Полный текст (893 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
خانفو- وبينها وبين البحر مسيرة الأيّام اليسيرة. ثمّ دعته همّته إلى حضور مجلس الملك، فلم يزل حتّى وصل إليه بعد أن أعلم الملك أنّه من أهل بيت النبوّة. فأمر بإحضاره والبحث عن قوله ونسبه، فلمّا تحقّق أمر ذلك أوصله الى نفسه فقال للترجمان: سله عن منزلة الملوك عندهم، فلم يدر ما يجيب في ذلك فقال الملك: إنّا نجد الملوك خمسة: فرأس الملك وأوسعها ملك الملك الذي يملك العراق وما والاها لأنّه في وسط الدنيا والملوك محدقة به، ونجد اسمه عندنا (ملك الملوك) «١» . وبعده ملكنا ونجد اسمه ملك الناس لأنّه لا أحد أسوس للرعيّة منّا ولا أطوع للملوك من رعيّتنا، فنحن ملوك الناس. ثمّ ملك السّباع، وهو ملك الترك الذي يلينا وهم سباع الإنس. ثمّ ملك الفيلة، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة. وبعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال لأنّه ليس في الأرض أتمّ «٢» خلقا من رجاله.
فهؤلاء أعيان الملوك والباقون دونهم.
ثمّ قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته؟ يعني النبي ﷺ .
قال: فقلت: فكيف لي برؤيته؟ قال: فأمر بسفط فأخرج ووضع بين يديه، وتناول منه درجا، فأراني صورة عامّة الأنبياء ﵈. فلمّا رأيتهم حرّكت شفتيّ بالصلاة عليهم، فقال للترجمان: سله عن تحريك شفتيه، فأخبرته. فرأيت نوحا في السفينة ينجو بمن معه وعيسى على حماره والحواريّين معه. قال: وفوق كلّ صورة كتابة طويلة بأخبارهم وأعمارهم وبلادهم وأسمائهم، ثمّ كذلك سائر الأنبياء ﵈. قال: حتّى رأيت صورة نبيّنا محمّد ﷺ على جمل وأصحابه محدقين به وفي أرجلهم نعال عربية وفي أوساطهم حبال اللّيف قد علّقوا المساويك منها. قال:
فبكيت فسألني عن بكائي فقلت: إنّي ذكرت أمر نبيّنا محمّد ﷺ بهذه الصورة. ثمّ سألني عن عمر الدنيا فأخبرته بما أتى في ذلك، فضحك ضحكا كثيرا إنكارا لذلك، ثمّ قال: من قال هذا؟ فقلت: نبيّنا محمد ﷺ .
стр. 247
فقال: ما أظنّ نبيّكم قال هذا. وأمر له بجائزة وحمله على البريد إلى خانفو وكتب إلى صاحبها بالوصية به.
٣٨٦ والثمار كلّها موجودة بالصين إلّا النخل.
٣٨٧ وهم من أحذق خلق الله كفّا وصناعة، وممّا أعانهم على ذلك أنّ الملك إذا أوتي بمعجز من الصناعات والرقوم والنقوش وضعه على باب دار مملكته حولا كاملا، فإن ذكر أحد فيه عيبا وصل وحرم الصّانع، وإلّا أجزلت صلة الصّانع.
٣٨٨ وإنّ رجلا منهم صوّر سنبلة عليها عصفور في ثوب [حرير] «١» لا يشكّ [الناظر إليها] «٢» أنّها سنبلة عليها عصفور. فبقي الثوب مدّة حتّى اجتاز به رجل أحدب فعابها، فأدخل للملك وحضر صانعها، فسئل عن العيب فقال: المتعارف أنّه لا يقع عصفور على سنبلة إلّا أمالها وهذه مستقيمة.
فصدّق ولم يثب الصانع بشيء. وقصدهم في هذا وشبيهه الرياضة.
стр. 248
٣٨٩ فأمّا الترك فهم من ولد عامور أيضا ومعظم مملكتهم من الصين وبلاد خراسان، وأشدّهم شوكة الطغزغز «١» ، وهم أصحاب مدينة كوشان وما والاها، وملكهم أيغر خان «٢» ، ومذاهبهم مذاهب المانية وممالكهم كثيرة:
الشّاش وفرغانة والختّل- وهم سكّان الختّلان- وروسان والصغد- وهم بين بخارا وسمرقند- وأهل بيت المملكة منهم بفرغانة، وفيهم كان الملك، وهو «٣» خاقان الخواقين وكان يجمع ملكهم. فلمّا مات انتشرت مملكتهم وتسمّى بهذا الاسم فريق ببلاد التبّت وكان ممّن ينقاد إلى خاقان. فلمّا انحلّ عقد نظامهم تسمّى بذلك تشبيها به.
٣٩٠ قال س في السّفر الثاني: وقد زعم قوم أنّ الترك من ولد طوح ابن أفريدون، وهذا غلط لأنّ أفريدون قد ولّى على الترك الولاة كما ولّى على الروم وغيرها.
٣٩١ وأخذ قوم من ولد عامور يسرة المشرق على سمت الشمال فصاروا عدّة ممالك: الدّيلم والجيل «٤» والطيلسان والبرقار والتبر والخزر وكشك وأهل جبال الكبخ «٥» وسائر تلك الأمم، وانتشرت هناك إلى بحر مانيطش ونيطش وبحر الخزر إلى البرغر وما اتّصل بهم من الأمم.
стр. 249
٣٩٢ وجبل الكبخ خاصّة يحتوي على اثنتين وسبعين أمّة لكلّ أمّة ملك ولغة، وهو جبل شنيع طوله مسيرة شهرين أو أكثر، وهو من أخشن الجبال وفيه أمم «١» لا يعرف بعضهم بعضا لخشونته وكثرة غياضه وأشجاره وعظم صخوره وتسلسل مياهه، وله أنهار [وهو] ذو شعاب وأودية.
٣٩٣ ومدينة الباب والأبواب على شعب من شعابه. وهذا البناء بناه كسرى أنوشروان وجعله حاجزا بين بلاده وهذه الأمّة لما كان من إفسادهم فجعل هذا السّور «٢» في وسط البحر على مقدار ميل مادّا في البحر، بناه بالصخر والحديد والرصاص المفرّغ على أزقاق البقر المنفوخة، فكلّما ارتفع البناء نزلت تلك الأزقاق إلى أن استقرّت في قعر البحر وقد ارتفع السّور، فغاصت الرجال حينئذ بالخناجر على تلك الأزقاق فنقبتها وتمكّن السّور على الأرض في قعر البحر، وهو باق إلى الآن في وقتنا هذا. ثمّ مدّ «٣» السّور في البرّ «٤» ما بين جبل الكبخ والبحر مادّا في أعالي الأرض ومنخفضاتها نحوا من أربعين فرسخا إلى أن انتهى ذلك إلى قلعة يقال لها طبرستان، وجعل على كلّ ثلاثة أميال من هذا السّور بابا من حديد، وأسكن من داخله أمّة تراعيه وتحرس ما يليه، وجعل لكلّ أمّة ملكا، وحول هذا السّور أمم لا يحصيهم إلّا خالقهم.
ولم يبنه أنوشروان إلّا عن استيلاء عليهم، وحينئذ أذعنت له ملوك الآفاق وهادته وراسلته.
وصاحب الباب والأبواب الآن مسلم اسمه محمّد بن يزيد «٥» من ولد بهرام «٦» جوبين، وسمة محمّد هذا ومن ولي بموضعه شروان شاه، ومملكته
стр. 250
نحو من شهر. وإنّما أسلم أهلها من يوم دخلها مسلمة بن عبد الملك. وقد غلب محمّد هذا على كثير من ممالك الكبخ. ويلي ملك محمّد هذا المعروف بشروان ملك طبرستان، وهو لرجل مسلم من الأنصار.
٣٩٤ ويلي الباب والأبواب مملكة الخزر، وكان موضع مملكتهم مدينة يقال لها سمندر «١» ، وهي على ثمانية أيّام من الباب، وملكهم الآن بمدينة آتل وبينها وبين الأوّل سبعة أيّام، وفيها من كلّ ملّة. وإنّما انتقل ملكهم إليها لأنّ سمندر افتتحت في أوّل الإسلام ثمّ رجعت إليهم. ودين الخزر اليهودية تهوّد ملكهم زمن الرشيد فبقوا على ذلك. وكان سبب ذلك إكراه ملك الروم من كان في ملكه من اليهود على النصرانية فتهارب خلق من اليهود إلى بلاد الخزر فتهوّدوا. وأكثر جيوش الخزر مسلمون وهم ناقلة من الخوارزم لجدب «٢» وقع في بلادهم صدر الإسلام أجلاهم إلى الخزر، وظهر منهم في الحرب بأس وشدّة، فأقاموا على الإكرام والإحسان وإظهار الإسلام، ووزير الملك منهم. وإذا كانت للملك حروب مع المسلمين وقف المسلمون من جنده حرزة لا يقاتلون. وصومعة المسلمين في جامعهم الأعظم تشرف على دار الملك.
٣٩٥ وتتّصل بهذه المملكة مملكة البرغر وملكها الآن مسلم أسلم بعد العشر وثلاثمائة برؤيا رآها، وذلك أيّام المقتدر. وكان هذا الملك يغزو بلاد القسطنطينية في نحو من خمسين ألف فارس ويشنّ الغارات إلى بلاد رومة والجلالقة والإفرنجة ومنه إلى القسطنطينية نحو من شهرين. وهم أمّة شداد لا تطاق، والفارس منهم يقاتل أمّة من الروم ولا يمتنعون منهم إلّا بالجدران. والليل عند
стр. 251
البرغر في نهاية القصر سائر السّنة يزعم أحدهم أنّه لا يقدر أن يطبخ قدره حتّى يصبح.
٣٩٦ وقد يتّصل بهؤلاء الروس، وهم أجناس كثيرة وهم أهل جزائر ومراكب وقوّة على البحر وتصرّف كثير فيه، متّصلون ببحر نيطش المتقدّم ذكره. وهذه أمّة مجوسية وهي تطرأ إلى الأندلس في المائتين من السّنين وتتّصل إليه من خليج بحر أقيانس بالخليج الذي عليه منار النحاس، وهو خليج يتّصل ببحر مانيطش ونيطش.
٣٩٧ وممّن يتّصل بمملكة الباب والأبواب مملكة خيذان «١» وهم شرّ الناس عليهم، وملكهم الآن مسلم ليس فيهم مسلم غيره وأهل بيته (يعرف بسليفان) «٢» سمة لمن ولّى هذه المملكة. وبينهم وبين الباب والأبواب أمّة من المسلمين عرب على نحو ثلاثة أيّام من مدينة الباب، وهم يتمتّعون هناك بأنهار وأشجار وغياض وهي أمّة طرأت «٣» من بوادي العرب منذ افتتح ذلك الصقع، فبقيت على أعربيتها ولغاتها.
٣٩٨ وتلي مملكة خيذان مملكة يقال لها زريكران «٤» ، وتفسير ذلك عمّال الزرد لأنّهم صنّاع بالزرد والسّيوف وغير ذلك من الآلات، وبلدهم بلد خشن قد امتنعوا بخشونته عن من جاورهم.
стр. 252
٣٩٩ ويليه ملك السّرير ويدعى فيلان شاه، وهو من ولد بهرام جوبين ويدين بالنصرانية. وكان يزدجرد- وهو آخر ملوك ساسان- حين ولّى هذا الصقع قدّم سرير الذهب وخزائنه وأمواله مع رجل من ولد بهرام جوبين وأمره أن يسير بها إلى هذه المملكة ويحرزها هناك إلى وقت موافاته، فمضى يزدجرد إلى خراسان فقتل هناك في خلافة عثمان ﵁، فبقي الرجل على حاله.
٤٠٠ ويلي هذه المملكة مملكة اللّان، وهي مملكة واسعة يركب لها ثلاثون ألف فارس، وبين [ملك] اللّان وصاحب السّرير مصاهرة، وبين مملكة اللّان وجبل الكبخ قلعة عظيمة وقنطرة على واد عظيم بنتها الفرس الأولى لتمنعهم عن جبل الكبخ لا طريق لهم إليه إلّا عليها. وهذه القلعة على صخرة صمّاء لا وصول إليها إلّا بإذن، وفي أعلاها عين ثرّة، وهي إحدى قلاع العالم الموصوفة [بالمنعة] «١» وقد ذكرتها الفرس في أشعارها، ولو أنّ رجلا واحدا في هذه القلعة منع سائر ملوك الكفّار أن يجتازوا بهذا الموضع. وكان مسلمة قد أسكنها قوما من المسلمين فهم فيها إلى الآن.
٤٠١ وتلي مملكة اللّان أمّة يقال لها كشك، وهم بين جبل الكبخ وبحر الروم، وهي منقادة إلى دين المجوسية، ومعنى هذا الاسم التيه والصلف، وليس في الأمم أنقى أبشارا ولا أصفى ألوانا ولا أصبح نساء ولا أقوم قدودا ولا أرقّ أخصارا ولا أعدل أكفالا من هذه الأمّة، ونساؤهم مع ذلك موصوفات بلذّة
стр. 253
الخلوات، ولباسهنّ الصقلاطون والديباج، وعندهم أنواع من الثياب تصنع من القنب منها ما هو أرقّ من الدبيقي وأبقى على الكدّ يباع الثوب منه بعشرة دنانير. واللّان ظاهرة على هذه الأمّة إلّا أنّهم يمتنعون بقلاع لهم وحصون منيعة.
٤٠٢ وتليه أمّة يقال لها السّبع بلدان. وتليهم أمّة عظيمة بينها وبين بلاد كشك نهر عظيم كالفرات يصبّ إلى بحر الروم، يقال لهذه الأمّة إرم، ذات خلق عجيب وآراؤها جاهلية. وتأتيهم في كلّ سنة من هذا النهر سمكة عظيمة، فيتناولون منها ثمّ تعود في ذلك الوقت عاما ثانيا وقد عاد اللحم الذي أخذوه، يعرفون ذلك لا يشكّون فيه.
٤٠٣ ويتّصل بهذه الأمّة على البحر آجام وغياض ومواضع ممتنعة فيها نوع من القرود منتصبة القامات على قدود الناس مستديرات الوجوه كصور الناس ذات شعور، وربّما وقع في النادر القرد منها إذا احتيل لاصطياده، فيهادى به الملوك فيكون في نهاية الفهم، وتعلّمها الملوك القيام على رأسها بالمذابّ، ولا يأكل الملك طعاما حتّى يقدّمه إليه لما في القرود من الخاصية بمعرفة السّموم، فيلقى إليه من الطعام شيء، فإن أكله أكل الملك. ويجانسها في الفهم قرود اليمن وهي ببلاد مأرب بين صنعاء وكحلان. وكحلان قلعة من مخاليف اليمن فيها أسعد بن يعفر ملك اليمن في هذا الوقت محتجب عن الناس إلّا عن خواصّه، وهم بقية من ملوك حمير وحوله من الجنود نحو خمسين ألفا، وكانت له مع القرامطة بعد عام مائتين حروب معروفة. وهذا من خواصّ البلدان.
стр. 254
٤٠٤ قال س: والعربد هو نوع كالحيّات «١» بأرض اليمامة لا يوجد في غيرها، وقد جهز حنين بن إسحاق أن يجلب إلى سرّ من رأى إلى المتوكّل حين كلّفه مثل هذا من الأعاجيب، وذلك أنّه إذا خرج عن اليمامة إلى موضع معروف المسافة عدم «٢» من الوعاء. وأهل اليمامة ينتفعون به لمنع الحيّات والعقارب وسائر الهوامّ كانتفاع أهل سجستان بالقنافذ. وفي عهد أهل سجستان في القديم ألّا يقتل قنفد ببلدهم، وذلك أنّ بلدهم كثير الرمال بناه ذو القرنين في مطافه وهو كثير الأفاعي والحيّات، ولولا كثرة القنافذ لتلف من هنالك. وقد جلب حنين إلى المتوكّل اثنين من النسناس إلى سائر المستغربات ولم يقدر على العربد «٣» .
٤٠٥ ويتّصل بهذه المملكة ممالك شتّى لأمم مختلفة، ولولا هذا السّور بالباب والأبواب لكانت هذه الأمم تخترق بلاد برذعة والرّان والبيلقان وآذربيجان وقزوين وهمذان والدّينور ونهاوند وغيرها ولوصلت الكوفة والبصرة لا سيّما مع ضعف الإسلام الآن.
[ذكر ملوك السّريانيّين]
٤٠٦ اختلف الناس فيهم وقيل إنّهم نبط وقيل إخوان النبط، وكان ملكهم ممّا يلي السّند والهند «٤» ، وأمّا النبط- وهم ملوك بابل- فقد زعموا أنّهم أوّل ملوك العالم وأنّ الفرس أخذت عنهم الملك كما أخذت الروم عن اليونانيّين.
стр. 255
٤٠٧ وأوّل ملوك النبط نمرود، وهم الذين شيّدوا البنيان ومدّنوا المدن وكوّروا الكور وشقّوا الأنهار ورتّبوا الجيوش وجعلوا الألوية والأعلام ورتّبوا العلامات في أقسام الجيش على ألوان توافق كلّ قسم وصوّروا فيها من الصور ما يجانسه، مثل أن يجعلوا في الميمنة والميسرة صور الطير لأنّها أجنحة الجيوش «١» ، وفي القلب صورة الأسد والفيل وما عظم وأرهب من الحيوان وثقلت وطأته، وفي الكمناء صور الحيّات وما خفي من الهوامّ، وتغلغلوا في ألوانها إلى ما علا من الأجسام السّمائية.
٤٠٨ ومملكة الموصل ونينوى للنبط أيضا، ونينوى من قردى وبازبدى وبينها وبين الموصل نهر دجلة. وإلى أهل نينوى بعث يونس ﵇، وهي الآن خراب فيها قرى ومزارع وآثارها بيّنة، وفيها أصنام من حجارة مكتوبة على وجوهها «٢» . [وظاهر المدينة تلّ عليه مسجد] «٣» وهناك عين تعرف بعين يونس، ويأوي إلى المسجد النسّاك. وأوّل من بنى هذه المدينة ملك عظيم يقال له نينوس «٤» ، وملكه من شاطئ دجلة إلى أرمينية وإلى بلاد آذربيجان إلى حدّ الجزيرة والجودي إلى بلاد الزّوزان «٥» . والنبط سريانيّون وإنّما بان النبط عنهم في أحرف يسيرة. وكان ملك الموصل مماريا ومحاربا لملك نينوى، ثمّ غلب ملك الموصل على نينوى ورجعت هذه الممالك إلى ملوك فارس حتّى أتى الله بالإسلام.
стр. 256
٤٠٩ ومن بلاد الصّغد الذي ذكرناه بين بخارا وسمرقند يؤتى بالنّوشاذر، وهي جبال، (فإذا كان في الصيف رؤيت في الليل نيران قد ارتفعت من تلك الجبال من نحو مائة فرسخ) «١» . وقد يسلك عليها من جبال خراسان إلى بلاد الصين وذلك إذا نزل الثلج وخمد ذلك اللهب ولا يسلك على ظهر.
وهناك قوم يرغّب إليهم في الآجرة ويحملون الأمتعة على ظهورهم، فيوصل إلى الصين من خراسان في أربعين يوما، ومسافة ما بينهما أربعة أشهر [في غير هذا الطريق] «٢» في غامر وعامر، يركب في القوافل في خفارة أنواع من الأتراك.
وخراسان تتّصل بالسّند والهند ممّا يلي المنصورة والملتان.
[ذكر بلاد التبّت]
٤١٠ فأمّا التّبت فمملكة متميّزة عن مملكة الصين وصاحبها حميري وهو من بيت المملكة فيهم، وبواديهم أتراك لا يقام لهم. ولا تحصى عجائب أنواع ثمار التّبّت ولا زهره ولا أنهاره. وهو بلد تقوى فيه طبيعة الدم على الحيوان، ولا يزال الإنسان بها ضاحكا فرحا مسرورا لا يعرض لهم حزن، وذلك عامّ في الشّيوخ والكهول والشّبّان. وفي أهله رقّة طبع وأريحية تبعث على استعمال المعاقرة، وإذا مات الميّت فيهم لا يكاد يدخل أهله كثير [من] الحزن. وهذا البلد سمّي بمن ثبت فيه من رجال حمير لثبوتهم، وقد افتخر بذلك دعبل فقال في مفاخرة الكميت [وافر] :
стр. 257
وهم كتبوا الكتاب بباب مرو ... وباب الصين كانوا الكاتبينا
وهم سمّوا سمرقند بشمر «١» ... وهم غرسوا هناك التبّتينا
وإنّما رتّب حمير هناك بعض التبابعة وهم يسمّون ملكهم الآن تبّعا.
٤١١ وأفضل المسك [من] التبّت ولا يكون إلّا بها وبالصين، وإنّما فضّل مسك التبّت لأنّ ظباءه ترعى سنبل الطيب وأنواع الأفاويه، وظباء الصين ترعى الحشيش، وأيضا فإنّ أهل الصين يخرجون المسك ويدخله الغشّ، وأهل التبّت يتركونه محضا. ولا فرق بين غزلاننا وغزلان المسك في الصورة وإنّما تباينها بنابين لها أبيضين كأنياب الفيل كلّ ناب منها نحو الشبر. وأطيب المسك ما نضج في نوافجها فتفزع حينئذ إلى الأحجار الحارّة فتحتكّ بها ملتذّة فيسيل على تلك الأحجار فيودع كانفجار الخراج، فيوجد ذلك قد جفّ على الأحجار فيودع نوافج عندهم قد اتّخذوها من غزلان اصطادوها. والنفاجة اسم فارسي معناه السّرّة. فأمّا ما يصطاد من الظباء فتقطع نوافجها عنها فإنّه يكون فيها سهوكة «٢» فتبقى زمانا حتّى تزول عنها تلك الرائحة، وإنّما ذلك كالتمر إذا لم ينضج.
[ذكر بلاد السّند]
٤١٢ ومن ملوك السّند قشمير ومملكته نحو من ستّين ألفا بين مدينة وقرية، وهي قد أحاط بها جبال شوامخ لا يتسلّق منها الوحش ولا شيء من الدوابّ، ولا
стр. 258
يوصل إلى مملكته إلّا على موضع واحد، وهو يغلق على جميعها بابا واحدا، وذلك أحد عجائب الدنيا وهو مشهور معروف.
٤١٣ ومملكة بورة التي قدّمنا ذكرها- وهو ملك القنّوج «١» - مملكته نحو مائة وعشرين فرسخا سندية، الفرسخ منها من ثمانية أميال. وله جيوش أربعة كلّ جيش من أربعمائة ألف وعلى مهابّ الرياح الأربع، يحارب بالشمال صاحب الملتان وبالجنوب البلّهرى وبالغربي والشرقي من يليه أيضا. ولهذا الملك ألفا فيل مقاتلة، وإذا كان الفيل ممارسا شجاعا وراكبه كذلك وكان في خرطومه القرطل- وهو نوع من السيوف شنيع المنظر- وكان خرطومه مغشّى بالزرد وعليه تجافيف من القرن والحديد قد أحاطت به ومن خلفه خمسمائة راجل أنجاد كرّ على خمسة آلاف فارس وقام بهم ودخل وخرج وجال عليهم.
٤١٤ قال: ورأيت لصاحب المنصورة فيلين عظيمين كانا موصوفين «٢» عند أهل الهند والسّند لهما أخبار عجيبة، وكانت لهما في فلّ الجيوش سوابق وتقدّم، وكان أحدهما يسمّى حيدرة، ومات بعض سوّاسه فبقي لا يطعم ولا يشرب يبدي الحنين ويظهر الأنين وتسيل دموعه لا يتماسك. وخرج ذات يوم من داره- وهي دار الفيلة- وهو يقدّم ثمانين فيلا، فاستقبل امرأة. فلمّا رأته غشي عليها فسقطت وانشكفت ثيابها، فاعترض في الطريق مانعا لما وراءه من الفيلة وجعل يؤمي إليها ويشير لها بخرطومه بالقيام ويلاطفها ويجمع عليها ثيابها حتّى قامت وخلا سبيل الفيلة.
وقال: إنّ السّند ممّا يلي الإسلام ثمّ «٣» الهند، ولغتهم غير لغة الهند.
стр. 259
٤١٥ وصاحب الملتان الذي ذكرناه من ولد سامة بن لؤي، وهو ذو جيوش ومنعة، وهو ثغر من ثغور المسلمين الكبار، وأكثر أمواله من الصنم المعروف بالملتان يقصده الهند والسّند من أقصى بلادهم ينذرون الأموال وأنواع الجواهر والطيب ويحجّ إليه الألوف ويحمل إليه من العود القماري الذي يؤثّر فيه الختم كما يؤثّر في الشمع، يبلغ المنّ منه مائتي دينار. وهو إذا عجز عن غارة من ناوأه منهم هدّده بكسر الصنم فيكفّ عنه. فكان دخولي الملتان والملك أبو اللهاب «١» منبّه بن أسد القرشي.
حدّ بلاد السّند
٤١٦ حدّها من شرقها مكران وطوران والبدهة وشيء من بلاد الهند وبحر فارس في شرقي ذلك كلّه، وحدّها في غربيّها كرمان ومفازة سجستان وأعمالها، وفي الشمال منها بلاد الهند، وفي الجنوب مفازة ما بين مكران والقفص ومن ورائها بحر فارس. وإنّما وصلها بحر فارس بشرقي هذه البلاد وهو محيط بشرقيّها وجنوبها من وراء هذه المفازة من أجل أنّ البحر يمتدّ من صيمور على الشرق إلى تيز مكران، ثمّ ينعطف على هذه المفازة إلى أن يتقوّس على بلاد كرمان «٢» وفارس.
стр. 260
٤١٧ وسمّيت المنصورة باسم منصور بن جمهور عامل بني أميّة وأصحابها الآن من ولد هبّار بن الأسود، وبها من ولد علي بن أبي طالب ﵁ خلق كثير، ومملكته تصاقب مملكة الملتان ومسافة ما بينهما- أعني مواضع مملكتهما- خمسة وسبعون فرسخا سندية. وللمنصورة من القرى ثلاثمائة ألف قرية.
وهو محارب للسّند وله فيلة كثيرة.
٤١٨ قال: وتجري الأنهار في العالم من الشمال إلى الجنوب «١» إلّا النيل ومهران السّند وأنهار بساحل بحر الأرزن، فإنّها تجري بالضدّ من الجنوب إلى الشمال «٢» .
ملوك الفرس الأولى وأنسابهم
٤١٩ وأجمع الناس على أنّ الفرس الأولى من ولد سام بن نوح إلّا ما سنذكره من زعم بعضهم ولا نلتفت إليه. واختلفوا في رفع نسبهم إلى سام، فالذي عليه الجمهور أنّهم من ولد أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، ومنهم من قال إنّهم من ولد فارس بن ياسور «٣» بن سام بن نوح وفارس أخو نبيط أبي النبط.
وقيل: هم من ولد بوّان بن إيران [بن ياسور] «٤» بن سام بن نوح، وبوّان هو الذي ينسب إليه شعب بوّان من بلاد فارس وهو أحد المواضع المشهورة
стр. 261
في العالم بالحسن. ومنهم من يقول إنّ أبا الفرس إيران بن أفريدون ويعرفون إيران ويقولون إيرج. ومن لم يقل إنّهم من ولد فارس يقول: سمّوا فرسا بالفروسية، وفي ذلك يقول خطّاب بن المعلّى الفارسي [خفيف] :
وبنا سمّي الفوارس فرسا ... نا ومنّا مناجب الفتيان
والأوّل أصحّ أنّهم من ولد أميم بن لاوذ بن إرم بن سام. وقد قال قوم إنّهم من ولد جابر بن يافث، وزعم آخرون أنّهم من ولد أفريدون الملك.
٤٢٠ وأجمعوا أنّ أوّل ملوكهم جيومرت، فمنهم من زعم- وهم الأقلّون عددا- أنّه ينبوع النسل «١» ويقول إنّه نبات من نبات الأرض وهو الدحناس، وكذلك زوجته. ومنهم من زعم أنّه آدم ويقول إنّه جيومرت كلسا، أي ملك الطير، وقال الأكثرون إنّه أوّل من حلّ فارس ونزل اصطخر، وهو أوّل من ملك ووضع التاج على رأسه، ولهم في التاج أسرار يذكرونها، وذكروا أنّه جيومرت وهو أوّل من أمر بالسّكون على الطعام لتأخذ الطبيعة بقسطها فيأخذ البدن ممّا يرد عليه وتسكن النفس عند ذلك، فيأخذ كلّ عضو من الأعضاء تدبيرا بما فيه صلاحه من أخذ صفو الطعام. وإنّ الإنسان متى شغل عن طعامه بضرب من الضروب انصرف قسط «٢» من التدبير وجزء من التقدير إلى ذلك ووقع الاشتراك «٣» ، فأضرّ ذلك بالنفس الحيوانية والقوى الإنسانية، وإذا كان ذلك أدّى إلى مفارقة النفس الناطقة لهذا الجسد المردي «٤» . ولهم في هذا أسرار لطاف.
стр. 262
٤٢١ ثمّ ملك بعده أوشهنج ملك الأقاليم السّبعة، وهم يزعمون أنّه مهلائيل. ثمّ ملك طهمورث «١» بن ويجهان بن حواد بن أوشهنج. والفرس تزعم أنّ طهمورث هو نوح ﵇. وفي ملك طهمورث منهم ظهر رجل يقال له بوداسف «٢» أحدث مذهب الصابئة، وهو مبني على الأفلاك والأجسام العلوية، و [قال] إنّ ذلك هو المدبّر، والمدبّر هو الله، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا. قال: وديار هؤلاء الصابئة ومواضعهم في ناحية واسط والبصرة من أرض العراق.
٤٢٢ ثمّ ملك أخو طهمورث جم «٣» بن ويجهان، وفي أيّامه أحدث النّيروز وادّعى الإلهية، ويزعمون أنّه طالع إلى الفلك، وملك ثلاثمائة سنة وستّين سنة. ثمّ ملك بعده بيوراسب «٤» ، وهو الذي ادّعى النبوّة، فكان ذا نواميس وملك، ويزعمون أنّه الضحّاك الحميري وأسره أفريدون وغلّه وقيّده في جبال دنباوند «٥» ، وقد تقدّم شيء من خبره عند ذكر نوح ﵇.
٤٢٣ ثمّ ملك بعده أفريدون، وكانت دار مملكته بابل وهي على شاطئ نهر من أنهار الفرات بأرض العراق، وهو نهر النّرس «٦» وإليه تضاف الثياب النرسية «٧» . وهذه المدينة خراب وإذا أشرف الإنسان عليها تبيّن منها آثار عظيمة. وذهب الناس إلى أنّ فيها هاروت وماروت، وفيها جبّ يعرف بجبّ دانيال الذي تقصده النصارى واليهود في أعيادهم.
стр. 263
٤٢٤ وملك أفريدون وقسم الأرض بين ولده ولم يزل الأمر في ولده إلى أن ولّى فراسياب «١» ، وهو من ولده إلّا أنّه (ولد بأرض) «٢» الترك، فلذلك غلط من غلط من أصحاب التواريخ فزعم أنّه تركي.
ط: هو من الترك وتملّك الفرس بعد هلاك منوشهر الملك. فكثر فساده في مملكة فارس إلى أن ظهر زاب بن طهماسف، فطرد فراسياب من مملكة أرض فارس حتّى ردّه إلى الترك بعد حروب يطول ذكرها، واتّخذ العجم ذلك اليوم عيدا. وأحسن زاب السيورة ووضع الخراج وبنى مدينة الزاب بالسّواد، وهو المستخرج نهرها وهو أوّل من اتّخذ ألوان الطبخ وأصناف الأطعمة.
٤٢٥ ولم يزل الحرب بين ملوك فارس وفراسياب بعد ذلك سجالا إلى أن قتله كيخسرو القائم بالملك بعد جدّه كيقاوس، وكان مظفّرا وهو القائم، وإنّ الشّياطين سخّرت له بعد سليمان ﵇، وكان في زمنه، وإنّه كان يأكل ويشرب ولم يحدث. وأعطاه الله قوّة يرتفع بها إلى السّحاب حتّى حدّثته نفسه أنّه يطيق الصعود إلى السّماء ويطالع ما فيها، فسلبه الله جميع ذلك، ومزّق ملكه وأسرّه أبرهة ذو الأذعار ملك اليمن واستباح ملكه. وكان كيقاوس قد غزا بلاد اليمن واستباح ذو الأذعار عسكره وحبسه في بئر وأطبق عليه. فخرج رستم من سجستان مع من وثق به من الناس حتّى أتى بلاد اليمن فاستخرج كيقاوس من البئر، فملّكه كيقاوس من بلاد سجستان، فلم تزل بيد رستم دهرا طويلا، ثمّ لم يزل الأمر في ولد أفريدون «٣» .
стр. 264
٤٢٦ [ولم يكن لكيخسرو عقب، فجعل الملك في لهراسف، وهؤلاء القوم كانوا يسكنون بلخ] «١» ، ويدعى نهر جيحون- وهو نهر بلخ- كالف، وكذلك يسمّيه أهل خراسان. و [لهراسف] «٢» هو الذي أخرج بخت نصر مرزبانه «٣» إلى أهل الشّام، فكان من أمر بيت المقدس ما قد تقدّم ذكره «٤» . وكثير من الناس يجعل بخت نصر ملكا برأسه وإنّما كان مرزبانا.
وقد ارّخ بطليموس كتابه المجسطي منذ «٥» عهد بخت نصر مرزبان المغرب، ونسبه يأتي بعد.
ثمّ ملك بعده ابنه يستاسف، وفي زمانه ظهر زرادشت على ما تقدّم في خبر إرميا ﵇، وكان ملكه تسعين سنة.
٤٢٧ ثمّ لم يزل الملك فيهم إلى داراميوس، وهو دارا بن دارا الذي قتله الإسكندر، وهو دارا بن دارا بن بهمن بن إسفنديار «٦» بن يستاسف بن لهراسف «٧» كلّهم ملوك، وقد تقدّم من خبرهم ما يتمّم هنا إن شاء الله تعالى. كان بهمن أحسن الناس سيرة وهو الّذي بعث ببخت (يرسى وهو بخت) «٨» نصر إلى بني إسرائيل لمّا بلغه أنّ بناحية المغرب بأرض الشام «٩» قوما أحدثوا دينا، وأمره بقتلهم وسبى ذراريهم، ففعل ذلك ونفاهم عن بيت المقدس وفرّقهم في البلاد.
стр. 265
٤٢٨ وقيل إنّ بخت نصر هو ابن بدمين رجل من أهل كورة أرمنت من كور مصر.
وكان بدمين من أهل العلم بالنجوم، فنظر في علمه فرأى أنّه يخرج من صلبه رجل يخرب مصر فأعطاه الله عهدا أنّه لا ينكح امرأة أبدا. فخرج إلى فارس فمرّ بقرية منها، وكانت لصاحب تلك القرية ابنة بها لمم، فوصف له المصري ليداويها، فأدخله عليها فجرت بينهما أسباب إلى أن حملت منه بخت نصر، فجرى خراب الدّنيا على يديه.
٤٢٩ وهلك بهمن «١» بن إسفنديار «٢» وخلّف ابنه دارا وأمّه حامل به على ما تقدّم، وكان ملكه أربع عشرة سنة، وقيل ثماني عشرة سنة، فعقد له التاج وهو في بطن أمّه. وقيل إنّ أمّه كان اسمها حمانا، وقيل غير ذلك. فملّكوا حمانا شكرا لإحسان أبيها مع كمال عقلها. وقال من زعم أنّها أمّ دارا: ملكت بمكان حملها، ودارا هذا هو الأكبر وهو الّذي ابتنى دارابجرد، فولد له ولد سمّي باسمه حبّا له وإعجابا به، ثمّ ملك وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.
٤٣٠ ثمّ ملك دارا الأصغر، وكان فظّا غليظا جبّارا، فقتله الإسكندر بخذلان فارس له. وتزوّج الإسكندر ابنته روشنك ابنة دارا، وكان ملكه أربع عشرة سنة. ونذكر نسب ذي القرنين وخبره عند انقضاء نسب فارس إن شاء الله تعالى. وقد زعم مؤرّخو العجم أنّ الّذي ملك بعد دارا الأكبر من الفرس شخشار وكانت له جيوش عظيمة لم يسمع لملك مثلها. ثمّ ملك بعده أريش
стр. 266
خشار، وفي زمانه جدّد عزير كتاب التوراة. قالوا: وفي زمانه بنى فهنايس مقدّم اليهود أسوار بيت المقدس ورجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس. وفي زمانه كان بقراط الفيلسوف وسقراط وسغريط وحينئذ عظم ذكرهم، وملك أربعين سنة.
٤٣١ ثمّ ملك بعده دارترطر، وفي زمانه كانت حروب آخر طرفها في جزيرة صقلية. وفي زمانه كان أفلاطون، وملك سبع عشرة سنة.
ثمّ ملك بعده أرشخشا ولوقش، وفي زمانه كان أرسطاطاليس الفيلسوف ومات أفلاطون، وكانت ولايته ستّا وعشرين سنة.
ثمّ ملك بعده دارا الّذي غلبه الإسكندر، وكانت له معه معارك قتل فيها من الفرس خلق كثير، وبقي يقسم ما وجد في عسكره ثلاثين يوما، ثمّ علم أنّه جريح لما به، فعني باتّباعه في ستّة آلاف من أهل عسكره حتّى ألقاه في بعض المنازل طفيا من تلك الجراحات، فلم يلبث أن هلك وأظهر الإسكندر الحزن عليه ودفنه في مقابر الملوك، وكانت ولايته ستّ سنين.
٤٣٢ وكتب الإسكندر إلى معلّمه أرسطاطاليس يشاوره في قتل من بقي من الفرس فكتب إليه: لا تفعل ولكن ولّ كلّ رئيس منهم ناحية فإنّهم يتنافسون الرياسة فلا يجمعهم ملك أبدا. فلمّا قدم أردشير واجتمعوا عليه بعد الجهد العظيم قال: إنّ كلمة فرّقت الفرس أربعمائة سنة لمومة، يعني كلمة أرسطاطاليس. فكان بين الفرس الأولى والثانية خمسمائة سنة وسبع عشرة سنة، وهي مدّة ملوك الطوائف، وذكر ق غير ذلك.
ولغة الفرس الأولى الفهلوية «١» ، وهي من اللغات الدارسة الّتي لم يبق لها مترجم.
стр. 267
الفرس الثانية
٤٣٣ أوّلهم أردشير بن بابك بن ساسان بن نهاوند بن دارا بن ساسان بن بهمن الّذي تقدّم ذكره، وهو من ولد إيرج بن أفريدون. وقد زعم قوم أنّهم من ولد ويرك «١» ، وويرك هو إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وأنّه تزوّج امرأة من الفرس الأولى يقال لها كودك، فولدت له منوشهر الملك وكثر ولده وملكوا المماليك، ودثرت الفرس الأولى كدثور الأمم الماضية والعرب العاربة. وهذا لا ينقاد إليه كثير من الفرس. وفيما ذكرناه يقول إسحاق بن يزيد العدوي وكان من العرب من قريش [طويل] :
إذا فخرت قحطان يوما بسؤدد ... أتى فخرنا أعلى عليها وأسودا
ملكناهم طرّا بإسحاق عمّنا ... وصاروا لنا عونا على الدهر أعبدا
فإن كان منهم تبّع وابن تبّع ... فأملاكهم كانوا لأملاكنا يدا
وفي ذلك يقول جرير بن الخطفى [طويل] :
وأبناء إسحاق اللّيوث إذا ارتدوا ... حمائل سيف لابسين السّنّورا
إذا افتخروا عدّوا الصبهبذ «٢» منهمو ... وكسرى وعدّوا الهرمزان وقيصرا
ولذلك يقول بشّار بن برد [متقارب] :
نمتني «٣» الكرام بنو فارس ... قريش وقومي قريش العجم
стр. 268
٤٣٤ (وأمّ ساسان الأكبر فإنّها من سبايا بني إسرائيل) «١» باتّفاق منهم، وهي ابنة شابال، ولم يك الفرس الثانية إلّا ولد أردشير بن بابك بن ساسان، وساسان هو الّذي يرجعون إليه كرجوع المروانية إلى مروان بن الحكم.
٤٣٥ وقد كان ملك الفرس يحجّ البيت من سائر «٢» ملوك الأعاجم. فكان ساسان هذا إذا طاف بالبيت زمزم على بئر إسماعيل، وإنّما سمّي زمزم لزمزمته وغيره من فارس، وهذا يدلّ على ترادف الفعل منهم. وفي ذلك يقول الشّاعر [سريع] :
زمزمت الفرس على زمزم ... وذاك في سالفها الأقدم
وقد أهدى ساسان هذا غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا إلى الكعبة وهي التي دفنت بزمزم، وسنذكر ذلك في خبر عبد المطّلب وزمزم إن شاء الله.
وكانت هذه الملوك من عهد أردشير تحتجب عن الندماء «٣» ، فكان يكون بين الملك والطبقة الأولى عشرون ذراعا والستارة في نصف هذه المسافة، وصاحب الستارة رجل من أصحاب أولاد الأساورة ويقال لمن ولّي ذلك منهم خرم باش ومعناه: كن فرحا. فإذا جلس الملك أمر خرم باش رجلا، فارتفع في أعلى موضع في دار الملك ونادى بصوت جهير ليسمع الحاضرين:
يا لسان احفظ رأسك، فإنّك تجالس الملك. فتأخذ الندماء مراتبها خافتة أصواتها غير مشيرة بشيء من أعضائها. وقد كانت الأوائل من بني أميّة لا
стр. 269
تظهر للندماء وكذلك الأوائل من بني العبّاس وكذلك الأوائل من بني ساسان.
٤٣٦ وأردشير هو الّذي فتح الحضر- وقيل إنّه سابور وهو أثبت. وبنى أردشير مدينة جور بفارس وكهمن أردشير- وهي فرات البصرة- وبنى أستراباد وبنى كرخ ميسان- وهي من كور دجلة- وبنى مدينة صور بالأهواز ومدينة أبلّة وغير ذلك.
٤٣٧ ثمّ ملك بعده ابنه سابور. وكان أردشير قد قتل الأشكانية الّذين كان منهم ملوك الطوائف بعد جدّه ساسان إلّا جارية وجدها أردشير في دار المملكة، فأعجبته فسألها عن نسبها فقالت: أنا خادم. فاستخلصها لنفسه فحملت منه، فلمّا حملت أعلمته أنّها حبلى وعرّفته نسبها، فنفر طبعه عنها ودعا شيخا مسنّا وسلّمها إليه وقال: أودعها بطن الأرض. فأودعها سربا من الأرض، ثمّ عمد إلى مذاكره فقطعها وودعها في حقّ وختم عليه ورجع إلى الملك وقال: فقد أودعتها بطن الأرض، ودفع إليه الحقّ وقال: إنّ فيه وديعة، ورغب إليه ووصاه أن يحفظ بها. وأقامت الجارية حتّى وضعت غلاما وسمّاه الشيخ شاه بورا، ولد الملك.
٤٣٨ ولم يكن لأردشير ولد، فرآه الشيخ يوما حزينا لذلك وكان حاصّا به، فقال: مالك أيها الملك أراك حزينا كئيبا؟ قال: لأنّي كبرت وليس لي ولد أورثه ملكي وأجعله الخليفة بعدي فيبقى ذكري. فقال الشيخ: سرّك الله أيّها
стр. 270
الملك وعمّرك، لك عندي ولد. قال له: وكيف ذلك؟ قال له: ادع بالحقّ الّذي استودعتك. فأمر بإحضاره وفضّ خاتمه، فإذا فيه مذاكر الشيخ وفيه كتاب: إنّا لمّا أخذنا ابنة آشك الّتي أمر الملك بقتلها أعلمتنا أنّها حامل من الملك، فلم نستحلّ أن نبطل زرع الملك الطّيب، فأودعناها بطن الأرض كما أمرنا، وتبرّأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عائب إلى عيبنا سبيلا. قال: فسرّ أردشير سرورا شديدا وأمر عند ذلك الشيخ أن يجعله بين مائة غلام في الهيئة، ثمّ يدخلهم عليه. ففعل فعرفه أردشير من بينهم وقبلته نفسه. ثمّ أمرهم أن يلعبوا في حجرة الإيوان بالصوالج فدخلت الكرّة الإيوان، فأحجم الغلمان عند دخولهم وأقدم سابور من بينهم فدخل. فأمر أردشير بعقد التاج له.
٤٣٩ ط: وسابور هو الّذي افتتح الحضر من بلاد الموصل بخلاف ما قال ق.
وكان صاحب الحضر يسمّى الضيزن بن معاوية ويعرف باسم أمّه جيهلة «١» ، وكان من تنوخ من قضاعة. وكان ملك الحضر قبل السّاطرون، وهو ملك السريانيّين. قال أبو دؤاد «٢» [خفيف] :
وأرى الموت قد تدلّى من ... الحضر على ربّ أهله السّاطرون
ولقد كان آمنا للدّواهي ... ذا ثراء وجوهر مكنون
ويقال إنّ السّاطرون أبو نصر جدّ عمرو بن عدي بن نصر الّذي كان «٣» ملوك الحيرة من ولده.
٤٤٠ وكان الضيزن قد ملك الجزيرة «٤» وما يليها إلى الشام، وأقام سابور على حصنه أربع سنين، وقيل سنتين. قال الأعشى [متقارب] :
стр. 271
أقام به «١» شاهبور الجنو ... د حولين يضرب فيه «٢» القدم
- جمع قدم- حتّى عركت «٣» ابنته النضيرة فأخرجها إلى بعض الأرباض، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم، وكانت من أجمل الناس، فتعشّقت سابور وتعشّقها، فأرسلت إليه وقالت له: اكتب بدم جارية بكر زرقاء على رجل حمامة ورقاء مطوّقة كتابة ذكرتها وأرسلها فإنّها تقع على حائط المدينة فيتداعى وكان طلسم المدينة.
٤٤١ س: وقيل إنّها قالت له: ائت الثرثار [وهو نهر] «٤» انثر فيه تبنا، ثمّ اتبعه فانظر أين يدخل التبن فأدخل الرجال فيه، فإنّ ذلك المكان يفضي إلى الحصن. ففعل ذلك سابور وفتح الحصن عنوة وأباد قضاعة. فقال في ذلك بعض شعرائهم [وافر] :
ألم يحزنك «٥» والأنباء تنمى ... بما لاقت سراة بني العبيد
ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاش الكتائب من تزيد
أتاهم بالفيول مجلّلات ... وبالأبطال سابور الجنود
فهدّم من أساس الحصن صخرا ... كأنّ ثقاله زبر الحديد
واحتمل النضيرة فعرّس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تضور «٦» وفرشها الحرير محشوّا بالقزّ. فالتمس سابور ما كان يؤذيها فإذا ورقة آس ملصّقة بين عكنتيها «٧» ، وكان ينظر إلى مخّها من صفاء بشرتها فقال لها: أيّ شيء كان يغذّيك أبوك؟ فقالت: بالزبد والمخّ وشهد فراخ النحل وصفو الخمر.
فقال: وأبيك لأنا أحدث بك عهدا. فأمر رجلا فركب فرسا جموحا، ثمّ
стр. 272
عصب ذوابيها بذيله، ثمّ همز الفرس فقطعها قطعا. فقال الشاعر [خفيف] :
أقفر الحصن من نضيرة فالمر ... باع منها بجانب الثّرثار
٤٤٢ وسابور هو الذي حاصر نصيبين حتّى أخذها، وكان فيها عدد كثيرة لقيصر، ثمّ دخل أرض الروم فافتتح من الشام مدائن، ثمّ انصرف إلى مملكته وفرّق ما كان معه من السبي في ثلاث مدائن: في جندي سابور وسابور الّتي بفارس وتستر الّتي بالأهواز.
٤٤٣ ذو الأكتاف: خلّفه أبوه أيضا وأمّه حامل به، فعقد له التاج في بطن أمّه.
قال س: هو الّذي بنى له الإيوان، وهو بالجانب الشرقي من المدائن على دجلة.
٤٤٤ ونزل الرشيد مرّة على قرب منه، فسمع بعض الخدم يقول من وراء السّرادق: هذا الّذي بنى هذا البناء أراد أن يصعد إلى السماء. فأمر الرشيد بعض الأساتيذ أن يضربه مائة عصا وقال لمن حضره: إنّ الملك نسبة بين الملوك، هم به إخوة. وإنّ الغيرة بعثتني على ضربه لصيانة الملك وما يلحق للملوك.
وذكر أنّ الرشيد بعث إلى يحيى بن خالد، وهو في اعتقاله، يشاوره في هدم الإيوان، فبعث إليه: لا تفعل. فقال الرشيد لمن حضره: إنّ المجوسية في نفسه والحسد عليها والمنع من إزالة آثارها. فشرع في هدمه، فإذا به يلزمه في هدمه مال عظيم لا تضبط كثرته، فأمسك عن ذلك، وكتب إلى يحيى بن
стр. 273
خالد يعلمه بذلك. [فأجابه ب] أنّ «١» ينفق على هدمه ما بلغ من الأموال ويحرّض على محو أثره. فتعجّب الرشيد من تخالف كلامه فبعث إليه يسأله ما معنى تخالف قوله. فقال: أمّا الكلام الأوّل فإنّي أردت به بقاء الذكر لأمّة الإسلام، وأن يكون من يرد (في الأعصار ويطرأ من الأمم في الأزمان) «٢» يرى مثل هذا الأثر العظيم فيقول: إنّ أمّة قهرت قوما هذا بنيانهم واحتوت على ملكهم لأمّة عظيمة الشدّة، وأمّا قولي الثاني فأخبرت أنّه شرع في بعضه هدم فأردت نفي العجز عن أمّة محمّد وأن لا يقول قائل: إنّ هذه أمّة ضعيفة عجزت عن هدم ما بنته فارس. فلمّا أعلم بذلك الرشيد قال: قاتله الله، فما سمعت له قطّ قولا إلّا صدق فيه. وأعرض عن هدمه.
٤٤٥ وسابور هذا بنى نيسابور ومدينة بالسوس سمّاها فيروز سابور، وبنى مدينة بالسند وأخرى بخراسان، وقيل بسجستان.
٤٤٦ ولمّا بنى أنو شروان سور الباب والأبواب على ما تقدّم وفدت عليه رسل الملوك بالهدايا، وكان في جملتهم رسول قيصر، فنظر إلى الإيوان وحسن بنائه وإعجاز صنعته ورأى بموضع منه اعوجاجا، فسأل عن معنى ذلك فقيل «٣» له: إنّ عجوزا لها منزل في جانب الاعوجاج وإنّ الملك أرادها على بيعه ورغّبها، فأبت فلم يكرهها. فقال الرومي: هذا الاعوجاج الآن أحسن من الاستواء. وزوّجه خاقان ملك الترك بابنته فاقم وابنة أخيه وهادنته ملوك السند والهند والشمال والجنوب وكتب إليه ملك الصين: من ملك
стр. 274
الصين صاحب قصور الدّرّ والجوهر الّذي يجري في قصره نهران يسقيان العود والكافور الذي توجد رائحته على فرسخين، والّذي تحته ابنة ألف ملك وتخدمه بنات ألف ملك، والّذي في مربطه ألف فيل أبيض، إلى أخيه كسرى أنو شروان. وأهدى إليه فارسا على فرس من ذهب منضّدا بالجوهر عينا الفارس والفرس ياقوت أحمر وقائم سيفه من زبرجد، وثوب حرير صيني عسجدي «١» فيه صورة الملك الفارسي جالسا في إيوانه «٢» وعليه حليته وتاجه على رأسه والخدم على رأسه بأيديهم المذابّ، والصورة «٣» منسوجة بالذهب، وأرض الثوب لازورد، في سفط من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها تتلألأ جمالا.
وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند وعظيم المشرق وصاحب قصر الذهب وأبواب الياقوت إلى أخيه ملك فارس صاحب التاج والراية. وأهدى إليه ألف رطل من عود هندي يذوب في النار كالشمع ويختم عليه كما يختم على الشمع، وجاما من الياقوت الأحمر فسحته «٤» شبر مملوءا درّا، وعشرة أمنان «٥» كافور كالفستق وأكبر من ذلك، وجارية طولها سبعة أذرع كأنّ بين أجفانها لمع البرق لها ضفائر تجرّها، وفرشا من جلود الحيّات ألين من الحرير وأحسن من الوشي. وكان كتابه على لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر، وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين، لحاؤه أرقّ من [الورق] الصيني ذو لونين عجيبين لا زوردي ورائحته عجيبة، فكانت تكتب فيه ملوكهم.
وكتب إليه ملك التّبّت: من خاقان ملك التبّت ومشارق الأرض إلى أخيه المحمود السيرة، ملك المملكة المتوسطة للأقاليم السبعة. وأهدى إليه أنواعا من العجائب، منها مائة جوشن تبتيّة ومائة تجفاف وأربعة آلاف منّ من المسك الخزائني في نوافجه.
стр. 275
٤٤٧ وممّا افتتح أنو شروان بالشام حلب وقنّسرين وحمص وأنطاكية- وكانت فيها جنود قيصر- وسلوقية «١» مدينة عظيمة عجيبة البنيان، فهي الآن خراب، وهذه كلّها كانت للقياصرة. وانتقل من الشام الرخام والأحجار والفسيفساء إلى العراق، فبنى ما استحسن، وافتتح هرقلة والإسكندرية وبنى رومة بناحية المدائن على صورة أنطاكية.
٤٤٨ ... وصار نحوهم وقتل أخشنواز «٢» ملك الهياطلة بجدّه فيروز وغلب على مملكته وأدخل إليه من الهند كتاب كليلة ودمنة، والخضاب الأسود المعروف بالهندي، وهو الّذي يلمع سواده فيما يصل من الشّعر فيريه أسود، فلا ينصل منه شيء. قال: رأيت من أنو شروان خصلتين متباينتين. جلس يوما للناس فدخل رجل من خاصّة الملك فتعدّى مرتبته، فأمر أن يحجب سنة، ثمّ رأيته يوما ونحن عنده في سرّ من تدبير المملكة وخدمه خلف سرير ملكه يتحدّثون، فارتفعت أصواتهم حتّى شغلونا عن بعض ما كنّا فيه، فقلت له في ذلك وسألته وأخبرته بتفاوت الحالتين، فقال لي: لا تعجب فنحن ملوك على رعيّتنا وخدمنا ملوك علينا ينالون «٣» منّا في خلواتنا ما لا حيلة لنا «٤» في التحرّز معهم.
٤٤٩ وولد رسول الله ﷺ لاثنتين وأربعين سنة من ملكه. ط: لمّا كانت الليلة الّتي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجّ إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة
стр. 276
شرّافة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة «١» ، ورأى الموبذان- وهو القائم بأمر الدّين عندهم- إبلا صعابا تقود خيلا عرابا حتّى قطعت دجلة. فأفزع ذلك كسرى وقصّ عليه الموبذان ما رأى، فزاده ذلك ذعرا، فكتب أنو شروان إلى النّعمان بن المنذر، وهو ولّاه أمر العرب، أن يوجّه إليه رجلا من مشاهير العرب يسأله عمّا يريده. فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو بن حيّان بن بقيلة «٢» الغسّاني. فلمّا قدم عليه أخبره بما رأى، فقال له: أيّها الملك لا علم لي بذلك، ولكن جهّز لي إلى خال لي بالشام يقال له سطيح. فقال: جهّزوه. فأتاه وقد أشفى [على الموت] «٣» ، فسلّم عليه وحيّاه، فلم يستطع سطيح جوابا، فقال له عبد المسيح [وافر] :
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن ... يا فاضل الخطّة أعيت من ومن
أتاك شيخ الحيّ من آل يزن ... أبيض فضفاض الرّداء والبدن «٤»
رسول قيل العجم يسري للوسن «٥» ... لا يرهب الموت ولا صرف الزّمن
فلمّا سمع سطيح قوله رفع إليه رأسه فقال: عبد المسيح على جمل يسيح جاء إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان، لارتجاج الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتّى اقتحمت «٦» في الواد، وانتشرت في البلاد. عبد المسيح إذا ظهرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وغاض وادي السماوة، فليست الشام للسطيح شأما، وسيملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشّرّافات، وكلّ ما هو آت آت. ثم قضى سطيح نحبه، وقدم عبد المسيح على كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منّا أربعة عشر ملكا تكون.
стр. 277
٤٥٠ ثمّ ملك بعد أنو شروان ابنه هرمز، وأمّه فاقم ابنة خاقان، وكان متحاملا على خواصّ النّاس مائلا إلى «١» عوامّهم، وقتل في مدينته مدّة ملكه من خواصّ فارس ثلاثة عشر ألفا مذكورين، وأزال أحكام الموبذان فخرم بذلك الشريعة وأزال الرسوم، فغزاه الملوك وطمعوا فيه، فغزاه عظيم من الترك في أربع مائة ألف، فنزل بلاد هراة من أرض خراسان. فندب لحربه بهرام جوبين ابن الريان، فظفر بهرام بالتركي واستباح عسكره واستولى على خزائنه وأمواله. فأعجب بذلك هرمز وعظم بهرام جوبين في عينه، فحسده وزيره وكان من الخزر، فجعل يعرّض بخيانته لهرمز واستبداده بأكثر الأموال وأغراه به، فعصاه بهرام وخلع يده عن طاعته، ثمّ احتال بدراهم ضرب عليها اسم أبرويز بن هرمز ودسّ أناسا من التجّار وأنفقوها، فعلم بها هرمز فلم يشكّ أنّ ابنه ضربها طلبا للملك فهمّ به. فهرب أبرويز من أبيه لتغيّره عليه ولحق ببلاد آذربيجان وأرمينية والرّان والبيلقان. فحبس هرمز خالي ابنه بسطام وبندويه «٢» ، فأعملا الحيلة وخرجا من حبسهما وانضاف إليهما بشر، فدخلا على هرمز وسملا عينيه. فلمّا نمى ذلك إلى أبرويز رجع إلى أبيه وأعلمه أنّه لا ذنب له فيما اتّهمه به وأنّه هرب خوفا، فصدّقه أبوه، وعقد له التاج وسلّم الملك إليه. ثمّ خرج أبرويز إلى بهرام جوبين، وقد مال مع بهرام جموع الناس، وقدم وتحته فرسه المعروف بشبداز «٣» ، وهو المصوّر في الجبل ببلاد قرماسين من أعمال الدّينور من ماه الكوفة، وعليه أبرويز وغير ذلك من الصّور «٤» ، وهذا الموضع أحد عجائب العالم لغرائب ما فيه من الصور.
والعرب تذكر هذا الفرس في أشعارها. وكان أبرويز ركبه يوما وانقطع عنانه، فأراد ضرب عنق صاحب سروجه ولجمه، لمّا لم يتعاهد عنانه قال:
أيّها الملك ما بقي شيء يجتذبه ملك الإنس وملك الخيل، فخلّى سبيله.
стр. 278
٤٥١ فلمّا بلح هذا الفرس تحت أبرويز وقصّر طلب للنعمان في المعركة أن يمنّ عليه بفرسه النجوم فأبى ونجا عليه بنفسه. ونظر حسّان بن حنظلة الطائي إلى أبرويز قد خانته الرجال وأشرف على الهلاك، فأعطاه فرسه المعروف بالضّبيب وقال له: أيّها الملك انج على فرسي، فإنّ حياتك للناس خير من حياتي. فنجا عليه وكافأ حسّان وعرف له صنيعته. فأشار على أبرويز أبوه أن يلحق بقيصر ويستنجده على ما دهمهم من بهرام جوبين، فخرج أبرويز وخلّف خاليه وخنقا هرمز فقتلاه، ثمّ لحقا به فأعلماه، فعظم ذلك على أبرويز وقال لهما: ما حملكما على هذا؟ فقالا: لم نأمن أن يدخل بهرام إلى أبيك في مغيبك فيضع تاج الملك على رأسه ويصير الفرمدان- وتفسيره أمير الأمراء والروم تسمّي صاحب «١» هذه المرتبة الدّمستق- ويكتب أبوك إلى قيصر:
إنّ ابني وجماعة [انضافوا] إليه وثبوا عليّ «٢» وسملوا عينيّ، فاحملهم إليّ.
٤٥٢ فلمّا بلغ بهرام خبر هرمز وقتله أسرع إلى المدائن «٣» فاحتوى على الملك، ونزل أبرويز الرّها وكاتب قيصر موريق وبعث بكتابه مع خاله بسطام وجماعة من خاصّته يسأله النصرة «٤» وأن يشترط عليه ما شاء، وأهدى إليه أبرويز مائة غلام من أبناء الترك في غاية الحسن، في آذانهم القرط بالدرّ والياقوت، ومائدة عنبر فسحتها «٥» ثلاث أذرع على ثلاث قوائم من الذهب مفصلة «٦» بأنواع الجوهر، والقائمة الأولى «٧» ساعد أسد وكفّه، والثانية ساق وعل وظلفه، والثالثة كفّ عقاب بمخلبه، وجام «٨» جزع يماني «٩» فسحته «١٠»
стр. 279
شبر مملوّ ياقوتا أحمر، وسفط من ذهب فيه مائة درّة وزن كلّ درّة مثقال، أرفع ما يكون.
٤٥٣ فبعث إليه قيصر مائة ألف فارس وهدايا وزوّجه ابنته مارية وحملها إليه، فاشترط عليه أن ينزل عن الشّام ومصر وما تغلّب عليه أنو شروان من بلاد القياصرة. وكانت ملوك الفرس تتزوّج إلى سائر من جاورها ولا تزوّجها. ثمّ صار أبرويز إلى بلاد آذربيجان، فاجتمع إليه هناك من كان بها من العساكر، فالتقيا ببهرام فتوجّهت على بهرام، فصار إلى نحو بلاد خراسان وكانت لملوك الترك، فاحتوى أبرويز على المملكة وأمر لجنود قيصر بالأموال والمراكب والكساء، وحمل إلى قيصر ألفي ألف دينار وقرن «١» ذلك بهدايا كثيرة من آلات الذهب والفضّة، ووفى له بما شرط عليه. واحتال أبرويز في قتل بهرام بأرض الترك، فقتل غيلة فسيق برأسه «٢» فنصب على باب أبرويز.
٤٥٤ ط: ولم يزل أبرويز يصانع أخت خاقان ويبذل لها نفيس الهدايا حتّى دسّت إلى بهرام من قتله.
٤٥٥ وكانت لبهرام أخت يقال لها كرديّة، كانت في الشجاعة والفروسية مثل أخيها، (فخرجت من بلاد الترك ومن كان معها من رجال أخيها) «٣» وكان
стр. 280
لهم عدد وجلد، فكاتبها أبرويز في قتل خاله بسطام، وكان مرزبان الدّيلم بخراسان، على أن يتزوّجها، فقتلته، وقتل أبرويز خاله الآخر بأبيه وتزوّج كردية. وكان وزير أبرويز والغالب عليه حكيم من حكماء الفرس يقال له بزرجمهر، وكان أبرويز لمّا تخلّى عن ملكه باشتغاله بحرب بهرام، وذلك ثلاث عشرة سنة، اتّهم بزرجمهر بالميل إلى مذاهب اليونانية- وهو مذهب ماني- فأمر بحبسه وكتب إليه أبرويز: كان من ثمرة علمك ونتيجة عقلك ما صرت به أهلا للقتل وموضعا للعقوبة. فكتب إليه بزرجمهر: أمّا (إذ كان معي) «١» الجد فقد كنت أنتفع بثمرة عقلي، والآن إذ لا جدّ أنتفع بثمرة صبري، وإن فقدت كثيرا من الخير فقد استرحت من كثير من الشرّ. ثمّ لم يزل يغري به حتّى قتله. وبزرجمهر أكثر الفرس مواعظ وحكما.
٤٥٦ وفي ملك أبرويز كانت وقعة ذي قار بين بكر بن وائل والهامرز صاحب أبرويز لأربعين سنة لمولد النبي ﷺ . وقال رسول الله ﷺ : هذا أوّل يوم انتصف فيه العرب من العجم وبي نصروا، وفي رواية أخرى أنّها كانت بعد بدر بأشهر.
٤٥٧ وكان على مربط أبرويز خمسون ألف دابّة وألف فيل، منها ما ارتفاعه من الأرض اثنتا عشرة ذراعا، واكثر ما يكون من ارتفاع الفيل من الثمانية إلى العشرة. قال: وقد يكون بأرض الزنج ما هو أعلى سمكا من اثنتي عشرة ذراعا، وقد يحمل الناس من أنيابها ما زنة الناب مائتا منّ، والمنّ رطلان بالبغدادي. وخرج أبرويز في بعض أعياد وقد صفّت له الجيوش والعدد
стр. 281
والسّلاح والمراكب وألف فيل في جملة ذلك، وقد أحدقت به مائة ألف فارس دون الرجالة. فلمّا أبصرته الفيلة سجدت له فما رفعت رؤوسها وبسطت خراطيمها حتّى رفعت بالمحاجن وراطنها الفيّالون بالهندية، فأعجب أبرويز لذلك وقال: ليتها «١» لم تكن هندية وكانت فارسية، انظروا إلى أدبها من بين سائر الدوابّ.
وكانت مدّة أبرويز ثمانيا وثلاثين سنة، وقام ابنه- واسمه قباذ- القابض عليه، وهو المعروف بشيرويه.
٤٥٨ قال ط: وتفسير أبرويز المظفّر. قال ط: ولم يزل أبرويز ملطّفا بموريق إلى أن قتلته الروم وأبادوا ذرّيته خلا ابنا له صغيرا هرب به إلى أبرويز، فحافظ أبرويز موريق في ولده. وغزا الروم هرقل، فهزم قوّاد أبرويز وقتل رجاله وتحصّن أبرويز بالمدائن. وقيل في قول الله : الم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
«٢» إنّها في أبرويز ملك فارس وهرقل. ثمّ هزم الله ملكهم بالإسلام. قال ط: وفي آخر سنة من ملكه هاجر رسول الله ﷺ .
٤٥٩ ولمّا بلغ يزدجرد وقعة القادسية وقتل رستم علم أنّ مدّتهم قد انصرمت، فصار إلى حلوان ثمّ تحوّل إلى إصبهان وقال للموبذ: قد ظهر هؤلاء القوم فلا
стр. 282
يلقوا لنا جمعا إلّا فلّوه، ولا ينزلون بمعقل إلّا افتتحوه، فما الرأي؟ قال:
رأيي «١» أن تنزل إصطخر وتضمّ إليك خزائنك وتوجّه منها الجنود. ففعل ومضى إلى إصطخر، فلم يزل أبو موسى وعثمان بن أبي العاص يغزونه فيها فلم يقدروا على فتحها. فقدم ابن عامر سنة تسع وعشرين ولم يكن بكور فارس «٢» شيء إلّا وقد فتحه المسلمون حاشى إصطخر.. وقتلوا عامل ابن عامر فرجع إليهم ابن عامر فهرب يزدجرد إلى كرمان وأتبعه ابن عامر مجاشع بن مسعود السلمي. فنزل مجاشع بن مسعود قرية من دارابجرد فقالوا له: إنّ لنا عيدا اللّيلة، فإن رأيت أن تخلي لنا القرية. قال نعم، فنزل منها خارجا بالفسطاط والأخبية، فلمّا كان في آخر اللّيل أصاب «٣» أهل القرية رجفة، فهلكوا عن آخرهم، فنبش قوم منازلهم ممّن كان بينهم من العجم، فأصابوا ألفي ألف وسبعمائة ألف فأتوا بها مجاشعا، وانصرف مجاشع إلى ابن عامر وقد فاته يزدجرد، وقد عرض في جيشه ما عرض.
٤٦٠ ومضى يزدجرد إلى سجستان، ثمّ توجّه إلى خراسان. فلمّا قرب من مرو خرج إليه ماهويه بن (مافناه بن فيد) «٤» مرزبان مرو وترجّل وصار بين يديه ماشيا فقال له الموبذ: أيّها الملك لو أمرت ماهويه أن يركب. فأمره فركب.
فلمّا دخلوا مرو فأقاموا أيّاما قال خرزاذ مهر ليزدجرد: لو أذنت لي أيّها الملك لرجعت «٥» إلى فارس، فأذن له فقال خرزاذ مهر لماهويه: يا أهل خراسان إنّكم قتلة الملوك، قتلتم فيروز، فاكتبوا لي كتابا بأنّي قدمت بالملك بلاد مرو سالما ومعه ابنه فيروز وثقله وحشمه. فكتب على ماهويه كتابا ورجع منصرفا إلى فارس. فلمّا صار إلى فارس اعتقد من عبد الله بن عامر ذمّة. فلمّا سار ابن عامر إلى خراسان رجع خرزاذ مهر إلى مرو، فأقام مع الأساورة الّذين
стр. 283
كانوا معه مع يزدجرد. واستمدّ نيزك طرخان صاحب الترك وخرج من مرو ونزل وزق، وهي على تسعة فراسخ من مرو. فأقبل نيزك، فلمّا قرب من وزق ركب يزدجرد لينظر إلى عددهم فتلقّاهم، فلمّا تراءيا نزل نيزك حتّى دنا من يزدجرد فقبّل رجله، ثمّ ركب فسايره حتّى أتى منزله، وأمر لنيزك بمنزل وبعث إليه ما يصلح به، وكساء الأتراك الديباج ومناطق الذهب. وأقام نيزك شهرا وكتب إلى يزدجرد يخطب إليه ابنته، فغضب يزدجرد وكتب إليه: إنّما أنت من عبيدي، فما أجرأك أن تخطب إليّ؟.
٤٦١ وأمر يزدجرد بمحاسبة ماهويه وسأله الأموال فخافه فأتى نيزك فقال: إنّ هذا أتى مغلوبا مغلولا، فنصرته فخطبت إليه، فبلغ من جهله ما علمت، وقد أمر بمحاسبتي وطلبني بالمال. وإن عاد هذا إلى ملكه قتلني وقتلك، فحاربه وأنا أعينك عليه. فخرج نيزك ونزل الجبانة محاربا، فسار إليه يزدجرد ومعه ماهويه، فقاتلهم فأثخن فيهم، فخاف ماهويه أن يهزمهم فتحوّل إليه في أساورة مرو، فتفرّق عن يزدجرد أساورته فقاتلهم وصبر بعقدته، ثمّ رأى أن يتحوّل ويرجع إلى مرو.
٤٦٢ وكان ماهويه قد خلف ابنه بمرو وقال له: إن رجع يزدجرد منهزما فامنعه. فأتى يزدجرد وقد أغلقوا أبوابها ومع يزدجرد زادويه، فناداهم زادويه: افتحوا.
وأشرف ابن ماهويه فنادى: افتحوا للملك. فأهوى إلى منطقته فشدّها أي: لا تفتحوا. ففطن زادويه وقال: لعنكم الله يا قتلة الملوك. وترك يزدجرد ومضى، فرجع يزدجرد وحده فأتى وزق فنزل عن دابّته ومشى حتّى دخل بيت طحّان على شاطئ المرغاب، فمكث ليلتين ويوما فخفي عن الناس خبره. فلمّا رآه الطحّان عظّمه وقال: من أنت؟ أجنّي أنت أم إنسيّ؟
стр. 284
قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم. فأتاه بطعام فقال: إنّي مزمزم فجئني بما أزمزم به. فأتى الطحّان رجلا من الأساورة فسأله ما يزمزم به فقال: عندي ضيف لا أعرفه ولا أعرف مسألته، سألني ما يزمزم به.
فأدخله الأسواري على ماهويه فأخبره، فقال ماهويه: صفه. فوصفه فقال ماهويه: هذا يزدجرد، انطلقوا فأخنقوه حتّى تقتلوه. قال الموبذ: ليس لك أن تقتله لأنّ الملك والدين مقرونان لا قوام لأحدهما إلّا بالآخر، وإنّك إن قتلته انتهكت الحرمة الّتي ليس لك بعدها شيء. فأعان القوم الموبذ فصدّقوه، فشتمهم ماهويه وقال للأساورة: من تكلّم؟ فاقتلوه فكفّوا.
ومضى قوم مع الطحّان فقتل يزدجرد. وأعطى ماهويه نيزك مالا عظيما فرجع إلى بلاده.
٤٦٣ واختلفوا في قتل يزدجرد وكيفيّته وكيف قتل، فقال قوم: دخلوا عليه وهو نائم، فكرهوا قتله فقالوا للطحّان: اقتله. فشذخ رأسه بحجرة، فرجعوا إلى ماهويه ومعهم الطحّان، فأمر ماهويه بقتله وقال: لا ينبغي لقاتل الملك أن يحيا بعده. فقال قوم: نذر يزدجرد برسل ماهويه قبل أن يدخلوا عليه فهرب ونزل الماء وعليه ثيابه، فضربوا الطحّان وقالوا: دلّنا عليه، فقال: ههنا خلّفته. وخرجوا يطوفون في طلبه، فرآه رجل يجول في الماء وعليه الديباج فأخذه فقال له: خلّ عنّي وغمّ عليّ وأعطيك خاتمي ومنطقتي. فقال:
أعطني أربعة دراهم. فقال: الّذي أعطيك أعظم من الآلاف. قال: إنّما أريد أربعة دراهم. فضحك يزدجرد فقال: لقد قيل لي: إنّك تحتاج إلى أربعة دراهم فلا تجدها. فهجموا عليه فقال لهم يزدجرد: لا تقتلوني، فإنّه من احتوى على قتل الملوك عاقبه الله في الدنيا بالحرب وفي الآخرة بالنار، فاحملوني إلى ملك العرب فإنّهم لا يستحيون قتلي، فأصالحه عليكم فتأمنون. فأبوا وأعطوا الطحّان وترا، فدنا منه وكأنّه يكلّمه ورمى بالوتر في عنقه فخنقه حتّى مات، وأخذوا ثيابه فصرّوها في جراب وختموا الجراب،
стр. 285
وقتلوا الطحّان وألقوا يزدجرد في الماء وانصرفوا. وقال قوم إنّ يزدجرد لمّا أتى إلى منزل الطحّان قتله الطحّان فأخذ ما كان عنده، فأخذوه به فأنكر أن يكون رآه، فضربوه فأقرّ لهم بقتله وأخرج متاعه فقتلوه به وأهل بيته معه.
وأخرج الأسقف يزدجرد من النهر وصيّره في تابوت وحمله إلى إصطخر أوّل سنة إحدى وثلاثين. وكان قتله في وزق، وهي على سبعة فراسخ من مرو.
٤٦٤ س: فملوك الفرس الأولى سبعة عشر ملكا، ملك منهم امرأة واحدة، والأخرى اثنان وثلاثون ملكا، ملك منهم امرأتان.
الإسكندر
٤٦٥ هو ابن فيلقيوش، وقال قوم: ابن قيلقوس، قوطي. ط: ابن مطريوس «١» بن هرمس بن هردس «٢» بن ميطون بن ليطى بن يونان بن يافث من ولد الأصفر بن أليفز «٣» بن عيصو بن إسحاق ﵇. ويقال إنّ ذا القرنين هو هرمس، ويقال: هو ذبين بن قيطون بن رومي بن لمطي بن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح ﵇، ورومي بن لمطي هو أبو الروم.
٤٦٦ وقال الزبير: حدّثني من يسوق الحديث عن العجم أنّه رجل من أهل مصر اسمه الرّيان بن موريد اليوناني وقال: هو رجل من أهل أينة قرية من كور
следующие страницы →