Полный текст (893 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكان منّا الضحّاك يعبده ... الخابل والجنّ في مساربها «١»
وإيّاه عني حبيب بقوله [رجز] :
ما نال ما قد نال فرعون ولا ... هامان في الدّنيا ولا قارون «٢»
بل كان كالضحّاك في سطوته ... بالعالمين وأنت أفريدون.
٧٩ والفرس تسمّيه الازدهاق وتنسبه نسبة أخرى. وهو أوّل من سنّ الصلب ووضع العشور. يقال إنّه خرج في منكبيه سلعتان كل واحدة منهما كرأس الثعبان. قال كثير من أهل الكتاب تتحرّكان تحت ثوبه إذا جاع أو غضب، فكان يشتدّ وجعهما حتّى يطليهما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك رجلين كلّ يوم وكان يقسمهما على الآفاق. وزعموا أنّه نمرود صاحب إبراهيم، وقد زعموا أنّه مقيّد مغلول، (وقد زعموا أنّه بيوراسب الملك الفارسي، هذا قول الفرس، وأنّه ملك الأقاليم السبعة، وزعموا أنّه مقيّد مغلول) «٣» في جبل دنباوند «٤» بين الري وطبرستان، واتّخذوا اليوم الذي قيّد فيه عيد المهرجان، قيّده أفريدون فقام عليه كابي «٥» رجل من أهل إصبهان من أجل ابنين له قتلهما، ودعا الناس إلى مجاهدته «٦» ، فأسرعوا إليه ونهضوا إلى الضحّاك، فألقى الله الرعب في قلبه وخلا عن منازله، فافتتح الأعاجم ما أرادوا واجتمعوا إلى كابي «٧» وسمّوه (درفش كابيان) «٨» وتبرّكوا به، فأعلمهم أنه لا يتعرّض للملك وأمرهم أن يملّكوا من بيت المملكة. وكان أفريدون (بن أثفيان) «٩» مستخفيا من الضحّاك فملّكوه.
стр. 72
٨٠ وهو أوّل من تسمّى بالكييّة «١» ، [فقيل له] «٢» كي أفريدون، (فقام عليه) «٣» . وتفسير ذلك من التنزيه «٤» والبهاء، واتبع الضحّاك وأسره واتّخذوا ذلك اليوم عيدا وسمّوه المهرجان، وأصله بالفارسيّة مهر ماه، أي نفس الملك ذهبت. وأفريدون أوّل من ذلّل الفيلة وامتطاها ونتج البغال وعالج بالترياق. وقد زعم بعضهم أنّ الضحّاك كان في زمن نوح وإليه أرسل.
٨١ وروي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
«٥» أنّهم سام وحام ويافث، وبذلك تكرّرت الأخبار والآثار، وهم لأمّ واحدة. وقيل:
تزوّجها بعد خمسمائة سنة من عمره. وأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن يغيّر الله نطفته، فجاءت بالسودان. وقال أهل التوراة إنّ نوحا (شرب وانتشى و) «٦» تعرّى، فأبصر حام عورته، فأطلع على ذلك أخويه فأخذا رداء فألقياه على عواتقهما ومشيا على أعقابهما فواريا عورة أبيهما وهما مدبران. فعلم بذلك أبوه نوح فقال: ملعون كنعان بني حام يكونون عبيدا لأخويه ومبارك سام ويكثّر الله يافث.
٨٢ أمّا سام فسكن وسط الأرض الحرم وما حوله إلى اليمن إلى حضر موت إلى عمان
стр. 73
إلى البحرين إلى عالج ويبرين ووبار والدّوّ «١» والدّهناء. وعن عبد الله بن عبّاس ﵄: نزل بنو سام سرّة الأرض فيما بين ساتيدما «٢» إلى البحر وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله فيهم النبوّة والكتاب.
وسام كان القيّم بعد نوح في الأرض ومن ولده الأنبياء كلّها عربيّها وعجميّها، والعرب كلّها يمنيّها ونزارها.
٨٣ فولد سام أرفخشد، وهو أرفخشات، وهو القائم بأمره بعده وإرم وملما (؟) . فمن ولد أرفخشد قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد أبو «٣» اليمن و [يقطن بن عابر بن شالخ هو أبو] «٤» جرهم بن يقطن بن عابر، نزلوا مكّة وقطورا بنو عمّهم. وجرهم أخوال ولد إسماعيل، وملكان بن أرفخشد من ولده الخضر ﵇.
٨٤ ومن ولد إرم عاد بن عوص بن إرم، ومنازلهم الأحقاف والرمل إلى حضر موت، وثمود بن غابر بن إرم، منازلهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم نزلوا اليمامة وما حولها إلى البحرين، واسم اليمامة إذ ذاك جو. أخوهما عمليق بن لاوذ، نزل بعضهم الحرم وبعضهم الشام. فطسم وجديس وعاد وثمود والعماليق ويعرب وجرهم هم العرب العاربة لأنّه لسانهم الذي جبلوا عليه. ويقولون لبني إسماعيل العرب المتعرّبة لأنّهم إنّما تكلّموا به حين سكنوا بين أظهرهم. ومن العماليق الجبابرة بالشام والفراعنة بمصر. وأهل تيماء وعمان منهم أمّة يسمّون جاسم «٥» ، وكان ملك أهل الحجاز وتيماء منهم واسمه الأرقم.
стр. 74
٨٥ ومن ولد إرم أميم بن لاوذ بن إرم أخوهم نزلوا بأرض وبار، وأجناس الفرس كلّهم من ولده. ومن إرم شقّ الكاهن الأوّل بن حويل بن إرم، وهذا غير شقّ الأنماري. فأمّا ماش فنزل بابل ومنه النبط أجمعون، وأرنيط بن ماش.
وزعم قوم أنّ النبط من ولد كنعان بن حام. وولد ماش نمرود بن ماش صاحب الصّرح ملك خمسمائة سنة وهو ملك النبط، وفي زمانه فرّق الله الألسنة، فجعل في سام تسعة عشر لسانا وفي حام سبعة عشر لسانا وفي يافث ستّة وثلاثين لسانا. وبنى الصّرح بعد البلبلة وهو البناء الذي يسمّى المجدل، وكان ارتفاعه خمسة آلاف ذراع ومائة وسبعين ذراعا، وكان أسفله أوسع من أعلاه، وكانت فيه محاريب كثيرة من فائق الرخام مزيّنة بالذهب والجوهر وما لا يكاد سامعه يصدّق الخبر عنه. ويقال إنّه بناه بأرض فارس لأنّه بعد البلبلة استقلّ عن بابل إلى أرض فارس وفرض على الناس عبادة النّار. ويقال إنّ المجدل بني في زمان غابر.
٨٦ وذكر أنّ لاوذ ولد سام لصلبه. وذكر أنّه كان لسام ولد يسمّى آدم وذكر أنّه يسمّى مالكا وأنّه حيّ، وذلك أنّ ساما دفن تابوت آدم في وسط الأرض ووكّل مالكا «١» بقبره، فأوحى الله إليه أن الذي وكّلته بقبر آدم أبقيه «٢» إلى آخر الأبد.
٨٧ فأمّا يافث بن نوح فمن ولده الصقالب وبرجان والأشبان أعجمية، وكانت
стр. 75
الأشبان منازلهم أرض الروم قبل الروم. ومن ولده الترك والخزر وياجوج وماجوج.
٨٨ وأمّا حام بن نوح فولد قوط بن حام، فنزل الهند والسند وأهلها طرّا من ولده. وأهل الهند يقولون إنّهم من ولد سلا بن قوط، وسلا أحد ملوك العالم المشهورين. وكنعان بن حام من ولده الحبابرة والكنعانيّون بالشام الذين قاتلهم موسى ويوشع بن نون، ويقال إنّ فراعنة مصر منهم. وهؤلاء غير العمالقة ومنهم جالوت وكوش والنوبة والزنج والفزان والزغاوة والقبط والحبشة والبربر.
٨٩ روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل مصر، ويافث أبو الخزر وياجوج وماجوج، وحام أبو هذه الجبلة السوداء. وقال سعد بن المسيّب: ولد نوح ثلاثة وولد لكلّ واحد منهم ثلاثة: سام ولد العرب والفرس والروم وفي كلّ هؤلاء خير، وحام ولد السودان والقبط والبربر، ويافث ولد الترك والصقالبة وياجوج وماجوج وليس في واحد من هؤلاء خير.
٩٠ وقال أهل الخبر إنّ الشيطان نزغ بين بني سام وبني حام فوقعت بينهم مناوشات وحروب كانت الدائرة فيها لسام وبنيه، وكان من آخر «١» أمر حام أن هرب
стр. 76
إلى ناحية مصر وتفرّق بنوه ومضى على وجهه يريد المغرب حتّى انتهى إلى السوس الأقصى إلى موضع يعرف اليوم بأسفا، وهو آخر مرسى تبلغه مراكب البحر من عين الأندلس إلى ناحية القبلة، وليس بعده للمراكب مذهب. وخرج بنوه في أثره يطلبونه، فكلّ طائفة من ولده بلغت موضعا، وانقطع عنهم خبره وأقامت بذلك الموضع وتناسلوا فيه. ووصلت إليه طائفة منهم فأقاموا معه وتناسلوا هناك. وكان عمر حام أربعمائة سنة وإحدى وأربعين سنة، وقال قوم: كان عمره سبعمائة سنة وسبعين سنة. ولمّا مات دفنه بنوه في صخر منقور في جبل أصيلة.
٩١ وقال الجيهاني: إنّما تفرّقت الألسنة حين ملكهم نمرود بن كنعان بن سخاريب بن نمرود بن كوش بن حام، فردّهم عن الإسلام فأمسوا كلامهم السريانيّة وأصبحوا وليس منهم مخلوق يعرف بكلام صاحبه، فتبلبلت ألسنتهم ففهّم الله تعالى العربية عادا وعبيل ابني أوص بن سام وعمليق وطسم وأميم وجاسم بني «١» لاوذ بن سام، (هكذا ذكر. قال الطبري) «٢» : فافترقت لغة بني آدم على اثنين وسبعين لسانا، لبني سام منها اثنان وثلاثون وسائرها لبني حام وبني يافث. قال: ونزل عبيل بموضع المدينة مدينة النبيّ ﷺ ، فأخرجت العماليق بني عبيل من المدينة وأنزلوهم موضع الجحفة، فأقبل سيل من الليل فاجتحفهم فألقاهم في البحر فسمّيت الجحفة. وقد احتمل السيل الحجاج بالجحفة سنة ثمانين من الهجرة، ويقال إنّها عند ذلك سميّت الجحفة.
فذهب كثير من الناس وأمتعتهم ورجالهم وذلك يوم الاثنين. وقال أبو السنابل [رجز] :
لم تر عيني يوم الاثنين ... أكثر محزونا وأبكى للعين
стр. 77
إذ هبّ السيل بأهل المصرين ... وأقبل المخبّآت يسعين
حواسرا في جبلين يرقلين «١»
٩٢ ويقال أيضا إنّ النبط من ولد أرفخشد، وإرم وملوك بابل من النبط، وهم الذين عمّروا الأرض ومهّدوا البلاد، وكانوا أشرف ملوك الأرض، فأذلّهم «٢» الدهر وصاروا إلى ما هم عليه من الذلّة في هذا الوقت كما شاهد من بالعراق وغيرها منهم. وقد ادّعى الكثير ممّن ذكرناهم أنّهم من العرب، وأكثر أجناس العجم «٣» يزعمون أنّهم عرب: فرقة من الروم تزعم أنّها من غسّان من آل جفنة ممّن دخل مع جبلة بن الأيهم الغسّاني أحد ملوكهم إلى بلاد الروم، فإنّه دخل معه ثلاثون ألفا في عهد عمر بن الخطّاب ﵁. وقوم منهم يزعمون أنّهم من اياد دخلوا بلاد الروم عند إجلاء أبرويز إيّاهم من أرض العراق في سبعين ألفا، فنزلوا أنقرة. وقوم منهم يزعمون أنّهم من ولد قضاعة من تنوخ خرجوا من الشام مع هرقل ملك الروم لمّا غلبه المسلمون عليها. ونصارى الجزيرة يزعمون أنّهم من العرب فبعضهم يقول إنّه من ولد الحارث بن كعب بن مدحج ناقلة من الشام، وبعضهم يقول إنّه من لخم رهط النعمان بن المنذر، وكانوا كلّهم على دين النصرانيّة، وبعضهم يقول إنه من آل عبّاد بن تميم رهط زيد العبادي، وبعضهم يزعم أنّه من بني سليم. والديلم تزعم أنّها من بني قيلة بن أد بن طانجة. وذلك بأنّ سابل بن ضبّة نافر إخوته فسار إلى بلاد الديلم فأقام بها. والحدلجيّة خاصّة يزعمون أنّهم من حمير. وغيرهم من أجناس الترك يدّعي العرب ويسمّون أولادهم بأسماء العرب العاربة. والأكراد يزعمون أنّهم من قيس ثم من هوازن، وهم
стр. 78
مقيمون على هذه الدعوة إلى هذه الغاية. والخزر يزعمون أنّهم من قريش ومن بني أميّة وأنّ الدولة العبّاسيّة لمّا ظهرت هرب قوم من بني أميّة فتناسلوا هنالك. والبربر كلّهم يزعمون أنّهم من العرب. وهوارة تزعم أنّها من عاملة ناقلة من الشام، وزويلة تزعم أنّها من جرهم، لمّا نالهم ما نالهم بمكّة هربوا فصاروا بزويلة. وقبط مصر من أهل الصعيد يزعمون أنّهم من ربيعة ثم من تغلب وأنّ قوما من تغلب انتجعوا بإبلهم أرض مصر لطلب الكلأ وهم على دين النصرانيّة، فتزوّجوا القبطيات وتناسلوا هناك وهم التيمي من القبط.
والحبشة الذين ببلاد النجاشي يزعمون أنّهم من اليمن، فغلبت الحبشة على أرض اليمن في قديم الدهر وملكهم بها ومقامهم بها أربعين سنة حتّى صاهروا وصوهر إليهم.
١
هود ﵇
٩٣ عن وهب: هو ابن عبد الله بن رباح بن حارث بن عاد بن عوص بن إرم.
ومنهم من يزعم أنّه هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشد: هذا قول أهل اليمن.
لمّا وقعت العصبيّة بين يمن ومضر ففخرت مضر بأبيها إسماعيل ادّعت اليمن هود أنّه من ولد أرفخشد أبيها. وقال حبيب البصري: هو هود بن عبد الله بن الخلود أرسله الله إلى قومه عاد، وهي عاد الأولى، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وذكر جماعة من أهل العناية أنّ الملك بعد نوح تأثّل في عاد الأولى قبل سائر الممالك، وذلك قوله : وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً
«١» . قال: كانوا في هيئة النخل طولا وكانوا في القوّة واتّصال الأعمار
стр. 79
بحسب ذلك. قال وآثارهم بالشحر ومواضع مساكنهم تدلّ على عظم أجسامهم. قال: وكان عاد رجلا جبّارا يعبد القمر، وتزوّج ألف امرأة ورأى من صلبه أربعة آلاف ولد وعاش ألفا ومائتي سنة. ثمّ ملك بعده ولده شداد بن عاد، وهو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد، وهذه عاد الثانية، فقد قال الله تعالى في الأولى وبيّنها بقوله : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
«١» .
وقال في هذه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ؟
«٢» ٩٤ ولشداد مسير في الأرض وحروب في البلاد، ويقال إنّه تغلّب على سائر ملوك الأرض. قال: ويقال إنّ جيرون بن سعد حلّ دمشق فمصّر مصرها و (جمع عمد) «٣» الرخام والمرمر إليها وشيّد بنيانها وسمّاها إرم ذات العماد، وبقية هذا البنيان في هذا الوقت بدمشق يعرف بباب جيرون وهو بناء عظيم.
وأكثرهم كان بالدّوّ «٤» والدّهناء وعالج ويبرين ووبار إلى عمان والشحر وحضر موت والأحقاف. قال الله : وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
«٥» . فلمّا سخط الله عليهم جعلها مفاوز وغيطانا وكانت أخصب البلاد، ولحق هود ومن اتّبعه بمكّة فلم يزالوا بها حتّى ماتوا.
٩٥ د: ويقال إنّ قبر هود بحضر موت. وقال أبو الطفيل: سمعت عليّا ﵁ يقول لي: رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء وآراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضر موت، هل رأيته؟ قلت: نعم والله إنّك لنعتّ نعت رجل قال: ما رأيته ولكنّي حدثت عنه، وفيه قبر هود عليه السلام
стр. 80
عند رأسه سدر وسلم. وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة أنّ رجلا من مهرة أتى علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: ممّن أنت؟ قال له من مهرة.
قال: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
. وقال ابن لهيعة: قبر هود بمهرة.
٩٦ وكانت عاد أصحاب أوثان وكانت لهم ثلاثة أصنام: صمّود وصدّاء والهبا «١» . قال الله حكاية عنهم: قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
«٢» . فحبس الله عنهم القطر ثلاث سنين، فأوفدوا وفدا ليستسقوا لهم بمكّة وهم قيل بن عتر «٣» ولقيم بن هزّال ومرثد «٤» بن سعد- وكان مسلما يكتم إسلامه- ولقمان بن عاد وجلهمة بن الحبيري «٥» ابن خال معاوية بن بكر، فبلغوا بأشياعهم سبعين. فلمّا قدموا مكّة نزلوا على معاوية بن بكر، وهذه عاد الأخرى، وكانوا أخواله وأصهاره، فأكرمهم وأقاموا يشربون الخمر وتغنّيهم الجرادتان قينتان لمعاوية، فمكثوا كذلك شهرا.
فلمّا رأى ذلك شقّ [ذلك] «٦» عليه وقال: هلك أصهاري وأخوالي وهؤلاء مقيمون وقد بعثوهم يتغوّثون لهم. واستحى أن يأمرهم بالخروج فيظنّون أنّه أضيق لمقامهم. فقالت له جارية من جواريه: قل شعرا نغنّيهم به لعلّه يحرّكهم، فقال [وافر] :
ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعلّ الله يصبحنا غماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من الجهد الشّديد فليس يرجو ... به «٧» الشيخ الكبير ولا الغلاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما
стр. 81
فقبّح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقّوا التحية والسّلاما
فأجمعوا على الاستسقاء فقال لهم مرثد «١» : إنّكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن اطعتموني سقيتم، آمنوا بهود واظهروا إسلامه. فقال له معاوية بن بكر حين سمع ذلك منه [وافر] :
أبا سعد فإنك من ... قبيل ذوي كرم وأمك من ثمود
وإنّا لن نطيعك ما بقينا ... ولسنا فاعلين لما تريد
أنترك دين آباء كرام ... ذوي رأي ونتبع دين «٢» هود
٩٧ وقالوا لمعاوية: احبس عنّا مرثد بن سعد لا يخرج معنا، فإنّه قد ترك دين آبائنا وديننا وخرج عنّا. وخرجوا يستسقون فقالوا: اللهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا فإنّا قد هلكنا. فأنشأ الله لهم سحائب بيضاء وحمراء وسوداء، ثمّ نادى مناد من السحاب: يا قيل اختر لنفسك. فقال: اخترت السحابة السوداء. فناداه مناد:
اخترت رمادا أرمدا ... لا تبقي من عاد أحدا
لا والدا تترك ولا ولدا ... إلّا جعله الله همدا
وساق الله السحابة السوداء بالنقمة إلى عاد، فلمّا رأوها قالوا: هذا عارض ممطرنا. قال الله : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ
الآية «٣» . سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوما «٤» ، أي دائمة، ولم يصب هودا ومن اتّبعه منها إلّا ما تلين عليهم الجلود وتلذّ به الأنفس، وإنّها لتمرّ من عاد بالظعينة بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة.
стр. 82
٩٨ وقال ابن إسحاق: لما سخرت الريح على عاد قال سبعة رهط منهم أحدهم الخلجان «١» : تعالوا نقوم على شفير الوادي فنردها. فجعلت الريح تردهم وتنسفهم حتّى تركتهم: صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
«٢» ، فلم يبق إلّا الخلجان «٣» . فقال له هود: ويحك أسلم تسلم. قال: وما لي إن أسلمت؟ قال: الجنّة. قال: فما هؤلاء الذين أراهم في السحاب كأنّهم البخت؟ قال: الملائكة. قال: فإن أسلمت يعيذني «٤» ربّك منهم؟
قال: ويحك هل رأيت ملكا يعيذ من جنده؟ قال: ولو فعل «٥» ما رضيت. ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه. وفي سابعهم يقول الأوّل وهو النهبان بن الخليل [رجز] :
لو أنّ عادا سمعت من هود ... ما أصبحت غامرة الجلود
هامدة الأجساد بالوهيد ... صرعى على الأنف مع الخدود
ماذا جنى الوفد على الوفود ... أحدوثة للأبد الأبيد
وقال مرثد بن سعيد [وافر] :
عصت «٦» عاد رسولهم فأضحوا ... عطاشا لا تبلّهم السّماء
ألا قبّح الإله حلوم عاد ... فإنّ قلوبهم قفر «٧» هواء
٩٩ ويقال إنّ الريح أرسلت عليهم يوم الأربعاء، فلم ترد الأخرى وعلى الأرض منهم حيّ. فلذلك كرهت الأربعاء. وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن الحارث بن حسّان قال: مررت على عجوز بالرّبذة وهي تبغي الصحابة إلى رسول الله ﷺ ، وأنا أريد رسول الله ﷺ ، فاحتملتها. قال: فدخلت
стр. 83
المسجد وهو غاص بالناس وإذا راية سوداء تخفّق وبلال مقلّد السيف قائم بين يدي رسول الله ﷺ . قال: فلمّا دخل رسول الله ﷺ رحله أذن لي.
قال: فدخلت المسجد فسلّمت فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شيء؟
قلت: نعم يا رسول الله كانت لنا الدائرة عليهم، وقد مررت على عجوز منهم بالرّبذة منقطع عنها فقالت: إنّ لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فاحتملتها وها هي بالباب. قال: فأذن لها رسول الله ﷺ فدخلت، فلمّا قعدت قلت: يا رسول الله إن أردت أن تجعل الدّهناء حاجزا بيننا وبين بني تميم فافعل، فإنّها قد كانت لنا. فاستوفزت العجوز وأخذتها الحمية فقالت: يا رسول الله بأين «١» تضطرّ مضر؟ قال: قلت: أنا والله يا رسول الله كما قال الأوّل معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنّها كانت خصما، وأعوذ بالله يا رسول الله أن أكون كوافد عاد. قال رسول الله ﷺ : وما وافد عاد؟ قال: قلت: يا رسول الله على الخبير سقطت. فقال رسول الله ﷺ : إنّه يستطعم الحديث. فقلت: إنّ عادا قحطوا فبعثوا وافدهم قيل، فنزل على معاوية بن بكر شهرا يسقيه الخمر وتغنّيه الجرادتان. قال: ثمّ مضى حتّى أتى جبال مهرة، ثم قال: اللهمّ تعلم أنّي لم آت لأسير فأفديه ولا لمريض فأداويه، فاسق عادا ما كنت تسقيه، فمرّت به سحائب سود فنودي منها أن تخيّر السحابة، فقال: هذه السحابة السوداء فنودي منها أن خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا. قال: قلت: يا رسول الله والله لقد بلغني أنّه لم يرسل عليهم من الريح إلّا قدر ما يجري في حلقة الخاتم. قال أبو وائل وكذلك بلغنا. ويقال إنّ قبر هود بمهرة على ما تقدّم.
١٠٠ قال د: ومن أعاجيب أرض عاد أنّ هناك منارة من نحاس عليها تمثال من نحاس، فإذا كانت الأشهر الحرم سالت ماء في حياضهم.
стр. 84
وروي أنّه كان قيل لوفد عاد حين نشأت لهم السحاب: وقد اعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم. فقال لقمان بن عاد: أعطني يا ربّ عمرا. فقيل: لا سبيل إلى الخلد، فاختر لنفسك بقاء سبع أيعار «١» عفر «٢» في جبل وعر لا يرقى به إلّا القطر، أو بقاء سبعة أنسر إذا مضى نسر خلّف نسرا مكانه.
فاختار النسور، فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته حتّى إذا مات أخذ غيره، وكان آخرها لبد، ولبد بلسانهم الدهر، فماتا جميعا.
وكان هود أشبه ولد آدم بآدم ما خلا يوسف ﵇.
صالح ﵇
١٠١ هو صالح بن عبيد من ذريّة ارم بن سام. وقال وهب بن منبّه: هو صالح بن عبيد بن جابر بن هود النبيّ ﵇ بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وقد تقدّم من نسب هود غير هذا. قال وهب: بعثه الله إلى ثمود حين راهق الحلم، وكان يمشي حافيا لا يتّخذ حذاء كما كان يمشي المسيح ابن مريم، ولا يتّخذ مسكنا ولا بيتا، ولا يزال مع ناقة ربّه حيثما توجّهت.
وكانت منازل قومه بالحجر وبين الحجر وبين قرح ثمانية عشر ميلا، وقرح هي وادي القرى. وبيوتهم إلى وقتنا هذا مبنيّة منحوتة في الجبال ورممهم باقية وآثارهم بادية، وهي بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي على طريق الحاجّ من الشام، وهي في ناحية تبوك، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا هذا، وهذا يدلّ على أنّ أجسامهم كانت كأجسامنا لا كأجسام عاد الأولى. وأوّل ملوكهم عابر بن إرم بن سام، وثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وكانت أعمارهم «٣» تطول فيبنون كلّ بناء فينهدم فاتّخذوا من الجبال بيوتا فرهين.
стр. 85
١٠٢ وقالوا لصالح: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
«١» . وكان القوم أصحاب إبل. فقال له زعيم من زعمائهم: إن كنت صادقا فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة سوداء عشراء ذات عرق وشعر ووبر. فأتى بهم هضبة، فلمّا رأته تمخّضت كما تمخض الحابل وانشقّت عن الناقة، ثم تلاها سقبها في نحو صفتها، فآمن كثير منهم وآمن زعيمهم جندع بن عمرو، فكان شربها يوما وكان شربهم يوما، فإذا كان يوم شربها حلبوا لبنا، فملؤوا كلّ إناء ووعاء.
١٠٣ وعاقر الناقة أحمر ثمود وهو قدار بن سالف، وكان أحمر أشقر أزرق سناطا «٢» قصيرا، والعاقر الآخر مصدع بن مهرج، واستغويا تسعة من قومهم وهم الذين أخبر الله عنهم في كتابه أنّهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون. وكانت لهما صاحبتان أغوتاهما- عنيزة «٣» وصدوق- بذلتا أنفسهما إن عقرا الناقة، فأتوها فضرب قدار «٤» عرقوبها بالسيف، وامتثل مصدع فعله في العرقوب الآخر واستهموا لحمها.
١٠٤ فلمّا عقرت خرجت ثمود تعتذر إلى صالح بأنّه عقرها فلان وفلان ولا ذنب لنا. فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فعسى أن يرفع عنكم العذاب.
ولمّا رأى الفصيل أمّه تضطرب صعد جبلا يقال له القارة «٥» ، فأوحى الله
стр. 86
عزّ وجلّ إلى الجبل فطال في السماء حتّى ما تناله الطير، وبكى الفصيل حتّى سالت دموعه. ثمّ استقبل القوم فرغا ثلاثا وقيل إنّه لحقه بعضهم فعقره فقال صالح: لكلّ رغوة أجل يوم تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام، ذلك وعد غير مكذوب. قال لهم: وآية ذلك أن تصبح وجوهكم مصفرّة وفي اليوم الثاني محمرّة وفي الثالث مسودّة. فلمّا رأوا صدق قوله في اليوم الأوّل همّ بعضهم بقتل صالح وقالوا: إن كان صادقا عاجلناه، وإن كان كاذبا جزيناه بكذبه.
فأتوا ليلا فحالت الملائكة بينهم وبينه ومنعه الله منهم. ثمّ لمّا رأوا صدق ما أنذرهم به في اليوم الثاني والثالث تحنّطوا في الثالث وتكفّنوا وصاحوا وضجّوا وبكوا وانتحبوا، فجعلوا يقلّبون أبصارهم إلى السماء مرّة وإلى الأرض مرّة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب. فصبحهم في اليوم الرابع وهو يوم الأحد صيحة من السماء، فتقطّعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين «١» . عقروا الناقة يوم الأربعاء وصبحهم العذاب نهار الأحد.
١٠٥ قال غيره: وخرج عنهم صالح بمن آمن معه ليلة الأحد، فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين. وقال حباب [بن] عمرو، وكان ممّن آمن مع صالح [بسيط] :
كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمة ... ما إن يضام لها «٢» في الناس من جار
فأهلكوا ناقة كانت لربّهم ... قد أنذروها وكانوا غير أبرار
١٠٦ وروي عن رسول الله ﷺ أنّ الله أهلكهم بتلك الصيحة أجمعين إلّا رجلا واحدا وهو أبو رغال، كان في حرم الله فمنعه من العذاب. وقد نهى
стр. 87
رسول الله ﷺ أصحابه لمّا مرّ بهذه القرية أن يدخلوها وأن يشربوا من مائها وأراهم مرتقى الفصيل. قال ط: وأهل التوراة يزعمون أنّه لا ذكر لعاد ولا لثمود ولا لصالح عندهم، وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم. ق: عن وهب: ولمّا رأى صالح أنّها دار قد سخط الله عليها ارتحل هو ومن معه، فأهلّوا بالحجّ على قلايص حمر مخطّمة بحبال الليف حتّى وردوا مكّة، فلم يزالوا بها حتّى ماتوا، فقبورهم في غربيّ الكعبة بين دار الندوة والحجر.
إبراهيم ﵇
١٠٧ هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن أسرغ بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. قال: وكذلك في التوراة إلّا أنّه مكان أسرغ شاروغ.
واختلف في الموضع الذي ولد فيه، فقيل بالسّوس من أرض الأهواز، وقيل بأرض بابل من أرض السّواد، سواد الكوفة. وقال بعضهم بكوثا من السّواد أيضا، وفيها كان نمرود. وقال عامّة السلف: ولد في عهد نمرود بن كوش المتقدّم الذكر، وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة، وقال بعض أهل الكتاب: ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستّون سنة. وقال د: تسعمائة واثنتان وأربعون سنة. قال: وإنّما سمّي أبو إبراهيم آزر النمرود لمّا صار قيّما على خزائنه. وقيل إنّ النمرود ملكه الشرق، وقال مجاهد إنّ آزر ليس باسم أبيه وإنّما هو اسم صنم، وقيل إنّه عيب عابه به معناه معوج.
١٠٨ ولمّا قرب أمر إبراهيم طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس والقمر، فدعا المنجمين والكهنة فسألهم عن ذلك. وفي زمانه ظهر القول
стр. 88
بأحكام النجوم وكوّرت الأفلاك وعملت الآلات وقرب فهم ذلك إلى قلوب الناس ونظر أصحاب النجوم فيما سألهم عنه، فأخبروه أنّ مولودا يولد يكون على يده هلاكه وذهاب مملكته وفساد آلهتهم.. فأمر بقتل الولدان وعزل الرجال عن النساء. وخرج إلى قرية أخرى وأخرج الرجال مع نفسه ولا يولد مولود إلّا قتله «١» . وعرضت حاجة للنمرود إلى المدينة فلم يأمن عليها إلا آزر، فأرسله فيها ونهاه عن مواقعة أهله، فقال (له آزر: أنا أضنّ بديني) «٢» .
فلمّا دخل المدينة لم يتمالك أن وقع على زوجته، ثم مرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة فجعلها في سرب، وكان يتعاهدها بالطعام والشراب، فولدت إبراهيم فكانت جمعته كالشهر لسرعة شبابه، وترعرع ابراهيم ونسي الملك ما أنذر به. فلمّا أمن عليه أبوه أخرجه من السرب بعد المغرب فرفع رأسه فإذا هو بالكوكب المشتري، وكان من أمره ما نصّه الله تعالى.
قال ابن عبّاس ﵄: وخرج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب. وكان قد أوتي رشده من قبل، ومن أوتي رشده فقد عصم من الزلل وعبادة غير الواحد الصمد. ثمّ أتاه جبريل ﵇ فعلّمه دينه واصطفاه الله خليلا ونبيّا، فدعا قومه إلى الإسلام، وكان من كسر الأصنام ما نصّه الله تعالى.
١٠٩ فشاور نمرود في أمره، فقال رجل منهم يقال له هيزم: حرّقوه، فخسف الله به الأرض فهو يتلجلج فيها إلى يوم القيامة. وقال عبد الله بن عمر لمجاهد «٣» : أتدري من أشار بحرق إبراهيم؟ قال: قلت: لا. فقال: رجل من أعراب فارس. قلت: وهل للفرس من أعراب؟ قال: نعم، الكرد.
стр. 89
ولمّا رفع إبراهيم ليقذف به في النار سألت السماوات والأرض وكلّ من عليها غير الثقلين ربّها ﵎ أن يأذن لها في نصرته، فقال: إن استغاث بشيء منكم فينصره، وإن لم يدع غيري فأنا وليّه. فرفع إبراهيم رأسه فقال: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض. فقال الله : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
«١» . فقال عبد الله بن عبّاس ﵄: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها ولم ينتفع بنار في ذلك اليوم وظنّت كلّ النار أنّها المأمورة «٢» . ونظر نمرود إلى إبراهيم في روضة خضراء في سواء النار ومعه رجل ورأس إبراهيم على حجره وهو يمسح العرق عن وجهه، وكان ملك الظلّ، وإبراهيم حينئذ ابن ستّ عشرة سنة.
فعجب نمرود من ذلك وما كفّ عن إبراهيم وقال: إنّي مقرّب إلى إلاهك أربعة آلاف بقرة. فقال إبراهيم: إنّه لا يقبلها منك ما كنت على شيء من دينك.
١١٠ واستجاب لإبراهيم رجال من قومه بتلك الآية على خوف من نمرود، وآمن به ابن أخيه لوط. وتزوّج إبراهيم سارة ابنة عمّه هران الأكبر بن ناحور، هي سارة ابنة هران بن ناحور أخت لوط وابنة عمّ ابراهيم، فآمنت به. قال:
وهي أوّل من آمن به. وخرج إبراهيم مهاجرا بمن معه حتّى قدم مصر. قال وهب: فلسطين. فوجد بها فرعون من فراعنة القبط. قال وهب: يقال له صادوف، فذكر له حسن سارة فأرسل إلى إبراهيم فسأله عنها فقال: هي أختي: وخاف أن يقتله عليها لو قال: هي زوجتي. فقال: زيّنها وارسل بها إليّ أنظر إليها. فمدّ يده إليها فرعون فيبست إلى صدره فقال: ادعي ربّك أن يطلق يدي ولا أمسكك. ففعلت وانطلقت إليه يده، ووهب لها هاجر
стр. 90
فوهبتها سارة لإبراهيم. وقال رسول الله ﷺ : لم يكذب إبراهيم غير ثلاث: إنّي سقيم، وبل فعله كبيرهم هذا، وقوله للجبّار إذ سأله عن سارة: هي أختي.
١١١ فخرج إبراهيم حتّى نزل فلسطين بين الرملة وإيليا، وقال وهب: إنّ الله أخرج الجبّار الذي عرض لسارة من تلك المدينة وأورثها إبراهيم، فأثرى بها فولدت هاجر- وهي قبطية- إسماعيل لستّ وثمانين سنة من عمر إبراهيم، وولد له إسحاق وهو ابن مائة سنة وعشرين وسارة ابنة تسعين سنة. واختتن إبراهيم بعد تسع وتسعين سنة وختن الله إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة. وكان من إخراج إبراهيم لهاجر وابنها إسماعيل إلى مكّة ما قد شهر: أسكن إسماعيل بمكّة وهو ابن ستّ عشرة سنة، وقيل ابن أربع عشرة سنة، وانفجرت زمزم من تحت يد إسماعيل فاستسقت هاجر وجعلت تدخره في قربتها، فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم معينا ظاهرة. ثم أجاب الله دعوة إبراهيم فأنسهم بجرهم «١» وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ورزقهم من الطيّبات.
١١٢ ثمّ بنى إبراهيم البيت مع ابنه إسماعيل على ما أمره الله تعالى به. وذكر آخرون أنّ الذبح كان قبل بناء الكعبة وهو أصحّ، والله أعلم. ثمّ أمر الله إبراهيم أن يذبح ولده على كثرة الاختلاف فيه. قال: إن كان الذبح وقع بمنى قبل ذبح الفداء فعلى ما تكرّر فالذبيح إسماعيل، لأنّ إسحاق لم يدخل الحجاز.
وإن كان الأمر بالذبح وقع بالشام فالذبيح إسحاق، لأنّ إسماعيل لم يدخل الشام بعد أن حمله أبوه منه. وقد تكرّرت الآثار أنّ الموضع الذي خلا فيه
стр. 91
بابنه وأضجعه للذبح فيه شعب ثبير. وعن عليّ وابن عبّاس ﵃ أنّ الكبش أهبط على إبراهيم في ثبير. قال عبد الله بن عبّاس: وكان رعى في الجنّة أربعين خريفا. قال: فأرسل إبراهيم ابنه فاتّبع الكبش حتّى أخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلته عندها. فجاء الجمرة الوسطى فرماه بمثلها فأفلته. ثمّ رماه عند الجمرة الكبرى بمثلها وأخذه. فأتى به إبراهيم المنحر من منى فذبحه. قال عبد الله بن عبّاس ﵄: لقد كان أوّل الإسلام وإنّ رأس الكبش المعلّق بقرنه في ميزاب الكعبة قد وخش «١» يعني يبس.
١١٣ قال أبو جعفر: ممّا امتحن الله به إبراهيم النّار والكواكب والشمس والقمر وأمره بذبح ابنه والكلمات التي ذكرها الله في محكم كتابه على اختلاف الناس فيها وذكر خمسة أقاويل. فلمّا علم الله منه الصبر على ما ابتلاه [به] والقيام بما ألزمه واسترعاه جعله الله لمن بعده إماما، وجعل في ذريّته النبوّة والرسالة وخصّهم بالكتب المنزّلة والحكم البالغة.
١١٤ وروي أنّ أوّل من ركب الخيل إبراهيم، وقالت العرب: إن أوّل من ركب الخيل إسماعيل بن إبراهيم، وكانت وحوشا فأوحى الله إليه بآية الخيل فدعا بها فأتته فأمكنته من نواصيها فركبها هو وولده، فعتاق الخيل تنسب إليهم إلى هذه الغاية، فيقال الخيل العربيّة.
стр. 92
١١٥ وذكر السدّي أنّ إبراهيم سأل ربّه أن لا يتوفّاه حتّى يكون هو الذي يسأله الموت. فبعث الله إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم، وكان إبراهيم كثير الإطعام، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخا كبيرا يمشي في الحرّ، فبعث إليه بحمار فركبه حتّى إذا جاء أطعمه. فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها عينه أو أذنه ثم يدخلها، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره.
فقال للشيخ حين رأى ذلك منه: ما بالك؟ قال: الكبر، فسأله عن سنّه، فزاد على عمر إبراهيم سنتين. فقال إبراهيم: إنّما بيني وبينك سنتان، فإذا أتيت عليها كنت مثلك؟ قال نعم. قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل هذا. فقام الشيخ فقبض نفسه وتوفّى وهو ابن مائتي سنة، وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة- صحّ عنهم- ودفن بأرض الكنعانيّين في حبرون في مزرعة اشتراها إبراهيم، وفيها دفنت سارة وإسحاق، ومواضع قبورهم مشهورة وهي على ثمانية عشر ميلا من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم.
١١٦ وأنزل الله على إبراهيم عشر صحف. قال رسول الله ﷺ أمثالا ومواعظ منها: على العاقل أن يكون بصيرا لزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا في ما يعنيه.
ق: وما عاشت سارة سوى مائة سنة وسبع وعشرين سنة. واختلف هل هي أوّل موتا أو هاجر، والصحيح أن هاجرا تقدّمتها، ولا اختلاف أنّهما ماتتا في حياة إبراهيم. ودفنت هاجر بحجر مكّة وفيه دفن ابنها إسماعيل. وتزوّج بعدها إبراهيم امرأتين من الكنعانيّين قطورا وحجورا وله ثلاثة عشر ذكرا، منهم مدين بن إبراهيم جدّ شعيب، فجميع ولده ثلاثة عشر ولم يذكر إلّا قطورا ولدت له سبعة نفر ولا تذكر الأخرى. وكان لإبراهيم أخوان: حرّان
стр. 93
أو لوط- ويقال هاران- وهو الذي بنى حرّان وإليه تنسب «١» ، وناهر وهو أبو رفقا امرأة إسحاق. وفي التوراة أنّه ناحور لا ناهر وناهر لوهب.
١١٧ وأمّا الدليل أنّ هاجر سبقت سارة فما رواه السدّي أنّ إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل، فآستأذن سارة أن يأتيه. فأخذت عليه عهدا ألّا ينزل غيرة على هاجر، فركب البراق ثمّ أقبل فوجد أم إسماعيل قد ماتت. وتزوّج إسماعيل امرأة من جرهم ولم يجد إسماعيل ورأى المرأة فظّة غليظة فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا ويقول لك: لا يرضى عتبة بابك: ففعلت، فلمّا أخبرته طلّقها. وتزوّج ثانية، وجاء إبراهيم مرّة ثانية فلم يجد إسماعيل ووجد امرأة سهلة طلقة وأتته باللبن واللحم، فدعا لها بالبركة وجاءته بالمقام فوضعته تحت شقّه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه فيه وغسلت شقّ رأسه الأيسر ثم قال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك.
١١٨ قال أبو جعفر: ثمّ لبث ما شاء الله أن يلبث وأمره ببناء الكعبة. وفي رواية أخرى قيل: كان على أتان ولدعوة إبراهيم لا ينقطع اللّبن بمكّة في فصل من فصول السنة، ولذلك كانت لحومها أطيب اللحوم حتّى أنّ القصّاب ليعطي الشحم بدلا من اللحم يغشّ به.
стр. 94
١١٩ وأمّا نمرود صاحب إبراهيم فعذبه الله بأضعف خلقه ببعوضة توغّلت في خياشيمه، فمكث أربعمائة عام، أربعين عاما يعذّب في حياته، وكان يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس عنده من جمع يديه فضرب بهما رأسه. وهو الذي جوّع الأربعة الأنسر وقرنهنّ بالتّابوت، فلم يزل يرفع اللحم حتّى وقع في ظلمة لا يرى ما فوقه ولا ما تحته، ففزع وألقى اللحم وانقضّت النسور وكان طيرانهنّ من بيت المقدس وسقوطهنّ بجبل الدخان. وذلك قول الله : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ
الآية «١» . ثم أخذ بعد ذلك في بنيان الصّرح، فبنى حتّى إذا ظنّ أنّه أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر- بزعمه- إلى إله إبراهيم، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
«٢» . فيقال: عند ذلك تبلبلت ألسن الناس من الفزع، فتكلّموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سمّيت بابل، وإنّما كان لسان الناس قبل [ذلك] بالسريانيّة.
إسماعيل بن إبراهيم ﵉
١٢٠ وتزوّج إسماعيل بعد التي أمره أبوه بطلاقها أسيدة ابنة مضاض بن عمرو الجرهمي، وهي التي رضي عنها أبوه، فولّدت لإسماعيل اثني عشر ذكرا:
نابت بن إسماعيل- ويقال نبت، وقيدور، ونبت هو بكره «٣» . وبعث الله إسماعيل إلى العماليق وقبائل اليمن. وقيل إنّه لمّا حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحاق، وقيل إلى آبنه قيدور، وزوّج آبنته من عيصو بن
стр. 95
إسحاق، وعاش مائة وسبعا وثلاثين سنة ودفن بالحجر حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود عند قبر أمّه. وانتشر بنوه في البلاد وظهروا وهم نفوا «١» العماليق. وسمّي إسماعيل لأنّ الله سمع دعاء هاجر ورحمها فيه، وقيل إنّ الله سمع دعاء إبراهيم. وقيل: هو وإسماعيل أوّل من ركب الخيل على ما تقدّم وكانت وحوشا، وأوّل من عمل قوسا عربية فرمى بها.
إسحاق ويعقوب عليهما الصّلاة والسّلام
١٢١ وتزوّج إسحاق رفقا ابنة عمّه على ما تقدّم، وهو قول أهل التوراة. وقال ابن إسحاق: هي رفقا آبنة بتويل «٢» بن ناحور بن آزر، فولدت له عيصو ويعقوب توأمين، وذلك بعد أن مضى من عمر إسحاق ستّون سنة. فولدت لعيصو من ابنة إسماعيل الروم، فكان بنو الأصفر من ولده، وقيل: إنّ الأشبان من ولده ولا أدري أمن آبنة إسماعيل أم لا؟ وولد عدّة أولاد سواه.
قال: وولد للعيص ثلاثون رجلا ومن (بني الأصفر) «٣» ملوك الروم (ومنهم الإسكندر في قول الروم. قال عدي [متدارك] :
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم «٤» لم يبق منهم أحد مذكور.
١٢٢ وقد اختلف في الروم، فقيل: إنّهم من ولد إسحاق، وقيل: إنّما سمّوا روما بإضافتهم إلى مدينة رومة وليس اسم رجل. وكان منزل عيصو الشّام، فكثر ولده فصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية، ثمّ إنّ الروم غلبوا الكنعانيّين.
стр. 96
قال: وكان العيص فيما ذكر يسمّى آدم لأدمته، ولذلك سمّي ولده بنو الأصفر. وكان الروم رجلا أصفر في بياض ولذلك سمّي ولده بنو الأصفر.
١٢٣ فكان أكثر دعاء إسحاق ليعقوب وظهرت البركة له بدعائه، فغاض ذلك العيص وتوعّد يعقوب بالقتل، فخرج هاربا إلى خاله ببابل، فكثر جزع يعقوب من أخيه العيص فأمّنه الله من ذلك. وكان ليعقوب خمسة آلاف وخمسمائة من الغنم، فساهم أخاه العيص فيها وأعطاه عشرها استكفافا لشرّه وخوفا من صولته بعد أن أمّنه الله منه. فعاقبه الله في ولده لمخالفته لوعده، وأوحى الله إليه: لم تطمئن إلى قولي، لأجعلنّ ولد العيص يملكون ولدك خمسمائة وخمسين سنة، وهو عدد ما أعطى العيص من غنمه، فكانت المدّة مذ أخربت الروم بيت المقدس واستعبدت بني إسرائيل إلى فتح عمر بن الخطّاب ﵁ بيت المقدس.
١٢٤ ولم يزل يعقوب يتألّف أخاه العيص «١» حتّى ترك له البلاد وعبر إلى الروم، فأوطنها فصار الملك من ولده وهم اليونانية فيما يزعمون.
١٢٥ وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة «٢» ودفن مع أبيه إبراهيم، وقد كفّ بصره.
وأمر إسحاق ابنه يعقوب أن لا ينكح امرأة من الكنعانيّين وأمره أن ينكح من
стр. 97
بنات خاله لابان بن ناهر بن آزر، فنكح ابنتيه لايا وراحيل بالحديث المشهور. وكانوا يجمعون بين الأختين حتّى جاءت شريعة موسى ﷺ .
وقيل إنّه لم يتزوّج راحيل حتّى توفّيت لايا، فولد له منها الاثنا عشر سبطا، وكان ولدا راحيل يوسف وبنيامين، وقيل اثنان سواهما. وقيل إنّ الاثني عشر من أمتين كانتا لابنتي لايا جهّزهما فوهبتهما له.
ولمّا توجّه يعقوب إلى خاله لينكح ابنته أدركه الليل فبات في بعض الطريق متوسّدا حجرا. فرأى فيما يرى النائم سلّما منصوبا إلى باب (من أبواب) «١» السّماء والملائكة تعرج فيه وتنزل منه، فأوحى الله إليه: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا، وقد ورّثتك هذه الأرض المقدّسة وذرّيتك من بعدك، ثمّ أنا معك أحفظك حتّى أردّك إلى هذا المكان، فأجعله بيتا تعبدني فيه، فهو بيت المقدس. عن ق. ثمّ كان من أمره مع خاله ما كان. وتوفّى يعقوب بمصر وهو ابن مائة سنة وسبع وأربعين سنة ودفن عند قبر إبراهيم وإسحاق. وكان يعقوب قد أوصى إلى يوسف أن يحمل جسده حتّى يدفنه مع أبيه بالشّام ففعل. ق: وعاش يعقوب مع يوسف بمصر سبع عشرة سنة وعاش عيصو كعمر يعقوب سواء.
يوسف ﵇
١٢٦ كان بين دخول يوسف مصر إلى أن دخلها موسى بن عمران أربعمائة سنة، وعاش يوسف بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة، وفي التوراة مائة وعشر. وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وقد قيل سبعا وسبعين سنة. وقيل: كان بين رؤياه ومجيء تأويلها أربعون سنة «٢» ، فتلك
стр. 98
مدّة مغيبه عنه «١» إذا، وهذا لا يصحّ لأنّه ألقي في الجبّ وهو ابن سبع عشرة سنة ولم يعش بعد أبيه إلّا ثلاثا وعشرين سنة، كذلك نقل. وقال: وعاش «٢» بعد ما جمع الله شمله به ثلاثا وعشرين سنة، وهذا الصحيح لأنّه إذا حملت على هذا سنّه إذ خرج عنه وذلك سبع عشرة سنة، يبقى من عمره ثمانون سنة وهي المدّة التي غاب عنه «٣» فيها.
١٢٧ وأوصى يوسف إلى أخيه يهودا، وجعل يوسف لمّا توفّى في تابوت رخام وسدّ بالرصاص وطلي بالأطلية الدافعة للهواء والماء وطرح في نيل مصر، ويقال إنّ موسى جعل جسده في تابوت عند خروجه من مصر، وقد روي أنّه أوصى أن يحمل إلى الشّام فيدفن مع أبيه وجدّيه.
وولد ليوسف أفرائيم وميشى، فولد ميشى موسى تنبّأ قبل موسى بن عمران، وهو صاحب الخضر فيما ذكر أصحاب التوراة، صحّ ط ق.
لوط ﵇
١٢٨ وهو مقدّم في المرتبة لأنّه كان في زمان إبراهيم. وهو ابن هاران أخي إبراهيم، ولمّا هاجر إلى الشام على ما تقدّم وآستوطن إبراهيم فلسطين أنزل آبن أخيه لوطا الأردن، فأرسل الله لوطا إلى أهل سدوم وما حولها وهي المؤتفكات، وكانت خمس قريات وسدوم هي القرية العظمى، وهي باقية إلى وقتنا هذا وهي سنة ثلاثمائة واثنتين وثلاثين، خراب لا أنس فيها، والحجارة المسوّمة موجودة فيها، يراها السّفر سودا برّاقة. قال: وكان في قرية منها مائة ألف.
стр. 99
أيّوب ﵇
١٢٩ كان في زمن يعقوب، زوجته ابنة يعقوب وهي المضروبة بالضّغت، وهو أيّوب بن موص «١» بن رغويل، وكان أبوه ممّن آمن مع إبراهيم إذ ألقي في النّار. وقال آبن إسحاق وغيره: رغويل بن عيصو بن إسحاق، وأمّ أيّوب آبنة لوط باتفاق، ويقال إنّ زوجه المضروبة بالضغت هي ابنة أفرائيم بن يوسف. وكان أيّوب كثير المال كانت له البثنيّة والجابية من الشام كلّها له، فيها ما لا يحصى من العبيد والغنم والدوّاب. وابتلاه الله في ماله وولده فصبر، ثم ابتلاه الله في جسمه وبقي مطروحا في كناسة سبع سنين وشهرا فصبر. قال: ومسجده والعين التي اغتسل فيها مشهوران إلى وقتنا هذا فيما بين دمشق وطبرية على ثلاثة أميال من مدينة نوا، وعمر ثلاثا وسبعين سنة.
[ذكر ذي الكفل ﵇]
١٣٠ وبعث الله بعده بشر بن أيّوب ذا الكفل ﵇ وأقام بالشام حتّى مات، وعمر خمسا وسبعين سنة. قال ق: لم نجد فيما نقله وهب له ذكرا، وهو رجل من بني إسرائيل أرسل إلى ملك يقال له كنعان، فدعاه إلى الإيمان وكفل له بالجنّة وكتب له كتاب ذكر حقّ على الله، فآمن ذلك الملك وسمّي ذا الكفل بالكفالة.
стр. 100
شعيب ﵇
١٣١ من ذريّة مدين بن إبراهيم، وجدّة شعيب ابنة لوط. وقال بعضهم: لم يكن شعيب من ذريّة إبراهيم وإنّما هو من ذريّة من آمن به إذ ألقي في النّار. وكان عربي اللسان، وكان شعيب ضرير البصر، وحدث بذلك ابن جبير في قول الله : وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً
«١» . ويقال له خطيب الأنبياء بعثه الله إلى مدين وهم أصحاب الأيكة، وهم من ولد مدين بن إبراهيم. ومن ملوكهم أبو جاد «٢» وهوّز على تواليهما فكان ملكه مكّة وما يليها من الحجاز، وكان هوّز وحطّي ببلاد وجّ «٣» ، وهي الطائف وما اتّصل بها من أرض نجد، وكلمن وسعفص وقرشت «٤» ببلاد مصر. وفيما لحق بهم من عذاب الله يقول المنتصر بن المنذر [طويل]
ملوك بني حطّي وسعفص ذي الندى ... وهوّز أرباب البنية والحجر
هم ملكوا أرض الحجاز بأوجه ... كمثل شعاع الشمس أو صورة البدر
وهم قطنوا البيت الحرام وزيّنوا ... حضورا وسادوا بالمكارم والفخر «٥»
١٣٢ وقال ابن خرداذبه في تاريخه: كان شعيب ألثغ وعمّر مائة وأربعين سنة وتوفّي بمكّة ودفن عند المسجد الحرام حيال الحجر الأسود، وأوصى إلى موسى بن عمران صهره. وسلط الله على قومه حرّا شديدا حتّى أخذ بأنفسهم، ثم بعث الله سحابة فوجدوا لها بردا، فلمّا صاروا
стр. 101
تحتها أرسلها الله عليهم نارا، فذلك قوله : فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ
الآية «١» . واحترقوا كما تحترق الجراد في المقلى. وكانوا أهل كفر بالله وبخس في المكيال والميزان. ولم يكن أهل مدين قوم شعيب ولكنّها أمّة بعث إليها، وما أدري كيف هذا والله يقول: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً
«٢» . قال: وكان اسم شعيب بثرين. وروى ابن لهيعة أنّ أبا هريرة سأل رجلا فقال: ممّن أنت؟ قال: من جذام. قال أبو هريرة: مرحبا بأصحاب موسى وقوم شعيب. فإن صحّ هذا فجذام من مدين ولد إبراهيم.
وزعم قوم أنّ أهل مدين الذين بعث إليهم شعيب من العرب العاربة والأمم الداثرة وليسوا من ولد مدين، وتزعم قريظة والنضير أنّهم من رهط شعيب وأنّهم من جذام.
الخضر ﵇
١٣٣ وهو بليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ. وقال عامّة أهل الكتاب:
كان في زمان أفريدون المتقدّم ذكره «٣» . وقيل إنّه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان في زمان إبراهيم، وبلغ الخضر مع ذي القرنين نهر الحياة فشرب منه ولم يعلم به ذو القرنين ولا من معه، فهو حيّ إلى الآن. وقد قيل إنّه من ولد فارس، والله أعلم.
стр. 102
موسى وهارون ابنا عمران ﵉
١٣٤ موسى وهارون ابنا عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، صحّ. وقيل عمران بن يصهر بن قاهث. قال: وقارون بن يصهر بن قاهث «١» ، قارون بن صافر «٢» بن قاهث، فهو على هذا ابن عمّ موسى وعلى قول عمّه. واسم أمّ موسى وهارون نوخابت «٣» ، وقيل باخثة، من ذريّة يعقوب من ذرية نفشان بن إبراهيم. كان هارون أسنّ من موسى بثلاثة أعوام، وكانت لهما أخت اسمها مريم كانت أسنّ منهما وكانت تحت كالب بن يوفنا.
١٣٥ ولمّا قبض الله يوسف ﵇ توارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم حولا، وهم على بقايا من دينهم الذي كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ﵈ شرعوا لهم، حتّى كان فرعون موسى وهو الوليد بن مصعب (صحّ عنهم) «٤» . عن وهب. وقيل إنّ فرعون موسى هو فرعون يوسف عمّر أكثر من أربعمائة سنة. قال: وغيره ينكر هذا. فعذب بني إسرائيل وكان سيّء المملكة شديد البطش، وكان قد نكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم من خيار النساء لمّا أراد الله من أمر موسى.
стр. 103
١٣٦ فلمّا تقارب زمن موسى أعلمه المنجّمون بما وجدوا من أمره في علمهم وقالوا: قد أظلّك زمانه. وقيل: بل رأى فرعون «١» في منامه أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت القبط بمصر وتركت بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك القبط. روي ذلك عن ابن عبّاس وابن مسعود ﵃. فأمر بقتل الغلمان واستحياء الجواري، فكان من أمر موسى ما نصّه الله .
فلمّا شبّ موسى كان «٢» يركب مثل ما يركب فرعون ويلبس كلبسه، وكان يدعى موسى بن فرعون لأنّه كان تبنّاه. وركب يوما وقد ركب فرعون، وهو يتبعه، وقد خلت الأسواق لاحتفال النّاس مع فرعون، فكان من أمر القبطي والإسرائيلي الذي استنصر بموسى ما كان. فذلك قوله : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها
الآية «٣» . ثم خرج خائفا يترقّب تلقاء مدين، فكان من أمره وأمر الجاريتين ما نصّه الله ، وهما ليا وصفورة «٤» ، وتزوّج موسى منهما صفورة.
١٣٧ وكلّمه [الله] تكليما وأمره أن يأتي فرعون وشدّ عضده بأخيه، ثمّ كان من أمره وأمر فرعون ما كان. وقيل إن عدد السحرة الذين حشر له فرعون خمسة عشر ألفا، فكانوا أوّل النهار سحرة وآخره شهداء قتلهم فرعون لإيمانهم لمّا رأوا الآية المعجزة. وأمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل فقال: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
«٥» . فأمرهم أن لا ينادي إنسان صاحبه وأن يسرحوا من بيوتهم. ثمّ خرجوا وألقى على القبط الموت فأصبحوا يتدافنون، فاشتغلوا بذلك حتّى طلعت الشمس. فذلك قوله : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
«٦» .
стр. 104
١٣٨ وخرج موسى في ستّمائة ألف مقاتل لا يعدّ ابن العشر لصغره ولا ابن الستّين لكبره، وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبع مائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة أي حجر. ولمّا وعد الله موسى أتاه جبريل على فرس يقال إنّه فرس الحياة، فأخذ السّامري من تربة حوافره، والسّامري موسى بن ظفر، واتّخذ لهم العجل وقال: هذا إلهكم وإله موسى فنسي «١» . يقول: أترك موسى إلاهه هنا وذهب يطلبه.
١٣٩ ثمّ انصرف موسى من عند ربّه ولم يستطع أحد بعد ذلك أن ينظر في وجهه لما يغشاه من النّور حتّى كان موسى يلبس وجهه بحريرة. وأنزل الله عليه الألواح بطور سينا من زمرّد أخضر فيها كتابة بالذهب الأحمر. فلمّا رأى ما أحدث قومه من بعده ارتعد وسقطت الألواح من يده فتكسّرت، فجمعها وأودعها في تابوت السكينة، وكان قد ضرب التابوت من ذهب من ستّمائة ألف مثقال وسبعمائة مثقال وجعله في الهيكل.
وكان هارون قيّم الهيكل، ثمّ أظهروا من توبتهم بقتلهم أنفسهم ما ذكر الله . ثمّ أمر الله موسى أن يأتيه في الناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل. فاختار موسى من قومه سبعين رجلا. ثمّ كان من سؤالهم أن يروا الله جهرة، فأماتهم الله ثمّ أحياهم. فذلك قوله : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
«٢» . ثمّ أمرهم الله بالمسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس، فساروا. فلمّا «٣» قربوا منها بعث موسى
стр. 105
اثني عشر نقيبا من أسباط بني إسرائيل، فلقيهم رجل من الجبابرة فجعلهم في حجرته وعلى رأسه حزمة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يريدون أن يقاتلونا. فطرحهم في يدها وقال: الآن أطحنهم برجلي. فقالت امرأته: لا بل خلّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا.
فذلك قول بني إسرائيل: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
، إلى قوله: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
«١» . فقال موسى: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
«٢» . قال الله : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
الآية «٣» .
١٤٠ فخرج موسى إلى التيه وعددهم ستّمائة ألف بالغ، وأتاهم بالآيات المشهورة، والتقى موسى بعد ذلك عوج بن أعناق، فارتفع موسى في الهواء عشرة أذرع وكان طول عصاه مثلها وطول موسى مثلها، ثلاثون ذراعا. فأصاب كعب عوجا فقتله، حدّث بذلك سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وقيل إنّ عوجا عاش ثلاثة آلاف سنة.
القول في وفاة موسى وهارون عليهما الصّلاة والسّلام
١٤١ حدّث ابن عبّاس وابن مسعود ﵃ أنّ الله أوحى إلى موسى: إنّي متوفّي هارون، فآت جبل كذا. فانطلق موسى وهارون إلى ذلك الجبل، فإذا فيه شجر وبيت مبنّي، وإذا فيه سرير وعليه فرش. فلمّا نظر إليه هارون أعجبه وقال: يا موسى إنّي أحبّ أن أنام على هذا السرير.
فقال: نم عليه. قال: إنّي أخاف ربّ البيت. قال موسى: أنا أكفيك.
стр. 106
فلمّا نام هارون قبض الله روحه، ثمّ رفع ذلك البيت والسرير به إلى السماء. فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له. وكان هارون أعطف عليهم. قال: دفن هارون في جبل مواب «١» نحو جبال السراة ممّا يلي الطور، وقبره مشهور في مغاوة عادية يسمع فيها في بعض الليل دوي عظيم يجزع منه كل ذي روح. وقيل إنّه غير مدفون بل هو موضوع في الغار ظاهرا، ولهذا خبر عجيب، من وصل إلى هذا الموضع علم ما وصفناه.
١٤٢ وكان ذلك قبل وفاة موسى بسبعة أشهر. [وقبض هارون وهو ابن مائة وثلاث وعشرين سنة، وقيل إنّه قبض وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقد قيل إنّ موسى قبض بعد وفاة هارون] «٢» بثلاثة أعوام وقاله أيضا، وتلك التي كان يزيد عليه هارون في سنّه، فماتا في سنّ واحد، فكانت سنّ كلّ واحد منهما مائة وعشرين سنة. وقبضا ولم يحدث لهما شيء من الشيب ولا حالا عن صفات الشباب. وكانت في جبهة هارون شامة وعلى طرف أرنبة موسى شامة وعلى طرف لسانه شامة ولا يعرف أحد قبله ولا بعده كانت على طرف لسانه شامة. وهي العقدة التي ذكرها الله «٣» ، العقدة حدثت من الجمرة التي وضعها في فيه لمّا دعت آسية له جمرا وياقوتا حين نتف لحية فرعون فأرادوا قتله، فأتى جبريل فوضع في يده الجمرة.
١٤٣ ثمّ إنّ موسى كان مع يوشع إذ أقبلت ريح شديدة، فظنّ يوشع أنّها السّاعة
стр. 107
فالتزم موسى، (واستل موسى) «١» من تحت الثياب فذهب موسى وتركها في يديه. فلمّا رجع يوشع «٢» إلى بني إسرائيل بالثياب وفقدوا موسى اتّهموه بقتله وارادوا قتله، فسألهم أن يؤخّروه ثلاثة أيّام، فأتى كلّ رجل ممّن كان يحرسه في منامه أنّ يوشع لم يقتل موسى وأنّ الله رفعه إليه.
وذكر ابن إسحاق أنّ موسى مرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا فسألهم: لمن هذا؟ فقالوا: لعبد كريم على ربّه. فقال: إنّ لهذا العبد من ربّه لمنزلا.
قالوا: أتحبّ أن تكون هو؟ قال: وددت ذلك. قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربّك. ففعل ثمّ تنفّس فقبض الله روحه وسوّت عليه الملائكة.
١٤٤ قال: وكان في زمان موسى بلعم بن باعور وهو من الرهط الذين آمنوا بإبراهيم يوم ألقي في النار، وكان بقرية من قرى البلقاء قد أوتي ملكا عظيما، وأعطي اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب. فسأله قومه من العماليق أن يدعو على موسى وبني إسرائيل، فأبى فلم يزالوا به حتّى فتنوه، فركب أتانه وارتفع إلى الجبل يدعو عليهم، فصرف الله لسانه بالدعاء على قومه. ثمّ أمرهم أن يرسلوا النساء الحسان إلى عسكر بني إسرائيل بالسلع وأن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها. فوقع رجل من بني إسرائيل بامرأة فوقع فيهم الطاعون، فيقال إنّه هلك منهم سبعون ألفا. ففي بلعم أنزل الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا
الآية، إلى قوله: يَتَفَكَّرُونَ
«٣» . وهو الذي نطقت أتانه بفضيحته وقالت. ويلي منك تنكحني بالليل وتركبني بالنهار.
стр. 108
١٤٥ قال س: فأمّا السامرية ذريّة السامري فهم في وقتنا هذا- وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة- في قرى متفرّقة ببلاد فلسطين والأردن إلى نابلس «١» ، وأكثرهم في هذه المدينة، وهم يقولون لا مساس «٢» ، وهم صنفان متباينان كتباينهم لسائر اليهود، يقال لأحدهما الكوشان وللآخر الدوستان «٣» . ويقول أحدهما بقدم العالم، ويزعمون أنّ التوراة الصّحيحة هي بأيديهم وأنّ التي بيد اليهود ليست التي أنزلت على موسى لأنّها حرقت وقت سبيهم، وأنّ المحدث لهذه التي بأيديهم روبابيل.
[ذكر يوشع]
١٤٦ ثمّ بعث الله بعد موسى يوشع بن نون بن أفرائيم نبيّا وأمره بمقاتلة الجبّارين.
فسار ببني إسرائيل بعد شهر من موت موسى إلى بلاد الشام، وقد غلب عليها العماليق، فسار إليهم ملك الشام وهو السميدع بن هوبر، فقاتلهم يوشع يوم الجمعة قتالا شديدا حتّى غربت الشمس. فدعا الله أن يردّ عليه الشمس فردّها عليه، فزاد في النهار يومئذ، فهزم الجبّارين واقتحموا عليهم يقتلونهم. فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها فلا يقطعونها. وأمرهم يوشع أن يقرّبوا أغنامهم تلك إلى الله، فلم تزل النار تأكلها. وجاء رجل إلى يوشع فصافحه فالتصقت يده بيده فقال: هلمّ ما عندك. فأتاه برأس ثور من ذهب مكلّل بالدرّ والجوهر كان غلّه، فجعله في القربان وجعل الرجل معه فأكلتهما النار.
стр. 109
١٤٧ وكان عمر يوشع مائة وعشرين سنة، وأقام أمر بني إسرائيل مذ توفّي موسى سبعا وعشرين سنة. وفي هذه الوقيعة يقول عوف بن سعد الجرهمي [طويل] :
ألم تر أن العمليقي بن هوبر ... بأيلة أمسى لحمه قد تمزّعا
تداعت عليه من يهود جحافل ... ثمانين «١» ألفا حاسرين ودرّعا
وفي أذينة بن السميدع هذا الجبّار يقول الأعشى [وافر] :
أزال عن أذينة عن ملكه ... فأخرج عن أهله ذا يزن
(وقام بأمر) «٢» بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنّا. قال: ويوشع وكالب الرجلان اللذان «٣» أنعم الله عليهما «٤» . وكالب زوج مريم أخت هارون، وأقام فيهم ثماني سنين.
ذكر حزقيل
١٤٨ ط: ثمّ بعث الله بعد ذلك حزقيل بن بوذي «٥» ، وهو الذي يقال له ابن العجوز لأنّ أمّه سألت الله الولد وقد كبرت، فوهب الله لها. وهو الذي دعا القوم الذين ذكر الله في كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
«٦» . واختلف في أمرهم كيف كان.
стр. 110
[ذكر إلياس]
١٤٩ ثمّ بعث الله من بعده إلى بني إسرائيل إلياس بن ياسين بن العيزار بن عرون بن عمران. ق: هو من سبط يوشع بن نون [بعثه الله] «١» إلى قوم من بني إسرائيل يعبدون بعلا صنما وملكهم أحب- أحاب- وامرأته زوبيل ابنة ملك مصر «٢» ، وكان يستخلفها على ملكه، وكانت قتّالة للأنبياء وهي التي قتلت يحيي بن زكريا، وتزوّجها سبعة من ملوك بني إسرائيل. واستخفى منها إلياس شفقة على نفسه عند امرأة لها ابن يقال له أليسع ابن أخطوب وكان به ضرّ، فدعا له إلياس فعوفي واتّبع إلياس. فلمّا رأى إلياس أن قومه لا يجيبونه وأنّهم مقيمون على أخبث ما كانوا عليه دعا (ربّه أن يرفعه) «٣» إليه ويؤخّر عنه مذاقة الموت. فقيل له: اخرج إلى موضع كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه. فخرج ومعه أليسع وأقبل فرس من نور حتّى وقف بين يديه، فوثب عليه، فناداه اليسع فلم يجبه، فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب وجعله أرضيا سمائيا ملكيّا بشريّا. ويقال إنّ الخضر وإلياس يلتقيان في كلّ عام في الموسم.
ذكر أليسع
١٥٠ ثمّ تنبّأ فيهم أليسع، فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثمّ قبضه إليه فكثرت فيهم الخطايا والفواحش وسلّط عليهم الجبابرة، فأخذت عنهم السكينة
следующие страницы →