← Тафсир

Тафсир · id 23842

التعليق على تفسير الجلالين - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (768 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [(٩) سورة الرحمن] "تنقصوا الموزون" فالأصل أن يتساوى لسان الميزان .. ، الموزون مع ما يوزن به هذا الأصل، هذا هو العدل، لكن إن زاد فهو فضل وإن نقص فهو تطفيف ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [(٩) سورة الرحمن] أي: "تنقصوا الموزون" لأن بعض الناس من شدة تحريه للعدل وإن كان الفضل أفضل من العدل الفضل أفضل من العدل، تجده إذا وزن برتقال مثلاً إن وضع واحدة رجحت وإن رفعها قل الموزون، وهذا لا يريد أن يتفضل ما جبل على فضل، نعم، وهذا شاهدناه من بعض الناس، يصير مجبول على شيء من الشح ولا ... ، يمكن لو يتيسر له أنه يطفف يمكن ما يتأخر لكن الزبون أمامه، فلا يريد الفضل هو فيأتي بمادة ثانية من نوع ثاني فاكهة أخرى تكون أخف فيضعها من أجل لا تظلمون ولا تظلمون، هذا عدل ما في إشكال، لكن يبقى أن الفضل لا تنسوا الفضل.

стр. 562

والوزن كما يكون بالمحسوسات يكون أيضاً في المعاني، والعدل كما يطلب في وزن المحسوسات يطلب أيضاً في وزن المعاني، لا بد من العدل، العلماء حينما تكلموا في الرواة جرحاً وتعديلاً اهتموا بمسألة العدل، لا يجوز أن يجرح الراوي بأكثر مما فيه، كما أنه لا يجوز أن يعطى من الأوصاف والثناء ما يغرر بقبول خبره، وهو مما لا يقبل خبره، يعني لا بد أن يوزن الرجال بالقسط، وأعني بالرجال من يحتاج إلى وزنهم، من يحتاج إلى وزنهم، السنة لا تثبت إلا بالأسانيد، والأسانيد مشتملة على رواة، وكل راوٍ من الرواة له منزلة عند أهل العلم، لا يجوز أن ينزل عنها بحيث يرد خبره، ولا يجوز أن يرفع من شأنه بحيث يقبل خبره، وهو في الأصل لا يقبل خبره، لا بد من العدل، لا بد من الإنصاف، تجد بعض الناس إذا تكلم في بعض الأشخاص نسي الحسنات، وبعضهم إذا تكلم نسي السيئات، أولاً: الكلام في الناس وفي أعراضهم ينبغي أن يتقيه، أن يتقيه المسلم المتحري الحريص على براءة ذمته إلا بقدر الحاجة، يعني إن احتيج إليه، جاء شخص يسألك يستشيرك يقول: تقدم لنا فلان لخطبة البنت مثلاً تشير عليه، إذا كان فيه ما يمدح بسببه تمدح، وإذا كان فيه ما يذم بسببه تذم، ويكون هدفك بذل النصح لصاحبك، لا يكون هدفك التفكه بعرض فلان أو علان، ويكون بقدر الحاجة، وما زاد عن الحاجة يعود إلى الأصل وهو المنع، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقول ابن دقيق العيد: "وقف على شفيرها العلماء والحكام" فالعلماء يحتاجون إلى الكلام في الناس، الحكام يحتاجون إلى الكلام في الناس، فلا تجوز الزيادة عن الحاجة، وأن يكون الكلام بالعدل بالقسط، لا يزاد في حق فلان ولا .. ؛ لأنه لو زدت في حقه ورفعته فوق شأنه إن كان راوياً جعلت الناس يقبلون خبره، وهو في الحقيقة خبره غير مقبول، هذا ضرر عظيم، وإن نقصت من شأنه جعلت الناس يردون حديثه، وقد يكون حديثه مقبول، فأنت غررت بهم، وإن كان مما يسأل عنه من أجل ولاية ونحوها إن رفعت من شأنه غششت به الأمة، وإن حططت من شأنه ظلمته وظلمت غيره، فلا بد من العدل، والإنسان ما دام في عافية ما علق هذا الأمر به ولا أنيط به فعليه أن يحرص على إبراء ذمته؛ لأن العدل في مثل هذه

стр. 563

الأمور فيه صعوبة، يعني إذا سئلت عن شخص قد تمدحه اليوم وتذمه غداً، إما أن يكون قد ظهر لك من أمره ما لم يظهر، أو يكون تعامله معك في هذا اليوم تغير، مع أن العدل مطلوب سواءً تعامل معك على وجه حسن ترضاه ويروق لك، أو خلاف ذلك، فنعتني بهذا ونهتم به، والإنسان لا يأتي يوم القيامة مفلساً، يجمع الحسنات من الصيام والصلاة والزكاة والبر وغيرها وطلب العلم والتعليم ثم بعد ذلك يأتي يوزع هذه الحسنات على غيره، فيكون مفلساً، كما جاء في الحديث الصحيح، يحرص على أن يحافظ على ما اكتسبه، والوزن مثل ما ذكرنا كما يكون في المحسوسات يكون أيضاً في المعنويات، فلا بد من العدل، ولا بد من القسط. ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [(١٠) سورة الرحمن] وضعها: "أثبتها" وثبتها وأرساها لئلا تميد ولا تضطرب؛ لأنها لو مادت أو اضطربت ما تم العيش عليها براحة، والأرض وضعها: أثبتها، وبالجبال أرساها، أرساها بالجبال الرواسي لتثبت، فلا تميد بالخلق بالأنام الذين على ظهرها من الجن والإنس وغيرهم، ولو مادت واضطربت وحصل لها ذلك لأصيب الناس بالذعر، كما هو شأن الهزات الأرضية والزلازل -نسأل الله السلامة والعافية-، والحكمة من وجود هذه الجبال هو إرساء الأرض وتثبيتها من أجل أن تثبت لهؤلاء الأنام، لهؤلاء الخلق الذين جعلت لهم كالمهد، فيلازمونها كما يلازم الصبي مهده، ولذا القضاء على هذه الجبال لا شك أنه مخالف للحكمة الإلهية من وجودها، ونرى الأمر يزداد في هذه الأيام في إزالة الجبال من أجل .. ، لا شك أنه من أجل الانتفاع بهذه الأرض، لكن هل المقصود بالانتفاع لذاته أو للكسب المادي؟ لا شك أن الذين يفعلون هذا يريدون الكسب، وكونهم يزيلون هذه الجبال التي حكمتها إرساء الأرض وتثبيت الأرض، يقولون: نضع مكان هذه الجبال مشاريع عملاقة، عمارات طويلة أطول من هذا الجبل، نقول: مهما كانت لن تكون بمنزلة هذا الجبل في إرساء الأرض، نعم إذا دعت مصلحة عامة صار هذا الجبل في طريق لا بد منه، لا بد من سلوكه فهذا له شأن، لكن تبقى الجبال من أجل إرساء الأرض وتثبيتها.

стр. 564

﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ [(١٠) سورة الرحمن] يعني "أثبتها" ﴿لِلْأَنَامِ﴾ [(١٠) سورة الرحمن] "للخلق للجن والإنس وغيرهم" لمن يعيش على ظهرها، ومن يقول بأن الأرض تدور مثلاً وأهل الهيئة يتفقون على أنها تدور حول الشمس، وعرفنا أن من يقول بأن الشمس ثابتة حكم أهل العلم بكفره؛ لأنه مصادم للنص، وبالنسبة للأرض والقول بدورانها مسألة معروفة عند أهل الهيئة ويتفقون عليها، واستنكر هذا القول، ورد عليه في أول الأمر، ثم بدأ الناس من كثرة ما يسمعون من هذا الكلام، وما ذكر لهم من أدلة قد يقتنع بها بعضهم، وما زال أهل العلم يرون أن الأرض ثابتة راسية، على ما جاء في النصوص، وإن كان بعضهم يقول: إن دورانها لا ينافي ثبوتها ولا رسوها، ثابتة باعتبار أنها لا تضطرب ولا تهتز ولا يتأثر من فيه، وتتحرك حركة لا يشعر بها، كما جاء في الجبال يوم القيامة ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل] فهذه الأرض تدور بمن فيها على ما قالوا، ومثل هذه المسائل التي لا يسأل عنها الإنسان، وليس لها نتيجة عملية، لو ترك البحث فيها كان أولى؛ لأن بعض الناس يصرف الوقت الطويل لبحث مثل هذه المسائل فيما لا جدوى له، سواءً كانت ثابتة أو تدور على ظهرها، على الإنسان أن يعبد الله -جل علا- على حسب ما طلب منه، وهو تحقيق العبودية، وبعض العلماء مثل الشيخ ابن باز ﵀ ألف في المسألة مؤلف، ألف في هذه المسألة مؤلف، وشدد في مسألة دوران الأرض، وبعضهم من حكم بكفره من يقول: بدورانها؛ لأن النصوص جاءت بأنها راسية وثابتة، وإن كان الطرف الثاني يقول: إنها مع دورانها راسية وثابتة، يعني مثل ما تقول في بعض السيارات وهي تسير تمشي عليها مائة وخمسين مائة وستين تكون راسية وهي ليست ثابتة تمشي، على كل حال مثل هذه الأمور الخلاف فيها ليست له ثمرة ولا جدوى، ولسنا بمسئولين عنه إذا قبرنا.

стр. 565

﴿فِيهَا﴾ [(١١) سورة الرحمن] يعني في الأرض أقرب مذكور ﴿فَاكِهَةٌ﴾ فيها فاكهة، ﴿وَالنَّخْلُ﴾ ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ﴾ [(١١) سورة الرحمن] يقول: "المعهود" النخل المعهود؛ ليبين أن (أل) هنا للعهد، وفيها فاكهة فما السر في تنكير فاكهة وتعريف النخل؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [(١١) سورة الرحمن] ما قال: فيها فاكهة ونخل، أو فيها الفاكهة والنخل، نعم الفاكهة كثيرة الأشكال، كثيرة الأجناس، كثيرة الأنواع، النخل شيء واحد ثمره التمر، والفاكهة متنوعة، فالتنكير هنا للتعميم، وأما بالنسبة للنخل فالمراد به النخل المعهود المثمر للتمر فقط. ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [(١١) سورة الرحمن] جمع كِم، جمع كم، وهذا يقال له: كِم وإلا كُم؟ كُم، وواحد الأكمام كِم، وهو وعاء الطلع، وعاء الطلع، الظرف الذي يكون فيه الطلع، ولذا قال: ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [(١١) سورة الرحمن] "أوعية الطلع" أوعية الطلع ﴿وَالْحَبُّ﴾ [(١٢) سورة الرحمن] كالحنطة والشعير الحب الذرة الدخن والحبوب كثيرة، ﴿وَالْحَبُّ﴾ "كالحنطة والشعير" ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ العصف قال: "التبن" لأن الحب له قشر، له قشر وله سنبل، كل هذا إذا استخلص الحب الباقي تعصف به الريح، يكون خفيف تعصف به الريح، ولذا قال: ذو العصف، الحب له عصف، له قشور، وله تبن، وله أشياء إذا استخلص الحب الباقي تعصف به الريح، ومنهم من يقول: ذو العصف المراد به ورق الشجر إذا يبس وسقط منها عصفت به الريح، لكن إضافته للحب إضافته للحب تدل على أنه ملازم للحب، مما يتصف به الحب، الحب ذو، الحب ذو، موصوف بكونه صاحب العصف، والفعْل هنا مقصود به اسم المفعول، كالحمل بمعنى المحمول، العصف يعني المعصوف به وهو التبن وما في حكمه مما يخف للريح فتعصف به.

стр. 566

﴿ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [(١٢) سورة الرحمن] الريحان قالوا: هو الورق، الريحان: هو الورق، وفي بعض النسخ الرزق، الرزق بدل الورق، والرزق بلغة حمير يسمونه الريحان، أو المشموم الريحان له رائحة يشم رائحة قوية نفاذة ومن قوته تأثيره في بعض الجروح لقوة تأثيره ونفوذه فرائحته متعدية يشم من بعد، ولذا نص عليه فهو المشموم أو الرزق على لغة حمير، واشتمال القرآن على بعض المفردات من اللغات الأخرى سواءً كانت عربية أو غير عربية، غير لغة قريش، القرآن في الأصل نزل بلغة قريش، لكن فيه من لغات القبائل الأخرى كما هو معروف، فيه من لغات القبائل الأخرى، والخلاف في وجود بعض الكلمات بلغات الأمم الأخرى، يعني هل في القرآن ألفاظ غير عربية؟ الإجماع على أنه ليس فيه تراكيب وجمل أعجمية؛ لأنه بلسان عربي مبين، كما أن الإجماع قائم على أن فيه أعلام أعجمية، يعني أسماء أعجمية، وليس فيه تراكيب ولا جمل أعجمية، بقي المفردات مثل: مشكاة، ومثل: استبرق وغيرهما، يعني هل فيه من لغة الحبشة شيء؟ هل فيه من لغة فارس شيء؟ أو ليس فيه شيء من ذلك؟ المسألة خلافية بين أهل العلم منهم من يثبت، وفيه كلمات إذا بحثت عنها في معاجم اللغات الأخرى وجدت لها ذكر، فمن أهل العلم من يثبت، ومنهم من يقول: ليس فيه كلام غير عربي، بل الكلمات الموجودة التي يدعى أنها أعجمية هذا مما اتفقت فيه اللغات، يعني تكلم به العرب وغيرهم، أو مما عرب يعني أصله أعجمي ثم عرب، وفي لغة العرب ما يعرف بالمعرب، فيه كتاب اسمه: (المعرب) للجواليقي كتاب من أنفس الكتب، ينبغي لطالب العلم أن يعتني به.

стр. 567

﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٣) سورة الرحمن] فبأي آلالاء: آلاء: النعم، الآلاء: النعم، واحدها (إلى) كـ (معى) أو (ألى) كـ (حصى) وفيها لغات أخرى، المقصود أن الآلاء هي النعم، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء﴾ [(١٣) سورة الرحمن] أي فبأي نعم ربكما أيها الإنس والجن، هل سبق ذكر للإنس والجن وإلا ما سبق؟ ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(٣) سورة الرحمن] هذا ذكر للإنس، لكن الجن لم يسبق لهم ذكر، وقد يعود الضمير على غير مذكور للعلم به، لأنه لا يوقع في لبس، ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [(٣٢) سورة ص] ما هي التي توارت بالحجاب؟ الشمس، لكن لم يسبق لها ذكر، فالجن لم يسبق لهم ذكر، والإنس يفهم ذكرهم من جنس الإنسان الذي تقدم، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا﴾ [(١٣) سورة الرحمن] أيها الإنس والجن والخطاب للمكلفين، والتكليف إنما هو للإنس والجن، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات].

стр. 568

﴿تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٣) سورة الرحمن] وهذه الآية ذكرت في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، إحدى وثلاثين مرة، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٣) سورة الرحمن] يقول: "ذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير" للتقرير، يقول: "لما روى الحاكم عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ((ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة –يعني ولا مرة- إلا قالوا –يعني ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٣) سورة الرحمن]- إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد)) " وصرح جمع من أهل العلم أنه يستحب للقارئ أو السامع أن يقول مثل هذا؛ لأن النبي ﵊ عتب على أصحابه حينما سكتوا، والجن نطقوا، قال: ((ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٣) سورة الرحمن] إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد)) والخبر فيه كلام لأهل العلم، لكن له طرق تدل على أن له أصلاً، يعني لو قالها مرة واحدة في أول مرة أو في آخر مرة يكفي، لكن الأكمل أن تقال عند كل مرة؛ لأنه خطاب للمكلفين ينبغي الرد عليه.

стр. 569

﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] أصله، وهو آدم ﵇ ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ يعني هل كل إنسان من المتقدمين أو من المتأخرين خلق من صلصال؟ كيف يخلق الإنسان؟ معروف خلق الإنسان بدايته آدم من طين، وحواء خلقت من ضلعه، وبقية الخلق من التلاقح بين الذكر والأنثى، وهنا يقول: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] إذا أردنا إذا قلنا: الجنس جنس الإنسان كما تقدم في الأول ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(٣) سورة الرحمن] هناك في أول ما وضع ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(٣) سورة الرحمن] أي الجنس, هنا ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] آدم، نعم الله -جل وعلا- خالق آدم وخالق غير آدم، جميع الناس الله -جل وعلا- هو الذي خلقهم، لكن بهذا المتعلق ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] يراد به آدم؛ لأن من عداه لم يخلقوا من صلصال، إنما الذي خلق من صلصال "طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر" إذا نقر بالأصبع ليرى هل فيه عيب؟ يسمع له صلصلة وصوت طنين من صلصال يقول: "من طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر" ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] "وهو ما طبخ من الطين" وهو ما طبخ من الطين، جاء خلق آدم من تراب، ومن طين، ومن طين لازب، ومن حمأ مسنون، وهنا ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] لأنها مرت بمراحل أولاً: التراب جمع يابس، ثم أضيف إليه ما يجعله طيناً، ثم ترك حتى صار حمأ مسنون، ثم صور، أو طبخ صار صلصال، وصور فمروره بهذه المراحل يعني ما يقال هنا يقول: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] وهناك ﴿مِن تُرَابٍ﴾ [(٥٩) سورة آل عمران] وهناك ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [(٢٦) سورة الحجر] هذا ليس فيه اختلاف إنما هي مراحل أولاً: تراب يابس ثم أضيف إليه ما يجعله من طين، ثم صار هذا الطين لازب يعني يلصق يتماسك ثم صور ولما جف صار كالصلصال، يعني قال: "طين يابس يسمع له صلصلة إذا نقر" ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [(١٤) سورة الرحمن] "وهو ما طبخ من الطين" الفخار معروف، وما زال يصنع منه بعض الأواني، يصنع منه بعض الأواني.

стр. 570

﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ [(١٥) سورة الرحمن] "أبا الجن وهو إبليس" يعني أصلهم، يعني كما خلق أصل الإنس من الطين من الصلصال خلق الجان يعني أباهم إبليس أو المراد بالجان الجن كلهم فكلهم خلقوا من نار، أو أن أصلهم كما خلق آدم من طين أصل الإنس خلق أصلهم، وهو إبليس من النار، وأما بقيتهم كبقية بني آدم من التوالد، قولان معروفان عند أهل العلم. ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [(١٥) سورة الرحمن] قالوا: "هو لهبها الخالص من الدخان" ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [(١٥) سورة الرحمن] "هو لهبها الخالص من الدخان" أو المارج اللسان الذي يخرج منها من اللهب الذي فيه أكثر من لون، يعني أحياناً يخرج بلون أصفر وأحمر وأخضر من النار، من هذا المارج الذي يسمى مارج يعني مختلط، من أمور كثيرة، و "هو لهبها الخالص من الدخان" ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٦) سورة الرحمن] والآلاء هي النعم، والله -جل وعلا- يقرر عليهم نعمه، ويلزمهم بشكرها، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٦) سورة الرحمن] يعني هل تنكرون شيء من هذه النعم أو تنسبونها إلى غيري فتكذبون بها؟ لأن المنكر بالكلية هذا معروف، المكذب معروف، من نسب هذه النعمة إلى السبب مثلاً ونسي المسبب كمن قال: مطرنا بنوء كذا هذا أيضاً مكذب ((كافر بالله مؤمن بالكوكب)) كما جاء في الحديث، نعم قد يوجد هناك أسباب تنشأ عنها بعض النعم، لكن المسبب هو الله -جل وعلا-، والأسباب وإن كان لها دور في إيجاد المسبب فهذه الأسباب لولا أن الله -جل وعلا- جعل فيها هذا الأثر ما نفعت، فالأسباب مؤثرة لكنها لا بذاتها، بل بجعل الله الأثر فيها، ولذا قد توجد هذه الأسباب ولا يوجد المسبب لوجود مانع، أو لأمر يريده الله -جل وعلا-، فالأسباب عند أهل السنة لها أثر، لكنها لا تستقل بهذا الأثر، فالمسبب هو الله -جل وعلا- خلافاً للأشعرية الذين يقولون: لا قيمة لها، وجودها مثل عدمها، وخلافاً للمعتزلة الذين يقولون: مؤثرة بذاتها، ومذهب أهل السنة وسط بين المذهبين، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٦) سورة الرحمن].

стр. 571

﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [(١٧) سورة الرحمن] يعني هو رب المشرقين ﴿وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْن﴾ التثنية هنا على إرادة مشرق الشتاء ومشرق الصيف، ورب المغربين كذلك مغرب الشتاء ومغرب الصيف؛ لأن الشتاء يقصر فيه النهار، والصيف يطول فيه النهار، مقتضى ذلك أن الشمس في الصيف تبقى مدة أطول من بقائها في الشتاء، فالشتاء له مشرق تشرق من جهة وتغرب من جهة في أقصر مسافة، بينما الصيف لطوله تجدها تجدونها تشرق من جهة وتغرب من جهة هي أطول مسافة؛ لأنها تبقى في السماء مدة أطول؛ لأن النهار أطول من نهار الشتاء، فالمراد بالمشرقين مشرقي الصيف والشتاء والمغربين كذلك، وجاء الإفراد ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [(٩) سورة المزمل] يعني جهة المشرق وجهة المغرب، وجاء أيضاً الجمع ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [(٤٠) سورة المعارج] فرب المشرقين الشتاء والصيف، والمشرق والمغرب المراد به الجهتين، جهة الشرق وجهة الغرب، والمشارق والمغارب مشرق كل يوم ومغرب كل يوم بحسبه ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(١٨) سورة الرحمن] كما تقدم. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [(١٩) سورة الرحمن] مرج: أي: أرسل يقول المؤلف: "مرج أي أرسل"، " ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾: العذب والملح" العذب الحلو والمالح ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ في رأي العين" يلتقيان في رأي العين، يعني يصب النهر الحلو في البحر المالح يلتقيان، وهذا معروف يعني لو نظرت إلى الأنهار الكبيرة مثل النيل، النيل وين يصب؟ في البحر الأبيض، دجلة والفرات أيضاً مياه عذبة تصب في البحر المالح، هذا على قول، ومنهم من يقول: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [(١٩) سورة الرحمن] المراد به ماء السماء وماء الأرض، أرسل ماء السماء على ماء الأرض، ماء السماء عذب وماء الأرض مالح، ومنهم من يقول: إن هناك من البحار ولعله يقصد بها الأنهار عذبة حلوة تصب في المياه المالحة " ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ في رأي العين" تنظر هذا يدخل في هذا.

стр. 572

﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [(٢٠) سورة الرحمن] "حاجز" يقول: "من قدرته تعالى" وغيره يقول: لا داعي لـ (من) هذه، حاجز هي قدرته تعالى، قدرة الله -جل وعلا- تحجز بين هذين المائين الحلو والمالح، فلا يختلط هذا بهذا، يستمر الحلو حلو ويستمر المالح مالح، ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [(٢٠) سورة الرحمن] "حاجز من قدرته تعالى" ﴿لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [(٢٠) سورة الرحمن] "لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به" لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به، يستمر العذب عذب والمالح مالح، ويقولون يقول المفسرون ويذكر بعضهم أنه جرب هذا أنه حفر بجوار المالح فخرج له ماء حلو، يعني معزول، الحلو معزول لا يختلط بالمالح، بينما المائعات الأخرى يختلط بعضها ببعض، لو صب الإنسان لبن على الشاي ثم خلطهما يستمر الشاي معزول واللبن معزول؟ لا، يختلط بعضهما .. ، لكنها القدرة الإلهية، مع لطافة الماء وشفافيته مع ذلك لا يختلط هذا بهذا، وهذه قدرة عجيبة مذهلة، وإلا فالأصل أن المائعات تمتزج، يعني قابلة للامتزاج وإلا فالزيت والدهن لا يمتزج بالماء يبقى يعني بشكله وهيأته ﴿لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [(٢٠) سورة الرحمن] لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٢١) سورة الرحمن] وهذا كما تقدم.

стр. 573

﴿يَخْرُجُ﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] أو يُخرَج، ﴿مِنْهُمَا﴾ يَخُرج بالبناء للفاعل، ويَخُرج بالبناء للمفعول ﴿مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] يقول أهل العلم: إن العذب لا يخرج منه لؤلؤ ولا مرجان، إنما اللؤلؤ والمرجان يخرجان من الملح، من الماء المالح، يقول: " ﴿مِنْهُمَا﴾ من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح" من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح، ويش معنى هذا الكلام؟ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] الأصل اللؤلؤ والمرجان مقابلة مثنى بمثنى، هل نقول: إن مقابلة المثنى بالمثنى مثل مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفراد لكل واحد نوع؟ عندنا (منهما) عندنا بحران عذب ومالح، وعندنا يخرج منهما لؤلؤ ومرجان، يعني إذا قلنا: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفراد لكل واحد نوع خاص قد يكون اللؤلؤ يخرج من المالح والمرجان يخرج من الحلو أو العكس وقيل بهذا من باب أن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أفراد، كما في: (ركب القوم دوابهم) كل واحد ركب دابته، المؤلف هنا مشى على أن العذب لا يخرج منه شيء، إنما اللؤلؤ والمرجان يخرجان من المالح، قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] يعني "من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح" يعني نظير ذلك لو أن هناك مسابقة مسابقة بين فريقين، مسابقة علمية مثلاً بين فريقين ألقيت الأسئلة على الفريق ألف ألقيت أسئلة، أجاب عنها واحد منهم ألا يصلح أن نقول: أجاب فرق ألف عن الأسئلة؟ وهو واحد اللي أجاب، والمؤلف يريد ما جاء في هذه الآية من هذا النوع، إذا قيل مثلاً: إن أهل البلد الفلاني زرعوا الزيتون مثلاً، أهل البلد الفلاني زرعوا الزيتون، فأنتج وأثمر عندهم، وهو بلد حار في الأصل لا ينتج زيتون هل معنى هذا أن كل أهل البلد زرعوا أو من يزرع منهم أو من زرع منهم ولو كان واحد أو اثنين؟ المؤلف يريد ما جاء في هذه الآية من هذا النوع، "منهما" يعني: من مجموعهما.

стр. 574

يقول: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] والقراءة الأخرى: يُخرج بالبناء للمفعول والبناء للفاعل "منهما من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح" ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] اللؤلؤ معروف، المرجان يقول: "خرز أحمر أو صغار اللؤلؤ" صغار اللؤلؤ يسمى مرجان، وعلى القول بأن البحرين المائين ماء السماء وماء الأرض يقولون: إن ما ينزل من السماء يتلقاه الصدف في البحر فيخرج منهما من التزاوج من المائين اللؤلؤ والمرجان، ومن المفسرين من قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] من العذب والملح من تزاوج المائين يخرج اللؤلؤ والمرجان، فجعلوا الماء العذب بمنزلة ماء الرجل، والماء الملح بمنزلة ماء المرأة، فينتج عن المائين هذا المذكور اللؤلؤ والمرجان، وعلى كل حال اللؤلؤ والمرجان موجود، موجود في البحار، وأهل الغوص يعرفون كيف يستخرجونه، وكونه من الملح فقط أو من العذب فقط، وإن كان ظاهر السياق يدل على أنه من المائين هذا الأصل في مثل هذا ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٢٣) سورة الرحمن] كما تقدم. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [(٢٤) سورة الرحمن] السفن ﴿الْمُنشَآتُ﴾ يقول: المحدثات ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ "كالجبال عظماً وارتفاعاً" ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [(٢٤) سورة الرحمن] وقرئ بإثبات الياء، والأكثر على أنها كسرة وليست ياء، وقرئ شاذاً: "الجوارُ" لكنها شاذة، ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [(٢٤) سورة الرحمن] السفن التي تجري في البحار.

стр. 575

﴿الْمُنشَآتُ﴾ يعني المحدثات التي أنشأها البشر وصنعوها هي لله -جل وعلا-؛ لأنه هو الذي يسيرها، يعني وسائل النقل الأخرى تسير لكن كيفية سيرها؟ إن كانت من صنع البشر فأمرها واضح، يعني لو قلنا: مثلاً السيارات والطائرات وغيرها، ما الذي يسير .. ؟ كيف تسير السيارة؟ على أمور محسوسة، أمور محسوسة صنعها البشر، وإن كان البشر لا يستقل فالله خالقه وخالق ما عمل، خالقه، خالق الصانع وخالق الصناعة، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] لكن بالحس يدرك أن هذا الذي صنع هذه السيارة وصنع لها هذه الكفرات تجري على هذه الطريقة المحسوسة، الطائرات أيضاً أمرها واضح، لكن السفن التي تسيرها الرياح، وهي من الله -جل وعلا-، ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ [(٣٣) سورة الشورى] يعني السفن أمرها يختلف عن الوسائل الأخرى، يعني الإبل والخيل والبغال والحمير ترى وسائل مشيها بالأرجل أو بالكفرات أو بغيرها، لكن السفن؟ الله -جل وعلا- هو الذي يجريها على هذا الماء، وإن كان هو المجري للجميع ولو شاء -جل وعلا- ما مشى شيء، لكن يبقى أن ما خفي أمره الاعتبار به أكثر، يعني مثل هذه السفن التي تجريها الريح، يعني كما في قوله -جل وعلا-: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [(٣٣) سورة الشورى] يعني ابن جبير ذكر في رحلته أنه في طريقه من سواحل الشام إلى الأندلس ستة أشهر على السفن، ستة أشهر، فجاءت ريح معاكسة في يوم أو يومين أرجعتهم إلى سواحل الشام. ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ﴾ [(٢٤) سورة الرحمن] المحدثات التي صنعها البشر بأمر الله -جل وعلا- وبإرادته وبتعليمه إياه؛ لأنه هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

стр. 576

﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [(٢٤) سورة الرحمن] يعني كالجبال، العلم الجبل، الأعلام واحدها علم، وهو الجبل، وكثيراً ما يقال: فلان علم في رأسه نار، أو كأنه علم في رأسه نار، يعني كأنه جبل في ذروته نار، يشاهده القريب والبعيد ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ [(٢٤) سورة الرحمن] "كالجبال عظماً وارتفاعاً" عظماً وارتفاعاً، ومنهم من يقول: إن السفن لا يقال لها: منشئات حتى ترفع أشرعتها، لتكون كالأعلام مرتفعة، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [(٢٥ - ٢٦) سورة الرحمن] كل من عليها يعني الأرض من الحيوان ﴿فَانٍ﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] يعني: "هالك" ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] يعني على وجه "الأرض من الحيوان" التي تحله الحياة فانٍ بمعنى أنه يموت، وتقدير الأرض هنا وإن لم يجري لها ذكر يجعل اللفظ العام (كل) باقٍ على عمومه، فكل من على وجه الأرض فانٍ، فلا يستثنى شيء وأما في قوله -جل وعلا-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [(٨٨) سورة القصص] فيستثنى منه، يستثنى منه ما يجمعه قول الناظم: ثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي نار وجنة ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم

стр. 577

ثمانية أشياء هذه مستثناة من قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [(٨٨) سورة القصص] وأما: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] هذه لا يستثنى منها شيء، ولذا قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] يعني: "الأرض من الحيوان" ﴿فَانٍ﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] يعني "هالك، وعبر بـ (من) تغليباً للعقلاء" لأن (من) للعاقل و (ما) لغير العاقل، فقال: ﴿كُلُّ مَنْ﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] قد يقول قائل: إن هذه تخصص بالعقلاء، فلا يعني أن غير العقلاء من الحيوانات تهلك وتفنى، لا، هنا قال: ﴿مَنْ عَلَيْهَا﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] تغليب للعقلاء؛ لأنه لا بد أن يؤتى بـ (من) أو بـ (ما) لا بد أن يؤتى بـ (من) أو بـ (ما)، فإذا أتي بـ (من) غلبنا العقلاء، لا سيما وأنهم هم الذين يستفيدون من مثل هذا الكلام، لكن لو غلب غير العقلاء وهم أكثر وقيل: كل ما عليها فان لقال العقلاء: إننا لا ندخل في هذه الآية؛ لأن المقصود غير العقلاء، لكن إذا قيل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] العقلاء هم المعنيون بهذا الكلام، فلن يقولوا: إننا لن نفنى؛ لأنهم داخلون فيها دخولاً أولياً منصوص عليهم، ظاهر وإلا مو بظاهر؟ يعني هل يمكن أن يقول قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] إننا لن .. ، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ [(٢٦) سورة الرحمن] وهي (من) هذه العقلاء نقول: لن نفنى هذا خاص بغيرنا؟ لا، أنتم تدخلون في هذا دخول أولي، نعم لو قيل: كل ما عليها فان لأمكن أن يقول العقلاء: نحن لا ندخل في هذا؛ لأن (ما) لغير العاقل ولذا غلبوا؛ لأنهم هم المعنيون بهذا، وأما من عداهم فلن يحتج لأنهم ليسوا بعقلاء، ويغلب العقلاء في كثير من المواطن لشرفهم على غيرهم. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [(٢٧) سورة الرحمن] يقول: "ذاته" وهذا فرار من إثبات الوجه لله -جل وعلا-، على ما يليق بجلاله وعظمته، ففي الآية إثبات الوجه لله -جل وعلا-، على ما جاء عنه وعن رسوله ﵊، وعلى ما يليق بجلاله وعظمته.

стр. 578

﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ [(٢٧) سورة الرحمن] ذو: من الأسماء الخمسة، مرفوع بالواو، فهو حينئذٍ نعت للمضاف أو للمضاف إليه؟ للمضاف، وهذا بين واضح؛ لأن الإعراب بالحرف، لكن لو كان الإعراب بالحركة نعم، ما تدري، ما تدري إلا إذا وجدت الحركة، لكن لو قلت: مررت بغلام زيدٍ الفاضلِ، تستطيع أن تقول: إن هذا وصف للمضاف أو للمضاف إليه؟ ما تستطيع، لا تستطيع أن تقول: إنه وصف للمضاف أو للمضاف إليه لأن كلاهما مجرور، وهنا واضح أنه وصف للمضاف لأنه مرفوع والمضاف مرفوع، بينما في آخر السورة ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي﴾ [(٧٨) سورة الرحمن] وصف للمضاف إليه، ﴿ذِي الْجَلَالِ﴾ [(٧٨) سورة الرحمن] و ﴿ذُو الْجَلَالِ﴾ [(٢٧) سورة الرحمن] وجه الرب -جل وعلا- ذو الجلال، والرب أيضاً ذو الجلال والإكرام، ذو الجلال: العظمة، والإكرام: للمؤمنين بأنعمه عليهم، الإكرام للمؤمنين ولغيرهم من بني آدم في الدنيا، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [(٧٠) سورة الإسراء] وأما بالنسبة للآخرة فالإكرام خاص بالمؤمنين، الإكرام بالنعيم المقيم الذي لا يشوبه كدر، ولا يخالطه تنغيص هذا في الآخرة، بينما غيرهم من الكفار فهؤلاء لهم العذاب الدائم السرمدي الذي لا يشوبه أدنى نعيم، ولذا نعيم الدنيا مهما بلغ فلا بد من الشوائب، لا بد من المكدرات، طبعت على هذا، الدنيا، فلا نعيم إلا ويشوبه كدر، ولا بؤس ولا شقاء إلا ويتخلله نعيم في الدنيا، يعني هل وجد إنسان على وتيرة واحدة من ذو أن ولد إلى أن مات ما تكدر؟ أو يوجد إنسان من ولد إلى أن مات ما ضحك؟ ولو عاش في شقاء دائم وبؤس مستمر لا بد أن يتخلل شيء، وإنما الخالص من الأمرين من النعيم أو من العذاب إنما هو في الآخرة.

стр. 579

الشاطبي في الموافقات بحث هذه المسألة بالنسبة للدنيا واضح أنه ما في نعيم محض صرف لا يشوبه كدر، ولا في شقاء صرف لا يشوبه شيء من اللذة، بينما في الآخرة موجود هذا، وأورد على ذلك أن من في النار ويعذب بأنواع من العذاب وألون من العذاب قد يقول قائل: إنه قد يتنعم إذا رأى من هو أشد منه عذاباً، إذا رأى من هو أشد منه عذاباً قد يتلذذ؛ لأنه يرى من هو أشد منه عذاباً يقول: وفي المقابل أيضاً من في الجنة إذا رأى من هو أكثر منه نعيم قد يتألم، لكن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن أدنى من في الجنة منزلة لا يرى أن هناك من هو أفضل منه، لا يرى أن هناك من هو أفضل منه، كما أن من هو في أقل الناس أو في أقل الناس عذاباً في النار لا يرى أن هناك من هو أدنى منه أو أقل عذاب، يعني مثلاً أبو طالب الذي شفع له النبي ﵊ فجعل في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، أو ألبس نعلان من نار يغلي منهما دماغه لا يرى أن في النار من هو أشد منه، يعني وأي شيء أعظم من كون الدماغ يغلي بالنار؟ مع أنه يوجد من هو شر منه وأشد منه عذاباً، لكن ما في مجال لأن يوجد أي أنس بتفاوت العذاب، وكذلك أهل الجنة إذا كان أدناهم منزلة وما فيهم دني يعني آخر من يدخل الجنة ويخرج من النار يقال له كما في الحديث الصحيح: تمن، فيتمنى، تنقطع به الأماني، فيقال له: أيرضيك أن يكون لك ملك أعظم ملك في الدنيا؟ يقول: إي وربي، يقال: لك ومثله ومثله ومثله، وعشرة أمثاله، فمثل هذا لا يجد في نفسه من المنغصات ما يوجد في أمور الدنيا، تجد الإنسان عنده مئات الملايين وفي صحة تامة وعنده الولد والمسكن والمركب، وكل ما يحتاجه، لكنه إذا نظر إلى من هو إلى من هو فوقه في أمر الدنيا كأن ما عند شيء، وهذا يدلنا على حقارة هذه الدنيا، يعني إلى متى يجمع؟ إلى متى؟ ومع ذلك تجده في شقاء، لا سيما إذا نظر إلى من فوقه، ولذا أمرنا كما في الحديث الصحيح أن ننظر في أمور الدنيا إلى من هو أسفل منا؛ لئلا نزدري نعمة الله علينا، وأما في أمور الدين فننظر إلى من هو فوقنا؛ لكي نزيد من هذه النعمة نعمة الدين ونعمة العبادة ونعمة الطاعة، ونشمر إلى ما يرضي الله -جل وعلا-، ونسبق من سابقنا، ونسارع إلى مرضاته ، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 580

تفسير الجلالين - سورة الرحمن (٢) من آية: (٢٩ - ٦١) الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا سائل يقول: هل من يقول بخلق القرآن يكفر؟ السلف في هذه المسألة أطلقوا الكفر على من قال: بأن كلام الله مخلوق، كفروه، لكنه تكفير جنس لا تكفير عين، فلا يقال مثلاً: الزمخشري كافر؛ لأنه معتزلي والمعتزلة يقولون بخلق القرآن، لا، لكن هذه المقالة -نسأل الله السلامة والعافية- كفر، فرق بين تكفير الأجناس التكفير بالوصف وتكفير الشخص؛ لأن تكفير الشخص يعتريه ما يعتريه من توافر الأسباب وانتفاء الموانع وعدمها. يقول: هل المطلوب حفظ القرآن أم التدبر؟ هما معاً، مطلوب الحفظ ومطلوب أيضاً أن يقرأ على الوجه المأمور به بالترتيل والتدبر. يقول: بعض طلبة العلم عندما نسألهم في بعض المسائل الفقهية يفتي، ويقول: أنا لا أعمل بالقول هذا، ولكن أفتي غيري به؟ الأصل أن ما يفتي به هو ما يعمل به، وما يعتقده، وما يدين الله برجحانه، فإذا ترجح عنده بالدليل فيعمل به بنفسه ويفتي به غيره، لكن قد يعتري بعض المسائل ما يعتريها، من أنه يترجح للإنسان قول بدليله فيعمل به في نفسه لكنه يفتي الناس على ما شاع في بلدهم وعند علمائهم؛ لئلا يحصل هناك اضطراب، ويحصل هناك شيء من الضياع للفتوى، لا سيما إذا كانت الفتوى من جهة ملزمة، يعني لو أفتت اللجنة الدائمة مثلاً التي عينت من قبل ولي الأمر بقول وترجح له غيره مخالفة العلماء هؤلاء لا سيما مع اجتماعهم يجعل عند الإنسان تردد فيما اختاره لنفسه، يتهم نفسه، وقل مثل هذا في ما لو كان ترجيحه مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة، لا شك أن الأصل أن العمل بالدليل من الكتاب والسنة، لكن التوقف حينما يكون الاختيار مخالفاً لمذاهب الأئمة الأربعة وأتباعهم إنما يكون سببه اتهام النفس بالقصور أو بالتقصير، ولا يعني هذا أنه يقدم قول الأئمة على الدليل، لا، كثير من أهل العلم يهابون مخالفة الأئمة، فإذا كان الباعث على ذلك هذا لا سيما إذا كان الدليل محتملاً، أحياناً يكون الدليل محتمل، قد يترجح عندك أحد الاحتمالين، ويترجح عند غيرك غير هذا الاحتمال الذي ترجح عندك.

стр. 581

يقول: هل نستمع لتفسير الشعراوي؟ تفسير الشعراوي كما هو معروف تفسير عقلي باستنباطه هو، ولا شك أن لديه شيء من المعرفة، وشيء من الذكاء، وشيء من الدقة، يغوص على بعض المعاني التي قد يكون في بعضها لم يسبق إليه، فيستفاد منه من هذه الحيثية، لكن يكون معول طالب العلم ومرده إلى تفاسير السلف. يقول: ما حكم: "صدق الله العظيم" حكم قول: "صدق الله العظيم" يعني بعد الفراغ من القراءة؟ أما اتخاذ ذلك ديدن وشعار فلا، هذا لم يثبت، كلما مفرغ من القراءة قال: صدق الله العظيم، الجملة صحيحة ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [(١٢٢) سورة النساء] لكن مع ذلك لا تتخذ عادة. يقول: يوجد كاتب في إحدى الصحف لا هم له إلا تنقص العلماء والمشايخ والدعاة ورموز الصحوة -على قوله- حتى وصل به الحال إلى أن نسب القول بالفسق والتكفير والضلالة على ألسنتهم، ويقول: هذا نتاج ما تعلموه في مدارسهم ومعاهدهم وكلياتهم الشرعية، وعمدتهم على رمزين: الأول: قبل سبعة قرون، وهو عالم موسوعي وتلميذه الثاني قبل ثلاثة قرون عالم مجدد، ويقصد بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، الثاني: شيخ الإسلام الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، يقول: فما رأيكم هل نتقدم للقضاء بمحاكمته؟ أم نرد عليه؟ أم ماذا نفعل؟ أولاً: مثل هذا في أول الأمر يناصح، تسدى له النصيحة سراً؛ لأنها أقرب وأدعى إلى القبول, وأقرب إلى الإخلاص للمتكلم، هذا في بادئ الأمر، ويجعل منه بعد رجعته من يرد على نفسه بنفسه، هذا إذا رجع يناصح من قبل مجموعة من أهل العلم، ويكرر عليه النصح إن أجدى به وإلا فيرد عليه رداً علنياً، وإن تطاول مع ذلك وتعدى ذلك إلى الشرع نفسه فيحاكم، هذا لا بد من محاكمته، ورفع أمره إلى ولاة الأمر. يقول: في قول الله -جل وعلا-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [(١٧٣) سورة آل عمران] هل لفظة: (الناس) عام أريد به الخصوص؟ نعم هذا يمثل به، يمثل به أهل العلم للعام الذي أريد به الخصوص؛ لأنه لم يقصد به في أول الأمر العموم، ثم بعد ذلك جاء ما يخصصه.

стр. 582

يقول: هل هو عام أريد به الخصوص أم أنه عام مخصص بالعقل؟ فإن العقل لا يمكن أن ... الناس كلهم كلموا النبي ... ، كملوا الناس كلهم؟ هذا معروف الذي قال لهم الناس هو نعيم بن مسعود كما هو معروف شخص واحد، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [(١٧٣) سورة آل عمران] يعني أبا سفيان وقومه، ﴿جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [(١٧٣) سورة آل عمران] يعني النبي ﵊ وأصحابه، على كل حال ليس المراد به العموم على أي قول، وأهل العلم يمثلون بالآية على العام الذي يراد به الخصوص. يقول: هل يجوز أن أطلق على غير السعوديين أجانب؟ هذا إذا كانوا مسلمين فهم مثل غيرهم لهم من الحقوق ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا غير مسلمين فلا شك أنهم أجانب، ويبقى أن لفظ الأجنبي يعني إطلاقاته واسعة ابن العم بالنسبة للمرأة أجنبي، الجار إذا لم يكن له قرابة صار أجنبي، وهكذا المقصود أن الإطلاق ليس .. ، يعني لا يدل على شيء من التنقص، وصف لغوي شرعي ما فيه أدنى إشكال، اللهم إلا إذا أريد به التفريق بين المسلمين. هذا يقول: نريد درس شهري في جدة؟ هذا طلب كثير، والنظر جاري في هذا -إن شاء الله تعالى-. يقول: ما الأشياء الثمانية التي تستثنى من الفناء؟ ذكرتها بالأمس، ويجمعها قول الشاعر: ثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي نار وجنة ... وعجب. . . . . . . . . يعني: عجب الذنب الذي يبقى من بدن الإنسان. . . . . . . . . . ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم يقول: ما تقولون في رجل ابتلي ببلية مع أهل بيته من محارمه، فأصبح بسبب هذه البلية لا يستطيع أن يقدم لهم فائدة، ولا يعطي لهم نصيحة، ولا ينكر عليهم منكر، وعلى هذه الحالة منذ فترة فنرجو إفادتنا؟

стр. 583

ما أدري ويش المقصود بهذه البلية؟ يعني إن كان ابتلي بعرضه بأحد من أهل بلده من أهل بيته، فلا شك أن هذه كارثة، وإن كانت منه فهي أعظم -نسأل الله السلامة والعافية-، ومع ذلك باب التوبة مفتوح، التوبة تهدم ما كان قبلها، ولا يعني التساهل بمثل هذه الأمور؛ لأن هذه عظائم الأمور، هذه الفواحش -نسأل الله السلامة والعافية-، فإن كانت من غيره وقعت في عرضه من أهل بيته من غيره، فلا شك أن هذا له حكمه الشرعي، وإن كانت منه نفسه -نسأل الله السلامة والعافية- فالأمر أعظم، وعلى كل حال هذا ليس بمانع من أن يستفيد هو ويتوب إلى الله -جل وعلا-، وتحسن حاله إذا صدقت توبته بشروطها، وكذلك توبة من وقع منه هذا الأمر، ثم بعد ذلك يتبادلون النصح، وينسون ما حصل. يقول: ماذا نفعل في حالة اختلاف العلماء في مسألة؟ السائل لا يخلو إما أن يكون من أهل النظر أو لا، فإن كان من أهل النظر، لديه أهلية النظر في الأقوال وأدلتها، ويستطيع بنفسه أن يصل إلى أرجح هذه الأقوال فهذا هو المتعين عليه أن يأخذ بالراجح، وإن كانت ليست لديه أهلية النظر ولا الاستدلال، بل هو عامي أو في حكم العامي من مبتدئي الطلاب، فإن هذا يقلد من هو أوثق عنده علماً وديناً وورعاً. يقول: هل لطالب العلم أن يدرس جميع فنون العلم الواحد، مثل أن يدرس جميع علوم القرآن، ثم ينتقل لما بعده، أم يأخذ أساسيات كما .. ، أو أساسيات من أجل إدراك العمر؟ على كل حال هو لا بد أن يتفنن طالب العلم، لا بد أن يأخذ من كل علم بطرف، يأخذ من علوم القرآن كتاباً مختصراً، من علوم الحديث كذلك، ومن أصول الفقه، ثم فروع العربية أيضاً كذلك، ثم يأخذها دفعة واحدة، ما يمنع أن يأخذها دفعة واحدة، ثم إذا انتهى منها انتقل إلى ما بعدها، ويكون بذلك أدرك من العلم ما يكتب له في المدة المناسبة. يقول: هل يجوز الاستعانة بالجن المسلمين؟ وهل يجوز الزواج بنسائهم؟ وهل في القرآن والسنة ما يمنع ذلك؟

стр. 584

سيأتي في قول الله -جل وعلا-: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [(٥٦) سورة الرحمن] ما قاله أهل العلم في هذه المسألة، وأما الاستعانة بالجن فهي من خواص سليمان ﵇، فالنبي ﵊ أراد أن يوثق الجني فتذكر دعوة سليمان ﵇ فترك، وهذا في البخاري؛ لأن هذا من خواصه ﵇، فلم يفعله النبي ﵊، هذه مسألة، المسألة الثانية: أن الجن قد يدعون الإسلام، ويدعون الاستقامة والالتزام ثم بعد ذلك يتبين خلاف هذا، فإذا أوقعوا المستعين بهم في حبالهم وشركهم، وتخلوا عنه لا بد أن يحصل له شيء من التقرب إليهم، وسد الذرائع الموصلة للشرك أمر لا بد منه. يقول: سجود الشمس تحت العرش كل ليلة نؤمن به، ولكن هل من تبصير شرعي للظاهر من أنها مستمرة في الدوران؟ أقول: كونها مستمرة في فلكها هذا هو الأصل، والحس والواقع يشهد بذلك، وأيضاً ما جاء به الدليل الشرعي من أنها تسجد كل ليلة تحت العرش وتستأذن هذا أمر لا جدال فيه؛ لأنه ثابت عن النبي ﵊، فإذا تعارض هذا مع هذا لا بد أن يؤمن بالجميع على حقيقته، قد لا يدرك العقل مثل هذا، ويظن فيه شيء من التناقض، أقول: أقرب نظير له ما قرره شيخ الإسلام في شرح حديث النزول: إن الله ينزل في آخر كل ليلة، وأورد على هذا ما أورد على سجود الشمس من أنه .. ، من أن الثلث الأخير يختلف من بلد إلى بلد، لكن علينا أن نؤمن، علينا أن نستسلم ونسلم، حتى قال شيخ الإسلام: إنه مع ذلك ينزل آخر كل ليلة ولا يخلو منه العرش، فما فيه إلا تسليم، يعني ما فيه إلا استسلام، يعني كثير من القضايا التي جاء الشرع بمثلها، التي لا يدركها العقل؛ لأن الشرع قد يأتي بما تحتار منه العقول، ويكون هذا نسبياً أيضاً، قد يكون الحل عند بعض الناس موجود، عند بعض أهل العلم موجود، لكنه لم يظهر لغيرهم، وهكذا المتشابه من آي القرآن، قد يكون متشابه بالنسبة لبعض العلماء، ومحكم بالنسبة لبعضهم. ما الحكم إذا قامت الصلاة وأنا أصلي ركعتين هل أقطع أم أكمل؟

стр. 585

إذا لم تأتِ بركعة كاملة فأنت ما زلت لم تصل؛ لأن الصلاة أقلها ركعة فتقطعها، وإن كنت أتممت صلاة بركعة كاملة فأنت تكمل هذه الصلاة بركعة ثانية خفيفة. يقول: قد علق في ذهني مذهب الأشاعرة في مسألة خلق الله لأفعال العباد، فإن كان ليس صواباً فما هو الصواب؟ الله -جل وعلا- خالق للعباد ولأفعالهم، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] هذا معروف، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعله، فأثبتوا خالقاً مع الله -جل وعلا-. هذا يسأل يقول، يسأل عن التصوير الفوتوغرافي: ما حكمه؟ وهل يجوز تعديل الصور من خلال برنامج الفوتوشوب أفيدونا؟ أولاً: التصوير الفوتوغرافي والتصوير عموماً بأي آلة كانت سواءً كان بآلة أو باليد كله داخل في النصوص، وفيه المضاهاة لخلق الله، وفيه السبب الذي كان أول الأسباب للشرك بالله -جل وعلا-، هذا كله موجود، والعلل كلها متوافرة، فهو داخل في نصوص التحريم. يقول: عندما يحول علي الحول مثلاً في شعبان وأردت أن أقدم الزكاة في رجب فهل أحسب في الزكاة أيضاً شهر شعبان أم أحسب ما أملكه حتى شهر رجب؟ لا أنت تزكي ما عندك، وقت الزكاة تزكي ما عندك، يعني أنت قدمت الزكاة شهر في يوم إخراجك للزكاة تحسب جميع ما عندك واخرج زكاته، ثم إذا حال الحول الثاني احسب جميع ما عندك، قد يكون هناك تحايل، قد يكون هناك تحايل بحيث يرجو حصول مبلغ كبير في شعبان، ويقول: اخرج الزكاة وهو من نماء المال السابق؛ لأن نماء التجارة له حكم أصله، ويقول: أنا أخرج الزكاة في رجب قبل حصول هذا النماء الكبير لهذه التجارة، والأمور بمقاصدها، فإن كان قصده ذلك لا بد أن يخرج هذا النماء في شعبان في وقته. يقول: ما حكم استخدام نظام تشغيل للحاسب الآلي من نسخة منسوخة من الأصل حيث أن الأصل بسعر خمسمائة ريال، بينما النسخة سعرها من عشرة إلى خمسين ريالاً؟

стр. 586

على كل حال إذا كان يتضرر الذي تعب على الأصل وهو مسلم فلا يجوز الضرر، الضرر لا بد من إزالته، إذا كان يتضرر بذلك، كما لو تعب على كتاب وألفه وطبعه وباعه في الأسواق بقدر تكلفته، ثم جاء من ينسخه أو يطبعه طبعة ثانية بقيمة نازلة يتضرر بها، نقول: لا يجوز، الضرر لا بد من إزالته. يقول: في ذكر التهليل يعني من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير مائة مرة وثبت ما ثبت له من الأجر، في ذكر التهليل لم يأت أحد بعمل خير منه إلا من قال مثله أو زاد، فما المراد بالزيادة هنا؟ منهم من يقول: إنه لو زاد على المائة عشر أو عشرين كل شيء بأجره، وبهذا يستدل من يقول: بأن الزيادة مقبولة في الأذكار، في الأذكار المحددة، وأن من هلل مائة وعشرين صدق عليه أنه هلل مائة والزيادة بأجرها، وهذا قول معتبر عند جمع من أهل العلم. ومنهم من يقول: من زاد يعني جاء بمائة ثانية، بحيث لا يزيد على المائة، بحيث لا يزيد على المائة، كثير من الناس لا يستطيع ضبط هذه الأعداد، إما أن يزيد أو ينقص، فيقول: يزيد من باب الاحتياط، نقول: عليه أن يتحرى الدقة في العدد، وأما إذا شك هل بلغ العدد أو لم يبلغه؟ فيزيد حتى يجزم بأنه بلغ العدة. يقول: هل يجوز التصدق لعمال البلدية علماً بأن منهم هندوس، وبعضهم يغيرون الديانة من أجل العلم في هذه البلاد الطيبة، وهل يجوز التستر على من أخفى ديانته الهندوسية؟ غير المسلمين معروف أن الزكاة لا تصرف لهم، لا تصرف إلا من باب التأليف، إن كانوا من المؤلفة قلوبهم فحينئذٍ هم من الأصناف الثمانية، وأما من عداهم فلا، لا يصرف لهم شيء من الزكاة، وأما الصدقة فبابها أوسع، فتصرف لغير المسلم لا سيما إذا غلب على الظن أنه تسهل دعوته إلى الإسلام، وأما تغيير الديانة ظاهراً من أجل العمل في هذه البلاد فإنه لا شك أن من اطلع عليه لا بد من أن يبلغ؛ لأن المسلم له معاملة تختلف عن ديانة غيره، وإذا أخفى ديانته وهو غير مسلم ثم ظهر للناس باسم الإسلام فإن هذا لا شك أنه يغرهم.

стр. 587

يقول: أنا بدأت العمل ولم أستلم الراتب إلا بعد ستة أشهر فمتى يبدأ عندي الحول للزكاة؟ هل من وقت تسلمي للراتب أو من وقت الاستحقاق؟ إذا كان صاحب العمل الذي بدأت عنده العمل مليء بحيث لو طلبته في وقته أعطاك إياه، فإنك تحتسب الزكاة من أول الاستحقاق، وإن كان مماطلاً بحيث لو طلبت المبلغ ما تيسر لك ولا أعطاكه فإنك تحتسب المدة تحسب الحول من الاستلام. هذا يقول: ما رأيكم في هذه الكتب: الجدول في إعراب القرآن وبيانه وصرفه محمود صافي؟ هذا كتاب جيد، يعني تفسير إعراب مفصل للقرآن، مع أن كتاب محمود درويش أفضل عندي، وهما متقاربان في الحجم. يقول: التحرير والتنوير لابن عاشور؟ هذا أيضاً كتاب متقن ومحرر ومضبوط فيه فوائد لا سيما ما يتعلق بالصناعة اللفظية من علوم البلاغة وغيرها. تيسير العلي القدير لنسيب الرفاعي؟ هذا من مختصرات ابن كثير، وهو من أفضلها؛ لأن المؤلف عني بجانب العقيدة. يقول: هل يجوز للعالم أو طالب العلم إذا ألف كتاباً أن يبيعه؟ وكذلك أشرطة المحاضرات والدروس؟ وهل يجوز احتكارها لمؤسسة معينة؟ هذا مبناه على مسألة كبرى وهي أخذ الأجرة على التعليم، ومثله التأليف، وفي قوله ﵊ في الحديث الصحيح: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) ما يدل على جواز هذا كله، لكن بحيث لا يكون الهدف والقصد والباعث على التأليف هو كسب الدنيا. يقول: كيف يضبط أو كيف يضبط من جعل بعض الآيات مكية بسور مدنية أو العكس؟ هذا بالتنصيص النبي ﵊ إذا نزلت الآية قال: ((اكتبوها في السورة التي يذكر فيها كذا بعد كذا)) يعني ترتيب الآيات توقيفي، النبي ﵊ هو الذي يشير إلى موضع الآية. يقول: هل هناك حديث أو أثر يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان"؟ نعم هذا جاء الخبر مرفوعاً لكنه ضعيف، الحديث ضعيف. يقول: نحتاج إلى التصوير الفوتوغرافي الثابت لتوثيق برامج وأنشطة التوعية الإسلامية بالمدارس، فما حكمها؟

стр. 588

هو تصوير، هو تصوير داخل في النصوص، داخل في النصوص، والتشديد في أمر التصوير معروف، بل جاء في المصورين أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة -نسأل الله العافية-، وهذه البرامج وهذه الأنشطة كلها مما يبتغى به الأجر من الله -جل وعلا-، وما عند الله لا ينال بسخطه. يقول: في أيام الحج عند النفر من عرفات ربما ينتصف الليل ونحن ما زلنا في الباصات، وهي تسير فمتى وكيف نصلي خاصة من كان معه نساء يخشى ضياعهن؟ أولاً: الفريضة لا تصح على الراحلة كما هو معروف، النبي ﵊ كان يصلي النافلة على الراحلة، يبقى أن الفريضة لا بد أن تصلى على الأرض، وفي مثل هذه الظروف العمل بقول الجمهور، وأن وقت العشاء لا ينتهي إلا بطلوع الفجر متجه، لا سيما وأن له أدلته فينتظر فإذا خشي طلوع الصبح يصلي الإنسان على حسب حاله. الأسئلة يا إخوان ما تنتهي نجيب على سؤال ويجينا اثنين أو ثلاثة. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في تفسير قول الله -جل وعلا-: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن].

стр. 589

يقول: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] أي: "بنطق أو حال" أي بنطق أو حال، أحياناً يكون السؤال بلسان المقال بالنطق، وأحياناً يكون السؤال بلسان الحال، الفرق بينهما؟ يعني مثال ظاهر يعني لو جاء شخص فقير وتقدم وقام أمام الناس وسألهم، وذكر حاجته هذا بلسان المقال، تكلم وأعطاه الناس تحقيقاً لطلبه، هذا بالنطق، أما بلسان الحال لو جلس مبيناً حاجته من غير كلام، جلس في مكان عادة يجلس فيه من يتصدق عليه، قام من الصف بعد السلام وجلس عند الباب، وما تكلم بكلمة هذا يسأل لكنه بلسان الحال لا بلسان المقال، وهنا يقول: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] أي: "بنطق أو حال" وكثيراً ما تكون الحال أبلغ من المقال، وفي بعض الآثار: "علمك بحالي يغني عن مقالي" هذا بالنسبة لله -جل وعلا- لا تخفى عليه خافية، لكن بالنسبة للبشر لو أن شخصاً محتاجاً وجاء في هيئة حسنة وجلس عند رجل ثري، هذا الثري ما يفهم منه أنه جاء يطلب الزكاة، أو يطلب الصدقة، لكن لو جاء في هيئة رثة وجلس مجلساً على صفة معينة، وعلى هيئة معينة فإنه يسأل، لكنه بلسان الحال لا بلسان المقال، ونظير ذلك طلب الرقية، الاسترقاء الذي جاء في حديث السبعين الألف طلب بأن يذهب إلى فلان ويقول: ارقني يا فلان هذا بلسان المقال، لكن لو أنه ذهب إليه أو زاره هذا الشخص الذي ترجى إجابة دعوته ولم يقل له: أرقني، وإنما فتح الأزارير أزارير الثوب وتهيأ للرقية، هذا استقرى لكنه بلسان الحال لا بلسان المقال، وهل يؤثر مثل هذا في عدم الدخول في سبعين الألف أو لا يؤثر؟ هذا محل نظر، هذا محل نظر.

стр. 590

أي: "بنطق أو حال ما يحتاجون إليه" نعم من الذي يستغني عن الله -جل وعلا-؟ كل الخلائق بحاجته، فهم يسألونه سواءً كانوا من أهل السماوات من الملائكة وغيرهم، أو من أهل الأرض كل يسأل، ما يحتاجون إليه "من القوة على العبادة" هذا بالنسبة لأهل السماوات والأرض أيضاً "والرزق والمغفرة" هذا بالنسبة لأهل الأرض؛ لأن أهل السماوات لا يسألون الرزق ولا يسألون المغفرة، وإنما يسألون القوة على العبادة، وقد يسألون الرزق لأهل الأرض والمغفرة لهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ﴾ [(٥) سورة الشورى] "وغير ذلك" فالمسألة لا شك أن كل إنسان بحاجة إلى خالقه ورازقه، بحاجة إلى ما يعنيه على أمر دينه ودنياه، ولا يمكن أن يستغني الإنسان عن ربه طرفة عين، سواءً كان من أهل السماوات أو من أهل الأرض، سواءً كان من الإنس أو الجن أو الدواب أو غيرهم. ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] يعني كل وقت ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ المراد باليوم، ليس المراد به الزمن المحدد بأربع وعشرين ساعة، وإنما المراد به الوقت، كل الوقت مشغول في شأن من شئونه -جل وعلا-.

стр. 591

﴿فِي شَأْنٍ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] يقول المفسر: "أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل" أمر يظهر على وفق ما قدره، الله -جل وعلا-، قدر المقادير قبل خلق السماوات والأرض فهذه المقادير تقديرها في علم الله -جل وعلا- وكتابته هذا أمر سابق، لكن إظهار هذه المقادير إلى عالم الشهود هو الشأن الذي أشير إليه في الآية، ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] "أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل، من إحياء وإماتة وإعزاز وإذلال، وإغناء وإعدام، وإجابة داعٍ، وإعطاء سائل، وغير ذلك" يقول: "من إحياء وإماتة" هذا شأن ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [(٢٥٨) سورة البقرة] "وإعزاز وإذلال" يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء "وإغناء وإعدام" تجد الإنسان فقير يغنيه الله في لحظة، أو غني يفتقر في لحظة، "وإغناء وإعدام، وإجابة داعٍ" إلى ما سال، أو إلى غيره مما هو أعظم منه، أو لا يجاب، بل يدخر له، تدخر له دعوته في الآخرة، أو يدفع عنه من الشر ما هو أعظم مما طلب، "وإعطاء سائل" الله -جل وعلا- يعطي من سأله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] ((هل من سائل فأعطيه؟ )) في حديث النزول، وفي حديث -الحديث الإلهي-: ((يا عبادي لو أن آخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألني كل واحد مسألته فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيء)) "وغير ذلك" من الشئون والتصاريف التي تختلف من شخص إلى آخر، فلا يشغله شخص عن غيره، ولا أمة عن غيرها، ولا جنس عن غيره، ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٠) سورة الرحمن] ولا شك أن تغيير الأحوال إنما هي من الآلاء من النعم، فإذا تغيرت حال الإنسان من الفقر إلى الغنى هذه بالنسبة له نعمة، عليه أن يشكر هذه النعمة، إذا تغيرت حاله من غنى إلى فقر هي أيضاً نعمة، والخيرة فيما يختار الله -جل وعلا-؛ لأنه احتمال أن يطغى بغناه فيهلك فيكون الفقر خيراً له، فهذه نعمة وهكذا. "من إحياء وإماتة" قد تكون حياته خير له، قد تكون وفاته خيراً له؛ لئلا يفتتن، المقصود أن هذه كلها نعم إذا نظرنا إليها بعين البصيرة.

стр. 592

"من إعزاز وإذلال" الذل في أمور الدنيا يعني من فقر ونزع ملك أو فصل من وظيفة أو ما أشبه ذلك قد يكون خير لهذا الشخص، والخيرة فيما يختاره الله -جل وعلا-، لكن على الإنسان أن يفعل ما يناسب المقام إن كانت نعمة لا شك أنه عليه أن يشكر هذه النعمة، وإن كانت في الظاهر مصيبة فعليه أن يصبر على هذه المصيبة، ويجزم بأن الأجر المرتب عليها خيراً منها، فتنقلب حينئذٍ نعمة، وكثيراً ما تنقلب المحن منح. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [(٣١) سورة الرحمن] سنفرغ لكم: يعني "سنقصد لحسابكم"، سنقصد لحسابكم؛ لأن الفراغ الأصل فيه أن يكون عن شغل، والذي يفرغ من الشغل الذي ينشغل بالأشغال هو المخلوق، وأما الرب -جل وعلا- فلا يشغله شيء عن شيء بحيث يفرغ من الشغل الذي انشغل به، هذا لا يذكر في جانب الله -جل وعلا-، ولذا قال: "سنقصد لحسابكم" سنقصد لحسابكم، أولاً: في الآية الأولى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [(٢٩) سورة الرحمن] رد على اليهود الذين يقولون: إن الله -جل وعلا- يوم السبت لا يصنع شيئاً، يرتاح فيه، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ [(٣١) سورة الرحمن] يقول المؤلف: "سنقصد لحسابكم"، سنقصد لحسابكم، وإلا فالله -جل وعلا- لا ينشغل بشيء؛ لأن مقتضى الفراغ أن يكون مشغولاً بما قبله، الفراغ للشيء مقتضاه أن يكون مشغولاً بما قبله، وهذا لائق بالمخلوق، لكنه لا يليق بالله -جل وعلا-، وإنما المراد به سنقصد لحسابكم؛ لأنه مع كونه -جل وعلا- كل يوم في شأن بالنسبة لآحاد الناس وأفرادهم، لآحاد الخلائق كلها، يصرف أمورها، لكنه لم ينشغل بذلك -جل وعلا-، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [(٨٢) سورة يس] فلا يقتضي ذلك شغلاً منه حتى يفرغ منه، لا، قال: سنقصد لحسابكم، وإنما جاء الخطاب على حسب ما يفهمون.

стр. 593

﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [(٣١) سورة الرحمن] "الإنس والجن"، الثقلان: الجن والإنس، وفي حديث الميت إذا قبر وأتاه الملكان فالذي لا يجيب عن أسئلتهم يضرب بمرزبة من حديد، يسمعها الخلائق إلا الثقلين، والمقصود بذلك الجن والإنس، وهنا: ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [(٣١) سورة الرحمن] "الإنس والجن" يقول المفسرون: قيل لهما ثقلان لثقلهما على الأرض، لثقلهما على الأرض، لكن الإنس والجن ليسو بأثقل من غيرهما، ومنهم من يقول: لثقل كواهلهم بالتكاليف؛ لأن الإنس والجن هم المكلفون من بين الخلائق، وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون، وما خلقت .. ها؟ أيهما المقدم؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . لأن أحياناً يأتي تقديم الجن، وأحياناً يأتي تقديم الإنس كما سيأتي، ولكل موضع ما يناسبه من المعنى. ﴿أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ [(٣١) سورة الرحمن] الإنس والجن مثل ما قلنا: من أهل العلم من يقول: قيل لهما الثقلان لثقلهما على الأرض، لكن يوجد من المخلوقات ما هو أثقل منهما، وقيل: لثقل كاهلهما بالتكاليف إذ لم يكلف غير الإنس والجن. ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٢) سورة الرحمن] على ما تقدم الآلاء النعم، وكان الجن يقولون بعد قراءة كل آية يقولون: ولا بشيء من آلائك ونعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

стр. 594

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] يا معشر الجن والإنس هنا قدم الجن، وفي معارضة القرآن ﴿لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ﴾ [(٨٨) سورة الإسراء] قدم إيش؟ الإنس، لماذا قدم الإنس هناك وقدم الجن هنا؟ هناك في المعارضة المسألة تحتاج إلى فصاحة وبيان والإنس بها أليق، فقدموا، وهنا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] هنا فيه ما يحتاج إلى قدرة والجن في مثل هذا أقدر من الإنس، يعني النفوذ إلى جهة العلو قدرة الجن أعظم من قدرة الإنس عليها بدليل أنهم يسترقون السمع، يعني كانوا يسترقون السمع وما حصل هذا من الإنس، هل استطاع إنسي أن يصعد إلى السماء فيسترق السمع؟ ما استطاع، فقدم الجن هنا: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] تخرجوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] من "نواحي" السماوات والأرض ﴿فَانفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] أمر تعجيز، ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ يعني بقوة، ولا قوة لكم على ذلك ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] والكفار لما صنعوا ما صنعوا من المراكب الفضائية، وزعموا وادعوا أنهم وصلوا إلى الكواكب، وصلوا إلى القمر، وصلوا إلى المريخ، وصلوا إلى كذا، وقال من يستدل لهم بأن هذا ممكن أن عندهم سلطان، عندهم سلطان العلم، ووصلوا بواسطته ونفذوا، وهذا على القول بأن القمر في السماء، كما هو مفاد قوله -جل وعلا-: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [(١٦) سورة نوح] يعني هو في السماء، يقولون: وصلوا إلى القمر وهو في السماء، وهل هو في السماء الدنيا أو في ما فوقها؟ كلام طويل لأهل التفسير، ومنهم من يرى أن القمر دون السماء وحينئذٍ لا إشكال، هم ما نفذوا، والذي يقر أن القمر في السماء يقول: إنهم نفذوا لكن بسلطان، ولا شك أن هذا جهل وضلال؛ لأن الأمر ليس أمر إمكان، إنما هو أمر تعجيز، ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] تخرجوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ﴾ [(٣٣) سورة الرحمن]

стр. 595

نواحي ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] ﴿لَا﴾ أمر تعجيز، يعني إذا كان بمقدوركم أن تهربوا من قدر الله -جل وعلا-، وتنفذون من ملكه الشامل للسماوات والأرض فتخرجون إلى غيرهما فانفذوا، وهل يستطيع شخص أن ينفذ؟ لا يستطيع، ولا يتمكن أي مخلوق أن يفر من قدرة الخالق، ﴿فَانفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] "أمر تعجيز" ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] "بقوة، ولا قوة لكم على ذلك" هل يستطيع مخلوق أن يخرج من الأرض؟ لا يستطيع؛ لأن من خرج عن من الأرض إما أن ينزل تحت أو يرتفع فوق، والكل تحت القدرة الإلهية أمره هين يسير ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] يعني إلا "بقوة، ولا قوة لكم على ذلك" ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٤) سورة الرحمن] يعني قد يقول قائل: إن بعض هذه الأمور التي عقبت بهذه الآية الكريمة ليست من النعم، هذا التهديد وهذا التعجيز هل هو من الآلاء من النعم؟ نعم مآله إلى النعم، المآل إلى النعم، يعني لما هدد الإنسان بمثل هذا، وهدد الجان بمثل هذا الفائدة من هذا التهديد أن يرجع إلى ربه، الفائدة أن يذعن لربه، أن يخضع لربه، وكل هذه نعم، فمآل هذا التهديد نعمة، لمن كتب الله له السعادة. ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] جمع وعندنا جن وإنس تثنية، النظر هنا إلى أفراد هذين الجنسين، فالجن جمع والإنس جمع فالنظر إلى مجموع الأفراد من الجنسين، ولذا قال: ﴿تَنفُذُوا﴾ [(٣٣) سورة الرحمن] وقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٤) سورة الرحمن] تثنية، فنظر إلى الجنسين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [(٩) سورة الحجرات] اقتتلوا جمع بالنظر إلى أفراد الطائفتين جمع، وبالنظر إلى الفريقين والطائفتين تثنية، وجاء هنا الجن والإنس تثنية، وأعيد الضمير عليهما أحياناً بالمثنى، وأحياناً بالجمع نظراً إلى هذا، فالتثنية نظر إلى الجنسين، والجمع نظر إلى أفراد الجنسين.

стр. 596

﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] شواظ من النار يعني: "لهب النار الخالص من الدخان أو معه" يعني على الخلاف في الشواظ هل هو اللهب الخالص من الدخان أو مع الدخان؟ ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] أي دخان لا لهب فيه ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] يعني هذا يكون بعد دخول النار، ومنهم من يقول: إن هذا الشواظ الذي يرسل على الإنس والجن من أجل الحشر، يكون وراءهم من أجل ألا تسول لأحد منهم أنه يستطيع أن يفر من هذا المحشر، فتحشرهم النار، وجاء في آخر الزمان أن النار تحشرهم إلى أرض المحشر، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] هو "لهبها الخالص من الدخان أو معه" ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] "أي دخان لا لهب فيه" وجاء النحاس بمعنى الدخان، والظاهر من النحاس أنه المادة التي هي الصفر المذاب النحاس معروف، النحاس معروف نوع من أنواع المواد الصلبة كالحديد والصفر والفضة والذهب وغيره، لكنه هو نحاس، وخص النحاس لأنه هو الذي يقبل الحرارة بسرعة، ولا يفقدها بسرعة، والأمر الثاني: أنه هو أشد المواد حرارةً إذا أحمي، فإذا أذيب وصب عليهم -نسأل الله السلامة والعافية- على أن المراد به النحاس المعدن المعروف، وأما على ما اختاره المفسر من أنه دخان لا لهب فيه فهذا من جنس الذي قبله.

стр. 597

﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] والكلام موجه إلى الجن والإنس، ﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] يعني لا "تمتنعان من ذلك" لا تمتنعان من ذلك، من الذي يستطيع من الجن أو الإنس أن يمتنع من الشواظ والنحاس؟ لا يستطيع أحد ذلك "بل يسوقكم إلى المحشر" هذه النار تسوق الناس إلى المحشر، وهذا الذي جعل المفسر يختار أن النحاس هو الدخان، الشواظ اللهب الذي لا دخان معه، أو معه، والنحاس: الدخان الذي لا لهب فيه، يريد أن هذه نار تكون في آخر الزمان تحشر الناس إلى أرض المحشر، والذي يقول النحاس المراد به المعدن المعروف إذا أذيب يقول: هذا في النار ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [(١٩) سورة الحج] وأيضاً مثل هذا النحاس يذاب ويصب عليهم، ومن استمع إلى الغناء جاء في الخبر: ((صب في أذنه الآنك يوم القيامة)) الرصاص المذاب -نسأل الله العافية-. ﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ [(٣٥) سورة الرحمن] يعني: فلا "تمتنعان من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر" ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٦) سورة الرحمن] الآلاء النعم، وما ذكر تخويف، تهويل، تشديد، فأي نعمة في هذه النار؟ وأي نعمة في هذا الرصاص؟ وأي نعمة .. ؟ نعم الذي يعتبر ويتعظ ويرعوي ويخاف من سوء العاقبة تكون له نعمة، فالتخويف بمثل هذا نعمة، ولذا جاء: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [(٤٦) سورة الرحمن] فهذه وإن كانت في ظاهرها نقم إلا أنها في باطنها نعم.

стр. 598

﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء﴾ [(٣٧) سورة الرحمن] "انفرجت أبواباً لنزول الملائكة" ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [(١ - ٢) سورة الإنشقاق] يعني: استمعت، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [(٢٥) سورة الفرقان] يقول: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء﴾ [(٣٧) سورة الرحمن] "انفرجت أبواباً لنزول الملائكة" السماء تتشقق، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [(٣٧) سورة الرحمن] فكانت وردة يقول: "محمرة" ﴿كَالدِّهَان﴾ "كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها، وجواب إذا: فما أعظم الهول" ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء﴾ [(٣٧) سورة الرحمن] "انفرجت أبواباً لنزول الملائكة" ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [(٣٧) سورة الرحمن] أي: مثلها مثل الوردة محمرة، الورد أحمر، فصارت مثل الوردة محمرة ﴿كَالدِّهَان﴾ "كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها" يعني السماء العهد بها أنها لونها أزرق، وجاء أيضاً ما يدل على أنها خضراء ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء)) وهنا تكون وردة يعني كالوردة محمرة، ﴿كَالدِّهَان﴾ كالأديم الأحمر يقول: "على خلاف العهد بها" لأنها معهودة على غير هذا اللون، ولا شك أن السماء تتلون، أحياناً تكون السماء حمراء، ولعل هذا سببه ما يحول بيننا وبينها، ما يحول بيننا وبينها، وبعضهم يقول: إن لونها الحقيقي أحمر، وهذه الألوان التي نراها من زرقة أو خضرة أو قترة أحياناً إنما هي في الوسائط بيننا وبينها، ويمثلون ذلك بالعروق التي في بدن الإنسان، الإنسان يرى العروق خضراء، وهي محشوة بالدم، الأصل أن تكون حمراء، التمثيل ظاهر وإلا مو بظاهر؟ هذا كلام أهل التفسير، ومنهم من يقول: إنها تكون في ذلك اليوم حمراء بسبب تأثير حرارة النار فيها، تكون وردة كالدهان، يعني حمراء ومنهم من يقول: إن ... من الأصل هي حمراء، لكن الذي نراه الآن هو ما يحول بيننا وبينها، وعلى كل حال هذا أمر يدل على عظمة الخالق -جل وعلا-، حيث لم يصل المخلوق إلى حقيقة الأمر، أحياناً يقول: خضراء، وأحياناً يقول: زرقاء، وأحياناً تكون حمراء، وأحياناً .. ، يعني الحقائق تتغير بالنسبة للرائي، وذلك لضعفه عن إدراك حقيقة الأمر.

стр. 599

قد يقول قائل: إن هذا اللون الذي نراه وهذا لا بد من الانتباه له، قد يكون هو الأحمر، وإن كان في عرفنا غير أحمر، هو في عرفنا لا نسميه أحمر، وفي عرف الشرع في النص في الحقيقة الشرعية أنها حمراء، ونحن نسميها زرقاء، وأحياناً تسمى خضراء، وهي حقيقة واحدة لا تتغير، ولا شك أن الألوان تتغير، تتغير يعني المسميات تتغير، يعني في قوله -جل وعلا-: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [(٣٣) سورة المرسلات] يعني لو قال شخص: أنا عمري كله هو صاحب إبل ويربي الإبل ويبيع ويشتري في الإبل منذ خمسين أو أكثر من خمسين سنة ويقول: ما مر علي ولا جمل أصفر، نعم، يقول: ما مر علي جمل أصفر، والقرآن يقول: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [(٣٣) سورة المرسلات] إيش معنى هذا؟ هل نقول: إن الألوان تتغير من جيل إلى جيل ومن بلد إلى بلد؟ يعني أدركنا ألوان كانت تسمى بها ثم بعد ذلك تغيرت، فيه لون اللي صار اسمه بنفسجي ثم صار الآن يسمونه إيش؟. . . . . . . . . ما أدري إيش يسمونه؟ كان يسمى قبل ثلاثين أو أربعين .. -قرمزي- وهذه التسمية ليست من الألفاظ الدارجة، يعني مر علينا في تفسير القرطبي: "ولونها قرمزي" يعني ما هو بيقال: هذا اصطلاح بلد خاص أو شيء من هذا، نعم، فهذه الألوان لا شك أنها تتغير، وكان من الألوان ما يقال له يسمونه: حلبي، والآن يسمونه: زهري، المقصود أن الألوان قابلة للتحديث والتغيير فهل نقول: إن السماء من هذا النوع كان يسمى لونها أحمر؟ مع أن الأحمر الذي يغلب على الظن أنه هو الأحمر من خلق السماوات إلى يومنا هذا، يعني الأحمر يعني في عرف الناس ما يتغير لا من بلد ولا من جيل ولا غيره، الأحمر أحمر والأسود أسود والأبيض أبيض، لكن الألوان الأخرى هي اللي قابلة للتغير، وإذا قبل ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [(٣٣) سورة المرسلات] أن تطلق على غير الأصفر يقبل أيضاً أن تكون السماء الحمراء وردة كالدهان، أو أن هذه .. ، أو أن هذا اللون يتغير في ذلك الوقت يتغير، ولذا قال: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [(٣٧) سورة الرحمن] كانت هل معناها كانت في الماضي أو صارت؟ نعم، معناها صارت، صارت وردة كالدهان، قال: "كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها،

стр. 600

وجواب (إذا) " إذا الشرطية لها جواب، يقول: "جوابه فما أعظم الهول" أمر مهول، أمر عظيم ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [(٣٨) سورة الرحمن] وهذا كما تقدم من أن مآله إلى أن يكون نعمة، إذا استفيد منه واستغل في الرجعة الصادقة إلى الله -جل وعلا-. ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [(٣٩) سورة الرحمن] لا يسألون، كون الإنسان عمله معروف فلا يحتاج إلى أن يسأل هل أنت محسن وإلا مسيء؟ ﴿لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [(٣٩) سورة الرحمن] ونفي السؤال هنا، وأثبت: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [(٩٢ - ٩٣) سورة الحجر] قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [(٣٩) سورة الرحمن] "عن ذنبه" أيضاً، لا يسأل الإنس عن ذنبه، ولا الجن عن ذنبه، "ويسألون في وقت آخر" لما طرح السؤال على ابن عباس، يعني جاء في النصوص أنهم لا يسألون، وجاء في بعضها أنهم يسألون ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [(٩٢ - ٩٣) سورة الحجر] قال: هي مواقف، الآخرة ليست موقف واحد، وإنما هي مواقف، في بعضها يكون السؤال، وفي بعضها لا يكون سؤال.
следующие страницы →