Полный текст (893 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
عين جمل من الجمال إلّا هلك، فهذه خاصّة في هذا النوع من الحيوان، وسهيل يظهر في البلدان الجنوبية السّنة «١» كلّها.
٢٦٢ والأرض كلّها نصف عشر ثمن جزء من الشمس، فهي أعظم منها مائة وستّين مرّة، وقطب الشمس اثنان وأربعون ألفا، وسائر الكواكب العلوية أعظم من الأرض بدون هذه النّسبة، وما تحت الشّمس منها أقلّ من الأرض، فأمّا القمر فإنّه أعظم من الأرض سبعا وثلاثين مرّة وأقرب بعد القمر من الأرض مائة ألف وثمانية وعشرون ألف ميل، وبعد زحل من الأرض سبعة وسبعون ألف ميل إلّا شيئا.
القول في البحار
٢٦٣ زعم كثير من الفلاسفة وأهل العلم بالهندسة أنّ البحر الأعظم محيط بالأرض من جميع جهاتها لأسباب «٢» ذكروها ليس هذا موضع ذكرها وأنّ الشّكل الذي ينسب إلى العنصر المائي السّيّال الجوهر هو شكل ذو ثماني قواعد مثلّثات، وذلك جسم يحيط به ثمانية سطوح مثلّثات متساوية الأضلاع قائمة الزوايا يسمّى كعبا، وهو شكل الأرض على رأي أفلاطون وكثير من القدماء.
وجميع بحار الأرض فروع من هذا البحر وهي متّصلة الأجزاء ملتقية المياه، وقد نقل بعض المؤرّخين أنّ أحد ملوك الأرض أراد أن يعلم صحّة ذلك فأنشأ
стр. 177
سفنا ضخمة حصينة وشحّنها بالرّجال والأزواد والمال أرسلها نحو المشرق والمغرب والشّمال والجنوب، فأصابوا جميع أجزاء البحر يتّصل بعضها ببعض وألفوها كلّها تتشعّب من البحر الأعظم المحيط. وقال أهل العلم بهيئة الأرض والبحار إنّ الأمّهات الكبار المتفرّعة من البحر المحيط أوّلها البحر الأعظم الآخذ من المغرب إلى الجنوب وكذلك عرف بالبحر الجنوبي، وهو يأخذ من الغرب إلى الجنوب وكذلك عرف بالبحر الجنوبي، وهو يأخذ من المغرب إلى القلزم ويمرّ بوادي القرى إلى الجار «١» وجدّة وأيلة وعدن أبين «٢» والشحر وعمان وعبادان إلى أرض السّودان ويمرّ بصنف «٣» ببلاد العود إلى أكثر الهند إلى واق واق، وله جناحان أحدهما يأخذ إلى جزيرة العرب ويمرّ باليمامة وعمان ومهرة والشحر والجناح الآخر يأخذ إلى بلاد فارس، وعليه يقع سيراف «٤» وماوه (؟) والديبل، وبهذين البحرين سمّي البلد بالبحرين.
٢٦٤ وأمّا البحر الثاني الذي يتلو البحر الجنوبي في العظم فهو البحر الشّمالي الآخذ من الشّمال إلى ناحية الجنوب، وابتداؤه من طول واحد ويمتدّ «٥» إلى طول سبعة عشر على صورة الطيلسان إلى أن يأتي شكله شكل قطعة دائرة، ثمّ يمرّ على أحد يداب «٦» إلى أن يأتي شكله شكل الثابورة (؟) ، وليس على هذا البحر من المدن إلّا مدينة واحدة يقال لها مولية، ولا يركبه أحد لغلظ جوهر مائه وظلمته وتكاثف الهواء عليه، وإنّما يدخل منه الموضع الموازي لسمت المغرب فإنّه يركب من هناك إلى الجزائر التي من أقاصي بلاد المغرب.
стр. 178
٢٦٥ وأمّا البحر الثالث فهو البحر الرومي السّدّ، وهو يأخذ من أنطاكية إلى أقصى بلاد المغرب وهو يلتقي البحر المظلم ويخرج الى الجزائر الخالدات، ويخرج من هذا البحر الرومي خليج كبير يمرّ بجزيرة الأندلس، ثم يمرّ هذا البحر ذاهبا إلى السّنوس الأقصى من بلاد فارس والأهواز، ثمّ يأخذ هذا البحر الثالث من أنطاكية فيصير بحرا رابعا «١» إلى القسطنطينيّة ثمّ ينعطف إلى ناحية المغرب آخذا إلى الأبواب من ناحية بلاد الخزر، وعلى هذا البحر المنعطف تقع المدن الخمس التي يأخذ الخزر عليها في ممرّهم إلى القسطنطينيّة منها المدينة البيضاء. وعلى ساحل هذا البحر تقع طرسوس «٢» والمصيصة والإسكندرية وأنطاكية واللاذقية وعرقة «٣» واطرابلس الشّام وسائر ما يتلو هذه البلاد، ثمّ يدور إلى بلخ مدينة الخزر الموضوعة ومن هناك يأخذ إلى باب الأبواب.
بحر الهند
٢٦٦ وهو البحر الحبشي وهو بحر الصّين والهند والسّند والزّنج والبصرة والأبلّة «٤» وفارس، وكما زعموا وعمان والبحرين والشحر واليمن وأيلة والقلزم، وليس في المعمور أعظم منه، طوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ميل وعرضه ألفان وسبعمائة ميل وعرضه في موضع آخر ألف وتسعمائة ميل، وقد اختلف في ذلك وهذا أصحّ. وهذا البحر وإن كان واحدا فهو ستّة أبحر متخرّقة بعضها إلى بعض، والأدلّاء يعرفون فصل ما بينها «٥» لأنّ لكلّ بحر لونا وريحا وسمكا ونسيما ليس للآخر. فمنها بحر لاروي وعليه بلاد صيمور وسوبارة «٦» وتانة
стр. 179
وسندان «١» وكنباية «٢» وغيرها من بلاد الهند، ثمّ بحر هركند «٣» ، ثمّ بحر كلّابار وهو بحر كله والجزائر، ثمّ بحر كندرنج «٤» ، ثم بحر الصّنف الذي يضاف إليه العود، ثمّ بحر الصّين وهو بحر صنغي «٥» لا يحدّ ما وراءه.
٢٦٧ وفي هذه البحار جزائر لا تحصى وأمم لا «٦» تكتب عدّا، وأكثر غذائهم النارجيل، وبين بحر لا روي وهركند «٧» جزائر الملكة التي ذكرناها «٨» قبل هذا، وأموالها الودع. وذكر أنّ ورق النارجيل يطرح على البحر نحو ضفّته فيتراكب عليه حيوان ثمّ يؤخذ ويلقى في الهواء فتحرقه السّموم ويكون ودعا فيملأ من ذلك بيوت الأموال. وذكر بطليموس أنّ مراقي بحر هركند وهي جزائر هذه الملكة ألف وتسعمائة جزيرة عامرة سوى الغامرة. وبجزائر هذه الملكة يكون العنبر الجيّد، وربّما انتهى منها القطعة بقدر البيت، وسنذكر أين يكون العنبر وأصله عند ذكر البحر الأخضر وفيه إن شاء الله.
٢٦٨ وفي جزائر بحر الصّنف مملكة المهراج ولا يستطيع أن يطوف بجزائره بأسرع المراكب في سنين كثيرة. وفي جزائره أنواع الطيب والأفاويه. وليس لإحد بالهند من ذلك ما له. وجزيرة الملك المهراج التي هي قراره مفرطة الكبر متّصلة العمارة كثيرة الخصب. ذكر بعض التجّار الذين دخلوها الموثوق بنقلهم أنّ الديكة إذا رقّت بما في الأشجار «٩» تجاوبت لمائة فرسخ لاتّصال عمارتها
стр. 180
وانتظام مساكنها لا مفازة فيها ولا خراب، وأنّ المسافر يسافر في أقطار تلك الجزيرة بلا زاد ويحلّ على الطعام وخصب العيش حيث أراد. وتتّصل جزائره بجبال شوامخ في أعنان السّماء تظهر منها بالليل نار حمراء تقذف بأشدّ ما يكون من صوت الرعد والصّواعق، وربّما سمع منها صوت مهول مفظع خارق للعادة ينذر بموت ملكهم. وتليها الجزيرة التي يسمع منها على دوام الأيّام أصوات الطّبول والسّرنايات «١» والعيدان وسائر أنواع الملاهي وأنواع الرقص والتصفيق يفهم ويميّز بعض ذلك من بعض، ويزعمون أنّ الدجّال بتلك الجزيرة. وفي جزائر المهراج هذه جزيرة من أربعمائة فرسخ، والله أعلم.
٢٦٩ فأمّا بحر الصّين فإنّ من عجائبه أنّ فيه نوعا من السّراطين يخرج منها كالذراع والشّبر، فإذا بان عن الماء وصار إلى البرّ عاد حجرا وانقلب عن الحيوانية، وهو يدخل في أكحال العين.
٢٧٠ وليس في ممالك «٢» السّند والهند من بعد المسلمين مملكة مثل البلّهرى وهم تطول أعمارهم بخلاف المعلوم من غيرهم ويقولون بسنّة العدل. وتليه مملكة الطّاقى «٣» ولهم جمال والتجّار يتنافسون في شراء نسائهم. (ثمّ يلي هذا الملك مملكة دهرم، وهذه سمة لملكهم) «٤» وهو ذو مملكة عظيمة وهو يحارب البلّهري، ويقال إنّ عدد الغسّالين «٥» والصّنّاع بعسكره خمسة عشر ألفا وماله الودع. وفي بلادهم من الذهب والفضّة ومعادنها ما لا يحصى كثرة، وفي بلده الحيوان المعروف بالبشان «٦» وهو الكركدّن «٧» ، وقد يكون بالهند
стр. 181
(إلّا أنّ الذي هنا أجلد) «١» وقرنه أنقى. والفيل يرهبه وهو أشدّ خلق الله ، وهو دون الفيل في الخلق، وهم يأكلون لحمه كلحوم الجواميس، في قرونها صور جميع الحيوان، فأحكم ما يكون سوادا في بياض، وربّما كان بياض في سواد وهو قليل تصنع منه المناطق بالألف.
٢٧١ وأكثر ملوك الهند لا يرون حبس الرّيح في الجوف وكذلك حكماؤها لا يستحيون في إظهارها في كلّ أحوالها ويزعمون أنّ حبسها أصل الأذى، ويرون أنّ الجشاء والسّعال أقبح منها، ويزعمون أنّ صوت الضرطة دبغها والمذهب لريحها. وقد ذكر ذلك في القصيدة المعروفة بذات الحلل [رجز] :
قد قال ذو العلم النصيح الهندي ... مقالة أفصح فيها عندي
لا تحبس الضرطة إمّا حضرت «٢» ... وخلّها وافتح لها ما افتتحت
فإنّ ذا الدّاء في إمساكها ... والرّوح والرّاحة في فكاكها
والقبح في السّعال والمخاط ... والشؤم في العطاس «٣» لا الضراط
أمّا الجشاء ففساء صاعد ... ونتنه على الفساء زائد
٢٧٢ ومن مذاهبهم أنّ ما ينالهم «٤» من النعيم في المستقبل مؤجّلا هو بقدر ما تعذّب «٥» به أنفسهم في هذه الدّار معجّلا. قال: ولقد رأيت منهم رجلا
стр. 182
ببلاد صيمور وبها من المسلمين نحو من عشرة آلاف وذلك سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وهو يطوف في أسواقهم ومعه جماعة من أهله وقد ظهرت له الناس وقد وضع على رأسه الجمر والكبريت، فيسير وهامته تحترق وروائح دماغه تتضوّع. فلمّا دنا من النار أخذ خنجرا «١» فوضعه على فؤاده فشقّه ثمّ أدخل يده الشّمال فقبض على كبده فجذب منها قطعة وهو يتكلّم فقطعها بالخنجر ودفعها إلى بعض إخوانه تهاونا بالموت ولذّة بالنقلة، ثمّ هوى بنفسه في النار.
زعموا أنّ جزيرة الصنف بينها وبين قمار التي يجلب منها العود القماري مسيرة شهر وبين قمار «٢» ونيومة- وهي الجزيرة التي يكون بها العود الهندي- خمسة أيّام. وذكروا أنّ شجرة العود الطيب تكون بقدر شجر الرّمان إلّا أنّ ورقها مثل ورق الريحان، فما كان منها بين الحجارة فهو العود الطيب يكون رطبا وسائره يكون أجناسا عشرة كلّ جنس لا يشبه الآخر، فمنه ما يكون ورقه مثل ورق الكمثرى والخوخ وذلك في جبل الصنف وتساير في جبل الصنف هذا إذا جئت في البحر بالريح الطيّبة نحو خمسة عشر يوما، وأكثر شجرها عود ومنه عامّة ما يخرج إلى البلاد. واللّكّ فيه كثير أيضا. ومن حيوان هذا الجبل الفيل والكركدّن «٣» .
٢٧٣ ويخرج من هذا بحر الهند خليج يتّصل بأرض الحبشة والزّنج يسمّى البربري طوله خمسمائة ميل وعرضه مائة ميل، وليس في البحار أهول من هذا الخليج وموجه أعمى لا ينكسر ولا يظهر منه زبد ككسر أمواج سائر البحار، يرتفع موجه ارتفاع الجبال الشواهق ثمّ ينخفض كأخفض ما يكون من الأودية، وفيه يكون السّمك المعروف بالأوال طول السّمكة أربعمائة ذراع إلى الخمسمائة ذراع بالذراع العمري وهو ذراع أهل ذلك البحر، وربّما ظهر منه طرف كالشّراع العظيم وينفخ الصعداء بالماء فيذهب الماء في الجوّ أكثر من علوّ سهم
стр. 183
ويحشر بذنبه وأجنحته السّمك إلى فيه، وهو قد فغرفاه فتهوي إلى فيه جريا.
فإذا بغت هذه السّمكة بعث الله لها سمكة نحو الذراع تدعى اللّشك فتلتصق بأصل ذنبها فلا يكون لها منها خلاص فتخترق البحار وتضرب بنفسها حتّى تموت وتطفو «١» فوق الماء فتكون كالجبل العظيم.
وكذلك التمساح آفته من دويبة في ساحل «٢» النيل، وهو أنّ التمساح لا دبر له وما يأكل يتكوّن في بطنه دودا، فإذا آذاه ذلك خرج إلى البرّ فاستلقى على قفاه فاغرا فاه، فينقضّ إليه طير الماء من أنواع كثيرة فتأكل ما يظهر في جوفه قد اعتادت ذلك منه، وتكون تلك الدويبة قد كمنت في الرمل فتثب «٣» إلى حلقه وتلجّ جوفه ثمّ تخرق جوفه وتخرج، وربّما قتل نفسه قبل أن تنقر جوفه وهي دويبة تكون نحو الذراع على صورة ابن عرس ذات قوائم شتّى ومخالب.
٢٧٤ وبين بحر هركند ولاروي «٤» من هذه البحار التي ذكرناها «٥» جزائر نحو ألف، وبين كلّ جزيرة الفرسخ ونحوه تملكها امرأة، كذلك كانوا على قديم الزمان، وهذه الجزائر تعرف بالدّيبجات، ولا تحصى جيوشها لكثرتهم.
وآخر هذه الجزائر جزيرة سرنديب، وتتّصل بهذه الجزائر «٦» جزائر مختلفة لا تحصى جيوشا.
٢٧٥ وهذه البحار المذكورة كلّها تذيب الحديد وتمحق مسامير السّفن فلا تزال تندقّ، وإنّما يتّخذ أهلها سفنهم من السّاج محيّطة بليف النارجيل بدلا من المسامير.
стр. 184
٢٧٦ وبجزيرة سرنديب هيكل عظيم من ذهب يفرطون في مبلغ «١» زينته وقيمة الجوهر الذي عليه، وإليه تجتمع أهلها فيتدارسون سير آبائهم وقصص ملوكهم، ويقال إنّ جزيرة سرنديب ثمانون فرسخا في مثلها. ح. وبسرنديب جبل منيف ذاهب في السّماء يراه من في البحر على مسيرة الأيّام وهو الذي ذكر أنّه أهبط عليه آدم ﵇، وقد ذكرت البراهمة أنّ عليه قدم آدم مغموسة في الجبل نحو خمسين ذراعا. وعلى هذا الجبل تلألأ نور يشبه البرق أبدا. وعلى هذا الجبل وحوله أنواع الياقوت الأحمر والأصفر والأكحل، والأحمر أشرفها وأنفسها، وذلك أنّه إذا بقي عليه النار ازداد حمرة وحسنا، وإن كانت عليه نكتة شديدة الحمرة ونفخت عليه النار انبسطت في الحجر تلك الحمرة فحسّنته ولوّنته، (قالوا إنّ مبارد) «٢» الحديد لا تؤثر في ألوان الياقوت، وقد زعم أرسطاطاليس أنّ من تقلّد حجرا أو تختّم به من هذه الأصناف الثلاثة التي ذكرناها «٣» من الياقوت وكان في بلد قد وقع فيه الطاعون منع منه أن يصيبه ما أصاب أهل ذلك البلد. وقال ح. إنّ سرنديب ليس في مملكة هذه المرأة كما قال س، وإنّما هي لملك البهل «٤» ، وهو يشرب الخمر تحمل إليه من بلاد العرب فيشربها، وليس في ملوك الهند من يشربها غيره، وأنّه يشربها ويحلّلها لأهل مملكته.
... ومماليك هذه الملكة تسمّى برّان وهي تدعى البرانية وهي شديدة المملكة، وإنّ ملك البهل في جيشه وعظيم مملكته يعجز عنها، وبلادها وبيّة من سكنها من غير أهلها فكان آجالهم تتفق فيها. ولفيلتهم من العظم ما ليس في سائر الممالك.
стр. 185
٢٧٧ وملوك الهند يشترون كلّ ذراع يزيد على خمسة أذرع في ارتفاع الفيل بألف دينار إلى سبعة أذرع وبحساب ذلك فيما نقص عن ذراع، ولا يوجد عندهم ما يزيد على سبعة أذرع إلّا فيلة عند البرانية، فإنّها تنتهي [إلى] عشرة أذرع، وليس في فيلة ملوك الهند أجرى على القتال من فيلة الصّيلمان «١» ملك من ملوكهم، وإنّما يختبرون جرأتها بأن يوقدوا لها نارا عظيمة ثمّ يحملونها عليها فما اجترأ عليها منها فأنّه جريء، وما حام عنه أو جبن عن اقتحامها فإنّه يصلح لنقل المتاع وحمل الأثقال.
٢٧٨ ويمتدّ من البحر خليج آخر ينتهي إلى القلزم وبينها وبين فسطاط مصر ثلاثة أيّام، وعليه مدينة أيلة والحجاز وجدّة واليمن، وطوله ألف وأربعمائة ميل، وما ذكرنا من البلاد على شرقيّه وعلى غربيّه صعيد مصر وما والاه وأرض البجاة وما اتّصل بها، ثمّ بلاد الأحابيش والسّودان إلى أن يتّصل بأقاصي أرض الزّنج، وهناك بلاد سفالة أرضهم «٢» .
٢٧٩ وقد كان بعض ملك من ملوك اليمن حفر بين القلزم وبين البحر الرومي حفيرا ليوصل «٣» بينهما فلم يتأتّ له ذلك لارتفاع القلزم وانخفاض بحر الرّوم، والله قد جعل بينهما حاجزا كما قال في كتابه العزيز «٤» . والنهر الذي حفر
стр. 186
ببحر القلزم يعرف بذنب التّمساح على ميل من مدينة القلزم عليه قنطرة عظيمة يجتازها حاج «١» مصر. فلمّا لم يتأتّ له هذا احتفر خليجا آخر من بحر الرّوم ممّا يلي بلاد تنّيس ودمياط ويعرف هذا الخليج بالزّبر والخبية «٢» ، فاستمرّ الماء في هذا الخليج من بحر الرّوم إلى موضع يعرف بنعنعان «٣» ، فكانت المراكب تدخل من بحر الروم إلى هذه القرية وتدخل من بحر القلزم إلى آخر ذنب التّمساح فيقرب حمل ما في كلّ بحر إلى الآخر، ثمّ ارتدم ذلك على طول الدّهر. وآثار الحفر في هذا الموضع بيّنة.
وقد همّ الرّشيد أن يوصل «٤» ما بين هذين البحرين من أعلى مصبّ النيل من نحو بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر، فلم يتأتّ له قسمة ماء النيل، فرام ذلك ممّا يلي بلاد الفرما نحو بلاد تنّيس، فقال له يحيى بن خالد: إن تمّ هذا اختطف [الرّوم] الناس من المسجد الحرام ومكّة، فامتنع من ذلك.
وقد أراد عمرو بن العاص ﵁ محاولة هذا عند تولّيه أمر مصر فمنعه عمر بن الخطّاب ﵁.
٢٨٠ (ويتشعّب من هذا البحر) «٥» خليج ثالث وهو بحر فارس، وطوله ألف وأربعمائة ميل وعرضه في الأصل خمسمائة ميل، وينتهي إلى بلاد الأبلّة «٦» والخشبات وعبادان من أرض البصرة. وخشبات البصرة سمّي الموضع بذلك لأنّها علامات من خشب منصوبة في البحر للمراكب إلى عمان. وهذا أوّل حدّ فارس، وهذا الخليج مثلّث الشّكل تنتهي زاويته بلاد أبلّة، وعليه ممّا يلي الشّرق ساحل فارس وساحل سيراف وساحل كرمان وبلاد مكران، وهي أرض الخوارج، وهذه كلّها أرض نخل «٧» ، ثمّ ساحل الهند وفيه مصبّ
стр. 187
مهران وهو نهر السّند، ثمّ يتّصل إلى أرض الصّين ساحل واحد عامر.
ويقابل ما ذكرنا ممّا يلي الغرب (جزائر قطر) «١» وشطّ بني جذيمة وبلاد عمان، وهي تقابل بلاد كرمان، ثمّ أرض الشّحر والأحقاف وحضر موت.
٢٨١ وأهل الشحر ناس من قضاعة ويدعى من سكن هذه البلاد من العرب المهرة، وهم يجعلون الشّين بدلا من الكاف، وعندهم أجود العنبر [وهو] المدوّر الأزرق النّادر، ولهم نجب يركبونها على السّاحل، فإذا أحسّت بالعنبر بركت عليه، قد ريّضت لذلك واعتادته، وبهذا السّاحل يكون الكندر ومنه يحمل. وأجود العنبر أيضا بجزائر الزّنج، وهو شيء يتكوّن في قعور البحار فيكون كأنواع الفطر والكمأة، وربّما بلغ منها شيئا الحوت المعروف بالأوال فيقتله فيطفو، وله ناس يرصدونه من الزّنج فيطرحون فيه الكلاليب والحبال ويشقّون عن بطنه فيخرجون العنبر منها، ويعرف «٢» ذلك العنبر العطّارون بالعراق وبالهند. وبساحل بحر الأندلس عنبر جيّد بموضع يقال له (شنترين وشذونة) «٣» .
٢٨٢ وفي هذا الخليج جزائر كثيرة مثل جزيرة خارك، وفيها مغاص اللؤلؤ وهو المعروف بالخاركي، وجزيرة أوال فيها بنو معن وخلائق كثيرة من العرب، وفي هذا البحر الجبال المعروفة بكسير وعوير وثالث ليس فيه خيبر، وهي جبال سود ذاهبة في الهواء «٤» لا نبات لها ولا حيوان فيها، يحيط بها موج من
стр. 188
البحر متلاطم تجزع منه النفوس ولا بدّ للمراكب من الدخول في وسطها والاجتياز عليها فتخطىء وتصيب. وهي في طريق من قطع من عمان إلى سيراف، وبين هذا الخليج وخليج القلزم المذكور من المسافة في البرّ ألف وخمسمائة ميل، وهذه المسافة داخلة [من البرّ] «١» في البحر، (والبحر محيط بها) «٢» من أكثر جهاتها.
٢٨٣ وهذه البحار كلّها واحد: بحر الصّين والهند وفارس واليمن، وتختلف في ارتجاجها وتتضادّ، فأوّل ما تبتدئ صعوبة بحر فارس عند دخول الشمس السّنبلة إلى أن تصير إلى برج الحوت، وبحر الهند بالضدّ، فهما شبيهان بطبيعة المدّتين اللّتين يهيجان في وقتهما، فأمّا بحر فارس فإنّه يركب سائر السّنة.
٢٨٤ وليس فيما ذكرنا من خلجان هذا البحر أنتن ريحا ولا أقلّ خيرا في بطنه وظهره من بحر القلزم، وهو على يمين بحر الهند، ولا أوحش منه ولا أكبر جبالا، والمراكب لا تسير فيه إلّا نهارا، فإذا جنّ اللّيل أرست في مواضع معروفة كالمراحل. وهو حدّ بحر الهند والسّند الذي في قعره اللؤلؤ والعنبر، وفي جباله الجوهر ومعادن الذهب والفضّة، ومن معادنه الأبنوس والخيزران والعود وأشجار الكافور والقرنفل والصّندل وأنواع الطّيب.
٢٨٥ ومغاص اللؤلؤ في بلاد خارك وقطر وعمان وسرنديب وغيرها من هذه البحار خاصّة، وغيره من البحار لا لؤلؤ فيه. والغاصّة لا يتناولون شيئا من اللّحمان
стр. 189
إلّا السّمك، ولا بدّ من شقّ أصول آذانهم لخروج النفس لأنهم يحملون على أنوفهم «١» الذّبل، وهو ظهور السّلاحف، ويجعلون «٢» في آذانهم قطنا فيه دهن «٣» يعصرون من ذلك الدهن في قعر البحر فيضيء ضياء نيّرا، ويطلون سوقهم وأيديهم بالسّواد خوفا من بلع دوابّ البحر لهم، فتنفر من السّواد، ويتصايحون صياح الكلاب في قعر البحر فينفرها أيضا، وربّما خرق الصوت البحر فيسمع، والغوص إنّما يكون من أوّل نيسان إلى آخر أيلول.
[البحر الأخضر]
٢٨٦ فأمّا البحر الرّومي وهو بحر الشّام ومصر والأندلس فإنّه خليج «٤» بحر أقيانس، طوله خمسة آلاف ميل، وقال السّرخسي عن الكندي: ستّة آلاف، وعرضه مختلف فيه ثمانمائة ميل وعشرة أميال، وقيل: اثنا عشر ميلا، وهو ما بين ساحل سبتة وطنجة وساحل الأندلس، وهو الموضع المعروف بالزّقاق. وسنذكر «٥» في أخبار مصر إن شاء الله القنطرة التي كانت بين هذين السّاحلين وما ركبها من ماء هذا البحر. وعلى المدّ الذي يخرج من هذا الخليج من بحر أقيانس منار النحاس الذي بناه هرقل «٦» الملك الجبّار عليه الكتابة والتماثيل مشيرة بأيديها: لا طريق ورائي ولا مسلك في ذلك البحر، ولا تجري فيه جارية ولا حيوان فيه ولا تدرك له غاية ولا يحاط بمقداره وهو بحر الظّلمات والأخضر والمحيط.
стр. 190
٢٨٧ وقد خاطر بنفسه فتى من أهل الأندلس اسمه خشخاش، وكان من فتيان «١» قرطبة، في جماعة من أحداثها، فركبوا مراكب استعدّوها ودخلوا هذا البحر وغابوا مدّة، ثمّ أتى بغنائم واسعة وأخبار مشهورة.
٢٨٨ وإنّما يركب من هذا البحر ممّا يلي المغرب والشمال، فذلك من أقاصي بلاد السّودان إلى برطانية الجزيرة العظمى التي في أقصى الشّمال، وفيه ستّ جزائر تقابل بلاد السّودان تسمّى الخالدات. وفيه بقرب جزيرة برطانية إحدى عشرة جزيرة وجزيرة تسمّى غديرة «٢» تقابل الأندلس، فسمت الخليج المعروف بالزّقاق، ثمّ لا يعرف أحد ما بعده.
[بحر الرّوم]
٢٨٩ وهذا الخليج هو بحر الرّوم وطرطوس والمصيصة وأنطاكية واللّاذقية وأطرابلس وصور وغير ذلك من سواحل الشّام ومصر والاسكندرية. وفي هذا البحر جزائر كثيرة نحو جزيرة قبرس يحيط بها البحر مائتي ميل، وجزيرة إقريطش يحيط بها البحر ثمانمائة ميل، وجزيرة صقلية يحيط بها البحر خمسمائة ميل، وجزيرة سردانية «٣» يحيط بها البحر ثلاثمائة ميل، وغيرها.
стр. 191
٢٩٠ ومن بحر إفريقية وصقلية يخرج المرجان، وهذا المضيق الذي قدّمنا ذكره وهو الخليج الذي عليه طنجة متّصل ببلاد المغرب وإفريقية والسّوس وأطرابلس المغرب والقيروان وساحل برقة والرّمادة إلى بلاد الإسكندرية إلى تنّيس ودمياط وساحل الشّام ثمّ ساحل الرّوم إلى بلاد رومة إلى أن يصل إلى ساحل الأندلس راجعا إلى الخليج الضيّق الذي بدأنا بذكره. ويخرج (منه خليج) «١» إلى ناحية الشمال قرب رومة يكون طوله خمسمائة ميل يسمّى إدريس، وهو الذي تعرفه الرّوم بماء ربجينه «٢» ، ويخرج منه خليج [آخر] «٣» إلى أرض نربونة «٤» يكون طوله مائتي ميل.
[بحر نيطش]
٢٩١ وبحر نيطش يمرّ على بلاد لاذقة «٥» إلى القسطنطينية أيضا، وطوله ألف ومائة ميل وعرضه ثلاثمائة ميل. وهذا البحر بحر نيطش وهو بحر أمم من التّرك والبرغر والرّوس وغيرهم، وهو يمتدّ من الشمال من ناحية المدينة التي تدعى لاذقة «٦» ثلاثمائة ميل، وهي من وراء القسطنطينية. ويتّصل هذا البحر من بعض جهاته ببحر الخزر المذكور من خلج وأنهار عظام هناك، ولذلك غلط بعض مصنّفي الكتب فزعموا أنّ بحر نيطش وبحيرة مانيطش وبحر الخزر هو واحد.
وأمّا بحر مانيطش فمنه ينفجر خليج القسطنطينية الذي يصبّ إلى بحر الرّوم، وهو البحر الشّامي، وطول هذا الخليج ثلاثمائة وستّون ميلا وعليه «٧» من الجانب الغربي القسطنطينية، وينعطف أيضا عليه من جهة الشمال ثمّ يتّصل
стр. 192
ببلاد رومة والأندلس وغيرهم. وعرض هذا الخليج من موضع انبعاثه عشرة أميال، وقيل ستّة أميال، وعليه هناك مدينة تسمّى مسنّاه (؟) ، ثمّ يضيق الخليج عندها ويضيق عند القسطنطينية فيرجع إلى أربعة أميال.
٢٩٢ وفي بحر مانيطش يصبّ النهر العظيم المعروف بطنائس «١» ، ومبدأه من الشمال وعليه بعض ولد يافث، يكون مقدار جريانه على الأرض ثلاثمائة فرسخ عمائر متّصلة، وهو نهر عظيم فيه أنواع من الأحجار والحشائش والعقاقير، ويشقّ هذا النهر بحر مانيطش حتّى يصبّ إلى بحر نيطش. قال د: (إنّ مانيطش) «٢» بحيرة في الشمال وهو بحر ضخم وإن كانت تسمّى بحيرة، طولها من المشرق إلى المغرب ثلاثمائة ميل وعرضها مائة ميل، ويخرج منها عند القسطنطينية خليج يجري كهيئة النهر ويصبّ في بحر الشّام وعرضه عند القسطنطينية ثلاثة أميال. البحر العظيم هو نيطش والبحيرة هي مانيطش.
[بحر باب الأبواب]
٢٩٣ فأمّا بحر باب الأبواب، وهو بحر الخزر والجيل «٣» والدّيلم وجرجان وطبرستان وأنواع من الترك، فينتهي من إحدى جهاته نحو بلاد الخوارزم من بلاد خراسان، ويعرف أيضا بالبحر الخراساني، وطوله نحو ثمانمائة ميل وعرضه ستّمائة ميل، وهو مدوّر الشّكل إلى الطول، وهذا هو بحر الأعاجم معمور من جميع جهاته. وهذا البحر كثير التنّانين وكذلك بحر الشّام.
стр. 193
٢٩٤ وقد اختلف النّاس في التنّين، فمنهم من رأى أنّه ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى الجوّ فتلحق بالسّحاب كالزّوبعة إذا ثارت من الأرض واستدارت وأثارت معها الغبار وهشيم الأرض والنّبات ثمّ ذهبت في الجوّ صعداء، فيتوهّم الناس أنّها حيّات سوداء لسواد السّحاب وذهاب الضّوء وترادف الرّياح. ومنهم من رأى أنّها دوابّ تكون في قعر البحر فتعظم وترعى دوابّ البحر، فيبعث الله عليها ملائكة وسحبا فتخرجها منه، وهي على صورة الحيّة السّوداء لها بريق ولمعان، لا يمرّ ذنبه بشيء إلّا أتى عليه من بناء أو شجر أو جبال، وربّما تنفّس فأحرق الأشجار الكثيرة، فتلقيه السحب في بلاد ياجوج وماجوج. يروي عن ابن عبّاس. وقال قوم إنّها حيّة البرّ تلقيها السّيول في البحر فتعظم وتطول أعمارها فيبقى عمر الواحدة خمسمائة عام.
والفرس تزعم أنّ له رؤوسا سبعة وتسمّيه الأجدهاق. وهذا من الأخبار التي رواها حشوية أصحاب الحديث أنّ قبّة في وسط البحر الأخضر على أربعة أركان من الياقوت الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق ينحدر من كلّ ركن من هذه الأركان نهر ينقسم إلى جهات أربع في ذلك البحر غير مخالط ولا ممايع «١» حتّى ينتهي إلى سواحل البرّ، أحدها النّيل والثاني سيحان والثالث جيحان والرّابع الفرات.
٢٩٥ ومنها [أنّ] الملك الموكّل بالبحر يضع عقبه [في] أقاصي بحر الصّين فيفور البحر ويكون المدّ، ثمّ يشيل عقبه فيرجع الماء إلى مركزه. وإن كان كلّ ما ذكرنا عنه ممكنا فإنّه من طريق الأفراد ولم يجيء مجيء التواتر الموجب للعلم والعمل، فإذا صحّت هذه الآثار وجب التسليم والانقياد. وسيأتي ذكر بناء الباب إن شاء الله.
стр. 194
٢٩٦ وعلى هذا البحر ممّا يلي الباب والأبواب الموضع المسمّى باغة، وهي النّفاطة من هنا يحمل النفط «١» الأبيض، وهناك آطام وهي عيون النيران تظهر من الأرض وترى في الليل على مسافات كأطمة صقليّة وأطمة وادي برهوت من بلاد الشحر وحضر موت وأطمة أشك بين بلاد فارس والأهواز ترى بالليل من مسيرة أربعين فرسخا، والأطمة العظيمة التي في مملكة المهراج ملك جزائر الزابج، والمهراج سمة لكلّ من ملكها، يلحق «٢» لهب هذه الأطمة بأعنان السّماء لذهابها في الجوّ ويسمع منها كالذّي يسمع من أصوات الرعد والصواعق، وربّما ظهر منها صوت عجيب مفزع يسمع من البلاد النائية فينذر بموت بعض ملوكهم، وربّما كان أخفض من ذلك ينذر بموت بعض رؤسائهم، قد عرفوا ذلك بطول التجارب والعادات على قديم الزمان، وإنّ ذلك غير مختلف من التنبيه.
٢٩٧ فهذه البحار الخمسة «٣» : البحر الأعظم بحر أقيانس والبحر الحبشي [والبحر] الرومي والبحر الخزري وبحر مانيطش فيها إلّا أنّه صغير عنها، وليس شيء من هذه البحار يتّصل بالبحر الحبشي، وأمّا سائرها فمتّصلة وهي من بحر واحد إلّا أنّ بحر الخزر قد اختلف فيه هل يتّصل ببحر أقيانس أو لا.
والصّحيح عندنا أنّه لا يتّصل بشيء من هذه البحار. قال: وقد زعموا أنّ خليج القسطنطينية الآخذ من مانيطش متّصل ببحر أيضا، وذلك لا يصحّ.
стр. 195
٢٩٨ وحدّ بحر فارس ممّا يلي المشرق من فوهة «١» دجلة العوراء وينتهي آخره إلى جزيرة يقال لها تيز مكران وهي حدّ أوّل السّند. وحدّ بحر فارس من الغرب من فوهة «٢» دجلة العوراء إلى أن ينتهي إلى غبّ عدن. وفي شرقيّة من المدن بلاد فارس ومكران وكرمان، وفي غربيّه بلاد العرب وهي البحرين وعمان ومسقط «٣» وسقطرة إلى أن يبلغ غبّ عدن وهي آخر جزيرة العرب، وهناك الموضع الذي يقال له الدّوارع، وهو طريق في البحر يؤخذ منه إلى بحر جدّة.
وممّا يلي من البحر الفارسي شاطئ الفرات يؤخذ فيه حبّ اللؤلؤ القطري «٤» الجيّد.
٢٩٩ وحدّ بحر الهند ممّا يلي المشرق جزيرة تيز مكران وآخر بلاد الصين، وحدّه ممّا يلي المغرب أوّل غبّ عدن وآخره بلاد الزّنج. فإذا قطع الراكب «٥» البحر هنا من غبّ مدينة عدن فإنّ أوّل أرض يصل إليها جزيرة يقال لها بربر «٦» وفيها جنس من الزنج يتّصلون ببلاد السّودان. وفي تلك الناحية العربية بلاد الزّنج والزّابج وأمم كثيرة كلّهم يمطرون في الصيف ما خلا أعلى بلادهم التي بعدت من البحر كبلاد التّبت وكابل وغيرهما.
٣٠٠ ولم يحدّ لنا شمال هذين البحرين ولا جنوبهما ولا من سكن تلك النّاحيتين، ومن أراد الصّين والهند من ركّاب بحر الهند فإنّما يميل إلى شرقيّه ويدور عليه
стр. 196
حتّى يصير في غربيّه لأنّهم إذا قطعوه موسّطه يبقون في ظلمات «١» لا تنفرج إلّا «٢» أقلّ من ستّ ساعات في كلّ يوم.
٣٠١ وأمّا بحر الشّام، وهو البحر الرّومي، فإنّه لا تجري فيه جارية ولا يستطاع ركوبه منذ تسير الشمس في أوّل العقرب الى أن تصل إلى الحوت وذلك أربعة أشهر، لأنّ الشمس تتباعد وتحدث فيه الرياح العواصف والأهوية المهلكة وبخاصّة الناحية الشمالية منه.
ذكر علّة المدّ والجزر
٣٠٢ فأمّا علّة المدّ والجزر فمختلف فيها، فقد قيل: علّة ذلك القمر على ما بيّن أبو معشر. وقال قوم: هي الأبخرة التي تتولّد في باطن الأرض، فإنّها إذا كثفت «٣» دفعت حينئذ ماء هذا البحر فلا يزال على ذلك حتّى تنقص موادّها فيتراجع الماء حينئذ إلى قعور البحار فكان الجزر، فهذا يدلّ عليه كونه في كلّ أوان وفي غيبة القمر وطلوعه. وقال آخرون إنّ هيجان البحر كهيجان بعض الطبائع بالإنسان ثمّ تسكن. وقال آخرون إنّ الهواء المطلّ على البحر يستحيل دائما «٤» ، فإذا استحال عظم ماء البحر، ثمّ يعاقب ذلك استحالة ماء البحر فيتنفّس ويعود البحر إلى ما كان عليه، وإنّ الماء «٥» يستحيل هواء والهواء يستحيل «٦» ماء. وقال الشرعيّون: كلّ حال لا يعلم له في الطبيعة مجرى فهو فعل إلاهيّ لا يدخله قياس ولا يدرك بحسّ.
стр. 197
٣٠٣ قال س: وقد زعم قوم من نواتية البحر الفارسي أنّ المدّ والجزر لا يكون فيه إلّا مرّتين في العام، فإذا كان الصيف كان الماء في مشارق البحر بالصين وما والاه وفي الشّتاء بالضدّ.
قال س: رأيت بمدينة كنباية «١» من أرض الهند، وهي مملكة البلّهرى، وكانت على خليج من البحر أعرض «٢» من النيل، فيجزر الماء في هذا الخليج حتّى يبدو الرّمل وقعر الخليج ويبقى فيه اليسير من الماء. فرأيت الكلب على هذا الرّمل الذي نضب ماؤه وصار كالصحراء، وقد أقبل المدّ وأحسّ به الكلب فأقبل يشتدّ ليفوت الماء، فلحق الماء بشدّة دفعت الكلب فغرّقته.
وأمّا علّة ما لا يظهر فيه مدّ ولا جزر من البحار فهي التي تبعد عن مدار القمر ومسافته بعدا كبيرا، وقيل إنّها التي يكون الغالب على أرضها التخلخل فينفذ الماء منها إلى غيرها من البحار وتنفس الرّياح الكائنة في أرضها. وسنورد من أخبار هذه البحار مع ذكر اسمها وممالكها ما فيه شفاء إن شاء الله ، والله أعلم.
ذكر البحر المحيط وعجائبه وجمل من عجائب سائر البحار المتقدّم ذكرها سواء ما ذكرناه من ذلك مستخرجا من كتاب عجائب البلدان
٣٠٤ زعموا أنّ في البحر الأخضر عرش إبليس تشبّه بالباري سبحانه وتقدّست قدرته، حوله نفر من الأبالسة والعفاريت العظام وسائر أصناف الجنّ.
стр. 198
فمنهم من لا يفارقه من حجّابه وخدمه، ومنهم من يتصرّف بأمره في فتنة الناس وكيدهم وتضليلهم. وله جزيرة اتّخذها سجنا لمن خالف أمره من الجنّ، وفي تلك الجزيرة هيكل سليمان بن داود ﵊، وفيه جسده، وهو قصر عجيب البناء واسع الفناء. وفي هذا البحر جزائر لا تزال على مرّ الزمان تقذف نارا تعلو مائة ذراع وأكثر. وفيه سمك طول السّمكة مسيرة الأيّام المختلفة وهي مختلفة الأشكال مشوّهة الخلق، وفيه مدائن تطفو «١» على الماء آهلة بغير الأنس.
٣٠٥ وفي هذا البحر الأصنام التي عملها أبرهة ذو المنار قائمة على الماء، أحدها أصفر يومئ بيده كأنّه يخاطب من ركب ذلك البحر يأمره بالرجوع، والثاني أخضر رافع يديه باسط لهما كأنّه يريد إلى أين تذهب، والثالث أسود يومئ بإصبعه إلى البحر: من جاز هذا المكان غرق، مكتوب على صدره بالسّند: هذا ما صنع أبرهة ذو المنار الحميري لسيّدته الشّمس تقرّبا إليها.
ويختلف عمق هذا البحر، فمنه ما لا يلحق له قعر ولا يعرف له مقدار غوره، ومنه ما يكون عمقه سبعة آلاف باع أو أكثر.
٣٠٦ وأمّا البحر الأسود الزفتي وهو متّصل به وهو شديد النتن وليس فيه غير قلعة الفضّة يقال إنّها معمولة وقيل إنّها خلقة، ومن هذا البحر يخرج بحر الصين وأوّله بحر فارس، وقد تقدّم ذكره. وفيه اثنا عشر ألف جزيرة، وفيه الدّردور موضع يدور فيه الماء، فإذا وقع فيه مركب لم يزل يدور فيه حتّى يتلف. وفيه كسير وعوير، وقد تقدّم ذكرهما. وفيه عجائب كثيرة من الحيوان، وفيه
стр. 199
سمك طول السمكة منها مائتا ذراع وأكثر وأقلّ. وفيه جزائر تنبت الذهب، وفيه مغاوص اللؤلؤ الجيّد. وفي هذا البحر قصر من البلّور منيف رفيع على قلعة تنير برج داخلها لا تطفأ، وأراد النزول به الإسكندر فمنعه بهرام فيلسوف الهند وعرّفه أنّه من نزل به وقع بقلبه السّبات، وظهر قوم قصار زعر لباسهم ورق الشجر، فسأل الإسكندر بهرام عن صبرهم على المقام هناك، قال:
عندهم شجرة إذا أكلوا منه زال عنهم ذلك.
٣٠٧ وبعد هذا بحر لا يدرك قعره ولا يضبط غوره، تقطعه المراكب بالرّيح الطّيبة في شهرين، وليس في جميع البحار الخارجة من البحر المحيط أكبر منه ولا أشدّ حولا. وفي عرضه بلاد واق واق، وهنّ جوار تحمل بها شجر معلّقة بشعورها ولها ثدي وفروج كفروج النّساء وأبدان حسان ولا يزلن يصحن واق واق، فإذا قطعت عن الأشجار التي تحملها أقامت يوما وبعض يوم آخر ثمّ تهلك. وربّما نكحهنّ الناس في أطيب رائحة وألذّ مباضعة. وبلاد الواق واق «١» لا يسكنها بشر، إنّما يسقط إليها أهل المراكب في الندرة، وهي أكثر الأرض طيبا وبها ثمر وفواكه لا تعرف في غيرها لا يعلم ما هي ألذّ مأكولا وأطيب مشموما «٢» .
٣٠٨ وتليهم أمّة بجزيرة على شبيه النّساء سبط الشعور نواهد الصّدور يقال لهنّ بنات الماء، لهنّ قهقهة وضحكة وكلام لا يفهم. وقد أولد بعض البحريّين منهنّ واحدة غلاما وهو مستوثق بها، ثمّ ظنّ بعد ولادتها أنّها ستألف ابنها ولا
стр. 200
تفارقه، فأرسلها من وثاقها «١» ، فتغفّلته وتردّت في البحر وذهبت سابحة ثمّ ظهرت له بعد يوم وألقت له صدفا فيه درّ نفيس، ثم ولت ذاهبة. فكان ذلك الغلام يعرف بابن البحرية.
٣٠٩ وفي هذا البحر المذكور أسماك «٢» طيّارة تطير ليلا فترتعي في البراري، فإذا أزف طلوع الشمس عادت إلى البحر، وفيه سمكة خضراء شهباء من أكل منها اعتصم من الطعام أيّاما كثيرة وتجزّأ بها عنه فلم يرده ولم يجد «٣» لفقده مساءة. وفيه سمكة ربّما نبت على ظهرها الحشيش «٤» والصدف، وربّما أرسى عليها أصحاب المراكب فيظنّون أنّها جزيرة، وإذا رفعت إحدى جناحيها كانت مثل الشراع العظيم، وإذا رفعت رأسها من الماء كان كالجبل الضخم، وإن نفخ الماء من فيه كان كالصومعة الجليلة، وإذا سكن البحر جذب السمك بذنبه ثمّ فغر فاه فغاصت فيه كأنّما غاصت في بئر، ويقال له القيدور، وأهل المراكب يحذرونه على سفنهم ثمّ يضربون بالنواقيص طول ليلتهم. وهذه السّمكة أيضا تكون في بحر هركند «٥» .
٣١٠ وفي بحر هركند حيّات عظام تخرج إلى البرّ فتبتلع الفيلة وتكتف الصّخور في البرّ فتكسّر عظامها في أجوافها ويسمع لذلك صوت هائل، وقليل ما تظهر وربّما احتال بعض الملوك لها- أعني ملوك الهند والزنج- فيصيدونها ويطبخونها ويستخرجون دهنها فيدهنون به فتزيد في قوّتهم ونشاطهم وهيبتهم، ويستعملون من جلودها فرشا، وهي جلود موشّاة ملمّعة ألين من الحرير، إذا جلس عليها صاحب السّلّ أمن السلّ أن يصيبه أبدا.
стр. 201
٣١١ وزعم صاحب كتاب العجائب أنّ بحر هركند يليه بحر يقال له ذانجد «١» وبينهما ألف وسبعمائة جزيرة. قال: [وفي] هذه الجزائر يكون العنبر الرفيع الدّسم تكون القطعة منه مثل البيت. وفي كتاب الطيب الذي ألّفه إبراهيم بن الهنيري «٢» ، أنّ أحمد بن حفص العطّار قال: كنت جالسا في مجلس أبي إسحاق وهو يصفّي «٣» عنبرا قد أذابه وأخرج ما كان فيه من الحشيش الذي حلّقه مناقير الطير، فسألني فقلت: هذه مناقير الطير التي تأكل العنبر إذا راثته دوابّه. فضحك أبو إسحاق وقال: هذا قول تقوله العامّة، ما خلق الله دابّة تروث العنبر وما العنبر إلّا شيء يكون في قعر البحر. ولقد عني الرشيد بالمسألة عن العنبر وأصله وأمر حمّاد الزّبيري بالمسألة عنه، فكتب إليه أنّ جماعة من عدن أعلموه أنّه يخرج من عيون في قعر البحر تقتلعه الرّياح بالأمواج الصعبة فيطفو على الماء وتقذفه الموج بالسّاحل كما أنّ بأرض هيت عيون تسيل بالقار وبأرض الروم عين الزفت الرّومي.
قال: وآخر هذه الجزائر «٤» سرنديب، وقد تقدّم ذكر ما فيها.
٣١٢ قال: وهذا البحر ربّما أظلّته السّحاب ثلاثين يوما لا تصحى ولا يسكن وابلها، فلا يظهر فيه حيوان ويلوذ بقعر البحر. قال: ويخرج من هذا البحر إلى بحر الصّنف الذي في جزائره مملكة المهراج، وهناك يكون العود النفيس، وهي جزائر لا يحصى ما فيها من العجائب ولا يحاط بها لكثرتها.
وفيها يكون جميع أفاويه «٥» الطّيب والعطر. ويقال إنّ في هذا البحر قصرا
стр. 202
أبيض يسير على الماء ويتراءى لأهل المراكب فيستبشرون به إذا هم أبصروه ويكون لهم دليل السّلام.
٣١٣ وفي هذا البحر جزيرة قرطايل التي يسمع فيها اللّيل والنهار المعازف والطبول، ويقال إنّ فيها الدجّال «١» ، وقد مضى ذكرها. وفيها أشجار القرنفل وتشتريه التجّار من قوم لا يرونهم، إنّما يضعونه أكواما على السّاحل فتأخذه التجّار وتترك هناك العوض. وقيل إنّ التجّار يتركون البضائع على السّاحل ويعودون إلى مراكبهم، فإذا أصبح من غد ذلك اليوم جاؤوا فوجدوا إلى جانب كلّ بضاعة كوما من القرنفل، فإن رضيه أخذه وترك البضاعة، وإلّا أخذ بضاعته وترك القرنفل، وإن أخذهما معا لم تقدر مراكبهم على السّير حتّى يردّوا القرنفل. وربّما طلب أحدهم الزيادة فيترك البضاعة والقرنفل فيزاد فيه. وشجر القرنفل على نهر هناك يعرف بنهر القرنفل لم يدخل إليه قطّ أحد ولم يذكر أنّه رأى شجرة. وقد ذكر بعضهم أنّ الجنّ يبيعونه من التجّار.
وذكر بعضهم أنّه دخل الجزيرة وأمعن فيها، فرأى قوما في زيّ النّساء مرد بغير لحاء وذوي شعور مرسلة، فغابوا عنه، وأنّ التجّار أقاموا بعد ذلك مدّة يخرجون إلى ساحل البحر فلا يجدون شيئا من القرنفل، فعلموا أنّ ذلك من أجل من نظر إليهم، ثمّ عادوا بعد ذلك بسنين إلى ما كانوا عليه. ويقال إنّه إذا كان رطبا كان حلو المطعم يأكلون منه فلا يمرضون ولا يهرمون.
٣١٤ وليس لهذا البحر حدّ يعرف ورأسه يخرج من الظلمة الشّمالية ويمرّ على بلاد الواق واق. وفي هذا البحر- بحر الصنف- جزيرة فيها مساكن ظاهرة وقباب
стр. 203
بيض لائحة، كلّما همّ بالوصول إليها أحد وقرب منها تباعدت عنه فلا يزال كذلك حتّى ييئس وينصرف عنها، يقال لها جزيرة الصّريف، وهم يرون فيها شخوصا وشجرا وعمارة ودوابا ولا يعلم أحد وصل إليها. وفيه البرّاقة، وهي مدينة لطيفة من حجر أبيض برّاق يسمع بها صياح وضوضؤة ولا يرى بها ساكن، ولمّا نزل بها البحريّون فأخذوا من مائها وجدوه حلوا زلالا فيه روائح الكافور. وبعرض بحر الصنف هذا الجبال التي تتوقّد ليلا ونهارا يسمع منها مثل صوت الرعد القاصف والأصوات الهائلة التي تدلّ على هلاك ملكهم، وقد مضى ذكرها.
٣١٥ وبعد بحر الصنف بحر الصين، وهو بحر خبيث بارد، ريحه من قعره كغليان الماء على مجامر «١» النّار، ويخبر الثقات من ركّابه أنّه بحر مسكون، له أهل في باطن الماء وأنّهم يرونهم إذا هاج البحر ليلا كهيئة الزنج ويطلعون إلى المراكب. وفي بحر الصين سمكة مثل الحرّاقة يرمي بها الموج إلى السّاحل، فإذا جزر الماء بقيت على الطّين ولا تزال تضطرب حتّى تنسلخ في اضطرابها من أهابها «٢» ، فيكون لها جنحان «٣» تستقلّ بهما فتطير.
وفي هذا البحر يكون اللخيم سمكة تلتقم الناس، وربّما مات الرجل من ركّاب البحر فيرمى به في البحر، فلا ينحطّ إلّا وهو في قاع اللخيم كأنّه كان له مرصدا. وفي هذا البحر يرى وجه عظيم على صورة الإنسان إلّا أنّه مفرط الكبر مستدير يشبه لونه لون القمر يسدّ ثنية بين جبلين.
стр. 204
٣١٦ وفي البحر الرّومي بإزاء مدينة نقالة «١» - وهي القسطنطينية الأولى- كنيسة في جوف البحر ينحسر البحر عنها يوما في السّنة فيحجّون إليها ذلك اليوم ويقيمون عليها ويتقرّبون ويهدون إليها، فإذا كان العصر أخذ الماء في الزيادة وتبادر الناس بالانصراف، فلا يزال كذلك حتّى يغمرها الماء فلا يظهر منها شيء، وتبقى كذلك إلى رأس السّنة.
٣١٧ وذكر بطليموس أنّ في البحر الأخضر سبعة وعشرين ألف جزيرة عامرة وغامرة، منها جزيرة فيها أمّة من بقايا النّسناس، ولهم شجر يقال له اللّوف يأكلون ثمره ويلتحفون بورقه. ومنها جزيرة المرجان في ضحضاح ماء بين الملوحة والعذوبة الذي يتجهّز اليوم به إلى البلاد في بحر الأندلس خاصّة، ينبت في قعر «٢» البحر القريب منه مثل الشجر فينزل إليه الغوّاصون ويشدّون فيه الحبال ثمّ يقتلعونه، [وهو] أنفس وأنفق شيء في الهند والصين.
٣١٨ ومن جزائر البحر الأخضر جزيرة في وسطها كالهرم العظيم من حجر عظيم أسود برّاق لا يدرى ما داخله وحوله موتى وعظام كثيرة ورمم بالية. وقد كان بعض الملوك سار إليها، فلمّا نزلها وقع على أصحابه النعاس وخدر الأجساد وضعف النفوس، فلم يقتدروا على الحراك، فتبادر ذو الشدّة منهم إلى المراكب وهلك أكثرهم هناك. وفي هذا البحر جزيرة فيها أمّة رؤوسهم كرؤوس
стр. 205
الكلاب العظام بادية أنيابهم يخرج من أفواههم مثل لهب النّار، ولمّا مرّ بهم ذو القرنين خرجوا إليه فحاربوه وحاربهم حتّى تخلّص منهم. وفيه جزيرة بيضاء واسعة كثيرة الأشجار والأنهار فيها قوم شقر وجوههم في صدورهم، للواحد منهم فرجان- فرج امرأة وفرج رجل- يتكلّمون بمثل كلام الطير وطعامهم نبت يشبه الفطر والكمأة.
٣١٩ وفيها جزيرة التنّين كان بها تنّين قد نال أهلها بكلّ مكروه، فلمّا دخلها الإسكندر استغاثوا به وذكروا له أنّ التّنين أتلف مواشيهم حتّى جعلوا له ثورين كلّ يوم ضريبة ينصبونهما في موضعه، فيخرج فيبتلع الثورين، ثمّ يعود إلى مكانه. قال: أروني موضعه، فنصبوا له الثورين وأقبل كأنّه السحابة السوداء وعيناه كالبرق اللّامع والنار تلهب من فيه، فابتلع الثورين وعاد إلى موضعه. فأمر الإسكندر بثورين عظيمين فسلخا وحشي جلودهما زفتا وكبريتا وكلسا وزرنيخا، وجعل مع تلك الأخلاط كلاليب حديد كثيرة وجعلها في ذلك [المكان] . وخرج التنين على عادته فالتقمهما وانصرف، فانضربت تلك الأخلاط في جوفه، فلمّا أحسّ بثقلها ذهب ليلقيها، فتشبّثت تلك الكلاليب في حلقه فخرج وفغرفاه يستروح. فأمر الإسكندر بقطع الحديد، فحميت وحملت على ألواح من حديد وقذفت في حلقه فمات. فكان ذلك فتحا عظيما لأهل تلك الجزيرة، فألطفوا الإسكندر وحملوا إليه من طرائف «١» ما عندهم. فكان من ذلك دابّة في خلق الأرنب شعره أصفر يبرق كما يبرق الحديد أو الذهب، وفي رأسه قرن واحد يسمّونه نفواج «٢» ، وهوامّ الأرض إذا رأته والأسد والوحش كلّها والطير هربت «٣» منه.
стр. 206
٣٢٠ وبهذا البحر جزيرة تظهر ستّة أشهر وتغيب ستّة أشهر بمن فيها، وهي جزيرة مدوّرة. وبه جزيرة ملكان، وهي دابّة عظيمة بحرية قد استوطنت تلك الجزيرة وعرفت بها، ولهذه الدابّة رؤوس كثيرة ووجوه مختلفة. وقيل إنّها مركب لبعض ملوك البحر لأنّ لها جناحين إذا أقامتهما وجمعت بينهما صار كأنّه رفّ عظيم منكس يظلّ من الشمس. وقد ذكرتها الأوائل وهي مثل الجبل العظيم الضخم.
٣٢١ ومنها جزيرة صيدون، وهي مسيرة شهر في مثله. وصيدون هذا ملك.
وكانت فيها عجائب كثيرة ومصانع رفيعة وأنهار وأشجار. وكان صيدون ساحرا وكانت الجنّ تطوف به وتعمل له العجائب، وكان له في وسط الجزيرة مجلس من ذهب على عمد من رفيع الجوهر يشرف على جميع الجزيرة. فدلّ بعض الجنّ سليمان علية فغزاه وخرّب الجزيرة وقتله وقتل أكثر أهلها لأنّهم كانوا يعبدونه، وأسر منهم خلقا فآمنوا. وأسر ابنة صيدون ولم يكن على وجه الأرض أجمل وجها منها ولا أكمل جمالا وظرفا، واصطفاها لنفسه وتزوّجها. فكانت تديم البكاء لمفارقتها أباها وأنس مملكته. فقال لها سليمان:
ما لي أن أراك كئيبة وأنا خير لك من أبيك وملكي أجلّ من ملكه. قالت:
أجل، ولكن إذا ذكرت كوني مع أبي وأنسي به هاج لي ذلك حزنا ووجدا، فلو أمرت الشياطين أن يصوّروا لي صورته، لأني إذا رأيتها سلوت عنه. فأمر الشياطين فعملوا لها صورة أبيها في مجلس مثل المجلس الذي كان فيه، وكان المتولّي لذلك شيطانا يصحب أباها وهو الذي أشار عليها بذلك. فكان ذلك المجلس والصورة في مقاصيرها التي صنع لها سليمان، وقد غرس لها فيها بدائع الأشجار وفجر فيها الأنهار في فناء ذهب وفضّة مطوّقة بأصناف الجوهر.
فعمدت إلى الصورة فألبستها أصناف الحرير من الثياب المنسوجة بالذهب
стр. 207
وجعلت على رأسه إكليلا من الجوهر النفيس وألبسته تاجا منظوما بالجوهر الفاخر الملوّن، وجعلت حوله مساند الديباج المذهّب ونثرت عليه سحيق المسك وأوقدت بين يديه دخن العنبر وضروب الطيب، وفرشت بحذائه على بعد منه أصناف الأفاويه والرّياحين. فكانت تدخل إليه بكرة وعشية فتسجد له مع جميع وصائفها وخدمها كما كانت تصنع لأبيها. وكان قد دخل في هذا الصنم شيطان يخاطبها بلسان أبيها فيقول: قد أحسنت فيما فعلت، وما فقدت بك شيئا.
فاتّصل أمرها بآصف بن برخيا، وكان كاتب سليمان ومن أهله، وهو الذي كان عنده علم من الكتاب، وهو الذي أحضر عرش بلقيس. وكان علم موضع المرأة من قلب سليمان وحبّه لها، فلم يدر كيف يتوصّل إلى تعريفه بما أحدثت عنده إلى أن اتّجه له وجه ذلك. فقال: يا نبيّ الله إنّي قد كبرت ولا آمن الموت، وقد أردت أن أقوم مقاما أذكر فيه الأنبياء وأثني عليهم، فتأمر بإحضار الناس ووجوه بني إسرائيل فيجلسون في مراتبهم. فأجابه سليمان إلى ذلك فقام آصف بن برخيا على المنبر فخطب فحمد الله وأثنى عليه واستغفره وأقبل يذكر الأنبياء نبيّا نبيّا ويثني عليهم في صغرهم وكبرهم ومدّة أيّامهم، الى أن بلغ إلى داود فأثنى عليه واستغفر له، [ثمّ] ذكر سليمان فأثنى عليه في صغره خاصّة ولم يذكره في كبره ولا ذكر شيئا من أيّامه بخير ولا بشرّ. فاستحفظ ذلك سليمان فاستدعاه حاليا ووقفه على ذلك فقال:
ذكرت ما علمت. فلمّا ألحّ عليه قال له: وبم استحققت أن أثني عليك في أيّامك وغير الله يعبد في دارك منذ أربعين يوما؟ وما هذا جزاء نعمته عليك ولا شكر تمليكه لك. قال: فارتاع سليمان لذلك وقام فعاقب المرأة وكسّر الصنم، فهرب شيطانه فظفر به بعد ذلك وسجنه. وفتن لذلك سليمان وأخذت الجنّ خاتمه وخرج من ملكه، وكان يطوف في بني إسرائيل فينكرونه. فردّ الله ملكه وخاتمه، وذلك بعد أربعين يوما وهي عدّة الأيّام التي سجدت المرأة فيها للصنم. ثمّ إنّ المرأة تابت وصحّ إسلامها. وكان ولد سليمان ﵇ منها. وذكر المؤرّخون أنّ اسمها جرادة.
стр. 208
٣٢٢
ومنها جزيرة الزود «١» ، وهم خلق ذوو أجنحة وشعور وخراطيم يمشون على رجل واحدة كما يمشي الناس وعلى أربع كالبهائم، ويطيرون في الهواء مع الطير. ومنها جزيرة القابس «٢» ، وهي دابّة عظيمة ململمة مثل الكرة تصيح صياحا شديدا ولا يدرى من أين يخرج صياحها ولا يعرف ما هو ولا ما غذاؤه.
٣٢٣ ومنها جزيرة مرّ بها قوم وقد هاج البحر وعظم، فنظروا فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية وعليه ثياب خضر مستلق «٣» على الماء وهو يقول: سبحان من دبّر الأمور، وعلم ما في ضمائر الصدور، وألجم بقدرته البحور، وسيّروا بين الشّمال والشّرق حتّى تنتهوا إلى جبل الطروق وأوسطه فاسلكوا تنجوا بحول الله وتسلموا. فركبوا السّمت الذي حدّ لهم حتّى انتهوا إلى جزيرة يقال لها سندروسة، فيها أمّة طوال الوجوه ومعهم قضبان الذهب المخلوقة يعتمدون عليها ويحاربون بها، على رؤوسهم الذهب وثيابهم منسوجة بالذهب وطعامهم الموز والفطر. فأقاموا عندهم شهرا وأخذوا من قضبان الذهب التي عندهم ما استطاعوا حمله، ثمّ ساروا على السّمت فخلصوا. وكان الذي أرشدهم الخضر ﵇، وتلك الجزيرة مكان قراره وهي وسط البحر الأعظم.
стр. 209
٣٢٤ وهناك جزيرة الفيروج «١» بها صنم بزجاج أخضر يجري من عينيه دمع لا يزال يسير على مرّ الأيّام، وزعموا أنّه باك على قومه الذين كانوا يعبدونه فغزاهم بعض الملوك واستباحهم وقتلهم وأراد كسر الصنم، فكانوا إذا ضربوه بشيء لم يؤثّر فيه وعاد الضرب على ضاربه، فتركوه وإذا دخلت الريح في أذنيه صفّر تصفيرا عجيبا.
٣٢٥ وفي البحر الأخضر جزيرة ترى على بعد، فإذا قرب منها القاصد غابت عنه، وإذا رجع إلى الموضع الذي رآها منه ونظر إليها [رآها] بادية بيّنة. وقيل إنّ فيها شجرة تطلع بطلوع الشمس فلا تزال تطلع إلى نصف النهار ثمّ تعود إلى الانحطاط حتّى تغيب [مع] مغيب الشمس. ويقول البحريّون إنّ في ذلك البحر سمكة صغيرة يقال لها النشاكل «٢» ، إذا حملها الإنسان معه أبصر تلك الجزيرة ودخلها، وهذا شيء عجيب طريف.
وفيه جزيرة طاوران، وطاوران اسم ملكهم وله أربعة آلاف امرأة، ومن لم يكن منهم مثل ذلك فليس بملك. ويتفاخرون بكثرة الأموال والأولاد، وعندهم أشجار إذا أكلوا منها قووا على الباه قوّة عجيبة.
٣٢٦ وفي مملكة هذا الملك الجزيرة السيّارة، والبحريّون مجتمعون على تثبيتها ومنهم من يزعم أنّه رآها مرارا كثيرة لا يشكّون فيها. (وهي جزيرة فيها) «٣» جبال
стр. 210
وشجر وعمارة، فإذا هبّت الريح من المغرب صارت إلى المشرق، وإذا هبّت الريح من المشرق صارت إلى المغرب، هذا دأبها. ويذكرون أنّ حجارتها هفافة خفيفة جدّا تكون زنة الحجر الضخم الذي يقدّر مثله بقنطار عشرة أرطال وأقلّ، ويحمل الإنسان القطعة الكبيرة من جبالها على عاتقه.
٣٢٧ وفي تخوم بحر الصّين جزيرة النّساء لا «١» يسكنها إلّا النساء، وهنّ يلقحن من الريح ويلدن النّساء. وقيل إنّهنّ يلقحن من شجر عندهنّ «٢» يأكلن منه.
ويذكر أنّ الذهب عندهنّ عروق مثل الخيزران وأنّه وقع إليهنّ رجل فهممن بقتله، فرحمته امرأة منهنّ وحملته على خشبة فأدارته الأمواج حتّى أتت به بعض بلاد الصين، فوصل إلى ملك الصين وعرّفه حال الجزيرة، فجهّز إليها المراكب، فأقاموا معه يطوفون في البحر ثلاثة أعوام يطلبونها فلم يقعوا لها على أثر.
٣٢٨ وفي خبر ذي القرنين أنّه وقع إلى جزيرة بيضاء ممرّعة «٣» خصبة ذات أنهار وأشجار، وفيها أمّة على خلق الناس في الانتصاب، رؤوسهم رؤوس السّباع، فلمّا دنا أهل المراكب منهم غابوا عنهم. وفي وسط الجزيرة نهر شديد البياض عليه شجرة عظيمة فيها من كلّ ثمرة طيّبة المطعم ورقها كالحلل المنثرة (؟) حسنا ولينا، والشجرة تطلع بطلوع الشمس فتتباهى بطلوعها إلى وقت الزّوال، ثمّ لا تزال تنقص حتّى تغيب بمغيب الشّمس، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد، وورقها أطيب ريحا من المسك. فحمل من
стр. 211
ثمرها وورقها إلى الإسكندر، فضرب حاملو ذلك ووقعت عليهم آثار السّياط ولا يرون من يضربهم وصيح بهم: ردّوا ما أخذتم من هذه الشجرة ولا تقرضوها فتهلكوا. فأقرّوا ذلك وركبوا مركبهم ذاهبين.
ودخل الإسكندر جزيرة العبادة فوجدها قفارا لا تنبت شيئا غير الحشيش، وفيها غدران ماء، ووجدوا قوما قد نهكتهم العبادة وصاروا كالحمم «١» سوادا. فوقف بهم فسلّم عليهم «٢» فردّوا عليه فقال: ما عيشتكم في فلاتكم هذه؟ قالوا: ما يأتينا من رزق ربّنا من سماك البحر وأصول النبت وشرب ماء هذه الغدران. قال: أفلا أنقلكم إلى موضع أخصب من هذا؟
فقالوا: وما نصنع به؟ إنّ عندنا في جزيرتنا هذه ما نغني [عن] جميع العالم. وانطلقوا به إلى بلاد تتلألأ بأنواع الجواهر واليواقيت فوق ما تتوهّمه النفوس ويجري على الأفكار، وأخرجوه من ذلك إلى أرض عريضة وبساتين عجيبة فيها من أصناف الثمار والفواكه ما لا يوجد مثله في بلد من البلدان وقالوا له: أتصل أنت إلى مثل هذا؟ قال: لا والله. قالوا: هذا بين أيدينا وفي تمليك الله لنا، ما نلتفت إلى شيء منه، وإنّا لنؤثر الحشيش على هذه الفواكه. فذهب من كان مع الإسكندر ليأخذ من ذلك الجوهر فمنعهم وودّع أهل الجزيرة وانصرف إلى مراكبه ممتلئا عجبا فيهم.
[ذكر الأخبار عن انتقال البحار]
٣٢٩ ذكر صاحب المنطق أنّ موضع البرّ قد يكون بحرا وموضع البحر قد يكون برّا. قال: وليس مواضع الأرض الرطبة أبدا رطبة ولا اليابسة أبدا يابسة.
قال: وللمواضع شباب وهرم وحياة كما في الحيوان.
стр. 212
٣٣٠ قال س: وقد كان البحر فيما سلف في الموضع المعروف بالنجف- وهو بالحيرة «١» - وكانت ترسى هناك سفن الهند والصين ترد على ملوك الحيرة.
فصار بين الحيرة وبين البحر الآن مسيرة أيّام كثيرة، ومن رأى النجف وأشرف عليه تبيّن له ما وصفنا. ولمّا أقبل خالد بن الوليد في سلطان أبي بكر ﵁ بعد فتح اليمامة وقتل كذّابها يريد الحيرة تحصّن منه أهلها في الحصن الأبيض، وفيه كان إياس بن قبيصة، وقصر القادسية وقصر بني نفيلة «٢» وقصر بني مازن. قال: وهذه قصور الحيرة. قال: وهي في وقتنا هذا سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة «٣» خراب، وبين هذه القصور وقصر القادسية ثلاثة أميال.
٣٣١ وسمّيت القادسية لأنّ الأعاجم جعلوا قساء من قادس خراسان، وقادس يومئذ أسفل منها [اليوم] ، ممّا يلي عين الشّمال. وذكر الحكماء أنّ رستم لمّا أراد العبور أمر بسكر العتيق «٤» بحيال قادس، فباتوا ليلتهم يسكرونه «٥» بالتراب والقصب والبراذع حتّى جعلوه طريقا، فاستتمّ بعد ما ارتفع النهار من الغد. وذلك عند عبوره للقاء سعد بن أبي وقّاص.
٣٣٢ فنزل خالد بالنجف وبعث إليهم أن ابعثوا رجلا من عقلائكم. فبعثوا إليه عبد
стр. 213
المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بقيلة «١» الغسّاني. وبقيلة هو الذي بنى القصر الأبيض، ودعي بقيلة لأنّه خرج يوما وعليه [ثياب] خضر فقال قومه: ما هذا إلّا بقيلة. وعبد المسيح هو الذي أتى سطيحا يسأله عن رؤيا الموبذان وارتجاج الإيوان وما كان من ملك بني «٢» ساسان، فأتى عبد المسيح خالدا- وله يومئذ ثلاثمائة سنة وخمسون سنة- وأحبّ أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله. قال له خالد: من أين أفضى أثرك؟ قال: من صلب أبي.
قال: فمن أين جئت؟ قال: من بطن أمّي. قال: فعلى ما أنت ويحك؟
قال: على الأرض. قال: أتعقل؟ قال: أي والله وأقيد «٣» . قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال: اللهمّ اخزهم «٤» من أهل بلدة فما يزيدوننا إلّا غمّا، أسأله عن شيء فيجيبني عن غيره. قال: لا والله ما أجبتك إلّا عن سؤالك، فسل عمّا بدا لك. قال: أعرب أنتم أم نبط؟
قال: نبط استعربنا وعرب استنبطنا. قال: فحرب أم سلم؟ قال: بل سلم. قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسّفيه نمنعه حتّى يأتي الحكيم «٥» فينهاه. قال: كم من سنة أتت عليك؟ قال: خمسون وثلاثمائة. قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا من هذه النجف بمتاع الهند والصين وأمواج البحر تضرب ما تحتك، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تتزوّد إلّا رغيفا، فلا تزال في قرى عامرة وعمائر متّصلة وأشجار مثمرة ومياه عذبة غدقة حتّى ترد الشّام، وتراها اليوم قد أصبحت فيافا «٦» ، كذلك دأب الله في البلاد والعباد.
قال: فوجم خالد لما سمعه وعرف من هو، وكان مشهورا في العرب بصحّة العقل وطول العمر. قال: ومعه سمّ ساعة يقلّبه في يديه. فقال له خالد: ما هذا معك؟ قال: سمّ ساعة، فإن يك عندك ما يسرّ به ويوافق أهل بلدتي قبلته وحمدت الله عليه، وإن يكن الأخرى لم أكن أوّل من ساق إلى بلده ذلّا، فآكل السمّ وأستريح. قال له خالد: هاته. وأخذه ووضعه في راحتيه
стр. 214
ثمّ قال: بسم الله وبالله بسم الله ربّ الأرض وربّ السّماء، بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو السّميع العليم. ثمّ اشترطه فلحقته غشية، ثمّ سرى عنه وأفاق كأنّما نشّط من عقال.
فانصرف العبادي إلى قومه- والعباديّون هم النّسطورية «١» من النّصارى- فأخبرهم بما رأى وقال: يا قوم صالحوه فإنّ القوم مصنوع لهم وأمرهم مقبل وأمر بني ساسان مدبر، وسيكون لهذه الأمّة شأن. ثمّ تحدّث بها هنات وهنات. فصالحوه، وقال عبد المسيح [وافر] :
أبعد المنذرين أرى سواما «٢» ... تروّح بالخورنق «٣» والسّدير
فصرنا بعد هلك «٤» أبي قبيس ... كمثل الشّاة في اليوم المطير
تقسّمنا القبائل من معدّ ... علانية كأيسار الجزور
كذاك الدّهر دولته سجال ... فيوم من مساة أو سرور «٥»
٣٣٣ ونحو هذا ما حدث في الجانب الآخر الشّرقي ببغداد من المواضع المعروفة برقّة «٦» الشّماسية وما نقل إليها من الجانب الغربي من الضياع التي كانت بين قطربّل ومدينة السّلام، فإنّ ذلك عدد من ضياع قطربّل. وقد كان لأهلها مطالبات مع أهل الجانب الشّرقي ممن يملك رقة الشماسية بحضرة الوزير علي بن عيسى وما أجاب في ذلك.
٣٣٤ قال: وذكر جماعة أنّ السّنة التي بعث فيها رسول الله ﷺ إلى كسرى
стр. 215
- وذلك سنة سبع- زاد الفرات والدجلة زيادة لم ير مثلها واتّسعت بثوق «١» عظيمة حملت السّكور «٢» والمسنّيات، وطلب الماء الوهاد، وجهد أبرويز «٣» أن يردّ مسنّياتها ويقيم شادرواناتها، فغلبه الماء وطما على العمارات فغرق الكور والسّطوح، وشغلت الأعاجم بحرب العرب. فلمّا [ولّي معاوية] «٤» ولّى عبد الله بن درّاج مولاه خراج العراق، فغلب الماء المسنّيات والسّكور واستخرج له من الأرض ما بلغت غلّته خمسة عشر ألف ألف. واستخرج الحجّاج أيّام الوليد من البطيحة نحو خمسين فرسخا في مثلها.
ذكر الأنهار والعيون
٣٣٥ اختلف النّاس في الأنهار، فقالوا إنّها في الأرض كالعروق في البدن. وقال آخرون: حقّ الماء أن يكون على سطح، فلمّا اختلفت الأرض فكان منها العالي والهابط انحاز الماء إلى أعماق الأرض، فلمّا انحصرت [المياه] في الأعماق طلبت التنفّس لضغط الأرض من أسفل فتنبثق حينئذ عيونا وأنهارا.
٣٣٦ فأمّا النيل فإنّ مبعثه من تحت جبل القمر وراء خطّ الاستواء بسبع درجات ونصف من اثنتي عشرة عينا، فيجتمع في بحيرتين كالبطائح. قال: وهاتان البحيرتان هنا في البلاد المحترقة الجنوبية التي لا يكون فيها نبات ولا حيوان، ثمّ يتشعّب من كلّ بطيحة ثلاثة أنهار تجتمع مع جميعها إلى بطيحة في الإقليم الأوّل، فيخرج من هذه البطيحة نيل مصر. ثمّ ينبعث بين جبال ورمل، ثمّ
следующие страницы →