Полный текст (562 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
"الحج والعمرة واجبان" أما وجوب الحج فلا خلاف فيه، بل هو ركن من أركان الإسلام ومبانيه العظام، ودعائمه الخمس التي بني عليها، قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] بل كونه ركن من أركان الإسلام معلوم بالضرورة من الدين، فمن جحد وجوبه كفر إجماعاً، من اعترف به ولم يحج مع الاستطاعة فعلى خطر عظيم، نسأل الله السلامة والعافية، اختلفوا في تكفير من تركه مع اعترافه بوجوبه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان: "اتفق المسلمون على أن من لم يأتِ بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة التي هي الصلاة والزكاة والصيام والحج فاختلفوا في تكفير تاركها، والقول بكفر من ترك واحدة منها، رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحاب مالك، فتارك أحد هذه الأركان مع قدرته على فعله لا شك أنه على خطر عظيم، فقد بني الإسلام على هذه الأركان، وكل بناء ترك بعض أركانه يوشك أن يتهدم، والقول المرجح عند جمهور العلماء أنه لا يكفر إلا من تكر الصلاة على خلاف بينهم في حكم تاركها أيضاً، وقد نقل اتفاق الصحابة ﵃ على كفر تاركها وإن كان معترفاً بوجوبها، وجاء في الحج من النصوص التي تدل على خطر من تركه فهو على خطر عظيم، جاء فيه نصوص مرفوعة وموقوفة، وإن كان بعضها لا يسلم من مقال، لكن يكفينا أنه ركن من أركان الإسلام، وأن الله قال في أية الوجوب: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران].
стр. 107
جاء في الترمذي من حديث الحارث وهو الأعور عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] يقول الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعلى كل حال في إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف، وهلال بن عبد الله الراوي عنه مجهول، فالحديث ضعيف، في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان))، وروى مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)) فقال رجل: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وهذا سبقت الإشارة إليه في الحديث على الصيام، وتقديمه على الحج أو العكس، وعلى كل حال لا مانع من التذكير بشيء من ذلك.
стр. 108
في المتفق عليه: ((الحج وصوم رمضان)) في صحيح مسلم عن ابن عمر المخرج واحد قال: ((وصيام رمضان والحج)) فقال رجل: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، هذا قد يستشكله بعض الناس، كيف يقول ابن عمر فيما ثبت عنه وصح عنه في الصحيحين وغيرهما بتقديم الحج على الصيام، ثم يرد على من نبهه إلى تقديم الحج على الصيام، قال: لا صيام رمضان والحج، واختلف العلماء في إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل الذي قدم الحج على الصيام مع أن ابن عمر رواه كذلك، يقول النووي في شرح مسلم: الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي ﷺ مرتين، مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضاً على الوجهين في وقتين، لم رد على الرجل قال: لا صيام رمضان والحج ما نسي الرواية الأخرى، لكنه أراد أن يؤدب هذا الرجل الذي رد عليه وهو لا يعرف السبب.
رواه على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج، قال ابن عمر ﵄: لا ترد عليّ ما لا علم لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تحققه، بل هو بتقديم الصوم هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، لكن إذا تدخل الشخص فيما لا يعنيه فلا بد من تأديبه بمثل هذا الأسلوب.
يقول الشراح: يحتمل أيضاً أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، هذا احتمال، احتمال أن يكون إنكاره على الرجل من باب التأديب وألا يتسرع أحد برد ما لا علم له به، ويحتمل أيضاً أن ابن عمر نسي الوجه الأول الذي ذكره سابقاً، تبعاً لاختلاف هاتين الروايتين عن ابن عمر، جاء ترتيب الأركان في كتب أهل العلم على هذين الوجهين، فمنهم من قدم الصوم وهو الأكثر، ومنهم من قدم الحج كالبخاري قدم الحج على الصيام، وغيره قدموا الصيام على الحج، ولكل وجه، جاء من النصوص التشديد في ترك الحج ما جاء، فلذا قدم الحج على الصوم، وأكثر الرواة على تقديم الصيام على الحج، ولذا اعتمده جمهور أهل العلم ممن صنف في الحديث والفقه.
стр. 109
وأما العمرة فاختار المؤلف وجوبها وهو المذهب عند الحنابلة وفاقاً للجديد من قول الشافعي، يقول الإمام البخاري في صحيحه: "باب: وجوب العمرة وفضلها" وقال ابن عمر -تابع كلام البخاري-: وقال ابن عمر رضي لله عنهما: ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة، وقال ابن عباس ﵄: إنها لقرينتها في كتاب الله : ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] يقول ابن حجر في فتح الباري: جزم المصنف بوجوب العمرة وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع وهو قول الحنفية، ابن حجر يقول: هو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد، هذا الكلام فيه نظر؛ لأن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أحد الأئمة المجتهدين، بل هو من كبار الفقهاء، من نظر في صحيحه في تراجمه وفي دقة نظره، ودقة استنباطه، وقارن بين أقواله وبين أقوال أهل العلم وجده من نمط الشافعي وأحمد ومالك وسفيان وإسحاق وغيرهم، فليس بمقلد -رحمه الله تعالى-.
فالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لا يتابع أحداً، وصحيحه وما تضمنه من اختيارات يدور فيها مع النص، يخالف فيها الأئمة أو بعضهم دليل على ذلك.
وسبق في الفتح الجزء الأول هذا الكلام في الجزء الثالث الكلام السابق وهذا في الثالث صفحة (٥٩٧) سبق في الجزء الأول صفحة (٢٤٣) من الفتح زلة من الحافظ حيث قال: إن جميع ما يورده البخاري من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل الفن كأبي عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم هذا مقبول لا بأس به؛ لأن اللغة إنما تكون بالتلقي لا بالاستنباط.
стр. 110
يقول: وأما المباحث الفقيه فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد، وهذا الذي في الكلام وهو أن الإمام البخاري مجتهد، لا يقلد أحد لا الشافعي ولا أحمد ولا أبا عبيد، وأعظم من ذلك قوله: وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسسي وابن كلاب ونحوهم، هذه زلة وهفوة من الحافظ ﵀، البخاري مجتهد في الأحكام كما تقدم، كما أنه على معتقد أهل السنة والجماعة كما يظهر ذلك جلياً لمن قرأ الصحيح في مسائل الإيمان والتوحيد وغيرها، من أراد أن يعرف الفرق بين مذهب الإمام البخاري وبين ابن كلاب والكرابيسي وغيرهما فليقرأ في درء تعارض العقل والنقل في الجزء الأول صفحة (٢٧٠) إلى (٧٦) يعرف الفرق بين الإمام البخاري وبين هؤلاء.
طالب:. . . . . . . . .
إذا عرفنا هذا فمن أدلة الوجوب يعني وجوب العمرة قوله ﵊ في حديث عائشة ﵂ لما سئل ﵊ على النساء جهاد؟ قال: ((نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)) وهو حديث صحيح، مخرج في المسند بسند صحيح، وأصله في الصحيح، في البخاري، أصله في البخاري، وفي المسند وسنن أبي داود والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي: أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الشافعي: لا أعلم في إيجاب العمرة أجود منه، ((حج عن أبيك واعتمر)).
стр. 111
استدل ابن عباس ﵄ بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] كما سبق في كلام الإمام البخاري تعليقاً، وهو موصول في الأم للإمام الشافعي، أما قوله: ((حج عن أبيك واعتمر)) في حديث أبي رزين هذا لا يمكن الجواب عنه إذا أمكن الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] لأن الأمر بالإتمام لا يعني الأمر بالابتداء، حديث جابر المرفوع المخرج عند ابن عدي والبيهقي: ((الحج والعمرة فريضتان)) يستدل به من يقول بوجوب العمرة لكنه حديث ضعيف، يقول ابن عدي: هو غير محفوظ، وله طرق، لكن لا ينجبر بعضها ببعض لشدة ضعفها، استدل من يقول بعدم الوجوب الحنفية والمالكية بما أخرجه الترمذي عن جابر أن النبي ﷺ سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: ((لا وأن تعتمروا هو أفضل)) لكن في إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وقد عنعنه الترمذي -رحمه الله تعالى- في بعض النسخ صححه، قال المنذري: في تصحيحه نظر، وقال والبيهقي: رفعه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، ولذا ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، وعلى كل حال تصحيح الترمذي -رحمه الله تعالى- لا يعتد به جمهور العلماء؛ لأنه متساهل في التصحيح، نعم هو يصحح بالمجموع مجموع الطرق والشواهد التي يذكرها بقوله: وفي الباب، لكن إذا لم يوجد للخبر شاهد وصححه الإمام الترمذي، وفيه الضعف الظاهر دل ذلك عل أنه متساهل كما هنا، ولذا قال الذهبي وغيره: جمهور العلماء لا يتعدون بتصحيح الترمذي؛ لأنه متساهل، منهم من يعتد بتصحيح الترمذي، وهم جمع من أهل العلم، بل بالغ الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- فزعم أن تصحيح الترمذي معتبر، وتصحيحه توثيق لرجاله، على هذا يكون الحجاج هنا ابن أرطأة ثقة عند الترمذي ومن يقلد الترمذي كأحمد شاكر، لكن الشيخ أحمد شاكر واسع الخطو جداً متساهل في التصحيح كما أنه متساهل في توثيق الرواة، وفي حاشيته على الترمذي ما يزيد على عشرين راوياً وثقهم وجمهور العلماء على تضعيفهم، وعلى كل حال الحديث ضعيف.
стр. 112
روى ابن ماجه عن طلحة بن عبيد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((الحج جهاد، والعمرة تتطوع)) وإسناده ضعيف جداً، عمر بن قيس المكي المعروف بسندل متروك، والراوي عنه الحسن بن يحيى الخشني ضعيف، المفهوم من كلام شيخ الاسم ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: أن العمرة واجبة على الآفاقي دون المكي، ما وجه التفريق بين الآفاقي والمكي؟ النصوص التي تأمر بالحج تأمر الجميع، النصوص التي تأمر بالعمرة تأمر الجميع، ما وجه التخصيص عند شيخ الإسلام؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
العمرة الزيارة، والزيارة تتصور ممن يقدم على المزور، نعم؟ يعني يقدم ويرجع، ولذا لما سمع الأعرابي قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [(١ - ٢) سورة التكاثر] استدل بها على البعث، قال: بعث القوم ورب الكعبة؛ لأنه الزائر لا بد له أن يرجع، لكن هل مثل هذا يخصص مثل قوله ﵊ ((حج عن أبيك واعتمر)) نعم النص جاء في آفاقي، لكن العبرة باللفظ نعم إذا تعارضت النصوص وأمكن حمل بعضها على بعض ولو بالتخصيص يقال به، لكن هنا في نص يعارض اللهم إلا أن تعريف العمرة في الأصل الزيارة، فالراجح وجوب العمرة في العمر مرة واحدة، وكون العمرة لم تذكر مع الحج في حديث الدعائم والأركان لا يعني عدم الوجوب، وكون العمرة واجبة لا يعني وجوبها مثل وجوب الحج يأثم بتركها لكن لم يترك ركناً من أركان الإسلام كما لو ترك الحج.
فالواجبات متفاوتة كما هو معلوم، إذا عرفنا هذا فالحج إنما شرع لحكم عظيمة، وأهداف سامية، فقد شرع الله الحكيم العليم لعبادة أن يجتمعوا في العبادات التي أمروا بها، هناك الاجتماعات المتتابعة في اليوم أكثر من مرة كالصلوات الخمس، وفي الأسبوع كالجمعة، وفي السنة إما مرة كالحج أو مرتين كالعيدين وهكذا،
стр. 113
فالإسلام يحرص على الاجتماع والتآلف لما في ذلك من التعارف والتوادد، والتآلف والتناصر، والتساند، وعقد أواصر المحبة والإخاء، وتبادل النصائح والتوجيهات، وتبادل الآراء، بما يعود عليهم بالمصلحة في دينهم ودنياهم، فالحج إن صح التعبير -وهذا يتداوله كثير من الكتاب المعاصرين- يقولون: أعظم مؤتمر ومجتمع إسلامي، لا شك أن تشريع الحج من محاسن الشريعة الإسلامية الكفيلة بمصالح المجتمع، فالذي في أقصى الأرض من جهة الغرب كيف يتسنى له أن يلتقي بمن هو في أقصى الشرق مثلاً لو لم يشرع الحج؟! وكثير من الرواة يثبت أهل العلم سماعهم من بعض وإن تباعدة الأقطار إذا لم يعرف أو لم ينقل أن فلاناً من الرواة لم يحج، يستدلون على الانقطاع بتباعد الأقطار إذا نص على أنه لم يحج، لكن إذا حج احتمال أنه لقيه في الحج وسمع منه.
стр. 114
سبقت الإشارة في شرح كتاب الصيام إلى تنوع العبادات، العبادات متنوعة، منها البدنية المحضة كالصلاة، ومنها المالية المحضة كالزكاة، ومنها المركبة منهما كالحج، وعرفنا الحكمة من هذا التنوع، حتى يتم الامتحان على وجهه، يتبين الكسول من غيره، يتبين الشحيح من الجواد، ربما سهل على بعض الناس بذل المال دون النفس، وبعض الناس بعكس ذلك، يصعب عليه بذل المال، ويسهل عليه خوض المعارك الضارية وهكذا، فجاءت العبادات متنوعة ليتم امتحان المكلفين بهذه الأنواع اللازمة حتى يعرف من يتمثل تعبد لله ومن يتمثل تبعاً لهواه، فإذا وافقت العبادة الهوى امتثل وإلا تخلف امتثاله، وذكرنا فيما تقدم أن لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- رسالة في تنوع العبادات، هذا في العبادات الواجبة فالتنوع لا بد منه في الواجبات، لكن بعض الناس يفتح له في بعض العبادات دون بعض، ويسهل عليه بعضها دون بعض، التنوع مطلوب، لكن إذا كانت نفسه لا تنقاد إلى بعض العبادات من المستحبات لا الواجبات، الواجبات لا خيار فيها، يصعب عليه أن يصوم النوافل، ويسهل عليه أن يقرأ القرآن ويتدبره، يصعب عليه الحج، ويسهل عليه أن يعلم العلم، نقول: إلزم ما يسر لك؛ لأنه في هذه الحالة يكون عطاؤه أكثر، ونفعه أعظم، مع مجاهدة النفس من أجل تذليلها لعمل ما يرضي الله من سائر العبادات، بعض الناس مثلاً في رمضان، بعض الناس جالس في المسجد يقرأ لا يستطيع أن يقدم لغيره شيئاً، وبعض الناس ما شاء الله صائم ولا يثني رجله، يساعد هذا، ويفعل مع هذا، ويفطر هذا، ويذهب إلى المسجد الفلاني يعظ الناس فيه ويتكلم ويفيدهم بما عنده من العلم، وبعض الناس راكد، فتح عليه باب البقاء في المسجد والمكث فيه، وتلاوة القرآن، وأغلق عنه كثير من الأبواب لا يستطيعها إلا بمشقة شديدة، وكل على خير، العبرة بالواجبات، الواجبات لا مندوحة لأحد ولا خيار لأحد فيها لا بد من الإتيان بها، مع القدرة والاستطاعة، أما مع العجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 115
أهل العلم يذكرون في كتب فقه وقواعد المفاضلة بين العبادات الشاقة والعبادات السهلة وأيهما أفضل من يأتي العبادة وهي شاقة عليه ومن يأتيها وهي سهلة على نفسه محببة إلى قلبه؟ فبعض العلماء يفضل إتيان العبادة مع المشقة على إتيانها مع الراحة، وبعضهم بالعكس، وهو الصواب، إتيان العبادة مع الراحة كون الإنسان إذا جاءت الصلاة لا تأتي الصلاة إلا وهو مشتاق إليها، ويشتاق إلى قيام الليل، ويقوم ويتلذذ به وبمناجاة ربه لا شك أنه أفضل ممن يشق عليه القيام، وإن كان لمن يشق عليه الأجر مضاعف، أجر العمل وأجر المشقة، كما جاء فيمن يقرأ القرآن وهو عليه شاق، يتتعتع فيه له أجران، لكن الذي يقرأه وهو سهل عليه يضبطه ويتقنه مثل هذا مع السفرة الكرام البررة وهذا أفضل بلا شك، يؤتى الإنسان أجر العمل وأجر المشقة، لكن أين أجر المشقة من الوعد الثاني؟ وهذا مطرد في العبادات كلها.
يقول -رحمه الله تعالى-:
"الحج العمرة واجبان على المسلم الحر، المكلف، القادر في عمره مرة على الفور" قوله: "على المسلم" يخرج الكافر، قوله: "مسلم" يخرج الكافر، فالكافر لا يجب عليه الحج، الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ومنها الحج على الأصح من قولي العلماء، فكيف يقول المؤلف: واجبان على مسلم؟ مفهوم العبارة أن الحج لا يجب على الكافر، والمرجح عند أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، ومنها الصلاة والزكاة والحج وغيرها من شرائع الإسلام، نعم العبادات لا تصح من الكافر؛ لأن الإسلام شرط لصحة كل عبادة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [(٥٤) سورة التوبة] قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [(٢٣) سورة الفرقان] العبادات لا تصح ولا تقبل من الكافر، فلا يطالب بها حال كفره؛ لتخلف الشرط الذي هو الإسلام، كما أنه لا يؤمر بقضائها إذا أسلم، إذاً ما فائدة كونه مخاطباً بفروع الشريعة؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 116
نعم زيادة الإثم في الآخرة ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [(٤٢ - ٤٤) سورة المدثر] فقوله: "على المسلم" عرفنا أنه يخرج الكافر، هل العبارة هنا دقيقة أو ليست دقيقة؟ يعني كون الكافر لا يصح منه الحج هل يعني هذا أنه لا يجب عليه؟ لأن قوله: "على المسلم" جار ومجرور متعلق بقوله؟ نعم؟ واجبان، معنى هذا يجب الحج والعمرة على المسلم، مفهوم العبارة أنه لا يجب على الكافر، وعرفنا أن الكافر مخاطب بالفروع فكيف نقول: مخاطب بالفروع وهو يقول: لا يجب على الكافر؟ عبارة أنه لا يجب على الكفار نعم لا يصح من الكافر صحيح أما لا يجب فهو واجب عليه كغيره من شرائع الإسلام من فروع الشريعة.
الإسلام شرط لصحة الحج، من أهل العلم من يقول: الكافر مخاطب بترك المنهيات دون فعل المأمورات ويوافق قول من يقول بعدم خطابهم مطلقاً هنا؛ لأن الحج مأمور، وليس بمنهي عنه، فليس بمخاطب به لتخلف الشرط، وعلى كل حال بحث هذه المسألة له موضع أخر، وهنا تكفي الإشارة.
стр. 117
على المسلم الحر ضده العبد والمبعض فلا يجب عليهما الحج؛ لأنهما لا مال لهما، ومن شرط وجوب الحج الاستطاعة، فالذي لا مال له غير مستطيع؛ ولأن الحج يفوت على سيده منافعه، قد يقول قائل: إذا بذل المال للعبد يجب عليه وإلا ما يجب؟ ما هو المسألة مسألة مال قال سيده: هذا مال، نقول: يلزمه ويجب عليه؟ سيده مالك لمنافعه تنازل عنه لمدة أسبوع يروح يحج ويرجع، في حديث ابن عباس ﵄ الآتي ((من حج ثم عتق فعليه حجة أخرى)) يعني من حج وهو عبد ثم عتق فعليه حجة أخرى، ((ومن حج وهو صغير ثم بلغ فعليه حجة أخرى)) مخرج عند ابن خزيمة والحاكم والبيهقي، إلا أنهم اختلفوا في رفعه ووقفه، لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إسناده صحيح، صححه الألباني في الإرواء مرفوعاً وموقوفاً، فعلى هذا إذا ألزم بحجة أخرى دل على أن الحجة الأولى غير لازمة له، وحينئذٍ لا يجب عليه أن يحج، إذا ألزم العبد متى عتق، والصغير متى بلغ بحجة أخرى دل على أن الحجة الأولى غير لازمة، لكن لو حج حال رقه صح حجه وإن لم يجزئه، لا بد من الإتيان بحجة أخرى إذا عتق، ومثله الصغير على ما سيأتي.
стр. 118
قوله: "المكلف" البالغ العاقل، فالصغير لا يلزمه الحج، لكن لو حج فحجه صحيح، وأما المجنون فلا يلزمه الحج أيضاً؛ لأنه غير مكلف، لو حج يصح حجه وإلا ما يصح؟ المجنون لا يصح، نعم لأنه لا يتصور منه عقل الحج لحديث: ((رفع القلم عن ثلاثة)) منهم المجنون والصغير والنائم "القادر" القدرة هي الاستطاعة التي ذكرها الله في آية عمران: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] فقيد الوجوب بالاستطاعة، وسيأتي تفسير القدرة، فعندنا من الشروط الإسلام والحرية والتكليف والقدرة، فالإسلام والعقل شرطان للوجوب والصحة، على ما ذكره المؤلف، الإسلام والعقل شرطان للوجوب والصحة، والبلوغ وكمال الحرية شرطان للوجوب والإجزاء دون الصحة، فالصغير والعبد إذا حج يصح منهما الحج، لكنه لا يجزئ، يصح الحج منهما لكنه لا يجزئ، والاستطاعة شرط للوجوب دون الإجزاء، لو حج غير المستطيع حج غير المستطيع حجه صحيح وإلا لا؟ صحيح، مجزئ وإلا غير مجزئ؟ مجزئ نعم لكنه لا يجب عليه، إذا حج الكافر حجه غير صحيح، إذا حج المجنون حجه غير صحيح، إذا حج الصغير حجه صحيح، لكن لا يجزئ، إذا حج العبد حجه صحيح لكنه لا يجزئ، إذا حج غير المستطيع فحجه صحيح مجزئ، لكنه لا يطالب به حال العجز.
стр. 119
قوله: "في عمره مرة" أي واحدة، وهذا بالإجماع، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال: ((يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)) خطبنا رسول الله ﷺ ، كثر في الأخير زيادة في صيغة الصلاة على النبي ﵊ وإدخال الآل معه، تجد كثير ممن ينتسب إلى العلم يقول: ﵌، أولاً: امتثال الأمر يتم بالصلاة والسلام عليه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] والأمر بالصلاة على الآل إنما هو في التشهد خاصة، وسمعتها مراراً من أهل العلم سواء كانت في الإذاعة أو في محاضرات أو في غيرها يقول: ﵌، ومعروف أن هذا شعار لبعض أهل البدع، فإذا أردت أن تصلي على الآل صل على الصحب؛ لينتفي هذا الشعار، إذا صليت على الصحب انتفى هذا، انتفت المشابهة، وأما الأمر بالصلاة على آله ﵊ ففي التشهد، وفي غيره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] يصلى على آله وعلى صحبه تبعاً له، ولا يصلى عليهم استقلالاً، وهذا استطراد لكني سمعته مراراً في الأيام الأخيرة هذه، في الإذاعة وفي غيرها، في مقدمة صديق في شرح مختصر البخاري ذكر أن السبب في ترك الصلاة على الآل مع وجوبها كالصلاة عليه ﵊ أن سببه أن أئمة الحديث إنما صنفوا كتبهم في زمن يكثر في النصب، يعني معاداة أهل البيت، فكانوا يتركون الصلاة على الآل تقية، هكذا قال عن أهل الحديث قاطبة الذين لا يقولون: ﵌، لا تجد في منصف من مصنفات أهل الحديث من يقول: ﵌، يقول: سبب ذلك التقية؛ لأن أكثر الدول التي تعاقبت الأموية والعباسية كلهم يناوئون أهل البيت، وإن كان العباسيون من أهل البيت، لكنه يقول: إن كون العباسيين لا يعترفون لأهل البيت بحقهم مع أنهم من أهل البيت، يقول: من باب قوله: "اقتلني ومالكاً واقتل مالكاً معي" يعني لا تصلي على الآل الذين هم في عرف بعض الناس علي وذرية علي، يقول: لا تصلّ
стр. 120
عليهم، وإن كان الناهي هذا من العباسيين داخل في الآل، هذا ما أشار إليه صديق -رحمه الله تعالى-، وتبع في ذلك الصنعاني، الصنعاني أشار إلى شيء من هذا في حواشي شرح العمدة، لكن ليس الأمر كذلك، الأمر ليس كذلك، الصلاة عليه ﵊ إنما يتم الامتثال بإفراده ﵊ دون الآل والصحب، لكن إذا صلي على الآل والصحب تبعاً له فهو خير، وإفراد الآل دون الصحب لا شك أن فيه رائحة تشيع، كما إن إفراد الصحب دون الآل فيه رائحة نصب، فمن أراد أن يصلي على الآل يصلي على الصحب والعكس، والأمر بقوله: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) هذا في التشهد، وإن فرق بعضهم حتى في التشهد بين الصلاة على النبي ﵊ فأوجبها دون الصلاة على الآل، لكن هذا تفريق بغير دليل، تفريق بين ما جاء الشرع بالجمع بينه وبين نظيره، على كل حال هذا استطراد سببه تداول هذه ... ، تداول إفراد الآل بالصلاة دون الصحب.
الصنعاني عاش في بيئة التشيع فيها كثير، وتأثر بالبيئة، ولا شك أن البيئة مؤثرة في الشخص شاء أم أبى، من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، لا بد أن يتأثر الشخص ببيئته ولو فتشنا على أنفسنا وجدنا أننا تأثرنا بأشياء سواء شعرنا بها أو لم نشعر هي موجودة متداولة في بيئتنا، فكون الصنعاني تأثر والشوكاني يتأثر، وصديق له نهم بتقليد هذين، وإن كان في الجملة من أهل التحقيق، ومن أهل العلم، وعلى مذهب أهل السنة والجماعة في الجملة، حتى في باب الصحابة وما يعتقد تجاه أهل البيت ليس عنده شيء من الغلو ولا التشيع، لكن هو في الغالب يحذو حذو الشوكاني والصنعاني.
стр. 121
حديث أبي هريرة ﵁ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ فقال: ((يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)) فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً فقال النبي ﷺ : ((لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم)) ثم قال: ((ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)) رواه مسلم وأحمد والنسائي وغيره، وفي المسند والسنن عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: ((بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع)) وهو مخرج في السنن والمسند إلا إن أوجبه الإنسان على نفسه.
أحسن الله إليك:
صديق يا شيخ قلتم: إنه من أهل التحقيق، طيب ما يقال عنه: أنه كان ينقل الكتب سيما حق الصنعاني والشوكاني بالصفحات بعشرات الصفحات ويطبعها باسمه، مدى صحة هذا؟
стр. 122
لا شك أن صديق حسن خان مكثر من التأليف، ووجد باسمه مؤلفات كثيرة مئات، وظرفه قد يساعده من الناحية المادية، وقد يقول قائل: إنه بالنسبة للوقت وضيقه لأنه ملك، نعم، قد يوجه إليه بعض الاتهام، وقد وجه، أنه يأخذ المؤلف من كتب الشوكاني فيقدم فيه ويؤخر ويزيد وينقص شيئاً يسيراً وينسبه إلى نفسه، يعني من قارن بين الروضة الندية مع الدراري المضيئة للشوكاني وجده أدخل الدراري كلها في الكتاب، وزاد عليه من حجة الله البالغة شيء، ومن غيره أشياء، على كل حال الرجل اتهم، والأصل أن ما يدعيه الإنسان صحيح ما لم يثبت خلافه، وهو في الأصل رجل ثقة، ومعروف بالعلم والإتباع، وقابله العلماء الذين ذهبوا من هذه البلاد، وأخذوا عنه وأجازهم، ونصر مذهب أهل السنة هناك، ونشر كتبهم، وطبع كتب العلماء المحققين، وكتبه لا تخلو من فوائد وزوائد على ما ادعي أنه نقلها برمتها، كونه زاد على الدراري المضيئة أشياء، قد يخول له نسبة الكتاب إليه، لا سيما وأن الأشياء التي أضافها على الدراري كثيرة في الروضة الندية، تفسيره أيضاً فيه إضافات كثيرة جداً على ما في تفسير الشوكاني، نعم هناك تشابه كبير وهو معجب أيما إعجاب بالشوكاني، معجب به، ولو قيل: إنه احتوى جميع كتبه في مؤلفاته لما بعد، وعلى كل حال مثل هذا لا ينفي كونه من أهل العلم، وأنه من المؤلفين.
يقول: الصلاة على الآل على أن المراد بها أتباعه على ملته فيشمل آل بيته وأصحابه ألا يصح إطلاق الآل من هذا الوجه؟
стр. 123
نعم قول أهل العلم أن الآل هم الأتباع، أتباعه على دينه هذا قول معتبر عند أهل العلم، لكن لما صار إفراد اللفظ وإن كان يشمل الصحب شعار عند بعض المبتدعة ينبغي اجتنابه، فلا يفرد الآل دون الصحب، والآل لهم منزلة ولا بد أن يعرف لهم حقهم، لكن الصحب أيضاً هم الذين نصروا الدين، هم الذين نشروا الدين، وعلى أكتفاهم حمل الدين، وبلغ الشرع، وفتحت الأقطار والأمصار، فلهم أيضاً حق على الآمة أن يدعى لهم وبهم حفظ الدين، فاللفظ وإن كان شاملاً للصحابة على قول إلا أنه لما صار لبعض المبتدعة ينبغي ألا يفردوا، ينبغي ألا يفردوا، إن أردت ألا تصلي على الصحب فاترك الآل، والامتثال يتم بالصلاة عليه ﵊، يتم امتثال الأمر والنصوص كلها أو ما عدا حديث التشهد كلها تدل على إفراده ﵊ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] وجاء في الحث على الصلاة عليه من النصوص ما جاء الشيء الكثير المستفيض عند أهل العلم، وليس فيه ما يدل على الصلاة على الآل والصحب، لكن أهل العلم أجازوا الصلاة على غيره ﵊ تبعاً له لا استقلالاً، فإذا صلينا على الآل لا بد أن نصلي على الصحب، لما ذكرت ورددت من أن إفراد الآل صار من شعار بعض أهل البدع، كما أن إفراد الصحب دون الآل شعار لمبتدعة آخرين، فلا ينبغي إفراد هؤلاء عن هؤلاء، ولا هؤلاء عن هؤلاء.
إن أوجب الإنسان الحج على نفسه بنذر لزمه ذلك ولا يقال: إنه يجب عليه أكثر من حج، أكثر من مرة لا الواجب بأصل الشرع مرة واحدة، إذا ألزم الإنسان نفسه بنذر فنذر أن يحج وجب عليه الوفاء بالنذر؛ لحديث ((من نذر أن يطع الله فليطعه)) إذا دخل الإنسان في الحج بمعنى أنه شرع فيه لزمه إتمامه، وهذا لا ينافي كون الحج واجب مرة في العمر؛ لأنه يلزم بالشروع.
стр. 124
قوله: "على الفور" لحديث: ((تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس، وكون الحج على الفور هو قول أبي حنفية ومالك مع أحمد، وبه قال أكثر العلماء، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وجمع غفير من أهل العلم، قال الشافعية وبعض المالكية هو على التراخي قياساً على الصلاة؛ لأن الصلاة يجوز تأخيرها عن أول وقتها إلى أثنائه بل إلى آخره، والعمر قالوا: هو وقت الحج، يجوز أن يؤخر الحج على قول هؤلاء -يعني الشافعية وبعض المالكية- إلى أثناء العمر أو أخره، مع أنه لا بد أن يعزم على الحج كما أنه عليه أن يعزم على أداء الصلاة في وقتها ولو أخرها عن أول وقتها، الشافعية وبعض المالكية الذين قالوا: إن الحج على التراخي من أقوى ما يستدلون به أن الحج إنما فرض في السنة السادسة بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] ولم يحج النبي ﵊ إلا في السنة العاشرة، تأخر أربع سنوات دل على أنه على التراخي، الذين قالوا: إنه على الفور قالوا: إن الحج الصواب فيه إنما فرض في السنة التاسعة، ولم يفرضه الله قبل ذلك؛ لأن فرضه إنما كان بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] وهذه إنما نزلت في سنة الوفود سنة تسع التي نزل فيها صدر سورة آل عمران، كونه ﵊ لم يحج سنة تسع، بل أمر أبا بكر أن يحج بالناس لئلا يرى المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، فأراد النبي ﵊ أن يطهر البيت من المشركين، وألا يرى هذه المناظر القبيحة.
يقول أبو هريرة ﵁: "بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" مخرج في الصحيحين وغيرهما، وكان هذا في حجة أبي بكر سنة تسع من الهجرة، فكونه أخر الحج من سنة تسع إلى عشر لهذه العلة، فلا يدل على أن الحج على التراخي.
стр. 125
يقول: ألا يجاب على حديث أبي رزين بأن الأمر وقع بعد السؤال وهو للإباحة عند الأصوليين؟ ويؤيد القول بالاستحباب البراءة الأصلية وهي كذلك، وكذلك قول الله : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران]؟
على كل حال المسألة كما سمعتم خلافية، والصنعاني يقول: إن الأدلة التي ذكرها من قال بالوجوب لا تنتهض للوجوب، ولا شك أن العمرة على القول بوجوبها كما رجحناه وهو الراجح عند الحنابلة والشافعية والمعتمد عندهم، لا يعني أن وجوبها مثل وجوب الحج، فمن تركها أثم، ومن ترجح له القول الآخر له ذلك، قوله: ((حج عن أبيك واعتمر)) اعتمر، قال: أفأحج عنه؟ قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) هل وردت العمرة في السؤال؟ معروف عند الأصوليين أن الأمر إنما يكون للإباحة بعد الحظر، لو منع الناس من العمرة ثم أمروا بها صار للإباحة، على أن القول المحقق عندهم أن الأمر يعود إلى ما كان عليه الحكم قبل الحظر.
يقول: حج رجل وهو صغير أي قبل البلوغ أي أنه لم يحج مرة أخرى حتى مات فهل على أبنائه أن يحجوا عنه؟
إذا تمكن من الحج بعد البلوغ ولم يحج لا بد من أن يحج عنه في ماله، يا الإخوان المناسك طويل جداً يعني أطول من الصيام بكثير، وعلى هذا لعلنا نسلك مسلك غير ما سلكناه في الصيام نميل إلى شيء من الإيجاز لنتمكن من إتمام كتاب المناسك -إن شاء الله تعالى-، علماً بأن ليلة الجمعة يوم الخميس ليلة الجمعة هذه غالباً الناس يتفرقون، فعلى هذا ليس فيها درس، تكون الدروس تسعة -إن شاء الله تعالى-، نعم غالب الناس يسافر يوم الخميس أو ما يحضر فتكون الدروس تسعة -إن شاء الله تعالى- بينما يوم الأربعاء ليلة الخميس، ويوم الجمعة ليلة السبت فيهما درسان -إن شاء الله تعالى-، أما يوم الخميس ليلة الجمعة فهذا ليس فيه درس، هذا الأسبوع، الأسبوع الثاني ما عاد في شيء.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟ الخميس ليلة الجمعة؟
طالب:. . . . . . . . .
لا الخميس ما في شيء، الخميس الجاي، ها؟
طالب:. . . . . . . . .
الأربعاء، الأربعاء أربعة وعشرين، على كل حال في وقته -إن شاء الله تعالى- الأسبوع الثاني إذا احتجنا شيء سهل -إن شاء الله تعالى-، الأمر فيه سعة.
стр. 126
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذه أسئلة:
هذا يقول: أليس الأجر على قدر المشقة كما قال الرسول ﵊؟
المشقة ليست مقصود شرعي لذاتها، بل إذا جاءت تبعاً لمطلب شرعي أجر الإنسان عليها، أم المشقة بذاتها فليست مقصداً شرعياً، فلو قال شخص يعني بدلاً من أحج على الطائرة أمشي مشياً لأنه أعظم في المشقة فهو أعظم أجراً، نقول: لا، يقول: بدلاً من أسلك الطريق المختصر الميسر المعبد المذلل اسلك طريقاً أبعد منه من غير تعبيد ولا تذليل لينال أكبر قدر من المشقة، نقول: لا، المشقة ليست مقصودة لذاتها: لكن إذا كانت العبادة أو المأمور به شرعاً لا يمكن إتيانه إلا بهذه المشقة أجر عليها الإنسان.
يقول: هل الطائف حينما ينتهي من الشوط السابع يكبر على الحجر أم يمر عليه ويخرج؟ وكذا في السعي هل له أن يدعو بعد الشوط السابع؟
أما بالنسبة للطواف فيكبر كل ما حاذ الحجر على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، كل ما حاذ الحجر كبر، وفي حديث جابر في المسند يقول الحافظ بإسناد حسن يقول: "كنا نمسح الركن الخاتمة والفاتحة" على كل حال هذه مسألة سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-.
يقول: من أراد أن يحج متنفلاً على حساب غيره وهو مقتدر ما حكم حجه؟
إذا كان ليس هناك منة فلا شك أنه يؤجر على هذه الحجة بقدر إخلاصه فيها، بقدر الباعث له على هذا الحج، وإلا إذا حج من ماله فلا شك أنه أعظم لأجره.
يقول: ماذا على من قطع حجة النفل خوفاً من الضياع؟
الحج يجب بالشروع، فإذا شرع فيه بمعنى أنه أحرم نوى الدخول في النسك لا يجوز له أن يقطعه، يقول: خوفاً من الضياع إن كان خوفاً له حقيقة بأن ذهبت رفقته لا يدري أن يسلك، ويخشى علي نفسه من التلف الأولى في مثل هذه الحالة أن يشترط ليتحلل من حجه متى حصل له المانع.
هذا يقول: إذا استخار الشخص بين أمرين مباحين مثل دخول كلية دون أخرى؛ لأن بها وقتاً فارغاً أكبر ليتفرغ للدعوة ثم دخلها ومنذ دخولها وهو غير مرتاح الضمير، قلبه متعلق بالكلية الأخرى، فهل الخيرة على هذا في الأولى أم في الثانية؟
стр. 127
أولاً: دخول الكلية إذا كانت كلية شرعية والأخرى مثلها فهو ليس التخيير بين أمرين مباحين، وهناك لا شك أن هناك وإن كانت الكليات المتعددة تنتمي إلى العلم الشرعي إلا أن هناك تفاوت بين هذه الكليات، والمفاضلة بينها واضحة، لكن إذا تردد بين كلية الشريعة وأصول الدين مثلاً ولم يجد من يرجح له يصلي صلاة الاستخارة، ثم يدعو بما ورد، ثم يدخل ما يختار له، لكن إن بدا له فيما بعد أن المصلحة في الكلية الأخرى وأراد الانتقال إليها فلا بأس، على كل حال لأن الخيرة قد لا تبدو له من أول استخارة، قد لا تبدو له من أول استخارة، وقد لا ينشرح صدره لأول مرة، فقد يدخل الكلية وهو متردد في إتيانه إليها، وفي التحاقه بها، فمثل هذا لا يرتاح ضميره غالباً، لكن الذي جاء عن قناعة وعرف ما سيدرس في هذه الكلية لا شك أنه سوف يرتاح لها، ولذا يوصي المربون بأن يترك الخيار للطالب نفسه، وهذا صحيح إذا كان أهل للاختيار، لكن بعض الناس لا يفرق بين ما ينفع وما لا ينفع، بين ما نفعه أكثر ونفعه أقل، فمثل هذا ينبغي أن يشار إليه، يشار عليه بالأنفع، ولو ألزم من قبل وليه فلا مانع حينئذٍ؛ لأن وليه قد يعرف من المصالح ما لا يدركها هو، تتميماً لما بدأنا به في الفصل الأول:
يقول -رحمه الله تعالى-:
"الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة واحدة على الفور" هذا انتهينا منه، ثم قال ﵀:
стр. 128
"فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة أو في العمرة قبل طوافها صح فرضاً" هذه الموانع التي ذكرت من الكفر والرق وعدم التكليف المانعة من الإجزاء أو الإجزاء والصحة، فإذا زال المانع من الإجزاء كالرق والصبا أو من الصحة كالجنون، بأن عتق العبد محرماً، أو أفاق المجنون وأحرم إن لم يكن محرماً قبل جنونه؛ لأنه حال جنونه لا يتصور منه الإحرام، أو بلغ الصبي وهو محرم بالحج في عرفة قبل الدفع منها مع غروب الشمس، أو بعد الدفن إن عاد ووقف في الوقت قبل طلوع الفجر يوم النحر، ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، أو حصل ذلك من الحرية والبلوغ والإفاقة قبل طواف العمرة صح كل من الحج والعمرة، فرضاً فيسقط به الواجب ويجزئه ذلك عن حجة الإسلام وعمرته، المقصود أنه إذا زال المانع قبل عمل ركن من أركان الحج غير الإحرام باستثناء الإحرام؛ لأنه يصح الحج وإن وقع الإحرام مع وجود المانع، فإنه حينئذٍ يجزئ، أما إذا لم يزل المانع إلا بعد انتهاء وقت الوقوف بأن طلع الفجر يوم النحر، ثم زال المانع كلف الصبي، عتق العبد، فاق المجنون، بعد انتهاء وقت الوقوف بطلوع الفجر فإنه حينئذٍ لا يصح فرضاً، ولا يجزئه عن حج الإسلام وعمرته، ومثله لو كان بلوغه أو إفاقته أو حريته بعد سعيه للحج بعد طواف القدوم فإنه حينئذٍ لا يجزئ ولو أعاد السعي بعد طواف الإفاضة، قد يقول: أنا أعتبر السعي الذي سعيته بعد طواف القدوم لاغي، فأطوف للحج بعد طواف الإفاضة، نقول: لا يجزئ ولو أعاد السعي، لماذا؟ لأنه لا يشرع مجاوزة عدد السعي، لا تشرع مجاوزته، ولا يتعبد به في غير ما شرع له، بخلاف الطواف، لا تشرع مجاوزته، لو نصح شخص بأن يمشي، نصحه الطبيب بأن يمشي قال: بدلاً من أن أمشي في الشوارع أمشي في المسعى لتحصيل الأجر والثواب، نقول: لا أجر لك، امشِ في المطاف صحيح، الطواف رتب عليه الثواب، لو طاف أو شرع في طواف العمرة ثم كلف أو عتق شرع في طواف العمرة وقلنا: إن الطواف عبادة يشرع تكرارها، قال: أعيد الطواف، نقول: كذلك لا يجزئ لأنك طوفت بنية طواف الركن، لكن إذا تحايل وأبطل هذا الطواف، عتق في أثناء الطواف ثم تحايل فأبطل هذا الطواف، نقول: لا يجزئه هذا الطواف عن ركن العمرة الذي
стр. 129
هو أعظم أركانها؛ لأنه أبطلها، وهل يجزئه ركناً للعمرة التي افترضت عليه؟ إذا أعاده أبطل الطواف الأول ثم شرع في طواف ثاني اعتبره هو الركن، بمعنى أنه تحايل على أن تكون العمرة مجزئة، مثل هذا يقول العلماء يعامل بنقيض قصده فيلزم بعمرة أخرى.
بعض أهل العلم يقول: إذا كان سعى بعد طواف القدوم، ثم أعاد السعي بعد طواف الإفاضة كان قد أدرك الوقوف يرى بعض أهل العلم أنه يجزئه ولا مانع من ذلك، يعني ومن باب أولى إذا أعاد طواف العمرة؛ لأن العمرة أخف من الحج، فإذا أعاد السعي بعد طواف الإفاضة وإن كان قد سعى بعد طواف القدوم فإنه يجزئه لحصول الركن الأعظم وقت التكليف وهو الوقوف بعرفة، وقوله: "صح فرضاً" أي من حين زوال المانع، وما قبله تطوع لم ينقلب فرضاً، فعلى هذا يكون أول عبادته نفل، وأخرها فرض، كيف؟ هذا كلام أهل العلم، يكون أول العبادة نفل نية الدخول في النسك على أنها نفل، ثم انقلب إلى فرض بقية الأركان فرض، والركن الأول وهو نية الدخول في النسك نفل، لا غرابة في هذا، فإن النية في الحج أمرها أخف من النية في غيره من العبادات، بدليل أنه لو نوى النفل وهو ما حج الفرض تنقلب النية إلى فرض، ولو أحرم ناوياً عن غيره -على ما سيأتي- صحت النية عنه ...
стр. 130
زاد المستقنع - كتاب المناسك (٢)
شرح قول المصنف: "والقادر من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية، وإن أعجزه كِبَر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا، ويجزأ عنه وإن عوفي بعد الإحرام، ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها، وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، وإن مات من لزماه أَخرجا من تركته.
باب: المواقيت: وميقات أهل المدينة ذي الحليفة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجحفةَ، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد قرن، وأهل المشرق ذات عرق، وهي لأهلها ولمن مر عليها من غيرهم، ومن حج من أهل مكة فمنها، وعمرته من الحل، وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة".
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
ثم انقلب إلى فرض، بقية الأركان فرض، والركن الأول وهو نية الدخول في النسك نفل، لا غرابة في هذا، فإن النية في الحج أمرها أخف من النية في غيره العبادات، بدليل أنه لو نوى النفل وهو ما حج الفرض تنقلب النية إلى فرض، ولو أحرم ناوياً عن غيره -على ما سيأتي- صحت النية عنه، كما في حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي أحرم عن شبرمة ولم يحج عن نفسه -على ما سيأتي إن شاء الله تعالى-.
стр. 131
قد يقول قائل: كيف يفرق بين الصبي والمجنون؟ فالصبي وإن كان غير مميز يصح إحرام وليه عنه بخلاف المجنون فإن لا يصح منه إحرام حال الجنون، ولذا قولهم: "فإن زال الرق والجنون والصبا بعرفة أو في العمرة قبل طوافها صح فرضاً" يعني ممن أحرم، فيقولون: بالنسبة للصبي يحرم عنه وليه، والمميز يحرم عن نفسه، والعبد يحرم عن نفسه، والمجنون لا يصح منه الإحرام فتتصور مثل هذه المسألة إذا كان قد أحرم قبل الجنون ثم أفاق بعد ذلك، قد يقول قائل: ما الفرق بين الصبي غير المميز وبين المجنون؟ الفيصل في هذا النص، حيث صح، صحح النبي ﵊ حج الصبي الذي لم يميز، وإن كان في حكم المجنون لا يعقل، لكن النبي ﵊ لم سئل عن الصبي الذي رفع، وكونه رفع دل على أنه صغير، ألهذا حج؟ قال: ((نعم)) وأيضاً فالصبي عند أهل العلم عاقل بالقوة وأن لم يكن عاقلاً بالفعل؛ لأنه من شأنه أن يعقل بخلاف المجنون، والعقل مناط التكليف، فالصبي عاقل بالقوة القريبة من الفعل وإن لم يكن عاقل بالفعل.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب: السفيه يا شيخ إنسان عنده خفة عقل ليست جنون.
عته، عته.
طالب: يعني يدرك الأمر والنهي، لكن لا يضبط تصرفاته.
على كل حال هو مكلف وإلا غير مكلف؟ القدر الذي عنده من خفة العقل ترفع عنه التكليف وإلا ما زال التكليف باقي؟
طالب: هو يعقل لكن ما. . . . . . . . . خفة العقل هذه الناس في تعامله معهم.
على كل حال إذا صدر منه تصرف من غير إرادة منه فإنه لا يكلف به، لكن ما يعقله من تصرفاته هو مكلف به، ولذا كان هناك الجنون المتقطع، وهناك الجنون المطبق، وهو درجات -نسأل الله العافية والسلامة-.
طالب: لكن وجوبها على وليه لو كان هو يعقل الأمر والنهي لكن وليه يخاف لو بعثه إلى الحج قد يضر نفسه أو نحو ذلك؟
لا، لا مثل هذا ما يوثق به يبعث للحج.
طالب: لكنه يفهم الأمر والنهي.
ما يكفي، ما يكفي.
طالب: مثلاً يؤدي الصلوات.
الصلوات ما عليه خطر، ولا على غيره خطر منه.
طالب: لكن أقصد في جواز أنه يحج عنه بما معه من التمييز البسيط. . . . . . . . .
الكلام في عقد النية؟ نعم؟ السؤال عن عقد النية؟
طالب: إيه نعم.
стр. 132
إذا كان يعقل ويعقد عن نفسه بـ .... نعم؟
طالب: هو مثل البزر.
إذا كان عنده من التمييز ما يعقل به عقد النية يعقد عن نفسه مثل الصبي، لكن أبله تأمره بشيء ولا يفهم ما تقول، هذا ما يكلف بشيء ولا يحرم ولا يصح منه الإحرام.
الصبيان لا شك أنهم متفاوتون منهم من يحصل منه شيء من التمييز قبل الثالثة، يأتمر إذا أمر، يفهم السؤال، ويرد الجواب المطابق، وبعضهم قد لا يميز حتى تكتمل السبع.
يقول: "وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً" تقدم أن البلوغ والحرية شرطان للوجوب والإجزاء دون الصحة، فإذا حج الصبي أو اعتمر ومثله العبد فإنه يصح نسكه نفلاً، لكن عليهما حجة أخرى، وكذلك العمرة؛ لحديث ابن عباس ﵄ مرفوعاً: ((أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم اعتق فعليه حجة أخرى)) تقدم أن الحديث مختلف في رفعه ووقفه، وصحح الحافظ ابن حجر في فتح الباري إسناده، وصححه أيضاً الألباني في الإرواء مرفوعاً وموقوفاً، وعلى كل حال هذا الحديث لا بأس به، فهو عمدة في هذه المسألة، في حج العبد أثناء الرق، وأنه يؤمر بإعادة الحج، حجة الإسلام، نعم يصح منه الحج، ويؤجر عليه، ويثاب عليه، لكن لا تجزئه عن حجة الإسلام، ومثله الصبي.
стр. 133
وترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: باب حج الصبيان، وأورد في الباب ثلاثة أحاديث، حديثين عن ابن عباس، وأنه حج مع النبي ﵊ قبل الاحتلام، والثالث عن السائب بن يزيد قال: "حج بي مع رسول الله ﷺ وأنا ابن سبع سنين"، وفي صحيح مسلم من طريق كريب عن ابن عباس ﵄ قال: "رفعت امرأة صبياً لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)) قال ابن بطال: "أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ" يسقط عنه الفرض لا يطالب بفريضة الإسلام حتى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعاً عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال: إذ حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة الإسلام؛ لظاهر قوله ﵊: ((نعم)) في جواب: ألهذا حج؟ في قوله ﵊: ((نعم)) أي له حج، لكن هل هذا الحج صحيح بغض النظر عن الإجزاء وإسقاط الطلب أو أنه صحيح مجزئ مسقط عن الطلب؟ اللفظ محتمل، له حج، فهل هذا الحج المقصود به الحج المجزئ المسقط عن الطلب أو المقصود به الصحيح؟ بغض النظر عن سقوط الطلب به، جماهير أهل العلم حملوه على الثاني حجه صحيح، وينعقد إحرامه، وتترتب أثاره عليه، ويلزمه ما يلزم المكلف، وهذا من باب ربط الأسباب بالمسببات، لا نقول: إنه غير مكلف فكيف يلزم بالتكاليف لا، كما تجب الزكاة في ماله حكم وضعي وليس حكم تكليفي، يعني هذا من باب ربط الأسباب بالمسببات، وعلى هذا يحرم العبد عن نفسه، ويحرم الصبي المميز كذلك وأما غير المميز فيحرم عنه وليه، وإذا أحرم الصبي فإنه يلزم بإتمام النسك؛ لأن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، وإن كانا نفلاً، فكذا هنا ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] هذا يشمل الفرض والنفل، وقلنا: إن حج الصبي نفل فإذا عقد نية الدخول في النسك لزمه إتمامه، كما يلزم الكبير أن يتم حج النفل؛ لأن الله أمر بإتمام الحج والعمرة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
حتى غير المميز.
стр. 134
يجهل كثير من الناس هذا الحكم فيحجون بالصبيان، فإذا وجدوا المشقة قالوا: هذا غير مكلف فكيف نتعبه ونتعب به وهو غير مكلف، يلبس ثيابه ويرجع، وهذا حصل من شباب ناهزوا الاحتلام، في مكتبة اعتمر بهم المشرف على المكتبة لما رأوا الزحام أمرهم بالتحلل ورجعوا، على قول الأكثر ما زالوا محرمين تلزمهم ما يلزم المحرم بالنسبة لارتكاب المحظورات ولو تزوج أحدهم ففي صحة عقد النكاح نظر، نظر ظاهر، هذا يحصل وسببه الجهل، نعم على مذهب الإمام أبي حنيفة المسألة فيها سعة، على مذهب أبي حنيفة لا يلزمه الإتمام؛ لأنه غير مكلف، ولا ملزم بالواجبات، والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- يميل إلى مذهب أبي حنيفة؛ لأنه أرفق بالناس، كما أن الشيخ -رحمة الله عليه- رجح أن العبد إذا حج بإذن سيده ونواه عن الفريضة فإنه يجزئه، وقاسه على الفقير الذي لا يجب عليه الحج إذا حج حال فقره وتكلف المشقة فإنه يسقط عنه الفرض، يقول: فكذلك العبد إذا حج بإذن سيده فإنه يسقط عنه الفرض، وبه قال شيخه -رحمه الله تعالى- ابن سعدي، وقبلهما ابن حزم.
стр. 135
إن صح حديث ابن عباس: ((أيما عبد حج ثم اعتق فعليه حجة أخرى)) فلا كلام؛ لأنه قاطع للنزاع، والشيخ يشك في ثبوته، الترمذي ﵀ قال: أجمع أهل العلم على أن المملوك إذا حج في حال رقه ثم عتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيل، ولا يجزأ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، فإن صح الإجماع الذي حكاه الترمذي فلا كلام أيضاً، لكن الإجماعات التي ينقلها الترمذي فيها ما فيها، كما أن غيره ممن ينقل الإجماع قد ينقل الإجماع والخلاف قد يكون معروفاً كالنووي كثيراً ما ينقل الإجماع وينقض الإجماع بنفسه، هو بنفسه يذكر الخلاف، ومثله ابن المنذر بعض إجماعاته، وابن عبد البر وغيرهم مما يحكي الإجماع بعد تفرق الأمة في الأمصار، وأكثر من هذا من يصرح بنفي الخلاف، أو على حد علمه على الأقل حينما يقول: لا أعلم مخالفاً، مثل هذا كثير، الإمام مالك -رحمه الله تعالى- في الموطأ قال: لا أعلم أحد قال برد اليمين، مع أن قضاة عصره يقولون به، ابن شبرمة وابن أبي ليلى، الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- قال: لا أعلم أحد أوجب في أقل من ثلاثين من البقر زكاة، مع أن القول معروف عن عثمان وابن عباس، على كل حال هم بشر، وليسوا بمعصومين، والإحاطة بجميع العلم مستحيلة، وهؤلاء أئمة كبار لكنهم لن يخرجوا مهما بلغوا من العلم عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [(٨٥) سورة الإسراء] فالترمذي -رحمه الله تعالى- يقول: أجمع أهل العلم على أن المملوك إذا حج في حال رقه ثم عتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلاً، لا شك أن مثل هذه العبارات سواء صدرت من الترمذي أو النووي أو ابن المنذر لا شك أن لها هيبة، لها هيبة تجعل طالب العلم يتحرى ويتثبت فلا يخالف مثل هذه الكلمة إلا بشيء واضح وضوح الشمس، وإن قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: إن كثير من الإجماعات التي يدعيها ابن المنذر والنووي وأمثالهما تجعل طالب العلم لا يهاب الإجماع، نقول: لا، ومع ذلك على طالب العلم أن يهاب الإجماع.
طالب: عفواً يا شيخ.
نعم.
стр. 136
طالب: لو ثبت بسند صحيح عن أحد التابعين أن الصحابة أجمعوا على قضية مثل قول شقيق بن عبد الله في قضية ترك الصلاة ثبت سندها؟
أما إجماع الصحابة فمتصور، ونقله ممكن، والإمام أحمد في رواية عنه لا يرى الإجماع إلا إجماع الصحابة، فإذا ثبت عن تابعي أنه نقل إجماع الصحابة، وهذا التابعي ممن تسنى له أن يلتقي بالصحابة كلهم، أو أهل الفتوى منهم على الأقل لا شك أن قولهم معتبر.
طالب: إذا حدث الخلاف -خلاف هذا الإجماع- هل يعتد بهذا الخلاف؟
بعده، بعد الانعقاد.
طالب: إيه.
هنا بنشير إلى هذا، ابن حزم يقول: يجزئ الحج ولا يلزمه حجة أخرى؛ لأن العبد إذا حج في حال رقه ثم عتق يقول: يجزئه، لا شك أن هذا قول حادث بعد الإجماع الذي نقله الترمذي، فلا عبرة به، مع أن المسألة في ارتفاع الخلاف وانعقاد الإجماع بعده هل يرتفع الخلاف والأقوال تموت بموت أصحابها فينعقد الإجماع بعد الخلاف أو العكس؟ خلاف بعد الإجماع، أما بالنسبة للإجماع بعد الخلاف فله وجه، ولذا يختلف أهل العلم في حد ناكح المتعة هل يحد أو يعزر؟ من قال بأن الخلاف يرتفع إذا انعقد الإجماع بعده قال: يحد، ويؤيد هذا قول ابن عمر ﵁: لا يؤتى بأحد تمتع إلا جلده الحد، والذي يقول: إن الأقوال لا تموت بموت أصحابها يقول: ما يزال الإجماع .. ، مثل هذا الإجماع لا يرفع الخلاف، المقصود عندنا العكس إذا وجد الخلاف بعد الإجماع فإنه لا عبرة به، لكن يبقى مسألة ثبوت الإجماع، نعم؟
طالب: ترك الصلاة. . . . . . . . . شقيق بن عبد الله نقل الإجماع بسند صحيح.
طيب.
الخلاف ما عهد إلا في كتب المتأخرين من الفقهاء؟ يعني في عصر الأئمة القرون الثلاثة الأولى من قرأ في كتب الاعتقاد جعلوا قضية ترك الصلاة أنها ليست كفر من علامات المرجئة؛ لأن عندهم إجماع، ولذلك كلهم بوبوا حتى الترمذي وغيره يعني باب الإيمان وكتاب الإيمان. . . . . . . . .
لكن المذاهب الإسلامية المعتبرة، مذهب الشافعية والحنفية والمالكية، كتب الأئمة المتقدمين منهم نصوا؟ الشافعي نص في الأم على أن تركها كفر مثلاً أو أبو حنيفة أو صاحباه؟
طالب: نقل عن الشافعي أنه يقول بكفره.
стр. 137
على كل حال تحتاج المسألة إلى استقراء ولا إشكال في أن ترك الصلاة خطر عظيم، والنصوص الصحيحة الصريحة تدل على كفره، هذا أمر مفروغ منه، لكن هل المسألة هل نقول: إنها إجماع؟ نعم ثم وجد الخلاف بعد ذلك؟ وهل مثل هذا الخلاف معتبر أو غير معتبر؟ المسألة ....
طالب:. . . . . . . . . القاعدة من أتى يخالفهم من المتأخرين.
هو إذا ثبت الإجماع لا عبرة بقول المخالف؛ لأنه لا يجوز إحداث قول يخالف الإجماع، حتى إحداث قول ثالث في مسألة محصورة بقولين فقط مسألة خلافية بين أهل العلم، هل يجوز إحداث قول ثالث" يعني إذا اختلف أهل العلم على قولين يجوز إحداث قول ثالث مركب من هذين القولين أو خارج عنه؟ المسألة تطول في مثل هذه المسائل يطول الكلام فيها، ابن حزم يرى أنه يجزئه الحج ولا يلزمه حجة أخرى، وحديث ابن عباس قلنا: إنه صريح في أنه لا يجزئ؛ لأنه إذا ألزم بحجة أخرى دل على أن الحجة الأولى غير مجزئة.
هنا مسألة: إذا كان المخالف مثل ابن حزم أو أهل الظاهر عموماً؟ اختلف أهل العلم في الاعتداد بهم، أما طوائف المبتدعة فإنهم لا يعتد بهم، لا يعتد بقولهم في مواطن الإجماع والخلاف، قد تنقل أقولهم للعلم بها أو لردها، لكن الظاهرية وهم بغض النظر عن مخالفات ابن حزم في مسائل الاعتقاد محسوبون على أهل السنة، هل يعتد بقول الظاهرية؟ النووي نص في شرح مسلم في الجزء الرابع عشر صفحة تسع وعشرين على أنه لا يتعد بقول داود؛ لأنه لا يرى القياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد، وقريب منه قوله في تهذيب الأسماء، وابن حجر أيضاً أشار إلى شيء من ذلك، فهل يعتد بقول أهل الظاهر باعتبار أنهم اعتمادهم على النصوص أو لا يعتد بقولهم لأنهم لا يرون القياس؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، المسألة خلافية، وسمعنا كلام النووي، ومن أهل العلم من يرى أنهم أولى من يعتد بهم؛ لاهتمامهم بالنصوص التي هي أصول الأحكام، على كل حال إذا كان عمدة المسألة نص فينبغي أن يعتد بهم؛ لأنهم يقدرون النصوص قدرها، ويعتنون بها، ويهتمون بها، إذا كان عمدة المسألة اجتهاد، قياس ونظر، فلا عبرة بقولهم.
"والقادرُ"
سم.
وقفنا على قوله: "والقادر"
السطر الثالث نعم، والقادر.
طالب: إن أمكنه.
стр. 138
إن أمكنه الركوب نعم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"والقادر من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة صالحين لمثله بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية".
يكفي.
سبق في كلام المؤلف اشتراط القدرة لوجوب الحج ولزومه، وتقدمت الإشارة إلى أن غير القادر لو تكلف وحج حال عجزه وفقره أنه يصح حجه ويجزئه، ويسقط به الفرض، وهنا يعرف المؤلف القادر وأنه من يمكنه الركوب، ولا شك أن إمكان الركوب معتبر، كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ حينما سألت الخثعمية رسول الله ﷺ فقالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)) فكونه لا يثبت على الرحلة يدل على أنه غير قادر، لا يمكنه الركوب، فإذا كان لا يمكنه الركوب فإنه حينئذٍ عاجز فلا يلزمه الحج بنفسه، إن كان مستطيعاً ولا يرجى برؤه فإنه يناب عنه، فدل على أن الثبات على الراحلة معتبر إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يلزم شده؛ لكي يثبت على الراحلة، وهذا لما كانت وسائل النقل الإبل والحمر والدواب، أما الآن بعد تغير الوسائل فالسيارات والطائرات يندر أن يوجد من لا يستطيع مواصلة السفر فيها، وإن كان الناس في أو الأمر أول مجيء السيارات بعضهم لا يطيق مواصلة السير فيها، كثير من الناس يصاب بغثيان، وبعضهم يصاب بدوخة وإغماء، فإذا وصل الأمر إلى هذا الحد فإنه يعذر؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، بعد أن اعتادها الناس وألفوها يندر أن يوجد من يحصل منه شيء من ذلك.
стр. 139
قوله: "ووجد زاداً وراحلة" الزاد هو الطعام والشراب كما هو معروف، والراحلة المركوب، وقوله: "صالحين لمثله" يعني زاد وراحلة يناسبانه، والناس يتفاوتون في هذا، تأتي إلى شخص من علية القوم، وتقول له: يلزمك الحج وهذه السيارة موجودة، نعم؟ قد تعود على السيارات الفارهة والمراكب الوثيرة تأتي له بسيارة دون ما راضي، ومثله لو كان الأكل والشرب لا يناسبه، نعم إذا كان لا يطيقه شيء وكون لا يرتفع إلى مستواه شيء أخر، وكون الزاد الموجود يضره شيء أيضاً تنبغي ملاحظته، لكن بعد توافر النعم في العصور المتأخرة قد لا يرد مثل هذا الكلام على أن من أهل من يرى أنه إذا وجد راحلة توصله إلى المشاعر لزمه الحج مهما كان التفاوت بينها وبين ما كان يركبه، ومثله الزاد تعود على آكل معين يأكل المرققات، يأكل الجوارش والمقبلات ثم عاد إذا حج تنقطع هذه الأمور، ولا يجد إلا البلغة يلزمه الحج؛ لأن طبيعة السفر تختلف عن طبيعة الحضر، فالسفر كما في الحديث الصحيح قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فعلى الإنسان إذا انتهى من سفره، وقضى نهمته، يعجل إلى أهله؛ لكي يعيش عيشته العادية، على كل حال عليه أن يتحمل، وهي أيام لا سيما في مثل هذه الأزمان، نعم قد توجد المشقة الشديدة في السابق الطريق شهر والرجوع شهر، والمكث هناك أيضاً طويل، أما الآن الحج أربعة أيام، الحج كله أربعة أيام من أوله إلى أخره، مهما تحمل من المشقة لن يضره -إن شاء الله تعالى-.
روى الترمذي بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)) وقال: هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك زاداً وراحلة وجب عليه الحج، يقول الترمذي: "وإبراهيم -يعني راويه- هو ابن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه".
كلام الترمذي خفيف، تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، الرجل متروك يكفي أن يقال فيه: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه؟ لا يكفي، وهذا يؤيد ما ذكرناه سابقاً من تساهل الترمذي في أحكامه على الأحاديث وعلى الرواة.
стр. 140
وعن أنس ﵁ قال قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)) رواه الدارقطني، وصححه الحاكم، ورجح ابن حجر في البلوغ ارساله، لكن ذهب إلى هذا التفسير جماهير الأمة، فالزاد شرط مطلقاً، والراحلة لمن داره على مسافة لا يستطيع معها الوصول مشياً.
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في شرح العمدة لما سرد ما ورد في ذلك قال: فهذه الأحاديث مسندة من طرق حسان، ومرسلة وموقوفة، تدل على أن مناط الحكم الزاد والراحلة، مع علم النبي ﵊ أن كثير من الناس يقدرون على المشي، وأيضاً فإن الله قال في الحج: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] إما أن يعني القدرة المعتبرة في جميع العبادات وهو مطلق المكنة، مجرد ما يتمكن الإنسان أو قدر زائداً على ذلك، فإن كان المعتبر هو الأول لم يحتج إلى هذا التقييد، كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدر زائد في ذلك، وليس هو إلا المال ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] ما جاء في الصلاة من استطاع، في الصيام من استطاع؛ لأن الاستطاعة شرط معروف إذا كان مجرد قدرة الإنسان ومكنته من عمل العبادة، فالتنصيص عليها في الحج يعني الاستطاعة تعني أن الاستطاعة قدر زائد على مجرد التمكن من فعلها، يقول: وليس هو إلا المال، وأيضاً فإن الحج عبادة تفتقر إلى مسافة فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد، وذهب ابن الزبير وجماعة من التابعين إلى أن الاستطاعة هي الصحة لا غير، لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] فإنه فسر الزاد بالتقوى، وأجيب بأنه غير مراد من الآية كما يدل له سبب نزولها.
стр. 141
قال الصنعاني: "وحديث الباب يدل على أن المراد بالزاد الحقيقة" يقول: وهو وإن ضعفت طرقه فكثرتها تشد ضعفه، والمراد به كفاية الفاضلة عن كفاية من يعول حتى يعود؛ لقوله ﵊: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول)) رواه أبو داود، وهو حديث جيد، ولا بد أن يكون ذلك بعد قضاء الواجبات من الديون الحالة، يقول بعضهم: والمؤجلة، الحالة والمؤجلة، المؤجلة إن كان يغلب على ظنه الوفاء إذا حلت فإنها لا تمنع من وجوب الحج، وأيضاً الديون إذا كان لا أثر للحج عليها فإنها أيضاً لا تمنع، الشخص المدين بالملايين يحتاج في حجه إلى ألفين أو ثلاثة، لو أعطاها إلى أهل الديون يقبلونها أو يردونها؟ مثل هذه لا أثر لها، على كل حال الدين الحال الذي يؤثر فيه الحج لا بد من تقديمه على الحج، مثله ديون الله فهي أحق بالوفاء من الزكوات والكفارات والنذور، وبعد الحوائج الأصلية من كتب يحتاجها، فلا يأمر طالب العلم ببيع الكتب التي يحتاجها لكي يحج لا؛ لأنها حوائج أصلية بالنسبة له، ولذا يقول شيخ الإسلام بجواز أخذ الزكاة ممن مثل هذا ليشتري به ما يعينه على الطلب.
ولا بد من التقييد بكونه يحتاجها، إذا كان هناك من الكتب قدر زائد على الحاجة فإنه يلزمه بيعه والحج بثمنه، إذا كان يعتني بنسخ مثلاً أو طبعات أو هذه أفضل من هذه، أو هذه نحتاجها أو هذه قد نحتاجها لا؛ لأن الحج ركن من أركان الإسلام، فلا يعارض بمثل هذا الترف، من الحوائج الأصلية المسكن ما يقال: بع البيت وحج، لا ما يلزم، الخادم إذا كان مثله يخدم لباس مثله، ما يقال: بع الثوب اللي عليك واشترِ بأقل منه من قيمته إذا كان ما يلبسه مثله.
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 142
على كل حال إذا كانت تناسبه وتليق به يلزمه بيعه، قد يقول قائل: عنده مسكن لو باعه بمليون واشترى بنصف قيمته وحج، وحجج معه عدد كبير، هل يلزمه بيعه؟ ومثله إذا كان عنده بيت بهذه المثابة، ويحتاج في تكميل نفقته إلى شيء من الزكوات له ولمن يمون، هل يلزمه بيع البيت الذي يمكن أن يشتري بأقل من قيمته ويتعفف عن الزكاة؟ افترضنا شخص بيته بسبع مائة ألف، وهناك بيت بخمسمائة ألف يكفيه ويكفي أسرته، وإذا استمر على بيته المقدر بسبعمائة ألف يحتاج في تكميل نفقته ونفقة أسرته إلى الزكوات.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، هنا يلزمه بيعه، إذا توقف الحج على مثل هذا يلزمه بيعه؛ لأن هذا قدر زائد على الحاجة الأصلية، قال الفقهاء: ولا يصير مستطيعاً ببذل غيره له، بشخص غير مستطيع غير مطالب بالحج قال صاحب حملة:. . . . . . . . . الله يحيك، أسقط فرضك، هل يلزمه الحج؟ لا يلزمه؛ لما يترتب على ذلك من المنة، ولو كان الباذل له –ولو هنا للخلاف القوي- ولو كان الباذل له قريبه كأبيه ونحوه؛ لوجود المنة أيضاً بخلاف ولده فيلزمه الحج ببذل الولد؛ لأن مال الولد مال له، إذا كان الولد قد أدى الحج عن نفسه، وإلا فلا يجوز له أن يبذل المال لوالده، ولا يجوز له أن يؤثره بهذا المال ليحج به مع وجوبه عليه، كما أن مما يعتبر عند أهل العلم أمن الطريق، لا بد أن يكون الطريق أمن، فإذا غلب على الظن أنه يهلك في هذه الطريق لوجود سباع أو أعداء فإنه حينئذٍ لا يلزمه، أين القارئ؟
اقرأ، اقرأ.
قال: "وإن أعجزه كِبْرٌ أو مرض ... "
كِبَر، كِبَر.
"وإن أعجزه كِبَر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه من حيث وجبا ويجزأ عنه وإن عوفي بعد الإحرام".
يكفي.
"ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام".
стр. 143
يقول -رحمه الله تعالى-: "وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر ... من حيث وجبا" وجب عليه الحج في الرياض يلزمه أن يقيم من يحج عنه من الرياض، ما يقول: يحجج عني من الطائف أرخص أو من مكة "من حيث وجبا ويجزأ عنه -حج الغير عنه- وإن عوفي بعد الإحرام" أي وإن أعجز المستطيع بالزاد والراحلة كبر سن أو مرض قرر الأطباء أنه لا يرجى برؤه، ولا السلامة منه مستقبلاً فإنه يلزمه الحج، لكن بالنائب لا بنفسه، وهو قول الشافعي، وكثير من العلماء، واختيار شيخ الإسلام وابن القيم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [(١٦) سورة التغابن] وقوله ﵊: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ويلزمه حينئذٍ أن يقيم من يحج من ماله، ويعتمر عنه من حيث وجبا، أي من بلده؛ لحديث ابن عباس أن امرأة من خثعم قالت: "يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة" فأمرها أن تحج عنه، وقال مالك وأبو حنيفة: المعضوض الذي لا يقدر على الحج بنفسه لا يلزمه الحج؛ لأن الوجوب قيد بالاستطاعة وهذا غير مستطيع، لا يلزمه الحج ولو كان ذا مال، قاله ابن هبيرة وابن رشد، وقوله: "من حيث وجبا" أي من بلده لا من الميقات أو ما قرب منه، وهو اختيار الشيخ، وعند الشافعي يجزئ من الميقات، هل يجزئ من مكة؟ المسافة بين بلده وبين المشاعر هل هي مقصودة لذاتها؟ نعم؟ لو بحث عن من يحج عنه من الرياض قال: أريد خمسة ألاف، من الطائف ثلاثة ألاف، وجد ثلاثة ألاف من الطائف، وجد من مكة بألف، بألف ريال، قال: أحجج بألف الحمد لله، الدين يسر، هنا المؤلف يقول: من حيث وجبا؛ لأن البدل يأخذ حكم المبدل، النائب حكمه حكم الأصل، لكن هل المسافة ثمانمائة كيلو مثلاً من الرياض إلى الميقات مثلاً مقصودة لذاتها؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 144
غير مقصودة، غير مقصودة لذاتها، عند الشافعي يجزئ من الميقات، وهذا القول فيه قوة؛ لأن ما بين بلده والميقات ليس من مقاصد الحج، وإنما ثبوته تبعاً لا أصالة له، يجزئ الحج والعمرة عن المنوب عنه، وإن عوفي بعد إحرام نائبه، وقبل فراغه من النسك تلبس بالإحرام، لماذا؟ لأنه لو تلبس بالإحرام ثبتت الأجرة، ثبتت الأجرة، لأنه لا يجوز له أن يفسخ، وإذا ثبتت الأجرة في مال المنوب عنه فلا يمكن أن يلزم بهذه الأجرة مع إلزامه بحجة أخرى؛ لأن الواجب الحج مرة واحدة، فإذا ألزمناه بحج النائب، وحجه هو كأننا ألزمناه بحجتين لماذا؟ لأنه أتى بما أمر به فخرج من العهدة، الذي لا يجد نائب، الذي يبحث عن نائب ينوب عنه فلم يجد، قالوا: يسقطان، يعني الحج والعمرة يسقطان عنه.
كثير من أهل العلم يرون أنه لا يجزئ حج النائب إذا عوفي الأصل ولو بعد الإحرام، لماذا؟ لأنه بعد الشفاء تبين أنه غير ميئوس منه، قال في المبدع: وهو الأظهر عند الشيخ تقي الدين، وقال الموفق: ينبغي ألا يجزئ؛ لأن الأصل هو المطالب، ولا يصح حج النائب مع قدرة المنوب عنه، وإذا عوف المنوب عنه قدر على الحج فتبين أن النيابة باطلة، وحينئذٍ لا يجزئ، يشترط في النائب أن يكون قد حج على نفسه، أما من لم يحج عن نفسه فإنه لا يصح أن يحج عن غيره؛ لما رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سمع رجل يقول: لبيك عن شبرمة، قال: ((من شبرمة؟ )) قال: أخ لي أو قريب لي، فقال: ((حججت عن نفسك)) قال: لا، قال: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)) وحديث اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، لكن الإمام في رواية ابنه صالح رجح الرفع، وإن قال في رواية غيره إن رفعه خطأ، قال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، وقال الدارقطني: المرسل أصح، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: هو كما قال لكنه يقوي المرفوع؛ لأنه عن غير رجاله، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 145
تأتي -إن شاء الله-، هنا اختلف في الحديث في رفعه ووقفه، وفي إرساله ووصله من جهة أخرى، وإذا تعارض الوقف مع الرفع والوصل مع الإرسال فمن أهل العلم من يرجح الإرسال لأن فيه زيادة علم؛ لأنه من رفع معه زيادة علم، وهذه طريقة كثير من المتأخرين، منهم من يرجح الإرسال لأنه هو المتيقن، وبالمقابل منهم من يرجح الرفع بمقابل الوقف، ومنهم من يرجح الوقف، منهم من يرجح بالكثرة يرجح الأكثر، ومنهم من يرجح بالحفظ والضبط والإتقان، فيرجح قول الأحفظ أو رواية الأحفظ، لكن ذكرنا مراراً أن طريقة المتقدمين في مثل هذا أنه لا يحكم بحكم عام مطرد، بل الحكم بما تؤيده القرائن، فالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- رجح أنه مرفوع في رواية ابنه صالح، وفي رواية غيره رجح أنه موقوف، وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، الدارقطني يقول: المرسل أصح، عندنا مرسل وعندنا موصول، المرسل رجاله أوثق، ابن حجر يرى أنه لا تعارض حينئذٍ بين الوصل والإرسال؛ لأن رجال السند غير المرسل غير رجال السند الموصول، والشافعي -رحمه الله تعالى- ذكر مما يتأيد به المرسل ويقبل بحيث يحتج به يصير حجة أن يثبت من طريق أخرى إما مرسلة أو موصولة، وهنا الطريقة الأخرى موصولة، قال بعضهم: إذا ثبت من طريق أخرى موصولة فلا حاجة لنا بالطريق المرسلة، لكن الصواب أن لنا به حاجة؛ لأنهما حينئذٍ يصير .. ، عندنا أكثر من طريق، كثرة الطرق نحتاجها، وإذا كان رجال الموصول غير رجال المرسل فإن الرواية المرسلة لا تعل بالمرسل حينئذٍ، إذا عرفنا هذا فالحديث دليل على أنه لا يصح أن يحج المرء عن غيره وهو لم يحج عن نفسه، فإذا أحرم عن غيره فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه؛ لأنه ﵊ أمره أن يجعله عن نفسه ((حج عن نفسك)) بعد أن لبى عن شبرمة، فدل على أن النية لم تنعقد عن غيره، وبهذا قال الشافعي، وكره ذلك مالك وأبو حنيفة، فصل بعضهم فقال: إن كان النائب ممن لا يلزمه الحج، النائب فقير لا يلزمه الحج، ثم أعطي ما يسمى بحجة، أُنيب أعطي مبلغ يحج به تصح النيابة، إن كان ممن يلزمه الحج لكونه مستطيعاً فإنه لا تصح نيابته، وعموم الحديث يمنع النيابة ممن لم يحج عن نفسه سواء كان مستطيعاً أو غير مستطيع؛
следующие страницы →