← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثمرها وورقها إلى الإسكندر، فضرب حاملو ذلك ووقعت عليهم آثار السّياط ولا يرون من يضربهم وصيح بهم: ردّوا ما أخذتم من هذه الشجرة ولا تقرضوها فتهلكوا. فأقرّوا ذلك وركبوا مركبهم ذاهبين. ودخل الإسكندر جزيرة العبادة فوجدها قفارا لا تنبت شيئا غير الحشيش، وفيها غدران ماء، ووجدوا قوما قد نهكتهم العبادة وصاروا كالحمم «١» سوادا. فوقف بهم فسلّم عليهم «٢» فردّوا عليه فقال: ما عيشتكم في فلاتكم هذه؟ قالوا: ما يأتينا من رزق ربّنا من سماك البحر وأصول النبت وشرب ماء هذه الغدران. قال: أفلا أنقلكم إلى موضع أخصب من هذا؟ فقالوا: وما نصنع به؟ إنّ عندنا في جزيرتنا هذه ما نغني [عن] جميع العالم. وانطلقوا به إلى بلاد تتلألأ بأنواع الجواهر واليواقيت فوق ما تتوهّمه النفوس ويجري على الأفكار، وأخرجوه من ذلك إلى أرض عريضة وبساتين عجيبة فيها من أصناف الثمار والفواكه ما لا يوجد مثله في بلد من البلدان وقالوا له: أتصل أنت إلى مثل هذا؟ قال: لا والله. قالوا: هذا بين أيدينا وفي تمليك الله لنا، ما نلتفت إلى شيء منه، وإنّا لنؤثر الحشيش على هذه الفواكه. فذهب من كان مع الإسكندر ليأخذ من ذلك الجوهر فمنعهم وودّع أهل الجزيرة وانصرف إلى مراكبه ممتلئا عجبا فيهم. [ذكر الأخبار عن انتقال البحار] ٣٢٩ ذكر صاحب المنطق أنّ موضع البرّ قد يكون بحرا وموضع البحر قد يكون برّا. قال: وليس مواضع الأرض الرطبة أبدا رطبة ولا اليابسة أبدا يابسة. قال: وللمواضع شباب وهرم وحياة كما في الحيوان.

стр. 212

٣٣٠ قال س: وقد كان البحر فيما سلف في الموضع المعروف بالنجف- وهو بالحيرة «١» - وكانت ترسى هناك سفن الهند والصين ترد على ملوك الحيرة. فصار بين الحيرة وبين البحر الآن مسيرة أيّام كثيرة، ومن رأى النجف وأشرف عليه تبيّن له ما وصفنا. ولمّا أقبل خالد بن الوليد في سلطان أبي بكر ﵁ بعد فتح اليمامة وقتل كذّابها يريد الحيرة تحصّن منه أهلها في الحصن الأبيض، وفيه كان إياس بن قبيصة، وقصر القادسية وقصر بني نفيلة «٢» وقصر بني مازن. قال: وهذه قصور الحيرة. قال: وهي في وقتنا هذا سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة «٣» خراب، وبين هذه القصور وقصر القادسية ثلاثة أميال. ٣٣١ وسمّيت القادسية لأنّ الأعاجم جعلوا قساء من قادس خراسان، وقادس يومئذ أسفل منها [اليوم] ، ممّا يلي عين الشّمال. وذكر الحكماء أنّ رستم لمّا أراد العبور أمر بسكر العتيق «٤» بحيال قادس، فباتوا ليلتهم يسكرونه «٥» بالتراب والقصب والبراذع حتّى جعلوه طريقا، فاستتمّ بعد ما ارتفع النهار من الغد. وذلك عند عبوره للقاء سعد بن أبي وقّاص. ٣٣٢ فنزل خالد بالنجف وبعث إليهم أن ابعثوا رجلا من عقلائكم. فبعثوا إليه عبد

стр. 213

المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بقيلة «١» الغسّاني. وبقيلة هو الذي بنى القصر الأبيض، ودعي بقيلة لأنّه خرج يوما وعليه [ثياب] خضر فقال قومه: ما هذا إلّا بقيلة. وعبد المسيح هو الذي أتى سطيحا يسأله عن رؤيا الموبذان وارتجاج الإيوان وما كان من ملك بني «٢» ساسان، فأتى عبد المسيح خالدا- وله يومئذ ثلاثمائة سنة وخمسون سنة- وأحبّ أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله. قال له خالد: من أين أفضى أثرك؟ قال: من صلب أبي. قال: فمن أين جئت؟ قال: من بطن أمّي. قال: فعلى ما أنت ويحك؟ قال: على الأرض. قال: أتعقل؟ قال: أي والله وأقيد «٣» . قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال: اللهمّ اخزهم «٤» من أهل بلدة فما يزيدوننا إلّا غمّا، أسأله عن شيء فيجيبني عن غيره. قال: لا والله ما أجبتك إلّا عن سؤالك، فسل عمّا بدا لك. قال: أعرب أنتم أم نبط؟ قال: نبط استعربنا وعرب استنبطنا. قال: فحرب أم سلم؟ قال: بل سلم. قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها للسّفيه نمنعه حتّى يأتي الحكيم «٥» فينهاه. قال: كم من سنة أتت عليك؟ قال: خمسون وثلاثمائة. قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا من هذه النجف بمتاع الهند والصين وأمواج البحر تضرب ما تحتك، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تتزوّد إلّا رغيفا، فلا تزال في قرى عامرة وعمائر متّصلة وأشجار مثمرة ومياه عذبة غدقة حتّى ترد الشّام، وتراها اليوم قد أصبحت فيافا «٦» ، كذلك دأب الله في البلاد والعباد. قال: فوجم خالد لما سمعه وعرف من هو، وكان مشهورا في العرب بصحّة العقل وطول العمر. قال: ومعه سمّ ساعة يقلّبه في يديه. فقال له خالد: ما هذا معك؟ قال: سمّ ساعة، فإن يك عندك ما يسرّ به ويوافق أهل بلدتي قبلته وحمدت الله عليه، وإن يكن الأخرى لم أكن أوّل من ساق إلى بلده ذلّا، فآكل السمّ وأستريح. قال له خالد: هاته. وأخذه ووضعه في راحتيه

стр. 214

ثمّ قال: بسم الله وبالله بسم الله ربّ الأرض وربّ السّماء، بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو السّميع العليم. ثمّ اشترطه فلحقته غشية، ثمّ سرى عنه وأفاق كأنّما نشّط من عقال. فانصرف العبادي إلى قومه- والعباديّون هم النّسطورية «١» من النّصارى- فأخبرهم بما رأى وقال: يا قوم صالحوه فإنّ القوم مصنوع لهم وأمرهم مقبل وأمر بني ساسان مدبر، وسيكون لهذه الأمّة شأن. ثمّ تحدّث بها هنات وهنات. فصالحوه، وقال عبد المسيح [وافر] : أبعد المنذرين أرى سواما «٢» ... تروّح بالخورنق «٣» والسّدير فصرنا بعد هلك «٤» أبي قبيس ... كمثل الشّاة في اليوم المطير تقسّمنا القبائل من معدّ ... علانية كأيسار الجزور كذاك الدّهر دولته سجال ... فيوم من مساة أو سرور «٥» ٣٣٣ ونحو هذا ما حدث في الجانب الآخر الشّرقي ببغداد من المواضع المعروفة برقّة «٦» الشّماسية وما نقل إليها من الجانب الغربي من الضياع التي كانت بين قطربّل ومدينة السّلام، فإنّ ذلك عدد من ضياع قطربّل. وقد كان لأهلها مطالبات مع أهل الجانب الشّرقي ممن يملك رقة الشماسية بحضرة الوزير علي بن عيسى وما أجاب في ذلك. ٣٣٤ قال: وذكر جماعة أنّ السّنة التي بعث فيها رسول الله ﷺ إلى كسرى

стр. 215

- وذلك سنة سبع- زاد الفرات والدجلة زيادة لم ير مثلها واتّسعت بثوق «١» عظيمة حملت السّكور «٢» والمسنّيات، وطلب الماء الوهاد، وجهد أبرويز «٣» أن يردّ مسنّياتها ويقيم شادرواناتها، فغلبه الماء وطما على العمارات فغرق الكور والسّطوح، وشغلت الأعاجم بحرب العرب. فلمّا [ولّي معاوية] «٤» ولّى عبد الله بن درّاج مولاه خراج العراق، فغلب الماء المسنّيات والسّكور واستخرج له من الأرض ما بلغت غلّته خمسة عشر ألف ألف. واستخرج الحجّاج أيّام الوليد من البطيحة نحو خمسين فرسخا في مثلها. ذكر الأنهار والعيون ٣٣٥ اختلف النّاس في الأنهار، فقالوا إنّها في الأرض كالعروق في البدن. وقال آخرون: حقّ الماء أن يكون على سطح، فلمّا اختلفت الأرض فكان منها العالي والهابط انحاز الماء إلى أعماق الأرض، فلمّا انحصرت [المياه] في الأعماق طلبت التنفّس لضغط الأرض من أسفل فتنبثق حينئذ عيونا وأنهارا. ٣٣٦ فأمّا النيل فإنّ مبعثه من تحت جبل القمر وراء خطّ الاستواء بسبع درجات ونصف من اثنتي عشرة عينا، فيجتمع في بحيرتين كالبطائح. قال: وهاتان البحيرتان هنا في البلاد المحترقة الجنوبية التي لا يكون فيها نبات ولا حيوان، ثمّ يتشعّب من كلّ بطيحة ثلاثة أنهار تجتمع مع جميعها إلى بطيحة في الإقليم الأوّل، فيخرج من هذه البطيحة نيل مصر. ثمّ ينبعث بين جبال ورمل، ثمّ

стр. 216

يخترق أرض السّودان ممّا يلي بلاد الزنج ويطيف بأرض النّوبة، فيتشعّب منه خليج يصبّ إلى بحر الزنج، وهو بحر جزيرة قنبلو «١» ، وسنذكرها إن شاء الله. فيخرق البحر أكثر من ميل عذبا حلوا يتكدّر إبّان زيادة النيل وفيه السّوسمار» - وهو التمساح الكائن في نيل مصر- ويسمّى الورل أيضا. وذكر أنّ النيل يجري على وجه الأرض تسعمائة فرسخ- ويقال ألف- بين عامر وغامر. وقال غيره إنّ مسافة جريانه من لدن منبعه إلى مصبّه في البحر خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثون ميلا، ويقال إنّه يجري في الخراب غير العمران مسيرة أربعة أشهر، في بلاد المسلمين مسيرة شهر وفي بلاد السّودان مسيرة شهرين. قال الجاحظ «٣» : وكلّ نهر في الأرض مخالف للنّيل وهو مستقبل الشّمال. قال الشّاعر [رجز] : مصر ومصر شأنها عجيب ... وماؤها يجري به الجنوب. ٣٣٧ وبالنّيل السّمك الرعاد، من صاد منها سمكة لم تزل يده ترعد ما دام في شبكته أو شصّه. وجبل آمد «٤» يراه أهله، من انتضى سيفه ثمّ أولجه فيه وقبض على قائمه بجميع يديه اضطرب السّيف في يديه وارتعد هو ولو كان أشدّ الناس «٥» . وإذا أحدّ بحجارة ذلك الجبل سكين أو سيف وحمل عليه الحديد لم يؤثّر فيه ويجذب الإبر والمسالّ أشدّ جذب من جبال المغنطيس، ولا يبطل الثوم عمله كما يبطل المغنطيس، بل تبقى تلك القوّة في ذلك الحديد على مرّ الأيّام. وحجر الجبل نفسه لا يجذب الحديد فإن أحدّ عليه سيف أو سكين جذب الحديد، وهذه عدّة أعاجيب.

стр. 217

٣٣٨ وإلى بلاد أسوان من صعيد مصر تصعد المراكب من فسطاط مصر. وعلى أميال من أسوان جبال وأحجار يجري النيل في وسطها، وهذا الموضع فارز «١» بين سفن الحبشة في النيل وسفن المسلمين. فيقطع النيل الصعيد ثمّ يمرّ بالفسطاط ثمّ بأرض الفيوم ثمّ يمرّ هابطا فينقسم خلجانا إلى أرض تنّيس ودمياط والإسكندرية كلّ يصبّ إلى البحر الرومي، وقد أحدث بحيرات في هذا الموضع. ٣٣٩ د: إذا انتهى إلى دمياط يصبّ في بحيرة كبيرة فيها جزائر، منها تنّيس. فماء تنّيس وجزائر تلك البحيرة عذب إذا هبّت الجنوب، وهم عند ذلك يطرقون بها إلى مصانع صنعوها لذلك، فإذا هبّت الشّمال ملح ماء البحيرة. وقد كان النيل إذ بنى الإسكندر هذه المدينة يتّصل بأسواقها ويمرّ في سككها، وقد بلّطت مجاريها بالمرمر، ثمّ صار الآن النيل منهم على نحو يوم وصار شربهم من الآبار، وهذا ممّا قدّمناه. قال د: والنيل يتشعّب دون الفسطاط شعبتين، فتصير شعبة إلى الرشيد بقرب الاسكندرية وتصير شعبة أخرى إلى دمياط. ٣٤٠ فأمّا خليج النيل الذي يتشعّب إلى بحر الزنج [فهو فارز بين بلاد الزنج وبين أقاصي بلاد] «٢» أصناف الأحابيش، ولولا هذا الخليج «٣» ومفاوز ورمال تليه لم يكن للحبشة مقام في بلادها مع الزنج لكثرة الزنج وبطشها «٤» .

стр. 218

٣٤١ وأمّا نهر «١» بلخ الذي يسمّى جيحون- وهو جيحان- وقد جعلها اثنين «٢» وهو صحيح. قال: وجيحان منبعه من [بلاد] الرّوم ويجتاز بين المصيصة وكفربيّا «٣» ويصبّ في بحر الشّام، ولم يزد على هذا. وقد ذكر س نحو هذا في جيحون ووفّقه أحمد على ذلك فقال: هما نهران، وذكره عن الجيهاني. قال: منبعث نهر جيحون من بلاد التبّت يقبل من الشرق مع الصبا فيمرّ ببلاد وخّان «٤» ويسمّى هناك وخّاب «٥» ، ثمّ يصير إلى أعلى حدود بلخ ممّا يلي المشرق، ثمّ ينعطف إلى ناحية الشّمال مع الجنوب إلى أن يصير إلى الترمذ، ثمّ يقبل منها إلى زمّ ثمّ إلى خوارزم، فيمرّ بمدينتها، فإذا جاوزها «٦» تشعّبت منه أنهار وخلجان ذات اليمين وذات الشمال، فصارت منه [بطائح] «٧» وآجام ومروج أسفل من مدينة خوارزم بنحو أربعة فراسخ، ثمّ يمرّ مستقبل الشمال «٨» بين الجرجانية- أسفل من المدينة بأربعة وعشرين فرسخا- وبين دور المزداخكان «٩» من الشاطئ الشرقيّ، وبه يدعى السّمك هو وابك «١٠» . فإذا انحدر من هذه المواضع تشعّب منه شعب ذات اليسار إلى ورغدة «١١» ، وهي المسمّاة بساكرة، وهي أسفل من الجرجانية بأربعة فراسخ، فتصير منه «١٢» هناك بطائح تسمّى الخلجان، وهو الموضع الذي يصاد فيه السّمك المجلوب من خوارزم إلى النواحي. ويجري بقية النهر إلى البحيرة المذكورة. ٣٤٢ قال الجيهاني: ودور هذه البحيرة نحو مائة فرسخ، بين التّنبيه: مستفتها

стр. 219

مسافتها نحو من أربعين يوما في مثلها. ج: وماؤها ملح وليس لها مغيض ظاهر، ويقع فيها نهر جيحون ونهر الشّاش وأنهار غيرهما «١» كثيرة، فلا يعذب ماؤها ولا يزيد فيها. ويشبه- والله أعلم- أن يكون بينها وبين بحر «٢» الخزر خرق يتّصل بمائها، وبين البحرين نحو عشرين مرحلة على السّمت. وأضيق أعبار جيحون على رباط بلخ عرضه نحو ميلين. هذا كلّه من التنبيه. ٣٤٣ فأمّا نهر بلخ الذي يسمّى جيحون- وهو نهر المصيصة- فإنّه يجري من أعين فيمرّ ببلاد الترمذ واسفرائين من بلاد خراسان حتّى يأتي بلاد خوارزم، فيفترق في مواضع هناك ويمضي باقيه فيصبّ في بحيرة الجرجانية أسفل خوارزم. وليس في العمران بحيرة أعظم منها لأنّ طولها مسيرة شهر في نحو ذلك من العرض ودورها أربعمائة فرسخ، وإليها يصبّ نهر فرغانة والشّاش وعليها مدينة للتّرك يقال لها الجديدة فيها المسلمون. والسّفن تجري في هذه البحيرة. ٣٤٤ وقد زعم قوم من أهل الخبرة «٣» أنّ مبتدأ نهر جيحون يستمرّ خارجا إلى بلخ، ثمّ يصبّ في البحر، وهو يصبّ في ساحل المصيصة من البحر الرّومي. ومقدار جريه على الأرض مائة وخمسون فرسخا، وقيل أربعمائة. وقد زعم قوم أنّه يصبّ في مهران «٤» السّند. [وذكر الجاحظ أن مهران السّند] «٥» من نيل مصر واستدلّ بوجود التمساح فيه. ذكر ذلك في كتاب

стр. 220

الأمصار. ونهر مهران السّند يخرج من أعين مشهورة في أعلى بلاد السّند من أرض فتح من مملكة بوروة. ٣٤٥ الفرات: مبدؤه من بلاد قالى قلا من ثغور أرمينية من جبل هناك يدعى أفردخش على نحو يوم من قالى قلا، ثمّ يجري في بلاد الروم إلى أن يأتي «١» ملطية، وإذا توسّط بلاد الروم تجلّبت إليه مياه كثيرة وأنهار، ثمّ ينتهي إلى جسر منبج «٢» ثمّ إلى بالس، ويمرّ بصفّين في موضع حرب أهل العراق وأهل الشّام، وينتهي إلى الرقّة والرّحبة «٣» وهيت والأنبار. وتأخذ منه هناك أنهار مثل نهر عيسى الذي ينتهي إلى مدينة السّلام فيصبّ في دجلة، وغيرها. ثمّ يأخذ الفرات إلى بلاد سورا «٤» وقصر ابن هبيرة والكوفة والجامعين والنّرس والطّفوف «٥» ، إلى البحيرة التي بين البصرة وواسط. ٣٤٦ د: وهو يقبل من الشّمال فيكون مقدار جريانه على وجه الأرض نحو خمسمائة فرسخ، وقيل ستّمائة فرسخ. وقد كان الفرات ينتهي إلى بلاد الحيرة «٦» ونهرها بيّن إلى هذا الوقت، فيعرف بالعتيق» ، وعليه كانت وقعة المسلمين مع رستم، وهي وقعة القادسية، فيصبّ في البحر الحبشي، وكان البحر يومئذ في الموضع المعروف بالنّجف، وقد تقدّم ذكر هذا. ويقع في الفرات في أرض الجزيرة نهر الخابور بموضع يسمّى قرقيسيا.

стр. 221

وبالبطائح تجتمع هذه المياه وهي ثلاثون فرسخا في ثلاثين، حدّ منها جزيرة العرب وحدّ أرض ميسان وحدّ دجلة بغداد وحدّ مصبّ الفرات والنّهروان. وهذه البطائح هي مزارعهم وأشجارهم. وقد أخرجت من هذه البطائح أنهار منها نهر مرة- ونهر مرة منسوب إلى مرة بن أبي عثمان مولى عبد الله بن أبي بكر، (وهو عبد الرحمن بن أبي بكر) «١» الصدّيق كتبت عائشة بالوصاة به إلى زياد فأقطعه ذلك النهر، وفيض البصرة يقع في نهر الأبلّة «٢» حتّى يخرج إلى دجلة العوراء، ثمّ يقع في بحر الهند، وفيض البصرة هو نهرها الذي البصرة عليه. ٣٤٧ وأمّا الدجلة فإنّها تخرج من الإقليم الخامس من بلاد آمد من ديار بكر، موضع يعرف بحصن ذي القرنين، وتصبّ إليها أنهار سريط وساتيدما «٣» الخارجة من بلاد أرزن وميّافارقين، وتمرّ بالموصل ويصبّ فيها نهر الخابور الخارج من بلاد أرمينية، والتقاؤه بدجلة [بين مدينة باسورين وقبر سابور] «٤» من بلاد قردى- وقال: تلك من بلاد الموصل. وهذه الديّار ديار بني حمدان وفيها يقول الشّاعر [طويل] : بقردى [وبازبدى] «٥» مصيف ومربع ... وعذب يحاكي السّلسبيل برود وبغداد ما بغداد أمّا ترابها ... فجمر وأمّا حرّها فشديد وليس هذا نهر الخابور الذي يجري من مدينة رأس العين ويصبّ في الفرات. ثمّ (تمرّ دجلة) «٦» فيصبّ فيها أسفل من الموصل [نهر الزّاب] «٧» بين الموصل وجرد والحديثة على فراسخ من الحديثة من الجانب الشرقي، فهذا

стр. 222

الزاب الأكبر والأصغر الواردان من بلاد أرمينية وآذربيجان. ثمّ تنتهي «١» إلى تكريت وسامرّا وبغداد، فيصبّ فيها نهر عيسى وغيره التي ذكرنا أنّها تتشعّب من الفرات. ثمّ تخرج دجلة عن بغداد فتصبّ فيها أنهار كثيرة مثل النهر المعروف بنهر بين ونهر روان «٢» ممّا يلي (جرجرايا والسّيب ونيل النعمانية) «٣» . وإذا خرجت الدجلة عن مدينة واسط «٤» تفرّقت أنهارا آخذة إلى بطيحة البصرة مثل سردود وسابس «٥» والمصبّ «٦» الذي ينتهي إلى القطر وفيه تجري أكثر سفن البصرة من بغداد وواسط. ومقدار جريان دجلة ثلاثمائة فرسخ، وقيل أربعمائة. ٣٤٨ وقال أحمد بن عمر: أمّا دجلة الّتي تدعى اليوم بالعوراء فإنّها كانت قبل الإسلام تستقيم (من عند المذار) «٧» ، وهي اليوم منقطعة فتمرّ ما بين المذار وعبدسى «٨» من كور دست ميسان حتّى تخرج عند الخيزرانة فوق فم الصّلح بحضرة واسط، فتمرّ حتّى تأتي المدائن، فكانت سفن البحر تجري من بلاد الهند فتدخل في دجلة البصرة حتّى تأتي المدائن. فتمرّ حتّى تخرج فوق فم الصّلح فتصير إلى دجلة بغداد فتأتي المدائن. ثمّ إنّها خرقت الأرض حتّى مرّت بين يدي واسط حتّى صبّت ماءها في هذه البطائح، والبطائح يومئذ أرض تزرع متّصلة بأرض العرب ومن قبائلها يشكر وباهلة وبنو عبس متّصلة بناحية ميسان وأرضها. فغلب الماء على ما كان من تلك الأرضين منخفضا، فتلك المواضع معروفة بالبطائح تسمّى سرطغان وطستخان «٩» قد يرى أثرها في الأرض- أعني أرض البطائح- تحت الماء عند ركود الماء وصفائه فيعلم أنّها

стр. 223

كانت أرضين. وصارت البطائح الأولى وما والاها صحاري ومفاوز، ويصيب المارّة فيها في الصّيف سموم شديد. فلم يبق اليوم من دجلة العوراء إلّا من المذار «١» إلى بحر الهند، وذلك مقدار ثلاثين فرسخا، وهي دجلة البصرة وإليها ينتهي مدّ البحر وجزره. وكان كسرى أبرويز قد سكر «٢» دجلة عند الخيزرانة وإنّه أراد أن يعيد «٣» الماء إلى دجلة العوراء وأنفق عليها مالا عظيما، فأعياه ذلك وجرت «٤» في موضعها الذي هي اليوم فيه بين يدي واسط. ورام بعد ذلك خالد بن عبد الله أن يسكرها «٥» وأنفق الأموال في ذلك، فصفت «٦» دجلة ذلك البنيان وخرقته، وآثار «٧» ذلك البناء ترى إذا قلّ «٨» الماء في دجلة من آجرّ وصاروج، وربّما عطبت فيه السّفن المارّة. ٣٤٩ وأمّا سيحان فهو في الثغر الشّامي، وهو نهر أذنة ومخرجه من نحو ثلاثة أميال من مدينة ملطية، ويجري في بلاد الرّوم وليس عليه للمسلمين إلّا مدينة أذنة بين مدينة طرسوس والمصيصة، ويصبّ في البحر الرومي من الثغر الشّامي. ومن أنهار الأرض المشهورة ٣٥٠ نهر كنك ببلاد الهند، ونهر مهران وهو نهر السّند، يخرج من جبال شقنان «٩» ، ويقال إنّه يخرج من جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، وتمدّه

стр. 224

أنهار كثيرة وعيون غزيرة، فيقطع «١» أرض الهند والسّند ويظهر على نوافره بناحية الملتان، ثمّ يمرّ على المنصورة حتّى يقع في البحر شرقيّ «٢» الدّبيل. وهو نهر كبير عذب يقال إنّ فيه تماسيح كتماسيح النيل، وهو مثله في الكبر وجريه بالأمطار الصّيفية، وينتشر على وجه الأرض ثمّ ينضب فيزرع عليه حسب ما يزرع بأرض مصر. نهر الرسّ: وهو نهر أرمينية يمرّ برستاق «٣» بناحية الفرس وشرقيّه، ثمّ يمرّ بدبيل وبأرّان «٤» ، فيقع فيه من جبال أرمينية وجبال أرّان أنهار، ثمّ يمرّ بورثان إلى مرويح (؟) ، فإذا جاوزها انصبّ في بحر طبرستان. النهروان: وإنّ منبعثه من جبال أرمينية ويمرّ بباب صلوى «٥» ، ويسمّى هناك ثامرّا، ويستمدّ من القراطيل، فإذا صار بباب كسرى يسمّى النهروان، وينصّب في دجلة أسفل جبّل. نهر الخابور: منبعثه من رأس العين من أعلى أرض الجزيرة ويمتدّ من الهرماس «٦» ، وهو نهر ينصبّ في الفرات بموضع يسمّى قرقيسيا. [نهر بردى: نهر دمشق] «٧» فينبعث من جبالها فيجتازها فيسقيها «٨» ويسقي «٩» غوطة دمشق وينصبّ في بحيرة «١٠» دمشق. نهر قويق: نهر حلب ينبعث من قرية تدعى سنياب «١١» على سبعة أميال من دابق، ثمّ يمرّ الى حلب ثمانية عشر ميلا، ثم يفيض في الأجمة.

стр. 225

ومن الأنهار المنصبّة في جيحون ٣٥١ وخشاب: وهو أعظمها يقبل من أعلى بلاد التّرك فيصير إلى بلاد فامر «١» ثمّ إلى بلاد الرّاست ثمّ إلى بلاد الكميذ «٢» ، ثمّ يمرّ بين الجبلين فيما بين حدود الواسجرد ورستاق من أرض الختّل، فيستقبل جريه بلاد الختّل ذات يمينه وبلاد الواسجرد ذات يساره، ثمّ يجري حتّى إذا صار في أرض الختّل صبّ في جيحون بموضع يعرف بميلة «٣» فوق مدينة «٤» التّرمذ. ونهر وخّاب يكشف بلاد الختّل من الشّقّ الآخر، وهو الذي يخرج من بلاد التبّت وهو أصل جيحون على ما قدّمناه. وفي أعلى هذا النهر موضع يخرج منه الذهب قطع صغار مثل رؤوس الإبر. ذكر بعض الأنهار الخارجة «٥» من صحراء «٦» المغرب ٣٥٢ من جبل درن، وهذا الجبل معترض في الصحراء وهو فاصل بين الصحراء والسّاحل، ومنه ينفجر كلّ نهر هناك، وهم يختلفون في تسمية هذا الجبل، فأهل فاس وسجلماسة يسمّونه درن، والمصامدة ونول يسمّونه بشكوا، وهوارة تسمّيه أوراس «٧» . فممّا ينفجر منه نهر نفيس ووادي أغمات ونهر موقوا، وهو يقع في وادي وانسيقين، وهو يجري إلى (بلاد برغواطة) «٨» .

стр. 226

ومنها وادي وارزين وهو يقع في وانسقين، ومنها وادي أقديم وهو وادي سلا. ويخرج من هذا الجبل في القبلة إلى الصحراء نهر درعة، وهو نهر عظيم ينصبّ في بحر نول في البحر المحيط. ومن هذا الجبل ينبعث وادي غريس، وهو [نهر] سجلماسة الذي يعرف بوادي زيز، وينصبّ في هذا الوادي عدّة أودية تنبعث كلّها من ذلك الجبل واجتماعها كلّها في موضع يقال له فاكنسا، وهذا الوادي يقع في البحر وراء درعة بعد مسافة بعيدة. ٣٥٣ ومن الأنهار المشهورة ببلاد الأندلس نهر قرطبة، ويعرف بنهر بيطي «١» ، مخرجه من ناحية ريمية وبين منبعثه إلى موقعه في البحر بغربي اشبيلية ثلاثمائة ميل وعشرة أميال. ويقع فيه سنجيل، وهو ينبعث من الثلج من جبال ألبيرة وعليه مدينة استجة «٢» ، ونهر بينش يقع فيه يجتمع النهران في فحص ألبيرة. وتقع فيه عيون لوشة، وتقع فيه عين وادي سوس ومخرجه من جبال باعة، ويقع فيه الوادي الأحمر ومخرجه من جبال النشكة. وبأقلّ جدول من هذا النهر يستحيل ماء نهر قرطبة وتعلوه حمرة وكدرة. وينصبّ فيه بلون وأنهار كثيرة: نهر ترميد، ومخرجه بقرب من مخرج نهر قرطبة من ناحية كشكه وجريه إلى الشّرق وانصبابه في البحر الشّامي، وهذا نهر تضغطه الجبال بموضع يعرف برقوط على ثمانية عشر ميلا من مرسية حتّى يتوعه الرجل، ولولا هذا الجبل لغرق السّيل مرسية. ونهر آنة، ومنبعثه بين شمال الأندلس وشرقها فيما بين الجبل المسمّى البويرة وبين مدينة روقول، وهي فوق مدينة ريمية، ومصبّه في البحر المحيط باشكونية، ومسافة طوله ثلاثمائة وعشرون ميلا. ونهر آنة هذا يغيض بين لا بردة وبطليوس فيجري متواريا حتّى يبدو بموضع يعرف بفجّ العروس من فحص الفجّ، ثمّ يغيض فيخرج بقرية من قرى قلعة رباح يقال لها آنة. نهر تاجه، منبعثه من جبال بناحية نطلية «٣» من عين في موضع يعرف بالبيضة

стр. 227

لكثرة صنوبره، ومصبّه في البحر المحيط بين مدينة قلموية ومدينة برتقال «١» ومسافة جريه تسعمائة ميل وثمانون ميلا، وتقع فيه نحو عشرة أنهار. ونهر أبره يخرج من عين يقال لها قونت أبير، وهي فوق أرض القلاع، ومجراه من الجوف إلى القبلة، ومصبّه في البحر الشّامي بناحية طرطوشة، ومسافة جريه مائتا ميل وأربعة أميال، وهو مخصوص بالحوت المعروف بالطرنجة، وهو حوت عظيم وليس له إلّا شوكة واحدة، وتقع فيه عدّة أنهار. نهر جلّق، وهو يقع في نهر أبره ومخرجه من جبال الشّيرطابنين. ومن أنهار بلاد الإفرنجة وجلّيقية المشهورة ٣٥٤ نهر مينية، مخرجه من جبال ألتبه ويشقّ بلاد جلّيقية من شرق إلى غرب ويقع في البحر المحيط بناحية حائط جلّيقية، وعدد أمياله ثلاثمائة ميل وثلاثة أميال. نهر رودية- وهو بلد غاليش- ومخرجه من فحص بلد غاليش. ونهر آخر يعرف بقرنيش، وهو الذي تدعوه الصّقالبة وادي رين «٢» ، وعليه حضورهم عند خروجهم من بلدهم، وعليه مدينة الإفرنج العظمى التي تدعى مغنج. وعلى هذا النهر جسر ممدود من مراكب قد ضمّ بعضها إلى بعض وسمّرت بمسامير الخشب وعقد بعضها إلى بعض، والأرحال منصوبة عليها، فإذا كثر ماء النهر ارتفعت بارتفاعه وانخفضت بانخفاضه، وهي تطحن مستمرّ. وجزء منه يصبّ في البحر المتوسّط وجزء في البحر المحيط، ومسافة جريه مائتان وخمسون. ومن الأنهار العظام نهر بدوينة. والله أعلم بغيبه وأحكم.

стр. 228

ابتداء الممالك مملكة الهند ٣٥٥ وهي «١» عند جميع ملوك الكفّار بإجماع منهم مملكة الحكمة، والحكمة من الهند بدؤها. وزعموا أنّهم أوّل من ضمّ المملكة ونصب لها ملكا، فأوّلهم البرهمن الأكبر، وهو الذي أظهر المملكة والحكمة وابتدعهما «٢» وصنع السّيوف وآلات الحرب وشيّد الهياكل ورصّعها بالجواهر وصوّر الأفلاك والبروج والكواكب وجعل ذلك كتابة قريبة إلى العقول وأثبته في الأفهام وأشار إلى المبدأ الأوّل المعطي لسائر الموجودات [وجودها] ، وذلك الكتاب كتاب السّند هند أي دهر الدّهور، ومنه تفرّعت الكتب: كتاب المجسطي والأرجبهد «٣» وغيرهما. وكان اعتقاد البرهمن أنّ الخالق نور لا كالأنوار التي نراها «٤» بالأعين لأنّه (نور عليم) «٥» سميع بصير. وتزعم الرّوم وغيرها أنّهم إنّما يعبدون أسماء لا يعرفون معناها. وهو أوّل من تكلّم في أوج الشمس وأنّه يقيم في كلّ برج ثلاثة آلاف سنة وأنّه إذا انتقل الأوج إلى البروج الجنوبية انتقلت العمارة فصار العامر غامرا والغامر عامرا. وقد زعموا أنّ في كلّ ستّة وثلاثين ألف سنة يفنى العالم وينشأ عالم آخر، وذلك مدّة قطع الكواكب الثابتة أوج الشمس، وإذا أنشأ الله عالما آخر ألهمهم إلى المنافع والمضارّ «٦» وما يعمرون به الأرض، وهذا مذكور في كتاب السّند هند.

стр. 229

٣٥٦ وقد كان البرهمن جمع سبعة من حكمائهم فقالوا: تعالوا ننظر من «١» العالم [ما سرّه] «٢» ومن أين أقبلنا وإلى أين نمرّ وهل إخراجنا من عدم إلى وجود حكمة أم [ضدّ ذلك و] «٣» هل خالقنا ومخترعنا يجتلب منفعة أم هل يدفع بفنائنا مضرّة، وما وجه إبلائه إيّانا وإفنائه «٤» لنا بعد إيجادنا. فقال الحكيم الأوّل: أترى أحدا من الناس أدرك الأشياء الحاضرة والغائبة على حقيقة «٥» الإدراك فظفر بالبغية واستراح بالثقة؟ وقال الحكيم الثاني: لو تناهت «٦» حكمة الخالق في حدّ العقول لكان ذلك نقصا في حكمته وكان الغرض غير مدرك والتقصير مانعا من الإدراك. قال الحكيم الثالث: الواجب أن نبتدئ بمعرفة أنفسنا التي هي أقرب الأشياء إلينا قبل أن نتفرّغ إلى علم ما بعد عنّا. وقال الحكيم الرّابع: لقد ساء موقع من وقع موقعا احتاج فيه إلى معرفة نفسه. وقال الحكيم الخامس: من ها هنا وجب الاتّصال بالعلماء الممدّين «٧» بالحكمة. وقال الحكيم السّادس: يجب على المرء المحبّ لنفسه أن (لا يغفل عن ذلك) «٨» لا سيّما إذا كان المقام في هذه الدّار ممتنعا. وقال الحكيم السّابع: ما أدري ما تقولون غير أنّي خرجت إلى الدنيا مضطرّا وعشت فيها حائرا وأخرج منها كارها. ٣٥٧ واختلف الهند ممّن خلف وسلف في آراء هؤلاء السّبعة وأقوالهم وتنازعوا في مذاهبهم، فافترقوا على سبعين فرقة، منهم من يثبت الخالق والرسل عليهم الصّلاة من الله والسّلام، ومنهم النّافي للرّسل، ومنهم النافي لكلّ ذلك. وقد زعموا أنّ البرهمن هو آدم والأكثر منهم على أنّه ملك الهند. والهند تزعم

стр. 230

أنّ آدم سابع سبعة من الآدميّين وأنّ كلّ أدمي منهم كان مدّة ولده ونسله سبعة آلاف سنة، ولا «١» يجعلون للدهر ابتداء ولا انتهاء، ويقول إنّ الله أوّل لا ابتداء له ودائم لا نفاذ له ولا غاية، يخلق عالما بعد عالم وجيلا بعد جيل وينشئ أمّة بعد أمّة، فكما لا تعقل أوّليته ولا غايته فكذلك لا يحيط عباده بمعرفة حكمته ولطف قدرته. والهند تزعم أنّهم يدركون بالرّقي والوهم ما أرادوا به وأنّهم يحلّون ويعقدون بزعمهم. ٣٥٨ وكان ملك البرهمن ثلاثمائة سنة وستّين سنة وولده يعرفون بالبراهمة إلى وقتنا هذا والهند تعظّمهم، وهم على مرّ السّنين لا يغتذون بشيء من الحيوان ولا يشربون الخمر ولا الأنبذة، وفي رقاب الرجال والنساء منهم خيوط صفر متقلّدين بها كحمائل السّيوف فرقا بينهم وبين غيرهم من أنواع الهند. ثم ملك بعده الباهيود ابنه فسلك مسلك أبيه. وفي أيّامه عملت النّرد مثالا للمكاسب وإنّها لا تزال بالكيس. وملك مائة سنة. وقد قيل إنّ أردشير وضع النرد وجعلها اثني عشر شكلا عدد الشّهور والكلاب ثلاثين عدد أيّام الشّهر والفصّين مثالا للقدر وتقلّبه. ثمّ ملك دينام- وقيل اسمه دبشلم «٢» - وهو واضع كتاب كليلة ودمنة (الذي نقله ابن المقفّع وصنّف سهل بن هارون للمأمون كتابا سمّاه ثعله وعفره «٣» عارض به كليلة ودمنة) «٤» . وكان ملكه مائة وعشرين سنة. ثمّ ملك بلهيت وصنعت في أيّامه الشّطرنج بيّن فيه الظفر الذي يناله الحازم والنكبة التي تلحق الجاهل.

стр. 231

٣٥٩ وللهند في الشطرنج سرّ يسرّونه في تضاعيف حسابها ويتغلغلون بذلك إلى ما علا من الأفلاك ويجعلونه متّصلا بالأجسام السّمائية. ولم تزل كلّ طائفة تستعمل عليها فنون الملح والنوادر المضحكة المدهشة، ويزعمون أنّ ذلك ممّا يبعث على لعبها وانصباب الموادّ وصحيح الأفكار، وهو بمنزلة الارتجاز للمقاتل والحدّ للمغنّي. وقال بعض الشعراء [سريع] : نوادر الشطرنج في وقتنا ... أحرّ من ملتهب الجمر كم من ضعيف اللعب كانت له ... عونا على مستحسن القمر «١» وذكر بعض أهل النظر من الإسلاميّين أنّ واضع الشّطرنج كان عدليّا مستطيعا فيما يفعل وأنّ واضع النرد كان مجبرا، فبيّن باللعب بها أنّه لا استطاعة له بل تصرّفه في أمره على حسب ما يوجبه القدر. ولذلك قال الشّاعر الكاتب المعروف بكشاجم [بسيط] : لا خير في النرد لا يغني ممارسها ... فضل الذكاء إذا ما كان محروما تزيل أفعال فصّيها بحكمهما «٢» ... ضدّين في الأمر ميمونا ومشؤوما «٣» فما تكاد [ترى] «٤» أخا أدب ... يفوته القمر إلّا كان مظلوما وقال أبو نواس [طويل] : ومأمورة بالأمر تأتي بغيره ... ولم تتّبع في ذاك غيّا ولا رشدا إذا قلت لم تفعل وليست مطيعة ... وأفعل ما قالت فصرت لها عبدا وقال اليعفيلي: لم تلته الملوك والسّادة وأهل المروّة والشّرف بشيء أحسن من الشطرنج وإنّها حكمة وأدب وتدبير ونظر، ولم تضعها الحكماء لتكون لعبا ولا لهوا ولا هزلا، وإنّما وضعتها للبيان يتبيّن بها صحّة النظر في ابتداء الأمور وعواقبها، ولا يكون إقدام المقدم إلّا بعد رؤية ولا تأخير المتأخّر إلّا بعد هزم «٥» . وقد لعب بها التابعون ورخص فيها. وحدّثنا سليمان بن داود عن

стр. 232

ابن معاوية الضرير عن الزّبير بن عدي قال: رأيت الشعبي يلعب بالشطرنج وإلى جانبه قطيفة، فإذا مرّ به جماعة أدخل رأسه فيها، وكان يجيز «١» شهادة اللاعب بها ما لم يكن قمارا ولم يؤخّر بسببها صلاة. وكان الرشيد حبس موسى بن جعفر بن محمّد في دار السّندي بن شاهك، فربّما خرج عليهم من الموضع الذي هو فيه فيراهم يلعبون بها فيقومون عنها فيقول لهم: ارجعوا فإنّه أحسن ما تشاغل به الناس ما لم يكن فيه «٢» قمار. ٣٦٠ وملك بلهيت ثمانين سنة، ثمّ ملك كورث، وهو الذي عمل له الكتاب الأعظم «٣» في الأدواء والعلل وعلاجها وشكّلت الحشائش وصوّرت. وبعد ملكه تحزّبت أحزاب الهند وتفرّقت آراؤها ومملكتها، فتملّك أرض السّند ملك وأرض القنّوج [ملك] «٤» - وهو بروزة سمة لهم ولا بحر له- وأرض القشمير ملك «٥» والمانكير ملك- وهي الحوزة الكبرى- فسمّي البلّهرى فصارت سمة لمن طرأ من الملوك في هذه الحوزة إلى وقتنا هذا. وبلاد البلّهرى يقال لها الكمكم «٦» ومنها يجلب السّاج وبها يكون «٧» ... وهي مملكة واسعة، وقد ذكرنا أنّ من حوله من الملوك يصلون إليه. وينضاف الى مملكة الهند ملك الزّابج وهي مملكة المهراج ملك الجزائر، وهذه المملكة فرق ما بين الهند والصّين. ومعنى المهراج عندهم ملك الملوك. قال: وليس له مملكة غير الجزائر وليس في ملوك الهند أكثر خيرا منه ولا أقوى دخلا، ويقال إنّ دخل قمار الدّيوك خاصّة يبلغ كلّ يوم في مملكته خمسين منّا من ذهب. ويكون بطواران من جزائره كافور ومعدنه جزيرة رامنا.

стр. 233

٣٦١ ومن كبار ملوكهم ملك قمار والبرانية ملكة الجزائر. وملك قمار قليل المملكة تكون في مملكته مسيرة أربعة أشهر، ويركب له خمسون ألفا إلّا أنّه أحسن الملوك مكافأة يكافئ على الجزء بمائة جزء، وهو أشبههم سيرة بالمسلمين. ٣٦٢ ومنهم ملك يقال له الفارفطي و [ملك يقال له] «١» الصّيلمان وينتهي جنده إلى سبعين ألفا إلّا أنّ فيلته قليلة وهي أجرأ فيلة الهند. ومنهم ملك يقال له نجانة وهو شريف منهم وهم السّلوقيّون، ولا يتزوّجون «٢» إلّا فيهم لشرفهم. والكلاب السّلوقية إنّما وقعت من بلادهم، فأمّا الصندل الأحمر إنّما يكون في بلاد نجانة. ويليه ملك يقال له الجرر «٣» ، العدل في مملكته مستفيض «٤» ولو أنّ رجلا نشر ذهبا ولؤلؤا يمينا وشمالا في سبل مملكته وطرقات جهاته لما رزأ أحد منهم شيئا. والعرب تدخل إلى بلاده بالتجارات كثيرا، فإن سألوه عند انصرافهم خفرا قال لهم: إن حدث بأموالكم حادث فارجعوا بذلك عليّ فأنا الضامن. له ثقة بأمن بلاده وانتشار العدل في رعيّته، وهو شجاع وذو مكيدة في الحرب وإن لم يقاوم جيشه حبس كبراءهم. ٣٦٣ وملك يقال له دهرم. قال الجيهاني: إنّي سمعت من أثق به يقول: ربّما خرج في معسكره بثلاثمائة ألف فصاعدا. ومن بلاده يجلب العود الهندي وليس من

стр. 234

شجر بلاده، إنّما هو يقع هناك من بلاد ملك يقال له القامروب «١» وليس لأحد عود هندي إلّا لملك القامروب «٢» ، وهو ملك قليل الجيش ومملكته تصل ببلاد الصين، وهؤلاء الملوك كلّهم مخرّمو الآذان. قال ح: وأهل مملكته يسمّونه ملك الحولا وله في مملكته مدينة يقال لها هذكيرة سوقها نحو من فرسخ وبلاده تشرع على بحر الأغباب- وهو بحر خبيث- ومن مدائن مملكته (مياسر وسمندر وهركر) «٣» . ويعمل بمياسر حصر من الخيزران لا يشاركهم فيها أحد. والذي يجلب إلى بلادهم الشّنك «٤» ، وهو أنفق شيء في بلادهم، والودع وهو النون الذي تتّخذ منه الأبواق، فإنّهم يتّخذون منه الحلي لنسائهم ويخترقونهم بدلا من الذهب والفضّة وهم يتبايعون بالودع ويسمّونه الكنج، وهو أعزّ عندهم من الذهب، وربّما اشتريت جارية بالودع وأخرى بالذهب، فتفخر التي اشتريت بالودع وتقول: أنا اشتريت بالكنج. ٣٦٤ وملك يقال له الطرسول «٥» ، وهم بيض الألوان يلبسون القمص السّحولية ولهم شعور يدلونها، وهو بلد واسع المملكة. ويليه ملك يقال له الموجه «٦» ، والمسك عندهم كثير ومدينتهم حصينة جدّا. وملك يقال له المابد، وبلاده متّصلة ببلاد الصين. ويقال إنّ هؤلاء الثلاثة الطرسول والموجه والمابد يقاتلون ملوك الصين. فأوّل بلادهم على البحر متّصلة ببلاد الصين مسيرة سنتين. وملوكهم يلبسون الحلي والجوهر الفاخر والأسورة والقلائد والوشائح مثل النّساء.

стр. 235

قال: وبين البلّهرى ونجانة ملك يقال له الطاقى «١» - هذه عبارة سمته- وهو ضيّق المملكة كثير المال عامر البلاد وأهل مملكته لهم بياض وجمال ليس يشركهم في ذلك غيرهم. ٣٦٥ وملك سرنديب والصوليان- غير الصيلان التي تقدّم ذكرها- يسكن ملكها مدينة بيحور يحيط بها سوران ولها أربعة أبواب: باب من جهة الجنوب يقال له «٢» باب البلادج، [والبلادج] عندهم الصّهريج الذي يجتمع فيه الماء من المطر، [وباب] يعرف بباب هوسته، وهذا الباب الذي يخرج منه النصارى بصلبانهم في معايشهم، والثالث يقال له باب الفصيل وهو الذي يدخل منه الملك وحرمه، والباب الرابع يقال له باب العشور وهو الذي يعشر فيه أمتعة التجّار. وفيها أديان شتّى من المسلمين واليهودية والنصارى والمجوسية والثنوية، وأقربهم من الملك رئيس الثنوية فإنّه بنى له بجانب قصره دارا وأنزله فيها. وسيوفهم وحرابهم وجميع ما يصنعون من حديدهم لا يقاربه شيء في المضاء والحدّة. ٣٦٦ أخبرني العذري قال: حدّثني ابن الحسن البخاري التّاجر أنّه قدم على ملك سرنديب وهو صاحب مطية وأدخل عليه مع أصحاب المطايا. قال: ورأينا في يده ياقوتتين حمراوين تتّقدان كالجمرتين زنة كلّ واحدة منهما خمسون مثقالا، وهو يلعب بهما من يد إلى يد. وأخبرنا الملك أنّه ممّا يتوارثه ملوك ذلك البلد في قديم الدهر وأنّه لا يوجد مثلهما في جميع بلاد الدّنيا. ورأينا في

стр. 236

عنقه سلك جوهر فيه ثلاثون حبّة مثل بيض الحجل زنة كلّ حبّة منها عشرة مثاقيل كأنّها قد خرطت خرطا مع تصدّع بياضها وجودة فريدها، إلّا أنّ في بعضها حبّتين متّصلتين غير منفصلتين. قال: وأمر الملك فوزنت بين يديه ونحن شهود. ٣٦٧ والهند متّصلون بخراسان ممّا يلي الجبال والسّند متّصلة بأرض التّبت. والهند في سياستهم وعقولهم بخلاف سائر السّودان من الزنج والأحابيش وغيرهم. وقد ذكر جالينوس: في الأسود عشر خصال لا توجد في غيره: تفلفل الشعر وخفّة الحاجبين وانتشار المنخرين وغلظ الشفتين وتحديد الأسنان ونتن الجلد وسواد الخلق «١» وتشقّق الأطراف وطول الذكر وكثرة الطرب- وكثرة طربه لفساد دماغه وضعف عقله ولحمو «٢» موضعه ومنشئه جذبت الرّطوبات إلى أعلاه وأهدلت «٣» شفتيه وقصرت أنفه وعظّمته وأشالت» رأسه، فخالف بذلك مزاج دماغه عن الاعتدال، فلم تقدر النفس على إظهار فعلها فيه كاملا. وقد كان طاوس لا يأكل ذبيح الزنج ويقول: هو مشوّه الخلق. وكان [أبو] «٥» العبّاس الراضي بالله ابن المقتدر لا يتناول شيئا من يد الأسود. والهند لا تملّك الملك حتّى يبلغ أربعين سنة ولا تكاد ملوكهم تظهر لعوامّهم إلّا في برهة من الدهر معروفة لأنّ في نظر العوامّ إليها دائما «٦» عندها خرقا لهيبتها واستخفافا لحقّها، ورئاستهم وسياستهم صحيحة. هم يمنعون من شرب المسكر ويعيبون شاربه، وإذا صحّ عندهم ذلك من ملك من ملوكهم استحقّ عندهم الخلع.

стр. 237

٣٦٨ قال الجيهاني: ولا يشربه من ملوكهم إلّا ملك المهل «١» وهو صاحب جزيرة سرنديب، فإنّه يحمل إليه من بلاد العرب، وأشدّهم فيه ملك قمار فإنّه يعاقب في السّكر والزنا بالقتل. والزنا عند سائر ملوكهم مباح إلّا في المحصنين، وملك قمار أشدّهم غيرة. قال الكندي: قال أبو عبد الله: وقد رأيت تجّار الهند لا يشربون الشراب قليله ولا كثيره ويعافون الخلّ لذلك فيحمضون ماء الأرزّ ويستعملونه. ٣٦٩ والملك مقصور «٢» في أهل البيت وكذلك القضاء والوزراء وسائر المراتب لا تغيّر ولا تبدّل. ٣٧٠ ومن اعتقاد الهند وأحكامهم قالوا إنّ أصل كتب الهند وسنّتهم من قمار «٣» وحكمهم أنّ من ذبح بقرة ذبح بها، وعبّاد قمار لا يقربون المسلمين ويقولون لهم: إنّكم أنجاس لأنّكم تأكلون لحم البقر. وذكر بعض من لابسهم من المسلمين أنّه سمع رجلا من كبار عبّادهم يقول: كشامرشون، قال: ففهمته عنه ومعناه بالهندية: يا من ليس كمثله شيء. قال: فعجبت من ذلك فقلت له: أتعرف ما تقول؟ قال: وا عجباه وتعرفون أنتم ما تقولون؟ قلت له: فلم تعبدون الأصنام من دونه؟ قال: هذه قبلتنا يا جاهل.

стр. 238

٣٧١ ومن عقوبة ملك قمار على شرب الخمر أن تحمى مائة حلقة من حديد بالنار، ثمّ توضع على بدن الرجل فربّما أتلفت نفسه. ومن رأوه من المسلمين يشرب فهو عندهم خسيس لا يعتنون به ويقولون: هذا رجل ليس له قدر في بلاده. وأصل العباد في بلد قمار ويقولون إنّ فيها مائة ألف عابد، وهم أصحاب تسبيح ومعهم سبح لا تفارقهم. ولملك قمار ثمانون قاضيا، ولو ورد عليهم ولد الملك لأنصفوا منه وأقعدوه مقعد الخصم، ووجهوا عليه صريح الحكم. وأهل قمار ليس عندهم صنم وإنّما يتقرّبون إلى شيء يسمّونه اللّنج «١» من حجارة يكون في ارتفاع قامة الإنسان في صورة إحليل الرجل، وظهر لهم بجبل قمار في شجر عود الطيب، وهو جبل عريض طويل على صورة هذا اللنج «٢» الذي من حجارة، فعمل عليه سقف من ذهب وعبدوه أيضا. ولفراش ملك قمار أربعة آلاف امرأة. ٣٧٢ ومن عجيب حكم المهراج في بلاد قنصور «٣» ، وهم قوم يتحالفون بالنار، إذا خاصم الرجل لصاحبه في دين أو زناء بمحصنة أو سرقة يأمر السّلطان فتؤخذ قطعة حديد قدر رطل أو أكثر فيحمونه بالنار، ثمّ يعمدون إلى ورق هناك يشبه ورق الغار في الغلظ والمتانة وتوضع منها سبع ورقات في كفّه، ثمّ تؤخذ تلك الحديدة بالكلّاب فتوضع على تلك الأوراق، فيمرّ بها ذاهبا وراجعا مقدار ما يخطر الماشي مائة خطوة، فإن احترقت يده والورق جميعا ألزم الذنب، فإن كان عليه القتل قتل، وإن كان عليه الغرم أغرم، وإن لم يكن

стр. 239

له مال كان عبدا للسّلطان يبيعه، وإن لم تحرقه النار قيل للمدّعي: إنّك مبطل. وحكم آخر: يغلّى الماء في قدر يحبس يوما إلى اللّيل حتّى يصير لو قطرت منه قطرة في يد إنسان لأحرقته، ثمّ يطرح فيه خاتم حديد ويقال للمدّعى عليه: أدخل يدك فتناول الخاتم الذي هو في هذا الماء، فيدخل يده فيه فيتناوله، فإن كان بريّا أخرج يده سالمة، وإن كان مقارفا للذنب نضجت يده. وليس في بلاد الصين من هذه الأحكام شيء. ولهم بدائع من الملاهي لا توجد عند غيرهم. ٣٧٣ ومن طريف أخبارهم أنّ ملكا من ملوك قمار ولي «١» هذا الصقع الذي يضاف العود القماري إليه- وهو شاطئ بحر وجبال لا جزيرة له، وهم يجتنبون كثيرا من القاذورات مثل الزناء وغيره ويتشبهون كثيرا من خلق الإسلام، وهذه المملكة موازية لمملكة المهراج صاحب الجزائر، وبين موضع ملك صاحب قمار والبحر مسيرة يوم- فتذوكر عنده يوما عظم مملكة المهراج وجلالها. فقال لوزيره: في نفسي شهوة أحبّ بلوغها، وكان حدثا متسرّعا. فقال: ما هي؟ فقال: كنت أحبّ أن أرى رأس المهراج بين يديّ. فعلم «٢» الوزير أنّ الحسد أثار ذلك الفكر في نفسه، فأنكر الوزير ما سمع منه وقال: إنّه لم يتقدّم منّا ومنهم خلاف ولا ترّة ولا رأى فريق منّا ومنهم سوءا من الآخر، وينبغي أن لا يعيد الملك هذا القول ولا يأخذ فيه مع أحد. وبين موضع مملكة المهراج ومملكة قمار نحو عشرة أيّام في البحر. فلم يسمع منه وأذاع ذلك في قوّاده حتّى اتّصل بصاحب المهراج وكان جزلا محنّكا. فأمر بإعداد ألف مركب بآلتها وتجهيزها بأكمل السّلاح وأهل العناء «٣» والنجدة بما تحمله كلّ مركب فيها، وأشاع أنّه يريد التنزّه في جزائر مملكته وكتب إلى ملوك الجزائر بما عزم عليه من زيارتهم وأمر بتلقّيه محتفلين ليرهب من والاه.

стр. 240

٣٧٤ فلمّا استتمّت أموره دخل المراكب فعمد إلى قمار واتّصل بدار مملكة صاحبها، وله نهر يصبّ في البحر، فصيّر فيه رجاله فأتوه على حال غرّة وأحدقوا به، فاحتوى على مملكته وأمر مناديا أن ينادي بالأمان في الناس، وقعد على سرير المملكة وقد أخذ صاحب السّرير أسيرا. فأحضره وأحضر وزيره وقرّره على تمنّيته، فلم يجد جوابا. فقال له المهراج: أمّا إنّك لو تمنّيت [مع ما تمنّيته من إباحة أرضي وملكها لاستعملت ذلك فيك، لكنّك تمنّيت شيئا بعينه فأنا فاعله بك] «١» لتكون عظة لمن بعدك. وضرب عنقه وجعله في طست بين يديه وقال للوزير: جزيت من وزير خيرا، فانظر من يصلح للملك بعد هذا الجاهل فأقمه مقامه. وانصرف راجعا إلى بلاده من غير أن يمدّ هو أو أحد من أصحابه [يده] إلى شيء ممّا كان في بلاده وحمل الرأس معه. فلمّا قعد في مملكته وعلى سريره على غدير لبن الذهب وضع الرأس بين يديه في طست ودعا وجوه أهل مملكته وأخبرهم خبره. ثمّ أمر بالرأس فغسل وطيّب ووجّه به إلى الملك القائم بمدينة قمار وكتب إليه: إنّما حملنا على ما فعلنا بصاحبك بغيه علينا، وقد بلغنا منه ما أردنا ورأينا ردّ رأسه إليك إذ لا درك لنا في حبسه والسّلام. واتّصل الخبر بالملوك فعظم المهراج في أعينهم، وصارت بعد ذلك ملوك قمار تقوم بوجوهها كلّ صباح [نحو] «٢» بلاد الزّابج فتسجد تعظيما للمهراج. قال س: وأعظم ملوك الهند الآن البلّهرى وأكثر ملوك الهند تتوجّه في صلاتها نحوه. وبين دار مملكة البلّهرى والبحر ثمانون فرسخا سندية- الفرسخ من ثمانية أميال.

стр. 241

٣٧٥ ومن مدن الهند المشهورة قامهل، وهي أوّل حدود الهند (إلى موضعها) «١» إلى صيمور، وهي مدينة كبيرة أيضا، وكنبايه «٢» وسوباره «٣» وأساول وجداول «٤» وسندان والجندرور والسّنداوذ. فمن كنبايه إلى صيمور بلد البلّهرى، ويعرف الملك باسم الناحية. والغالب على هذا البلد الكفر وفيهم مسلمون لا يلي عليهم في زماننا من قبل بلّهرى إلّا مسلم يستخلفه عليهم، وكذلك في كثير من البلدان التي في أطراف المسلمين، فيغلب عليها ملك الكفر كالخزر واللّان وغيرهم لا يقبل المسلمون هناك مضي حكم الكافر ولا يقيم عليهم شهادة إلّا المسلمون وإن قلّوا. وزيّ المسلمين هناك واحد في اللّبسة وإرسال الشّعور. وبين المنصورة وقامهل ثماني مراحل، وبين قامهل وكنبايه أربع مراحل. وكنبايه على نحو فرسخ من البحر. وبين سوباره وسندان نحو خمس مراحل، وهي أيضا على نصف فرسخ من البحر. وبين سندان وصيمور خمس مراحل، وبين صيمور وسرنديب خمس عشرة مرحلة. ٣٧٦ وأعظم أنهارهم نهر مهران، وقد تقدّم ذكره فيما سلف من هذا الكتاب، ونهر سندروذ «٥» ، وهو يصبّ في مهران بين بسمد «٦» والملتان، ونهر جندرور، وهو نهر كبير من أعذب المياه وهو في نواحي المنصورة. وزعموا أيضا أنّ الهند اسم نهر هناك وبه سمّيت الهند.

стр. 242

ذكر ملوك الصين والترك ٣٧٧ من ولد عامور بن سوبل بن يافث بن نوح ﵇. مدينة الملك بالصين هي أنمو بينها وبين ساحل البحر الحبشي- بحر الصين- مسيرة ثلاثة أشهر. ٣٧٨ قال ح: إنّ مدينة الصين العظمى التي ينزلها ملوكها تسمّى خمدان، وحوالي هذه المدينة مائة وعشرون قرية في كلّ قرية ألف رجل مترتّبة «١» لحراستها. والمدينة مقسومة نصفين: نصف يكون فيه أهل بيت الملك وخاصّته وعمّاله «٢» ، ونصف يكون فيه عامّتهم وأشرافهم. وللملك ثلاثمائة وستّون مدينة يحمل إليه كلّ يوم من كلّ مدينة خراجها للباسه ولكلّ جارية من جواريه. وفي قصر الملك بخمدان ثلاثمائة وثمانون كوسا منكّسة، فإذا كان قبيل المغرب مع غروب الشمس قرع بها قرعة واحدة فيتبادر الناس للانصراف إلى منازلهم، فلا يبقى أحد خارجا عن داره، حتّى يخترق عسكر الملك السّكك والطرق بسيوف منتضلة، فمن وجدوه خارجا عن داره ضرب عنقه كائنا من كان واحتزّ رأسه وألقي في موضع قد أعدّ لذلك وكتب على ظهر المقتول: من رأى هذا فلا يتعدّا أمر الملك. قال: وسكك هذه المدينة مظلّلة بخشب السّاج وتكنس في كلّ يوم ثلاث مرّات. ودورهم واسعة مبخّرة المجالس كثيرة التماثيل. وللملك أربعمائة ألف مرتزق، وهو لا يكاد يبرز لأحد ولا يراه أحد إلّا وزيره أو حاجبه أو رسول ملك يرد إليه أو وجوه أصحابه يصلون إليه في كلّ أسبوع، فإن تعذّر ذلك أكثر من هذه المدّة ضجّوا وسألوا الوصول إليه كي لا يكون قد مات وأخفي

стр. 243

ذلك عنهم، وإذا أراد الملك [أن] يركب ضرب بجرس فيدخل الناس منازلهم ويخلون الطرقات. ٣٧٩ وإنّما سمّيت الصين لأنّ أوّل من نزلها صائن بن عامور بن سوبل بن يافث، فأثار معادن الذهب وعمل الحكم ودقائق الصناعات وملكهم مائتي سنة. فلمّا هلك جعلوا جسده في تمثال ذهب وأجلس على سرير من ذهب مرصّع بالجوهر وبنوا له هيكلا يكون فيه فيسجدون له. واتّخذ لهم بعض ملوكهم سياسة شرعية وفرائض عقلية وجعلها رباطا ورتب لهم قصاصا وحدودا ومستحلّات للمناكح وصلوات تقرّبهم إلى معبودهم، إنّما لا سجود فيها، وأمرهم بقرابين للهياكل ودخن، واتّخذه أيضا للكواكب. فهم باقون على ذلك إلّا أنّه دخل فيهم اعتقاد المانية والدهرية والثنوية فتناظروا واختلفوا في الاعتقاد وأصلهم في شرعهم لا يختلف. ولهم مدينة عظيمة ممّا يلي مغرب الشمس يقال لها مدو «١» تتّصل ببلاد التبّت من الأتراك، والحرب بينهم سجال. وملّة الصين تدعى الشمنية. ٣٨٠ ولهم أفخاذ وقبائل كقبائل العرب يرفع الرجل [منهم] «٢» نسبه إلى خمسين أبا، وأكثرهم يعدّ إلى عامور. ولا يتزوّج منهم فخذ إلّا في فخذ آخر، ويزعمون أنّ في ذلك صحّة النسل وقوام البنية «٣» .

стр. 244

٣٨١ ولم تزل أمور «١» الصين مستقيمة الأحوال إلى سنة أربع وستّين ومائتين «٢» ، فإنّه ظهر فيهم رجل من غير بيت المملكة يسمّى يانشو، فاجتمع إليه أهل الدعارة «٣» والشّرّ، فافتتح مدينة خانفو، وهي من كبار مدائنها وفيها أخاليط الناس من كلّ ملّة، فاستباحها بما فيها، وكان مذهبه الإفساد لأنّه لم يكن من بيت المملكة فيطمع فيها. فانتهى من قتل فيها مائتا ألف «٤» ، وإنّما حصي ذلك لأنّ ملوك «٥» الصين تحصي من في مملكتها من الأمم وتتعاهد ذلك وتضمّه في دواوين لها، وعلى ذلك قوم مرتّبون لا يشتغلون بسواه. ولم يزل أمره ظاهرا حتّى استولى على دار المملكة بعد أن هزم الملك مرارا. ونجا الملك إلى مدينة خانفو- وهي مدينته استباحها يانشو القائم على الملك أوّلا- فالتقى الفريقان، فكانت الحرب بينهما سجالا نحوا من سنة، ثمّ فقد يانشو، ويقال إنّه أحرق، ثمّ رجع الملك إلى دار مملكته. ٣٨٢ وهم يسمّونه بغبور «٦» وتفسير ذلك ابن السّماء، أي إنّما أنزل من السّماء فولينا، والعرب تسمّيه المغبون مكان تسمّيه أولئك ببغبور «٧» ، وربّما تقارب اللّفظان أي المغبون في دينه. وتغلّب رأس كلّ ناحية من بلاد الصين على ناحيته كتغلّب ملوك الطوائف حين قتل الإسكندر [دارا ملك الفرس] «٨» وكنحو «٩» ما نحن بسبيله. فرضي ملك الصين منهم بالطاعة، وأغار كلّ فريق منهم على من يليه، فعدم انتظام ملكهم إلى الآن.

стр. 245

٣٨٣ ومن سيرهم أنّ المرأة إذا لم تكن محصنة وأرادت الفجور رفعت رقعة «١» إلى الملك فجاء لها وما ذهبت إليه، فيبعث إليها حلقا من نحاس فتجعلها في عنقها ولبست المصبّغات وعملت ما شاءت علانية. فإذا ولدت الذكور خصوا «٢» واستعملهم الملك في داره وأعماله، وإن كانت التي ولدت أنثى كانت على رسم أمّها. ومن سننهم أن يورثوا الإناث أكثر من الذكور؛ ومن سننهم أنّ لهم عند حلول الشمس الحمل عيدا معظّما عندهم يأكلون فيه ويشربون سبعة أيّام. ٣٨٤ ... وجزيرة كله يقال لها المنصف- وهي بين أرض الصين وأرض العرب- وتكسيرها ثمانون فرسخا، ولكنّها مجتمع الأمتعة والتجّار من الصّينيّين والمسلمين وإليها يتجهّز من عمان في وقتنا هذا فتجلب منها أصناف الطيب كلّه «٣» والرصاص القلعي والأبنوس والبقم وغير ذلك. وقد كانت لهم سياسات وعدل وحكمة. ٣٨٥ ومن طريف أخبارهم أنّ رجلا من قريش من ولد هبّار بن الأسود خرج من البصرة إذ كان من خبر صاحب الزّنج ما كان وصار بسيراف، ثمّ لم يزل يخترق أرض ممالك «٤» الهند إلى أن انتهى إلى بلاد الصين، فصار بمدينة

стр. 246

خانفو- وبينها وبين البحر مسيرة الأيّام اليسيرة. ثمّ دعته همّته إلى حضور مجلس الملك، فلم يزل حتّى وصل إليه بعد أن أعلم الملك أنّه من أهل بيت النبوّة. فأمر بإحضاره والبحث عن قوله ونسبه، فلمّا تحقّق أمر ذلك أوصله الى نفسه فقال للترجمان: سله عن منزلة الملوك عندهم، فلم يدر ما يجيب في ذلك فقال الملك: إنّا نجد الملوك خمسة: فرأس الملك وأوسعها ملك الملك الذي يملك العراق وما والاها لأنّه في وسط الدنيا والملوك محدقة به، ونجد اسمه عندنا (ملك الملوك) «١» . وبعده ملكنا ونجد اسمه ملك الناس لأنّه لا أحد أسوس للرعيّة منّا ولا أطوع للملوك من رعيّتنا، فنحن ملوك الناس. ثمّ ملك السّباع، وهو ملك الترك الذي يلينا وهم سباع الإنس. ثمّ ملك الفيلة، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة. وبعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال لأنّه ليس في الأرض أتمّ «٢» خلقا من رجاله. فهؤلاء أعيان الملوك والباقون دونهم. ثمّ قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته؟ يعني النبي ﷺ . قال: فقلت: فكيف لي برؤيته؟ قال: فأمر بسفط فأخرج ووضع بين يديه، وتناول منه درجا، فأراني صورة عامّة الأنبياء ﵈. فلمّا رأيتهم حرّكت شفتيّ بالصلاة عليهم، فقال للترجمان: سله عن تحريك شفتيه، فأخبرته. فرأيت نوحا في السفينة ينجو بمن معه وعيسى على حماره والحواريّين معه. قال: وفوق كلّ صورة كتابة طويلة بأخبارهم وأعمارهم وبلادهم وأسمائهم، ثمّ كذلك سائر الأنبياء ﵈. قال: حتّى رأيت صورة نبيّنا محمّد ﷺ على جمل وأصحابه محدقين به وفي أرجلهم نعال عربية وفي أوساطهم حبال اللّيف قد علّقوا المساويك منها. قال: فبكيت فسألني عن بكائي فقلت: إنّي ذكرت أمر نبيّنا محمّد ﷺ بهذه الصورة. ثمّ سألني عن عمر الدنيا فأخبرته بما أتى في ذلك، فضحك ضحكا كثيرا إنكارا لذلك، ثمّ قال: من قال هذا؟ فقلت: نبيّنا محمد ﷺ .

стр. 247

فقال: ما أظنّ نبيّكم قال هذا. وأمر له بجائزة وحمله على البريد إلى خانفو وكتب إلى صاحبها بالوصية به. ٣٨٦ والثمار كلّها موجودة بالصين إلّا النخل. ٣٨٧ وهم من أحذق خلق الله كفّا وصناعة، وممّا أعانهم على ذلك أنّ الملك إذا أوتي بمعجز من الصناعات والرقوم والنقوش وضعه على باب دار مملكته حولا كاملا، فإن ذكر أحد فيه عيبا وصل وحرم الصّانع، وإلّا أجزلت صلة الصّانع. ٣٨٨ وإنّ رجلا منهم صوّر سنبلة عليها عصفور في ثوب [حرير] «١» لا يشكّ [الناظر إليها] «٢» أنّها سنبلة عليها عصفور. فبقي الثوب مدّة حتّى اجتاز به رجل أحدب فعابها، فأدخل للملك وحضر صانعها، فسئل عن العيب فقال: المتعارف أنّه لا يقع عصفور على سنبلة إلّا أمالها وهذه مستقيمة. فصدّق ولم يثب الصانع بشيء. وقصدهم في هذا وشبيهه الرياضة.

стр. 248

٣٨٩ فأمّا الترك فهم من ولد عامور أيضا ومعظم مملكتهم من الصين وبلاد خراسان، وأشدّهم شوكة الطغزغز «١» ، وهم أصحاب مدينة كوشان وما والاها، وملكهم أيغر خان «٢» ، ومذاهبهم مذاهب المانية وممالكهم كثيرة: الشّاش وفرغانة والختّل- وهم سكّان الختّلان- وروسان والصغد- وهم بين بخارا وسمرقند- وأهل بيت المملكة منهم بفرغانة، وفيهم كان الملك، وهو «٣» خاقان الخواقين وكان يجمع ملكهم. فلمّا مات انتشرت مملكتهم وتسمّى بهذا الاسم فريق ببلاد التبّت وكان ممّن ينقاد إلى خاقان. فلمّا انحلّ عقد نظامهم تسمّى بذلك تشبيها به. ٣٩٠ قال س في السّفر الثاني: وقد زعم قوم أنّ الترك من ولد طوح ابن أفريدون، وهذا غلط لأنّ أفريدون قد ولّى على الترك الولاة كما ولّى على الروم وغيرها. ٣٩١ وأخذ قوم من ولد عامور يسرة المشرق على سمت الشمال فصاروا عدّة ممالك: الدّيلم والجيل «٤» والطيلسان والبرقار والتبر والخزر وكشك وأهل جبال الكبخ «٥» وسائر تلك الأمم، وانتشرت هناك إلى بحر مانيطش ونيطش وبحر الخزر إلى البرغر وما اتّصل بهم من الأمم.

стр. 249

٣٩٢ وجبل الكبخ خاصّة يحتوي على اثنتين وسبعين أمّة لكلّ أمّة ملك ولغة، وهو جبل شنيع طوله مسيرة شهرين أو أكثر، وهو من أخشن الجبال وفيه أمم «١» لا يعرف بعضهم بعضا لخشونته وكثرة غياضه وأشجاره وعظم صخوره وتسلسل مياهه، وله أنهار [وهو] ذو شعاب وأودية. ٣٩٣ ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه. وهذا البناء بناه كسرى أنوشروان وجعله حاجزا بين بلاده وهذه الأمّة لما كان من إفسادهم فجعل هذا السّور «٢» في وسط البحر على مقدار ميل مادّا في البحر، بناه بالصخر والحديد والرصاص المفرّغ على أزقاق البقر المنفوخة، فكلّما ارتفع البناء نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرّت في قعر البحر وقد ارتفع السّور، فغاصت الرجال حينئذ بالخناجر على تلك الأزقاق فنقبتها وتمكّن السّور على الأرض في قعر البحر، وهو باق إلى الآن في وقتنا هذا. ثمّ مدّ «٣» السّور في البرّ «٤» ما بين جبل الكبخ والبحر مادّا في أعالي الأرض ومنخفضاتها نحوا من أربعين فرسخا إلى أن انتهى ذلك إلى قلعة يقال لها طبرستان، وجعل على كلّ ثلاثة أميال من هذا السّور بابا من حديد، وأسكن من داخله أمّة تراعيه وتحرس ما يليه، وجعل لكلّ أمّة ملكا، وحول هذا السّور أمم لا يحصيهم إلّا خالقهم. ولم يبنه أنوشروان إلّا عن استيلاء عليهم، وحينئذ أذعنت له ملوك الآفاق وهادته وراسلته. وصاحب الباب والأبواب الآن مسلم اسمه محمّد بن يزيد «٥» من ولد بهرام «٦» جوبين، وسمة محمّد هذا ومن ولي بموضعه شروان شاه، ومملكته

стр. 250

نحو من شهر. وإنّما أسلم أهلها من يوم دخلها مسلمة بن عبد الملك. وقد غلب محمّد هذا على كثير من ممالك الكبخ. ويلي ملك محمّد هذا المعروف بشروان ملك طبرستان، وهو لرجل مسلم من الأنصار. ٣٩٤ ويلي الباب والأبواب مملكة الخزر، وكان موضع مملكتهم مدينة يقال لها سمندر «١» ، وهي على ثمانية أيّام من الباب، وملكهم الآن بمدينة آتل وبينها وبين الأوّل سبعة أيّام، وفيها من كلّ ملّة. وإنّما انتقل ملكهم إليها لأنّ سمندر افتتحت في أوّل الإسلام ثمّ رجعت إليهم. ودين الخزر اليهودية تهوّد ملكهم زمن الرشيد فبقوا على ذلك. وكان سبب ذلك إكراه ملك الروم من كان في ملكه من اليهود على النصرانية فتهارب خلق من اليهود إلى بلاد الخزر فتهوّدوا. وأكثر جيوش الخزر مسلمون وهم ناقلة من الخوارزم لجدب «٢» وقع في بلادهم صدر الإسلام أجلاهم إلى الخزر، وظهر منهم في الحرب بأس وشدّة، فأقاموا على الإكرام والإحسان وإظهار الإسلام، ووزير الملك منهم. وإذا كانت للملك حروب مع المسلمين وقف المسلمون من جنده حرزة لا يقاتلون. وصومعة المسلمين في جامعهم الأعظم تشرف على دار الملك. ٣٩٥ وتتّصل بهذه المملكة مملكة البرغر وملكها الآن مسلم أسلم بعد العشر وثلاثمائة برؤيا رآها، وذلك أيّام المقتدر. وكان هذا الملك يغزو بلاد القسطنطينية في نحو من خمسين ألف فارس ويشنّ الغارات إلى بلاد رومة والجلالقة والإفرنجة ومنه إلى القسطنطينية نحو من شهرين. وهم أمّة شداد لا تطاق، والفارس منهم يقاتل أمّة من الروم ولا يمتنعون منهم إلّا بالجدران. والليل عند
следующие страницы →