← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 23834

شرح زاد المستقنع - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (562 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

" ويفطر بها فقط " يفطر بها فقط، يعني لا بالريق " إن وصلت إلى فمه " وفي بعض نسخ الزاد: إلى حلقه، لكن الصواب إلى فمه. على القول بأنها تفطر؛ لأنها من غير الفم، فإذا وصل لما الجوف أو الصدر أو الدماغ، فإذا وصلت إلى الفم فابتلعها وقد انتقلت من مكانها ثم ابتلعها على المذهب يفطر، نظيرها ما لو أصيب بدسعة قلس، إيش معنى هذا؟ يعني من القيء اليسير، كح مثلاً أو سعل فخرج حبات من الطعام إلى فمه فابتلعها يفطر وإلا ما يفطر؟ أو ما بين الأسنان، ابتلع ما بين الأسنان، لكن تنظيرها بما يخرج من الجوف من الطعام المأكول مع السعال، وهذا يحصل كثيراً، يعني بدلاً من القيء يكون كثير، يكون شيئاً يسير، نعم. هذا إذا ابتلعه يفطر وإلا ما يفطر؟ نعم؟ والنخامة مثله، نعم، يقول: " ويفطر بها فقط، لا بالريق إن وصلت إلى فمه " طالب: ... . . . . . . . . . مضى في درس الأمس لو طار إلى حلقه ذباب أو غبار ونحوها مما لا يمكن التحرز منها هذا لا يفطر، ما في إشكال. طالب: القلس؟ على التفصيل السابق، ومثلها النخامة يمكن التحرز منها أو لا يمكن؟ نعم؟ هو مسألة الوصول إلى الحلق لا يمكن التحرز منها، إلا مع استفراغ، لكن إذا وصلت إلى الفم وهو المرجح في كثير من النسخ؛ لأن بعض النسخ إن وصلت إلى حلقه يفطر بها فقط إن وصلت إلى حلقه، لكن هذا ما له وجه، نعم؛ لأنه لا يمكن التحرز منها إلا مع الاستفراغ، لكن إذا وصلت إلى فمه أمكن التحرز منها، يفطر بها عندهم. " ويفطر بها فقط لا بالريق إن وصلت إلى فمه " لأنها من غير الفم، يعني من الجوف أو الصدر أو الدماغ، فإن لم تصل إلى الفم بأن أحس بها نزلت من دماغه وذهبت إلى جوفه من غير مرور بالفم فإنه لا يفطر. والقول الثاني: أنها لا تفطر مطلقاً؛ لأنها لم تخرج من الفم كالريق، يعني مثل الريق، لو جمع الريق فابتلعه لا يفطر، وهذه مثله، وهي نوع منه، إلا أنها لها وصف خاص، لكن القول بالتفطير كأنه هو المتجه مثل ما لو ابتلع ما بين أسنانه، أو ما صدر منه أو ما ارتفع إلى فمه من طعام بسبب السعال. يقول: " ويكره ذوق طعام بلا حاجة "

стр. 72

يكره ذوق طعام بلا حاجة، مفهومه أنه إذا كان هناك حاجة لذوق الطعام كالطباخ مثلاً أنه لا كراهة، إذاًًًًًً كيف يكره ذوق الطعام بلا حاجة وبإمكانه أن يذوق الطعام ثم يلفظ ريقه ولا أثر لذلك؛ لأنه ربما نزل شيئاً من هذا الطعام إلى الجوف من غير أن يشعر به، أما إذا كان لحاجة كالطباخ والمرأة في بيتها تذوق الطعام هل ملحه مناسب، هل حلاه مناسب أو لا؟ لا بأس بذلك، كما حكاه البخاري عن ابن عباس. يقول: " ويكره ذوق طعام بلا حاجة، ومضغ علك قوي " والمراد بالعلك القوي: الذي لا يتفتت، معروف أن من أنواع العلوك ما يتفتت، ومنها ما لا يتفتت، هل الخلاف في العلك سواءً كان قوي أو غير قوي؟ بأن كان من النوع الذي يتفتت، العلك المطلي بغيره مما له طعم وجرم، أو المراد به الذي لا طعم له؟ ما هو في الأسواق أنواع من العلوك، بعضها نعناع، وبعضها مطلي بطبقة ملونة، وفي أشياء له طعم، طعم وجرم واضح، يعني مثل هذه لو غسلت فذهب الطعم دخلت في الكلام الذي معنا، المقصود بالعلك الذي لم يدخل عليه شيء من التحسينات، ولم تدخله الصناعة، العلك الذي على طبيعته، وهو نوعان: علك قوي لا يتحلل، وعلك يتحلل ويذوب، العلك القوي، نعم؟ طالب: ... . . . . . . . . . هو اللبان نعم. المرارة التي بالعلك ما فيه نوع مر؟ هاه؟ هل تأخذ حكم المحسنات التي توضع على العلوك؟ طالب: ... .... نعم؟ طالب: تصبح لها طعم. أو المقصود بالعلك الذي يذكر هنا في هذا الباب الذي لا يذهب إلى الجوف منه شيء، افترضنا أن شخص علك العلك بالليل مثلاً، وراح الطعم منه مائة بالمائة، ما بقي للطعم أثر، فقال: أنا أرجئه إلى الظهر، أحتاجه؛ لأنه يجم الريق العلك، ولا طعم له، ولا جرم، إنما هو لاستجمام الريق فقط، هذا محل الكلام، إذا كان لا يتفتت.

стр. 73

يقول: " ومضغ علك قوي " أي الذي لا يتفتت لئلا يتسرب شيء إلى بطنه من طعمه، إن كان له طعم، فإن لم يكن له طعم فلا كراهة، لكن ينبغي أن لا يمضغه أمام الناس؛ لئلا يساء الظن به، الشخص الذي يمضغ العلك أمام الناس يساء به الظن، وأيضاً يفتح مجال لمن أراد أن يأكل، فقد يأكل أشياء بعض الناس الذين عندهم رقة في الدين أو بعض الأطفال الذين يمرنون على الصيام قد يأكلون؛ لأنهم لا يرجون بذلك ثواب من الله إنما هو لمجرد التمرين، فالطفل وأشد من ذلك من كان في دينه رقة قد يأكل أشياء، ويظهر للناس أنها علك، أنها علك، فلا ينبغي أن يستعمل مثل هذا أمام الناس، الأمر الثاني: أن العلك صار من سمة النساء، صار من سمة النساء يعني هل ترون رجلاً في مكتمل رجولته يمضغ العلك أمام الناس؟ نعم؟ يوجد لا يوجد، وعلى هذا فاستعماله مخالف للمروءة، ومثل هذا مسقط للعدالة عند أهل العلم، فلا ينبغي أن يزاوله من بلغ هذه المنزلة في المروءة والرجولة؛ لئلا يتسبب في إسقاط عدالته. " وإن وجد طعمهما في حلقه أفطر " وجد طعمهما في حلقه أفطر، طعم الطعام وطعم إيش؟ العلك القوي، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- ينازع في كون مناط الحكم وصول الطعم إلى الحلق؛ لأن الطعم قد يصل إلى الحلق ولا يبتلع، شيخ الإسلام ﵀ فعل له رسالة صغيرة اسمها: حقيقة الصيام، طبعت قديماً، وهي نافعة في هذا الباب، طبعت بمطبعة المنار قديماً، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى - ينازع في كون مناط الحكم وصول الطعم إلى الحلق، إنما مناطه وصول الطعم إلى الجوف؛ لأن الطعم قد يصل إلى الحلق ولا يبتلع. يقول: " ويحرم العلك المتحلل إن بلع ريقه " يحرم العلك المتحلل، يعني هو الذي يقابل العلك القوي الذي سبقت الإشارة إليه، وهذا لا شك في تحريمه؛ لأنه وسيلة إلى إفساد الصوم. يقول ﵀: " وتكره القبلة لمن تُحرِك شهوته "

стр. 74

تكره القبلة لمن تُحرِك شهوته، تكره يعني مع أمن إفساد الصوم، أما إذا خشي إفساد الصوم بإنزال ونحوه فهذا حكمه التحريم، فلا يجوز له حينئذ ٍ أن يقبل، أما من لا تتحرك شهوته، أو قبل ما لا يحرك الشهوة كطفل صغير أو محرم، أو امرأة كبيرة في السن، مثل هذه لا تحرك الشهوة، من لا تحرك شهوته فلا كراهة، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يقبل وهو صائم. [ومتفق عليه من حديث عائشة]. وأما حديث: أن النبي ﵊ سأله رجل عن القبلة فأذن له، وسأله آخر فلم يأذن له، فإذا الذي أذن له شيخ والذي لم يؤذن له شاب. [أخرجه أبو داود حديث ضعيف] وليس المرد في ذلك إلى الشباب والشيخوخة، فكم من شيخ أشد من الشباب في هذا الباب، وكم من شاب أضعف من الشيوخ في هذا الباب، لكن لو نظر إلى المرأة التأثير للمرأة لا للرجل، نعم لا شك أن الناس يتفاوتون، من الناس من يثيره أدنى شيء، ومن الناس من لا يثيره شيء، فالرجل وقوته وشهوته لها حظ من النظر في هذا الباب، والمرأة أيضاً لها دور في التأثير على الرجل في هذا الباب. كونه لم يأذن للشاب وأذن للشيخ، أولاً: الحديث ضعيف، الأمر الثاني: أنه ليس المرد الشباب والشيخوخة، بل المرد إلى الشهوة قوة وضعفاً. " يجب اجتناب كذب وغيبة وشتم " وهذا يجب على الصائم وغير الصائم، لكنه في حق الصائم آكد، ففي صحيح البخاري: ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) [خرجه البخاري من حديث أبي هريرة]. الكذب كبيرة من كبائر الذنوب، وكذلك الغيبة، السب والشتم، كل هذه من المحرمات، التي يجب على المسلم اجتنابها في كل وقت، وفي كل مكان، لكن إذا اجتمع وانضم إلى هذا التحريم تحريم من وجه آخر أو من وجوه، كأن يكون صائم في رمضان، في بلد حرام، من كبير سن من طالب علم، من عالم، كل هذه تجعل التبعة أكبر، فعلى المسلم أن يحتاط لدينه عموماً وعلى طالب العلم أن يحتاط لنفسه. يقول: " إذا كان الجماع في نهار رمضان محرم لا يجوز فإن الوسيلة إلى الجماع أيضاً محرمة كذلك "

стр. 75

حتى ولو كان مالكاً لإربه أليس كذلك؟ إذا كان مالك لإربه ليست هناك وسيلة، الوسيلة إذا كان قربه من زوجته سبباً للجماع المحرم، فحينئذ ٍ يمنع القرب منها؛ لأنه وسيلة إلى الوقوع في المحرم، أما إذا كان مالكاً لإربه فلا يمنع من النوم معها، أو من حتى تقبيلها إذا كان مالكاً لإربه على حد زعمه، لكن إذا كان لا يملك إربه ويخشى من نومه بجانبها أو قربه منها فإنه لا يجوز له ذلك سداً للذريعة الموصلة إلى المحرم، هذا سئل عنه أمس لعله يعني. .. يقول: ذكر المؤلف إحليله فما المراد بالإحليل؟ الذكر. بقايا الطعام بين الأسنان لو خرجت أثناء الصلاة هل يجوز ابتلاعها؟ لا يجوز ابتلاعها. من ابتلعها هل تبطل صلاته وصيامه؟ إذا كان مما يشق التحرز منه بحيث لا يستطيع إخراجه لعله يعفى عنه. يقول: كيف يعرف الشخص من نفسه أنه يقدر على صيام شهرين متتابعين، فإذا علم أن ذلك يشق عليه لا لمرض ولا لضعف، ولكن لطول المدة وأنه قد يفطر خلال هذين الشهرين؟ إذا لم يكن هناك مانع من مرض أو شدة شهوة أو شبق يمنعه من الصيام فإنه قادر، ليس المعنى أن الإنسان ليس بقادر يعني يشق عليه، لا، ولو مع المشقة، ما لم تبلغ المشقة إلى حد يتضرر به. يقول: علماً بأن الرجل يريد أن يكفر بعد أن تجاوز عدة رمضانات؟ عليه الكفارة ولو طال به الزمن؛ لأنها دين في ذمته. يقول: هل هناك دليل من السنة على تحديد مدة الإقامة، دليل غير الاحتياط؟ أولاً: من خبر عن ابن عباس تحديده الأربعة البرد، وأيضاً يستدلون بأن النبي ﵊ مدة إقامته في مكان واحد أربعة أيام في مكة، وأما ما عداه فهو متنقل بين المشاعر، وعلى كل حال مثل هذا بمفرده قد لا ينهض دليلاً على أصل المسألة، كما قال الشيخ ﵀، لكن الناس اتخذوا إطلاق النصوص ذريعة إلى تجاوز ما حد الله وارتكاب ما حرمه. يقول: إذا انتقضت النية هل يستطيع أن يجددها؟ إذا انتقضت بأن نوى الإفطار فإنه يفطر ولا يستطيع تجديدها. إذا صاموا ثلاثين يوماً فلم ير هلال شوال مع صحو فهل يتابعون صومهم يوماً آخر؟

стр. 76

لا، إذا صاموا ثلاثين يوماً، ورؤيتهم لدخول الشهر معتبرة شرعية فلا يزيدون على الثلاثين؛ لأنه لا يمكن أن يزيد الشهر عن ثلاثين، ولا ينقص عن تسعة وعشرين. يقول: إذا استمنى متعمداً الرجل في نهار رمضان فماذا يترتب عليه من الأحكام؟ أولاً: يفطر كما سمعنا؛ لأنه يخرج هذا الماء بشهوة، فهو مثل الجماع، يفطر ويعصي، يترتب عليه الإثم، -نسأل الله العافية-، وعليه التوبة والاستغفار، ولا كفارة عليه؛ لأن الكفارة خاصة بالجماع، وعليه أن يغتسل، من أجل الصلاة، ويقضي هذا اليوم، ويقلع عن هذا الذنب، ويتوب إلى الله، ويكثر من النوافل؛ لأنه خطر عظيم، الفطر في نهار رمضان من غير عذر خطر عظيم. يقول: شخص كان عليه أيام من عدة رمضانات تقريباً خمسة أيام، قيل: يجب عليك القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم عن التأخير كفارة، فهل إفطار الصائم في رمضان بمبلغ خمسة ريالات يدخل في إطعام المسكين؟ أولاً: مسألة الإطعام مسألة مختلف فيها ويأتي الكلام عليها قريباً -إن شاء الله تعالى-. الإطعام معروف أنه نصف صاع هذا إذا كان غير مطبوخ، أما إذا كان مطبوخاً فما يشبع المسكين يسمى إطعام مسكين. خمسة ريالات يمكن بهذه الخمسة ريالات تقدم له وجبة مكونة من سبع تمرات وماء، وكان شيء ما أدري عن مدى إجزائه حقيقة؛ لأنه قد يقدم له شيء غير المعتبر عند أهل العلم، وإن كان يسمى طعام في عرف الناس اليوم، لكن لو قدم له مثلاً بخمسة ريالات صحن فطائر وإلا همبرجر وإلا شيء، نقول: أطعم مسكين، يطلق عليه إطعام عند أهل العلم؟ هم يقولون: نصف صاع من أرز أو بر أو تمر أو ما أشبه ذلك، هذا الإطعام، نعم. علماً بأن الشخص قد قضى الأيام وبقي له الكفارة؟ يأتي الكلام في الكفارة - إن شاء الله تعالى -، نعم. على كل حال إذا كان في ما يسمى طعام شرعاً واصطلاحا، ً وعرفاً لا بأس، ما هو بمطبوخ يشبعه، إذا كان يشبعه فهو طعام مسكين. يقول: هل صيام القضاء والنذر يجب فيه النية؟ كل صيام واجب تجب فيه النية من الليل، لا بد أن ينوي فيه قبل طلوع الفجر. وهل يجوز قطع الصيام لأي عذر؟ يأتي ما في إبطال الصيام، انتهت. يقول: إذا رأينا شخصاً يأكل أو يشرب وهو صائم صيام متطوع هل ينكر عليه؟

стр. 77

لا بأس بتنبيهه، لا بأس من تنبيهه، ينبه يقال: إنك صائم، وما أشبه ذلك؛ لأنه ناسي، فلا مانع من تنبيهه، أما إذا أكل ولو ناسياً في رمضان أو في صوم واجب يجب الإنكار عليه. يقول: الدم يبطل الصوم وهو خارج وليس من الدواخل فذلك ينقض قاعدة ابن عباس؟ قلنا: إن قاعدة ابن عباس أغلبية، سواءً كانت فيما يبطل الصوم، أو ما ينقض الوضوء أغلبية وليست كلية، وعرفنا ما يرد على الشقين. طالب: يا شيخ بالنسبة لقضية من ضرب على رأسه فأغمي عليه ثم جلس ساعة ثم قام، جلس أظن ربع ساعة ثم أفاق، أو نصف ساعة هل يبطل صومه هذا؟ نقول: الإغماء إذا كان أقل من ثلاثة أيام فهو في حكم النائم، في حكم النائم، لكن هم في باب الطهارة يجعلون مثل هذا الإغماء في حكم الجنون، ينتقض وضوءه؛ لأنه لا يشعر هل صدر منه ما ينقض الوضوء؛ ولأن النوم أيضاً ينقض الوضوء عندهم. يقول: قلتم إن الإبرة إذا كانت في العضل أو الوريد لا تفطر إذا لم تكن للتغذية؛ لأنها ليست في معنى الأكل أما ما كان مغذياً فهو في معنى الأكل، والسؤال أما ترى أن الإبرة إذا لم تكن للتغذية بل كانت للتداوي أنها بمعنى الدواء الذي يستخدمه الشخص عن طريق الفم، فتكون بذلك مفطرة مثل ما يفطر الدواء المأخوذ عن طريق الفم؟ لا، القياس مع الفارق، أي شيء يدخل مع المدخل الطبيعي الفم يفطر، سواءً كان مغذي نافع ضار، ولو أكل سم، يفطر، ولو شرب دخان يفطر، شرب مسكر يفطر، ولو كان مما يضر، أما ما كان عن غير طريق المدخل الطبيعي فإن كان في معنى الطعام: ((يدع شهوته وطعامه)) إذا لم يكن في معنى الطعام بمعنى أنه يغذي فلا أثر له - إن شاء الله تعالى -. يقول: إذا رأيت رجلاً ويظهر أنه كافر وكان يدخن مثلاً فهل أنكر عليه؟ إن كان في رمضان لا بد من الإنكار عليه، لا يجوز له أن يزاول المنكرات والمفطرات في رمضان ولا في غير رمضان، المنكرات ينكر عليه، ويؤمر بالتستر بفعلها، والله المستعان.

стр. 78

الآن الإنكار في مثل هذه الأمور التي عمت بها البلوى ضعف حتى بين المسلمين، فلا تجد شخصاً ينكر على المدخن، أو يستعمل من آلات اللهو شيئاً، أو مسبل، أو حليق، أو ما أشبه ذلك، بدعوى أنها عمت بها البلوى، ولو باشرها الناس بالإنكار من أول الأمر ما وصل، ما وصلنا إلى مثل هذا الحد الذي وصلنا إليه. يقول: لو ابتلع الصائم الماء بعد تجمعه في فمه وكان فيه طعم السواك فهل يفطر؟ إذا كان السواك له طعم، السواك الجديد غالباً له طعم، فلا بد أن يلفظ ذلك الطعم، ولا يدخله جوفه إلا إذا ذهب من غير قصد. يقول: ما فائدة الحجامة؟ فائدة الحجامة ما في شك أنها معروفة وملموسة تخفف النوم، وتخرج الدم الفاسد الزائد، وهي أيضاً جاء النص على أنها مفيدة، إن كان الشفاء ففي ثلاث، ومنها شرطة محجم. يقول: ما حكم تعليق نية الصوم برؤية الهلال؟ سبق الكلام عن ما لو قال: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي، عرفنا أن المذهب لا يصح صومه؛ لأنه متردد في النية، عرفنا أن شيخ الإسلام ﵀ يرى أن صومه صحيح لأن هذا التردد لا في الصيام، وإنما هو في ثبوت الشهر، والجهة عنده منفكة. يقول: ما حكم صيام من علم بثبوت الصيام في منتصف النهار ولم ينو للصيام من الليل؟ يلزمه الإمساك بقية اليوم، يلزمه الإمساك بقية اليوم، إذا قامت البينة على أنه رؤي الهلال بالليل، أما إذا قامت البينة بأنه رؤي الهلال بالنهار فإنه يكون لليلة القادمة، يكفي. هاه؟. . . . . . . . . . للغد - إن شاء الله -. سم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: " ويستحب القضاء متتابعاً، ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، وإن مات ولو بعد رمضان آخر، وإن مات وعليه صوم أو حج أو اعتكاف أو صلاة نذر، استحب لوليه قضاؤه ". اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يقول -رحمه الله تعالى -: " ويستحب القضاء متتابعاً، ولا يجوز تأخيره إلى رمضان آخر من غير عذر "

стр. 79

أولاً: من أفطر في رمضان لغير عذر شرعي فقد أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وعرض نفسه للعقوبة فعليه التوبة إلى الله مع القضاء، وأما من أفطر لعذر شرعي من سفر أو مرض أو حيض أو نفاس فإنه يجب عليه القضاء إذا زال عذره، لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: باب متى يقضى قضاء رمضان؟ وقال ابن عباس: "لا بأس أن يفرق" لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر: "لا يصلح حتى يبدأ برمضان" وقال إبراهيم: "إذا فرط حتى جاء رمضان آخر يصومهما ولم ير عليه إطعاماً". يعني إذا أخر مفرطاً إلى رمضان آخر لم ير عليه إبراهيم، إبراهيم بن من؟ طالب: النخعي. النخعي، ولم ير عليه إطعاماً. ويذكر عن أبي هريرة مرسلاً وابن عباس: "أنه يطعم" فالقول بالإطعام قول أبي هريرة وابن عباس وإبراهيم يرى عدم الإطعام، هذا بالنسبة لمن فرط في القضاء فلم يقض حتى جاء رمضان آخر. يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: ولم يذكر الله الإطعام، الإمام -رحمه الله تعالى- إذا صدر الباب بخبر ولو عن تابعي فإنه يكون اختياره إذا لم تكن الترجمة صريحة في الحكم؛ لأنه قال في الترجمة: باب: متى يقضي قضاء رمضان؟ ولا تعرض لا لإطعام ولا لغيره، ثم صدر الكلام ذكر كلام النخعي قبل كلام أبي هريرة وابن عباس، دليل على أنه يختار قول النخعي، ولذا عقب بعد ذلك فقال: ولم يذكر الله الإطعام إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.

стр. 80

فعلى ما ذكرنا، وما ذكره الإمام البخاري عن أبي هريرة وابن عباس يكون الإطعام مأثور عن هذين الصحابيين، وهو لم يذكر في كتاب الله ولم يصح فيه شيء عن رسول الله ﷺ من أطعم لا شك أنه أحوط، من أطعم فهو أحوط، وفيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني والبيهقي، لكنه ضعيف جداً، وهذا في حق من أخر من غير عذر إن كان تأخيره إلى رمضان الآخر لمرض يرجو زواله، واستمر معه المرض إلى رمضان الثاني فإنه يكفيه القضاء؛ لأنه معذور، ولا كفارة عليه حينئذ ٍ بخلاف ما إذا أخر ذلك تساهلاً، وتفريطاً، ولا يلزم التتابع في القضاء، كما قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: "لا بأس أن يفرق" نقلاً عن ابن عباس، لا بأس أن يفرق يعني القضاء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فعلى هذا لا يلزم التتابع في القضاء، بل لو قضى ما عليه من أيام متفرقة صح ذلك وأجزأ؛ لأن الله قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] ولم يقل: متتابعة، هنا يقول: ويستحب القضاء متتابعاً، استحباب التتابع؛ لأن الأصل أن القضاء يحكي الأداء، والأداء متتابع إذ اً فالقضاء حكمه حكمه، وإن لم يكن على سبيل الوجوب والإلزام، لكن في أصل المشروعية، يحكيه في أصل المشروعية، ولأنه أيضاً أسرع في إبراء الذمة، ولا يجوز تأخيره إلى ....

стр. 81

زاد المستقنع - كتاب الصيام (٥) صيام عشر ذي الحجة - إفراد رجب، والجمعة، والسبت، والشك بصوم – ليلة القدر- وعلاماتها – الاعتكاف – وما يشغل به نفسه فيه. الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير أما الحاج فإنه لا يصوم، ولا يسن له ذلك، بل لا يشرع على الصحيح من قولي العلماء، وإن قال بعضهم بشرعيته، وعرف عن بعض الصحابة كابن عمر صوم يوم عرفه بعرفة، النبي ﵊ شرب من لبن بقدح يوم عرفة ضحىً والناس ينظرون إليه، وأما حديث: ((نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة))، [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه]، الحديث فيه كلام، ولو ثبت لكان نصاً في الموضوع، فالأولى: الفطر في يوم عرفة اقتداءً به ﵊ وقال بعض العلماء: بتحريم صومه، وإثم فاعله، النبي ﵊ أفطر ضحىً، شرب من اللبن ضحى، لكي يراه الناس، وهو المشرع، وهو القدوة، قد يقول قائل: روى الإمام مسلم من حديث عائشة ﵂: "أنه ﵊ لم يكن يصوم العشر"، نعم، فكيف نقول باستحباب صيام عشر ذي الحجة؟ أولاً: هذا إخبار عن علمها ﵂ ولعلها أخبرت بذلك بعد طول العهد؛ لأنها عمرت بعده ﵊ ما يقرب من نصف قرن، هي تخبر عن علمها وقوله ﵊ عموم قوله مقدم عن خبرها، ولعله ﵊ أفطر لأمر أهم من أمور يتعدى نفعها، وقد رجح الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- أن النبي ﵊ كان يصوم عشر ذي الحجة، نعم النبي ﵊ قد يحث على العمل ولا يفعله، رفقاً بأمته، كيف يتصور حال الناس لو تظافر عمله مع قوله؟

стр. 82

الرسول ﵊ حث على العمرة في رمضان ولم يعتمر في رمضان، وحال الناس ما ترون، فكيف لو اعتمر النبي ﵊ مع حثه على العمرة في رمضان؟ كان الوضع شديد جداً، قد لا يحتمل، الآن الزحام مثل ما ترون، وأسف النبي ﵊ على دخول الكعبة؛ لئلا يحرج أمته، ولئلا يشق عليها وهذا من رحمته ورأفته ﵊، فهو يحث على العمل وقد يتركه شفقة بأمته، وأيضاً وضعه ﵊ وهو الإمام الأعظم بالنسبة للأمة، والقائم بمصالحها، لو قدر أن شخصاً قائم على أعمال الأمة، والأمة كلها بحاجة إليه، وإذا صام ضعف عن القيام بهذه المهمة، هل الأفضل له أن يصوم أو يفطر؟ الأفضل له أن يفطر، علماً بأن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - رجح أن النبي ﵊ كان يصوم العشر وقد ثبت هذا عن بعض أزواجه ﵊ في السنن، وأفضله أفضل صوم التطوع، صوم يوم وفطر يوم، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "لأصومن النهار ولا أفطر، ولأقومن الليل ولا أنام" فبلغ ذلك النبي ﵊ فسأله: ((أنت الذي قلت كذا؟ )) قال: نعم، ((أنت الذي قلت كذا؟ )) قال: نعم، فقال له النبي ﵊: ((صم كذا، صم كذا))، يعرض عليه النبي ﵊ الأخف الأخف، كما عرض عليه بالنسبة للقرآن، ((اقرأ القرآن في شهر)) قال: إنه يطيق أكثر من ذلك، اقرأه في كذا، اقرأه في كذا، ثم قال: ((اقرأ القرآن في سبع، ولا تزد))، فمثل هذا يقال لمن عرف منه شدة الحرص؛ لئلا يبلغ به حرصه إلى مجاوزة السنة، بخلاف من عرف منه التساهل، فإنه يؤمر بالعزيمة قبل الرخصة، من عرف بالتساهل تعرض عليه الرخصة؟ لا، لا يعان على تساهله، لكن من عرف بشدة الحرص على فعل الخير تعرض عليه الرخص؛ لئلا يحمله زيادة الحرص على مجاوزة السنة.

стр. 83

فالنبي ﵊ بدأ بعبد الله بن عمرو بالأسهل فالأسهل، إلى أن قال له: ((صم يوماً وأفطر يوماً، فذلك أفضل الصيام، وهو صيام داود ﵇))، الحديث، لا شك أن الإكثار من فعل الخيرات مطلوب، فالإكثار من الصيام مطلوب، الإكثار من الصدقة مطلوب، الإكثار من الجهاد، من الحج، من العمرة، من التلاوة من بذل الخير للناس، النفع العام والخاص، كل هذا مطلوب، وهذا هو الطريق الموصل إلى الجنة، لكن مثل ما ذكرنا، لو أن شخص عرف بشدة الحرص، شخص موسوس تقول له: تراك ما أسبغت الوضوء، نعم، هذا تفرح أنه ينتهي من الوضوء، نعم، لكن شخص متساهل تقول له: أسبغ الوضوء، أسبغ الوضوء، ومثله شخص لا يقرأ القرآن، إلا في المناسبات، أو على حسب التيسير إن جاء إلى المسجد قبل الأذان بخمس دقائق أو عشر دقائق وإلا فلا، تقول له: كان السلف يختمون كل يوم يا أخي، تحفز همته، وتشحذ همته للعمل الصالح، شخص ثري ولا يتصدق تقول له: أبو بكر جاء بجميع ماله، نعم، فتخبره بالعزائم، أما من كان حاله بضد ذلك، عرف بالحرص الشديد، ما في شك أنه بحاجة إلى من يمتص بعض هذا الحرص؛ لئلا يحمله ذلك الحرص على مخالفة السنة، ولذا بدأ النبي ﵊ بعبد الله بن عمرو؛ لأنه عرف بالحرص الشديد، يعني تتصورن لو قال له النبي ﵊ اقرأ القرآن في ثلاث، يكفيه هذا، مع ما عنده من زيادة الحرص؟ قال له: ((أقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) قال: "إني أستطيع أكثر من ذلك"، ومع ذلك ما أخذ بهذه الوصية، فصار يقرأ القرآن في ثلاث فندم بعد ذلك، وتمنى أن لو قبل وصية النبي ﵊. على كل حال صيام يوم وفطر يوم أفضل الصيام على الإطلاق، هذا بالنسبة لمن لا يعوقه الصيام عن النفع العام المتعدي، أما من عاقه صيامه عن الواجبات شخص إذا صام النفل أخل بالدوام الواجب، نقول: لا، لا تصوم يا أخي، نعم، شخص متبرع لتعليم الناس وإفتائهم وقضاء حوائجهم، وأجره على الله ما يأخذ أجر، ما أخل بواجب إذا صام، لكن يعوقه صيامه عن مثل هذا النفع المتعدي نقول له: ابذل الخير للناس، وأرشدهم ووجههم، والصيام إن وجدت فرصة وإلا فمثل هذا العمل المتعدي أفضل.

стр. 84

يقول: ويكره إفراد رجب، والجمعة، والسبت، والشك بصوم. إفراد رجب أولاً نعرف أن كل ما يروى في فضل صومه، أو زيادة الصلاة فيه، أو الصدقة، أو العمرة، جميع ما يذكر من زيادة في العبادات في رجب على وجه الخصوص فإنه لا يصح باتفاق أهل العلم، جميع ما ورد فيه ضعيف، وقد ألف أبو الخطاب ابن دحية كتاباً نفيساً سماه: (أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في فضل رجب)، (أداء ما وجب في بيان وضع الوضاعين في فضل رجب)، وابن حجر له رسالة صغيرة أصغر بكثير من رسالة أو من كتاب ابن دحية، سماها: (تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب) وهي مطبوعة ومعروفة، وأما كتاب ابن دحية فهو محقق وجاهز للطبع، ما أدري هل طبع أو لم يطبع، ما أدري والله، إن تم طبعه؟ طالب: ... نعم، ابن دحية. طالب: ... يشتغل عليه محمد الفوزان، عندنا بقسم السنة، قديم، قديم من خمسة عشر سنة وأكثر. طالب: كبير؟ يأتي في مجلد إيه. على كل حال ما يذكر في فضل رجب من زيادة من صيام، أو قيام، أو زيادة تلاوة، أو عمرة خاصة برجب، لا يثبت وأما ما ذكر عن ابن عمر أن النبي ﵊ اعتمر في رجب فقد أنكرته عليه عائشة، أنكرته عليه عائشة ﵂. والجمعة أي يكره إفراد الجمعة بالصوم لحديث: ((لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده)) [متفق عليه من حديث أبي هريرة]، وروى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام)). وعن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂: ((أن النبي ﵊ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: ((أصمت أمس)) قالت: لا، قال: ((أتريدين أن تصومي غداً؟ )) قالت: لا، قال: ((فأفطري)) [رواه البخاري]، فدل على أن المكروه إفراد الجمعة، لا أن يضاف إلى الخميس أو السبت. يقول: والسبت، أي: يكره إفراده، وأما جمعه مع الجمعة لقوله ﵊ لجويرية: ((أتصومين غداً)) يعني السبت مع الجمعة، فدل على أنه لا يكره صيام السبت مع يوم قبله.

стр. 85

وفي المسند، وأبي داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه وغيرهم، من حديث: عبد الله بن مسلم عن أخته الصماء ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم، ولو لم يجد أحدكم إلا لحاء شجر)) – يعني فيمضغه فيفطر به – يعني: فليفعل، الحديث مختلف في حكمه منهم من حسنه، كالترمذي، وصححه الحاكم ومنهم من ضعفه وحكم عليه بالشذوذ، ومنهم من قال: هو ثابت لكنه منسوخ، ولذا اختار شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أنه لا يكره إفراد يوم السبت بالصوم، بناءً على أن هذا الحديث لا يثبت. والشك وقد تقدم الكلام فيه، وقول عمار: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ". ويحرم صوم العيدين ولو في فرض، بإجماع العلماء، يحرم صوم العيدين بالإجماع فلا يجوز لإنسان أن يصوم يوم العيد؛ لأن النبي ﵊: ((نهى عن صوم يومي العيدين، عيد الفطر، وعيد الأضحى))، كما أنه لا يجوز صيام أيام التشريق؛ لأن النبي ﵊ قال فيها: ((هي أيام أكل وشرب وذكر لله )) فهذا يدل على أن هذه الأيام لا تصلح أن تكون أيام إمساك، وهي ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى. يقول: إلا عن دم متعة وقران طالب: عندنا فطرة الثلاثة ما يقال أنها أيام التشريق من ناحية أنها أيام أكل وفرح وإظهار السرور. لا، لا ما يلزم، أيام أكل، وهناك فيه أضاحي، وفيه هدي، وفيه، لا تختلف عنها. طالب: أو يقال: على الأقل أن الأفضل أن يؤخر هذا عن بعد ثلاث؟ لا لا، لفظ وأتبعه يدل على المبادرة. أيام التشريق ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى، لكن من لم يجد هدي المتعة والقران، يجوز له أن يصوم أيام التشريق، لحديث عائشة وابن عمر ﵃ أنهما قالا: ((لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، إلا لمن لم يجد الهدي)). طالب: .... يقول بعد هذا: ومن دخل في فرض موسع حرم قطعه.

стр. 86

من شرع في صوم فرض حرم عليه قطعه، من شرع في أي عمل مفروض حرم قطعه، ولو كان وقته موسعاً، والمضيق من باب أولى، يستثنى من ذلك قطع المنفرد في الصلاة، وتحويل الفرض إلى نفل، وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز، يحول الفرض إلى نفل، تحصيلاً لما هو أفضل من ذلك، يصلي في جماعة مثلاً، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٣]، فقطع الصوم المفروض إبطال للعمل، قطع الصلاة المفروضة إبطال للعمل. ولا يلزم في النفل. أي لا يلزم إتمام صوم النفل لفعله ﵊ في صحيح مسلم عن عائشة وكما جاء في الخبر: ((المتطوع أمير نفسه))، أمير نفسه، ويستثنى من ذلك المتطوع بالحج أو بالعمرة؛ لأن من دخل في النسك يلزمه إتمامه؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦]، وهذا يستوي فيه الفرض والنفل. ولا يلزم في النفل، ولا قضاء فاسدة أي: لو فسد النفل فإنه لا يلزمه قضاء، يعني لو دعي إلى وليمة وهو صائم، ثم رأى أن من المصلحة أن يجبر خاطر أخيه المسلم ويأكل معه في هذه الدعوة، لا بأس، لكن ما يلزمه أن يقضي ذلك اليوم، إلا الحج، وكذلك العمرة، إذا أفسد الحج أو العمرة بالجماع قبل التحلل الأول فإنه يمضي في فاسده ويلزمه قضاءه، ويلزمه قضاءه. يقول ﵀: وترجى ليلة القدر في العشر الأخير أو الأواخر وأوتاره آكد، وليلة سبع وعشرين أبلغ ويدعو فيها بما ورد. ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وجاء في سورة القدر أنها خير من إيش؟ من ألف شهر، من حرم خيرها حرم الخير كله، إذا فاتته هذه الليلة من السنة، طول السنة ليلة واحدة إذا فاتت ماذا يبقى له من الأجر؟ ماذا يحرص عليه من المغانم، والله المستعان.

стр. 87

سميت ليلة القدر بذلك لأنها ليلة ذات قدر، لنزول القرآن فيها، أو لما يقع فيها من تنزل الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو لأن الذي يحييها يصير ذا قدر، وقيل: القدر هنا بمعنى القدر، القدر بإسكان الدال بمعنى القدر بفتحها الذي هو مؤاخي قضاء، والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: ٤]، وبه صدر النووي كلامه فقال: قال العلماء: "سميت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ". قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: يكتب من أم الكتاب ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق والآجال حتى الحاج وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى. وقال ابن الجوزي في زاد المسير: "أن ذلك ليلة النصف من شعبان، والرواية عنه بذلك مضطربة، وقد خولف الراوي لها، فروي عن عكرمة أنه قال في ليلة القدر، وعلى هذا جرى المفسرون". يعني ما يذكر أن معنى قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ في ليلة النصف من شعبان ضعيف لا يثبت، قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى)) قال: هو حديث مرسل ومثله لا تعارض به النصوص. وعلى هذا فليس لليلة النصف من شعبان مزية، على غيرها من الليالي، وما رواه ابن ماجه عن علي عن النبي ﵊: ((إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلاً فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا حتى يطلع الفجر)) [فهو حديث ضعيف]، وجمهور العلماء على تضعيف جميع ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان.

стр. 88

قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- في اللطائف: أنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة، لكن من صام يوم النصف من شعبان؛ لأنه من جملة الأيام البيض وقد اعتاد ذلك فلا بأس؛ لأنه من الأيام البيض، وفضل ليلة القدر نزل بفضلها سورة كاملة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾ وقال ﵊: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) وهذا تقدم. وقيام ليلة القدر يكون بأي شيء؟ يعني بمجرد الانتباه؟ رجل قائم منتبه، قيامها يكون بالصلاة، والذكر والدعاء، وقراءة القرآن، وغير ذلك من وجوه الخير، وقد دلت سورة القدر على أن العمل في هذه الليلة خير من ألف شهر مما سواها، وهذا فضل عظيم ورحمة من الله بعبادة، فجدير بالمسلمين أن يعظموها وأن يحيوها بالعبادة.

стр. 89

وقد أخبر أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن أوتار العشر آكد أرجى من غيرها، فقال ﵊: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في الوتر)) وقال: ((من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)) وغير ذلك من النصوص التي تدل على أن هذه الليلة متنقلة في العشر، وليست في ليلة معينة تكون فيها دائماً، فقد تكون في ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون في ليلة ثلاث وعشرين، وقد تكون في ليلة خمس وعشرين، وقد تكون في ليلة سبع وعشرين، وقد تكون في تسع وعشرين، وقد تكون في الأشفاع، وقد تكون في الأشفاع، نعم الأوتار آكد، لكن قد تكون في الأشفاع، لأنه لما قال ﵊: ((التمسوها لخامسة تبقى، لسابعة تبقى)) إلى آخره، يحتمل أن تكون في الأشفاع إذا كان الشهر كاملاً، ويحتمل أن تكون في الأوتار إذا كان الشهر ناقصاً، فمن قام ليالي العشر كلها إيماناً واحتساباً أدرك هذه الليلة بلا شك، وفاز بما وعد الله أهلها، ليحرص أن يقوم هذه الليالي كلها، وأن يحضر قلبه، لا يحضر بجسده وقلبه في أمور الدنيا، هذا لا يفيده مثل هذا القيام؛ لأنه ليس له من صلاته إلا ما عقل، فمن عقل من الصلاة العشر مثلاً، أو - نسأل الله العافية - طرأ عليه شيء من الرياء فأحبط عمله، هذه مصيبة، يتعب الإنسان وأخيراً يرجع بلا فائدة. فمن قام ليالي العشر كلها إيماناً, احتساباً أدرك هذه الليلة بلا شك وفاز بما وعد الله أهلها، وقد كان النبي ﵊ يخص هذه الليالي بمزيد اجتهاد لا يفعله في العشرين الأول. قالت عائشة ﵂: " كان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها"، وقالت: " كان إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله، وجد وشد مئزره"، إلى غير ذلك من النصوص. هل يلزم العلم بليلة القدر؟ أو يحصل الأجر ولو لم يعلم بذلك؟ إذا صادفها ولو لم يعلم بها يثبت له أجرها أو لا بد من العلم بها؟

стр. 90

اختلف العلماء في ذلك وا لصواب أن من قامها نال أجرها، ولو لم يعلم بها، وقول من قال: أنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها قول ضعيف؛ لأن النبي ﵊ رتب الأجر على مجرد القيام، فقال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً)) ولم يقل عالماً بها، ولو كان العلم شرطاً لحصول الثواب لبينه النبي ﵊. وذكر العلماء في ليلة القدر علامات منها: زيادة النور في تلك الليلة، ومنها طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فالمؤمن يجد من انشراح الصدر وطمأنينة القلب في تلك الليلة أكثر مما يجده في بقية الليالي، لا شك أن المؤمن كامل الإيمان قد يشعر بها، حديث عائشة دليل على أنها تشعر بها. من الأمور التي ذكرت من علامات ليلة القدر: أن الرياح تكون فيها ساكنة، فلا يأتي فيها رياح ولا عواصف بل يكون الجو هادئاً، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبان من حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إني كنت رأيت ليلة القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، أن فيها قمراً يفضح كوكبها، لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها)) الموجود عند ابن حبان وابن خزيمة. وأخرج الإمام أحمد من حديث عبادة من الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمراً ساطعاً ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمي به فيها حتى تصبح)) [قال الهيثمي: رجاله ثقات]. من الأمور التي ذكرها أهل العلم أن الإنسان قد يجد في هذه الليلة لا سيما في القيام لذة أكثر مما يجده في غيرها، لا سيما إذا أحضر قلبه وتدبر القرآن، ذكر عن بعض الصحابة أنه تسنى له أن يرى الله في تلك الليلة في المنام، وهذا مجرد ذكر. من علاماتها: بل هو من أصح هذه العلامات أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية، في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: ((أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها)).

стр. 91

وفي المسند من حديث عبادة ((وأن أمارتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل لشيطان أن يخرج معها)). وأما ما يذكره بعض الناس من أن الكلاب لا يسمع لها نباح تلك الليلة، أو أن الماء يسكن، فلا دليل عليه، أما كون الماء يسكن لقلة الرياح هذا ممكن. والدعاء فيها، يستحب للمسلم أن يغتنم هذه الليلة المباركة، فيكثر من الأدعية المأثورة، أن يصلي عامة الليل، ويتلو ويدعو ولا يغفل في هذه الليلة؛ لأنها ليلة من سنة، من الأدعية المأثور كقوله: ((اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) حديث عائشة في ذلك أنها قالت: " يا رسول الله، أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول فيها؟ " قال: ((قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) [أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح]، وغير ذلك من الأدعية الجوامع الواردة في الكتاب والسنة فيحرص على الأدعية المأثورة، وليبتعد كل البعد من الاعتداء في الدعاء، أو يضيع وقته بما لا ينفع، ويجتنب الأدعية المسجوعة، وما فيه من إثم أو قطيعة رحم. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب الاعتكاف: هو لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، مسنون، ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر، ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، يُجْمع وإلا يُجَّمع؟ يُجَّمع، يُجَّمع فيه. إلا في مسجد يُجَّمع فيه، إلا المرأة ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها الحرام، فمسجد المدينة، فالأقصى لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه وعكسه بعكسه، ومن نذر زمناً معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره، ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، إلا أن يشترطه، وإن وطئ في فرج فسد اعتكافه، ويستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه.

стр. 92

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الاعتكاف في اللغة: اللزوم، لزوم الشيء، والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٥٢]، أي: ملازمون، قال تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٨]، أي: يلازمونها ويداومون عليها، وهو اصطلاح مستعمل، الطلاب حينما يقرب الامتحان يعكفون على دروسهم بالمذاكرة، ومما يؤسف أن اعتكاف غالب المسلمين على ما لا ينفع، من مشاهدة لأفلام خليعة مثيرة، أو كرة أو غيرها، هذه اهتمامات المسلمين وهذا اعتكافهم في الكثير الغالب، وهذا اعتكاف، وهذا عكوف، - نسأل الله العافية -، وهم بهذا يشبهون الذين يعكفون على أصنام لهم، يعكف الوقت الطويل يشاهد المباريات، أو يعكف الوقت الطويل يشاهد أفلاماً تضره في دينه ودنياه ولا تنفعه. على كل حال على الإنسان أن يحافظ على هذا العمر الذي هو نفسه، فيصرفه فيما يرضي الله ويوصل إلى جنته ومرضاته. الاعتكاف في الاصطلاح عرفه المؤلف بقوله: هو لزوم مسجد لطاعة الله – تعالى-. الدليل على مشروعيته قوله تعالى: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة: ١٢٥]، وفي وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]، فتعين محل الاعتكاف وهو أنه المسجد. لزوم مسجد لطاعة الله – تعالى-، يدخل في طاعة الله الصلاة دخولاً أولياً، والذكر والتلاوة يعني الطاعات الخاصة اللازمة، وهل يدخل في ذلك الطاعات العامة المتعدية، كطلب العلم؟

стр. 93

أولاً: لا شك أن طلب العلم طاعة بل هو من أفضل القربات، لكن الذي قرره أهل العلم أن الاعتكاف إنما يكون في الطاعات الخاصة، لكن إن زاول شيئاً يسيراً من ذلك بأن اصطحب معه كتاباً غير القرآن ينظر فيه فلا بأس، لكن غالب الوقت يصرف في التلاوة والصلاة والذكر، وإن كان الكتاب المصطحب مما يشوقه إلى العبادة من كتب الرقائق والوعظ كان أنسب؛ لأن هذا يعينه على مقصوده من الطاعات الخاصة، والعلم كله فاضل، لكن الأوقات تتفاوت.

стр. 94

هل يسوغ للمعتكف أن ينظر في كتب البدع ولو كان بقصد الرد عليها؟ لا، هل يسوغ للمعتكف أن ينظر في علوم الآلة ولو كان مما يحتاجها لفهم الكتاب والسنة؟ يقرأ نحو وهو معتكف مثلاً، أو أصول فقه وغيره، نقول: لا، أصل الاعتكاف للعبادات الخاصة، قد يحتاجه في تلاوته وتدبره للقرآن فهم بعض معاني الآيات فيرجع إلى بعض التفاسير الميسرة التي لا تبعده كثيراً عن روح القرآن؛ لأن بعض التفاسير المطولة تبعد به طويلاً عن روح القرآن، وخصوصيته لا سيما في هذا الوقت، نعم، قد يحتاج لفهم الآية والربط بينها وبين غيرها لتفسير ميسر لا بأس، هذا مما يعينه على فهم القرآن، والشهر شهر القرآن، ولذا كان السلف يتركون التعليم في رمضان، والإمام مالك معروف إذا دخل رمضان ترك التحديث، وأقبل على كتاب الله ، السلف لهم معاملة خاصة في القرآن، فمنهم من يقرأ القرآن طول العام في سبع، فإذا جاء رمضان قرأه في ثلاث، فإذا دخلت العشر ختم كل ليلة، وقصصهم وأخبارهم مع كتاب الله مستفيضة مشهورة من الصحابة والتابعين فمن دونهم، واغتنام الأوقات، واغتنام الأماكن الفاضلة هذا مما ينبغي أن يكون نصب عيني طالب العلم، فلا تضيع عليه مثل هذه الفرص وهذه المواسم سدى، فعليه أن يغتنمها، قد يقول قائل: إذا أكثرت من قراءة القرآن، أنا لا أتدبر، أنا لا؟ نقول: عليك أن تتدبر فإن أمكن أن تقرأ أكبر قدر ممكن لتحصيل ثواب الحروف، الثواب المرتب على الحروف، يعني: كل حرف له عشر حسنات، مع التدبر، أو شيء من التدبر، الجمع بينهما طيب، لكن إن لم يمكن فالتدبر أفضل، وأهل العلم يختلفون في مثل هذا، الشافعي - رحمه الله تعالى- يرى: أن كثرة الحروف ولو كان من غير تدبر أفضل، وغيره على العكس، والمسألة مفترضة في شخص يقرأ في الساعة خمسة أجزاء من غير تدبر، أو جزأين مع التدبر أيهما أفضل؟ الخمسة أو الجزأين؟ الجمهور على أن الجزأين مع التدبر أفضل، والشافعي: يرى أن الخمسة أفضل ولو كانت بغير تدبر، لتحصيل أجر الحروف، وليس الخلاف مفترض في مثل من يقرأ جزء من القرآن بغير تدبر أو جزء من غير تدبر، هذا لا يختلف فيه، هذا ليس فيه خلاف بين أهل العلم أن التدبر أفضل، لكن

стр. 95

الخلاف بينهم فيمن يقرأ خمسة، أو يقرأ جزأين، هذا مع التدبر، وهذا مع تحصيل أكبر قدر من الحروف؛ لأنه بكل حرف عشر حسنات، المقصود أن على طالب العلم أن يكون له ورد يومي من كتاب الله، لا يفرط فيه سفراً ولا حضراً في المواسم وغيرها، ولا يترك القرآن على الفرغة أو على الراحة إن تيسر وإلا لا حزن عليه، كما يقوله كثير، لا، العمر يمضي، ومن تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، ونحن نعرف بعض الإخوان من خيار الناس مخبرا ومظهرا، في أشرف الأوقات، وأشرف الأماكن، تضيع عليهم الأيام سدى، قد يأتي إلى البيت الحرام من صلاة العصر ويمكث فيه إلى أن ينتهي من صلاة التراويح، وقد هجر بلده ووطنه، وتحمل المشقة، والزحام للعبادة، وتحصيل أكبر قدر من الحسنات، إذا صلى العصر مسك المصحف، هذا إن كان معتاد على القراءة في الرخاء وله ورد معين هذا يعان بلا شك، لكن إذا كان ما اعتاد، طول السنة ما يقرأ القرآن إلا في المناسبات، أو إن تيسير أو جاء قبل إقامة الصلاة أو تجده يفتح المصحف يقرأ خمس دقائق عشر دقائق ثم ما يتحمل، يطبق المصحف ويبدأ يتلفت يشوف وين راح فلان، وين جاء فلان، ما تعرف على الله في الرخاء هذا، لكن نعرف أناس تعرفوا على الله في أيام الرخاء، ولهم ورد يومي من القرآن، ما يخلون به لا سفراً ولا حضراً، يجلس بعد إشراق الشمس ما يأذن الظهر إلا وهو خاتم القرآن، لكن من يطيق مثل هذا وهو ما اعتاده؟ هذا أمر لا يطيقه كثير من الناس؛ لأنه ما تعود، المسألة تحتاج إلى مران، وتحتاج إلى دربة، ولا بد أن تري الله من نفسك الخير ليعينك وهو يعلم منك صدق النية، وهذا شيء ملاحظ ومشاهد، فمن تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، الإنسان يريد أن يصلي ركعة بالبقرة مثلاً، والثانية بآل عمران، ما يدرك من صلاته، إذا كان ما تعود ما يمكن يصلي هذه، وإن كان معتاد فالأمر سهل، عثمان ﵁ وعمره يناهز أو يزيد على السبعين، عرف عنه طول القيام، حتى ذكر عنه أنه يختم القرآن بركعة، وذكر عن السلف ذكر ابن رجب وابن كثير، وجمع من أهل العلم من أهل التحقيق مثل هذه الأخبار، وبعض الناس يقدح فيها، ويجعلها مخالفة لمثل قوله -عليه الصلاة

стр. 96

والسلام-: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) وأهل العلم يحملون ذلك على أوقات السعة، أو على قيام الليل كما يقول بعضهم، أما اغتنام الأوقات والأماكن الفاضلة فالسلف عرف عنهم ذلك، فالذي لا يؤنس من نفسه مثل هذه الأشياء بل يشق عليه أن يتابع القراءة مثل هذا يقدح في مثل هذه الأمور ولا يصدق، هذا ليس بمعقول، حتى قال بعضهم: المؤسف أنه الآن أستاذ في القرآن وعلومه، نعم لكنه ليس من أهل القرآن، لما ذكر له أن الإمام أحمد يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة قال: ليس بمعقول، وكان المدرس يقول: هذا الكلام طالب، المدرس يقول له: ليس بمعقول؛ لأن عنده صالون يجلس فيه ثلاث ساعات يحلق شعره؛ لأنه شخص حليق، ما هو بمعقول، اهتمامهم غير اهتمامك، وجلدهم غير جلدك، وصبرهم غير صبرك، عرف في السلف كثرة العبادة وطول القيام، وأثر عن النبي ﵊ قام حتى تفطرت قدماه، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، و"من كان بالله أعرف كان منه أخوف"، والذي لا يزاول هذه الأشياء لا يصدق بها، لا يصدق، كيف يقرأ القرآن بيوم؟ لا، يقرأ القرآن بيوم، لكن ما ينبغي أن يكون ديدن وعادة وطول السنة يختم كل يوم؛ لأنه يعوقه عن بعض المصالح التي نفعها أعم. (أل) في قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]، للجنس، فكل مساجد الدنيا يسن فيها الاعتكاف، وليس خاصاً بالمساجد الثلاثة –أعني المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والأقصى- وما ما يروى عن حذيفة ﵁ أن النبي ﵊ قال: ((لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)) [هذا حديث ضعيف]، ويدل على ضعفه أن ابن مسعود ﵁ ضعفه حين ذكر له حذيفة ﵁: " أن قوماً يعتكفون في مسجد بين بيت حذيفة وبيت ابن مسعود فجاء حذيفة إلى ابن مسعود زائراً له، وقال: " إن قوماً كانوا معتكفين في المسجد الفلاني ينتقدهم" فقال له ابن مسعود ﵁: " لعلهم أصابوا فأخطأت، وذكروا فنسيت"، وعلى فرض صحته يحمل على أنه لا اعتكاف أكمل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة. والاعتكاف مسنون، هذا حكمه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.

стр. 97

أما الكتاب فقوله تعالى لإبراهيم وإسماعيل: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [سورة البقرة: ١٢٥]، ومعلوم أن تطهير البيت التطهير المعنوي من الشرك، والبدع، والمعاصي الظاهرة أولى من تطهيره التطهير الحسي الغسيل، والتنظيف، وإن كان هذا مطلوب، فطلب منهما أن يطهرا بيت الله لمن؟ للطائفين، والعاكفين، والركع السجود، فدل على فضل الاعتكاف، وأنه مقرون بالصلاة والطواف. وقد اعتكف النبي ﵊ وأصحابه، وأزواجه من بعده. والأفضل أن يكون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ لأنه هو الذي استقر عليه أمر النبي ﵊. قالت عائشة ﵂: "كان النبي ﵊ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده" وهذا في الصحيحين وإن اعتكف في غير هذه العشر فلا بأس، العشر الأول، العشر الوسطى، في شوال، في القعدة في غيرها من الأشهر، العبادة ليس لها وقت، لكن أفضلها ما داوم عليه النبي ﵊ وهو العشر الأواخر من رمضان. ولا يجب الاعتكاف ولا يلزم إلا بالنذر لقوله ﵊: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) [رواه البخاري]. والاعتكاف مع الصيام أكمل، لكنه يصح بلا صوم؛ لأن عمر ﵁ سأل النبي ﵊ عن نذر نذره أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له: ((أوف بنذرك)) ولأن الاعتكاف والصيام عبادتان منفصلتان فلا يشترط لأحدهما وجود الأخرى، ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه أي تقام فيه صلاة الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة واجبة بالنسبة للرجال، فلا يعتكف في مسجد مهجور، كان مسجد ثم ترك، ارتحل عنه أهله، أو في مسجد طريق وإلا شبهه، ما تقام فيه الجماعة، لا، لأن الجماعة واجبة والاعتكاف سنة، لا يفرط بواجب لتحصيل سنة. هذا بالنسبة للرجال الذين تلزمهم الجماعة، وأما المرأة فيصح الاعتكاف منها.

стр. 98

في كل مسجد سوى مسجد بيتها، مسجد البيت، وإن سمي مسجد إلا أنه لا تثبت له أحكام المسجد، لا تثبت له أحكام المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيه، وتجلس فيه وهي حائض، ويباع مع البيت، لكن هو مكان مخصص للصلاة، والتلاوة ينبغي أن ينظف ويطيب من هذه الحيثية وأما بالنسبة لأحكام المسجد فلا. من نذر زمناً معيناً، دخل المعتكف مع غروب الشمس من ليلة أول يوم وخرج بعد آخره، يدخل مع غروب الشمس؛ لأن اليوم يدخل مع غروب الشمس، إذا نذر أن يعتكف عشرة أيام، يدخل مع غروب الشمس في اليوم الأول، فإذا غربت الشمس من اليوم العاشر خرج من معتكفه، انتهت العشرة الأيام، ويلازم المتكف معتكفه وهو المسجد ولا يخرج إلا لما لا بد منه، ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، قالت عائشة ﵂: " السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج للحاجة إلا لما لا بد منه"، يعني: لقضاء حاجة أو وضوء أو أكل إن لم يتيسر في المسجد، [رواه أبو داود]، قال ابن حجر في البلوغ: ولا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف أخره، يستحب للمعتكف أن يشتغل بما يقربه إلى الله وأن يجتنب ما لا يعنيه، لقوله ﵊: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وهذا في جميع الأحوال، في جميع الأوقات، في جميع الأماكن، لكن في حق المعتكف من باب أولى، وإذا كان هذا بالنسبة لما أباحه الله فكيف بمعتكف يزال المحرمات، من غيبة ونميمة، وغيرها؟! يقول: ومن نذره أو الصلاة يعني: نذر الصلاة، في غير الثلاثة، المساجد الثلاثة الفاضلة، لم يلزمه فيه، نذر أن يعتكف في جامع الرياض، لا يلزمه أن يعتكف في جامع، يعتكف في أي جامع، نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لا بد أن يعتكف في المسجد الحرام، نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﵊ لا بد أن يعتكف في مسجد النبي ﵊ أو في المسجد الحرام لأنه أفضل منه، نذر أن يعتكف في المسجد الحرام عليه أن يعتكف إما فيه، أو في المسجد النبوي؛ لأنه أفضل منه، أو في المسجد الحرام.

стр. 99

يقول: ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة، وأفضلها المسجد الحرام، فمسجد المدينة، فالمسجد الأقصى لم يلزمه فيه؛ لأنه ليست له مزية تميزه، لكن إذا نذر أن يعتكف في أحد هذه المساجد الثلاثة الفاضلة لا يجوز له أن يعتكف بغيرها، نعم له أن ينتقل إلى الأفضل دون المفضول، وإن عين الأفضل لم يجب فيما دونه، يعني نذر أن يعتكف في المسجد الحرام لا يجزئه أن يعتكف في مسجد النبي ﵊ أو المسجد الأقصى، وعكسه بعكسه، نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى، يجزئه أن يعتكف في مسجد النبي ﵊ أو في المسجد الحرام من باب أولى، وهكذا. يقول: ومن نذر زمناً معينا دخل معتكفه قبل ليلته الأولى، وخرج بعد آخره، وانتهى؛ لأن اليوم يبدأ بغروب الشمس. ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بد منه، له منه، يخرج لصلاة الجمعة، يخرج للدرة يتوضأ ويأكل، لا بأس، وما زاد على ذلك مما له منه بد، مندوحة لا يجوز له أن يخرج. ولا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط، إذا اشترط له ذلك؛ لأن الأمر إليه، ويفسد الاعتكاف بالوطء، ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة: ١٨٧]، فالمباشرة تبطل الاعتكاف، ولا بأس أن يزار المعتكف في المسجد يزوره أهله وأولاده، على أن لا يطيلوا المكث، ويقطعوا عليه خلوته بربه، يطمئنون عليه، ويطمئن عليهم وينصرفون، وقد كان نسوة النبي ﵊ نسائه يزورنه في المسجد فيقلب إحداهن يرجعها إلى بيتها لا بأس للحاجة. ويستحب اشتغاله بالقرب واجتناب ما لا يعنيه. هو اعتكف لماذا؟ لأي شيء؟ لينال الثواب والأجر من الله ويحيي هذه السنة، فعليه أن يشتغل بما يقربه من الله . هذا قبل ما. يقول: اعتكاف عشر رمضان يبدأ ليلة عشرين أم ليلة إحدى وعشرين؟ أولاً: ليلة عشرين هذه تبع العشر الأواسط، اليوم عشرين المكمل للعشر الأواسط، فالعشر الأواخر تبدأ من غروب الشمس ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون تسع وإن كانت يطلق عليها العشر كما يقال: عشر ذي الحجة يسن صيام عشر ذي الحجة، والعاشر هو العيد لا يجوز صيامه؛ لكن هذا تغليب.

стр. 100

وهل للمعتكف الخروج من الحرم ليأتي بالطعام أو يذهب إلى المغسلة ونحو ذلك؟ مغسلة إيش؟ مغسلة الثياب؟ هذا كمال، ينبغي أن يحفظ وقته، أما بالنسبة للطعام وهو ما لا بد له منه مما لا يسمح بدخوله إلى المسجد فلا بأس؛ لأن هذا لا يقوم إلا به. طالب: لكن بعض الأحيان يا شيخ الرائحة الرائحة مع صوت مرتفع مع كثرة الناس تنبعث رائحة العرق، ويتأذى؟ يغتسل، يغتسل لا بأس. طالب: تبقى الرائحة على الثياب؟ يكلف، يكلف. طالب: أصلاً منقطعين يأتي ما يعرف أحد. على كل حال إذا لم يتمكن من أموره الضرورية إلا بالخروج لا بأس؛ لأن هذا لا بد له منه. هذا يطلب يقول: لماذا تنهون الدورة قبل موعدها المحدد لها، لماذا لا يكون يوم الغد لقاءاً مفتوحاً تجيبون فيه على ما أشكل علينا، أتمنى ألا تردنا أصفار الأيدي؟ على كل حال أنا عندي درس في موضع آخر والعهد الذي بيننا وبينكم كتاب الصيام، وانتهى، وعلى كل حال ما نرد طلب، ولا، لكنا عطلنا إخواننا في مسجدنا هناك، لهم دروس أحياناً بعد العشاء، ومنها يوم الجمعة بعد العشاء، ودورة شرح كتاب المناسك يعني بعد رمضان، حددت؟ طالب: في ذي القعدة. في شهر القعدة نتمكن إن شاء الله وقتها أسبوع أو أكثر؟ طالب: ... يا الله تكفيهم، يا الله تكفيهم ولو أسبوعين. فإن أنا ألمحت إلى أنه يمكن أن يكون اليوم الأخير لقاء مفتوح، ألمحت بالأمس وقبل الأمس، فإن اعتقتموني وأعفيتموني من ذلك وإلا فالأمر لكم، ولا أرد الطلب إلا بإذن. لكن من باب التأكيد يا إخوان ترى كتاب المناسك في شهر ذي القعدة إن شاء الله، أخذنا الفسح وإن شاء الله يعلن في وقته، شرح كتاب المناسك من الزاد بإذن الله الشيخ. الأسئلة ما أدري؛ لأن عندنا مسألة قيام رمضان، وهي مهمة وتشكل على كثير من الإخوان والنصوص فيها أقول: كثيرة ومتواترة، بعضها قد يشكل على بعض طلاب العلم.

стр. 101

المراد بقيام رمضان وهذا تروه استطراد، وهو يدخل في كتاب الصلاة، ولا يدخل في كتاب الصيام، لكن المناسبة بينه وبين الصيام ظاهرة؛ لأنه جاء الخبر ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) و ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) في بعض الروايات ((وما تأخر)) هذه عند النسائي صححها بعضهم. على كل حال المناسبة ظاهرة، ورمضان قادم فلا مانع أن نعرض لقيام رمضان. والمراد به قيام لياليه مصلياً، إحياء لياليه بالصلاة، مصلياً تالياً ذاكراً، ذكر النووي -رحمه الله تعالى -: "أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يريد أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين"، وهذا يدل على أي شيء؟ على الإطالة، وكأن ذلك لطول صلاتهم، روى الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))، وروى أيضاً عن عروة إن عائشة أخبرته أن ورسول الله ﷺ : " خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول الله ﷺ فصلي بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، تركهم النبي ﵊ فلما قضى الفجر ... ".

стр. 102

زاد المستقنع - كتاب المناسك (١) شرح: قول المؤلف: "الحج والعمرة واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة واحدة على الفور" الشيخ/ عبد الكريم الخضير إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأمينه على وحيه وصفيه من بريته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: ففي هذه الليالي التي نرجو أن تكون مباركة نافعة -إن شاء الله تعالى-، نتعرض باختصار لشرح كتاب المناسك من كتاب زاد المستقنع في اختصار المقنع، الذي ألف أصله الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي المتوفى يوم عيد الفطر سنة (٦٢٠)، ومختصره لشرف الدين أبي النجاء موسى بن أحمد بن موسى الحجاوي، المتوفى في الثاني عشر من ربيع الأول سنة (٩٦٠)، ولست بحاجة إلى أن أعرف بالكتابين أو بمؤلفيهما، فالكتابان كتابان معروفان مشهوران عند أهل العلم، تعرض لشرحهما جمع من أهل العلم، وليس لي مما سألقيه وأذكره لكم إلا الجمع من كلام أهل العلم سواء المتقدمين منهم والمعاصرين، تحريت فيه الإيجاز والوضوح لضيق الوقت، معتنياً بمذهب الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، مشيراً إلى غيره من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم، تابعاً فيه للدليل حسب جهدي واستطاعتي، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان. ففي البداية يقول -رحمه الله تعالى-:

стр. 103

"كتاب المناسك" الكتاب: مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابةً وكتباً، يقول أهل العلم: وهو من المصادر السيالة أي التي تحدث شيئاً فشيئاً، لأن الكَتْب لا يحصل دفعة واحدة مثل القيام مثلاً إنما الكتابة والكتب والكتاب إنما يحصل شيئاً فشيئاً، وأصل المادة التي هي الكَتْب الجمع، وهذا مر عليكم مراراً في تعريف كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، لكن لا مانع من التذكير به، أصل الكتب الجمع، كما يقال: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة، وفي المقامات الحريرية: وكاتبين وما خطت أناملهم حرفاً ... ولا قرؤوا ما خُط في الكتبِ إيش معنى هذا الكلام؟ هؤلاء كاتبون لكنهم لا يقرؤون ولا يكتبون. . . . . . . . . . ما خطت أناملهم حرفاً ... ولا قرؤوا ما خُط في الكتبِ هذا من ألغاز الحريري، يريد بذلك الخرازين؛ لأنهم يجمعون بين صفائح الجلود بالخرز فيكتبونها بالأسيار، كما قال الشاعر، وإن كان البيت فيه ما فيه، لكن هو شاهد لما نحن فيه، وهم لا يتورعون في ذكر الشواهد وإن كان فيها ما فيها، يقول: لا تأمنن. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ولعلنا نترك اسم القبيلة. . . . . . . . . . خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيارِ على كل حال أصل المادة الجمع، والمراد بالكتاب هنا المكتوب، مصدر يراد به اسم المفعول، الجامع لمسائل المناسك، والمراد بالمناسك هنا الحج والعمرة، فالمناسك جمع منسَك ومنسِك بفتح السين وكسرها، فبالفتح مصدر، وبالكسر اسم لموضع العبادة، ويقال للعابد: ناسك، والتنسك التعبد، تنسك فلان أي تعبد.

стр. 104

وغلب إطلاق المناسك على متعبدات الحج لكثرة أنواعها، والنسيكة هي الذبيحة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٦٢ - ١٦٣) سورة الأنعام] وعبر المؤلف -رحمه الله تعالى- بالمناسك ليشمل كلامه الحج والعمرة، وإن جاء في تعبير كثير من المؤلفين بالحج، ترجموا الباب أو الكتاب بالحج، من اقتصر عليه صار تعبيره قاصراً؛ لأنه لا يحتاج إلى العطف عطف العمرة إليه، ومن عطف عليه العمرة طول بغير طائل، إذ المناسك تشمل الحج والعمرة، والاختصار مطلوب ما لم يكن مخلاً، سم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب المناسك: العمرة والحج واجبان على المسلم الحر المكلف القادر في عمره مرة، على الفور، فإن زال الرق والجنون والصبا في الجج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً، وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً، والقادر من أمكنه الركوب، ووجد زاداً وراحلة صالحين لمثله، بعد قضاء الواجبات والنفقات الشرعية والحوائج الأصلية. يكفي. يقول -رحمه الله تعالى-: "الحج والعمرة واجبان" الحج بفتح الحاء في الأشهر عكس شهر ذي الحجة، فالشهر بكسر الحاء، والركن بفتحها، الأشهر فتح الحاء، وإن قرئ في السبع: حِج، وعلى كل حال هما لغتان حَج وحِج، لكن الأشهر هو الفتح، والشهر الأشهر فيه الكسر ذي الحِجة، عكس القعدة الشهر الذي قبله فهو بالفتح. والحج في اللغة: القصد إلى المعظم، أو كثرة القصد إليه هذا في الأصل، في اللغة القصد إلى المعظم أو كثرة القصد إليه، يقول الجوهري: ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك. والحج في الشرع -في الاصطلاح-: قصد مكة لأداء النسك في زمن مخصوص تقرباً إلى الله ، فالتعريف الشرعي له ارتباط وثيق بالتعريف اللغوي، الشرع يستعمل اللفظ في معناه اللغوي ويزيد عليه بعض القيود، كما نص على ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.

стр. 105

ولا ينقل اللفظ اللغوي إلى الاستعمال الشرعي بحيث لا يكون هناك رابطة بين المعنيين الشرعي واللغوي، فالحج في اللغة القصد إلى المعظم، وهنا قصد مكة، وهي معظمة، لكن لأي شيء؟ زيد قيد أو قيود، إنما كان هذا القصد لأداء النسك، الذي هو نسك الحج، في زمن مخصوص على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، تقرباً إلى الله . والعمرة في اللغة: الزيارة، يقال: اعتمره إذا زاره، وقيل: إنها مشتقة من عمارة المسجد الحرام، مأخوذة من عمارة المسجد الحرام، فالعمار يعمرون المسجد الحرام بالتردد إليه لأداء هذا النسك. واصطلاحاً: زيارة البيت الحرام لعمل مخصوص وهو الطواف والسعي تقرباً إلى الله ، الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- يضيف إلى التعاريف الشرعية للعبادات كلها لفظ التعبد لله ، فيقول مثلاً في الحج: التعبد لله بأداء النسك على ما جاء في سنة رسول الله ﷺ ، على كل حال هي عبارة جيدة، لكن إذا قلنا بالحد المعروف عند أهل العلم وأضفنا إليه تقرباً إلى الله انتهى الإشكال، كل عبارة يفهم منها المقصود فإنها تكفي إذا كانت على سنن الحدود عند أهل العلم بأن تكون جامعة مانعة، على أن تعريف العبادات وغيرها من الأمور المعروفة لدى الخاص والعام المستفيض ذكرها ليس من عادة سلف هذه الأمة وأئمتها، لا تجد الأئمة الكبار يتعرضون لتعريف الصلاة مثلاً أو لتعريف الزكاة، أو لتعريف الحج أو غيرها من العبادات المعروفة عند الناس كلهم، فهي معروفة لدى الخاص والعام، لكن احتيج إليها، احتيج إلى مثل هذه التعاريف لما سلك الناس بالتأليف مسالك الترتيب، فهم يرتبون العلوم، بل تجدهم لا يجيزون ذكر الحكم حتى يتم التعريف على مرادهم، والأصل في هذه الحدود مأخوذة من المنطق، واعتنى بها أهل العلم وتعارفوا عليها، وصارت اصطلاح لهم، وعلى كل حال لا مانع من ذكر تعريف الشيء وإن كان معروفاً، اللهم إلا إن كان تعريفه مما يزيده غموضاً، فتعريف الأرض مثلاً، تعريف السماء، تعريف الماء، كل هذه مما يزيدها غموضاً، فتعريف مثل هذه المعروفات لا طائل تحته. يقول ﵀:

стр. 106

"الحج والعمرة واجبان" أما وجوب الحج فلا خلاف فيه، بل هو ركن من أركان الإسلام ومبانيه العظام، ودعائمه الخمس التي بني عليها، قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] بل كونه ركن من أركان الإسلام معلوم بالضرورة من الدين، فمن جحد وجوبه كفر إجماعاً، من اعترف به ولم يحج مع الاستطاعة فعلى خطر عظيم، نسأل الله السلامة والعافية، اختلفوا في تكفير من تركه مع اعترافه بوجوبه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان: "اتفق المسلمون على أن من لم يأتِ بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة التي هي الصلاة والزكاة والصيام والحج فاختلفوا في تكفير تاركها، والقول بكفر من ترك واحدة منها، رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحاب مالك، فتارك أحد هذه الأركان مع قدرته على فعله لا شك أنه على خطر عظيم، فقد بني الإسلام على هذه الأركان، وكل بناء ترك بعض أركانه يوشك أن يتهدم، والقول المرجح عند جمهور العلماء أنه لا يكفر إلا من تكر الصلاة على خلاف بينهم في حكم تاركها أيضاً، وقد نقل اتفاق الصحابة ﵃ على كفر تاركها وإن كان معترفاً بوجوبها، وجاء في الحج من النصوص التي تدل على خطر من تركه فهو على خطر عظيم، جاء فيه نصوص مرفوعة وموقوفة، وإن كان بعضها لا يسلم من مقال، لكن يكفينا أنه ركن من أركان الإسلام، وأن الله قال في أية الوجوب: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران].

стр. 107

جاء في الترمذي من حديث الحارث وهو الأعور عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] يقول الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعلى كل حال في إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف، وهلال بن عبد الله الراوي عنه مجهول، فالحديث ضعيف، في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان))، وروى مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)) فقال رجل: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وهذا سبقت الإشارة إليه في الحديث على الصيام، وتقديمه على الحج أو العكس، وعلى كل حال لا مانع من التذكير بشيء من ذلك.

стр. 108

في المتفق عليه: ((الحج وصوم رمضان)) في صحيح مسلم عن ابن عمر المخرج واحد قال: ((وصيام رمضان والحج)) فقال رجل: الحج وصيام رمضان، قال: "لا، صيام رمضان والحج" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، هذا قد يستشكله بعض الناس، كيف يقول ابن عمر فيما ثبت عنه وصح عنه في الصحيحين وغيرهما بتقديم الحج على الصيام، ثم يرد على من نبهه إلى تقديم الحج على الصيام، قال: لا صيام رمضان والحج، واختلف العلماء في إنكار ابن عمر ﵄ على الرجل الذي قدم الحج على الصيام مع أن ابن عمر رواه كذلك، يقول النووي في شرح مسلم: الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي ﷺ مرتين، مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضاً على الوجهين في وقتين، لم رد على الرجل قال: لا صيام رمضان والحج ما نسي الرواية الأخرى، لكنه أراد أن يؤدب هذا الرجل الذي رد عليه وهو لا يعرف السبب. رواه على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج، قال ابن عمر ﵄: لا ترد عليّ ما لا علم لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا تحققه، بل هو بتقديم الصوم هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، لكن إذا تدخل الشخص فيما لا يعنيه فلا بد من تأديبه بمثل هذا الأسلوب. يقول الشراح: يحتمل أيضاً أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، هذا احتمال، احتمال أن يكون إنكاره على الرجل من باب التأديب وألا يتسرع أحد برد ما لا علم له به، ويحتمل أيضاً أن ابن عمر نسي الوجه الأول الذي ذكره سابقاً، تبعاً لاختلاف هاتين الروايتين عن ابن عمر، جاء ترتيب الأركان في كتب أهل العلم على هذين الوجهين، فمنهم من قدم الصوم وهو الأكثر، ومنهم من قدم الحج كالبخاري قدم الحج على الصيام، وغيره قدموا الصيام على الحج، ولكل وجه، جاء من النصوص التشديد في ترك الحج ما جاء، فلذا قدم الحج على الصوم، وأكثر الرواة على تقديم الصيام على الحج، ولذا اعتمده جمهور أهل العلم ممن صنف في الحديث والفقه.

стр. 109

وأما العمرة فاختار المؤلف وجوبها وهو المذهب عند الحنابلة وفاقاً للجديد من قول الشافعي، يقول الإمام البخاري في صحيحه: "باب: وجوب العمرة وفضلها" وقال ابن عمر -تابع كلام البخاري-: وقال ابن عمر رضي لله عنهما: ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة، وقال ابن عباس ﵄: إنها لقرينتها في كتاب الله : ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] يقول ابن حجر في فتح الباري: جزم المصنف بوجوب العمرة وهو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد وغيرهما من أهل الأثر، والمشهور عن المالكية أن العمرة تطوع وهو قول الحنفية، ابن حجر يقول: هو متابع في ذلك للمشهور عن الشافعي وأحمد، هذا الكلام فيه نظر؛ لأن الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- أحد الأئمة المجتهدين، بل هو من كبار الفقهاء، من نظر في صحيحه في تراجمه وفي دقة نظره، ودقة استنباطه، وقارن بين أقواله وبين أقوال أهل العلم وجده من نمط الشافعي وأحمد ومالك وسفيان وإسحاق وغيرهم، فليس بمقلد -رحمه الله تعالى-. فالإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لا يتابع أحداً، وصحيحه وما تضمنه من اختيارات يدور فيها مع النص، يخالف فيها الأئمة أو بعضهم دليل على ذلك. وسبق في الفتح الجزء الأول هذا الكلام في الجزء الثالث الكلام السابق وهذا في الثالث صفحة (٥٩٧) سبق في الجزء الأول صفحة (٢٤٣) من الفتح زلة من الحافظ حيث قال: إن جميع ما يورده البخاري من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل الفن كأبي عبيدة والنضر بن شميل والفراء وغيرهم هذا مقبول لا بأس به؛ لأن اللغة إنما تكون بالتلقي لا بالاستنباط.

стр. 110

يقول: وأما المباحث الفقيه فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد، وهذا الذي في الكلام وهو أن الإمام البخاري مجتهد، لا يقلد أحد لا الشافعي ولا أحمد ولا أبا عبيد، وأعظم من ذلك قوله: وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسسي وابن كلاب ونحوهم، هذه زلة وهفوة من الحافظ ﵀، البخاري مجتهد في الأحكام كما تقدم، كما أنه على معتقد أهل السنة والجماعة كما يظهر ذلك جلياً لمن قرأ الصحيح في مسائل الإيمان والتوحيد وغيرها، من أراد أن يعرف الفرق بين مذهب الإمام البخاري وبين ابن كلاب والكرابيسي وغيرهما فليقرأ في درء تعارض العقل والنقل في الجزء الأول صفحة (٢٧٠) إلى (٧٦) يعرف الفرق بين الإمام البخاري وبين هؤلاء. طالب:. . . . . . . . . إذا عرفنا هذا فمن أدلة الوجوب يعني وجوب العمرة قوله ﵊ في حديث عائشة ﵂ لما سئل ﵊ على النساء جهاد؟ قال: ((نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة)) وهو حديث صحيح، مخرج في المسند بسند صحيح، وأصله في الصحيح، في البخاري، أصله في البخاري، وفي المسند وسنن أبي داود والترمذي من حديث أبي رزين العقيلي: أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الشافعي: لا أعلم في إيجاب العمرة أجود منه، ((حج عن أبيك واعتمر)).
следующие страницы →