← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفلوات، والسّعالي من بيضة أخرى ومسكنهم الجبال، والنهاريس من بيضة أخرى ومسكنهم الحمّامات، والسّباطات والهوام من بيضة أخرى ومسكنهم الهواء في صور من الحيّات ذوات أجنحة. ذكر النّسناس ٢٠٥ فأمّا النّسناس فيزعمون أنّه ببلاد حضر موت وأنّه كمثل نصف الإنسان بيد واحدة ورجل واحدة يثب وثبا ويعدو عدوا شديدا، وأنّه يغتذي بجميع النبات ويصبر على العطش. ويروون خبرا عن شيب بن شيبة بن الحارث التميمي قال: قدمت الشّحر فنزلت على زعيمها فتذاكروا النّسناس فقال: استعدّوا فإنّا خارجون في قنصهم. فلمّا خرجنا ألظّ كلبان منهم بواحد وله وجه كوجه الإنسان وشعرات في ذقنه ورجلاه كرجلي الإنسان. قال: فجعل يعدو وهو يقول [رجز] : الويل لي ممّا به دهاني ... دهري من الهموم والأحزان قفا قليلا أيّها الكلبان ... إليكما حتّى تحارباني ألفيتماني حاضرا عناني ... لو بي شباب ما ملكتماني لكن قضاء الملك الرحمن ... يذلّ ذا العزّة والسّلطان «١» فالتقيا به فأخذاه فعمدوا به إلى موضع فيه شجر فذبحوه. فقال قائل منهم من شجرة: سبحان الله ما أشدّ حمرة دمه. فقالوا: نسناس خذوه. فأخذوه، فأجاب آخر من شجرة أخرى قال: لأنه كان يأكل السّمّاق. قالوا: خذوه. فأخذوه، فقال آخر: لو سكت لم يعلم مكانه. فقالوا: خذوه. فأخذوه، فقال آخر: أنا صامت. فقالوا: خذوه. فأخذوه، فقال

стр. 142

آخر: يا إنسان احفظ رأسك. فقالوا: خذوه. قال س: ورأيت أهل الشّحر وحضر موت يستطرفون أخبار النسناس ويتوهّمون أنّه ببعض البلاد، وهذا يدلّ على عدم كونه وأنّه من هوس العامّة كما وقع لهم خبر عنقاء مغرب. ذكر عنقاء مغرب ٢٠٦ وأمّا عنقاء مغرب فرووا فيه حديث عروة عن عبد الله بن عبّاس ﵄ أنّه طائر فضّل به بنو إسرائيل ذكر وأنثى. فانتقل نسله بعد يوشع بن نون وانتشر إلى بلاد قيس عيلان بحدود الحجاز، فأذى الصبيان والولدان، فشكوا ذلك إلى خالد بن سنان، وكان بين عيسى ومحمّد ﷺ . فدعا الله أن يقطع نسل العنقاء فقطع الله نسلها وبقيت صورتها تصوّر في البسط. وكان من أجمل طائر خلقه الله تعالى وأعظمها وكان وجهه على هيئة وجوه الناس. وقد ذهب ناس من أهل الروايات أنّ قولهم عنقاء مغرب إنّما هو للأمر العجيب والعنق السّرعة. وقد ذكر أنّ حنين «١» بن إسحاق حمل النسناس إلى المتوكّل، وكان أمره وغيره من الحكماء أن يوردوا عليه ما يأتي لهم من مثل هذا. قال: والخبر عن النسناس كالخبر عن الصبيني «٢» وغيره. والصحيح أنّ النسناس السّفلة من الناس والأرذال. ذكر الهواتف ٢٠٧ فأمّا الهواتف فقد كانت كثرت في العرب واتّصلت بديارهم لا سيّما بين يدي مولد النبي ﷺ ، وهي أصوات مسموعة من غير رؤية متصوّت. وقد ذكر

стр. 143

جماعة أنّ ذلك من قبل التوحّد في القفار والتفرّد في الديار. والإنسان إذا توحّد توحّش، وإذا توحّش فكّر، وإذا فكّر وجل فداخلته الظنون الكاذبة والهموم السودانية الفاسدة، فوهّمته المحال «١» من الأصوات والأشخاص. والعرب لا تختلف أنّ علقمة بن صفوان بن أميّة بن حجر الكندي جدّ مروان بن الحكم لأمّه قتلته الجنّ وأنّ شقّ اعترض له، فقال علقمة [رجز] : شقّ ما لي ولك: اغمد عنّي منصلك: تقتل من لا يقتلك فقال شقّ [رجز] : عننت أو عننت لك.. كيما أبيح مقتلك.. فاصبر لأمر حمّ لك «٢» فضرب كلّ واحد منهما صاحبه فخرّا ميّتين. وممّن قتلته الجنّ حرب ابن أميّة وربته (؟) الجنّ وقتلت مرداس بن أبي عامر والد العبّاس ابن مرداس وقتلت الغريض لشعر غنّاه كانت نهته عنه، وهذا متعارف عندهم مشهور. ٢٠٨ وقد ذكر أبو عبيدة عن منصور بن يزيد الطائي أنّ قبر حاتم طيّء حوله قدور حجارة عظيمة من بقايا قدوره التي كان يطعم فيها مكفّأة في نواحيه. وعن يمين قبره أربع جوار من حجارة وعن شماله مثلهنّ محتجرات على قبره كالنائحات لم ير مثل بياض أجسامهنّ وجمال حسنهنّ، وربّما رآهنّ الرائي فيفتتن بهنّ ويميل إليهنّ، فإذا دنا منهنّ رأى حجارة. وهم يزعمون أنّها من عمل الجنّ، فهنّ بالنهار كما وصفوه، وإذا هدأت العيون ارتفعت أصوات الجنّ بالنياحة عليه. قالوا: ونحن في منازلنا نسمع ذلك إلى طلوع الفجر.

стр. 144

وكان رجل يكنّى أبا الخيبري مرّ في نفر من أصحابه بقبر حاتم فجعل يناديه: أبا الجعد اقرنا «١» . فقالوا له: تنادي رمّة بالية. فقال: إنّ طيّئا تزعم أنه لم ينزل به أحد إلّا قراه. فنزلوا فانتبه أبو الخيبري مذعورا ينادي: ووا راحلتاه «٢» . فقال له أصحابه: ما بالك؟ قال: خرج حاتم من قبره بالسّيف وأنا أنظر حتّى نحر راحلتي. فنظروا فإذا بها منجدلة لا تنبعث، فقالوا: قد والله قراك. وظلّوا يأكلون لحمها شواء «٣» وطبيخا، ثمّ أردفوه «٤» وانطلقوا سائرين، فإذا راكب بعير يقود آخر قد لحقهم وقال: أيّكم أبو الخيبري؟ قال الرجل: أنا. قال الراكب: أنا عديّ بن حاتم وإنّ حاتما جاءني الليلة فذكر أنّك استقريته واستبطيته وهو ينشدك [متقارب] : أبا الخيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتّامها أتيت بصحبك تبغي القرى ... لذي حفرة صدحت «٥» هامها أتبغي لي الضيم عند المبيت ... وحولك طيء وأنعامها فإنّا سنشبع «٦» أضيافنا ... ونأتي المطيّ فنعتامها وقال الشّاعر في عديّ بن حاتم [طويل] : أبوك أبو «٧» سباقة الخير لم يزل ... لدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا ذكر القيافة والزجر ٢٠٩ والقيافة والزجر من خواصّ العرب فضلت بهما دون سائر الأمم. فأمّا ما يوجد من الزجر في الإفرنجة فإنّما أخذوه ممّن جاورهم من العرب في سالف الدهور، ويمكن أن يكونوا أخذوه ممّن جاورهم من العرب ببلاد الأندلس بعد ظهور

стр. 145

الإسلام، ولعلّ الله قد خصّ بالزجر أمّة غير العرب، والأوّل أشهر. والقيافة من القفو وهو تتبّع «١» الأثر والبحث عليه والتنقير. وأصل ذلك أنّ الأشكال انفصلت في الصور (فتشكّلت وخصّت) «٢» الأجناس، ثمّ خصّت الطبيعة في كلّ نوع من الجنس بفصل «٣» أبانته من أغياره وكالطول في أزد شنوءة. فكذلك أيضا خصّت آحاد الأشخاص المنفصلة في الهيئة عن أقفارها، فالقائف [يقارب بين] «٤» الهيئات فيحكم للأقرب صورة. وكان نظر القائف إلى القدم لأنها نهاية الشّكل وغاية الهيئة، والولد لو خالف أباه في سائر شكله لوافقه في القدم. وقد صدّق رسول الله ﷺ محرزا المدلجي وقال بالقيافة أكثر فقهاء الأمصار «٥» ، وأنكر جماعة منهم الحكم بها وحجّج الأوّلين خبر الملاعنة لمّا أتت به على النعت المكروه وخبر بن وليد زمعه (؟) وغير ذلك. واحتجّ الآخرون بإلحاق النبي ﷺ الصبي بأبيه الذي شكّ فيه لمّا ولد أسود حين قال: ولعلّ عرقا نزعه على ما سنورده. ٢١٠ والكهانة في اليمن خصوصا والقيافة والزجر في نزار ورثوها عن آبائهم على ما سنورده. ثمّ خصّت بنو أسد بالزجر وبنو مدلج بالقيافة، وقد قفت القافة بقريش أثر رسول الله ﷺ وأبي بكر على الحجر الصلد والجبل الجرد وحيث لا تكنس الأقدام في رمل ولا تراب حتّى انتهوا إلى باب الغار، فحجبهم الله عنهم بما كان من نسج العنكبوت وبما «٦» سفت عليه الرياح «٧» . وبلاد الجفار بين مصر والشّام بها «٨» أناس من العرب يتّخذونهم الولاة يقصّون آثار الناس فيخبرونهم بالآثار أيّ ناس هم ممّن طرق «٩» تلك البلاد، وهم إنّما عاينوا الآثار لا القدم، وهذا حسّ دقيق ومعنى لطيف.

стр. 146

٢١١ ولمّا حضرت نزار الوفاة قال لإياد: هذه الجارية- لجارية له شمطاء- وما أشبهها لك. ودعا أنمار وهو في مجلس له فأعطاه بدرة وقال: هذه البدرة والمجلس لك وما أشبههما لك. ودعا ربيعة فأعطاه خباء له أسود من شعر فقال: هذا وما أشبهه لك. وأعطى مضرا قبّة حمراء فقال له: هذه وما أشبهها لك. ثمّ قال: وإن أشكل عليكم شيء فاتوا الأفعى الجرهمي، وكان ملك نجران. فلمّا مات ركبوا رواحلهم يريدون الأفعى، فلمّا كانوا من نجران على يوم إذا «١» هم بأثر بعير. قال إياد: هذا أثر بعير أعور. قال أنمار: وإنّه لأبتر. قال ربيعة: وإنّه لأزور. قال مضر: وهو شرود لا يستقرّ. فلم يلبثوا أن رفع لهم راكب، فلمّا غشيهم قال لهم: هل رأيتم من بعير ضالّ؟ فوصفوه له. قال: إنّ هذه لصفته عينا، فأين بعيري؟ قالوا: ما رأيناه. قال: أنتم أصحاب بعيري وما أخطأتم من نعته شيئا. فلمّا أناخوا بباب الأفعى واستأذنوا عليه فأذن لهم صاح الرجل بالباب فدعا به الأفعى فقال له: ما تقول؟ قال: أيّها الملك ذهب هؤلاء ببعيري. فسألهم الأفعى عن شأنه فأخبروه. فقال لإياد ما يدريك أنّه أعور؟ قال: قد رأيته قد لحس الكلأ من شقّ والشّقّ الآخر وافر، (فعلمت أنّه أعور) «٢» . وقال أنمار: رأيته يرمي ببعره مجتمعا، ولو كان أهلب لمصع به، فعلمت أنه أبتر. وقال ربيعة: إحدى رجليه ثابتة والأخرى فاسدة، فعلمت أنّه أزور. قال مضر: رأيته يرعى الشّقة من الأرض ثمّ يتعدّاها فيمرّ بالكلإ الفضّ فلا ينهش منه شيئا، فعلمت أنّه شرود. فقال الأفعى: صدقتم وليسوا بأصحابك، التمس بعيرك. ثمّ سألهم الأفعى عن نسبهم فأعلموه فرحّب بهم وحيّاهم، ثم قصّوا عليه قصّة أبيهم فقال: فكيف تحتاجون إليّ وأنتم على ما أرى؟ قالوا: ما أمرنا بذلك أبونا. فأمر خادم دار الضيافة «٣» أن يحسن إليهم ويكرمهم وأمر وصيفا له أن يلزمهم وينتقد كلامهم. فأتاهم القهرمان بشهد فأكلوا وقالوا:

стр. 147

ما رأينا شهدا أعذب ولا أحسن منه. قال إياد: صدقتم لولا أنّ نحله صنعته في هامة جبّار. ثم جاءهم بشاة مشوية فأكلوا واستطابوها فقال أنمار: صدقتم لولا أنّها غذيت بلبن كلبة. ثم جاءهم الشراب فاستحسنوه فقال ربيعة: صدقتم لولا أنّ كرمه نبت على قبر. ثم قالوا: ما رأينا منزلا أكرم قرى ولا أخصب رحلا من هذا الملك. قال مضر: صدقتم لولا أنّه لغير أبيه. ٢١٢ فذهب الغلام إلى الأفعى فأعلمه. فدخل الأفعى على أمّه فقال: أقسمت عليك إلّا أخبرتني من أبي. فقالت: أي بنيّ أنت ابن الأفعى الأعظم. قال: حقّا لتصدّقيني. فلمّا ألحّ عليها قالت: أي بنيّ إنّ الأفعى كان شيخا كبيرا قد أثقل فخشيت أن يخرج هذا الأمر عنّا أهل البيت، وكان عندنا شابّ من أبناء الملوك اشتملت عليك منه. ثمّ بعث إلى القهرمان فقال: أخبرني عن الشهد الذي قدمته إلى هؤلاء النفر ما خطبه. قال: جزنا بدير في طيف فيه عظام نخرة، وإذا النحل قد عسلت في جمجمة من تلك العظام، فأمرت باستزباده فأتوا بعسل لم ير مثله قطّ، فقدّمته إليهم لجودته. ثمّ بعث إلى صاحب مائدته فقال: ما هذه الشاة التي أطعمتها هؤلاء النفر؟ فقال: إنّي بعثت إلى الراعي أن يبعث إليّ بأسمن ما عنده فبعث بها، فسألته عنها فقال: إنّها أول ما ولدت من غنمي، فماتت أمّها وأنست السّخلة بجراء كلبة ترضع معهم، فلم أجد في غنمي مثلها فبعثت بها إليك. ثمّ بعث إلى صاحب الشّراب فسأله عن شأن الخمر فقال: هي كرمة غرستها على قبر أبيك، فليس في بلاد العرب مثل شرابها. فعجب الأفعى من القوم وقال: ما هم إلّا شياطين. ثمّ أحضرهم فسألهم عن وصية أبيهم، فقال إياد: جعل لي جارية شمطاء وما أشبهها من ماله. فقال الأفعى: إنّه إن ترك غنما برشاء فهي لك ورعاتها مع الخادم. فقال أنمار: جعل لي بدرة ومجلسه وما أشبههما من ماله. فقال الأفعى: لك ما ترك أبوك من الرقّة والأرض. وقال ربيعة: جعل لي بيتا أسود وما أشبهه. فقال الأفعى: إن ترك أبوك خيلا دهماء وسلاحا فهي

стр. 148

لك وما فيها من عبيد. فقيل ربيعة الفرس. وقال مضر: جعل لي قبّة حمراء وما أشبهها. فقال: إنّ أباك ترك إبلا حمراء، فهي لك وما أشبهها. فقيل مضر الأحمر. فكانوا كذلك زمانا إلى أن أصابتهم سنة فأهلكت الشّاء وعامّة الإبل وذهبت بالرقّة والمتاع، فكان ربيعة يغزو على خيله وبعيره ويعول إخوته. ٢١٣ وكان سبب تحوّل أنمار إلى اليمن أنّه تعرّق عظما في جنح الليل، ثمّ رمى به وهو لا يبصر، فانغرز في عين مضر ففقأها، وصاح مضر وتشاغل إخوته به وجرّد أنمار بعيرا من كرائم إبله فلحق بأرض اليمن. ٢١٤ ومن عجيب الزمان خبر عبيد الراعي لمّا خرج في ركب من قومه يريدون رئيس بني أسد، فسنحت لهم ظباء سنوحا منكرا، ثم اعترضت «١» الركب مقصّرة في حضرها واقفة عن شأوها، فأنكر ذلك عبيد فلم يأبه أصحابه لما كان السّانح عندهم محمودا، فقال عبيد [طويل] : ألم تدر ما قال الظباء السّوانح ... أطفن «٢» أما الركب والركب رائح فكبّر «٣» من لم يعرف الزجر منهم ... وأيقن قلبي أنهن نوائح

стр. 149

ذكر الكهانة ٢١٥ أمّا الكهانة فلم تخل «١» أمّة إلّا قد كانت فيها كهانة، وهي من الأمور المثبوتة غير المرفوعة في جميع الأمم. فزعم اليونانيّون أنّ النفس إذا صفت اطّلعت على أسرار الطبيعة وما تريد «٢» أن يكون منها، لأنّ ظهور الأشياء عندهم في النفس الكلّيّة، ولذلك كان فيتاغورس «٣» يعلم علوما من الغيب وضروبا من الوحي، وهم يعرفون هذه الطائفة بالروحانية. وهذه علّة النبوّة عند الصّابئة، ولذلك كان عندهم هرمس وأورياسيس «٤» وغيرهما أنبياء. وذهبت طائفة [إلى] أنّ سبب الكهانة الوحي الفلكي وأنّ ذلك في المولد عند ثبوت عطارد على شرفه. وكان سائر الدراري في عقود «٥» متساوية وأرباع «٦» متكافية ومناظر متوازية «٧» ، فيجب حينئذ لصاحب المولد التكهّن. وذهب كثير إلى أنّ كون ذلك في القرانات الكبار ولعلل ذكروها، وادّعى قوم أنّ الأرواح المنفردة «٨» من الجنّ تخبرهم بالأشياء قبل كونها وأنّ أرواحهم لمّا صفت صارت لتلك الأرواح من الجنّ موافقة. وقول الشرعيّين إنّ الشياطين تسترق السّمع وتلقيه على ألسنة الكهّان. وزعم كثير ممّن تقدّم أنّ النفس إذا هي قويت وزادت قهرت الطبيعة وغلب القسم النفسي القسم الجسدي، فأباحت للإنسان كلّ سرّ لطيف وخبّرته بكلّ معنى شريف. ٢١٦ ولذلك وجد الكهّان من نقصان الجسم وتشويه الخلق ما يوجدون عليه كشقّ

стр. 150

الأنماري وسطيح الغسّاني واسمه ربيع بن ربيعة وسملقة وزوبعة «١» الكاهنين وعمران أخي عمرو بن عامر مزيقيا وحارثة جهينة وكاهنة باهلة. وقد كان سطيح يدرّج جسده كما يدرّج الثوب «٢» خلا جمجمة رأسه، (وكانت جمجمته) «٣» إذا لمست باليد أثّرت فيها للين عظمها. وشقّ هذا الأنماري هو غير شقّ الأوّل، وشقّ الأوّل هو [ابن] حويل بن إرم بن سام بن نوح، وهو أوّل كاهن كان في العرب. وإرم أبو الجبابرة من عاد وثمود وجديس وطسم وغيرهم، ويقال إنّه كانت له عين واحدة في جبهته. ويقال إنّ الدجّال من ولده، ويقال: بل هو الدجّال بعينه أنظره الله إلى الوقت المعلوم وهو محبوس في بعض الجزائر، ويقال إنّ الشياطين تأتيه بما يأكله، ويقال إنّه لا يحتاج إلى غذاء، وقيل إنّ أمّه امرأة من الجنّ تعشّقت أباه حويل فتزوّجها وأولدها الدجّال. واسمه خوص بن حويل، وهو مشوّه مبذول، وكان إبليس يعمل له العجائب. فلمّا كان وقت سليمان بن داود ﵉ دعاه فلم يجبه فحبسه في جزيرة في البحر. ويقال إنّه كان له أخ فاستهوته الجنّ لما كانت أمّه منهم، وإنّه ملك بوار التي غلبت عليها «٤» الجنّ وهي من مدائن العرب، وإنّ الجنّ في طاعته. وقيل إنّ مجلسه كان في قبّة بوادي برهوت في اليمن فكانوا يحجّون إليه، وإنّه لم ينم قطّ وكانوا يرون بين عينيه نارا بيضاء، وموضعه الذي هو فيه مسجون أنّه يعلو مكانه بالنهار دخّان وبالليل نار مضيئة. ٢١٧ ومذهبهم أنّ النفس لا يحويها البدن، وإذا بطلت أفعالها من البدن لم تبطل هي في ذاتها. والروح يحويه البدن، فإذا فارق البدن بطل. وفي هذا تنازع كثير واختلاف، وليس هذا موضع استقصائه. وسبب صدق الرؤيا عندهم من هذا لأنّ النفس تخلص في المنام من شوائب الأجسام فتشاهد

стр. 151

الأشخاص «١» بالقوّة الروحانية لا بالقوّة الجسمانية، فمن كانت نفسه صافية لم تكن رؤياه تكذب، ثمّ تكون الرؤيا وسائط بقدر مراتب النفس من الصفاء والكذب. ذكر العرّاف ٢١٨ فأمّا العرّاف فهو دون الكاهن مثل الأبلق الأسدي والأجلح الزهري ورياح بن كملة «٢» عرّاف اليمامة الذي يقول «٣» فيه الشّاعر [طويل] : فقلت لعرّاف اليمامة داوني ... فإنّك إن داويتني لطبيب وكان أوّل من «٤» تكهّن سطيح الغسّاني بأمر سيل العرم وأنذر به قومه. ولم تزل أرض سبأ من أخصب أرض وأهلها في أرغد عيش، وكانت مسيرة شهر للمجدّ الراكب في مثل ذلك، وكان المارّ يسير (في تلك الجنان) «٥» من أوّلها إلى آخرها لا تواجهه الشّمس ولا يفارقه الظلّ مع تدفّق الماء وصفاء الهواء واتّساع الفضاء. فمكثوا كذلك ما شاء الله لا يعاندهم «٦» ملك إلّا قصموه ولا يعارضهم جبّار إلّا كسروه، وكانت سمة الذي يتملّك هذا البلد مأرب واشتهر البلد باسمه. قال الشّاعر [منسرح] : من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما وقيل إنّ مأرب سمة لقصر ذلك الملك في صدر الزمان. قال أبو الطمحان [طويل] : ألم تروا مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان

стр. 152

٢١٩ وكانت أرض سبأ في بدء الزمان عامرة (تركبها السّيول) «١» وتغمّها الوحول، فجمع ملك من ملوك حمير الحكماء وأحضر البصراء وشاورهم في دفع ذلك الماء وحصره وإزالة ما كان من أمره. فأجمعوا على حفر مصارف له إلى جدار تؤدّيه إلى البحر، فحشد الملك أهل مملكته حتّى صرف الماء واتّخذ له سدّا في الموضع الذي كان فيه بدء جريان الماء من الجبل إلى الجبل، وذلك نحو فرسخ، رصفه بالبنيان والحجارة والحديد وجعل فيه ثلاثين مخراقا للماء في استدارة الذراع على أصحّ هندسة وأكمل تقدير يجتذبون «٢» منها مقدارا من الماء معلوما وشربا للأرض مقسوما. ٢٢٠ قال ابن وهب: بعث الله اثني عشر نبيّا، وكان من بعث عليه سيل العرم منهم يعبدون الشمس، فأرسل الله إليهم رسلا يدعونهم إلى الحقّ ويزجرونهم عن الباطل ويذكّرونهم آلاء «٣» الله تعالى، فأنكروا نعمة الله وقالوا: إن كنتم صادقين فادعوا الله أن يسلبنا ذلك حتّى قالت امرأة منهم [رجز] : إن كان ما نصبح في ظلاله ... من ربّكم فلينطلق بماله إليه عنّا وإلى عياله فدعت عليهم الرسل، فأرسل الله عليهم سيل العرم بفأرة خرقت ذلك السّدّ المحكم والصخر المنضمّ ليكون أثبت في العبرة وأبين في الحجّة، وأباد الله حضرهم «٤» وأذهب أموالهم ومزّقهم كلّ ممزّق وباعد بين أسفارهم. ففي ذلك يقول الأعشى [متقارب] :

стр. 153

ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفّى عليه العرم رخام بنته لهم «١» حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم فأروى الحروث وأعنابها ... على سعة ماؤها قد قسم فكانوا كذلك في خفية ... فمال بهم جارف منهدم فصاروا أباديد ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فطم ٢٢١ وكان سطيح وعمران بن عامر أخوا مزيقيا وطريفة الكاهنة ينذرون مزيقيا بذلك، وطريفة امرأة من أهل ردمان. فكان عمرو مزيقيا يقول لطريفة: وما آية ذلك؟ فتقول: إذا رأيت جرذا يكثر بيديه في السّدّ الحفر ويقلّب برجليه الصخر فاعلم أنّه قد اقترب الأمر. فيقول: وما هذا الأمر؟ فتقول «٢» : وعد من الله نزل ونكال بنا نكل، فبغيرك «٣» يا عمرو فليكن الثكل. وكان عمرو يحرس السّدّ حتّى رأى به يوما جرذا يقلّب بيديه صخرة ما يقلّبها خمسون رجلا، فرجع وهو يقول [رجز] : أبصرت أمرا هاج لي برج السقم ... من جرذ كفحل خنزير أحم له مخاليب وأنياب فطم ... يسحب فهرا من جلاميد العرم ما فاته سجلا من الصخر قصم ... كأنّها تقرض قطعا «٤» من أرم ٢٢٢ فأجمع عمرو على الخروج من سبأ وبيع ماله بها وأعمل الحيلة في أن لا ينكر الناس ذلك منه، فقال لابنه: إنّي صانع طعاما وادع إليه أهل مأرب فاجلس عندي ونازعني الحديث واردد عليّ مثل ما أقول لك. ففعل ذلك وتشاتما «٥» وصاح عمرو: وأذلّاه يوم ينجد «٦» عمرو وصبي. وحلف لا

стр. 154

يقيم ببلد صنع به ذلك فيه، فجعل يبيع أمواله، فقال بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه «١» قبل أن يرضى. فلمّا اجتمع لعمرو أمواله أخبر الناس بسيل العرم، فأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران الكاهن أخو مزيقيا: سأصف لكم البلدان فاختاروا أيّها شئتم، من كان منكم ذا همّ بعيد وجمل غير شديد فليلحق بالشعب من كرود «٢» . فلحق به همدان ووداعة دخلت فيهم. قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر على أزمات الدهر فليلحق ببطن مرّ. فلحقت به خزاعة وهم بنو عمرو بن يحيى انخزعت هناك من إخوتها. ولذلك يقول حسّان [طويل] : ولمّا هبطنا بطن مرّ تخزّعت ... خزاعة منّا في حلول كراكر وهم ملك وملكان بنو أفصى «٣» بن حارثة بن عمرو مزيقيا. قال: ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل. فنزلها الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو. وقال: ومن كان منكم يريد الخمر والخمير والديباج والحرير والأمر والتأمير فليلحق ببصرى وجمير- وهي من أرض الشّام. فنزلها غسّان. وقال الزبير بن بكّار إنّه قال: من كان يريد خمرا وخميرا وبرّا وشعيرا وذهبا وحريرا فلينزل بصرى وسريرا. وزاد أنّه قال: من كان ذا جمل رفق وهو راض بدقّ فليلحق بأرض شقّ. فلحق عمران ابن عامر بعمّان، وبها يومئذ شقّ غسّان وهم جفنة والحارث وعوف وكعب وملك والنعمان بنو عمرو بن عامر، ومعهم عمرو بن عامر أبوهم وبنو مازن والأزد، وسمّوا غسّان لأنهم نزلوا على ماء بين الأشعرين وعمك يقال له غسّان فنسبوا إليه. قال شاعرهم [بسيط] : أما سألت فإنّا معشر نجب ... الأزد نسبتنا «٤» والماء غسّان قال الكاهن: ومن كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيول العتاق والذهب والأرزاق فليلحق بالعراق. فلحق بها بكر بن مالك بن فهم الأزدي وهم من كان بالحيرة من غسّان.

стр. 155

القول في مذاهب العرب وغيرها ٢٢٣ قال أبو عبيد: فأمّا مذاهب العرب وغيرها في عبادة الأصنام على صور الملائكة، فعبدوها وقّربوا إليها القرابين. وذهبت فرقة إلى أنّ الكواكب أقرب الأجسام في المرتبة إلى الله وأنّها حيّة ناطقة «١» وأنّ الملائكة تختلف فيما بين الله وبينها، وأنّ كلّ ما يحدث في العالم فإنّه على قدر ما تجري به الكواكب، وقرّبوا لها القرابين لتنفعهم. فلمّا رأوها تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل وبعض الأزمان جعلوا لها أصناما وتماثيل على صورها، وبنوا لذلك البيوت والهياكل وسمّوها بأسماء الكواكب الى أنّهم إذا عظموا من ذلك شيئا تحرّكت لهم «٢» الأجسام العلوية بكلّ ما يريدون. فيقول الله حكاية عنهم: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ الآية «٣» . ذكر معبودات العرب وعلّة عبادتهم للأصنام ٢٢٤ قال: وذكر أنّ ابتداء عبادة العرب الأصنام هو أنّ عمرو بن لحي «٤» خرج من مكّة إلى الشّام، فلمّا قدم مأرب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، رآهم يعبدون الأصنام، فسألهم فأعلموه أنّهم يستمطرون بها ويستنصرون بها فتنصرهم «٥» . فسألهم إيّاها فأعطوه هبل صنم، فقدم به مكّة فنصبه وأمر بعبادته. وقيل: أوّل ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل لأنّ الرجل

стр. 156

منهم كان إذا ظعن من مكّة حمل مع نفسه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم، فحيثما نزل طاف به كالكعبة حتّى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه وصاروا يعبدون ما استحسنوه من الحجارة، فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالة. ٢٢٥ فقد كانت لقوم نوح أصنام يعكفون عليها كما قال الله . وقيل: علّة ذلك أنّ إسافا ونائلة كانا رجلا «١» وامرأة من جرهم، فجرا في الكعبة فمسخهما الله. وذكرت علّة رابعة: أنّ أوّل صنم عبد من دون الله ودّ، وذلك أنّ ودّا رجل مسلم من أهل بابل، وكان محبّبا في قومه. فلمّا مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه. فلمّا رآى إبليس جزعهم عليه تشبّه في صورة إنسان وقال: أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم في أن أصوّر لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم. فصنع لهم تمثالا جعلوا يقبلون عليه ويذكرونه حتّى اتّخذ كلّ واحد منهم تمثالا مثله في منزله يعظّمه ويتبرّك به، ثمّ تناسلوا على ذلك. القول في البيوت المعظّمة في الجاهلية ٢٢٦ وقد ذهب قوم إلى أنّ البيت الحرام هو بيت زحل، ولذلك طال مقامه معظّما على مرور الدهور لأنّ زحل من شأنه البقاء والثبوت. وذكروا أمورا أعرضنا عن ذكرها منها استعمال التفث والشّعث عند حجّه وغير ذلك.

стр. 157

٢٢٧ والبيت الثاني من السّبعة بيت على رأس جبل إصبهان على ثلاثة فراسخ منها يقال له «١» ماربين «٢» وكانت فيه أصنام، فجعله يستاسف بيت النار لمّا تمجّس وهو معظّم عند المجوس إلى هذه الغاية. ٢٢٨ والبيت الثالث من السّبعة ببلاد الهند يدعى مندوسان «٣» فيه من القوى الدافعة والجاذبة والمنفّرة أوصاف لا يسع ذكرها، وهو بيت مشهور، ومن أراد البحث عليه «٤» فليبحث. ٢٢٩ والبيت الرابع من السّبعة هو النوبهار الذي بناه منوشهر الهندي بمدينة «٥» بلخ من خراسان بنيت «٦» على اسم القمر، وكان من يلي سدانته يعظّمه الملوك وتنقاد إليه وتحمل إليه الأموال. واسم الذي يلي سدانته برمك وبه سمّيت البرامكة لأنّ خالدا كان من ولد من ولي هذا البيت. وكان بنيانه من أعلى المباني تشييدا ينصب في أعلاه شقائق الخزّ الأخضر طول الشّقّة مائة ذراع لتدفع عنه قوّة الريح، فخطف الريح يوما بعض تلك الشّقائق فرمت به على مسافة خمسين فرسخا، وهذا يدلّ على ذهابه في الجوّ. وعلى باب النوبهار كتاب بالفارسية فيه: قال بوداسف «٧» : أبواب الملوك تحتاج إلى خصال ثلاث: عقل وصبر ومال. وتحت هذه الكتابة مكتوب بالعربية: كذب

стр. 158

بوداسف «١» ، الواجب على الحرّ إذا كانت «٢» معه واحدة من هذه الخصال ألّا يلزم باب السّلطان. ٢٣٠ والبيت الخامس بيت غمدان الذي بمدينة صنعاء، وكان الضحّاك بناه على اسم الزّهرة وخربه عثمان، فهو في وقتنا هذا خراب وقد صار تلّا عظيما وجبلا ضخما. وكان الوزير علي بن عيسى ابن الجرّاح لمّا نفي إلى اليمن احتفر فيه بئرا وبنى عليه سقاية. ويزعم أهل اليمن أنّه سيبنى على يد غلام يخرج من بلاد سبأ يؤثر في هذا العالم تأثيرا عظيما. وقال الجاحظ: كان (أربع عشرة طبقة) «٣» بعضها فوق بعض. وقيل إنّ ملوك اليمن كانوا إذا قعدوا على هذا البنيان بالليل واشتعلت «٤» السّرج رؤي ذلك على [مسيرة] «٥» أيّام كثيرة. ٢٣١ والبيت السّادس كاوسان بناه كاوس الملك ولهدمه خبر طريف «٦» ذكر في كتاب أخبار الزمان، وكان الملك كاوس «٧» بناه على اسم المدبّر الأعظم- وهو الشمس- بمدينة فرغانة من مدن خراسان، خربه المعتصم. ٢٣٢ والبيت السّابع من البيوت بأعلى «٨» بلاد الصين بناه ولد عامور بن سوبل «٩» بن يافث بن نوح على سبعة أبيات في كلّ بيت منها سبع كوى

стр. 159

تقابل كلّ كوّة صورة كوكب من الخمسة والنّيّران من أنواع الجوهر المضاف إلى تأثير ذلك الكوكب، ولهم فيه أسرار بزعمهم في اتّصال الأجسام السّمائية بعالم الكون وتأثيرها. وقد قرّب ذلك إلى عقولهم بأن جعل لهم مثالا من الشّاهد يدلّ على ما غاب عنهم. والذي بنته اليونانيّة من البيوت والهياكل «١» ثلاثة: ٢٣٣ بيت «٢» أنطاكية من أرض الشّام على جبل داخل مدينتها على يسرة الجامع اليوم. وكانت فيه تماثيل [من] الفضّة والذهب وأنواع الجواهر، بناه سلاقيوس «٣» وخربه المسلمون. وقد كان ثابت بن قرّة بن كرايا «٤» الصابي الحرّاني حين وافى المعتضد بالله في سنة تسع وثمانين ومائتين «٥» أتى هذا الهيكل وعظّمه. وبيت ثان الهرم «٦» الذي يرى على أميال من الفسطاط. وبيت المقدس، والشّرعيّون يذكرون أنّ داود بناه وأتمّه سليمان ﵉، وقد قيل غير ذلك. ٢٣٤ وأمّا بعل الصنم الذي ذكر في التنزيل فكانت اليونانية اختارت له جبل لبنان فاتّخذوا له هناك هيكلا فيه نقوش عجيبة في الحجر لا يتأتّى حفر مثلها في الخشب.

стр. 160

٢٣٥ وللصقالبة «١» بيوت ثلاثة فيها مخاريق مصنوعة (يسمع فيها أصوات قد اجتذبت قلوبهم واسترقت عقولهم، وفي بيت منها جواهر موضوعة) «٢» وآثار مرسومة تدلّهم على الكائنات والحوادث قبل وقوعها. وهذا البيت على الجبل الذي ذكرت الفلاسفة أنّه أحد جبال العالم. وعلى الجبل الأسود البيت الثاني تحيط به مياه عجيبة وأشجار ذوات طعوم مختلفة وفيه صنم عظيم على صورة رجل، هيئته شيخ بيده عصا يحرّك بها عظام الموتى وتحت رجله اليمنى صور لأنواع النمل وتحت رجله اليسرى غرابيب سود مصوّرة من صور الغداف وغيرها. والبيت الثالث يحيط به خليج من «٣» البحر مبنيّ بأحجار المرجان «٤» الأحمر والزمرّد الأخضر في وسطه قبّة عظيمة فيها صنم أعضاؤه من جواهر أربعة زبرجد [أخضر] «٥» وياقوت أحمر و [عقيق] «٦» أصفر وبلّور أبيض رأسه من الذهب الأحمر، وبإزائه صنم على صورة جارية. [ذكر بيوت الصّابئة] ٢٣٦ وكانت للصّابئة هياكل، منها هيكل العلّة «٧» الأولى وهيكل العقل وهيكل الصورة «٨» وهيكل النفس، مستديرات الأشكال، وهياكل الكواكب والنّيرين على أشكال مختلفة من التسديس والتربيع والتثليث، وكانت لهم فيها دخن وقرابين يطول وصفها. والذي بقي من هياكلهم المعظّمة الآن: بحرّان بيت في باب الرقّة يعرف بمغليتيا «٩» وهو هيكل آزر أبي إبراهيم، ولهم

стр. 161

في آزر وابنه كلام كثير. وتحته سراديب أربعة لأنواع صور الأصنام التي على صور الأشخاص السّمائية وما ارتفع عن ذلك من الأجسام «١» العلويّة وما يظهر من أنواع أصواتها وفنون لغاتها بحيل قد اتّخذت ومنافخ قد عملت ومخاريق قد وصلت، تقف السّدنة من وراء الجدار وتتكلّم بأنواع الكلام فتجري الأصوات في تلك المنافخ والمخاريق إلى تلك الصور «٢» المجوّفة، فيظهر منها نطق على حسب ما دبّر في قديم الزمان على هيئة «٣» كيفيّة هندسته. والصّابئة حشوية الفلاسفة وإنّما يضافون إلى الفلسفة إضافة وليس كلّ يوناني حكيما. ٢٣٧ وعلى باب مدينة حرّان مكتوب بالسّريانية قول أفلاطون وهو: من عرف ذاته تألّف. وهذا يشبه قوله: الإنسان نبات سماوي. ولأفلاطون كلام في النفس كثير: هل النفس في البدن أو البدن في النفس؟ كالشّمس: هل هي في الدار أو الدار في الشمس؟ وكيف انتقالها من جسد إلى جسد بالتدبير وبطلان ذلك الشّخص الذي تنتقل عنه وهي في ذاتها لا تفسد ولا يستحيل جوهرها؟ ٢٣٨ والصّابئة من الحرّانّيين يقرّبون «٤» في بعض قرابينهم في وقت ما «٥» ثورا أسود تسدّ عيناه ثمّ يضرب وجهه بالملح ثمّ يذبح ويراعى كلّ عضو من أعضائه، وما يظهر من الاختلاج والحركات فيكون ذلك دليلا على أحوال السّنة. ولهم في قرابينهم أسرار ومخبّآت.

стр. 162

٢٣٩ وفي أقاصي أرض الصين هيكل مدوّر له سبعة أبواب في داخله قبّة مسبّعة عظيمة الشأن في أعلاها جوهرة أكبر من رأس العجل يضيء منها جميع أقطار ذلك الهيكل. وقد أراد جماعة من الملوك أخذها فلم يدن منها أحد على عشرة أذرع إلّا مات، وإن رام أخذها بشيء من الآلات الطوال إذا بلغ ذلك المقدار انعكس. (فليس شيء من الحيل يتأتّى به) «١» تناولها بوجه ولا بسبب. وإن تعرّض أحد لهدم شيء من الهيكل مات مكانه، قوّة دافعة منفّرة قد عملت من أنواع الأحجار المغنيطيسية. وفي هذا الهيكل بئر (وعلى رأس البئر) «٢» شبه الطوق مكتوب عليه بكتاب قديم بقلم المسند «٣» : هذه البئر تؤدّي إلى مخزن الكتب الأولى وتاريخ الدنيا وعلوم السّماء وما كان فيما مضى وما يكون فيما يأتي، وتؤدّي هذه البئر إلى خزائن غرائب «٤» هذا العالم لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس ممّا فيها إلّا من وازنت قدرته قدرتنا وساوى علمه علمنا. وإن وقع البصر على هذا الهيكل وقع في قلب الرائي له جزع منه وحنين إليه مختلطان. وهو على جبل شامخ [من] حجر صلد لا يتأتّى فيه حفر البتّة. ذكر بيوت النّيران ٢٤٠ فأما بيوت النيران واتّخاذها فأوّل من رأى ذلك أفريدون، وقبل غيره قبله. وذلك أنّه وجد نارا يعظّمها أهلها ويعتكفون على عبادتها، فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم في عبادتها، فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى

стр. 163

عبادتها وأنّها واسطة بين الله وبين خلقه] «١» لأنها [من] جنس الآلهة النّورية، وأنّ بالنور صلاح هذا العالم. والنورية تجذب الحيوان كالفراش الطائر والوحش والغزلان، ومن الطير ما يصاد بالسّرج ليلا وكما يصاد السّمك من الماء ببلاد البصرة ليلا في الزواريق المسرّجة من جهتها، فيظهر السّمك من الماء حتّى يقع في جوف الزورق. والنور عندهم أصل لكلّ حيّ ومبدأ لكلّ نام «٢» ، ولهم فيه كلام يكثر عن إيراد مجمله فكيف مفصله؟ فاتّخذ بيتا للنّار بطوس وبيتا بمدينة بخارا، ثمّ اتّخذ الملوك بعده بيوت النّار في المماليك. ٢٤١ ومن البيوت الباقية لها المعظّمة عند أهلها بيت مدينة دارابجرد من أرض فارس كان زرادشت قد أمر يستاسف الملك أن يطلب نارا كان يعظّمها [جمّ] «٣» ، فطلبت فوجدت في مدينة خوارزم، فنقلها يستاسف إلى دارابجرد، وهي تسمّى آذرجوي، وتفسيره نار النهر، [وذلك أنّ] «٤» آذر أحد أسماء النّار «٥» وجوي من أسماء النهر «٦» ، وهذا بالفارسية الأولى. والمجوس تعظّم هذه النار الآن أشدّ تعظيم «٧» وهي أعظم نيرانهم. ٢٤٢ وكان لهم بيت نار بإصطخر من أرض «٨» فارس يعظّمونه، وهو الآن لا نار فيه، والناس يذكرون أنّه مسجد سليمان. قال س: قد دخلته [وهو] على نحو فرسخ من مدينة إصطخر، فرأيت بنيانا عجيبا وهيكلا عظيما، وفي

стр. 164

أعلاه صور من الصخر محكمة عظيمة المقدار من الخيل وسائر الحيوان يحيط بذلك كلّه سور عظيم ممتنع من الحجر فيه صور الأشخاص قد شكلت وأثبتت وأتقنت، يزعم من جاور هذا الموضع أنّها صور الأنبياء ﵈. وفي جوف هذا الهيكل الريح غير خارجة منه في ليل ولا نهار لها هبوب وخفوق، يذكر من هناك من المسلمين أنّ سليمان حبس «١» الرّيح فيه وأنّه كان يتغذّى ببعلبكّ من أرض الشّام ويقيّل بمدينة تدمر في الملعب المتّخذ فيها، وهي في البرّية بين العراق ودمشق وبينها «٢» وبين أرض الشّام ستّة أيّام، ثم يتعشّى بهذا المسجد. وبتدمر خلق من العرب من قحطان وبمدينة جور التي «٣» يضاف إليها الماء ورد «٤» بيت للنّار بناه أردشير له يوم عيد، وهو على عين هناك عجيبة وإليه متنزّهاتهم. وفي وسط جور بنيان كانت تعظّمه الفرس يعرف بالطربال «٥» خربه المسلمون. وإنّما فضل ماء وردهم لصحّة التربة وصفاء الهواء. قالوا إنّ سكّانها في غاية الحسن من اعتدال «٦» الحمرة والبياض. وبين جور وشيراز «٧» - وهي قصبة فارس- عشرون فرسخا.

стр. 165

القول في الأرضين والأنهار والبحار ٢٤٣ قال) «١» أبو عبيد: واتّفقوا أنّ طول عمران الأرض من الأميال التي الميل منها أربعة آلاف ذراع بالذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب ومساحات البناء وهو أربعة وعشرون إصبعا، قال الدّولابي: وهو ذراع الأسود «٢» وذلك ألفان وثلاثمائة وثلاثون خطوة، وهو بالذراع الهاشمي ثلاثة آلاف ذراع- ثلاثة عشر ألفا وخمسمائة [ميل] «٣» ، وذلك من أقصى جزائر أقيانس «٤» الستّ- وأقيانس «٥» البحر المحيط الذي لا يدرى ما وراءه- غربا إلى أقصى عمران الصّين شرقا. والشمس إذا غابت في أقصى الصّين طلعت على الجزائر وبالضدّ. ٢٤٤ فأمّا الأقاليم السّبعة فالأوّل أرض بابل، منها خراسان وفارس والأهواز والموصل وأرض الجبل له من البروج الحمل ومن النجوم المشتري. والثاني السّند والهند والسّودان له الجدي وزحل. والثالث مكّة والمدينة واليمن والحجاز وما والاها له العقرب والزّهرة. والرابع مصر وإفريقية والبربر والأندلس له الجوزاء وعطارد. والخامس الشّام والرّوم والجزيرة له الدّلو والقمر. والسّادس الترك والخزر والدّيلم والصّقالبة له السّرطان «٦» والمرّيخ. والسّابع الدّيبل والصّين له الميزان والشمس.

стр. 166

٢٤٥ وذكر [حسين المنجّم] «١» صاحب كتاب الزّيج عن خالد بن عبد الله المروزي أنّه رصد «٢» الشمس للمأمون ببريّة ديار ربيعة بريّة سنجار «٣» فوجد [مقدار] «٤» درجة من الفلك ستّة وخمسين ميلا من الأرض، فضرب العدد في ثلاثمائة وستّين «٥» ، فانتهاء ذلك عشرون ألفا ومائة وستّون ميلا (فهو دور كرة) «٦» الأرض المحيطة بالبرّ والبحر. فقطرها على هذا ستّة آلاف وأربعمائة وأربعة وعشرون ميلا ونصف [ميل ونصف] «٧» عشر بتقريب. والمعمور نصف هذا المحيط «٨» [في الطول، فأمّا في العرض فهو] «٩» من خطّ الاستواء إلى الشّمال ومنتهى العمران في الشّمال جزيرة ثولي «١٠» في برطانية. (وذكر الفيلسوف في الكتاب المعروف بجغرافيا) «١١» أنّ عدد مدن «١٢» الأرض المعمورة أربعة آلاف مدينة «١٣» وخمسمائة وثلاثون مدينة وأنّ عدد البحار المحيطة بالأرض خمسة وجميع العيون الكبار مائتان وثلاثون عينا والأنهار الكبار الجارية مائتان وتسعون «١٤» . وذكر أنّ طول كلّ إقليم من الأقاليم السّبعة تسعمائة فرسخ في مثلها. ٢٤٦ وقد زعم [بطليموس صاحب] «١٥» المجسطي أنّ دور كرة «١٦» الأرض أربعة وعشرون ألفا وثلاثون ميلا وأنّ قطرها-[وهو] ١» عمقها- سبعة آلاف وستّمائة وستّة «١٨» وثلاثون ميلا- قال ط: تسعة آلاف- وأنّهم أدركوا ذلك

стр. 167

بأنّهم أخذوا ارتفاع القطب الشمالي في مدينتين «١» على خطّ واحد، أعني أن تكونا «٢» جميعا واقعتين تحت خطّ نصف النهار فتتّفقان «٣» في الطول وتختلفان في العرض مثل الاتّفاق الذي وقع بين تدمر في برية العراق والرّقّة. فوجدوا ارتفاع القطب الشمالي في الرّقّة (خمسة وثلاثين وثلثا وفي مدينة تدمر أربعة وثلاثين) «٤» . ثمّ مسحوا مسافة ما بينهما فوجدوه (تسعة وثمانين) «٥» ميلا، فوجب أن يكون مقدار الدرجة من الفلك في الأرض ستّة وستّين «٦» ميلا وثلثي ميل للتقريب. ثمّ ضربوا ذلك في ثلاثمائة وستّين وإذا قسم دور الأرض على ثلاثة وسبع كان ممّا يخرج مقدار [قطر] الأرض وذلك إذا ضربوا القطر في الدّور كان ممّا يجتمع مسافة جميع الأرض مكسورا «٧» ٢٤٧ ولذلك قال مرحبان الفيلسوف إنّ دور جميع الأرض على ما امتحنه اردستانس «٨» الحكيم مائتان وخمسون إلف استاديو «٩» بالرومية، والإستاديو (ثمن ميل) «١٠» ، وذلك أحد وثلاثون ألفا ومائتان وخمسون ميلا، وحقيقة الإستاديو «١١» عندهم أربعمائة باع والربوة عشرة آلاف غلوة. قال: والأرض كلّها مسيرة خمسمائة عام عندهم، ثلث عمران وثلث بحار وثلث قفار غير مسكونة. وذكر في السّفر الثاني أنّ استدارة «١٢» الأرض (ستّ وثلاثون) «١٣» درجة والدرجة خمسة وعشرون «١٤» فرسخا والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع والذراع اثنان وأربعون إصبعا والإصبع ستّ حبّات وتسعان مصفوفة بعضها إلى

стр. 168

بعض، فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ، وهذا غير ما تقدّم في كثرة العدد وكبر الذراع. ثمّ قال: وإنّما ننقل في كلّ موضع من هذا الكتاب ما يسنح «١» لنا وعندنا كتب الناس، فننقل ذلك عنهم على حسب ما نجده لأنّا نقطع «٢» على صحّته. ٢٤٨ وقد مسح جماعة ممّن أتى بعد بطليموس مقدار الدرجة من درج الفلك فيما بين مدينة الرّقة وتدمر على ما ذكرناه، ووجد حساب الدرجة الواحدة خمسة وعشرين فرسخا، فوجب على هذا أن تكون مساحة أعظم دائرة تقع على كرة الأرض تسعة آلاف فرسخ إلّا أنّ بطليموس وتيتوس «٣» صاحب تركيب كتاب الأفلاك أنكر أن تكون مساحة الدرجة الواحدة تنتهي [إلى] أكثر من ستّة وستّين ميلا وثلثي ميل. وذكروا أنّ المعمور من الأرض أقلّ من الثلث وأكثر من الربع. وطول الجزء المعمور من الأرض مبدؤه من الجزائر الخالدات التي هي أقصى بلاد المغرب إلى مدينة شيراز إلى أقصى بلاد الصّين، وذلك على الخطّ الموازي لدائرة معدل «٤» النهار، فرأس هذا الخطّ الذي مبدؤه الجزائر الخالدات هو نظير درجة الشّمس بالسّواء، إذا كانت الشمس برأس الحمل. وطول هذا الخطّ مائة وثمانون جزءا من أجزاء الفلك. فأمّا بدء عرض البلاد فإنّه من ناحية مجرى سهيل من أرض الحبشة عن مسافة عشرين ليلة في سمت مهبّ الجنوب من عدن إلى ثولي «٥» الجزيرة الواقعة تحت الخطّ الذي يجري لمنتهى الشّمال «٦» وهي بعد بلاد الصّقالبة والخزر، وثولي «٧» هذه الجزيرة هي الواقعة تحت منتهى الخطّ الشمالي.

стр. 169

جملة جمعتها من كتب فلاسفة اليونانيّين في الأقاليم السّبعة ٢٤٩ جعل طول الأقاليم جميعها من المشرق إلى المغرب، وهي مسافة اثنتي عشرة ساعة من دورة الفلك، وبين عرض كلّ إقليم والذي يليه نصف ساعة معتدلة من النهار الأطول. فالإقليم الأوّل يميل وسطه على الموضع الذي يكون طول نهاره الأطول ثلاث عشرة ساعة، والسّابع يمرّ وسطه على المواضع التي يكون طول نهارها الأطول ستّ عشرة ساعة. ٢٥٠ فالإقليم الأوّل من حيث يكون طول نهاره الأطول اثنتي عشرة ساعة وربع ساعة إلى حيث يكون طوله ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة ومن حيث يرتفع القطب من الأفق ستّة عشر جزءا وثلثي جزء إلى حيث يكون ارتفاعه عشرين جزءا ونصف جزء، وذلك مسافة أربعمائة وأربعين ميلا من أقاصي بلاد الصّين، وفيه مدينة ملكها اسمه واسكرا وهي مرسى الصّين، ثمّ يمرّ على «١» سواحل البحر في جنوب بلاد السّند، ثمّ يمرّ في البحر على جزيرة الكوك ويقطع البحر إلى جزيرة العرب وأرض اليمن، ففيه من البلاد المشهورة بلاد ظفار وعمان وحضر موت وعدن وصنعاء وما وراء ثبالة وجرش ومهرة [وسبأ، ثمّ يقطع الإقليم بحر قلزم فيمرّ على بلاد الحبشة ويقطع نيل مصر وفيه هناك مدينة ملك] «٢» الحبشة تسمّى جرم دنقلة، ثمّ يمرّ الإقليم في بلاد المغرب «٣» إلى أن ينتهي إلى بحر المغرب.

стр. 170

٢٥١ والإقليم الثاني من حيث يكون طول النهار الأطول ثلاث عشرة ساعة وثلاثة «١» أرباع ساعة ومن حيث يكون ارتفاع القطب أربعة وعشرين جزءا وعشر جزء إلى حيث يكون سبعة وعشرين جزءا ونصفا، وهو مسافة أربعمائة ميل، يبتدئ من المشرق فيمرّ على بلاد الصّين «٢» . ثمّ على بلاد الهند ثمّ على بلاد السّند، وفيه المنصورة والبيرون، ثمّ يمرّ (بملتقى البحر) «٣» الأخضر وبحر البصرة ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وأرض تهامة، وفيه من المدن المشهورة هناك اليمامة والبحرين وهجر ومدينة يثرب والجار «٤» ومكّة والطّائف وجدّة، ثمّ يقطع عرض القلزم ويمرّ في أرض المغرب على بلاد إفريقية إلى بحر المغرب. ٢٥٢ الإقليم الثالث وسطه من حيث يكون طول النهار الأطول أربع عشرة ساعة إلى حيث يكون طوله أربع عشرة ساعة وربع ساعة ومن حيث يكون ارتفاع القطب ثلاثين جزءا وثلاثة أخماس ونصف خمس إلى حيث يكون أربعة وثلاثين جزءا، وذلك مسافة ثلاثمائة ميل وخمسين ميلا، وهو يبتدئ من المشرق فيمرّ على شمال «٥» بلاد الصّين، ثمّ يمرّ على بلاد الهند وفيه مدينة القندهار «٦» ، ثمّ يمرّ على شمال بلاد السّند «٧» على كابل وكرمان وسجستان «٨» وجيرفت والسّيرجان «٩» وعلى سواحل بحر البصرة، وفيه من المدن هناك مدينة إصطخر (وجور وفسا) «١٠» وسابور وسيراف وجنّابا «١١»

стр. 171

وسينيز «١» ومهروبان، ويمرّ بكور الأهواز والعراق والبصرة وواسط وبغداد والكوفة والأنبار «٢» وهيت حتّى يمرّ على بلاد الشّام، وفيه من المدن هناك خيار وسلمية وحمص ودمشق وصور وعكّة وطبرية وقيسارية «٣» وبيت المقدس والرملة وعسقلان وغزّة والمدائن والقلزم، ثمّ يقطع أسفل أرض مصر وفيه هناك الفرما وتنّيس ودمياط وفسطاط مصر والفيّوم، ثمّ يقطع الإسكندرية، ثمّ يمرّ على بلاد برقة وإفريقية وفيه مدينة اطرابلس والقيروان ومدينة فاس وينتهي إلى بحر المغرب. ٢٥٣ الإقليم الرّابع وسطه من حيث يكون النهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف إلى حيث يكون أربع عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة وارتفاع القطب سبعة وثلاثين جزءا، وذلك مسافة ثلاثمائة ميل، ويبتدئ من المشرق فيمرّ ببلاد التّبت إلى خراسان، فيكون فيه من المدن فرغانة وخجندة «٤» وأسروشنة «٥» وسمرقند وبخارا «٦» وبلخ وآمد وهراة ومروروذ وسرخس وطوس ونيسابور وجرجان «٧» والرّي وإصبهان ونهاوند والدّينور وحلوان وشهرزور «٨» وسرّ من رأى والموصل ونصيبين وآمد ورأس العين وقالى قلا «٩» وشمشاط «١٠» وحرّان والرقّة وقرقيسيا «١١» ، ويمرّ على شمال الشّام وفيه من المدن هناك بالس ومنبج «١٢» وملطية وزبطرة «١٣» وحلب وقنّسرين وأنطاكية واطرابلس الشّام والمصيصة والكنيسة «١٤» السّوداء وأذنه وطرسوس وعمورية واللّاذقية، ويمرّ في بحر الشّام على جزيرة قبرس ورودس «١٥» ، ثمّ يمرّ في أرض المغرب على بلاد طنجة وينتهي إلى بحر المغرب، وفي هذا الإقليم تقع قرطبة وما يليها لأنّ طول نهارها في تناهيه أربع

стр. 172

عشرة ساعة وثلثا ساعة فبينها وبين الإقليم الرّابع نصف سدس ساعة وذلك خمسة وعشرون ميلا سواء. ٢٥٤ الإقليم الخامس وسطه من حيث يكون طول النهار الأطول خمس عشرة ساعة وربع ساعة ومن حيث يكون ارتفاع القطب واحدا وأربعين جزءا ونصف جزء، وذلك مسافة مائتي ميل وخمسة وخمسين ميلا، وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق من بلاد ياجوج وماجوج، ثمّ يمرّ على بلاد خراسان وفيه من المدن هناك الطراز، وهي مدينة التجّار، ونوكث «١» واسبيجاب «٢» ، ثمّ يمرّ في بلاد الرّوم على خرشنة «٣» ، ثمّ يمرّ بسواحل الشّام ممّا يلي الشمال «٤» ، ثمّ يمرّ على بلاد الأندلس لأنّ طول نهارها في تناهيه خمس عشرة ساعة فعليها يمرّ وسط الإقليم الخامس بالسّواء. ٢٥٥ الإقليم السّادس من حيث يكون طول النهار الأطول «٥» خمس عشرة ساعة ونصف ساعة إلى حيث يكون خمس عشرة ساعة وثلاثة أرباع ساعة وارتفاع القطب واحد وأربعون جزءا وخمس جزء إلى سبعة وأربعين جزءا وربع جزء، وذلك مسافة مائتي ميل وعشرة أميال. وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق ويمرّ على بلاد الخزر فيقطع وسطه بحر طبرستان إلى بلاد الرّوم، فيمرّ على جرزان وأماسيا «٦» وخلقيذون «٧» والقسطنطينية وبلاد برجان وينتهي إلى بحر المغرب، وفي هذا الإقليم تقع لبيناردرية (؟) وأواخر بلاد إفرنجة وبلاد شاخسش (؟) .

стр. 173

٢٥٦ الإقليم السّابع وسطه حيث يكون طول النهار [الأطول] ستّ عشرة ساعة إلى حيث يكون ستّ عشرة ساعة وربع ساعة وارتفاع القطب ثمانية وأربعون جزءا وسدس جزء إلى حيث يكون خمسين جزءا ونصف جزء، وذلك مسافة مائة وخمسون ميلا، وقيل خمسة وثمانون ميلا. وهذا الإقليم يبتدئ من المشرق ومن شمال ياجوج، ثمّ يمرّ على بلاد الترك ثمّ على سواحل بحر طبرستان ممّا يلي الشمال، ثمّ يمرّ ببلاد برجان والصّقالبة وينتهي إلى أوائل جزائر المنتاشبيتش (؟) . ٢٥٧ فأمّا ما وراء هذا الإقليم إلى آخر المعمور فإنّه «١» يبدأ من المشرق من بلاد التغر على أرض الترك على بلاد اللّان، ثمّ يمرّ على برجان «٢» ثمّ على الصّقالبة وينتهي إلى بحر المغرب. وهذا الإقليم خارج عن الأقاليم السبعة وطول نهارهم زائد على ستّ عشرة ساعة ونصف إلى نحو سبع عشرة ساعة. وقيل إنّ المعمور يبلغ إلى طول ما يكون أطول النهار وأطول الليل عندهم ثماني عشرة ساعة، كما أنّ قبل الإقليم الأوّل إلى خطّ الاستواء ببلاد السّودان الذين يأكلون الناس. ٢٥٨ أخبرني د قال: ذكر لي رجل من أهل الحذق والمعرفة بالهندسة قال: دخلت بلاد غياروا من وراء بلاد غانة وأطول نهارهم من اثنتي عشرة ساعة ونصف. وذكر أنّه لا ظلّ لنصف نهارهم من شهر مايه- وهو حزيران- ثمّ يكون ظلّهم

стр. 174

من ناحية الجنوب إلى نصف شهر شتنبر «١» بلا ظلّ أيضا نصف نهارهم ينعكس بعد ذلك فيكون من ناحية الشمال. و [أهل] هذا الموضع أشدّ سوادا وشعورهم أشدّ تفلفلا وخلقهم أشدّ تشويها من سائر السّودان وطبائعهم وحشية ونفوسهم سبعية وكثير منهم يثبون على الناس كالكلاب الكلبة. فأمّا الذي لا يعمر من الأرض ولا يكون فيه حيوان ولا نبات فهو ما كان من الجنوب عرضه عن خطّ الاستواء تسع عشرة درجة لأنّ الشّمس إذا صارت في السّنبلة في حدّ ثلاث درجات إلى أن تبلغ خمس درجات من الحوت قربت منه وثبتت عليه فأحرقت كلّ شيء هنالك. وكذلك ما كان من الشمال بعده عن مدار رأس السّرطان تسعين درجة لأنّ الشّمس إذا سارت إلى البروج الجنوبية لا تطلع عليه ستّة أشهر فتنعقد البخارات ولا ترتفع فلا يكون حيوان ولا نبات. وفي نهاية العمران من خلف خطّ معدل النهار في الجنوب المسمّى يمين معدل النهار على المواضع المتساوية الأبعاد تكون الحيوانات الشّاذّة الخلق القبيحة التركيب كالفيلة وعظام الطير. د. وقد يحمل بعض تجّار البحر الذين وردوا بلاد الكوشانيّين- أعني الزّنج- بيضا تشبه بيض النعام، ونسبة بيض النعام منه كنسبة بيض الإوز من بيض النعام. ٢٥٩ وأخبرني العذري قال: أخبرني رجل من قريش أنّه كان على حافّة «٢» البحر المحيط بحر المغرب، فأصبح على أحد بيوت ذلك الموضع طائر قد وقع على البيت وانهدم البيت من وقوعه ودخلت في حوصلته خشبة من خشب البيت فألقي ميّتا، وزعم أنّه من طرف جناحه إلى الطرف الثاني ثمانون شبرا، ولم نر أحدا ذكر أنّه عاين شيئا من هذا الحيوان دون خطّ معدل النهار إلّا الفيلة، فإنّها تجلب من هناك وتعيش فيما ولدت بها من الأقاليم ولكنّها لا تتوالد.

стр. 175

٢٦٠ وذكر بطليموس أنّ مدن الأرض في عهده أربعة آلاف ومائتان. وقد بيّن أهل العلم بالهندسة بغير وجه من البراهين أنّ الأرض ثابتة في وسط العالم قائمة في مركزه لا حركة لها في ذاتها وأنّها مستديرة الشّكل وأنّ جميع الأثقال تميل وترجع «١» إليها بالطبع وأنّ كلّ جزء من أجزائها البعيدة عن المركز بدور الارتفاع والانخفاض مطيعة إلى مركزها وأنّ الفلك المستقيم يدور عليها بجميع ما يحيط به من الأفلاك والكواكب السيّارة والثّابتة دورة واحدة في كلّ أربع وعشرين ساعة مستوية التي هي جملة النهار والليل من آخر النهار. وركّب الله على الأرض جرم الشّمس لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من درج فلك البروج، فلذلك ما اختلفت حركة الشمس على الأرض فحمي مزاج جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبية، وكان الجزء المعمور من الأرض في الناحية الشّمالية إذ كان كلّ حيوان بطبعه أحمل للبرد منه للحرّ. ألا ترى أنّه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يحصى كثرة وكذلك من النبات؟ ولا يتكوّن في النّار منه شيء إلّا الشاذّ النّادر إن صحّ ذلك فيه كما زعموا أنّه يتكوّن في أفران الزجّاجين ضرب من سامّ أبرص حمر الألوان، فإذا خرجت عن النار هلكت. فوجب لهذه العلّة أن يكون رسم الأقاليم السّبعة وبحدودها في الجزء الشمالي من الأرض كما ترى. ٢٦١ وأهل القطب الشمالي يرون بنات نعش ولا يرون كواكب القطب الجنوبي كسهيل، فإنّه لا يرى بخراسان ويرى بالعراق في السّنة أيّاما، ولا يقع عليه

стр. 176

عين جمل من الجمال إلّا هلك، فهذه خاصّة في هذا النوع من الحيوان، وسهيل يظهر في البلدان الجنوبية السّنة «١» كلّها. ٢٦٢ والأرض كلّها نصف عشر ثمن جزء من الشمس، فهي أعظم منها مائة وستّين مرّة، وقطب الشمس اثنان وأربعون ألفا، وسائر الكواكب العلوية أعظم من الأرض بدون هذه النّسبة، وما تحت الشّمس منها أقلّ من الأرض، فأمّا القمر فإنّه أعظم من الأرض سبعا وثلاثين مرّة وأقرب بعد القمر من الأرض مائة ألف وثمانية وعشرون ألف ميل، وبعد زحل من الأرض سبعة وسبعون ألف ميل إلّا شيئا. القول في البحار ٢٦٣ زعم كثير من الفلاسفة وأهل العلم بالهندسة أنّ البحر الأعظم محيط بالأرض من جميع جهاتها لأسباب «٢» ذكروها ليس هذا موضع ذكرها وأنّ الشّكل الذي ينسب إلى العنصر المائي السّيّال الجوهر هو شكل ذو ثماني قواعد مثلّثات، وذلك جسم يحيط به ثمانية سطوح مثلّثات متساوية الأضلاع قائمة الزوايا يسمّى كعبا، وهو شكل الأرض على رأي أفلاطون وكثير من القدماء. وجميع بحار الأرض فروع من هذا البحر وهي متّصلة الأجزاء ملتقية المياه، وقد نقل بعض المؤرّخين أنّ أحد ملوك الأرض أراد أن يعلم صحّة ذلك فأنشأ

стр. 177

سفنا ضخمة حصينة وشحّنها بالرّجال والأزواد والمال أرسلها نحو المشرق والمغرب والشّمال والجنوب، فأصابوا جميع أجزاء البحر يتّصل بعضها ببعض وألفوها كلّها تتشعّب من البحر الأعظم المحيط. وقال أهل العلم بهيئة الأرض والبحار إنّ الأمّهات الكبار المتفرّعة من البحر المحيط أوّلها البحر الأعظم الآخذ من المغرب إلى الجنوب وكذلك عرف بالبحر الجنوبي، وهو يأخذ من الغرب إلى الجنوب وكذلك عرف بالبحر الجنوبي، وهو يأخذ من المغرب إلى القلزم ويمرّ بوادي القرى إلى الجار «١» وجدّة وأيلة وعدن أبين «٢» والشحر وعمان وعبادان إلى أرض السّودان ويمرّ بصنف «٣» ببلاد العود إلى أكثر الهند إلى واق واق، وله جناحان أحدهما يأخذ إلى جزيرة العرب ويمرّ باليمامة وعمان ومهرة والشحر والجناح الآخر يأخذ إلى بلاد فارس، وعليه يقع سيراف «٤» وماوه (؟) والديبل، وبهذين البحرين سمّي البلد بالبحرين. ٢٦٤ وأمّا البحر الثاني الذي يتلو البحر الجنوبي في العظم فهو البحر الشّمالي الآخذ من الشّمال إلى ناحية الجنوب، وابتداؤه من طول واحد ويمتدّ «٥» إلى طول سبعة عشر على صورة الطيلسان إلى أن يأتي شكله شكل قطعة دائرة، ثمّ يمرّ على أحد يداب «٦» إلى أن يأتي شكله شكل الثابورة (؟) ، وليس على هذا البحر من المدن إلّا مدينة واحدة يقال لها مولية، ولا يركبه أحد لغلظ جوهر مائه وظلمته وتكاثف الهواء عليه، وإنّما يدخل منه الموضع الموازي لسمت المغرب فإنّه يركب من هناك إلى الجزائر التي من أقاصي بلاد المغرب.

стр. 178

٢٦٥ وأمّا البحر الثالث فهو البحر الرومي السّدّ، وهو يأخذ من أنطاكية إلى أقصى بلاد المغرب وهو يلتقي البحر المظلم ويخرج الى الجزائر الخالدات، ويخرج من هذا البحر الرومي خليج كبير يمرّ بجزيرة الأندلس، ثم يمرّ هذا البحر ذاهبا إلى السّنوس الأقصى من بلاد فارس والأهواز، ثمّ يأخذ هذا البحر الثالث من أنطاكية فيصير بحرا رابعا «١» إلى القسطنطينيّة ثمّ ينعطف إلى ناحية المغرب آخذا إلى الأبواب من ناحية بلاد الخزر، وعلى هذا البحر المنعطف تقع المدن الخمس التي يأخذ الخزر عليها في ممرّهم إلى القسطنطينيّة منها المدينة البيضاء. وعلى ساحل هذا البحر تقع طرسوس «٢» والمصيصة والإسكندرية وأنطاكية واللاذقية وعرقة «٣» واطرابلس الشّام وسائر ما يتلو هذه البلاد، ثمّ يدور إلى بلخ مدينة الخزر الموضوعة ومن هناك يأخذ إلى باب الأبواب. بحر الهند ٢٦٦ وهو البحر الحبشي وهو بحر الصّين والهند والسّند والزّنج والبصرة والأبلّة «٤» وفارس، وكما زعموا وعمان والبحرين والشحر واليمن وأيلة والقلزم، وليس في المعمور أعظم منه، طوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ميل وعرضه ألفان وسبعمائة ميل وعرضه في موضع آخر ألف وتسعمائة ميل، وقد اختلف في ذلك وهذا أصحّ. وهذا البحر وإن كان واحدا فهو ستّة أبحر متخرّقة بعضها إلى بعض، والأدلّاء يعرفون فصل ما بينها «٥» لأنّ لكلّ بحر لونا وريحا وسمكا ونسيما ليس للآخر. فمنها بحر لاروي وعليه بلاد صيمور وسوبارة «٦» وتانة

стр. 179

وسندان «١» وكنباية «٢» وغيرها من بلاد الهند، ثمّ بحر هركند «٣» ، ثمّ بحر كلّابار وهو بحر كله والجزائر، ثمّ بحر كندرنج «٤» ، ثم بحر الصّنف الذي يضاف إليه العود، ثمّ بحر الصّين وهو بحر صنغي «٥» لا يحدّ ما وراءه. ٢٦٧ وفي هذه البحار جزائر لا تحصى وأمم لا «٦» تكتب عدّا، وأكثر غذائهم النارجيل، وبين بحر لا روي وهركند «٧» جزائر الملكة التي ذكرناها «٨» قبل هذا، وأموالها الودع. وذكر أنّ ورق النارجيل يطرح على البحر نحو ضفّته فيتراكب عليه حيوان ثمّ يؤخذ ويلقى في الهواء فتحرقه السّموم ويكون ودعا فيملأ من ذلك بيوت الأموال. وذكر بطليموس أنّ مراقي بحر هركند وهي جزائر هذه الملكة ألف وتسعمائة جزيرة عامرة سوى الغامرة. وبجزائر هذه الملكة يكون العنبر الجيّد، وربّما انتهى منها القطعة بقدر البيت، وسنذكر أين يكون العنبر وأصله عند ذكر البحر الأخضر وفيه إن شاء الله. ٢٦٨ وفي جزائر بحر الصّنف مملكة المهراج ولا يستطيع أن يطوف بجزائره بأسرع المراكب في سنين كثيرة. وفي جزائره أنواع الطيب والأفاويه. وليس لإحد بالهند من ذلك ما له. وجزيرة الملك المهراج التي هي قراره مفرطة الكبر متّصلة العمارة كثيرة الخصب. ذكر بعض التجّار الذين دخلوها الموثوق بنقلهم أنّ الديكة إذا رقّت بما في الأشجار «٩» تجاوبت لمائة فرسخ لاتّصال عمارتها

стр. 180

وانتظام مساكنها لا مفازة فيها ولا خراب، وأنّ المسافر يسافر في أقطار تلك الجزيرة بلا زاد ويحلّ على الطعام وخصب العيش حيث أراد. وتتّصل جزائره بجبال شوامخ في أعنان السّماء تظهر منها بالليل نار حمراء تقذف بأشدّ ما يكون من صوت الرعد والصّواعق، وربّما سمع منها صوت مهول مفظع خارق للعادة ينذر بموت ملكهم. وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأيّام أصوات الطّبول والسّرنايات «١» والعيدان وسائر أنواع الملاهي وأنواع الرقص والتصفيق يفهم ويميّز بعض ذلك من بعض، ويزعمون أنّ الدجّال بتلك الجزيرة. وفي جزائر المهراج هذه جزيرة من أربعمائة فرسخ، والله أعلم. ٢٦٩ فأمّا بحر الصّين فإنّ من عجائبه أنّ فيه نوعا من السّراطين يخرج منها كالذراع والشّبر، فإذا بان عن الماء وصار إلى البرّ عاد حجرا وانقلب عن الحيوانية، وهو يدخل في أكحال العين. ٢٧٠ وليس في ممالك «٢» السّند والهند من بعد المسلمين مملكة مثل البلّهرى وهم تطول أعمارهم بخلاف المعلوم من غيرهم ويقولون بسنّة العدل. وتليه مملكة الطّاقى «٣» ولهم جمال والتجّار يتنافسون في شراء نسائهم. (ثمّ يلي هذا الملك مملكة دهرم، وهذه سمة لملكهم) «٤» وهو ذو مملكة عظيمة وهو يحارب البلّهري، ويقال إنّ عدد الغسّالين «٥» والصّنّاع بعسكره خمسة عشر ألفا وماله الودع. وفي بلادهم من الذهب والفضّة ومعادنها ما لا يحصى كثرة، وفي بلده الحيوان المعروف بالبشان «٦» وهو الكركدّن «٧» ، وقد يكون بالهند
следующие страницы →