقم يا صاحبي ... نستدرك الماضي بنهب الآتي
صفي الدين الحلي في عود:
وعود به عاد السرور لأنه ... حوى اللهو قدما وهو ريّان ناعم
يغرّب في تغريده فكأنه ... يعيد لنا ما لقنّته الحمائم
وقال آخر في زامرة:
وناطقة بالنفخ عن روح بها ... تعبر عمّا دوننا وتترجم
سكتنا وقالت للقلوب فاطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
ومما قيل في فانوس
لابن تميم:
أنظر إلى الفانوس تلق متيّما ... ذرفت على فقد الحبيب دموعه
يبدو تلهّب جسمه لنحو له ... وتعدّ من تحت القميص ضلوعه
وقال لابن قزل:
وكأنما الفانوس في غسق الدجى ... دنف براه شوقه وسهاده
أضلاعه خفيت ورقّ أديمه ... وجرت مدامعه وذاب فؤاده
ولبعضهم في شمعة:
حكتني وقد أودى بي السقم شمعة ... وإن كنت صبّا دونها متوجّعا
ضنى وسهادا واصفرارا ورقّة ... وصبرا وصمتا واحتراقا وأدمعا
ومما قيل في الربيع والرياض والبساتين والمياه والنواعير ونحو ذلك .
قال الشاعر:
هذا الربيع وهذه أزهاره ... متجاوب في أيكه أطياره «١»
وبدا البنفسج والشقائق مونق ... والورد يضحك بينها وبهاره
فاشرب على وجه الحبيب وغنّ لي ... هذا هواك وهذه آثاره
وقال غيره:
غدونا على الروض الذي طلّه الندى ... سحيرا وأوداج الأباريق تسفك «٢»
فلم نر شيئا كان أحسن منظرا ... من النّور يجري دمعه وهو يضحك
وقال آخر:
أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها ... بخضرة واكتسى بالنور عاريها «٣»
فللسماء بكاء في جوانبها ... وللربيع ابتسام في نواحيها
وقال غيره:
إنّ السماء إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر
والأرض لا تنجلي أنوارها أبدا ... إلّا إذا رمدت من شدّة المطر
وقال ابن قرناص:
أيا حسنها من رياض غدا ... جنوني فنونا بأفنانها
مشى الماء فيها على رأسه ... لتقبيل أقدام أغصانها
وقال آخر:
أنظر إلى الأغصان كيف تعانقت ... وتفارقت بعد التعانق رجّعا
стр. 431
كالصبّ حاول قبلة من إلفه ... فرأى المراقب فانثنى متوجّعا
وقال ابن تميم:
وحديقة ينساب فيها جدول ... طرفي برونق حسنها مدهوش
يبدو خيال غصونها في مائه ... فكأنّما هو معصم منقوش
وقال أيضا عفا الله عنه:
لم لا أهيم إن الرياض وحسنها ... وأظلّ منها تحت ظل صافي
والزهر حيّاني بثغر باسم ... والماء وافاني بقلب صافي
وقال آخر:
قد سعينا نبغي زيارة دوح ... قد حبانا باللطف والإكرام
ناولتنا أيدي الغصون ثمارا ... أخرجتها لنا من الأكمام
ومما قيل في الأزهار والثمار .
قال بعضهم في الورد:
يا راقدا ونسيم الصبح منتبه ... في روضة القصف والأطيار تنتحب
الورد ضيف فلا تجهل كرامته ... فهاتها قهوة في الكاس تلتهب
سقيا له زائرا تحيا النفوس به ... يجود بالوصل شهرا ثم يحتجب
وقال بعضهم:
ولقد رأيت الورد يلطم خدّه ... ويقول وهو على البنفسج يحنق
لا تقربوه وإن تضوع نشره ... من بينكم فهو العدوّ الأزرق
ومما قيل في البنفسج.
قال ابن المعتز:
ولا زوردية وافت بزورتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت
كأنما فوق طاقات صففن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
وقال آخر:
إشرب على زهر البنفسج قهوة ... تهدي السرور لكلّ صب مكمد
فكأنه قرص بخدّ مهفهف ... أو أعين زرق كحلن بأثمد
ولبعضهم في الورد:
للورد فضل على زهر الربيع سوى ... أنّ البنفسج أزكى منه في المهج
كأنه وعيون الناس ترمقه ... آثار قرص يد في خدّ ذي غنج
وقال آخر:
يا مهديا لي بنفسجا أرجا ... يرتاح صدري له وينشرح
بشّرتني عاجلا مصحّفة ... بأنّ ضيق الأمور ينفسح
وقال غيره في النرجس:
وقضب زمرّد تعلو عليها ... عيون لم تذق طعم الغماض
توهّمت الغمام لها رقيبا ... فنكّست الرؤوس إلى الرياض
قال آخر فيه:
أنت يا نرجس روض ... لزهور الأرض ستّ
ودليل القول فيك ... أنّ أوراقك ستّ
وقال آخر:
أقول وطرف النرجس الغصن شاخص ... إليّ وللنّمام حولي إلمام
أيا رب حتى في الحدائق أعين ... علينا وحتى في الرياحين نمّام
وقال أيضا فيه:
لما تمادى الورد في زهوه ... وراح من إعجابه يرأس
تلوّن المنثور مما به ... واصفرّ من غيظ به النرجس
ومما قيل في اللينوفر لابن المعز المصري:
وبركة تزهو بلينوفر ... نسيمه يشبه نشر الحبيب «١»
стр. 432
مفتّح الأجفان في نومه ... حتى إذا الشمس دنت للمغيب
أطبق جفنيه على خدّه ... وغاص في البركة خوف الرقيب «١»
وقال تميم بن المعز المصري:
رأيت في البركة لينوفر ... فقلت ما شأنك وسط البرك
فقال لي غرقت في أدمعي ... وصادني ظبي الفلا بالشّرك
فقلت ما بال اصفرار بدا ... فيك وما هذا الذي غيّرك
فقال لي ألوان أهل الهوى ... صفر ولو ذقت الهوى صفّرك
ومما قيل في البان:
قد أقبل الصيف وولّى الشتا ... وعن قليل تسأم الحرّا
أما ترى البان بأغصانه ... قد قلب الفرو إليّ تبرا
وقال آخر فيه:
أو ما ترى البان الذي يزهو على ... كل الغصون بقده الميّاس
وافى يبشّر بالربيع وقربه ... يختال في السنجاب والبرطاس
وقال في الشقيق:
حييته بشقائق في مجلس ... ورأى الرقيب فشقّ ذاك عليه
فاحمرّ من خجل فأنبت خدّه ... أضعاف ما حملت يداي إليه
وقال آخر:
لو لم أعانق من أحبّ بروضة ... أحداق نرجسها إلينا تنظر
ما انشقّ جيب شقيقها حسدا ولا ... بات النسيم بذيله يتعثّر
وقيل أن ابن الرومي زار قبر أخيه يوما فوجد الشقائق قد نبتت على قبره فأنشد يقول:
قالت شقائق قبره ... ولربّ أخرس ناطق
فارقته ولزمته ... فأنا الشقيق الصادق
وممّا قيل في المنثور:
تخال منثورها في الدوح منتثرا ... كأنّما صيغ من در وعقيان
والطير ينشد في أغصانه سحرا ... هذا هو العيش إلّا أنّه فاني
وقال آخر:
قد أقبل المنثور يا سيدي ... كالدرّ والياقوت في نظمه
ثناك لا زال كأنفاسه ... ومخّ من يشناك مثل اسمه «٢»
ولبعضهم فيه:
ولقد خلوت مع الأحبّة مرّة ... في روضة للزهر فيها معرك
ما بين منثور أقام ونرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك
هذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنو إليه وثغر هذا يضحك
ومما قيل في الياسمين:
والأرض تبسم عن ثغور رياضها ... والأفق يسفر تارة ويقطّب
وكأنّ مخضرّ الرياض ملاءة ... والياسمين لها طراز مذهب
وقال آخر:
رأيت الفال بشّرني بخير ... وقد أهدى إليّ الياسمين
فلا تحزن فإنّ الحزن شين ... ولا تيأس فإن اليأس مين «٣»
ومما قيل في السوسن للأخطل الأهوازي:
стр. 433
سقيا لأرض إذا ما نمت نبّهني ... بعد الهدوّ بها قرع النواقيس
كأنّ سوسنها في كلّ شارقة ... على الميادين أذناب الطواويس
ومما قيل في الأقحوان لعبد القادر بن مهنا المغربي:
أفدي الذي زارني سرّا فأتحفني ... باقحوان يحاكي ثغر مبتسم
فبتّ من فرحي أفني مقبله ... لثما وأرشف من ريق له شبم «١»
ولبعضهم فيه:
إن فاه ثغر الأقاحي في تشبّهه ... بثغر حبّك واستولى به الطرب
فقل له عندما يحكيه مبتسما ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
ومما قيل في الجلنار:
وجلّنار مشرق ... على أعالي شجره
كأنه في غصنه ... أحمره وأصفره
قراضة من ذهب ... في خرقة معصفره
ومما قيل في الآس:
أهديت مشبه قدّك المياس ... غصنا نضيرا ناعما من آس
فكأنما يحكيك في حركاته ... وكأنما تحكيه في الأنفاس
ومما قيل في الريحان:
وغصن من الريحان أخضر ناضر ... نما بين غصني نرجس وشقائق
يريك إذا كفّ الصّبا عبثت به ... شمائل معشوق وذلة عاشق
وقال آخر:
قضيب من الريحان شاكل لونه ... إذا ما بدا للعين لون الزّبرجد
فشبّهته لما بدا متجعّدا ... عذار تبدّى في سوالف أغيد
ومما قيل في الفواكه والثمار على اختلافهما:
في الأترج «٢» قال ابن الرومي:
كلّ الخلال التي فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترج طاب معا ... حملا ونشرا وطاب العود والورق
ولبعضهم فيه:
حيّاك من تهوى بأترجة ... ناعمة مقدودة غضّة
فجلدها من ذهب أصفر ... وجسمها الناعم من فضّة
وقال آخر:
يا حبذا أترجة ... تحدث للنفس الطرب
كأنّها كافورة ... لها غشاء من ذهب
في الليمون.
قول أبي الحسن رئيس الرؤساء:
يا حسن ليمونة حيّا بها قمر ... حلو المقبّل ألمى بارد الشنب «٣»
كأنها أكرة من فضّة خرطت ... واستودعوها غلافا صيغ من ذهب
وفيه أيضا:
أما ترى الليمون في ... غصن من الزّبرجد
كأكرة «٤» من فضة ... مملوءة من عسجد
في النارنج.
стр. 434
لعبد الله بن المعتز:
نظرت إلى نارنجة في يمينه ... كجمرة نار وهي باردة اللمس
فقرّبها من خدّه فتألفّت ... فشبّهتها المريخ في دارة الشمس
وقال آخر:
ونارنجة بين الرياض نظرتها ... على غصن رطب كقامة أغيد
إذا ميّلتها الريح مالت كأكرة ... بدت ذهبا في صولجان زبرجد
وقال آخر:
ونارنج يلوح على غصون ... ومنه ما نرى كالصولجان
أشبّهها ثديّا ناهدات ... غلائلها صبغن بزعفران
وقال آخر:
وأشجار نارنج كأنّ ثمارها ... حقاق عقيق قد ملئن من الدر «١»
نطالعها بين الغصون كأنّها ... قدود عذارى في ملاحفها الخضر
أتت كلّ مشتاق بريّا حبيبه ... فهاجت له الأشجان من حيث لا يدري
في التفاح.
لبعضهم:
ولما بدا التفاح أحمر مشرقا ... دعوت بكاسي وهي ملأى من الشفق
وقلت لساقيها أدرها فعندنا ... خدود الأغاني قد جمعن على طبق
وقال آخر في تفاحة:
وتفاحة من سندس صيغ نصفها ... ومن جلنّار نصفها وشقائق
كأن الهوى قد ضمّ من بعد فرقة ... بها خدّ معشوق إلى خدّ عاشق
ولبعضهم فيه:
تفاحة كسيت لونين خلتهما ... خدي محب ومحبوب قد التصقا
تعانقا فبدا واش فراعهما ... فاحمرّ ذا خجلا واصفرّ ذا فرقا «٢»
وقال آخر:
وتفاحة وردية ذهبية ... تجلي عن المهموم ليل همومه
كأنّ سلاف الخمر روّى أديمها ... بخمر فجاءت باحمرار أديمه
تذكّرني شكل الحبيب وحسنه ... وتوريد خدّيه وطيب نسيمه
وقال آخر:
حمرة التفاح في خضرته ... أشبه الألوان من قوس قزح
فعلى التفاح فاشرب قهوة ... واسقنيها بنشاط وفرح
وفيه أيضا:
أهدى لنا التفاح من كفّه ... من لم يزل يجنيه من خدّه
وخطّ بالمسك على بعضها ... قد عطف المولى على عبده
وقيل في السفرجل:
حاز السفرجل لذات الورى فغدا ... على الفواكه بالتفضيل مشهورا
كالراح طعما وشمّ المسك رائحة ... والتبر لونا وشكل البدر تدويرا
وقال آخر:
سفرجلة صفراء تحكي بلونها ... محيا شجاه للحبيب فراق
إذا شمّها المشتاق شبه ريحها ... بريح حبيب لذّ منه عناق
وطيّبة عند المذاق فطعمها ... كريق حبيب طاب منه مذاق
وقال آخر:
стр. 435
سفرجلة جمعت أربعا ... فكان لها كلّ معنى عجيب
صفار النّضار وطعم العقار ... ولون المحبّ وريح الحبيب
وقيل في الكمثرى:
وكمّثرى لذيذ الطعم حلو ... شهي جاء من دوح الجنان
مناقير الطيور إذا اقتتلنا ... مغبرة بلون الزعفران
ابن برغش متغزلا:
وكمثرى سباني منه طعم ... كطعم الشّهد شيب بماء ورد «١»
لذيذ خلقه لما أتانا ... نهود السمر في معنى وقدّ
وما قيل في المشمش:
بدا مشمش الأشجار يذكو شهابه ... على غصن أغصان من الروض ميّد «٢»
حكى وحكت أشجاره في اخضراره ... جلاجل تبر في قباب زبرجد «٣»
ما قيل في الإجاص:
أنظر إلى شجر الإجاص قد حملت ... أغصانه ثمرا ناهيك من ثمر
تراه في أخضر الأوراق مستترا ... كما اختبى الزنج في خضر من الأزر
ما قيل في الخوخ:
أهدى إليّ الصديق خوخا ... منظره منظر أنيق
من كل مخصوصة بحسن ... معناه في مثلها دقيق
حمراء صفراء مستعير ... بهجتها التبر والعقيق
كوجنة مسّها خلوق «٤» ... فزال عن بعضها الخلوق «٥»
وما قيل في الفستق:
تفكرت في معنى الثمار فلم أجد ... لها ثمرا يبدو بحسن مجرّد
سوى الفستق الرطب الجني فإنّه ... زها بمعان زيّنت بتجرّد
غلالة مرجان على جسم فضّة ... وأحشاء ياقوت وقلب زبرجد
ومما قيل في البندق:
ولقد شربت مع الحبيب مدامة ... حمراء صافية بغير مزاج
فتفضل الظبي البهيّ ببندق ... شبّهته ببنادق من ساج
فكسرته فوجدت ثوبا أحمرا ... قد لفّ فيه بنادق من عاج
ومما قيل في النبق:
وسدرة كلّ يوم ... من حسنها في فنون
كأنّما النبق فيها ... وقد حلا في العيون
جلاجل من نضار ... قد علقت في الغصون
ومما قيل في اللوز:
ومهد إلينا لوزة قد تضمّنت ... لمبصرها قلبين فيها تلاصقا
كأنّهما حبّان فازا بخلوة ... على رقبة في مجلس فتعانقا
في العنب لبعضهم:
هدية شرّفتنا من أخ ثقة ... نعم الهدية إذا وافتك من يده
نوعان من عنب جاءا على طبق ... كأنّ طيبهما من طيب محتده
فأبيض العين يحكي لون أبيضه ... وأسود العين يحكي لون أسوده
وقال في قصب السكر:
ورماح لغير طعن وضرب ... بل لأكل ومص لب ورشف
стр. 436
كملت في استوائها واستقامت ... باعتدال وحسن قدّ ولطف
ومما قيل في البطيخ الأصفر:
أتانا غلام فاق حسنا على الورى ... ببطيخة صفراء في لون عاشق
فشبّهته بدرا يقد أهلة ... من الشمس ما بين النجوم ببارق
وقال آخر:
وبطيخة وافى بها فوق كفّه ... إلينا غلام فاق كلّ غلام
فخيّل لي شمس الأصيل أهلة ... يقطّعها بالبرق بدر تمام
ومما قيل في البطيخ الأخضر:
وظبي أتى في الكف منه بمدية ... وقد لاح في خدّيه شبه شقيق
فمال إلى بطيخة ثم شقّها ... وفرّقها ما بين كل صديق
فشّبهتها لما بدت في أكفّهم ... وقد علمت فيهم كؤوس رحيق
صفائح بلّور بدت في زبرجد ... مرصّعة فيها فصوص عقيق
وقال آخر:
وبطيخة خضراء في كفّ أغيد ... أتانا بها فارتاح ذو الهمّ وابتهج
وأقبل يفريها بمديته وقد فرى ... طرفه الساجي القلوب مع المهج «١»
ومما قيل في القثاء:
أنظر إليها أنابيبا منضّدة ... من الزمرّد خضرا ما لها ورق
إذا قلبت اسمها بانت ملاحتها ... وصار في عكسه أني بكم أثق
ومما قيل في الباذنجان:
وكأنّما الابذنج سود حمائم ... أوكاره خمل الرّبيع المبكر
نقرت مناقره الزمرّد سمسما ... فاستودعته حواصلا من عنبر
ومما قيل في الأنهار والبرك والنوعير:
أما ترى البركة الغرّاء قد كسيت ... نورا من الشمس في حافاتها طلعا
والنهر من فوقه يلهيك منظره ... شهب سماوية فارتجّ والتمعا
كأنّه السيف مصقولا يقلّبه ... كفّ الكمي إلى ضرب الكماة سعى
وقال آخر في البركة:
يا من يرى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرض ... قالت هي الصرح تمثيلا وتشبيها
كأنّها الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها
فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها
إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء ركبّت فيها
وقال آخر:
وبركة للعيون تبدو ... في غاية الحسن والصفاء
كأنّها إذا صفت وراقت ... في الأرض جزء من السماء
وقال محمد بن سارة المغربي:
النهر قد رقّت غلالة صبغه ... وعليه من صبغ الأصيل طراز
تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تهزّها الأعجاز
وقال آخر:
يوم لقا بالنيل مختصرا ... ولكل وقت مسرّة قصر
فكأنّما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر
стр. 437
وقال آخر في نهر يسبح فيه الغلمان:
خليج كالحسام له صقال ... ولكن فيه للرائي مسّرة
رأيت به الملاح تجيد عوما ... كأنّهم نجوم في المجرّه
وقال آخر في النيل:
النيل قال وقوله ... إذ قال ملء مسامعي
في غيظ من طلب العلا ... عمّ البلاد منافعي
وعيونهم بعد الوفا ... قلّعتها بأصابعي
وقال آخر:
كأنّ النيل ذو فهم ولب ... لما يبدو لعين الناس منه
فيأتي عند حاجتهم إليه ... ويمضي حين يستغنون عنه
وقال آخر:
وفّت أصابع نيلنا ... وطغت وطافت في البلاد
وأتت بكل مسرة ... ما ذي أصابع ذي أياد
وقال آخر:
سدّ الخليج بكسره جبر الورى ... طرّا فكلّ قد غدا مسرورا
والماء سلطان فيكف تواترت ... عنه البشائر إذا غدا مكسورا
وقال آخر:
ونهر خالف الأهواء حتّى ... غدت طوعا له في كلّ أمر
إذا عصفت على الأغصان ألقت ... إليه بها فيأخذها ويجري
وقال آخر في ناعورة:
وكريمة سقت الرياض بدرّها ... فغدت تنوب عن الغمام الهامع
بلسان محزون ومدمع عاشق ... ومسير مشتاق وأنّة جازع
وقال آخر:
وناعورة قالت وقد حال لونها ... وأضلعها كادت تعد من السّقم
أدور على قلبي لأنّي فقدته ... وأما دموعي فهي تجري على جسمي
وفيها أيضا:
وحنّانة من غير شوق ولا وجد ... يفيض لها دمع كمنتثر العقد
أحنّ إذا حنّت وأبكي إذا بكت ... فليس لنا من ذلك الفعل من بدّ
ولكنّها تبكي بغير صبابة ... وأبكي بإفراط الصبابة والوجد
وأدمعها من جدول مستعارة ... ودمعي من عيني يفيض على خدّي
وفيها أيضا قال الخطيري:
ربّ ناعورة كأنّ حبيبا ... فارقته فقد غدت لي تحكي
أبدا هكذا تئن بشجو ... وعلى إلفها تدور وتبكي
ابن تميم:
تأمل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعها بين الرياض غدير
كأنّ نسيم الجوّ قد ضاع منهما ... فأصبح ذا يجري وذاك يدور
فصل في الألغاز
في غزال:
إسم من قد هويته ... ظاهر في صروفه
فإذا زال ربعه ... زال باقي حروفه
في كوز فقاع:
ومحبوس بلا ذنب جناه ... له في السجن ثوب من رصاص
إذا أطلقته وثب ارتفاعا ... يقبّل فاك من فرح الخلاص
في زر موزة:
стр. 438
مطية فارسها راجل ... تحمله وهو لها حامل
واقفة بالباب مزبولة ... لا تشرب الدهر ولا تأكل
وقال في طاحون:
ومسرعة في سيرها طول دهرها ... تراها مدى الأيام تمشي ولا تتعب
وفي سيرها ما تقطع الأكل ساعة ... وتأكل مع طول المدى ولا تشرب
وما قطعت في السير خمسة أذرع ... ولا ثلث ثمن من ذراع وأقرب
في دواة:
ومرضعة أولادها بعد ذبحهم ... لها لبن ما لذّ قط لشارب
وفي بطنها السكين والثدي رأسها ... وأولادها مدخورة للنوائب
وفي دواة أيضا:
وما أمّ يجامعها بنوها ... وليس عليهم تجب الحدود
كأنّهم إذا ولجوا حشاها ... أفاعي في أمكانها رقود
في قلم:
وأهيف مذبوح على صدر غيره ... يترجم عن ذي منطق وهو أبكم
تراه قصيرا كلما طال عمره ... ويضحي بليغا وهو لا يتكلم
وفيه أيضا:
بصير بما يوحى إليه وما له ... لسان ولا قلب ولا هو سامع
كأنّ ضمير القلب باح بسره ... إليه إذا ما حرّكته الأصابع
وفيه أيضا:
وأصفر عار أنحل السقم جسمه ... يشتّت شمل الخطب وهو جموع
حمى الجيش مفطوما كما كان تحتمي ... به الأسد في الغابات وهو رضيع
وقال أيضا:
وذي نحول راكع ساجد ... أعمى بصير دمعه جاري
ملازم الخمس لأوقاتها ... مجتهد في طاعة الباري
في مرملة «١» :
معشوقة لذوات العز قد صنعت ... حزينة ما تراها قطّ تبتسم
كأنها من صروف الدهر خائفة ... تبكي دماء على ما سطّر القلم
في كتاب:
وذي أوجه لكنّه غير بائح ... بسرّ وذو الوجهين للسرّ يظهر
تناجيك بالأسرار أسرار وجهه ... فتسمعها بالعين ما دمت تبصر
في سلطان حسن لابن أبي حجلة:
ما اسم محبّب للقلوب لأنّه ... حسن الحروف يجود بالإحسان
تصحيفه أمسى حبيبا كلما ... صحّفت أحرفه بحسن بيان
لو جاد لي يوما برؤية وجهه ... نلت المراد وعشت بالسلطان
في شبّابة:
وما صفراء شاحبة ولكن ... تزيّنها النضارة والشباب
مكتّبة وليس لها بنان ... منقبة وليس لها نقاب
تصبح لها إذا قبّلت فاها ... أحاديث تلذّ وتستطاب
ويحلو المدح والتشبب فيها ... وليست لاسعاد ولا الرباب
وفيها أيضا:
ومقروحة الأجفان مثلي شجيّة ... تناءت عن الأهلين أسقمها البعد
стр. 439
تزوّجها عشر وذاك محرّم ... ولا حرج كلّا ولا وجب الحدّ
إذا وطئها قوم تصرّخ صرخة ... يلين إليها كلّ قلب ولو صلد
وفيها أيضا:
منقبة مهما خلت مع محبّها ... يزوّدها لثما وينظرها شزرا
وتصحيفها في كف حاملها فقل ... إذا شئت في اليمنى وإن شئت في اليسرى
في دملج:
إلى النساء يلتجي ... وعندهنّ يوجد
الجسم منه فضّة ... والقلب منه جلمد
في خلخال:
أيا عجبا من صابر صامت ولم ... يفه بكلام قط في ساعة الضرب
أقام ولم يبرح مكانا ثوى به ... على أنّه أضحى يدور على الكعب
في شعر اللحية:
وذي عدد كالرمل سام محلّه ... جميل على كل الملاح له حق
يحاذر من موسى ويرهب باسمه ... وفي القلب هارون له الهلك والمحق
وفي التين:
أيّ شيء لذّ طعمه ... ناعم الملمس ليّن
كيف لا يبدو وضوحا ... وهو في التصحيف بيّن
في الموز:
ما اسم لشيء حسن شكله ... تلقاه عند الناس موزونا
تراه معدودا فإن زدته ... واوا ونونا صار موزونا
في حمزة:
من لي بمعتدل القوام مهفهف ... أروى بغصن البان لينة قده
في فيه تصحيف اسمه وبخدّه ... وبقلب عاشقه لشدّة صدّه
وفيه أيضا:
إسم الذي أنا أهواه وأعشقه ... وطول دهري أخشى من تجنيه
تصحيفه في فؤادي دائما أبدا ... يبدو في خدّه أيضا وفي فيه
في ساقية:
وجارية لولا الحوافر ما جرت ... أشاهدها تجري وليس لها رجل
وترضع أطفالا ولا هي أمّهم ... وليس لها ثدي وليس لها بعل
وفيها أيضا:
وجارية تبكي إذا الليل جنها ... بلا ألم فيها ولا ضرب ضارب
عليها رجال شنّقوا بعد حرقهم ... وما كان شنق القوم إلا بواجب
في زر وعروة:
وما أخت يجامعها أخوها ... وليس عليهما فيه جناح
ترى بجوازه الحكام طرّا ... وفي أعناقهم ذاك النكاح
في راوية:
وسوداء تشرب من رأسها ... وإن شئت تسقيك من فرد يد
ولونها مثل لون أختها ... وثنتاهما واحد في العدد
وتحبل في الوقت هي وأختها ... وفي ساعة يضعان الولد
في شطرنج:
يا ذا النّهى ما اسم له حالة ... يحار فيها الذهن والفكر
له حروف خمسة إنما ... ثلاثة منها له شطر
في فيل:
أيمّا اسم تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الإله
стр. 440
حيوان والقلب منه نبات ... لم يكن عند جوعه يرعاه
فيك تصحيفه ولكن إذا ما ... رمت عكسا يكون لي ثلثاه
في بجع:
ما طائر في قلبه ... يلوح للناس عجب
منقاره في بطنه ... والعين منه في الذنب
في نار:
وما اسم ثلاثي به النفع والضرر ... له طلعة تغني عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفا ... وليس له سمع وليس له بصر
يمدّ لسانا يختشي الرمح بأسه ... ويهزأ يوم الضرب بالصارم الذكر
يموت إذا ما قمت تستقيه عامدا ... ويأكل ما يلقى من النبت والشجر
فيا قارىء الأبيات دونك شرحها ... وإلا فنم عنها ونبّه لها عمر
وفيها أيضا:
وآكلة بغير فم وبطن ... لها الأشجار والحيوان قوت
إذا أطعمتها انتعشت وعاشت ... وإن أسقيتها ماء تموت
في يد الهاون:
قل لي فما شيء يرى ناعما ... منتصب القامة طول الزمان
أطول من شبر له حزّة ... مفيشل الرأس قوي الجنان
يسمع في القعر له رنة ... ويظهر الصفق بأعلى مكان
وفيه أيضا:
خبروني أي شيء ... أوسع ما فيه فمه
وابنه في بطنه ... يرفسه ويلكمه
وقد علا صياحه ... ولم يجد من يرحمه
في خشخاش:
وما قبة مبنية فوق شاهق ... لها علم يحكي الملاحة بالظرف
وأولادها في بطنها في جماعة ... يكونون ألفا أو يزيدون عن ألف
ويأخذها الطفل الصغير بجهله ... ويقلبها عسفا على راحة الكف
في كوز زير:
وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا لب
إذا استولى على صب ... فقل ما شئت في الصب
في اسم علي:
اسم الذي أعشقه ... أوله في ناظره
إن فاتني أوله ... فإن لي في آخره
في موسى للصفدي:
وما شيء له حدّ وخدّ ... يكلّم من يلامسه بحلقه
وكلّ حلقه من تحت راس ... وهذا الراس صارت تحت حلقه
في حلب لابن الفارض رحمه الله تعالى:
ما بلدة بالشام قلب اسمها ... تصحيفه أخرى بأرض العجم
وثلثه إن زال من قلبه ... وجدته طيرا شجيّ النغم
وقال في سمرقند:
وما اسم سداسي إذا ما لمحته ... ترى فيه أجزاء تذم وتشكر
له ثلث يأتي به الموت فجأة ... وثلث مع الكتاب يطوى وينشر
وثلث رعاك الله يا صاحبي له ... على مدى الأيام نشر معطر
стр. 441
وفي نصفه لما تحرّك بعضه ... حديث شهيّ في الليالي يذكر
وفي نصفه الثاني إذا ما أعدته ... إلى النار للتحليل والعقد سكر
ففسّر لنا ذا اللغز إن كنت ذا حجى ... فليس على ذي العقل لغز معسّر
وقال في كمون:
يا أيها العطار أعرب لنا ... عن اسم شيء قلّ في سومكا
تراه بالعين في يقظة ... كما ترى بالقلب في نومكا
وقال في قالب الطوب:
وما آكل في قعدة ألف لقمة ... ولقمته أضعاف أضعاف وزنه
إذا نزل المأكول جنبيه لم يقم ... سوى لحظة أو لحظتين ببطنه
في العين:
وباسطة بلا عصب جناحا ... وتسبق ما يطير ولا تطير
إذا ألقمتها الحجر اطمأنّت ... وتجزع أن يباشرها الحرير
ويكفي من ذلك ما أشرت إليه وما نبهت من هذا الفن عليه، وقد مضى القول من الفنون السبعة على فن الشعر القريض وما فيه من الفنون المتقدم ذكرها.
ولنذكر إن شاء الله تعالى بقية الفنون السبعة على وجه الاختصار والفنون السبعة المذكورة عند الناس هي الشعر القريض والموشح والدوبيت والزجل والمواليا والكان وكان، والقوما، ومنهم من جعل الحماق من السبعة وفي ذلك اختلاف وعند جمع المحققين أن هذه الفنون السبعة منها ثلاثة معربة أبدالا يغتفر اللحن فيها، وهي الشعر القريض والموشح والدوبيت، ومنها ثلاثة ملحونة أبدا، وهي: الزجل والكان وكان والقوما، ومنها واحد وهو البرزخ بينهما يحتمل الاعراب واللحن وهو المواليا، وقيل: لا يكون البيت منه بعض ألفاظه معربة وبعضها ملحونة، فإن هذا من أقبح العيوب التي لا تجوز وإنما يكون المعرب منه نوعان بمفرده، ويكون الملحون فيه ملحونا لا يدخله الاعراب وقد أوضح قاعدة الجميع وأمثلتها صفي الدين أبو المحاسن الحلي في ديوانه، وسماه: «بالعاطل الحالي، والمرخص الغالي» ولو بسطت المقال لا تسع المجال وكثر المقال، ولكن الاختصار يذهب الأوجال، والحمد لله رب العالمين على كل حال.
فصل في بيان الفن الثاني وهو الموشح
لابن المبارك:
قد أنحل الجسم أسمر أكحل ... وأوجل القلب فيه مذ حلّ
دور:
أميل له فلا يميل ... يحول وعنه لا أحول
أقول إذا زاد بي النحول
أما حل عقد الصدود ينحل ... وترحل عن نجم المزحل
دور:
كم أبعد وكم أبيت مكمد ... ويعمد بهجره لا فقد
وأجهد لارتصاد من قد
تحمل والحاسدون رحل ... تمحل والوعد منه ما حل
دور:
متوج بالحسن هذا الأبلج ... مدبج عذاره البنفسج «١»
مفلج وطرفه ذا الأدعج
مكحل وثغره منحل ... مخلخل بعنبر معجل
دور:
برغمي من يستحل ظلمي ... ويرمي بحربه لسلمي
وجسمي من التزام سقمي
منحل وقد غدا مرحل ... فمن حل دمي وما حل
دور:
قلاني واشتط ذا الفلاني ... غزاني بطرفه اليماني
تراني أنشد لمن يراني
قد أنحل الجسم أسمر أكحل ... وأوحل القلب فيه مذحل
لابن سناء الملك:
كلّلي يا سحب تيجان الربا بالخلي ... واجعلي سوارك منعطف الجدول
دور:
стр. 442
يا سما فيك وفي الأرض نجوم وما ... كلما أخفيت نجما أظهرت أنجما
وهي ما تهطل إلا بالطلى والدما ... فاهطلي على قطوف الكرم كي تمتلي
وانقلي للدن طعم الشهد والقرنفل
دور:
تتقد كالكوكب الدريّ للمرتصد ... يعتقد فيها المجوسي بما يعتقد
فاتئد يا ساقي الراح بها واعتمد
وأجل لي حتى تراني عنك في معزل ... قل لي فالراح كالعشق إن يزد يقتل
دور:
لا أليم في شرب صهبا وفي عشق ريم ... فالنعيم عيش جديد ومدام قديم
لا أهيم إلا بهذين فقم يا نديم
واجل لي من أكؤس صيرت من فوفل ... ألذ لي من نكهة العنبر والمندل
دور:
خذ هني واعطني كاسي مثل كاسك هني ... واسقني على رضاب الفطن الملسن
والهني ببعض ما صيغ من الألسن
لو تلى مدح سناه مع رشا أكحل ... لذلي على سنا الصهباء والسلسل
دور:
أزهرت ليلتنا بالوصل مذ أسفرت ... أصدرت بزورة المحبوب إذ بشرت
أخرت فقلت للظلماء مذ قصرت
طولي يا ليلة الوصل ولا تنجلي ... واسبلي سترك فالمحبوب في منزلي
دور:
من ظلم في دولة الحسن إذا ما حكم ... فالألم يجول في باطنه والندم
والقلم يكتب فيه عن لسان الأمم
من ولي في دولة الحسن ولم يعدل ... يعزى لألحاظ الرشا الأكحل
وله أيضا:
ترى هل يشتفي منك الغليل ... ويشفى من صبابته العليل
دور:
لقد أسرفت في هجري وصدي ... بلا سبب سوى كلفي ووجدي
وماذا في سلو عنك يجدي
خضاب الوجد ليس له نصول ... وأسياف الهوى فينا تصول
دور:
لئن شحيت عني بالسلام ... وطيفك قد جفا لجفا المنام
فقد جادت بأربعة سجام
جفون بالبكا كادت تحول ... على خد أسفّ به النحول
دور:
لقد أرسلت في طي النسيم ... حديث هوى عن الوجد القديم
فعادت وهي عاطرة الشميم
تخبّر أن ظعنهم نزول ... بدار لا يلمّ لها نزيل
دور:
تلقته الموالي والموالي ... بألحاظ وزرق من نصال
وأعطاف وسمر من عوالي وله أيضا:
شمس الحيا أم القمر ... أم بارق الثغر بشر
أم البها حفه الخفر ... بطرز خديك مستطر
سلسلة:
قم تباها بما تباها ولا تلاها قفلة:
فكل أحبابنا حضروا ... والعود يشجيك والوتر
والدور:
أفديك بالسمع والبصر ... يا أهيف وصله وطري
بدر بدا في دجى الشعر ... قد لذّ في حبه سهري
стр. 443
سلسلة:
إذا تجلى وقد تجلى عليك يجلى قفلة:
تحير في وصفه الفكر ... والعقل والسمع والنظر
الدور:
فهاك حدّث عن الطرب ... وعن سلاف ابنة العنب
إذا سقاها مع الضرب ... بدر بأفق الجمال ربي
سلسلة:
في ظل بان على المثاني من غير ثاني قفلة:
إلا الندامى إذا سكروا ... والروض والماء والشجر
وقال رحمه الله تعالى:
وانسيم السحر هل لك خبر ... عن عريب همو بالمنحنى
فارقوني ولم أقض الوطر ... من لقاهم ولا نلت المنى
قلت يا قلب صبرا ما صبر ... والنبي ما الهوى إلا عنا «١»
ما كتمت الهوى إلّا ظهر ... مع شهود المدامع والضنى
دور:
ليش تمنع وصالك يا حبيب ... عن محبك وهو لا يعشق سواك
راقب الله وارجع من قريب ... قبل يبلى جسمه في هواك
لست ألقى لدائي من طبيب ... غير رشفي يا حبيبي من لماك
لو رأى حالي العاذل عذر ... حينما ينظر جمالك والسنا
دور:
يا قمر فوق غصن من نقا ... أثخنتنا مطالك والصدود
يا رعى الله لويلات اللقا ... ليتها يا خلّ يوما لي تعود
ليلة السعد ما فيها شقا ... كيف تشقى وطالعها سعود
صفرها لا يمازجه كدر ... بالمسرات وأوقات الهنا
غيره:
حملت مذ سارت الحمول ... وجد مضى العمر وهو باقي
دور:
ساروا وسار الفؤاد لكن ... جسمي مقيم على المساكن
وعن الحبّ صار ظاعن
مالي إلى وصله وصول ... لو سرت بالبرق والبراق
دور:
وغادة كالقضيب قدّا ... والورد والياسمين خدّا
كأنها البدر إذ تبدى
وشعرها أسود طويل ... كأنه ليلة الفراق
دور:
هونا أتتنا تميل ميلا ... سحابة كالسحاب ذيلا
فقلت شمس تزور ليلا
وما درى كاشح عذول ... فذاك من أعجب اتفاق
دور:
وسدتها ساعدي لسعدى ... وبتّ أرعى رياض وردي
وخمر ريق كذوب شهد
لو ذاقها مدنف عليل ... لعاش والروح في التراقي
стр. 444
فصل في الفن الثالث وهو الدوبيت
لسيدي شرف الدين بنه الفارض رحمه الله تعالى:
أهوى قمرا له المعاني رق ... من صبح جبينه أضاء الشرق
تدري بالله ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبيني فرق
وقال أيضا:
أهوى رشأ كلّ الاسى لي بعثا ... مذ عاينه تصبري ما لبثا
ناديت وقد فكرت في خلقته ... سبحانك ما خلقت هذا عبثا
وقال أيضا:
عرّج بطويلع فلي ثمّ هويّ ... واذكر خبر الغرام واسنده إليّ
واقصص قصصي عليهم وابك عليّ ... قل مات ولم يحظ من الوصول بشيّ
وقال أيضا:
روحي لك يا زائرا في الليل فدا ... يا مؤنس وحدتي إذا الليل هدا
إن كان فراقنا مع الصبح بدا ... لا أسفر بعد ذاك صبح أبدا
وقال آخر:
يا شمس ضحى جبينه وضاح ... ساعات وصولك كلها أفراح
عشاقك لو فعلت ما شئت بهم ... ماتوا كمدا وبالهوى ما باحوا
وقال آخر:
أهواه مهفهفا ثقيل الردف ... كالبدر يجلّ حسنه عن وصف
ما أحسن واو صدغه حين بدت ... يا رب عسى تكون واو العطف
وقال التلعفري:
قلبي ذهبت لبعدكم راحته ... ما الصبر على بعادكم عادته
بنتم فرثى لما به شامته ... لا كان فراقكم ولا ساعته
وقال المنشدي:
أحسانك طول الدهر لا أنساه ... لا أذكر بعد خالقي إلا هو
إن أبعدك الزمان عني حسدا ... مولاي خليفتي عليك الله
وقال آخر:
إن جئت ربا الحمى ولاحت نجد ... فاذكر ولهي وما جناه البعد
قد كنت أقاسي الصدق حتى رحلوا ... يا ليتهم عادوا وعاد الصدّ
فصل في الفن الرابع وهو الزجل
حمل للغباري:
قل لغزلان وادي مصر ... والشام يقصروا ذا النفار
لهم اجعل حشاشتي ... مرعى وفؤادي قفار
دور:
مصر والشام فيها ملاح أقمار ... بالمحاسن تسود
ذا أبيض وذا أحمر وذا مليح اسمر ... لو عيون نجل سود
ذا غزال صار يفوق على الغزلان ... ويصيد الأسود
وذا غصن بان أهيف قوام قد ... وقد الأغصان جهار
وذا بدر الكمال ظهر في الليل ... وذا شمس النهار
دور:
تدر بالله إيش قالت مليح الشام ... بعد ذاك الصدود
قد سمينا بصحة الأبدان ... واعتدال القدود
وتخضب تفاحنا الأحمر ... فوق بياض الخدود
وأنتم يا عشاق لكم قلنا ... والحسود راح بنار
أنتم التفاح وما نقصد ... منكم إلا الخيار
دور:
وملاح مصر قالت إحنا أصحاب ... الوجوه الملاح
والحلاوة وطيبة الأخلاق ... في الخلائق مباح
إحنا أقمار وإحنا بدور الليل ... وشموس الصباح
стр. 445
وفي الألفاظ والظرف والمعنى ... ليس لنا حد صار
وورثنا الحسن من يوسف ... واكتسبنا الفخار
دور:
حسن حبي الفرار جي فرحه بدر ... في السعد لاح
فرخ ناجب خرج من القشرة ... فاق ملاح الملاح
كلما أعمل على رضاه يفسد ... بجفاه الصلاح
ومن البيضة قد خرج نافر ... رد جفني بنار
وجفاني وخد بياض جسمي ... خلطوا بالصفار
دور:
وقع الطل خط بالأبيض ... في اخضرار الطروس
قم يا ساقي على بساط زهري ... تحت ظل العروس
هاتها شمس راح شمول قرقف ... بكر عذرا عروس
عروس لها صفو النسيم ... ولطف الما وابتهاج الثمار
قد جلوها في كاس زجاج ... أبيض فاكتسى باحمرار
دور:
فهو عطار عندي وشراب هندي ... وبراني جفاه
كل من مص من لسانو ريقو ... يلتقي فيه شفاه
ورد خد وحبتو سودا ... شبه خال في صفاه
جبل آس عارضو أسر قلبي ... والكبار والصغار
في المحب غاروا على حسنو ... وكل من حب غار
دور:
دروني الملاح على كعبي ... ونصوا نصوص
بلا دعوى التف لف اليسير ... في هواهم خصوص
وعليا صار نقشهم قاعد ... مثل نقش الفصوص
والبساط انطوى وحين ما رأوا خلف ... له همه ولو اصطبار
قمروني في عشق هذا القمر ... والمحبة قمار
دور:
لحبيبي ثغر من جوهر ... والشفيفات عقيق
وعوارض ما ضرهم عارض ... غير نبات الشقيق
وخدود ورد من غير نمش ... ووصفنا عن حقيق
يحرس الورد خال عنبر ... تحت أهداب غزار
في صفا وجهو أنزه طرفي ... عند خلع العذار
دور:
في رياض صفوف من الأزهار ... قابلتها صفوف
كيف لا نرقص والنسيم بها موصول ... وورقها دفوف
واعجب من النهر إذا صفق ... لو من الموج كفوف
والغيوم نقطت وحين النسيم ... طار أعلى مطار
باختلاف الألحان سحر في الروض ... صاح على عود طار
دور:
أشرف الخلق بين الإسلام ... والهدى والضلال
والشرائع والحق والباطل ... والحرام والحلال
نبي من بين أصابعه تحقيق ... نبع الماء الزلال
ولو أن النبات جميعه أقلام ... والمداد البحار
والخلايق تكتب مديحو تاه ... كل كاتب وحار
دور:
خلف أستاذ في الفن ما ينطاق ... ذاق عداه المنون
ما يعيبو في الفن غير ناقص ... عقل زايد جنون
شيخ مصدر لبيب قيم ... في جميع الفنون
باتضاعو مع الصغار مرفوع ... فوق رؤوس الكبار
وأهل الفنون تجري وما تلحق ... للغبارى غبار
غيره لناصر الغيطي:
كنز روضي طالبو بسعد يا خليع قم في دجى الأسحار تلتقي در الندى يرهج فوق فصوص غرائب النوار دور:
كنز روضي نزهة الطالب ... جوهر وبين الندى يرهج
ولجين الما بيتكسر ... يا خليع هيا تعا اتفرج
بين عنابر تلتقي الخلع ... كل حد مع إلفو يدرج
وامش في عرض الرياض وارتع ... بين أغصان وأطيار فوق
بساط زمرد ذو قضبان ... كل وردة حكت لنا دينار
دور:
وترى الياسمين بحال فضه ... ضربت لاهل النزه صلبان
والشحارير لابسين أسود ... وقلانس كنهم رهبان
وكذا الكتان وهو أصفر ... بعمائم زرق للناس بان
وانجلت بين القسوس في ألحان ... وعلينا دارها الخمار
والقطيع الراهبي يحكي ... لشماس لابس الزنار
دور:
الفراق نار والوصال جنّة ... والخلائق بعضهم يعشق
دا حبيب قلبو عليه راضي ... وذا محبوبو عليه يشفق
ولهيب الهجر يتوقد ... والوصال من الملاح يشتق
المليح عندي وأنا مطمن وسط روضا ... زهر لها معطار في نعيم
مع حور ومع ولدان والعذول ... مسكين صح في نار
دور:
وعمل في الروض سماع باكر ... بين الأغصان والزهور انغام
والنسيم شبب والغدير صفق ... والخليع من كتر وجدو هام
стр. 446
والنخيل باكمامها ترقص ... اقبل الريحان بحال أعجام
والعصافير شيخهم ريق ... لو طريق بين الأزاهر طار
والبلبل بالغنا يشجي ... فكأنوا ناي أو مزمار
دور ناصر الغيطي:
يا خلايّا صحبت إنسان ... أنكر الصحبة وعاداني
وبغضني حين بقيت مسمى ... والإله بالفضل أسماني
في بلاد قبلي وأرض الشام ... يشكروني ساير أقراني
والشجيع الشاطر المذكور ... في جميع الأرض لو تذكار
والبلط يوقع لو تعلق ... ما يحصل شي مع الشطار
للغباري:
جار حبيبي فقلت ذا الحجاج ... جا يجور أو يزيد
لو عدل عشت بو مسرور ... ويكون الرشيد
دور:
أقلع القلب في هوى العشاق ... والدموع في انحدار
وبحور الهوى إذا هاجت ... ليس لها من قرار
كنت أحسب قلبي معو ... ريس غرتو ذا البحار
صحت لما وحلت يا محبوب ... قلبي بحر عشقك يزيد
خفت فيه الغرق فقال افرح ... من غرق مات شهيد
دور:
أنا يوم في الغبوق باتفرج ... على شط الغدير
إذا رأيت على الشط واحد واقف ... شب صياد صغير
نظرت مقلتي إلى منظر ... ما لحسنو نظير
قلت يا عين إن غرك الصياد ... بالجمال المصيد
يوقعك في فخاخ شباك عشقو ... وكراكي يصيد
دور:
من نحبو جديد حبيب قلبي ... يوم صدفتو صدف
قلت لين يا قاسي لمن دمعو ... سال وحالو وقف
دار وقال لي ما الاسم بالانجيل ... قلت اسمي خلف
قال علينا يكتب ومن يسمع ... دا الكلام يستفيد
في الحقيقة من لا يكون داود ... ما يلين لو الحديد
دور:
لك عوارض في الخد مرقومة ... ليس لها من مثال
وجفاك صار حماق وباب وصلك ... كان وكان يا غزال
وأنت دوبيت موشح القاما ... يا عزيز الدلال
ولك ألفاظ صارت مواليا ... بالزجل والنشيد
وبشعرك متوج القاما ... وأنت بيت القصيد
دور:
عن محرم شرابنا ضمنا ... ونفطر بالثمار
حين وجدنا سفرجل البستان ... يذهب الاصفرار
وغنا الطير به الجماد يطرب ... وكذا الجلنار
في ربيع حين رأى الثمر قاعد فيه ... تعاليق عقيد
حسب الروض النص من شعبان ... صار يقيد فيه وقيد
دور:
من لهيب مدمعي جرى ... الطوفان للهيب ما طفى
وأنا هو الغباري في العشاق ... ما جرى لي كفي
حين عليا بالصد والهجران ... والبعد والجفا
جار حبيبي فقلت ذا الحجاج ... جا يجوز أو يزيد
لو عدل عشت بو مسرور ... ويكون الرشيد
غيره:
فحين سكنت القلب يا عيسى ... أمسى من بعدك الحزين فرحان
وتقدس بك ولكنو ... ما جرت فيه يا ابن عين سلوان
دور:
عارضوا لما عشق خدو ... غرت من وجدي بقيت حاير
جيت إلى طرفو وناديت ... لو أحرسوا وكون عليه ناظر
بعد حين نظرت في خدو ... النقي العارض وهو داير
وعليه قد دب بالسرقة ... جيت لطرفو قلت يا كسلان
هكذا في عادة الحراس ... قال لي اعذرني أنا نعسان
دور:
بدر شعبان منيتي لما ... في بروج السعد لاح نجمو
قلت لو أقضي بفيض دمعي ... أطلقوا واجراه على رسمو
قلت لو دام الله إطلاقك ... فالحزين قلبو المشوم قسمو
ايش قد أذنب حين قطرتو ... دا يملغط قول بالبهتان
قال لي صوم عن الوصال ناديت ... ليش أصوم يا بدر في شعبان
دور:
حين تدبح احمرار خدو ... باخضرار العارض أسباني
ضحك فابيض واتبسم ... واسوداد شعري وأبكاني
وحين أضحيت باصفرار لوني ... أشعث أغبر في هواه عاني
قال لي لونك قد صبح حايل ... وقد أبصر مدمعي طوفان
ذقت تبريح الغرام ناديت ... في هواك ذقت الهوان ألوان
دور:
قلت لو حين عني تخلف ... لله كن لي يا رشيد مهدي
قد تلون دمعي من بعدك ... وتجري اليوم على خدي
دار إلى إنسان مقلتي قال ... لو أنت ما عندك نظر بعدي
ما ترى ما قد جرى منك ... على الخدود قال يا فتان
جرى الماء تحت من بعدك ... راقب الله فيا يا إنسان
стр. 447
دور:
ذا الغزال النافر الأنسي ... للغزالة قد أعار النور
كسر قلبي كسير جفنوا ... فاعجبوا للكاسر المكسور
وبخمر الدن قد عربد ... وادعى إني أنا المخمور
وابتسم لي عن نقا ثغرو ... وخطر والبشر فيا بان
صحت يا قلبي صفا وردك ... أنت ما بين النقا والبان
للصفي الحلي:
فأنت يا قبلة الكرام ... زينة المال والبنين
الله يعطيك فوق ذا المقام ... ويعيدك على السنين
دور:
أنت شاما بين الأنام ... الله يحرس شمايلك
ويزيدك بالدوام كي ... نعيش في فواضلك
ما ينطوي ذكر الكرام ... لما تنشر فضايلك
ونهنيك لكل عام ... والخلائق تقول آمين
قد بقينا بك في أمان ... الله يحييك طول السنين
دور:
ما رأينا تحت ذا الفلك ... من ندى كفك أعم
كل من جاء ليسألك ... ليس تقول له سوى نعم
أملك أنت أو ملك ... ضاعف الله لك النعم
أنت في الجود كالغمام ... وسماك فوق ماردين
در غيثك في انسجام ... عم كل السائلين
دور:
لا عد مناكل صوم ذا ... السحور فيك والهنا
كل ليلة وكل يوم ... ينشر الذكر والثنا
الله يحييك من خير قوم ... بالغ يقصد والمنى
دور:
حتى تقضي ذا الصيام ويليه باقي السنين ... وتعيش يا ذا الهمام بين ولدان وعين
غيره:
خال عبد الرحيم حبر من غير قاف ولام، ... واسم ثغر معشوقي الفتان نون وعين وميم
شال السعد فوق راسو عين ولام وميم ... داللي قد هواه قلبي صاد وبا ويا
مليح ما رأيت مثله ظا وبا ويا ... ما أحلاه عند ما يلبس قاف وبا ويا
ذقت من صدود حبي غين وصاد وصاد ... لما رأيت صبري نون وقاف وصاد
النوم من جفون عيني خا ولام وصاد ... وأصبحت وجود فكري عين ودال وميم
قلت يوم لمن كان لي سين ونون ودال ... اعدل في الذي صبرو نون وفا ودال
ولا تهجر العشاق با وعين ودال ... ما أفلح قط يا ناس من ظا ولام وميم
جمل في الالغاز
المطلع في العين
وما طير أكلو الحجر يا كرام ... وجوهر حبابه يفسد أهل الصلاح
ولمس الحرير يؤذيه وريش النعام ... يصول بين جناحين سود كبيض الصفاح
دور في السراج:
وما بجر ما هو ما وفي الليل يزيد ... وينقص ولا هو خوض ولا هو غريق
وفيه شيء صفات حيه بلا وكر استفيد ... لها جوهره في فمها يا رفيق
بلا شك ينظره القريب والبعيد ... ويخفي ويظهر كل يوم عن حقيق
يغيب في النهار لكن إذا جا الظلام ... تشوفو يضيء بين الوجوه الصباح
ويسهر بحال عاشق حليف الغرام ... قتيل الهوى بين الربا والبطاح
دور في جوزة الكنافة:
وما هي التي تركب على ستين ألف ... وما مثل ذاك فسر لنا يا خبير
مليحه وقصيفه وتلبس ترف ... وتحمل وتوضع كل يوم في السعير
لها عشرة أعوان حالهم مختلف ... يشيلو أودها الكبير والصغير
لها فحل يخدمها ﵇ ... يحادي سراها في المجي والرواح
وأكثر تعبها في ليالي الصيام ... وذا اللغز قلته ومن غير مزاح
دور في الغربال:
وما هو الذي يا سعد كله عيون ... ولا يتعلم ضوء الظلام والضيا
وهو بين خشب مصلوب لتلك الفتون ... وميت وهو يحيي أصول الحيا
стр. 448
إذا غاب عن أهله فرد يوم ما يهون ... ولا حد يعوض موضعه لو عيا
وكم من رقيص في صنعته باهتمام ... مكابد عجاجه في المسا والصباح
ويحتاج له الناس كل يوم في الدوام ... على شان فنونه دول فنون ملاح
الفن الخامس في المواليا
وله وزن واحد وأربع قوافي فمن تلك الأربعة واحدة لصفي الدين الحلي:
يا طاعن الخيل والأبطال قد غارت ... والمخصب الربع والأمواه قد غارت
هواطل السحب من كفيك قد غارت ... والشهب مذ شاهدت أضواك قد غارت
وقال أيضا:
سل مقلتيك الكحال عمن سلا سلها ... ومرشفيك من رشف منها سلاسلها
وعارضيك التي مدت سلاسلها ... كم من أسود ضواري في سلاسلها
وقال آخر:
قد أوعدونا الغضابا أننا نخلو ... في ظل بستان حافف بالتمر نخلو
والطل من فوقنا قد بلنا نخلو ... ومن كلام الأعادي قط ما نخلو
وقال آخر:
قسما وبالله مفرقها وجامعها ... ومن أمرنا بمسجدها وجامعها
لو حل مع بغيتي عايد وجامعها ... كان أفتتن في محاسنها وجامعها
ومن اثنين واثنين قال آخر:
قوم اسقني ما تبقى في أباريقو ... أما ترى الصبح قد لاحت أباريقو
مع شادن كلما دارت أباريقه ... سقى المداما وإن عزت سقى ريقو
وقال:
البارحة رأيت بعيني في الدجاجيين ... اثنين مثل البدوره في الدجى جيين
ناديتهم فين كنتم يا خفا جيين ... قالوا لمن قد وعدنا في الخفا جيين
وقال:
قد زدت هجرك فجد بالعفو عن صبك ... ارحم خضوعي وخف في قتلتي ربك
يكفيك بهجر تكدر قلب من حبك ... ما ظن في الناس أقسى قلب من قلبك
غيره خمري عاطل:
كاس الطلا لطلاها طال لما سر ... وصار لما حوى حمرا مكلل در
مدام لو طعم كله حلو ما هو مر ... ما حل مملوك إلا صار مالك حر
غيره حربي:
لك يا إمام الوغا في كل موقع حرب ... سماع يطرب له السامع وينفي الكرب
هذا ولك كلما دارت رحاة الحرب ... سيوف تفني وكفك لا يمل الضرب
الصفي الحلي في المدح:
أغنت وأقنت كفوفك في الندى والحرب ... في القرب والبعد من شرقها والغرب
وفيض جودك وسيقك بالعطا والضرب ... ذا الكرب فرج وهذا قد رمى في الكرب
وقال أيضا:
من قال جودة كفوفك والحيا مثلين ... أخطا القياس وفي قوله جمع ضدين
ما جدت إلا وثغرك مبتسم يا زين ... وذاك ما جاد إلا وهو باكي العين
وقال في التهنئة:
رأيت ذا العيد أول يوم في عصرك ... رأيت ذا اليوم مع ذا الشهر في نصرك
وديت ذا الشهر مع ذا العام طوع أمرك ... والكل بالكل أول مبتدا عمرك
وفي المعاتبة:
عنّا تسليت واسياف الجفا سليت ... ومذ توليت عن طرق الوفا وليت
لما تمليت بالأعمال لي مليت ... إذا تخليت تعرف قدر من خليت
وقال أيضا:
стр. 449
يا قلب إن غدروا فاغدر وإن خانوا ... فخن وإن هم قسوا فاقسا وإن لانو
فلن وإن قربوا فاقرب وإن بانوا ... فبن وكن لي معاهم كيفما كانوا
وقال آخر:
حلف عليا جكاره أن يقاطعني ... وصد عني وأقسم ما يطاوعني
كم ذا يصدوكم يرجع يصدعني ... إن كنت أنا هو المطلق لا يراجعني
وقال آخر هجوا:
قطع قفا ابن أخت خالك وابن أخو عمك ... والحق يصفع أبو بنتك أو ابن أمك
وإن تكلمت تصفع بل يسيل دمك ... وإن كنت تسكت يبول الكلب في فمك
وقال آخر:
إن ردت تسلم بطول الدهر ما تبرح ... لا تيأسن ولا تقنط ولا تمرح
واستعمل الصبر لا تحزن ولا تفرح ... وإن ضاق صدرك ففكر في ألم نشرح
وقال آخر:
إن كنت عاقل وربك بالتقى برك ... إدفع أذاك وهات خيرك ودع شرك
وإن تعدى حسودك والحسد ضرك ... ناديه يا أيها الإنسان ما غرك
وقال آخر:
يا قلب إن خانك المحبوب لا تدبر ... عنو وعن قصة السلوان لا تخبر
واستعمل الصبر دائم للعدا تقهر ... فإن والله ما خاب الذي يصبر
الفن السادس كان وكان
وله وزن واحد وقافية واحدة ولكن الشطر الأول من البيت أطول من الثاني فمنه هذه الوعظيات:
يا قاسي القلب مالك تستمع وما عندك خبر ... ومن حرارة وعظي قد لانت الأحجار
أفنيت مالك وحالك في كل ما لا ينفعك ... ليتك على ذي الحاله تقلع عن الأصرار
تحضر ولكن قلبك غايب وذهنك مشتغل ... فكيف يا متخلف تحسب من الحضار
ويحك تنبه يا فتى وافهم مقالي واستمع ... ففي المجالس محاسن تحجب عن الأبصار
يحصي دقائق فعلك وغمز لحظك يعلمه ... وكيف تعزب عنه غوامض الأسرار
تلوت قولي ونصحي لمن تدبر واستمع ... ما في النصيحة فضيحة كلا ولا إنكار
وقال أيضا:
صرح بذكر المحبة ما في المعمى فائده ... وقل نعم أنا عاشق صادق بلا تمويه
ودع حديث العواذل ليس الخبر مثل النظر ... أنا عاشق لحبيب كل المعاني فيه
من أين للبدر حسن يحكيه أو شمس الضحى ... حاشا لذاك المحيا من مشيه يحكيه
إن غبت فهو أنيسي وإن حضرت نديمي ... وإن شربت مدامي فالكأس هو ساقيه
فمنه روحي وراحي إذا سكرت وراحتي ... وفيه عزي وذلي بمهجتي أفديه
قولوا لمن يلحاني في الحب قصر واعتبر ... هذا الذي قد عشقته قد حار وصفي فيه
الصفي الحلي:
شاهدت في الليل طيري وقمت حتى أنصب شرك ... ما كل صيد يحصل يفرح الصياد
طيري الذي كان إلفي لو ردت مثله ما حصل ... وهو عليّ معود وأنا عليه معتاد
قد كان شرطي وخلقي لبرج غيري ما عرف ... كأننا في الصحبة جينا على ميعاد
من قبل ما أبصبص له يجي ويدخل قصوري ... أنا أرصده في مطاره خائف عليه ينصاد
وقال آخر:
ما ذقت عمري جرعة أمر من طعم الهوى ... الله يصبر قلبي على الذي يهواه
الناس تعلم مني حال الجلادة والقوى ... وما أطيق التجلد على أليم جفاه
لي حب مثل الخوخة لو لون وطعم وريحة ... ما أكثر مغابن حبيبي وما أقل وفاه
أنا عرفتو حظي وكل ما أحسن لو يسي ... لو كنت أعشق ظلي ما كنت قط أراه
стр. 450
وله في الفراقيات:
يا سادة هجروني وهم نزول بخاطري ... لا أوحش الله منكم في سائر الأوقات
أوحشتم العين مني وأنسكم في خاطري ... والقلب في النور منكم والعين في ظلمات
قد انتهى الصبر مني وما بقي فيا رمق ... هيهات إني أحيا من بعدكم هيهات
لم يبق غير خيالي يلوح كالشبح الخفي ... أعد بين الأحياء وأنا مع الأموات
ودعتموني وسرتم والقلب يتبع ركبكم ... إيش ضر لو كان جسمي من جملة التبعات
ما مر ما ريت ضدي يقول لي من فرحته ... هنا تشق المراير وتكسب العبرات
لو لم أسلي روحي وارض نفسي بالمنى ... لكان قلبي تقطع من بعدكم حسرات
وقفت لما رحلتم حيران بين أظعانكم ... أخفض جناح المذلة وارفع الأصوات
طول الليل أساهر كني أريد الكيميا ... أقطر الدموع مني وأصد الزفرات
ما أطول ليالي جفاكم ساعتها مثل السنة ... وما أقصر أيام وصلي كأنها ساعات
مالي أرى حسناتي بالسيئات تبدلت ... وسيئات الأعادي اتبدلت حسنات
خالفتموني وعمري ما زلت أتبع أمركم ... كذا العبيد تتابع أوامر السادات
أسكت وأصبر عنكمو ويفعل الله ما يشا ... والدهر من عاداته يقلب الحالات
الفن السابع في فن القوما
قيل أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر والصحيح أنه مخترع من قبله. وكان الناصر يطرب له، وكان لابن نقطة ولد صغير ماهر في نظم القوما، فلما مات أبوه أراد أن يعرف الخليفة بموت أبيه ليجريه على مفروضه. فتعذر عليه ذلك، فصبر إلى دخول شهر رمضان ثم أخذ أتباع والده من المسحرين ووقف أول ليلة من الشهر تحت الطيارة وغنى القوما بصوت رقيق، فأصغى الخليفة إليه وطرب له، فكان أول ما قاله قوله:
يا سيد السادات ... لك بالكرم عادات
وأنا بني ابن نقطة ... تعيش أبويا مات
فأعجب الخليفة منه هذا الإختصار، فاستحضره وخلع عليه وفرض له ضعفي ما كان لأبيه.
ومنها للصفي الحلي:
من كان يهوى البدور ... ووصل بيض الخدور
بالبيض والصفر يسخو ... وقد جلس في الصدور
من حب بيض الخدور ... ورام لزوم الصدور
يسمح وإلا فيبقى ... من بينهم مهدور
كم بين سجف الخدور ... من عاشق مصدور
يرعى الكواكب تعلو ... يرى جمال البدور
بين الحلل والخدور ... وجوه مثل البدور
أشراقها في المعاجز ... وغربها في الصدور
قد كنت فوق الصدور ... بين الظبا والبدور
فصرت أحسد من أبصر ... خيامهم والخدور
نوائب المقدور ... مثل الكواكب تدور
من بعد طيب الخواطر ... يقضي بضيق الصدور
غيري يلازم الصدور ... أنا عليكم أدور
واصطلي الصد وأنا ... من بينهم مهدور
وقال أيضا:
حال الهوى مخبور ... يريد جلد صبور
يصون سره وإلّا ... يبقى من أهل القبور
من كان هواه مستور ... يحظى برفع الستور
ومن هتك سر حبو ... يمحى من الدستور
أبذل لبيض النحور ... أموال مثل البحور
إن أردت تملك وتظفر ... ولدانهم والحور
قم فابذل المدخور ... وفي العطا لا تجور
تريد هذي المحبه ... قلوب مثل الصخور
كم حول تلك الخدور ... من عاشق مذعور
مثل الدواليب تجري ... دموعها وتدور
من يركب المحذور ... هو في الهوى معذور
يظفر بحبه ويبلغ ... قصده ويوفي النذور
كن بالهوى مسرور ... ولا تبيت مغرور
واجعل تراب اعتابهم ... لا جفان عينك درور
طرق المحبة وعور ... كم بينها معذور
من فتك بيض السوالف ... على سواد الشعور
كم عاشق مذعور ... في حب بيض الثغور
يغار قلبه ولكن ... مدامعه ما تغور
كم بينهم يعفور ... كالظبي أنس نفور
من أهل بدر فديته ... إيش ما عمل مغفور
ومن ذلك ما نظمه بعضهم ليسحر بعض الخلفاء في رمضان:
стр. 451
لا زال سعدك جديد ... دائم وجدك سعيد
ولا برحت مهنى ... بكل صوم وعيد
في الدهر أنت الفريد ... وفي صفاتك وحيد
والخلق شعر منقح ... وأنت بيت القصيد
يا من جنابه شديد ... ولطف رأيه سديد
ومن يلاقي الشدائد ... بقلب مثل الحديد
لا زلت في تأييد ... في الصوم والتعييد
ولا برحت مهنى ... بكل عام جديد
نحن لذكرك نشيد ... بقولنا والنشيد
ونبعث أوصاف مدحك ... على خيول البريد
ظلك علينا مديد ... ما فوق جودك مزيد
وكم غمرت بفضلك ... قريبنا والبعيد
لا زلت في كل عيد ... تحظى بجد سعيد
عمرك طويل وقدرك ... وافر وظلك مديد
لا زال قدرك مجيد ... وظل جودك مديد
ولا برحت موقى ... كما يوقى الوليد
ما زال برك يزيد ... على أقل العبيد
وما برح جود كفك ... منا كحبل الوريد
لا زال برك مزيد ... دائم وبأسك شديد
ولا عدمنا نوالك ... في صوم فطر وعيد
ومما قيل في فن الحماق:
أنا ما عبوري الحمام ... لجسمي لكي ينظف
إلا لدمع جاري ... على الما ولا يوقف
وديك المجاري تجري ... ودمعي يسابقها
تقول الأنام في الحمام ... له أحباب فارقها
وقال آخر:
ترى كل من نعشقو ... علينا يقيم أنفه
فاسلاه واترك هواه ... وسد الطريق خلفه
وإن زاد على عشقوا ... وزاد بي الهوى والذل
تركتو ولو كان يحيي ... لأهل القبور الكل
وقد انتهى الكلام فيما أشرت إليه من الفنون السبعة وذكرت منها ما تبتهج به النفوس وتقرّ به العيون، واختصرت ذلك إلى الغاية، فجاء بتوفيق الله في الحسن نهاية، وأسأل الله التوفيق بمنه وكرمه والمزيد من بره ونعمه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثالث والسبعون في ذكر النساء وصفاتهن ونكاحهن وطلاقهن وما يحمد ويذم من عشرتهن
وفيه فصول
الفصل الأول في النكاح وفضله والترغيب فيه
قال الله تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
«١» الآية. وقال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
«٢» . وقال تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ
«٣» الآية.
وقال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» «٤» .
وقال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوار عندكم» ، وقال رسول الله ﷺ : «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» . وقال ﷺ :
«سوداء ولود خير من حسناء عقيم» .
وقال رسول الله ﷺ : «أحسن النساء بركة أحسنهن وجها وأرخصهن مهرا فينبغي للرجل إذا أراد أن يتزوج أن يرغب في ذات الدين وأن يختار الشرف والحسب» .
كما حكي أن نوح بن مريم قاضي مرو أراد أن يزوج ابنته، فاستشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله يستفتونك وأنت تستفتيني! قال: لا بد أن تشير عليّ.
قال: إن رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الحسب والنسب، ورئيسكم محمد كان
стр. 452
يختار الدين، فانظر أنت بأيهم تقدي.
وقال رجل للحسن: إن لي ابنة فمن ترى أن أزوجها له؟
قال: زوجها ممن يتقي الله ، فطن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وقيل لرجل من الحكماء: فلان يخطب فلانة، فقال:
أموسر من عقل ودين؟ فقالوا: نعم. قال: فزوجوه إياها.
ويستحب أن يختار البكر لقوله ﷺ : «عليكم بالأبكار فإنهن أطيب أفواها وأنتق أرحاما» . وقالوا: أشهى المطي ما لم يركب وأحب اللآلىء ما لم يثقب.
وأنشد بعضهم:
قالوا نكحت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فأجابته إمرأة:
إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبها ... حتى تذلّل بالزّمام وتركبا
والدرّ ليس بنافع أربابه ... حتى يؤلّف بالنظام ويثقبا
قال خالد بن صفوان:
عليك إذا ما كنت في الناس ناكحا ... بذات الثنايا الغرّ والأعين النجل
وقيل: استشار رجل داود ﵇ في التزويج، فقال له: سل سليمان وأخبرني بجوابه، فصادفه ابن سبع سنين وهو يلعب مع الصبيان راكبا قصبة فسأله: فقال:
عليك بالذهب الأحمر أو الفضة البيضاء، واحذر الفرس لا يضربك. فلم يفهم الرجل ذلك، فقال له داود ﵊: الذهب الأحمر البكر. والفضة البيضاء الثيب الشابة، ومن وراءهما كالفرس الجموح.
وقال رسول الله ﷺ : «تخيروا لنطفكم» ، وقال ﷺ :
«انظر في أي شيء تضع ولدك، فطن العرق دساس» . وقال ﵊: «إياكم إياكم وخضراء الدمن «١» .
قالوا: وما خضراء الدمن يا رسول الله ﷺ ؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء.
وأنشدوا فيه:
إذا تزوّجت فكن حاذقا ... واسأل عن الغصن وعن منبته
وقال بعضهم:
وأوّل خبث الماء خبث ترابه ... وأول خبث القوم خبث المناكح
وعن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال:
«لا تسترضعوا الحمقاء ولا العمشاء فإن اللبن يعدي» .
وقيل: إن جعفر بن سليمان بن علي عاب يوما على أولاده، وأنهم ليسوا كما يحب، فقال له ولده أحمد بن جعفر: إنك عمدت إلى فاسقات مكة والمدينة وإماء الحجاز فأوعيت فيهن نطفك ثم تريد أن ينجبن وإنما نحن كصاحبات الحجاز، هلا فعلت في ولدك ما فعل أبوك فيك حين اختار لك عقيلة قومها، فزوجها منك.
وأنشدوا:
صفات من يستحب الشرع خطبتها ... جلوتها لأولي الألباب مختصرا
صبية ذات دين زانه أدب ... بكر ولود حكت في نفسها القمرا
غريبة لم تكن من أهل خاطبها ... تلك الصفات التي أجلو لمن نظرا
فيها أحاديث جاءت وهي ثابتة ... أحاط علما بها من في العلوم قرا
وقال آخر:
مطيّات السرور فويق عشر ... إلى العشرين ثم قف المطايا
فإن جزت المسير فسر قليلا ... وبنت الأربعين من الرزايا
وقال آخر:
فإيّاك إيّاك العجوز ووطأها ... فما هو إلّا مثل سمّ الأراقم «٢»
واعلم أن العيش كله مقصور على الحليلة الصالحة، والبلاء كله موكل بالقرينة السوء التي لا تسكن النفس إلى عشرتها ولا تقر العيون برؤيتها. وفي حكمة سليمان بن داود ﵉: المرأة العاقلة تعمر بيت زوجها، والمرأة السفيهة تهدمه.
وروي أنه لما حضر أبو طالب نكاح رسول الله ﷺ على خديجة بنت خويلد ﵂، ومعه بنو هاشم
стр. 453
ورؤساء مضر، خطب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوزن به رجل من قريش إلا رجح به برا وفضلا وكرما ومجدا ونبلا، فإن كان في المال قلّ، فالمال ظل زائل ورزق حائل، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا وكذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل.
ولما خطب عمرو بن حجر الكندي إلى عوف بن محلم الشيباني ابنته أم إياس وأجابه إلى ذلك، أقبلت عليها أمها ليلة دخوله بها توصيها، فكان مما أوصتها به أن قالت: أي بنية إنك مفارقة بيتك الذي منه خرجت وعشّك الذي منه درجت إلى رجل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة ليكون لك عبدا، واحفظي له خصالا عشرا يكن لك ذخرا، فأما الأولى والثانية، فالرضا بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم أنفه منك إلا أطيب الريح، وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه ومنامه، فإن شدة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله والإرعاء على حشمه وعياله، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمرا، ولا تفشي له سرا، فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما، والكآبة لديه إذا كان فرحا. فقبلت وصية أمها، فأنجبت وولدت له الحارث بن عمرو جد أمرىء القيس الملك الشاعر.
وعن الهيثم بن عدي الطائي عن الشعبي قال: لقيني شريح، فقال لي: يا شعبي عليك بنساء بني تميم، فإني رأيت لهن عقولا، فقلت وما رأيت من عقولهن؟
قال: أقبلت من جنازة ظهرا، فمررت بدورهن وإذا أنا بعجوز على باب دار وإلى جانبها جارية كأحسن ما رأيت من الجواري، فعدلت إليها، واستسقيت وما بي عطش.
فقالت لي: أي الشراب أحب إليك؟
قلت: ما تيسر.
قالت: ويحك يا جارية ائتيه بلبن، فإني أظن الرجل غريبا.
فقلت للعجوز: ومن تكون هذه الجارية منك؟
قالت: هي زينب بنت جرير إحدى نساء بني حنظلة. قلت: هي فارغة أم مشغولة؟
قالت: بل فارغة.
قلت: أتزوجينيها؟
قالت: إن كنت كفأ (ولم تقل كفوا) ، وهي لغة بني تميم، فتركتها ومضيت إلى منزلي لأقيل فيه، فامتنعت مني القائلة، فلما صليت الظهر أخذت بيد إخواني من العرب الأشراف علقمة والأسود والمسيب، ومضيت أريد عمها، فاستقبلنا وقال: ما شأنك أبا أمية؟
قلت: زينب ابنة أخيك.
قال: ما بها عنك رغبة. فزوّجنيها، فلما صارت في حبالي ندمت وقلت أي شيء صنعت بنساء بني تميم، وذكرت غلظ قلوبهن. فقلت أطلقها، ثم قلت: لا، ولكن أدخل بها، فإن رأيت ما أحب وإلا كان ذلك. فلو شهدتني يا شعبي وقد أقبلت نساؤها يهدينها حتى أدخلت علي. فقلت: إن من السنّة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين. ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها، فتوضأت. فإذا هي تتوضأ بوضوئي وصليت فإذا هي تصلي بصلاتي، فلما قضيت صلاتي أتتني جواريها فأخذن ثيابي وألبسنني ملحفة قد صبغت بالزعفران فلما خلا البيت دنوت منها، فمددت يدي إلى ناصيتها، فقالت: على رسلك أبا أمية، ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله، وأما بعد، فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأجتنبه. فإنه قد كان لك منكح في قومك ولي في قومي مثل ذلك، ولكن إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، وقد ملكت، فاصنع ما أمرك الله تعالى به، إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولك ولجميع المسلمين.
قال: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة في ذلك الموضع، فقلت: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي على محمد وآله أما بعد، فإنك قلت كلاما إن ثبتّ عليه يكن ذلك حظا لي، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وأكره كذا، وما رأيت من حسنة فابثثيها وما رأيت من سيئة فاستريها.
فقالت: كيف محبتك لزيارة الأهل؟ قلت: ما أحب أن يملّني أصهاري.
قالت: فمن تحب من جيرانك يدخل دارك آذن له، ومن تكرهه أكرهه.
стр. 454
قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء.
قال: فبت معها يا شعبي بأنعم ليلة، ومكثت معي حولا لا أرى منها إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء، وإذا أنا بعجوز في الدار تأمر وتنهى، قلت: من هذه؟ قالوا فلانة أم حليلتك، قلت: مرحبا وأهلا وسهلا، فلما جلست أقبلت العجوز، فقالت:
السلام عليك يا أبا أمية.
فقلت: وعليك السلام ومرحبا بك وأهلا قالت: كيف رأيت زوجتك قلت: خير زوجة وأوفق قرينة لقد أدبت فأحسنت الأدب، وريضت فأحسنت الرياضة، فجزاكي الله خيرا.
فقالت: أبا أمية إن المرأة لا يرى أسوأ حالا منها في حالتين، قلت: وما هما؟ قالت: إذا ولدت غلاما أو حظيت عند زوجها، فإن رابك مريب فعليك بالسوط، فو الله ما حاز الرجال في بيوتهم أشر من الروعاء المدللة، فقلت. والله لقد أدبت، فأحسنت الأدب، وريضت فأحسنت الرياضة.
قالت: كيف تحب أن يزورك أصهارك؟ قلت:
ما شاءوا، فكانت تأتيني في رأس كل حول فتوصيني بتلك الوصية، فمكثت معي يا شعبي عشرين سنة لم أعب عليها شيئا، وكان لي جار من كندة يفزع امرأته ويضربها، فقلت في ذلك:
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلّت يميني يوم تضرب زينب
أأضربها من غير ذنب أتت به ... فما العدل منّي ضرب من ليس يذنب
فزينب شمس والنساء كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وخطب الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن جعفر ابنته أم كلثوم على ألفي ألف في السر وخمسمائة ألف في العلانية، فأجابه إلى ذلك، وحملها إلى العراق، فأقامت عنده ثمانية أشهر، فلما خرج عبد الله بن جعفر إلى عبد الملك بن مروان وافدا نزل بدمشق. فأتاه الوليد بن عبد الملك على بغلة، ومعه الناس، فاستقبله ابن جعفر بالترحيب فقال له الوليد: لكنك أنت لا مرحبا بك ولا أهلا، قال: مهلا يا ابن أخي، فلست أهلا لهذه المقالة منك، قال: بلى والله، وبشر منها، قال: وفيم ذلك؟
قال: لأنك عمدت إلى عقيلة نساء العرب وسيدة نساء بني عبد مناف فعرضتها عبد ثقيف يتفخذها. قال: وفي هذا عتبت عليّ يا ابن أخي؟ قال: نعم، فقال عبد الله: والله ما أحق الناس أن لا يلومني في هذا إلا أنت وأبوك، لأن من كان قبلكم من الولاة كانوا يصلون رحمي ويعرفون حقي، وإنك وأباك منعتماني رفدكما حتى ركبني الدين أما والله لو أن عبدا حبشيا مجدعا أعطاني بها ما أعطاني عبد ثقيف لزوجتها منه إنما فديت بها رقبتي، فما راجعه كلمة حتى عطف عنانه ومضى حتى دخل على عبد الملك، فقال: ما لك يا أبا عباس؟ قال: إنك سلطت عبد ثقيف وملكته حتى تفخذ نساء بني عبد مناف، فأدركت عبد الملك غيرة، فكتب إلى الحجاج يقسم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يطلقها ففعل. قال: ولم يكن يقطع الحجاج عنها رزقا ولا كرامة يجريها عليها حتى خرجت من الدنيا وما زال واصلا لعبد الله بن جعفر حتى مات. وما كان يأتي عليه حول إلا وعنده عير مقبلة من عند الحجاج عليها أموال وكسوة وتحف.
وحكي أن المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة سار إلى دير هند بنت النعمان وهي فيه عمياء مترهبة، فاستأذن عليها، فقالت: من أنت؟ قال: المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت:
ما حاجتك؟ قال: جئت خاطبا. قالت: إنك لم تكن جئتني لجمال ولا مال، ولكنك أردت أن تتشرف في محافل العرب. فتقول: تزوجت بنت النعمان بن المنذر، وإلا فأي خير في اجتماع عمياء وأعور. وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ قد تزوج عاتكة بنت عمرو بن نفيل، وكانت من أجمل نساء قريش، وكان عبد الرحمن من أحسن الناس وجها وأبرّهم بوالديه. فلما دخل بها غلبت على عقله وأحبها حبا شديدا، فثقل ذلك على أبيه، فمر به أبو بكر يوما، وهو في غرفة له، فقال: يا بني إني أرى هذه المرأة قد أذهلت رأيك، وغلبت على عقلك، فطلقها، قال: لست أقدر على ذلك، فقال: أقسمت عليك إلا طلقتها، فلم يقدر على مخالفة أبيه فطلقها، فجزع عليها جزعا شديدا، وامتنع من الطعام والشراب، فقيل لأبي بكر أهلكت عبد الرحمن. فمر به يوما، وعبد الرحمن لا يراه وهو مضطجع في الشمس ويقول هذه الأبيات:
فوالله لا أنساك ما ذرّ شارق ... وما ناح قمريّ الحمام المطوّق «١»
стр. 455
فلم أر مثلي طلّق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء يطلّق
لها خلق عفّ ودين ومحتد ... وخلق سويّ في الحياء ومنطق
فسمعه أبوه فرّق له وقال له: راجعها يا بني، فراجعها، وأقامت عنده حتى قتل عنها يوم الطائف مع رسول الله ﷺ أصابه سهم فقتله. فجزعت عليه جزعا شديدا، وقالت ترثيه:
فآليت لا تنفكّ نفسي حزينة ... عليك ولا ينفكّ جلدي أغبرا
فتى طول عمري ما أرى مثله فتى ... أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى القرن حتى يترك الرمح أحمرا «١»
ثم تزوجها بعده عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، ودعا الناس إلى وليمته، فأتوه، فلما فرغ من الطعام، وخرج الناس قال له علي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام عاتكة حتى أهنيها، وأدعو لها بالبركة، فذكر عمر ذلك لعاتكة، فقالت: إن أبا الحسن فيه مزاح، فائذن له يا أمير المؤمنين، فأذن له، فرفع جانب الخدر، فنظر إليها فإذا ما بدا من جسدها مضمخ بالخلوق، فقال لها يا عاتكة:
ألست القائلة:
فآليت لا تنفك نفسي حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
وقيل: إن عمر لما قتل عنها جزعت عليه جزعا شديدا، وتزوجت بعده الزبير بن العوام، وكان رجلا غيورا، وكانت تخرج إلى المسجد كعادتها مع أزواجها، فشق ذلك عليه، وكان يكره أن ينهاها عن الخروج إلى الصلاة لحديث رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» فعرض لها ليلة في ظهر المسجد وهي لا تعرفه، فضرب بيده عجيزتها ثم انصرف، فقعدت بعد ذلك عن الخروج إلى المسجد، وكان يقول لها: ألا تخرجين يا عاتكة؟ فتقول: كنا نخرج إذ الناس ناس وما بهم من باس، وأما الآن فلا. ثم قتل عنها الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع وهو نائم، ثم تزوجها بعده محمد بن أبي بكر، فقتل عنها بمصر.
فقالت: لا أتزوج بعده أبدا إني لأحسبني أني لو تزوجت جميع أهل الأرض لقتلوا عن آخرهم.
وحكي عن الحارث بن عوف بن أبي حارثة أنه قال لخارجة بن سنان: أترى أخطب إلى أحد فيردني، قال:
نعم. قال: ومن هو؟ قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي. قال: اركب بنا إليه، فركبنا إليه حتى أتينا أوس بن حارثة في بلاده، فوجدناه في فناء منزله، فلما رأى الحارث بن عوف قال: مرحبا بك يا حارث. ثم قال:
ما جاء بك؟ قال: جئت خاطبا. قال: لست هناك.
فانصرف ولم يكلمه، فدخل أوس على امرأته مغضبا، فقالت له: من الرجل الذي سلم عليك، فلم تطل معه الوقوف ولم تكلمه؟ فقال: ذلك سيد العرب الحارث بن عوف، فقالت: فما لك لا تستنزله؟ قال: إنه استهجنني.
قالت: وكيف؟ قال: لأنه جاءني خاطبا، قالت: ألست تزعم أنه سيد العرب. قال: نعم. قالت: إذا لم تزوج سيد العرب في زمانه، فمن تزوج؟ قال: قد كان ذلك. قالت:
فتدارك ما كان منك، قال: فبماذا؟ قالت: بأن تلحقه فترده. قال: وكيف، وقد فرط مني إليه ما فرط. قالت:
تقول له إنك لقيتني وأنا مغضب لأمر، فلك المعذرة فيما فرط مني، فارجع ولك عندي كل ما طلبت، قال: فركب في أثرهما. قال خارجة بن سنان: فو الله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته، فقلت للحارث وهو ما يكلمني هذا أوس في أثرنا، فقال: ما أصنع به، فلما رآنا لا نقف قال:
يا حارث أربع عليّ. فوقفنا له. وكلمه بذلك الكلام.
فرجع مسرورا. قال خارجة بن سنان: فبلغني أن أوسا لما دخل منزله قال لزوجته: ادعي لي فلانة، أكبر بناته. فأتته.
فقال لها: أي بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب جاءني خاطبا. وقد أردت أن أزوجك منه، فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأن في خلقي رداءة وفي لساني حدة، ولست بابنة عمه، فيراعي رحمي ولا هو بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره، فيطلقني. فيكون عليّ بذلك مسبة، قال لها: قومي بارك الله فيك، ثم دعا ابنته الأخرى، فقال لها مثل قوله لأختها، فأجابته بمثل جوابها، فقال لها:
قومي بارك الله فيك، ثم دعا بالثالثة، وكانت أصغرهن سنا، فقال لها مثل ما قال لأختيها، فقالت له: أنت وذاك، فقال لها: إني عرضت ذلك على أختيك، فأبتاه، ولم يذكر لها مقالتهما. فقالت: والله إني الجميلة وجها الرفيعة خلقا الحسنة رأيا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه، فقال لها: بارك الله فيك. ثم خرج إليه، فقال: زوجتك يا حارث بابنتّي هئيسة، قال: قد قبلت نكاحها، وأمر أمها
стр. 456
أن تهيئها له، وتصلح شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إياه، ثم بعثها إليه، فلما دخلت عليه لبث هنيهة ثم خرج إليّ، فقلت له: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، قلت له: وكيف ذلك؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت:
مه أعند أبي وأخوتي هذا، والله لا يكون. ثم أمر بالرحلة فارتحلنا بها معا وسرنا ما شاء الله. قال لي: تقدم، فتقدمت، فعدل عن الطريق، فما لبث أن لحقني، فقلت:
أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، قلت ولم؟ قال: قالت تفعل بي كما يفعل بالأمة السبية الأخيذة لا والله حتى تنحر الجزر والغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل مثلك لمثلي، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا، فقال: صدقت. قال:
أرجو الله أن تكون المرأة النجيبة، فوردنا إلى بلادنا، فأحضر الإبل والغنم ونحر وأولم ثم دخل عليها وخرج إليّ، فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله. قلت:
ولم ذاك؟ قال: دخلت عليها أريدها، فقلت لها: أحضرت من المال ما تريدين. قالت: والله لقد ذكرت من الشرف بما ليس فيك، قلت: ولم ذاك؟ قالت: أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا، وكان ذلك في أيام حرب قيس وذبيان. قلت: فماذا تقولين؟ قالت: أخرج إلى القوم، فأصلح بينهم، ثم راجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد، فقلت: والله إني لأرى عقلا ورأيا سديدا، قال:
فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم، فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا القتلى ثم تؤخذ الدية، فحملنا عنهما الديات فكانت ثلاثة الآف بعير، فانصرفنا بأجمل ذكر، ثم دخل عليها، فقالت له: أما الآن، فنعم، فأقامت عنده في ألذ عيش وأطيبه، وولدت له بنين وبنات وكان من أمرهما ما كان، والله أعلم بالصواب.
وحكى الفضل أبو محمد الطيبي قال: حدثنا بعض أصحابنا أن رجلا من بني سعد مرت به جارية لأمية بن خالد بن عبد الله بن أسد ذات ظرف وجمال، وكان شجاعا فارسا، فلما رآها قال: طوبى لمن كان له امرأة مثلك، ثم أتبعها رسولا يسألها ألها زوج ويذكره لها وكان جميلا، فقالت للرسول: وما حرفته، فأبلغه الرسول ذلك، فقال: ارجع إليها وقل لها:
وسائلة ما حرفتي قلت حرفتي ... مقارعة الأبطال في كل شارق «١»
إذا عرضت خيل لخيل رأيتني ... أمام رعيل الخيل أحمي حقائقي
أصبّر نفسي حين لم أر صابرا ... على ألم البيض الرقّاق البوارق «٢»
فلحقها الرسول، فأنشدها ما قال، فقالت له: ارجع إليه وقل له أنت أسد، فاطلب لك لبوة، فلست من نسائك، وأنشدته تقول:
ألا إنما أبغي جوادا بماله ... كريما محيّاه كثير الصدائق
فتى همّه مذ كان خود خريدة ... يعانقها في الليل فوق النمارق «٣»
وحدث يحيى بن عبد العزيز عن محمد بن عبد الحكم عن الإمام الشافعي ﵁ قال: تزوج رجل امرأة جديدة على امرأة قديمة فكانت الجارية الجديدة تمر على بيت القديمة فتقول:
وما يستوي الرجلان رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشلّت
ثم تعود وتقول:
وما يستوي الثوبان ثوب به البلى ... وثوب بأيدي البائعين جديد
فمرت الجارية القديمة على باب الجديدة يوما وقالت:
نقّل فؤادك ما استطعت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
وقال عمرو بن العلاء، وكان أعلم الناس بالنساء:
فإن تسألوني بالنساء فإنّني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهن نصيب
وسئل المغيرة بن شعبة عن صفة النساء فقال: بنات العم أحسن مؤاساة، والغرائب أنجب. وما ضرب رؤوس الأقران مثل ابن السوداء. وقال عبد الملك بن مروان: من أراد أن يتخذ جارية للمتعة، فليتخذها بربرية، ومن أراد أن
стр. 457
يتخذها للولد فليتخذها فارسية، ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية. قال الشاعر:
لا تشتمنّ امرأ ممّن يكون له ... أمّ من الروم أو سوداء عجماء
فإنّما أمهات القوم أوعية ... مستودعات وللأنساب آباء
وقال الأصمعي أتاني رجل من قريش يستشيرني في امرأة يتزوجها، فقلت: يا ابن أخي أقصيرة النسب أم طويلته؟ فلم يفهم عليّ، فقلت: يا ابن أخي: أما القصيرة النسب فالتي إذا ذكرت أباها اكتفت به، والطويلة النسب فهي التي لا تعرف حتى تطيل في نسبها، فإياك أن تقع مع قوم قد أصابوا كثيرا من الدنيا مع دناءة فيهم، فتضيع نسبك فيهم. وخرج رجل من أهل الكوفة في غزاة، فكسب جارية وفرسا وكان مملكا على ابنة عمه، فكتب إليها يعيرها ويقول:
إلا بلّغوا أمّ البنين بأننا ... غنينا وأغنتنا الغطارفة النجد «١»
بعيد مناط المنكبين «٢» إذا جرى ... وبيضاء كالتمثال زيّنها العقد
فهذا لأيام العدو وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجند
فلما ورد عليها كتابه وقرأته قالت يا غلام: هات الدواة، وكتبت جوابه تقول:
ألا فاقرء مني السلام وقل له ... غنينا وأغنتنا الغطارفة المرد «٣»
إذا شئت أغناني غلام مرجّل ... ونازعته في ماء معتصر الورد
وإن شاء منهم ناشىء مدّ كفه ... إلى عكن ملساء أو كفل نهدي «٤»
فما كنتم تقضون حاجة أهلكم ... شهودا فتقضوها على النأي والبعد
فعجّل إلينا بالسّراح «٥» فإنّه ... منانا ولا ندعو لك الله بالرد
فلا قفل الجند الذي أنت فيهم ... وزادك رب الناس بعدا على بعد
فلما ورد عليه كتابها لم يزد على أن ركب الفرس وأردف الجارية خلفه ولحق بابنة عمه، فكان أول شيء بدأها به بعد السلام أن قال لها: بالله عليك هل كنت فاعلة ذلك، فقالت له: الله في قلبي أعظم وأجل وأنت في عيني أذل وأحقر من أن أعصي الله فيك، فكيف ذقت طعم الغيرة، فوهب لها الجارية، وانصرف إلى الغزاة، والله تعالى أعلم بالصواب.
الفصل الثاني في صفات النساء المحمودة
كتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب أن اخطب لعبد الملك بن مروان امرأة جميلة من بعيد، مليحة من قريب، شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، مؤاتية لبعلها. فكتب إليه قد أصبتها لولا عظم ثديها، فكتب إليه لا يكمل حسن المرأة حتى يعظم ثديها، فتدفي الضجيع، وتروي الرضيع.
وقال عبد الملك بن مروان لرجل من غطفان: صف لي أحسن النساء؟ قال: خذها يا أمير المؤمنين ملساء القدمين، ردماء الكعبين، ناعمة الساقين، ضخماء الركبتين، لفاء الفخذين، ضخمة الذراعين. رخصة الكفين، ناهدة الثديين، حمراء الخدين، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين لمياء الشفتين بلجاء الجبين، شماء العرنين، شنباء الثغر، محلولكة الشعر، غيداء العنق، مكسرة البطن. فقال: ويحك وأين توجد هذه؟ قال:
تجدها في خالص العرب وفي خالص الفرس.
وقال حكيم: عليكم بمن تربت في النعيم ثم أصابتها فاقة فأثر فيها الغنى وأدبها الفقر: وقال رجل لخاطب: ابغ لي امرأة لا تؤنس جارا ولا توطن دارا، يعني لا تدخل على الجيران ولا تدخل الجيران عليها، وفي مثل هذه قال الشاعر:
هيفاء فيها إذا استقبلتها صلف ... عيطاء غامضة الكعبين معطار
خود من الخفرات البيض لم يرها ... بساحة الدار لا بعل ولا جار
وقال الأعشى:
لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس إلّا دونها الكلل
وكانت امرأة عمران بن حطان من أجمل الناس وجها،
стр. 458
وكان هو من أقبح الناس وجها، فقال لها يوما: أنا وإياك في الجنة إن شاء الله تعالى، فقالت له: وكيف ذلك؟ فقال:
لأني أعطيت مثلك فشكرت وأعطيت مثلي فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة. وقال بعضهم: رأيت في طريق مكة أعرابية ما رأيت أحسن منها وجها، فقعدت أنظر إليها، وأتعجب من جمالها، فجاء شيخ قصير، فأخذ بردائها وسار بها ومضى فلقيتها مرة أخرى، فقلت لها: من هذا الشيخ؟ قالت: زوجي. قلت: كيف يرضى مثلك بمثله فأنشدت:
أيا عجبا للخود يجري وشاحها ... تزف إلى شيخ بأقبح تمثال
دعاني إليه أنه ذو قرابة ... يعزّ علينا من بني العم والخال
وسمع بعضهم قائلا يقول:
ومن لا يرد مدحي فإن مدائحي ... نوافق عند الأكرمين نوامي «١»
نوافق عند المشتري الحمد بالندى ... نفاق بنات الحارث بن هشام
فقال: يا ابن أخي ما بلغ من نفاق بنات الحارث بن هشام؟ قال: كن من أجمل الناس وجوها وكان أبوهن إذا زوجهن يسوقهن ومهورهن إلى بعولتهن. فقال: يا ابن أخي لو فعل هذا إبليس ببناته لتنافست فيهن الملائكة المقربون.
وقال عبد الملك لابن أبي الرقاع كيف علمك بالنساء؟
قال: أنا والله أعلم الناس بهن، وجعل يقول:
قضاعية الكعبين كندية الحشا ... خزاعية الأطراف طائية الفم
لها حكم لقمان وصورة يوسف ... ومنطق داود وعفة مريم
وقالوا: الوجه الحسن أحمر، وقد تضرب فيه الصفرة مع طول المكث في الكن والتضمخ بالطيب.
وقالوا: أن الوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمّر وإذا فرق يصفر. ومنه قولهم: ديباج الوجه، يريدون تلونه من رقته، قال علي بن زيد في وصفه:
حمرة خلط صفرة في بياض ... مثل ما حاك حائك ديباجا «٢»
وقال علي بن عبد ربه:
بيضاء يحمر خداها إذا خجلت ... كما جرى ذهب في صفحتي ورق «٣»
وقالوا: إن الجارية الحسناء تتلون بتلون الشمس فهي بالضحى بيضاء وبالعشي صفراء فقال ذو الرمة:
بيضاء صفراء قد تنازعها ... لونان من فضّة ومن ذهب
قالوا: ليس المرأة الجميلة التي تأخذ ببصرك جملة على بعد فإذا دنت منك لم تكن كذلك، بل الجميلة التي كلما كررت بصرك فيها زادتك حسنا.
وقالوا: إن أردت أن ينجب ولدك فأغضبها ثم قع عليها قال الشاعر:
ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك النطاق فعاش غير مهبّل
حملت به في ليلة مزورة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
الفصل الثالث في صفة المرأة السوء نعوذ بالله تعالى منها
في حكمة داود ﵇: «أن المرأة السوء مثل شرك الصياد لا ينجو منها إلا من رضي الله تعالى عنه» .
وقيل: المرأة السوء غل يلقيه الله تعالى في عنق من يشاء من عباده.
وقيل لأعرابي كان ذا تجربة للنساء، صف لنا شر النساء فقال: شرهن النحيفة الجسم القليلة اللحم المحياض الممراض المصفرة الميشومة العسرة المبشومة السلطة البطرة النفرة السريعة الوثبة، كأنها لسان حربة تضحك من غير عجب وتبكي من غير سبب وتدعو على زوجها بالحرب، أنف في السماء وإست في الماء، عرقوبها حديد، منتفخة الوريد كلامها وعيد، وصوتها شديد، وتدفن الحسنات وتفشي السيئات، تعين الزمان على بعلها، ولا تعين بعلها على الزمان، ليس في قلبها عليه رأفة ولا عليها منه مخافة، إن دخل خرجت وإن خرج دخلت، وإن ضحك بكت، وإن بكى ضحكت، كثيرة الدعاء، قليلة الإرعاء تأكل لمّا وتوسع ذما، ضيقة الباع،
стр. 459
مهتوكة القناع، صبيها مهزول وبيتها مزبول، إذا حدثت تشير بالأصابع وتبكي في المجامع، بادية من حجابها، نباحة عند بابها، تبكي وهي ظالمة، وتشهد وهي غائبة قد دلّي لسانها بالزور وسال دمعها بالفجور، ابتلاها الله بالويل والثبور وعظائم الأمور. ويقال: إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها فإن علامة ذلك أن تكون عند قربها منه مرتدة الطرف عنه كأنها تنظر إلى إنسان غيره من ورائه، وإن كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه.
قال بعضهم:
لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السوء يلقى معمّر
فيا ليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذّبها فيه نكير ومنكر
وقال زيد بن عمير:
أعاتبها حتى إذا قلت أقلعت «١» ... أبى الله إلا خزيها فتعود «٢»
فإن طمثت قادت وإن طهرت زنت ... فهاتيك تزني دائما وتقود
وقال داود ﵊: المرأة السوء على بعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير، والمرأة الصالحة كالتاج المرصع بالذهب كلما رآها قرت عينه برؤيتها والله أعلم.
الفصل الرابع في مكر النساء وغدرهن وذمهن ومخالفتهن
في حكمة داود ﵊: وجدت في الرجال واحدا في ألف ولم أجد واحدة في جميع النساء.
وقيل: إن عيسى ﵊ لقي إبليس يسوق أربعة أحمرة عليها أحمال فسأله، فقال: أحمل تجارة وأطلب مشترين، فقال: ما أحدها؟ قال: الغرور. قال:
من يشتريه؟ قال: السلاطين. قال: فما الثاني؟ قال:
الحسد. قال: فمن يشتريه؟ قال: العلماء، قال: فما الثالث؟ قال: الخيانة. قال: فمن يشتريه؟ قال: التجار.
قال: فما الرابع؟ قال: الكيد. قال: فمن يشتريه؟ قال:
النساء.
وقال حكيم: النساء شر كلهن وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن.
وقالت الحكماء: لا تثق بامرأة ولا تغتر بمال، وإن كثر.
وقال: النساء حبائل الشيطان.
قال الشاعر:
تمتّع بها ما ساعفتك ولا تكن ... جزوعا إذا بانت فسوف تبين
وخنها وإن كانت تفي لك إنها ... على قدم الأيام سوف تخون
وإن هي أعطتك الليّان فإنها ... لغيرك من طلّابها ستلين
وإن حلفت أن ليس تنقض عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
وإن سكبت يوم الفراق دموعها ... فليس لعمر الله ذاك يقين
وقال ابن بشار:
رأيت مواعيد النساء كأنّها ... سراب لمرتاد المناهل حافل
ومنتظر الموعود منهنّ كالذي ... يؤمل يوما أن تلين الجنادل «٣»
قال بعض الحكماء: لم تنه عن شيء قط إلا فعلته.
وقال الغنوي:
إنّ النساء متى ينهين عن خلق ... فإنّه واقع لا بدّ مفعول
وقال النخعي: من اقتراب الساعة طاعة النساء، ويقال:
من أطاع عرسه فقد أضاع نفسه. وقال علي رضي الله تعالى عنه: إياك ومشاورة النساء، فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن، اكفف أبصارهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأضر من دخول من لا يوثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل.
قال السمعاني:
لا تأمننّ على النساء ولو أخا ... ما في الرجال على النّساء أمين
стр. 460
إنّ الأمين وإن تخفّظ جهده ... لا بدّ أنّ بنظرة سيخون
وقال غيره:
لا تركننّ إلى النّساء ... ولا تثق بعهودهنّ
فرضاؤهن جميعهنّ ... معلّق بفروجهنّ
وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا تطلعوا النساء على حال ولا تأمنوهن على مال ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن وما يردن أوردن المهالك، وأفسدن الممالك ينسين الخير ويحفظن الشر يتهافتن في البهتان ويتمادين في الطغيان.
وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ذل من أسند أمره إلى امرأة. وقيل: إن صيادا أتى أبرويز بسمكة، فأعجبه حسنها وسمتها، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فخطأته سيرين زوجته، فقال لها: ماذا أفعل؟ فقالت له: إذا جاءك فقل له أذكر كانت أم أنثى؟ فإن قال لك ذكر، فاطلب منه الأنثى، وإن قال لك أنثى فاطلب منه الذكر، فلما أتاه سأله، فقال: كانت أنثى، فقال: ائتني بذكرها، فقال عمّر الله الملك كانت بكرا لم تتزوج، فقال زه وأمر له بثمانية آلاف درهم، وقال: اكتبوا في الحكمة: الغدر ومطاوعة النساء يؤديان إلى الغرم الثقيل.
وقال حكيم: اعص النساء وهواك وافعل ما شئت.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم تغريهن على المسألة، قال: أستعيذ بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر.
ومما قيل في الباءة:
ذكر الجماع عند الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه: قال هو نور وجهك ومخ ساقك منه فقلّل أو أكثر.
وقال معاوية رضي الله تعالى عنه: ما رأيت نهما في النساء إلا عرفت ذلك في وجهه.
وكان لرجل امرأة تخاصمه وكلما خاصمته قام إليها فواقعها، فقالت: ويحك كلما تخاصمني تأتيني بشفيع لا أقدر على رده. وأتى رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقال: إن لي امرأة كلما غشيتها تقول قتلتني، فقال: اقتلها بهذه القتلة وعلي إثمها. وقالوا: من قلّ جماعه فهو أصح بدنا وأنقى جلدا وأطول عمرا، ويعتبر ذلك بذكور الحيوان، وذلك أنه ليس في الحيوان أطول أعمارا من البغال، ولا أقصر أعمارا من العصافير، وهي أكثرها سفادا، والله تعالى أعلم بالصواب.
الفصل الخامس في الطلاق وما جاء فيه
عن عبد الرحمن بن محمد بن أخي الأصمعي قال: قال عمي للرشيد في بعض حديثه: يا أمير المؤمنين بلغني إن رجلا من العرب طلق في يوم واحد خمس نسوة، قال:
وكيف ذلك، وإنما لا يجوز للرجل غير أربعة، قال يا أمير المؤمنين: كان متزوجا بأربعة فدخل عليهن يوما، فوجدهن متنازعات وكان شريرا، فقال: إلى متى هذا النزاع؟ ما أظن هذا إلا من قبلك يا فلانة لامرأة منهن اذهبي، فأنت طالق. فقالت له صاحبتها: عجلت عليها بالطلاق، ولو أدبتها بغير ذلك لكان أصلح، فقال لها:
وأنت أيضا طالق، فقالت له الثالثة: قبحك الله، فو الله لقد كانتا إليك محسنتين، فقال لها: وأنت أيضا أيتها المعددة أياديهما طالق، فقالت الرابعة، وكانت هلالية ضاق صدرك إلا أن تؤدب نساءك بالطلاق، فقال لها، وأنت طالق أيضا. فسمعته جارة له، فأشرفت عليه، وقالت له، والله ما شهدت العرب عليك، ولا على قومك بالضعف إلا لما بلوه منكم ووجدوه فيكم، أبيت إلا طلاق نسائك في ساعة واحدة، فقال لها، وأنت أيتها المتكلمة فيما لا يعنيك طالق إن أجازني بعلك، فأجابه زوجها: قد أجزت لك ذلك. فعجب الرشيد من ذلك.
وطلق رجل امرأته، فلما أرادت الارتحال قال لها:
اسمعي وليسمع من حضر، إني والله اعتمدتك برغبة وعاشرتك بمحبة ولم أجد منك زلة ولم يدخلني عنك ملة، ولكن القضاء كان غالبا. فقالت المرأة: جزيت من صاحب ومصحوب خيرا فما استقللت خيرك ولا شكوت ضيرك ولا تمنيت غيرك ولا أجد لك في الرجال شبيها وليس لقضاء الله مدفع ولا من حكمه علينا ممنع.
وقال رجل لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ فقال: يكفيه من ذلك عدد نجوم الجوزاء.
ذكر من طلق امرأته فتبعتها نفسه قال الهيثم بن عدي: كانت تحت ابن الغربان بن الأسود بنت عم له، فطلقها فتبعتها نفسه، فكتب إليها يعرض لها بالرجوع، فكتبت إليه تقول:
следующие страницы →