Полный текст (893 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فلمّا نام هارون قبض الله روحه، ثمّ رفع ذلك البيت والسرير به إلى السماء. فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له. وكان هارون أعطف عليهم. قال: دفن هارون في جبل مواب «١» نحو جبال السراة ممّا يلي الطور، وقبره مشهور في مغاوة عادية يسمع فيها في بعض الليل دوي عظيم يجزع منه كل ذي روح. وقيل إنّه غير مدفون بل هو موضوع في الغار ظاهرا، ولهذا خبر عجيب، من وصل إلى هذا الموضع علم ما وصفناه.
١٤٢ وكان ذلك قبل وفاة موسى بسبعة أشهر. [وقبض هارون وهو ابن مائة وثلاث وعشرين سنة، وقيل إنّه قبض وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقد قيل إنّ موسى قبض بعد وفاة هارون] «٢» بثلاثة أعوام وقاله أيضا، وتلك التي كان يزيد عليه هارون في سنّه، فماتا في سنّ واحد، فكانت سنّ كلّ واحد منهما مائة وعشرين سنة. وقبضا ولم يحدث لهما شيء من الشيب ولا حالا عن صفات الشباب. وكانت في جبهة هارون شامة وعلى طرف أرنبة موسى شامة وعلى طرف لسانه شامة ولا يعرف أحد قبله ولا بعده كانت على طرف لسانه شامة. وهي العقدة التي ذكرها الله «٣» ، العقدة حدثت من الجمرة التي وضعها في فيه لمّا دعت آسية له جمرا وياقوتا حين نتف لحية فرعون فأرادوا قتله، فأتى جبريل فوضع في يده الجمرة.
١٤٣ ثمّ إنّ موسى كان مع يوشع إذ أقبلت ريح شديدة، فظنّ يوشع أنّها السّاعة
стр. 107
فالتزم موسى، (واستل موسى) «١» من تحت الثياب فذهب موسى وتركها في يديه. فلمّا رجع يوشع «٢» إلى بني إسرائيل بالثياب وفقدوا موسى اتّهموه بقتله وارادوا قتله، فسألهم أن يؤخّروه ثلاثة أيّام، فأتى كلّ رجل ممّن كان يحرسه في منامه أنّ يوشع لم يقتل موسى وأنّ الله رفعه إليه.
وذكر ابن إسحاق أنّ موسى مرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا فسألهم: لمن هذا؟ فقالوا: لعبد كريم على ربّه. فقال: إنّ لهذا العبد من ربّه لمنزلا.
قالوا: أتحبّ أن تكون هو؟ قال: وددت ذلك. قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربّك. ففعل ثمّ تنفّس فقبض الله روحه وسوّت عليه الملائكة.
١٤٤ قال: وكان في زمان موسى بلعم بن باعور وهو من الرهط الذين آمنوا بإبراهيم يوم ألقي في النار، وكان بقرية من قرى البلقاء قد أوتي ملكا عظيما، وأعطي اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب. فسأله قومه من العماليق أن يدعو على موسى وبني إسرائيل، فأبى فلم يزالوا به حتّى فتنوه، فركب أتانه وارتفع إلى الجبل يدعو عليهم، فصرف الله لسانه بالدعاء على قومه. ثمّ أمرهم أن يرسلوا النساء الحسان إلى عسكر بني إسرائيل بالسلع وأن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها. فوقع رجل من بني إسرائيل بامرأة فوقع فيهم الطاعون، فيقال إنّه هلك منهم سبعون ألفا. ففي بلعم أنزل الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
الآية، إلى قوله: يَتَفَكَّرُونَ
«٣» . وهو الذي نطقت أتانه بفضيحته وقالت. ويلي منك تنكحني بالليل وتركبني بالنهار.
стр. 108
١٤٥ قال س: فأمّا السامرية ذريّة السامري فهم في وقتنا هذا- وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة- في قرى متفرّقة ببلاد فلسطين والأردن إلى نابلس «١» ، وأكثرهم في هذه المدينة، وهم يقولون لا مساس «٢» ، وهم صنفان متباينان كتباينهم لسائر اليهود، يقال لأحدهما الكوشان وللآخر الدوستان «٣» . ويقول أحدهما بقدم العالم، ويزعمون أنّ التوراة الصّحيحة هي بأيديهم وأنّ التي بيد اليهود ليست التي أنزلت على موسى لأنّها حرقت وقت سبيهم، وأنّ المحدث لهذه التي بأيديهم روبابيل.
[ذكر يوشع]
١٤٦ ثمّ بعث الله بعد موسى يوشع بن نون بن أفرائيم نبيّا وأمره بمقاتلة الجبّارين.
فسار ببني إسرائيل بعد شهر من موت موسى إلى بلاد الشام، وقد غلب عليها العماليق، فسار إليهم ملك الشام وهو السميدع بن هوبر، فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالا شديدا حتّى غربت الشمس. فدعا الله أن يردّ عليه الشمس فردّها عليه، فزاد في النهار يومئذ، فهزم الجبّارين واقتحموا عليهم يقتلونهم. فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها فلا يقطعونها. وأمرهم يوشع أن يقرّبوا أغنامهم تلك إلى الله، فلم تزل النار تأكلها. وجاء رجل إلى يوشع فصافحه فالتصقت يده بيده فقال: هلمّ ما عندك. فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالدرّ والجوهر كان غلّه، فجعله في القربان وجعل الرجل معه فأكلتهما النار.
стр. 109
١٤٧ وكان عمر يوشع مائة وعشرين سنة، وأقام أمر بني إسرائيل مذ توفّي موسى سبعا وعشرين سنة. وفي هذه الوقيعة يقول عوف بن سعد الجرهمي [طويل] :
ألم تر أن العمليقي بن هوبر ... بأيلة أمسى لحمه قد تمزّعا
تداعت عليه من يهود جحافل ... ثمانين «١» ألفا حاسرين ودرّعا
وفي أذينة بن السميدع هذا الجبّار يقول الأعشى [وافر] :
أزال عن أذينة عن ملكه ... فأخرج عن أهله ذا يزن
(وقام بأمر) «٢» بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنّا. قال: ويوشع وكالب الرجلان اللذان «٣» أنعم الله عليهما «٤» . وكالب زوج مريم أخت هارون، وأقام فيهم ثماني سنين.
ذكر حزقيل
١٤٨ ط: ثمّ بعث الله بعد ذلك حزقيل بن بوذي «٥» ، وهو الذي يقال له ابن العجوز لأنّ أمّه سألت الله الولد وقد كبرت، فوهب الله لها. وهو الذي دعا القوم الذين ذكر الله في كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
«٦» . واختلف في أمرهم كيف كان.
стр. 110
[ذكر إلياس]
١٤٩ ثمّ بعث الله من بعده إلى بني إسرائيل إلياس بن ياسين بن العيزار بن عرون بن عمران. ق: هو من سبط يوشع بن نون [بعثه الله] «١» إلى قوم من بني إسرائيل يعبدون بعلا صنما وملكهم أحب- أحاب- وامرأته زوبيل ابنة ملك مصر «٢» ، وكان يستخلفها على ملكه، وكانت قتّالة للأنبياء وهي التي قتلت يحيي بن زكريا، وتزوّجها سبعة من ملوك بني إسرائيل. واستخفى منها إلياس شفقة على نفسه عند امرأة لها ابن يقال له أليسع ابن أخطوب وكان به ضرّ، فدعا له إلياس فعوفي واتّبع إلياس. فلمّا رأى إلياس أن قومه لا يجيبونه وأنّهم مقيمون على أخبث ما كانوا عليه دعا (ربّه أن يرفعه) «٣» إليه ويؤخّر عنه مذاقة الموت. فقيل له: اخرج إلى موضع كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه. فخرج ومعه أليسع وأقبل فرس من نور حتّى وقف بين يديه، فوثب عليه، فناداه اليسع فلم يجبه، فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب وجعله أرضيا سمائيا ملكيّا بشريّا. ويقال إنّ الخضر وإلياس يلتقيان في كلّ عام في الموسم.
ذكر أليسع
١٥٠ ثمّ تنبّأ فيهم أليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثمّ قبضه إليه فكثرت فيهم الخطايا والفواحش وسلّط عليهم الجبابرة، فأخذت عنهم السكينة
стр. 111
غلبوهم عليها في بعض حروبهم. فمات ملكهم كمدا لذلك ولم يزالوا مقهورين حتّى بعث الله فيهم إشماويل.
ذكر إشماويل
١٥١ هو إشماويل بن (هلقانة، وقيل هو ابن بروخان) «١» بن ناحور، واسم أمّه حنّة من بني إسرائيل. قالوا: وإشماويل هو إسماعيل، وهو الذي قالوا له:
ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
«٢» . لم يكن بين يوشع وبينه نبيّ، وذكر أنّ من رتب من الأنبياء بعد يوشع هم بعد إشماويل، وكانت مدّة ما بين إشماويل وأليسع ... «٣» قال س: كان من خروج موسى ببني إسرائيل عن مصر إلى أن ملك عليهم طالوت خمسمائة سنة واثنتان وسبعون سنة. وملكهم بعد يوشع بن نون إلى أن بعث فيهم إشماويل أحد عشر ملكا من أسباط مختلفة. وقيل ان ندعون منهم نبيّ وشمويل هو شمعون (؟) .
١٥٢ فلمّا طال على بني إسرائيل البلاء رغبوا إلى الله أن يبعث إليهم نبيّا منهم «٤» ، وكان سبط النبوّة قد هلك فلم يبق منهم إلّا امرأة حبلى. فأخذوها وحبسوها خوفا أن تلد جارية فتبدّلها بغلام. فولدت غلاما وسمّته شمعون، فتنبّأ وهو غلام صغير، فأعلمهم أنّ الله قد بعثه نبيّا، فكذّبوه وقالوا له:
استعجلت النبوّة ولم يأن لك. وقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا.
فدعا الله فأتى بعصا تكون على طول الذي يبعث فيهم ملكا فقال لهم: إنّ
стр. 112
صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا. فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها.
ذكر طالوت
١٥٣ وكان طالوت رجلا سقّاء يسقي على حمار له، فضلّ حماره وانطلق يطلبه. فلمّا انصرف دعوه فقاسوه بها فكان مثلها. وقالوا: كان دبّاغا يعمل الأدم.
فقال قومه: ما كنت قطّ أكذب منك الآن، نحن من سبط المملكة ويملك علينا هذا. قال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ.
قالوا: «إن كنت صادقا فأتنا بآية» . قال: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ
«١» ، يريد عصا موسى ورضاض الألواح. فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض ينظرون إليه نهارا عند الفجر حتّى وضعته عند طالوت. روى ذلك ابن وهب عن زيد. وكانت مدّة مغيب التابوت ببابل عشر سنين، فأقرّوا غير راضين.
ذكر جالوت
١٥٤ واشتدّ سلطان جالوت وبلغه أمر طالوت، فسار جالوت من فلسطين بأجناس البربر، فنزل بساحة بني إسرائيل، فسار إليهم بنو إسرائيل وسلّط عليهم العطش فابتلاهم بنهر بين الأردنّ وفلسطين، فشربوا منه هيبة من جالوت،
стр. 113
فعبر منهم معه أربعة آلاف ورجع ستّة وسبعون ألفا، فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلّا غرفة بيده روي. فلمّا رأى الذين معه عدد جالوت قالوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
الآية «١» . فرجع عنه أكثر من عبر معه وخلص إلى جالوت في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا بعدد أصحاب بدر.
وقتل طالوت كلّ من شرب من النهر عن آخرهم.
١٥٥ فعبر يومئذ أبو «٢» داود فيمن عبر معه، وكان له ثلاثة عشر ولدا (أصغرهم داود) «٣» . قال: وكان يرعى على أبيه وكان فيه قصر وزرق وقرع في ناحية من رأسه. وكان داود يأتي أباه فيقول: يا أبة إنّي لا أرمي ببندقتي هذه شيئا إلا صرعته. فيقول له: ابشر يا بنيّ، فإنّ هذا خير أعطاكه الله .
ثمّ أتاه يوما فقال له: يا أبة إنّي لأمشي بين الجبال وأسبّح، فما من شيء إلّا يسبّح معي، فقال له مثل مقالته الأولى.
فأتى النبيّ «٤» إشماويل بقرن فيه «٥» دهن وتنّور من حديد، فبعث إلى طالوت وقال: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيثبت «٦» دهنه ولا يسيل على وجهه منه شيء، يكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنّور فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل فخوّفهم «٧» فلم يوافقه منهم أحد، فلمّا فرغوا قال: هل بقي منكم أحد؟ قال أبو داود: نعم قد بقي ابني داود وهو يأتينا بطعام. فلمّا انصرف داود كان قد مرّ في الطريق بثلاثة أحجار فكلّمته وقالت: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت.
فأخرج الحجارة فأخذها وجعلها في مخلاته. وكان طالوت [قد] قال: من
стр. 114
قتل جالوت زوّجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي. فلمّا أتى داود وجرّبوه بالقرن فكان كما قال النبيّ: وبالتنور نملأه، وكان منحوفا مصفارّا ولم يدخله أحد إلّا تغلغل «١» فيه.
١٥٦ وكان جالوت من أجسم الناس، فمشى داود إلى جالوت فأخرج الحجارة وجعلها في القذّافة، فكلّما أخرج حجرا منها قال: باسم أبي إبراهيم، والثاني: باسم أبي إسحاق، والثالث: باسم أبي يعقوب. ثمّ أدار القذّافة فصارت الأحجار حجرا واحدا، ثم أرسله (فصكّ به بين عيني) «٢» .
جالوت فنقبت رأسه وقتلته ولم يزل يموت كل إنسان تصيبه بحياله «٣» فهزموهم عند ذلك. وزوّج طالوت ابنته من داود وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود. قال: سلّم له طالوت الجباية وثلث الحكم. ثمّ حسده بعد ذلك طالوت وأراد اغتياله، وسجى له داود [زقّ] «٤» خمر في مضجعه، ودخل طالوت فضربه فطارت نقطة من الخمر إلى فيه، فقال طالوت: يرحم الله داود، ما كان أكثر شربه للخمر. ثمّ أتى داود طالوت فوضع سهمين عند رأسه وهو نائم وآخرين عند رجليه. فلمّا استيقظ طالوت عرفها وأيقن أنّ داود خير منه حين كفّ عنه وقد ظفر به. ثمّ إنّ طالوت كان لا ينهاه أحد عن داود إلّا قتله. ثم أدركه الندم من ذلك وأقبل على طلب التوبة، فسأل امرأة كان عندها الاسم المكنون فقالت: لا أعلم لك توبة إلّا أن تتخلّى عن ملكك وتخرج أنت وولدك فتقاتلوا في سبيل الله حتى تقتلوا.
ففعل طالوت ذلك حتّى قتل.
стр. 115
١٥٧ قال القوطي: فأتى داود غلام حسن حين هزم الجيش من المسلمين الذين كانوا مع طالوت، فقتل طالوت وأتى بسواريه وقال: وجدته جريحا فاجتهدت عليه لمّا علمت أنّه عدوّك وأتيتك بسواريه لأحظى عندك بذلك.
فأمر داود بقتله وقال: قتلت مقدّس الربّ وأمير بني إسرائيل. وكان الغلام غريبا من العماليق.
١٥٨ إنّ طالوت لمّا رأى ظهور داود وميل الناس إليه وصرفهم عنه مات على سرير ملكه ليلة كمدا، وانقادت بنو إسرائيل لداود وبعثه الله نبيّا. واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس من ذريّة يعقوب. الموضع الذي قتل فيه جالوت بيسان من أرض الغور من بلاد الأردن.
داود ﵇
١٥٩ هو ابن إيشا «١» من ذريّة يهودا بن يعقوب، أعطاه الله ما نصّه الله في كتابه من الآيات، ولم يزل قائما بأمر بني إسرائيل أحسن قيام إلى أن كان من أمره بامرأة أوريا ما كان، وهي التي ولدت له سليمان بن داود. فلمّا واقع الخطيئة اشتغل بالتوبة واستخفّ به بنو إسرائيل ووثب عليه ابن له يقال له أبشالوم، وهو ابن ابنة طالوت وهو بكره، وأراد نزعه من الملك ودعا إلى نفسه، فاجتمع إليه أهل الزّيغ. فلمّا تاب الله على داود ثابت «٢» إليه الناس
стр. 116
وحارب ابنه حتّى هزمه ووجّه في طلبه قائدا من قوّاده، وتقدّم إليه أن يتلطّف في أمره ولا يقتله. فلم يزل يتبعه القائد حتّى اضطرّه إلى شجرة، فتعلّقت أغصانها بشعره ولحقه القائد فقتله مخالفا لأمر داود، فاشتدّ حزن داود عليه.
١٦٠ وأصاب بني إسرائيل في زمانه «١» طاعون، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف البلاء عنهم، فاستجيب لهم، فاتّخذوا ذلك الموضع مسجدا. وذكر أنّ ذلك لإحدى عشرة سنة خلت من ملكه.
وقد تقدّم في بيت المقدس غير هذا. قال: وتوفّي قبل أن يتمّ بناءه، وأوصى إلى ولده سليمان باستتمامه، فبناه في ثماني سنين. وصحّ عن القوطي قال: ابتدأ سليمان بناءه في السنة الرابعة من ولايته وأتّمه في السنة الحادية عشرة. ويذكر أنّ سليمان لمّا فرغ من بنائه أطعم فتية بني إسرائيل فيه اثني عشر ألف ثور. والذي بنى منه داود هو المعروف بمحراب داود، وليس في بيت المقدس بناء أعلى منه في هذا الوقت، يرى من أعلاه البحيرة المنتنة «٢» ونهر «٣» الأردن. والبحيرة المنتنة بأرض العراق وهي لا تقبل الغرقاء ولا يتكوّن فيها ذو روح من سمك ولا غيره، وإليها ينتهي ماء بحيرة طبرية وهو الأردنّ. فإذا انتهى إلى البحيرة المنتنة خرقها وانتهى إلى وسطها متميّزا عن مائها فيغوص في وسطها، وهو نهر عظيم لا يدرى أين غوصه من غير أن يزيد في البحيرة المنتنة شيئا. ومن البحيرة المنتنة تخرج الأحجار التي تستعمل لوجع الحصاة وهي نوعان ذكر وأنثى، فالذكر للرجل والأنثى للمرأة. ومنها يخرج العقّار «٤» المعروف بالحمر.
стр. 117
١٦١ وكان عمر داود فيما وردت به الأخبار عن النبيّ «١» ﷺ مائة سنة، وقال أهل الكتاب تسع وتسعون سنة، ومدّة ملكه أربعون سنة، وكان ملكه على فلسطين والأردن، وكان عسكره ستّين ألفا، أصحاب درق وسيوف.
والنصارى يزعمون أنّ قبره في الكنيسة الجسمانية ببيت المقدس.
١٦٢ وكان داود إذا قرأ الزبور ترقّ له الوحوش حتّى تؤخذ بأعناقها، وإنّها لمصغية «٢» . وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج «٣» إلّا على أصناف صوت داود ﵇ «٤» .
سليمان بن داود عليهما الصّلاة والسّلام
١٦٣ أمّه امرأة أوريا، أتاه الله النبوّة، وسأل ربّه أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. فسخّر الله له الجنّ والأنس والطير والريح غدوّها شهر ورواحها شهر «٥» . ذكر أنّ منزلا بناحية دجلة مكتوبة فيه: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيّا وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه «٦» ، ونحن رائحون «٧» الشام إن شاء الله.
стр. 118
١٦٤ وخبره مع بلقيس مشهور ويذكر أنّه تزوّجها، ويقال إنّه إنّما أنكحها من تبّع ملك همدان فردّها إلى اليمن ولم يزل زوجها ملكا باليمن حتّى مات سليمان ﷺ . ولمّا غلب سليمان والد جرادة وقتله الملك واصطفى جرادة كانت من أجمل الناس، فأحبّها سليمان حبّا شديدا، وكانت لا تزال تبكي أباها، فوجد لذلك سليمان وجدا شديدا حتّى سألته أن يأمر الجنّ فيصوّروا لها صورة أبيها فلعلّها تسكن. فأمر سليمان الجنّ بذلك فعمدت إلى الصورة فلبّستها وعمّمتها وجعلت تسجد لها هي وولائدها غدوة وعشية. وبلغ ذلك آصف وكان صديقا، فأعلم سليمان فكسّر الصنم وعاقب المرأة. فسلبه الله خاتمه عقوبة. وقد ذكرنا الحديث بطوله في أخبار جزائر البحر الأخضر.
١٦٥ وروي أنّ سليمان ﵇ كان إذا رأى شجرة نابتة بأرض المقدس أو في أرضه يقول لها: ما اسمك ولأيّ شيء أنت؟ فإن كانت لدواء كتبت وعلمت. فبينما هو يمشي إذ رأى شجرة نابتة فقال: ما اسمك؟ فقالت:
الخرّوب. قال: ولأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهمّ عمّ على الجنّ موتي حتّى تعلم الإنس أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب. فنحت الخرّوب وأخذ منها عصا وتوكّأ عليها ميّتا حولا كاملا، فأكلت الأرضة العصا حتّى خرّ سليمان. فلمّا خرّ سليمان شكرت الجنّ الأرضة فهي تأتيها بالماء والطين وتنقل إليها الطين حيث كانت وقال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ هو ممّا يأتيها به.
١٦٦ وكان جميع عمر سليمان نيّفا وخمسين سنة، اثنتين وخمسين سنة، وبعد أربع من مملكته ابتدأ ببناء بيت المقدس. قال: وكانت مملكته أربعين سنة،
стр. 119
صحّ لهم. قال القوطي: ولّي وهو ابن سبع عشرة سنة وبقي أربعين سنة، فعمره على هذا سبع وخمسون سنة، قال القوطي: أوّل حكم حكم به في الصبا في أمر الصبي الذي ادّعتاه المرأتان، فدعا بالسيف وأمر بشقّ الصبي وقسمته عليهما، فرضيت بذلك التي لم يكن لها وقالت أمّه: بل تعطيه الأخرى حيّا. فحكم به لها وعجب بنو إسرائيل من حكمه وفهمه.
١٦٧ ثمّ ملك بعد سليمان ابنه أرخبعم «١» ، فتفرّقت عليه بنو إسرائيل ولم يبق معه إلّا السبطان «٢» ، [وكان ملكه إلى أن هلك] «٣» سبعة عشر عاما. وتوارث ذلك عقبه ولم يزالوا برهة (يجتمعون على ملك منهم ثمّ يفترقون إلى رأس مائتي سنة من موت سليمان إلى أن بعث الله «٤» فيهم شعيا نبيّا.
ذكر شعيا ﵇
١٦٨ هو شعيا بن آموص «٥» ، وهو الذي بشّر بعيسى بن مريم ومحمّد ﷺ ، وكان في زمان حزقيا ملك لبني إسرائيل من ذريّة سليمان، هذا الصحيح.
وقد قيل في زمن جدّه وقيل يوطان. وكان حزقيا الملك مستقيم السيرة صحيح الإيمان نابذا للأوثان التي كان اتّخذها [بنو اسرائيل] من قبله وقطعها من جميع أرض يهودا. فلمّا حان انقضاء ملكه بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل ومعه ستّمائة ألف راية- سنحاريب ملك الموصل- حتّى نزل بأرض إيليا
стр. 120
والملك مريض. وأوحى الله إلى شعيا أن سر إلى الملك وأعلمه أنّه ميّت وأمره أن يستخلف من شاء على ملكه. فلمّا قال له ذلك شعيا بكى وجزع وتضرّع، فأوحى الله إلى شعيا أن قد أخّرت أجله خمس عشرة سنة وإنّي منجيه من عدوّه. فشكر الملك وسجد لله .
١٦٩ قال القوطي: وبعث الله الطاعون على عسكر سنحاريب فهلك منهم في ليلة واحدة مائة ألف وخمسة وثمانون الفا لم يسلم منهم إلّا سنحاريب وخمسة من كتّابه وقوّاده أحدهم بخت نصر بعد أن فرّوا فأدركوا في مغارة. وأوتي بهم ملك بني إسرائيل فخرّ ساجدا من حين طلعت الشمس حتّى كان وقت العصر. وأمر بأن توضع الجوامع في رقابهم ويطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس، ثمّ أرسله ومن معه لينذروا من ورائهم وكان ملكه الى أن توفي سبعا وعشرين سنة، وبقي الملك في ولده إلى ملك لهراسيف «١» ملك الفرس.
تنافس بنو إسرائيل الملك، فأمر الله شعيا أن يقوم فيهم بوحيه، فلمّا فعل قتلوه فسلّط الله عليهم عدوّهم فوجّه لهراسيف «٢» بخت نصر. فبنى مدينة بلخ فسمّاها الحسنى، فقاتل الترك واشتدّت شوكة بخت نصر حتّى أتى دمشق فصالحه أهلها، ووجّه رسوله إلى بيت المقدس فصالح ملك بني إسرائيل وهو رجل من ولد سليمان، وأخذ منه رهائن وانصرف. فوثب بنو إسرائيل على ملكهم فقتلوه وقالوا: راهنت أهل بابل وخذلتنا. فكرّ بخت نصر راجعا إليهم فأخذ المدينة عنوة وقتل وسبى وحرق البيت وهدّم أسوار المدينة. وكان آخر ملوك بني إسرائيل شدخش، وقيل خرخش، من ذرّية سليمان بن داود، فانقطع سلطان بني إسرائيل ووجد في سجن بني إسرائيل إرميا النبيّ «٣»
стр. 121
ذكر إرميا النبيّ ﵇
١٧٠ وكان الله قد بعثه إليهم يحذّرهم ما حلّ بهم من بخت نصر إذ لم يتوبوا، فضربوه وسجنوه. فسأله بخت نصر عن شأنه، فأخبره فأحسن إليه وخلّى سبيله. وانصرف بخت نصر بعد أن غزا مصر لمّا منع منه ملكها، فأتى بني إسرائيل وقتل ملكها، وهو فرعون الأعرج، وسبى أهله. ورجع ومعه سبي كثير فيهم عزير ودانيال وغيرهم.
١٧١ وفي ذلك الزمان تفرّقت بنو إسرائيل فنزل بعضهم بأرض الحجاز يثرب ووادي القرى وغيرها. وانتهى عدد سبيه من بني إسرائيل ثمانية عشر ألفا. قال:
وعمد بخت نصر إلى التوراة وإلى ما كان في هيكل بيت المقدس من كتب الأنبياء وطرحه في بئر وعمد إلى تابوت السكينة فأودعه في بعض المواضع من الأرض.
ذكر دانيال ﵇
١٧٢ ق: فأمّا دانيال فهو الذي عبّر رؤيا بخت نصر، فنزل منه بأحسن المنازل، وكان قبره بناحية السّوس ووجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفّنه وصلّى عليه ثم قبّره. وقال في أخبار الفرس إنّ دانيال كان بين نوح وإبراهيم وثبت هذه المقالة وقال: وهو الذي استخرج العلم وما يحدث في الأزمان إلى أن تنقضي الأرض ومن عليها وعلوم ملوك العالم وما يحدث في السنين والشهور
стр. 122
من الحوادث ودلائل ذلك في الآفاق. وفي مدينة بابل الخربة التي كانت مملكة الفرس جبّ يعرف بجبّ دانيال الذي تقصده النصارى يوم عيدهم واليهود في أعيادهم. قال أبو عبّاد في كتاب الأقوال: لمّا فتحوا السّوس وأميرهم أبو موسى الأشعري وجدوا دانيال في جرن «١» وإلى جنبه مال موضوع من شاء اقترض «٢» منه إلى أجل، فإن أتى به إلى ذلك الأجل وإلّا برص. والتزمه أبو موسى وقبّله وقال: دانيال وربّ الكعبة. وكتب في شأنه إلى عمر، فكتب عمر إليه: كفّنه وحنّطه وصلّ عليه وادفنه كما دفنت الأنبياء واجعل ماله في بيت مال المسلمين. قال: فكفّنه في قباط بيض وصلّى عليه ودفنه.
قال: حدّثنا بذلك حسّان بن عبد الله عن السدّي بن يحي عن قتادة.
ذكر عزير
١٧٣ فأمّا عزير فأقام لبني إسرائيل التوراة بعد ما أحرقت حين عاد إلى الشام.
فقالت طائفة منهم: هو ابن الله وهو الذي أكثر المناجاة في القدر، فمحا الله اسمه من الأنبياء فلا يذكر فيهم، وهو رسول.
وبقي إرميا بأرض مصر حتّى أوحى الله إليه أن اخرج فالحق بإيليا، فلتكن بلادك حتّى يبلغ الكتاب أجله. فخرج إرميا مذعورا فركب حماره وانطلق حتّى رفع له شخص بيت المقدس، فرأى خرابا عظيما لا يوصف. قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
، الآية «٣» . ق: فبعث الله ملكا من ملوك الفرس «٤» يقال له كوش»
فعمّر بيت المقدس.
стр. 123
١٧٤ وملك لهراسيف «١» مائة وعشرين سنة، وملك بعده يستاسف «٢» ابنه فبلغه خراب بلاد الشام وأنه ليس بها أحد من الانس، فأذن لبني إسرائيل أن يرجعوا إلى الشام ونودي في الناس بذلك. وملّك رجلا من آل داود عليهم فعمّروها، وذلك بعد سبعين سنة، فإنّما فعل ذلك الملك الفارسي لأنه كان استخلص جارية من سبي بني إسرائيل فسألته ذلك. قال: والذي ملك عليهم روبابيل، وأقام فيهم ستّا وأربعين سنة. وقيل إنّ رجوعهم كان في أيام كورش الفارسي الملك، وكان دانيال حلّ هذا الملك. ثم أحيا الله إرميا ﵇.
ذكر زرادشت الذي تدّعي بنبوّته المجوس
١٧٥ وفي زمان يستاسف «٣» صاحب بابل ظهر زرادشت بن اسبيتمان «٤» الذي تدّعي المجوس أنه نبيّهم. وكان من علماء أهل فلسطين خادما لإرميا، فخانه فدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد آذربيجان وشرع فيها دين المجوسية وقصد الناس على الدخول فيه وقتل في ذلك وعذّب حتّى دانوا به. وأتى زرادشت بالمعجزة الباهرة وأخبر عن الكائنات من الكليّات والجزئيات، وأتى بكتاب يدور على ستّين حرفا من المعجم، وهي لغة يعجز عن إيرادها ولا يدرك كنه مرادها. وكتب هذا الكتاب في اثني عشر ألف مجلّد بالذهب فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من العبادات، واسم هذا الكتاب بستاه «٥» ، وأوّل سورة منه سورة حيرفت فيها ذكر مبتدأ الخليقة وأصول
стр. 124
الطبائع وأمزاجها. وعمل له زرادشت تفسيرا سمّاه بازند وهو كتاب يعجز عن حفظه، وأكثر ما يحفظونه أسباعا إذا انتهى الحافظ للسبع ابتدأ الحافظ للسبع الثاني. وكانت نبوّة زرادشت فيهم خمسا وثلاثين سنة، وهلك وهو ابن سبع وسبعين سنة.
١٧٦ وممّا تحمل الفرس عنه أن القديم تعالى طالت وحدته فطالت فكرته، فلمّا طالت فكرته اشتدّت وحشته، فلمّا اشتدّت وحشته تولّد الهرمند فصار مضادّا للنّور الأكبر- والهرمند هو الشيطان. وأن الله لو كان قادرا على إفناء الهرمند لما ضرب له أجلا ولا أخّره أمدا يغوي عباده ويفسد بلاده.
وهذا هو المحال عينه والناقص نفسه، «تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا» . ولم تزل الفرس تتدارس نواميس هذا الكتاب جيلا فجيلا حتّى ظهر فيهم خاهشت الغلام، فشرح لهم تأويلا وأحدث لهم قرابين في مذاهبهم اعتمدوا عليها واتّخذوا بيوت النيران وقرّبوا لها القرابين ورتّبوا لها السدنة ووضعوا لها أيضا الهرابذة- أحدهم هربذ- وتأويله فقيه الدّين.
ووضعوا مرزبانا «١» تأويله قاضي القضاة، وهو بالفارسية الدّين، وهو حافظ الدّين. وكانت لهم صلوات وزمزمة وقرابين يقرّبونها في بيوت النيران، وجملة اعتقادهم محصورة في الكتاب الذي جاءهم به زرادشت.
١٧٧ وكان ملك يستاسف «٢» مائة سنة واثنتي عشرة سنة. وبخت نصر رجل من العجم عاش دهرا طويلا جاوز ثلاثمائة سنة وخدم عدّة من ملوكهم آخرهم
стр. 125
بهمن، وهو ابن يستاسف «١» - وبهمن أبو داراي [وهو أبو] دارا الذي قتل في عهد الإسكندر. ودارا الأكبر هو الذي عقد له أبوه بهمن التاج وهو في بطن أمّه حنانا ابنته. فلمّا رأى ذلك ساسان بن بهمن وكان يتصنّع للملك لا يشكّ فيه- وهو رجل كامل- لحق بإصطخر وتزهّد وخرج من خليته وتعبّد واتّخذ غنما وكان يتولّى ماشيته بنفسه واستساغت «٢» العامّة ذلك عنه ونطقت به. فمن ساسان الساسانية، وهم الفرس الثانية أوّلهم أردشير بن بابك بن ساسان أبو أربعة إلى ساسان بن بهمن.
عيسى وزكريا عليهما الصّلاة والسّلام
١٧٨ كان زكريا ابن آذن وعمران بن ماثان بن أليعقيم «٣» من ولد سليمان بن داود من سبط يهودا، وكانا في زمان واحد. فتزوّج زكريا أشياع ابنة عمران أخت مريم واسم أمّها حنّة. وكان يحيى وعيسى ابني خالة، وكان زكريا نجّارا.
وأشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة ففرّ منهم، فلمّا أحسّ بهم دعا الله أن يفتح له جوف شجرة، فدخل فيها ودلّهم إبليس عليه وبقي هدب ردائه ظاهرا، فنشروا الشجرة ونشروه معها. ولذلك تتّخذ أهل الكتاب الهدب في أرديتها.
ذكر يحيى بن زكريا ﵉
١٧٩ وأمّا يحيى فكان مولده قبل عيسى بستّة أشهر، فنبّأه الله واستظهر به عيسى، وبعثه الله في اثني عشر من الحواريّين يعلّمون الناس، فكان ما نهوا
стр. 126
عنه بني إسرائيل نكاح ابنة الأخ. وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه، أراد أن يتزوجها، فبلغ نهيهم أمّها فحقدت على يحيى حين نهى أن يتزوّج الملك ابنتها، وأمرت ابنتها أن تتلطّف للملك وتسقيه وتعرض له، فإن أرادها على نفسها أبت حتّى يعطيها ما سألته، فإن أعطاها ذلك سألت أن يؤتى برأس يحيى. ففعل الملك ما سألته، وهو أحب وامرأته أزبيل، وقد تقدّم ذكرها.
قال: فلمّا وضع رأس يحيى بين يديه جعل يتكلّم ويقول: لا تحلّ لك.
واستمرّ غليان دمه، فأمر بتراب فألقي عليه فما ازداد إلّا انبعاثا. فبعث الله عليهم ملكا من ناحية الشرق يقال له خردوش، فقتل منهم على دم يحيى بن زكريا سبعين ألفا إلى أن سكن دمه. وذكر أن الذي فعل ذلك بخت نصر، وهذا لا يستفهم لأنه من خراب بيت المقدس على يد بخت نصر إلى مولد عيسى ﵇ خمسمائة سنة وسبعون سنة تعدّ ملكا ملكا، كما أنه لا يستفهم أن يكون أحب هو الذي قتل يحيى وهو الذي بعث إليه إلياس بن ياسين، وبين يحيى وإلياس مثل هذه المدّة. قال: وولد في أيام ملوك الطوائف «١» لمضي ثلاثمائة سنة وثلاث وستّين سنة من وقت غلبة الإسكندر على بابل، وهذا هو الصحيح. وقال وهب بن منبّه إنّ الإسكندر كان في الفترة بعد عيسى، وهذا وهم لأن ملوك الطوائف «٢» إنّما كانت بعد الإسكندر.
١٨٠ ويقال إنه لمّا ولد عيسى لم يبق على وجه الأرض صنم يعبد إلّا سقط على وجهه. ففزعت الشياطين وجاؤوا إبليس فأخبروه، فقال: إنّ لهذا شأنا.
وذهب يطوف الأرض حتّى مرّ بالمكان الذي ولد فيه عيسى ﵇ ببيت لحم يهودا، فرأى الملائكة محدقين به، فأراد أن يأتيه فمنعته الملائكة ورجع إلى أصحابه فأخبرهم، وفرّت بعيسى أمّه إلى أرض مصر خوفا من
стр. 127
هذا وخوفا من هرادش، فذلك قوله : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
«١» . ثمّ ردّته إلى الشام بعد اثنتي عشرة سنة من عمره.
١٨١ وجاءه الوحي بعد ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وأتاه الله الآيات التي نصّ عليها وأنزل الله عليه المائدة سفرة حمراء مغطّاة بمنديل بين غمامتين.
س: ومرّ عيسى ببحيرة طبرية وعليها ناس، فدعاهم إلى دين الله، فاتّبعه ثلاثة من الصيادين واثنا عشر من القصّارين، فهم الحواريّون. وذكر أنّ أحد الحواريّين دلّ اليهود على عيسى حين «٢» همّوا به، ثم ندم على ما فعل فاختنق وقتل نفسه. وقد كان عيسى ﵇ ذكر لهم ذلك. قال: ثمّ لقيه الحواريّون بعد ما رفع ليزيل ما في نفوسهم، فسألهم عنه فقالوا: قتل نفسه. فقال: لو تاب تاب الله عليه.
١٨٢ وذكر ابن خرداذ به «٣» أن الذي صلب مكانه أيشوع بن قيدار، وأنه كان بين هبوط آدم إلى الأرض ورفع المسيح خمسة آلاف وخمسمائة وثمان وثلاثون سنة. قال القوطي: وكان بين انقضاء أمر المسيح وكفر اليهود وتفرّق جماعتهم وتمام اللعنة عليهم إلى يوم القيامة وإخراجهم من ديارهم على يدي قيصر طيطوش تسع وثلاثون سنة. قال القوطي وغيره: وكان انقضاء أمر المسيح زلزلة عظيمة عمّت الدنيا شرقا وغربا وانهدمت «٤» لها الجبال وتصدّعت الصخور «٥» وتهوّرت المدن دليلها وشاهدها الكور التي وضع عنها
стр. 128
الخراج من أجل انهدامها، وذلك موجود في الدواوين. وكسفت الشمس ذلك اليوم من الساعة السادسة إلى آخر النهار حتّى صار ذلك النهار ليلا.
وفي ذلك قال شاعر اليونانيّين ترجمناه عربيّا [كامل] :
فزعت له الدنيا وظنّت أنّه ... ليل عليها ما يزال مؤبّدا
لمّا رأى الناس الكسوف على ... خلاف سبيله ظنّوه ليلا سرمدا
لأنها كسفت في انتصاف الشهر والشمس لا تعرف كسوفها «١» إلّا في انقضاء الشهر وعند اجتماع النيّرين.
ذكر من كان بين موسى وعيسى
١٨٣ وقد كان من الأنبياء قبل عيسى يونس بن متّى عليهما الصّلاة والسّلام، كان من أهل قرية من قرى الموصل يقال لها نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، فكان من أمره وأمر قومه ما نصّه الله : فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ
الآية «٢» .
١٨٤ وممّن كان بين موسى وعيسى ﵉ بنو حضور بن عدي، وكانوا أمّة عظيمة ذوي بطشة زعموا أنّه من ولد يافث، وقيل من العرب الداثرة، بعث الله إليهم شعيب بن ذي مهرم بن حضور نبيّا، فكذّبوه وقتلوه. وهذا غير شعيب صاحب مدين بينهما مئون من السنين، وقد كان بين موسى وعيسى ألف نبيّ. فسلّط الله على بني حضور جبّارا يقال له بخت
стр. 129
نصر، فصار إليهم بجنوده وغشى ديارهم وصاح بهم صائح من الهواء وقد استعدّوا لحربه، فعمّ الصوت أسماعهم [طويل] :
سيغلب قوم غالبوا الله جهرة ... وإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذلك يضلّ الله من كان قلبه «١» ... مريضا ومن والى النفاق وألحدا
فعلموا أن الأمر نازل بهم فانفضّت جموعهم وحصدهم السيف أجمعين.
يقول الله فيهم: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ
«٢» .
[ذكر من كان بين عيسى ومحمّد ﷺ -]
١٨٥ وممّن كان في الفترة بين عيسى ومحمّد ﷺ جرجس، وهو من أهل فلسطين، وبعث إلى ملك الموصل يدعوه إلى الإسلام، فقتله بالعذاب مرّات وأحياه الله آية لهم وعبرة، ونشره قطعا ورماه إلى الأسد الضارية فخضعت الأسد برءوسها وظلّ يومه كذلك. فلمّا أدركه الليل جمع أوصاله وردّ روحه، ثمّ أقبل عليهم اليوم الثاني يعظهم ويغلّظ عليهم، فلمّا استمرّوا في عتوّهم وكفرهم بعث الله عليهم نارا فأحرقتهم عن آخرهم.
١٨٦ وممّن كان في الفترة الذين حكى الله عنهم في قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ
الآية «٣» . وأسماؤهم صادق وصدوق والثالث شلوم- الثالث بطرس بالرومية وبالسريانية شمعون وبالعربية سمعان. وقد سمّى الاثنين أيضا بالرومية فقيل بطرس وبولس، وقيل يرما
стр. 130
ومؤمن. بعثهم الله إلى فرعون من الفراعنة كان بمدينة أنطاكية- أصل هذا الاسم بالرومية أنطجين وهو لقب للملك الذي بناها، وتفسيره محوّط الحيطان، فلمّا افتتحها المسلمون حرفت الأحرف إلّا الألف والنون والطاء.
ويقال إنّهم من الحواريّين ولم يكونوا من الأنبياء، والذي جاء يسعى رجل اسمه حبيب كان يعمل الحرير «١» . فلمّا قال لهم: يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ
الآية «٢» وطئوه بأرجلهم حتّى خرج قضيبه على دبره، فأدخله الله الجنّة حيّا يرزق فيها. فذلك قوله تعالى: يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
«٣» . قال: وصلب الكافر لعنه الله المرسلين منكوسين، فأهلكهم الله أجمعين، فذلك قوله : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ
«٤» . فلمّا ظهر دين النصرانية جعل المرسلين «٥» في أخزنة من البلّور وهم في كنيسة هناك بمدينة رومية ولها بناء عظيم.
١٨٧ وممّن كان في الفترة أصحاب الأخدود، فإنّهم كانوا بنجران من اليمن. وبلغ ذا نواس أنّ قوما بنجران على دين المسيح، وكان هو يهوديّا، فنهض إليهم بنفسه وحفر لهم الأخاديد وأضرمها نارا، ثمّ دعاهم إلى اليهودية، (فمن أجاب نجا ومن لم يجب) «٦» قذفه في الأخاديد «٧» . فأوتي بامرأة معها طفل من سبعة أشهر، فأبت أن ترجع عن دينها، فأدنيت من النار فجزعت فأنطق الله الطفل وقال: امضي على دينك فلا نار بعدها. فألقيت في النار. فسلّط الله عليهم الحبشة وغلبوهم على أرض اليمن إلى أن كان من أمر ذي يزن واستنجاده أنو شروان ما كان.
стр. 131
جملة من القول في جزيرة العرب وذكر شيء من أخبارها
١٨٨ قال جعفر بن محمّد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال:
مكّة والمدينة واليمامة واليمن. قال يعقوب: والقرح أوّل تهامة. قال أبو عبد الله: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في «١» الطول، وأمّا العرض فما «٢» بين يبرين إلى منقطع السّماوة، وحفر أبي موسى على خمس مراحل من البصرة. قال الأصمعي: جزيرة العرب [من أقصى] »
عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأمّا العرض فمن جدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطوار الشّام. وقال أبو يوسف يعقوب بن شيبة الخرساني المحدّث: قال شرقي بن القطامي وغيره: كانت أرض الجزيرة خاوية ليس في تهامتها ونجدها وحجازها وعروضها كثير «٤» أحد لإخلاء بخت نصر إيّاها وإخلائها من أهلها إلّا من اعتصم برءوس الجبال وأشعابها.
١٨٩ وبلاد العرب على خمسة أقسام في جزيرة بطبعه، وهي التي صارت في قسم من أنطق الله باللّسان العربي حين تبلبلت الألسن ببابل في زمان نمرود. فقسم فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح الأرض بين ولده. وإنّما سمّتها العرب الجزيرة لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها، وصاروا منها في مثل الجزيرة. وذلك أن الفرات أقبل من ناحية بلاد الروم فظهر بناحية قنّسرين، ثم انحطّ «٥» على أطراف الجزيرة وسواد العراق حتّى
стр. 132
وقع في البحر «١» من ناحية البصرة والأبلّة، وامتدّ البحر من ذلك الموضع لمطيفها منقطعا عليها، فأتى منها على سفوان وكاظمة ونفذ إلى القطيف «٢» وبنجد وأسواق عمان والشحر «٣» ، ومال منه عنق إلى حضر موت وناحية أبين وعدن ودهلك، واستطال ذلك العنق فطعن في تهائم اليمن ببلاد برسان وجاور والحكم والأشعرين وعكّ «٤» ، ومضى إلى جدّة ساحل مكّة والجار «٥» ساحل المدينة، ثمّ إلى ساحل الطور وتيماء وخليج أيلة حتّى بلغ قلزم مصر وخالط بلادها. وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلا معارضا للبحر حتّى وقع في بحر مصر والشّام، ثمّ أقبل ذلك البحر من مصر حتّى بلغ بلاد فلسطين، فمرّ بعسقلان وسواحلها وأتى على صور «٦» ساحل الأردنّ وبيروت «٧» وذواتها من ساحل دمشق، ثم نفذ إلى ساحل حمص «٨» وسواحل «٩» قنّسرين والجزيرة إلى سواد العراق.
١٩٠ وقال أبو النصر سعيد بن غالب الجيهاني: حدّ جزيرة العرب ممّا يلي الشمال في الخطّ الذي يخرج من ساحل أيلة فيمرّ مستقبل الشّرق في أرض مدين إلى تبوك ودومة الجندل إلى البلقاء وتيماء ومأرب، وهي كلّها من الشّام، ويمضي في وادي شيبان وبكر وتغلب، ويصل بالكوفة والنجف والقادسية والحيرة ونجران السّواد، وهي على يسار الكوفة. وعن يمين هذا الخطّ ممّا يلي الجنوب أرض الحجر ووادي القرى- واسمها وحّ في القديم- وهي أرض لثمود وما دونها إلى الأغوار والتهائم والنجود، إلى أن يصل [إلى] ساحل حضر موت، كلّ ذلك من أرض العرب، وممّا يلي الشّمال من هذا الخطّ فمن بلاد الأردنّ الشّمالي. وحدّ جزيرة العرب ممّا يلي الشّرق وهو مهب الصباء بطائح البصرة حتّى ينتهي إلى الجزيرة، ثمّ فيض «١٠» البصرة، وهو نهرها
стр. 133
الذي البصرة عليه، وكان زياد بن سمية حفره إلى الأبلّة «١» ، ثمّ استوى «٢» إلى سفوان وكاظمة وقطيف وأسياف والبحرين وعمان، ثمّ يمرّ منحدرا من الشّمال على ساحل البحر حتّى يأتي غبّ عدن، والغبّ ينزوي فيه الماء شبه الخليج فينعطف عنق من البحر ويأخذ مع الصباء منعطفا على جزيرة العرب ويستمرّ نحو «٣» الهند على الشّمال. والبحر مع دجلة البصرة في هذا الموضع غربيّه يسمّى أرض العرب وشرقيّه يسمّى شاطئ «٤» فارس. وما وراء ذلك من شرقيّ البحر عند منقطع أرض فارس فهو من بلاد الهند، ويتّسع البحر ويصير جزائر. وحدّ جزيرة العرب ممّا يلي الجنوب ساحل هذا العنق من الصباء، وهذا العنق على يمين الذاهب منه، جزيرة العرب إلى ضفّة البحر وعلى يساره بلاد الزنج. وفي ساحل هذا العنق يصاب العنبر. ويمضي ذلك العنق حتّى يمرّ بساحل حضر موت وأبين وينتهي إلى عدن، وعدن منتهى هذا العنق، ثمّ ينعطف هذا العنق من عدن مع الجنوب فيمرّ منعطفا على جزيرة العرب مستقبل الشّمال، فعن يمين الذاهب منه جزيرة العرب وعن يساره بلاد السّودان والحبشة وغيرهم. ثمّ يمرّ ذلك العنق ببلاد العرب على سواحلها دهلك وبلاد برسان وحكم والأشعرين وعكّ وغيرها حتّى يصل إلى جدّة وهو ساحل مكّة، ثمّ يصير إلى الجار وهو ساحل المدينة، ثمّ يمضي إلى الحوراء وهو ساحل وادي القرى، ثمّ إلى خليج الأيلة، ثمّ إلى ساحل الطور وساحل راية حتّى ينتهي إلى القلزم ويقارب «٥» بلاد مصر، ثم ينقطع ذلك العنق ويقف «٦» .
١٩١ قال ابن شيبة [و] الجيهاني معا: فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة على خمسة أقسام: تهامة والغور والحجاز والعروض واليمن. وذلك أنّ جبل
стр. 134
السراة- وهو أعظم جبال العرب- أقبل من أرض اليمن حتّى بلغ أطراف بوادي الشّام، فسمّته العرب حجازا لأنه حجز بين الغور- وهو هابط- وبين نجد- وهو ظاهر- فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيّه إلى أسياف البحر «١» من بلاد الأشعرين وعكّ «٢» وكنانة- ولم يذكر الجيهاني كنانة- وغيرها إلى ذات عرق والجحفة وما طابقها وغار من أرضها. قال الجيهاني: وما صار فيها وغار من أرضها الغور- غور تهامة- وتهامة تجمع ذلك كلّه. وصار ما دون ذلك الجبل في شرقيّه من الصحاري النجد إلى أرض العراق والسّماوة وما يليها، ونجد يجمع ذلك كلّه. وصار الجبل نفسه سراته، وهو الحجاز وما انحجز في شرقيّه من الجبال وانحاز ناحيته، فمرّ والجبلين إلى المدينة ومن بلاد مذحج تثليث وما دونها إلى ناحية فيد حجازا، والعرب تسمّيه نجدا وجلسا وحجازا، والحجاز يجمع ذلك كلّه. حدّ الحجاز السّويداء والمدينة أربعة وأربعون ميلا.
١٩٢ قالا: وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما العروض وما فيها نجد وغور أقربها من البحر والانخفاض ومواضع فيها مسائل وأودية، والعروض يجمع ذلك كلّه. وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء وما والاها من البلاد إلى حضر موت والشّحر وعمان اليمن، وفيها التهائم والنجود، واليمن يجمع ذلك كلّه. انتهى قولهما.
١٩٣ وقال الجيهاني دون يعقوب: (وهذا الجبل الذي يسمّى السراة مبدؤه من بلاد اليمن فيمتدّ حتّى يبلغ الشّام فتقطعه الأودية) «٣» ، فإذا انتهى إلى ناحية
стр. 135
نخلة كان منها (خيطى ويسوم) «١» ، وهما جبلان بنخلة. وكان يطلع منها إلى جبل العرفج وجبل العرس، والأشعر والأجرد جبلان من جبال جهينة، ولها أودية وشعاب كثيرة. وذكر عن عمر بن الخطّاب انّه قال لعتبة بن غزوان حين بعثه إلى البصرة: إذا قطعت أقصى أرض العرب وبلغت إلى أرض العجم فانزل. وكان مناخه بباب البيضاء.
١٩٤ وطول جزيرة العرب من آخر حدود الشّام وأوّل حدود الحجاز إلى عدن اثنان وخمسون مرحلة بسير الإبل، وذلك ألف وخمسمائة ميل، وعرضها من بحر جدّة إلى بحر الأبلّة على الاستقامة ثلاثون مرحلة بسير الإبل، وذلك ثلاثمائة «٢» ميل. وفي مواضع منها يختلف هذا الطول والعرض على حسب دخول البحر في أرضها «٣» وخروجها عنه ونزحه منها. واسم هذه الجزيرة في كتب الأوائل مقدّس، وذلك بإبيان منها وهبوب الرياح إليها، وتسمّيها اليونانيّون ... «٤» ، وتسمّيها العرب السّعيدة.
ذكر شيء من أخبار العرب العاربة والأمم الدّاثرة ومذاهبهم وديانتهم وسيرهم واعتقادهم
١٩٥ أمّا طسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح وجديس بن عابر بن إرم ابن سام فإنّهم ساروا ونزلوا البحرين واليمامة. واسم اليمامة جوف، إنّما سمّيت اليمامة بامرأة. فمكثوا كذلك برهة وبلادهم أفضل بلاد وأكثرها خيرا، حدائق ملتفّة
стр. 136
وقصور مصطفّة إلى أن غمطوا «١» النعمة وانتهكوا الحرمة، فملكهم رجل من طسم يقال له عملوق، فظلم وغشم لا ينهاه شيء عن هواه. فاختصمت إليه امرأة من جديس يقال لها هزيلة بنت مازن مع زوج قد فارقها في ابن لهما أراد أخذه منها، فتشاجرا في ذلك، وأمر الملك أن يؤخذ الولد منهما فيجعل في غلمانه، فقالت هزيلة في ذلك [طويل] :
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم أمرا في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكّمت لا متورّعا ... ولا فهما عند الحكومة عالما
ندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجي حائر الرأي نادما
فبلغ عملوق قول المرأة فغضب وأمر ألّا تتزوّج امرأة من جديس فتهدى إلى زوجها حتّى تحمل إليه فيفتضّها موجدة على النّساء. فلقوا في ذلك ذلّا عظيما طويلا حتّى تزوّجت الشّموس بنت غفار، وقيل: اسما غفيرة أخت الأسود بن غفار، وكان الأسود سيّدا في جديس. فلمّا كانت ليلة إهدائها حملت إلى عملوق ليطأها، ومعها القيان يغنّين ويقلن [رجز] :
ابدي بعملوق وقومي فاركبي ... وبادري الصّبح بأمر معجب
[فسوف تلقين الذي لم تطلبي] «٢» ... فما لبكر (عنده من مهرب) «٣»
١٩٦ فلمّا افتضّ عملوق غفيرة خرجت على قومها في دمها شاقّة جيبها «٤» عن قبلها ودبرها وهي تقول [رجز] :
لا أحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس؟
وأبت أن تمضي إلى زوجها وقالت تحرّض قومها [طويل] :
أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكمو عدد النمل
стр. 137
فإن أنتم لم تغضبوا «١» بعد هذه ... فكونوا نساء لا تفرّوا من الفحل «٢»
ودونكم طيب العروس وإنّما ... خلقتم لأثواب العروسة والكحل»
فلو أننا كنّا الرجال وكنتمو ... نساء لكنّا لا نقرّ على الذلّ
١٩٧ فلمّا سمعت جديس ذلك أنفت وغضبت واجتمعت إلى الأسود بن غفار، فأجمعوا أن يصنع الأسود لعملوق وأصحابه طعاما فيدعوهم إليه، فإذا جاؤوا متفضّلين في الحلل والنعال نهضوا إليهم بأسيافهم فأتوا عليهم. فقالت غفيرة لأخيها: الغدر عار وعاقبته بوار، صبّحوا القوم في ديارهم تظفروا بهم أو «٤» تموتوا كراما. فقالوا: الغدر أمكن من نواصيهم. فانقاد لمذهبهم واصطنعوا طعاما واخترطوا سيوفهم ودفنوها في الرمل. فلمّا توافى القوم إلى المائدة واستكملوا في المدعاة أتوا عليهم أجمعين، وهرب من طسم رجل من مرّة وهو رياح بن مرّة، فأتى حسّان بن تبّع فأعلمه غدر جديس بقومه واستعدائه عليهم، وكان من إيقاعه ما كان. وشهر «٥» وسبى نساءهم وصبيانهم، وهرب الأسود بن غفار حتّى نزل بديار طي، فأجاروه ونسله اليوم في طي.
١٩٨ وسار «٦» وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم بن سام إلى رمل عالج، وهي الأرض المعروفة بأرض وبار، فأهلكهم الله لما كان من بغيهم في الأرض
стр. 138
فانقرضوا. وسار «١» داسم «٢» بن عمليق بن لاوذ بن سام- وهم من العماليق- إلى أرض السّماوة، وهي بين العراق والشّام، فأهلكهم الله بالريح السّوداء لإفسادهم، فلم يبق منهم باقية. وكانت بلاد داسم الجولان وبلاد حوران «٣» والبثنيّة، وذلك بين دمشق وطبرية، وانقرضوا وأبادهم الله جميعهم. وكذلك بنو طخم بن إرم نزلوا الطائف فدثروا ببعض غوائل الدهر، وهم أول من وضع حروف المعجم.
١٩٩ فجميع العرب من أقطار الأرض من ولد عدنان بن قحطان، والعرب تزعم أنّ ديار وبار سكنتها الجنّ وحمتها من كلّ من أرادها، وكانت أخصب بلاد الله وأكثرها شجرا وأطيبها ثمرا، وإذا دنا أحد من تلك البلاد ساهيا أو متعمدا سفت الجنّ عليه سوافي الرمل وأثارت عليه الزوابع، فخبلوه وربّما قتلوه. وقال الشّاعر في ذلك [طويل] :
دعا جهلا «٤» لا يهتدى بمقيله ... من اللؤم حتّى يهتدي لوبار
فيزعمون أنه «٥» ليس بهذه الأرض إلّا الجنّ والجمال الوحشية، وهذا عند كثير من ذوي الحجاز باطل.
٢٠٠ والعرب تعتقد أن نفس الإنسان دمه والروح هو المحرّك له، ولذلك سمّوا المرأة نفساء لما يخرج منها من الدم. واختلف الفقهاء فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء، وقال تأبّط [شرّا] لخاله الشنفرى وقد سأله [عن قتيل قتله كيف كانت قصّته فقال] «٦» : ألحمته عضبا فسالت نفسه سكبا. واحتجّوا
стр. 139
أنّ الميّت لا ينبعث منه دم إلّا ما كان محقونا قبل موته. وقد زعم بعضهم أنّ النفس هي الهامة الطائر الذي يصدح على القبر، ولذلك قال بعض الشعراء في أصحاب الفيل [خفيف] :
سلّط الطير والمنون عليهم ... فلهم «١» في صدى المقابر هام
ويزعمون أنّها تعلّم الميّت بما يكون من شأنه بعده. قال أميّة [كامل] :
هامي تخبّرني بما تستشعروا ... فتجنّبوا الشّنعاء والمكروها
وقال توبة، وينسب إلى غيره [طويل] :
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فدلّ أنّ الصدى والهام تنزل إلى قبورهم وتصعد حتّى قال رسول الله ﷺ :
لا هام ولا صدى.
ذكر الغول
٢٠١ فأمّا الغول فثابت عندهم، وقد ذكر عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه شاهدها في بعض أسفاره وضربها بسيفه، وذلك قبل الإسلام. وقد زعم بعض المتفلسفين أنّه حيوان مشوّه لم تحكمه الطبيعة، فلمّا خرج منفردا في هيئته ونفسه توحّش في مسكنه، وهو بين الإنسان والحيوان البهيمي. وقد ذكر أهل الهند أنّ ذلك إنّما يظهر من فعل (ما كان) «٢» عائبا من الكواكب عند طلوعها، فيحدث رأس الغول عند طلوعه تماثيل وأشخاصا تظهر في الصحراء، فسمّيت غولا باسم الطالع وهي ثمانية وأربعون كوكبا. ويحدث طلوع الكلب وهو الشّعرى العبور داء في الكلاب، وسهيل في الجمال حتّى قيل إنّه لا يقع عليه عين جمل إلّا أهلكه.
стр. 140
٢٠٢ قال تأبّط شرّا في الغول [متقارب] :
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما جابت الكاعب الخيعلا
على إثر نار ينور بها «١» ... فبتّ لها مدبرا مقبلا
فأصبحت والغول لي «٢» جارة ... فيا جارتي «٣» أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها فالتوت ... بوجه تغوّل فاستغولا
فمن كان يسأل عن جارتي ... فإنّ لها باللوى منزلا
٢٠٣ وقد زعموا أنّ رجليها رجلا عير، والعرب ترتجز في الفيافي وتقول [رجز] :
يا رجل عير انهقي نهيقا ... لم نترك السّبسب والطّريقا
وذلك أنها تترأى لهم بالليل وأوقات الخلوة وتناديهم فيتوهّمون «٤» أنها إنسان فيتبعونها فتضلّهم. قال الشاعر [بسيط] :
وحافر عير في ساق خدلّجة
٢٠٤ وقد ذكر المصنّفون وهب بن منبّه وابن إسحاق وغيرهما أنّ الله خلق الجان من نار السّموم وخلق منه زوجته كما خلق حوّاء من آدم فغشيها فحملت وباضت إحدى وثلاثين بيضة، فمنها القطاربة وهي أمثال الهرّة «٥» ، والأباليس من بيضة زعيمهم الحارث أبو «٦» مرّة ومسكنهم البحور، والمردة من بيضة أخرى ومسكنهم الجزائر، والغيلان من بيضة أخرى ومسكنهم
стр. 141
الفلوات، والسّعالي من بيضة أخرى ومسكنهم الجبال، والنهاريس من بيضة أخرى ومسكنهم الحمّامات، والسّباطات والهوام من بيضة أخرى ومسكنهم الهواء في صور من الحيّات ذوات أجنحة.
ذكر النّسناس
٢٠٥ فأمّا النّسناس فيزعمون أنّه ببلاد حضر موت وأنّه كمثل نصف الإنسان بيد واحدة ورجل واحدة يثب وثبا ويعدو عدوا شديدا، وأنّه يغتذي بجميع النبات ويصبر على العطش. ويروون خبرا عن شيب بن شيبة بن الحارث التميمي قال: قدمت الشّحر فنزلت على زعيمها فتذاكروا النّسناس فقال:
استعدّوا فإنّا خارجون في قنصهم. فلمّا خرجنا ألظّ كلبان منهم بواحد وله وجه كوجه الإنسان وشعرات في ذقنه ورجلاه كرجلي الإنسان. قال: فجعل يعدو وهو يقول [رجز] :
الويل لي ممّا به دهاني ... دهري من الهموم والأحزان
قفا قليلا أيّها الكلبان ... إليكما حتّى تحارباني
ألفيتماني حاضرا عناني ... لو بي شباب ما ملكتماني
لكن قضاء الملك الرحمن ... يذلّ ذا العزّة والسّلطان «١»
فالتقيا به فأخذاه فعمدوا به إلى موضع فيه شجر فذبحوه. فقال قائل منهم من شجرة: سبحان الله ما أشدّ حمرة دمه. فقالوا: نسناس خذوه.
فأخذوه، فأجاب آخر من شجرة أخرى قال: لأنه كان يأكل السّمّاق.
قالوا: خذوه. فأخذوه، فقال آخر: لو سكت لم يعلم مكانه. فقالوا:
خذوه. فأخذوه، فقال آخر: أنا صامت. فقالوا: خذوه. فأخذوه، فقال
стр. 142
آخر: يا إنسان احفظ رأسك. فقالوا: خذوه. قال س: ورأيت أهل الشّحر وحضر موت يستطرفون أخبار النسناس ويتوهّمون أنّه ببعض البلاد، وهذا يدلّ على عدم كونه وأنّه من هوس العامّة كما وقع لهم خبر عنقاء مغرب.
ذكر عنقاء مغرب
٢٠٦ وأمّا عنقاء مغرب فرووا فيه حديث عروة عن عبد الله بن عبّاس ﵄ أنّه طائر فضّل به بنو إسرائيل ذكر وأنثى. فانتقل نسله بعد يوشع بن نون وانتشر إلى بلاد قيس عيلان بحدود الحجاز، فأذى الصبيان والولدان، فشكوا ذلك إلى خالد بن سنان، وكان بين عيسى ومحمّد ﷺ . فدعا الله أن يقطع نسل العنقاء فقطع الله نسلها وبقيت صورتها تصوّر في البسط.
وكان من أجمل طائر خلقه الله تعالى وأعظمها وكان وجهه على هيئة وجوه الناس. وقد ذهب ناس من أهل الروايات أنّ قولهم عنقاء مغرب إنّما هو للأمر العجيب والعنق السّرعة. وقد ذكر أنّ حنين «١» بن إسحاق حمل النسناس إلى المتوكّل، وكان أمره وغيره من الحكماء أن يوردوا عليه ما يأتي لهم من مثل هذا. قال: والخبر عن النسناس كالخبر عن الصبيني «٢» وغيره. والصحيح أنّ النسناس السّفلة من الناس والأرذال.
ذكر الهواتف
٢٠٧ فأمّا الهواتف فقد كانت كثرت في العرب واتّصلت بديارهم لا سيّما بين يدي مولد النبي ﷺ ، وهي أصوات مسموعة من غير رؤية متصوّت. وقد ذكر
стр. 143
جماعة أنّ ذلك من قبل التوحّد في القفار والتفرّد في الديار. والإنسان إذا توحّد توحّش، وإذا توحّش فكّر، وإذا فكّر وجل فداخلته الظنون الكاذبة والهموم السودانية الفاسدة، فوهّمته المحال «١» من الأصوات والأشخاص.
والعرب لا تختلف أنّ علقمة بن صفوان بن أميّة بن حجر الكندي جدّ مروان بن الحكم لأمّه قتلته الجنّ وأنّ شقّ اعترض له، فقال علقمة [رجز] :
شقّ ما لي ولك: اغمد عنّي منصلك: تقتل من لا يقتلك فقال شقّ [رجز] :
عننت أو عننت لك.. كيما أبيح مقتلك.. فاصبر لأمر حمّ لك «٢» فضرب كلّ واحد منهما صاحبه فخرّا ميّتين. وممّن قتلته الجنّ حرب ابن أميّة وربته (؟) الجنّ وقتلت مرداس بن أبي عامر والد العبّاس ابن مرداس وقتلت الغريض لشعر غنّاه كانت نهته عنه، وهذا متعارف عندهم مشهور.
٢٠٨ وقد ذكر أبو عبيدة عن منصور بن يزيد الطائي أنّ قبر حاتم طيّء حوله قدور حجارة عظيمة من بقايا قدوره التي كان يطعم فيها مكفّأة في نواحيه. وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة وعن شماله مثلهنّ محتجرات على قبره كالنائحات لم ير مثل بياض أجسامهنّ وجمال حسنهنّ، وربّما رآهنّ الرائي فيفتتن بهنّ ويميل إليهنّ، فإذا دنا منهنّ رأى حجارة. وهم يزعمون أنّها من عمل الجنّ، فهنّ بالنهار كما وصفوه، وإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجنّ بالنياحة عليه. قالوا: ونحن في منازلنا نسمع ذلك إلى طلوع الفجر.
стр. 144
وكان رجل يكنّى أبا الخيبري مرّ في نفر من أصحابه بقبر حاتم فجعل يناديه:
أبا الجعد اقرنا «١» . فقالوا له: تنادي رمّة بالية. فقال: إنّ طيّئا تزعم أنه لم ينزل به أحد إلّا قراه. فنزلوا فانتبه أبو الخيبري مذعورا ينادي:
ووا راحلتاه «٢» . فقال له أصحابه: ما بالك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسّيف وأنا أنظر حتّى نحر راحلتي. فنظروا فإذا بها منجدلة لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك. وظلّوا يأكلون لحمها شواء «٣» وطبيخا، ثمّ أردفوه «٤» وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعير يقود آخر قد لحقهم وقال:
أيّكم أبو الخيبري؟ قال الرجل: أنا. قال الراكب: أنا عديّ بن حاتم وإنّ حاتما جاءني الليلة فذكر أنّك استقريته واستبطيته وهو ينشدك [متقارب] :
أبا الخيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتّامها
أتيت بصحبك تبغي القرى ... لذي حفرة صدحت «٥» هامها
أتبغي لي الضيم عند المبيت ... وحولك طيء وأنعامها
فإنّا سنشبع «٦» أضيافنا ... ونأتي المطيّ فنعتامها
وقال الشّاعر في عديّ بن حاتم [طويل] :
أبوك أبو «٧» سباقة الخير لم يزل ... لدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا
ذكر القيافة والزجر
٢٠٩ والقيافة والزجر من خواصّ العرب فضلت بهما دون سائر الأمم. فأمّا ما يوجد من الزجر في الإفرنجة فإنّما أخذوه ممّن جاورهم من العرب في سالف الدهور، ويمكن أن يكونوا أخذوه ممّن جاورهم من العرب ببلاد الأندلس بعد ظهور
стр. 145
الإسلام، ولعلّ الله قد خصّ بالزجر أمّة غير العرب، والأوّل أشهر.
والقيافة من القفو وهو تتبّع «١» الأثر والبحث عليه والتنقير. وأصل ذلك أنّ الأشكال انفصلت في الصور (فتشكّلت وخصّت) «٢» الأجناس، ثمّ خصّت الطبيعة في كلّ نوع من الجنس بفصل «٣» أبانته من أغياره وكالطول في أزد شنوءة. فكذلك أيضا خصّت آحاد الأشخاص المنفصلة في الهيئة عن أقفارها، فالقائف [يقارب بين] «٤» الهيئات فيحكم للأقرب صورة. وكان نظر القائف إلى القدم لأنها نهاية الشّكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف أباه في سائر شكله لوافقه في القدم. وقد صدّق رسول الله ﷺ محرزا المدلجي وقال بالقيافة أكثر فقهاء الأمصار «٥» ، وأنكر جماعة منهم الحكم بها وحجّج الأوّلين خبر الملاعنة لمّا أتت به على النعت المكروه وخبر بن وليد زمعه (؟) وغير ذلك. واحتجّ الآخرون بإلحاق النبي ﷺ الصبي بأبيه الذي شكّ فيه لمّا ولد أسود حين قال: ولعلّ عرقا نزعه على ما سنورده.
٢١٠ والكهانة في اليمن خصوصا والقيافة والزجر في نزار ورثوها عن آبائهم على ما سنورده. ثمّ خصّت بنو أسد بالزجر وبنو مدلج بالقيافة، وقد قفت القافة بقريش أثر رسول الله ﷺ وأبي بكر على الحجر الصلد والجبل الجرد وحيث لا تكنس الأقدام في رمل ولا تراب حتّى انتهوا إلى باب الغار، فحجبهم الله عنهم بما كان من نسج العنكبوت وبما «٦» سفت عليه الرياح «٧» . وبلاد الجفار بين مصر والشّام بها «٨» أناس من العرب يتّخذونهم الولاة يقصّون آثار الناس فيخبرونهم بالآثار أيّ ناس هم ممّن طرق «٩» تلك البلاد، وهم إنّما عاينوا الآثار لا القدم، وهذا حسّ دقيق ومعنى لطيف.
следующие страницы →