← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من بلاد القيروان. ثمّ تراجعت الإفرنج إلى مدنهم وعمائرهم على موادعة وصلح من البربر، واختارت البربر سكنى «١» الجبال والأودية والرمال وأطراف البراري والقفار وصارت المدائن رومية حتّى افتتحها المسلمون. ٥٣٩ والبربر قبائل كثيرة وشعوب جمّة: هوّارة وزناتة وضريسة ونفزة وكتامة ولواتة وغمارة ومصمودة ومزاتة وصدينة ويصدريان «٢» وورتجن «٣» وصنهاجة ومجكسة وواكلان وغيرهم. ٥٤٠ وقد [اختلف] في نسبهم، فزعم بعضهم أنّهم من ولد كنعان بن حام، وقيل إنّهم أوزاع من اليمن تفرّقوا عندما كان من سيل العرم ما كان، وقيل إنّ أبرهة ذا المنار خلّفهم بالمغرب، ومنهم من رأى أنّهم من قيس عيلان، والله أعلم بحقيقة ذلك. قال الكندي إنّهم من ولد بربر بن قيس بن عيلان، وقال قوم إنّهم من ولد نيصر، وقال آخرون من ولد نبيط (بن حام، فلمّا نزل إخوتهم بمصر خرج بربر بن نبيط) «٤» إلى ناحية المغرب فسكنوا ما وراء عمل مصر، وهو ما وراء برقة إلى البحر الأخضر إلى منقطع الرمل متّصلين بالسّودان. وقال آخرون إنّهم من ولد لخم وجذام، وكانت منازلهم فلسطين فأخرجهم منها بعض ملوك فارس، فلمّا وصلوا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول، فعبروا النيل وانتشروا في البلاد.

стр. 317

ذكر الواحات ٥٤١ وبلاد الواحات بين مصر والإسكندرية وصعيد مصر وأرض الأحابيش «١» من النوبة وغيرهم، وصاحبها سنة ثلاثمائة واثنتين وثلاثين رجل اسمه عبد الملك بن مروان، رجل من لواتة مرواني المذهب، ويركب في ألوف من النّاس خيلا ونجبا، وبينه وبين عمائر الحبش ستّة أيّام. وهو بلد قائم بنفسه غير متّصل بغيره ولا مفتقر إلى سواه، وهذه الأرض أرض خصبة راخية ولها عيون حامضة الطعم تستعمل كما يستعمل الخلّ، وعيون مختلفة الطعوم: المرّ والقابض والحرّيف والملح، ولكلّ نوع منها منفعة وخاصّية. ذكر الصقالب ٥٤٢ الصقالب من ولد ماذاي «٢» بن يافث، ومساكنهم من الشّمال إلى أن تتّصل بالمغرب. وقال إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي: بلاد الصقالب متّصلة من البحر الشّامي إلى البحر المحيط إلى الشمال، فتغلّب قبائل الجوف على بعضها وسكنوا حتّى الآن فيما بينهم، وهم أجناس كثيرة مختلفة. وقد كانوا فيما سلف يجمعهم ملك سمته ماخا، وكان من جنس منهم يدعى وليتابا «٣» وهذا الجنس معظّم فيهم، ثمّ اختلفت كلمتهم فزال نظامهم وتحزّبت أجناسهم وملّك كلّ جنس منهم ملك. وملوكهم الآن أربعة: ملك البلغارين «٤»

стр. 318

وبويصلاو ملك فراغة وبويمة وكراكو «١» ، ومشقه ملك الجوف، وناقون في آخر المغرب. ٥٤٣ وجاور بلد ناقون في المغرب سكسن «٢» وبعض مرمان، وبلده رخيص الأسعار كثير الخيل ومنها يخرج إلى غيرها، ولهم سلاح شاكّ من الدروع والبيضات والسيوف. ٥٤٤ فمن برغ «٣» إلى ما يليه عشرة أميال، ثمّ إلى الجسر خمسون ميلا، وهو جسر من خشب في طوله ميل، ومن الجسر إلى حصن ناقون نحو أربعين ميلا، ويسمّى غراد «٤» وترجمته الحصن الكبير، وفي قبل غراد حصن مبني في بحيرة عذبة الماء. وكذلك تبني الصقالبة أكثر حصونهم، تعمد إلى المروج الكثيرة المياه والآجام، فتخطّ فيه خطّا مستديرا أو مربّعا قدر ما تريد من شكل الحصن وسعة ساحته، وتحفر حواليه وتردم بالتراب المحفور، وقد أوثق بالألواح والخشب على مثال الطوابي حتّى يبلغ السور إلى الغاية الّتي تريد وتذرع له بابا من أيّ شقّ شاء، وتختلف إليه على جسر من خشب. ومن حصن غراد إلى البحر المحيط أحد عشر ميلا، ولا تنفذ العساكر في بلاد ناقون إلّا بالجهد الشّديد، لأنّ بلده كلّه متمرّج وآجام وحمأة.

стр. 319

٥٤٥ وأمّا بلد بويصلاو فطوله «١» من مدينة فراغة إلى مدينة كراكو مسيرة ثلاث جمعات، وهو مجاور في الطول لبلاد الأتراك. ومدينة فراغة مبنية على [نهر هناك] «٢» بالحجر والجير، وهي أكثر البلاد متاجر تأتيها من مدينة كراكو الروس والصقالبة بالمتاجر «٣» ، ويأتيهم من بلاد الأتراك والإسلام اليهود والترك بالمتاجر أيضا والمثاقيل «٤» المرقّطية، فيحملون من عندهم الرقيق والقزدير وضروب الأوبار «٥» . وبلادهم أطيب بلاد أهل الجوف وأزكاها معيشة يباع القمح عندهم بقنشار ما يكتفي «٦» به المرء أشهرا، ويباع عندهم الشعير بقنشار علف أربعين ليلة لدابّة، ويباع عندهم عشر دجاجات بقنشار. وبمدينة فراغة تصنع السّروج واللّجم والدرق المستعملة «٧» والمتّخذة في بلادهم. ٥٤٦ وتصنع في بلاد بويمة «٨» منيدلات خفاف مهلّلة النسج على هيئة الشبكة لا تصلح لشيء، وثمنها عندهم في كلّ زمان عشرة مناديل بقنشار بها يتبايعون ويتعاملون يملكون منها الأوعية، وهي عندهم مال وأثمن الأشياء يبتاع بها: الحنطة والرقيق والخيل والذهب والفضّة وجميع الأشياء. ومن العجيب أنّ أهل بويمة سمر سود الشعور، والشقرة فيهم قليلة.

стр. 320

٥٤٧ والطريق من ماذي برغ «١» إلى بلاد بويصلاو: منه إلى حصن قليوى عشرة أميال، ومنه إلى نوب غراد «٢» ميلان، وهو حصن مبني بالحجارة والصاروج وهو على نهر صلاوة، وفيه يقع نهر بوده «٣» ، ومن حصن نوب غراد إلى ملّاحة اليهود، وهي على نهر صلاوة أيضا، ثلاثون ميلا، ومنها إلى حصن بورجين «٤» ، وهو على نهر ملداوة «٥» ، ومنه إلى طرف الشعراء خمسة وعشرون ميلا، ومن أوّلها إلى آخرها أربعون ميلا في جبال وأوعار، ومنها [إلى] جسر من خشب على حمأة نحو الميلين، ومن آخر الشعراء يدخل مدينة فراغة. ٥٤٨ فأمّا بلد مشقه فهو أوسع بلادهم، وهو كثير الطعام واللحم والعسل والحرث وجبايته المثاقيل المرقّطية، وهي أرزاق رجاله في كلّ شهر لكلّ «٦» واحد عدد معروف منها، وله ثلاثة آلاف دارع «٧» ، وهم أنجاد «٨» تعدل المائة منهم عشر مائة من غيرهم، ويعطي الرجال الملابس والخيل والسلاح وجميع ما يحتاجون إليه، وإذا ولد لأحدهم ولد أمر بإجراء الرزق عليه ساعة يولد، ذكرا كان أو أنثى، فإذا بلغ إن كان ذكرا زوّجه ودفع عنه النحلة [إلى] والد الجارية، وإن كانت أنثى أنكحها ودفع النحلة إلى أبيها. والنحلة عند الصقالب عظيمة ومذهبهم فيها كمذهب البربر، وإذا ولد للمرء ابنتان أو ثلاث فهنّ سبب غنائه، وإن ولد له ولدان فهو سبب فقره.

стр. 321

٥٤٩ ويجاور مشقه في الشرق الروس وفي الجوف بروس، وسكنى بروس على البحر المحيط ولهم لسان على حدّة لا يعرفون ألسنة المجاورين لهم، وهم مشهورون في شجاعتهم، إذا أتاهم جيش لا يتوارى أحدهم حتّى يلحق به صاحبه، إنّما يخرج لا يلوي على أحد فيضرب بسيفه حتّى يموت. ويعبر عليهم الروس في المراكب من المغرب. ٥٥٠ وفي المغرب من الروس مدينة النساء ولها بسائط ومماليك، وهنّ يحملن من عبيدهنّ، فإذا وضعت المرأة ذكرا قتلته. ويركبن الخيل ويباشرن الحرب، ولهنّ بأس وبسالة. قال إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي: وخبر هذه المدينة حقّ، أخبرني بذلك هوته ملك الروم. ٥٥١ وفي الغرب من هذه المدينة قبيلة من الصقالبة يقال لها أمّة أوبابه، وهي في غياض من بلاد مشقه ممّا يلي المغرب وبعض الجوف، ولهم مدينة عظيمة على البحر المحيط، لها اثنا عشر بابا ولها مرسى، وهم يستعملون له شطورا حرلا «١» وهم يحاربون مشقه وشوكتهم شديدة، وليس لهم ملك ولا ينقادون لأحد، وإنّما الحكّام فيهم أشياخهم. ٥٥٢ فأمّا ملك البلقارين فقال إبراهيم بن يعقوب: لم أدخل بلده ولكنّي رأيت رسله بمدينة ماذي برغ حين وفدوا على هوته الملك، يلبسون ملابس ضيّقة

стр. 322

ويتمنطقون بأحزمة طوال قد ركّب عليها ترامس الذهب والفضّة، وملكهم عظيم القدر يضع على رأسه التاج وله الكتّاب والأزمّة وأصحاب الخطط وأمر ونهي على نظم وترتيب كالمعهود للملوك الأكابر، ولهم معرفة بالألسن ويترجمون الإنجيل باللسان الصقلبي «١» وهم نصارى. ٥٥٣ قال إبراهيم بن يعقوب: وإنّما تنصّر [ملك] البلقارين [لمّا أغار] على بلاد الروم حين حاصر مدينة القسطنطينية حتّى داراه ملكها وأرضاه بجزيل العطاء «٢» ، وكان ممّا استرضاه به أن زوّجه ابنته فحملته على التنصّر. قال المؤلّف: فيدلّ قول إبراهيم أنّ تنصّره كان بعد ثلاثمائة من الهجرة، وقال غيره: إنّما تنصّر منهم من تنصّر على عهد بسيليوس «٣» الملك، وبقوا على نصرانيتهم إلى اليوم. ٥٥٤ قال إبراهيم: والقسطنطينية من بلقارين في القبلة وتجاورهم أيضا في الشرق والجوف البجاناكية «٤» ، وفي الغرب منها بحيرة بناجية، وهو خليج يخرج من البحر الشّامي بين الأرض الكبيرة والقسطنطينية، فيحيط بالأرض الكبيرة سواحل رومة وسواحل لنقبردية «٥» وينقطع بالفرلانة «٦» ، فتصير هذه المواضع كلّها جزيرة واحدة قد أحاط بها البحر الشامي من القبلة، وذراع بناجية «٧» من جهة المشرق والجوف وبقي منها فتح من جهة الغرب.

стр. 323

٥٥٥ ويسكن حافّتي «١» هذا الخليج من مخرجه في المشرق «٢» من البحر الشامي الصقالبة، ففي الشرق منهم البلقارين وفي الغرب غيرهم من الصقالبة، وهؤلاء الّذين يسكنون في الغرب منه أشدّ بأسا، وأهل تلك الناحية يستأمنونهم ويتّقون شدّتهم، وبلادهم جبال شامخة وعرة المسالك. ٥٥٦ وبالجملة فإنّ الصقالبة ذوو صولة وبطش، ولولا اختلافهم بكثرة تفرّع أعراقهم «٣» وتفرّق أفخاذهم ما قامت لهم في الشدّة أمّة من الأمم. وسكنوا من البلدان أجزلها ريعا «٤» وأكثرها أقواتا وهم يجتهدون في الفلاحة وطلب الأرزاق ويفوقون «٥» في ذلك جميع أمم الجوف، وتختلف بتجارتهم في البرّ والبحر إلى الروس والقسطنطينية. وجلّ قبائل الجوف يتكلّمون بالصقلبّية لاختلاطهم بهم منهم قبائل الطدشكين والأنقليّين والبجاناكية والروس والخزر. ٥٥٧ وليس يكون الجوع في بلدان الجوف كلّها من القحط وتوالي الجدب، إنّما يكون من كثرة الغيث وتوالي الجمّة، ولا يكون المحل عندهم مهلكا لأنّه لا يتّقيه من أصابه «٦» لرطوبة بلادهم وشدّة بردها. وهم يزرعون في فصلين من العام في القيظ والربيع ويرفعون رفعين، وأكثر زرعهم الدّخن.

стр. 324

٥٥٨ والبرد فيهم سليم وإن تفاقم والحرّ مهلك، وهم لا يقدمون «١» على السفر إلى بلاد لنقبردية «٢» لحرّها لأنّ الحرّ يطغى عندهم فيهلكون، والسّلامة عندهم إنّما تكون فيما يكون فيه المزاج جامدا، فإذا انذاب وفار ذوى الجسد، جاءه «٣» الموت من قبل ذلك. وتعمّهم علّتان لا يكاد أحدهم يسلم من إحداهما «٤» وهما ريحان: الحمرة والنواصير. ٥٥٩ وهم يجتنبون أكل الفراريج فإنّها تصرعهم بزعمهم وتقوّي عليهم ريح الحمرة، ويأكلون لحم البقر والإوزّ فيلائمهم. وهم يلبسون الثّياب الواسعة إلّا أنّ أردان أكمامهم ضيّقة. ويحجب ملوكهم نساءهم ولهنّ غيرة شديدة عليهم، ويكون للرجل منهم عشرون زوجة فصاعدا. وأكثر أشجار شعابهم «٥» التفاح والإجاص والفرشك. وفيها طائر غريب تعلوه خضرة يحكي كلّ ما يسمعه من أصوات الناس والدوابّ وقد يوجد ... فيصيدونه ويسمّى بالصقلبية شبك «٦» . وفيها دجاج برّية تسمّى أيضا بالصقلبية تترا، وهي طيّبة اللحم وتسمع أصواتها من أعالي الشجر على فرسخ، وأكثرها «٧» صنفان: سوداء «٨» وموشّاة أجمل من الطواويس.

стр. 325

٥٦٠ ولهم ضروب من المزاهر والمزامير، ولهم مزمار طوله أكثر من ذراعين، وعودهم «١» عليه من الأوتار ثمانية أوتار، وباطنه مسطّح لا مقبّب «٢» . وأشربتهم وأنبذتهم العسل. ٥٦١ قال س: والصقالبة أجناس كثيرة فمن أجناسهم أصطترانة «٣» ودولابة «٤» ونامجين، وهذا الجنس أشجعهم وأفرسهم، وجنس يقال له سربين «٥» وهو عندهم مهيب، وجنس يقال له مراوة «٦» وخرواتين «٧» وصاصين وحشيابين. ومن هذه الأجناس من هو ينقاد إلى دين النصرانيّة على مذهب اليعقوبيّة منهم، ومنهم من لا كتاب له ولا ينقاد إلى شريعة وهم جاهلية، وجنس الملك من هؤلاء. والجنس الّذي ذكرنا أنّه يدعى سربين يحرقون أنفسهم بالنّار إذا مات رئيسهم ويحرقون دوابّهم، ولهم أفعال مثل أفعال الهند، وهم يتّصلون بالشرق ويبعدون من الغرب. وهم يطربون ويفرحون عند حرق الميّت ويزعمون أنّ سرورهم وأطرابهم لرحمة ربّه إيّاه. ٥٦٢ ونساء الميّت يقطعن أيديهنّ ووجوههنّ بالسّكاكين، وإذا زعمت واحدة منهنّ أنّها محبّة له علّقت حبلا وارتقت إليه على كرسي، فتشتدّ به في عنقها، ثمّ يجذب الكرسي من تحتها فتبقى مقامة تضطرب حتّى تموت، ثمّ تحرق وتلحق بزوجها.

стр. 326

٥٦٣ ونساؤهم إذا نكحن لم يفجرن إلّا أنّ البكر إذا أحبّت رجلا صارت إليه وأقامت عنده شهوتها، فإذا تزوّجها الزّوج فوجدها عذراء قال لها: لو كان فيك خير لرغب فيك الرّجال ولاخترت لنفسك من يأخذ عذرتك، فيرسلها ويبرأ منها. ٥٦٤ وبلاد الصّقالبة أشدّ البلاد «١» بردا، وأقوى ما يكون ذلك عندهم إذا أقمرت الليالي وأصحت الأيّام، فحينئذ يشتدّ البرد ويقوى الجمد «٢» فتتحجّر الأرض فتجمد «٣» الأشربة كلّها وتعرمدت (؟) البئر والفيض «٤» حتّى تأتي كالحجارة، وإذا استتر النّاس على لحاهم صفائح الجمد تكون كالزجاج فيعسر «٥» تكسّره حتّى يصطلي أو يدخل كنّا. وإذا كان الليل مظلما والنهار مغيّما فحينئذ ينجلي الضريب ويفتر البرد، وفي هذا الوقت تنكسر السّفن ويهلك من فيها لأنّه يواجهها من جليد أنهار هذه البلاد قطع كالجبال الرواسي، وربّما ظفر من تلك القطعة الشابّ والجلد من الرجال فيسلم عليها. ٥٦٥ وليس لهم حمّامات، وإنّما يتّخذون بيوتا من خشب ويسدّ خصاصه بشيء يتكوّن على أشجارهم يشبه الطحلب يسمّونه عجّ «٦» ، وهو مقام الزفت لسفنهم «٧» ويبنون كانونا من حجارة في إحدى زواياه «٨» ويفتحون في أعلاه زوزنة تلقاءه لخروج دخانه، فإذا سخن سدّوا تلك الزوزنة وأغلقوا باب البيت، وفيه غاصب «٩» الماء وصبّوا من ذلك الماء على الكانون المحتمي

стр. 327

وترتفع أبخرته. ويكون بيد كلّ واحد منهم ضغث من حشيش يحرّك به الهواء ويجذبه إلى نفسه، فتنفتح مسامّهم ويخرج فضول أجسامهم فتجري منهم السيول. ولا يكون على أحدهم أثر جرب ولا قرح، وهم يسمّون هذا البيت الأطبا. ٥٦٦ وملوكهم يسافرون بالعجل العظام العالية الجارية على أربعة أفلاك وقوائم، في زواياها أربعة أعمدة وثيقة، وعلّق منها هودج بسلاسل حصينة وكسي بالديباج، فلا يتقلقل الجالس فيه تقلقل العجلة، يعدّونه للمرضى والجرحى. والصقالبة تحارب الروم والإفرنج والنوكبرد وغيرهم من الأمم، والحرب بينهم سجال. ذكر الإفرنجة ٥٦٧ الإفرنجة من ولد يافث هم والجلالقة والصقالبة والنّوكبرد والأشبان والترك والخزر وبرجان واللّان وياجوج وماجوج. والإفرنجة تدين بدين النصرانية برأي الملكية منهم، ودار مملكتهم الآن بريزة «١» ، وهي مدينة عظيمة، ولهم من المدائن نحو من خمسين ومائة مدينة. وقد كانت مملكتهم قبل ظهور الإسلام بإفريقية وجزيرة صقلّية وجزيرة إقريطش، وهي للمسلمين الآن. وأوّل ملوكهم قلوديه، وهو أوّل من تنصّر، وكان مجوسيا نصّرته امرأته واسمها غرطلد «٢» . وملكهم الآن سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة لذويق «٣» بن قارله «٤» ، وهذان اسمان يتكرّران في ملوكهم.

стр. 328

ذكر الجلالقة ٥٦٨ وهم حرب للإفرنجة إلّا أنّ الجلالقة أشدّ منهم بأسا وهم أشدّ على الأندلس من جميع الأمم. ورأيهم رأي الملكية أيضا، ومن ملوكهم ألفونش ثمّ أردون «١» ثمّ ردمير الّذي كان زمن عبد الرحمن بن محمّد. ٥٦٩ ولمّا قتل عبد الرحمن وزيره أحمد بن إسحاق- وهو من ولد أبيه- «٢» لأمر استحقّ عليه بالشريعة القتل عصى أخوه أميّة بن إسحاق بن محمّد بن عبد الرحمن، وكان صاحب شنترين، وصار في حيّز ردمير يدلّه «٣» على عورات المسلمين. فخرج أميّة متصيّدا، فغلب على المدينة بعض غلمانه ومنعه من الدخول، وكاتب عبد الرحمن ولحق أميّة بردمير واستوزره ورفعه. وغزا عبد الرحمن بعض سمّورة دار مملكة الجلالقة، وسنذكرهما مع الأمصار إن شاء الله. وكان عبد الرحمن في مائة ألف وأزيد، فكان التقاؤه مع ردمير في شوال سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بعد الكسوف الّذي كان في هذا الشهر بثلاثة أيّام، فكانت للمسلمين عليهم، ثمّ ثابوا بعد أن حوصروا، فقتلوا من المسلمين نحو خمسين ألفا. وقيل إنّ الّذي منع ردمير من طلب من نجا من المسلمين أميّة وحذّره الكمين ورغبه في انتهاب ما في العسكر من العدد والأموال والخزائن، ولولا ذلك لأتى على المسلمين.

стр. 329

٥٧٠ ثمّ إنّ أميّة استأمن عبد الرحمن [بعد ذلك وتخلّص من ردمير، فتقبّله عبد الرحمن] «١» . أحسن قبول. وقد كانت لعبد الرحمن بعد هذه النوبة وقائع كثيرة في الجلالقة قتل منهم فيها أضعاف [ما قتل من] «٢» المسلمين، وهي للمسلمين عليهم إلى وقت التأريخ. وتليهم أمّة عظيمة يقال لها وشكنش. ذكر النّوكبرد «٣» ٥٧١ بلادهم متّصلة بالمغرب، واسم ملوكهم في سائر الأعصار أداكيس «٤» ، ومدينتهم العظمى ودار مملكتهم بنبنت «٥» ويخرقها نهر عظيم يقال له سانيط، وهو أحد أنهار العالم الموصوفة بالكبر والعجائب. وكان ممّن جاورهم من المسلمين من بلاد (الأندلس والمغرب) «٦» وغيرهم غلبوهم على مدن كثيرة مثل مدينة باري «٧» [ومدينة طارنطو] «٨» ومدينة سردانية «٩» وغيرها من مدنهم الكبار، سكنها المسلمون مدّة من الزمان، ثمّ غلب النوكبرد عليها، فهي بأيديهم الآن. ولهم جزائر كثيرة، وهم ذوو بأس وشدّة.

стр. 330

[ذكر الأكراد] ٥٧٢ فأمّا الكرد فقد تنازع الناس فيهم، فمنهم من رأى أنّهم من ربيعة، ومنهم من رأى أنّهم من مضر من ولد كرد بن مرد «١» بن صعصعة بن هوازن، انفردوا في قديم الزمان لوقائع كانت بينهم وبين غسّان وانضافوا إلى الجبال وجاوروا من هناك من الأعاجم فخالفوا عن لسانهم وصارت لغتهم أعجمية. ومن الناس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود حين سلب ملكه ووقع الشيطان المعروف بالجسد على إمائه المنافقات، لأنّ الله عصم منه المؤمنات. فلمّا ردّ الله على سليمان ملكه أخرج الإماء الحوامل من الشيطان فقال: اكردوهنّ في الجبال. فوضعن هناك وتناسلوا، فذلك بدء الأكراد. ومنهم من رأى أنّ الضحّاك ذا الأفواه المقدّم ذكره كان يقتل كلّ يوم رجلين يطعم أدمغتهما للحيّتين اللّتين كانتا في كتفيه على ما تقدّم ذكره، فكان وزيره يذبح رجلا وكبشا كلّ يوم ويخلط أدمغتهما ويستحيي رجلا ويطرد من يخلص منهما إلى الجبال، فهم الأكراد. ٥٧٣ ق: يزعم أنّ الأكراد فضل طعام بيوراسف لأنّه كان يذبح كلّ يوم إنسانين ويتّخذ من لحومهما طعامه، وكان وزيره يدعى أرمائيل، فكان يذبح واحدا ويستحيي واحدا يبعث به إلى جبال فارس، فتوالدوا هناك.

стр. 331

٥٧٤ س: ومن أجناس الأكراد: الشّوهجان «١» والماجردان والماذنجان والكيكان والبارسان «٢» والمستاكان «٣» وغيرهم، وهم بأرض الدينور وهمدان وبلاد آذربيجان وبلاد الشام وبأرض الموصل إلى جبل الجودي، وهؤلاء نصارى على رأي اليعقوبيّة. ومن الكرد خوارج على رأي البراءة عن عثمان وعلي ﵄. ٥٧٥ وموضع الكرد الّذي فيه أوّلهم ما بين أرض يهودا من أرض الشّام وما بين جزيرة العرب، وقد ذكره أبو نصر الجيهاني وغيره. ذكر ملوك اليمن ٥٧٦ س: تنازع الناس في اليمن بما سمّي، فقيل لأنّه عن يمين الكعبة، والشّام لأنّه شمالها، والحجاز لأنّه حاجز بينهما، والعراق لمصبّ الأنهار إليه دجلة والفرات وغيرهما، مأخوذا من عراقي «٤» الدّلو وعراقي «٥» القربة. وقيل: سمّي اليمن ليمنه والشّام لشؤمه «٦» ، وقيل سمّي شاما لشامات في أرضه بيض وسود، وذلك في التراب والبقاع، وهذا قول الكلبي. وقال الشرقي: سمّي بسام بن نوح لأنّه أوّل من نزله، فلمّا نزلته العرب تطيّرت «٧» من أن تقول سام- والسام هو الموت- فقالت شام.

стр. 332

٥٧٧ وقد اختلف الناس في أنساب اليمن، وهم يثبتون لا يختلفون أنّهم من قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. س: شالخ بن قينان «١» بن أرفخشد بن سام بن نوح على ما تقدّم. قال س: وهذا ينقله الباقي عن الماضي. وقد زعم هيثم أنّ قحطان هو جرهم وتأوّل قول النبي ﷺ للأنصار: ارموا يا بني إسماعيل أنّه نسبهم إليه من جهة الأمّهات وما نالهم من الولادات. والكلبي وشرقي بن قطامي يذهبان إلى أنّه قحطان بن الهميسع بن نبت، وهو نابت بن إسماعيل، وولد قحطان تأبى هذا. ٥٧٨ س: وأوّل من ملك من ملوك اليمن سبأ بن يشجب، واسمه عبد شمس وسمّي سبأ لسبيه سبيا، وسئل رسول الله ﷺ عن سبأ هذا رجل هو أم امرأة أو مكان فقال: رجل ولد له عشرة فتشاءم أربعة: لخم وجذام [وعاملة] «٢» وغسّان، وتيامن ستّة: حمير والأزد «٣» ومذحج والأشعرون وكندة [وأنمار] «٤» ، وهم بجيلة وخشعم. فملك سبأ أربعمائة وثمانين سنة، ثمّ ملك ولده حمير، وكان أشجع الناس وأجملهم، وهو أوّل من صنع التّاج من ملوك اليمن، وملك خمسين سنة. ٥٧٩ ثمّ ملك بعده أخوه كهلان بن سبأ، ثمّ عاد الملك إلى ولد حمير فلم يزل فيهم.

стр. 333

٥٨٠ فملك بعد كهلان الحارث الرائش بن [شداد، ثمّ ملك جبّار بن غالب بن يزيد بن كهلان، ثمّ ملك بعده الحارث بن] «١» مالك بن إفريقش بن صيفيّ بن يشجب، ثمّ توالت مملكتهم على ما ذكرنا إلى أن انتهت إلى ذي نواس. ٥٨١ فجازت إليه الحبشة بساحل زبيد من أرض الغمر وصاحبهم أرياط «٢» عظيم من عظمائهم، وكان في عهد ملك الحبشة إليه: إذا دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها وخرّب ثلث بلادها وابعث بثلث نسائها. فلمّا تلاحق الحبشة قام أرياط في جنده خطيبا فقال: يا معشر الحبشة قد علمتم أنّكم لن ترجعوا إلى بلادكم أبدا، هذا البحر بين أيديكم، إن دخلتموه غرقتم وإن سلكتم البرّ هلكتم، وليس لكم إلّا الصبر حتّى تموتوا أو تظفروا بعدوّكم. فجمع ذو نواس جمعا كثيرا ثمّ صار إليه فاقتتلوا قتالا شديدا، فكانت الدائرة للحبشة فظفر أرياط فقتل أصحاب ذي نواس وانهزم في كلّ وجه. فلمّا خشي ذو نواس أن يؤسّر ركض فرسه في البحر، فكان آخر العهد به. ٥٨٢ ودخل أرياط اليمن فقتل ثلث رجالها وبعث ثلث السبي إلى ملك الحبشة وخرّب ثلثها وهدّم حصونها، وكانت تلك الحصون بنتها الشياطين في عهد بلقيس، واسمها ملقة، وكان ممّا خرّب منها بينون «٣» وغمدان وسلحين،

стр. 334

حصون لم ير مثلها. فقال الحميري أبياتا يذكر ما دخل على حمير من الذلّ [بسيط] : بدمعها لن تردّ العين ما فاتا ... لا تبكين أسفا في أثر من ماتا أبعد سلحين لا عين ولا أثر ... وبعد بينون يبني النّاس أبياتا وكان على الحبشة أرياط بن أضخم، فبقي والي اليمن عشرين سنة إلى أن وثب عليه أبرهة الأشرم أبو يكسوم، وهو من الحبشة، وكان له كالوزير. ٥٨٣ قال أبو الفرج: فلمّا ظفر أرياط أخذ الأموال وأظهر العطايا في قومه أهل الشرف والغناء، فغضب له الحبشة من ترك أهل الفقر وأذلّهم وأجاعهم وأتعبهم في العمل وكلّفهم ما لا يطيقون، وشكا بعضهم إلى بعض. قال لهم عند ذلك أبرهة: لو أنّ رجلا غضب لكم لأسلمتموه حتّى يذبح كما تذبح الشاة. قالوا «١» : لا والمسيح ما كنّا لنسلمه أبدا. فواثقوه بالإنجيل لا يسلموه حتّى يموتوا عن آخرهم. فنادى مناديه فيهم فخرجوا معه بالسلاح الّتي كانوا يعملون بها ويهدمون [بها] «٢» المدن «٣» والمعاول والكرازين والمساحي، ثمّ صفّوا صفّا بالمعاول وصفّا آخر بالمساحي بإزائه. وأخبر أرياط بما صنع أبرهة، فركب في الملوك ومن يتبعه من أشياعهم، فلبسوا السلاح وجاؤوا بالفيلة حتّى إذا دنا بعضهم من بعض برز أبرهه فنادى بأعلى صوته: يا معشر الحبشة الله ربّنا والإنجيل كتابنا وعيسى نبيّنا والنجاشي ملكنا، علّام نقتل بعضنا بعضا؟ هذا رجل وأنا رجل، فخلّوا بيننا وبينه، فإن قتلني كان الملك وإن قتلته عملت فيكم بالإنصاف ما بقيت. فقال الملوك: قد أنصفك يا أرياط. وكان أرياط قد عرف بالشجاعة والنجدة

стр. 335

وكان جميلا، وكان أبرهة قصيرا ذميما منكر الفؤاد، فاستحيى أرياط من الملوك أن يجبن، فبرز بين الصفّين ومشى كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فحمل أرياط على أبرهة فضربه ضربة وقع منها حاجبه وعامّة أنفه، فعمد أبرهة إلى عمامته فشدّ بها وجهه وسكن الدم، وأخذ عودا وجعله في فيه وقال: أيّها الملك أنا شاة فاصنع ما بدا لك فقد أبصرت أمري. ففرح أرياط، فلمّا رأى أبرهة أرياط قد انكسر عنه وهو ينظر يمينا وشمالا لأن تراه ملوك الحبشة شدّ عليه. وكان أبرهة قد أبطن فخذه خنجرا كأنّه [خافية نسر] «١» ، فطعنه طعنة من فرج الدرع أثبته فخرّ على قفاه، وقعد أبرهة على صدره فأجهز عليه. فسمّي أبرهة الأشرم من ذلك اليوم من تلك الضربة الّتي ضربت وجهه. ٥٨٤ وملك اليمن أبرهة، فلمّا بلغ ذلك النجاشي حلف بالمسيح أن يجزّ ناصيته ويريق دمه ويطأ تربته، يعني أرض اليمن. فبلغ ذلك أبرهة فجزّ ناصيته وجعلها في حقّ وجعل من دمه في قارورة وجعل من تراب اليمن في جراب «٢» وضمّ ذلك في هدايا كثيرة وألطاف جمّة، وكتب إليه يعترف بالعبودية ورغّب إليه أن يبرّ قسمه بما بعث إليه، فيجزّ ناصيته بيده ويريق دمه ويطأ تربته، فصفح عنه النجاشي. وكان ذلك في زمان قباذ ملك الفرس. ٥٨٥ وسار أبرهة إلى مكّة لخراب الكعبة لأربعين سنة خلت من ملك أنو شروان وبعث معه ثقيف بأبي رغال ليدلّه على أسهل الطريق، فقتل أبو رغال في

стр. 336

طريقه ذلك في موضع يقال له المغمّس بين الطائف ومكّة، فلم يزل قبره يرجم إلى يوم القيامة. قال جرير [وافر] : إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال ٥٨٦ وقد قيل في أبي رغال إنّ ثقيفا قتلته شنيعة، ولذلك سمّي قسيّا «١» ، وذلك أنّ صالحا النبي ﷺ بعثه مصدّقا، فأساء السيرة وحنف، ولذلك يقول [أميّة بن أبي الصلت الثقفي] «٢» [وافر] : نفوا عن أرضهم عدنان طرّا ... وكانوا للقبائل قاهرينا وهم قتلوا الرّئيس أبا رغال ... بمكّة إذ يسوق بها الوضينا ٥٨٧ س: وفي طريق العراق إلى مكّة بين الثعلبية «٣» والهبير قبر ترجمه المارّة كما يرجم قبر أبي رغال، فيعرف بقبر العبادي وله حديث طويل. وكان قدوم أصحاب الفيل لسبع عشرة ليلة خلت من المحرّم سنة ثمانمائة واثنتين وثلاثين للإسكندر. وأهلك الله أبرهة، فكان ملكه إلى أن رجع من الحرم- وسقطت أنامله وتقطّعت أوصاله- ثلاثا وعشرين «٤» سنة. ٥٨٨ ثمّ ملك ابنه مسروق بن أبرهة، فزاد على الناس في الأذى والمكروه. قال أبو الفرج: وأمّه ريحانة امرأة ذي يزن أمّ سيف بن ذي يزن. قال أبو الفرج:

стр. 337

ولمّا طال البلاء على أهل اليمن مشوا إلى سيف بن ذي يزن الحميري فقالوا له: نجد خبرا عن سطيح أنّ هذا البلاء يفرج على يدي رجل من أهل بيت ذي يزن، وقد رجونا أن ندرك بثأرنا. فأنعم لهم بالخروج، فخرج إلى قيصر ملك الروم وكلّمه أن ينصره على الحبشة، فأبى وقال: هم على ديني وأنتم على دين يهود. فخرج من عنده مؤيّسا من نصرته وسار إلى كسرى. فانتهى الى النعمان بن المنذر بالحيرة فدخل عليه فأخبره بما لقي قومه من الحبشة، فقال له: أقم فإنّ لي من كسرى أذنا في كلّ سنة، وقد حان ذلك. فخرج وأخرج معه سيف بن ذي يزن فأدخله على كسرى، فشكا إليه الحبشة فقال: غلبونا على بلادنا واستعبدنا السودان. فقال له كسرى: بلادك بعيدة ولا أرسل معك جيشا في غير منفعة، فأيأسه «١» من النصرة وأمر له بعشرة آلاف [درهم] «٢» وكساه كساء. فلمّا خرج بها من باب كسرى نثرها بين العبيد والخدم، فبلغ ذلك كسرى فأمر بصرفه إليه وقال: ما حملك أن تصنع بجائزة الملك ما صنعت؟ فقال سيف: جبال أرضي «٣» ذهب وفضّة، وإنّما جئت إلى الملك ليمنعني من الضيم ولم آته ليعطيني الدراهم، ولو أردت المال كان ذلك عندي كثيرا. فقال كسرى: أنظر في أمرك. ٥٨٩ قال المسعودي: فتشاغل عنه. قال المؤلّف شغل عنه بحرب الروم وغيرها إلى أن هلك سيف، فأتى معدي كرب بن سيف يستنجز منه عدته لأبيه. هذا قول أبي الحسن المسعودي، والجمهور على خلافه من أنّ سيف بن ذي يزن هو الّذي أباد الحبشة وتملّك اليمن. قال: فوجّه معه كسرى وهرز الديلمي، وكان راميا شجاعا، مع ما كان في بلاده من أهل السجون، وقال: إن هلكوا فلنا وإن فتحوا فلنا. فحملوا في السفن في «٤» دجلة ومعهم خيولهم

стр. 338

وعددهم، حتّى نزلوا أبلّة البصرة- ولا بصرة هناك ولا كوفة إذ ذاك لأنّهما إسلامية- فركبوا من هناك البحر إلى ساحل حضر موت فنزلوا موضعا يقال له مثوب «١» ، فأمر وهرز بتحريق السفن لئلّا يؤمّلوا المفرّ. وفي ذلك يقول رجل من حضر موت [رجز] : أصبح في مثوب ألف في الجنن «٢» ... من رهط ساسان ورهط مهرسن «٣» ليخرجوا «٤» السّودان من أرض اليمن ... دلّهم قصد السّبيل ذو يزن ٥٩٠ قال أبو الفرج: وقال وهرز لسيف: ما عندك فقد جئنا بلادك. فقال: ما شئت من قوس ورجل عربي، ثمّ أجعل رجلي مع رجلك حتّى نظفر جميعا أو نموت جميعا. فقال: أنصفت. ٥٩١ وجعل سيف يستجيش اليمامة ونمى خبرهم إلى مسروق بن أبرهة، فأتاهم بمائة ألف من الحبشة وأوباش اليمن، فتصافّ الناس ومسروق على فيل عظيم، ثمّ نزل عنه إلى فرس استصغارا لهم، ثمّ نزل عنه وركب حمارا، فقال وهرز: ذهب ملكه تنقل من كبير إلى صغير. وكان بين عينيه ياقوتة حمراء معلّقة من تاجه تتّقد كالنار، فرماه وهرز ورمى القوم.

стр. 339

٥٩٢ قال أبو الفرج: وتّر وهرز قوسه، وكان لا يوتّرها أحد غيره، (وأخذ النّشّابة وجعل فوقها في الوتر، ثمّ نزع فيها حتّى ملأها) «١» ، فظلّ السهم يهوي حتّى صكّ الياقوتة الّتي كانت معلّقة بين عيني مسروق فتغلغلت النّشّابة في رأسه حتّى خرجت من قفاه. ٥٩٣ قال أبو الحسن: قال وهرز: قد رميته، فإن كان أصحابه يجتمعون إليه ولا يتفرّقون عنه فهو حيّ، وإن يجتمعون إليه ويتفرّقون عنه فهو ميّت. فقال: احملوا عليهم واصدقوهم القتال. ففعلوا فانكشفت الحبشة فقتل منهم نحو ثلاثين ألفا. ورفع رأس مسروق ورؤوس «٢» خواصّه على أطراف الرماح. وألبس وهرز معدي كرب تاجا بعثه معه أنو شروان، وكان أنو شروان قد شرط على معدي كرب تاجّا فبعثه إليه مع شروط منها أن يتزوّج فيهم الفرس ولا يتزوّج إليهن في الفرس. ٥٩٤ قال أبو الفرج: فلمّا قتل مسروق أقبل وهرز يريد صنعاء، وكان التقاؤهم خارجها. وكان اسم صنعاء قبل الحبشة إيال «٣» ، وكانت الحبشة لمّا بنتها وأحكمتها قالت العرب صنعة «٤» ، فسمّيت صنعاء. فلمّا دنا وهرز من باب المدينة قال: لا تدخل «٥» رايتي منكوسة أبدا، اهدموا الباب، ودخل

стр. 340

برايته قائمة فقال سيف: ذهب ملك حمير إلى آخر الدهر لا يرجع إليهم أبدا. ٥٩٥ فكانت مدّة ملك الأحابيش باليمن اثنتين وسبعين سنة، وكان هذا الفتح لخمس وأربعين عاما من ملك أنو شروان. وفي نصر فارس اليمن على الحبشة يقول (بعض أولاد فارس) «١» [خفيف] : نحن خضنا البحار حتّى فككنا ... حميرا من بليّة السّودان فقتلنا مسروقا إذ تاه لمّا «٢» ... إذ تداعت قبائل الحبشان وفلّقنا ياقوتة بين عينيه ... بنشّابة الفتى السّاساني ٥٩٦ فأقبلت وفود العرب تهنّي معدي كرب فيهم عبد المطّلب بن هاشم وأميّة بن عبد شمس و [خويلد بن] «٣» أسد بن عبد العزّى و [أبو زمعة جدّ أميّة بن] «٤» أبي الصلت الثقفي، فدخلوا عليه وهو في أعلى قصره المعروف بغمدان بمدينة صنعاء، وعن يمينه ويساره الملوك وأبناؤهم. فتكلّمت الخطباء، وكان أوّلهم عبد المطّلب، فأحسن فقال معدي كرب: من المتكلّم؟ فقيل: عبد المطّلب بن هاشم. فقال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فأدناه وقرّبه وقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا ربحلا يعطى عطاء جزلا. ثمّ قال: قد سمعت مقالتكم وعرفت قرابتكم وقبلت وسيلتكم، فلكم الكرامة ما أقمتم والحبا إذا ظعنتم. ثمّ أنشده أبو الصلت،

стр. 341

وقيل أبو زمعة جدّ أميّة [بسيط] : ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن ... يلجّ «١» في البحر أحوالا وأحوالا «٢» أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلّالا فاشرب هنيئا عليك التّاج مرتفعا ... في رأس غمدان دارا منك «٣» محلالا ٥٩٧ قال أبو الفرج: وإنّما قال أبو الصلت «اشرب هنيئا» لأنّه كان الى ألّا يشرب خمرا ولا يمسّ امرأة ولا طيبا حتّى يدرك ثأره من الحبشة. فجعلت له حلّتان واستعان فاتّزر بواحدة وارتدى بالأخرى وتطيّب وجلس على رأس غمدان يشرب وبرّت قسمته. وخرج بعد ذلك يتصيّد (فلقيته وقتلته) «٤» الحبشة. ولمعدي كرب مع عبد المطّلب كلام كثير في أمر النبي ﷺ حين بشّر «٥» به معدي كرب وخبّره عمّا يكون من أمره. ٥٩٨ فكان ملك معدي كرب إلى أن قتلته الحبشة أربع سنين، وهو آخر من ملك اليمن من قحطان، فعدد ملوكهم [سبعة وثلاثون] «٦» ملكا ومدّة ملكهم [ثلاثة آلاف سنة ومائة وتسعون] «٧» سنة، وقيل أقلّ من ذلك. فلمّا قتل معدي كرب بعث أنو شروان وهرز في أربعة آلاف فارس لإصلاح أمر اليمن وأن لا يبقى بها أحد من بقايا الحبشة، فلم يترك بها أحدا من السّودان. وبقي وهرز بصنعاء إلى أن هلك.

стр. 342

٥٩٩ ثمّ تداولت اليمن عمّال الأكاسرة إلى أن أتى الله بالإسلام، فهؤلاء ملوك اليمن من العرب والحبشة والفرس، وكان أكثر نزول ملوك حمير من اليمن ظفار، وعلى باب ظفار مكتوب بالقلم الأوّل على حجر أسود [خفيف] : يوم شيدت ظفار قيل لمن ... أنت قالت لحمير الأخيار ثمّ سيلت من بعد ذلك فقالت ... إنّ ملكي للأحبش الأشرار ثمّ سيلت من بعد ذلك فقالت ... إنّ ملكي لفارس الأحرار ثمّ سيلت من بعد ذلك فقالت ... إنّ ملكي لحمير سحّار وقليلا ما يلبث القوم فيها ... غير تشييدها لجاف البوار من أسود يلقيهم البحر فيها ... تشعل النار في أعالي الجدار ٦٠٠ وعند أهل اليمن أنّ ديارهم تتغلّب عليها الأحابيش آخر الزمان من بعد هنات وإنات وكوائن وأحداث. ٦٠١ وحدّ اليمن في العرض ممّا يلي مكّة بطيحة الملك إلى عدن، وهي آخر عمله، ست عشرة مرحلة، والطول من (وادي وحا) «١» إلى مفاوز حضر موت وعمان عشرون مرحلة، والمرحلة ستّة فراسخ.

стр. 343

ذكر ملوك الحيرة ٦٠٢ أقام جذيمة ملكا أزمان ملوك الطوائف «١» خمسا وتسعين سنة وفي ملك السّاسانيّة ثلاثا وعشرين سنة، وكان سكنه بالمضيق «٢» بين بلاد الخانوقة وقرقسية «٣» وكان يكنّى بأبي مالك، وفيه يقول سويد «٤» بن أبي كاهل [رمل] : إن أذق حتفي فقبلي ذاقه ... طسم عاد وجديس ذو الشّنع «٥» وأبو مالك الكهل «٦» الّذي ... قتلته بنت عمرو بالخدع يعني الزّبّاء ابنة عمرو من بني سميدع بن هوبر، وكان ملكا على مشارق الشام من قبل قيصر. قال: وكان على الحيرة ثمّ ملكته بعد أبيها. ٦٠٣ وأمّا تزويجه لأخته من عدي بن نصر بن ربيعة بن مالك بن خثعم بن نمارة بن لخم، ويقال عمرو بن عدي بن نصر بن السّاطرون بن أسيطرون «٧» ملوك الحضر، ثمّ النصريين «٨» ، صحّ من السّفر الثاني، فإنّ أخته رقاش تعشّقته فقالت له: يا عدي إذا سقيت القوم فامزج لهم وصرّح لأخي «٩» ، فإذا انتشى فاخطبني إليه، ففعل ذلك وزوّجه، فأشهد عليه وانصرف الغلام [إليها فأنبأها] «١٠» فقالت له: عرّس بأهلك، ففعل. فلمّا أصبح غدا جذيمة، وهو مضمّخ بالخلوق، فقال له جذيمة: ما هذه الآثار يا عدي؟

стр. 344

قال: آثار عرس. قال: وأيّ عرس؟ قال: عرس رقاش. فنخر «١» جذيمة وأكبّ على الأرض ورفع عدي «٢» جراميزه وأسرع الفرار، وجدّ جذيمة في طلبه ولم يقع له على خبر. وقيل إنّه ظفر به فقتله وبعث جذيمة إلى رقاش فقال لها [خفيف] : خبريني رقاش لا تكذبيني ... أبحرّ زنيت أم بهجين أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون قال: فكتبت إليه رقاش [خفيف] : أنت زوّجتني وما كنت أدري ... وأتاني النّساء للتّزيين ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصّبى والمجون فنقلها جذيمة إليه وحصنها في قصره، فاشتملت على حمل وأتت بولد سمّي عمرا، فأعجب به جذيمة فألقيت عليه منه محبّة «٣» . وقد خرج مع خاله جذيمة في سنة قد أكمأت [الأرض] وبسط له في روضة وعمرو في غلمة يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة طيّبة أكلوها، وإذا أصابها عمرو أقبل يسعى بها إلى خاله وهو يرتجز ويقول [رجز] : هذا جناي وخياره فيه ... إذ كلّ جان يده إلى فيه ثمّ إنّ الجنّ استطارته، فضرب له جذيمة في الآفاق زمانا فلم يسمع له خبرا إلى أن وجده نديماه مالك وعقيل ابنا فالج. ٦٠٤ ثمّ كان من قتل الزّبّاء لجذيمة ما قد تكرّر نقله وكثر ذكره، وهي الّتي قالت له وقد كشفت عن كعثبها وقد عقدت شعرة بإستها: أشوار عروس ترى يا

стр. 345

جذيمة؟ فقال جذيمة: لا والله بل أرى شوار أمة كعكا «١» غير ذات حفير. قالت: أمّا والله ما ذلك لعدم مواس ولا لقلّة أواس ولكن شيمة ما أناس. ثمّ كان الأمر فيهم (بعده لعمرو) «٢» بن عدي بن نصر لا يعدو ذرّيته، وعمرو هو أوّل من نزل الحيرة واتّخذها دار مملكته. وقال شيبان عن قتادة: ذكر لنا أنّ تبّعا كان رجلا من حمير صار بالجنود حتّى حيّر الحيرة، ثمّ أتى سمرقند فهدمها. ٦٠٥ والحيرة أرض باردة في الشتاء وهي مفرطة الحرّ في الصيف حتّى أنّهم لينتزعون ستور بيوتهم مخافة من إحراق السمائم لها، ولا يشربون الماء إلّا بالسكنجبين والجلاب ممزوج به، لأنّ الماء لا يبلغ أعماق أبدانهم صرفا. ٦٠٦ وبنو عمرو بن عدي بن نصر هم النصرية، ولم يزل الملك في ذرّية ابن عدي إلى النعمان بن المنذر، وهو آخر ملوكهم، وهو الّذي قتله كسرى. وكان النعمان لمّا أراد إتيان كسرى بعد هربه (مرّ ببني) «٣» شيبان أودع سلاحه وعياله عند هانئ بن مسعود، فلمّا أتى كسرى النعمان (بعث إلى هانئ يطالبه بتركته، فأبى أن يخفر الذمّة، فكان ذلك السبب الّذي أهاج حرب ذي قار) «٤» .

стр. 346

٦٠٧ وقد كانت حرقة بنت النعمان إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج. فلمّا هلك النعمان نكبها الزمان، وقدم سعد بن أبي وقّاص رضه القادسية أميرا عليها، وقد هزم الفرس وقتل رستم، فأتته حرقة بنت النعمان في إماء من نسائها وعليهنّ المسوح والمقطّعات السود مترهّبات يطلبن صلته. فلمّا وقفن بين يديه قال: أيّتكنّ حرقة؟ قالت: ها أنا ذه. قال: أنت حرقة؟ قالت: نعم فما تكرارك «١» في استفهامي؟ إنّ الدنيا دار دول وزوال ولا تدوم على حال ولا تبقي على أحد، تنتقل بأهلها انتقالا وتعقبهم بعد حال حالا، كنّا ملوك هذا المصر يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله. فلمّا أدبر الأمر صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا وشتت ملأنا، وكذلك الدهر يا سعد ليس من قوم كانوا في حبرة إلّا والدهر يعقبهم عبرة. ثمّ أنشأت تقول [طويل] : فبينا نسوس النّاس «٢» والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلّب تارات بنا وتصرّف فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلمّا أرادت فراقه قالت: لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلّا جعلك سبب ردّها إليه. ٦٠٨ وروي أنّ إسحاق بن طلحة بن عبيد الله دخل على حرقة بنت النعمان بن المنذر بالحيرة في بيعتها وهي في نسوة راهبات قال: فما رأيت مثل وجوههنّ نسوة، فقال لها: كيف رأيت غمرات الملك يا حرقة؟ قالت: هذا خير ممّا كنّا فيه، إنّا نجد في الكتب أنّه ليس من بيت يمتلأ حبرة إلّا امتلأ عبرة، وأنّ

стр. 347

الدهر لم يأت قطّ على قوم بيوم يحبّونه إلّا أتى عليهم بيوم يكرهونه، وأنّ على أبواب السلطان كأشباه الحذر من الفتن وأنّ أحدا لم يصب منهم شيئا إلّا أصابوا من دينه مثيله. قال: فقلت: فكيف صبرك؟ قال: فأقبلت عليّ بوجهها ثمّ قالت: يا سبحان الله تسألني عن الصبر؟ ما ميّز أحد بين الصبر والجزع إلّا أصاب بينهما التقارب «١» في حالتيهما. أمّا الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة، وأمّا الجزع فغير معوّض عوضا مع مأثمه «٢» ، ولو كان رجلان «٣» في صورتهما لكان الصبر أولاهما بالغلبة في حسن صورته، وكرم طبيعته في عاجلة من الدنيا وآجلة من الثواب، وكفى ما وعدنا الله أن ألهمناه. قال: قلت: إنّا لم نزل نسمع أنّ الجزع للنساء فلا [يجز عن] رجل بعدك في مصيبة، فقد كرم صبرك. فقالت: أما سمعت الشّاعر وهو يقول [كامل] : واصبر على القدر المجلوب وارض به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدر فما صفا لامرئ عيش يسرّ به ... إلّا سيتبع يوما صفوه الكدر ٦٠٩ ولم يزل عمران الحيرة يتناقص مذ بنيت الكوفة إلى أيّام المعتضد بالله، فإنّه استولى الخراب عليها، وكانت فيها ديارات كثيرة ورهبان لحقوا بغيرها من البلاد لاستيلاء الخراب عليها، وأقفرت من الأنيس في هذا الوقت إلّا الصدى والبوم، وأهل الدراية بما يحدث يزعمون (أنّ سعدها سيعود بالعمران) «٤» . وقد كان جماعة من خلفاء بني العبّاس ينزلونها لطيب هوائها وصفاء جوّها وقرب الخورنق والنّجف منها. وكانت مدّة هذه الحيرة من أوّل وقت عمارتها إلى وقت خرابها [عند بناء] «٥» الكوفة خمسمائة سنة وبضعا وثلاثين سنة.

стр. 348

٦١٠ فأمّا ملوك غسّان بالشّام فقد أوتي على ذكرهم. ق: وكانت ديار ممالكهم اليرموك والجولان من غوطة دمشق، ومنهم من نزل الأردنّ. وأمّا ديار ملوك الشّام قبل سيل العرم فإنّها كانت بلاد مأرب من أرض البلقاء، وعدد من ملك الشّام من غسّان أحد عشر ملكا. والله أعلم. ذكر ما خصّت به جزيرة العرب ٦١١ من ذلك اللؤلؤ الجيّد القطري يكون بناحية الشحر لا يوجد مثله، وقد وجد في جزيرة «١» ... لؤلؤة لا يعلم أنّه وجد في مغاصّ اللؤلؤ مثلها في كبرها وصفائها واستواء خلقها وأجزائها، وتسمّى اليوم عند الملوك باليتيمة لانفرادها عن النظائر، والزبرجد وهو يوجد في جزيرة بين العونيد والحورا، وتسمّى تلك الجزيرة زبرجدة. والعتيق يكون ببلاد العرب مدوّمة وأجوده الصيني. والجزع أجوده اليماني، ويؤتى به أيضا من الصين، وليس مثله. واليشب لا يعدل باليماني منه شيء، وهو من عجائب العالم لأنّه ماء يسيل على جبل فيجمد قبل أن يصل إلى سفحه، فيكون منه هذا اليشب اليماني. الكهرباء البحرية من بلاد اليمن. حجارة المسنّ من بلاد الحجاز، أكثر ما يكون بناحية خيبر بقرب من مدينة النّبي ﷺ وفرش حمّامات مكّة منه. ٦١٢ اللوبان لا يكون إلّا باليمن في بلاد الشحر وحضر موت، ومنها يتجهّز به إلى بلاد الهند والصين وإلى خراسان وإلى جميع الأقطار، وأشجارها مثل

стр. 349

أشجار التوت إلّا أنّها لا تورق بل تحمل أغصانها كلّها. الكندر واللّكّ أيضا يكون في الشجر وحمله كذلك كحمل اللّوبان، ولكّ الهند والصّمغ العربي، وهو من شجر الطّلح والمقل لا يكون إلّا باليمن ومن هناك يحمل إلى جميع البلاد. والسنان شجر الحمر، وهو التمر الهندي، وهو في أرض اليمن من حضر موت وغيرها، ومن هناك يتجهّز به في الآفاق. واللّك لا يكون إلّا في بلاد اليمن ويحمل إلى مصر في عيدانه ويحمل منه إلى سائر البلاد. والصّبر يكون في بلاد اليمن وأجوده صبر سقطرى. والقلقلان «١» والقسطل الحلو والورس هذه كلّها من بلاد اليمن ومنها تحمل إلى أقطار البلاد. والخيار شنبر يكون ببلاد اليمن. شجر البان كثير بالحجاز من هناك يجلب إلى الآفاق. سكر العشر باليمامة وهو أجوده يتّخذ من نواره، وهو نبات حسن كأنّما نقش نقشا. والسّنا الحرمي بمكّة ومن هناك يجلب إلى الآفاق. ٦١٣ وممّا خصّت به الحراب الّتي تصنع بصنعاء من القطر لا يقدر في غيرها على اتّخاذ مثلها، ومنها تحمل إلى البلاد. وكذلك الأردية والعمائم العدنية والثياب السحولية والأدم الطائفي لا يصنع في قطر من الأقطار مثله. والبقر المتلمّعة، وهي في مخلاف بني مجيد، يباع النعل من جلودها بدنانير فيها تلميع من بياض وصفرة كأحسن الوشي. ٦١٤ وصنعاء لا تمطر في حزيران وتموز وآب وبعض أيلول، ولا يمطرون إلّا بعد الزّوال، في أغلب الأمر يلقى الرجل الرجل في نصف النهار والسماء مصحيّة ليس فيها طخوية فيقول: اعجل قبل أن تصيبنا السماء، لأنّهم قد علموا أنّه لا بدّ من المطر في ذلك الوقت.

стр. 350

٦١٥ وذكر إسحاق بن العبّاس بن محمّد الهاشمي عن أبيه أنّه تصيّد فأصابه مطر، فمال إلى أحوية أعراب فمكث عندهم يومه وليلته والغيث سحم لا ينجم. فلمّا أصبح قال: لقد أنزل الله البارحة خيرا كثيرا. فقام ربّ المنزل إلى كساء نسج بين أربع خشبات كما يفعل أهل البوادي، فلمسه بيده فقال: ما أنزل الله البارحة خيرا. ثمّ ليلة أخرى كذلك. فلمّا كان في اليوم الثّالث قال: قد أنزل الله اللّيلة خيرا كثيرا. فسأله عن ذلك، فأتاه بكفّ من البذور قد تناولها من فوق ذلك الكساء فقال: إنّ حبّ البقل والعشب إنّما ينزل من السّماء فينبتها الله كيف يشاء. ذكر مدن اليمن المشهورة المشهورة من مدن اليمن والغريب من مساكنه. ٦١٦ الطريق من صنعاء إلى ذمار- وهما مرحلتان- يخرج على طريق فلش- وهو جبل هناك، إلى قرية تدعى «١» جردان» ، وعلى هذه الطريق واد (له ذكر) «٣» في كتاب الله معروف عندهم «٤» ، وأكثر أشجاره الأثل والطّلح. وفي هذه الناحية صنم كان يعبد قبل ظهور الإسلام. ودون ذمار مساجد لأصحاب النّبي ﷺ منها مسجد معاذ بن جبل، وأهل اليمن يعظّمونه ويأتونه.

стр. 351

ولها طريق آخر: من صنعاء على قرى متّصلة وأشجار وبساتين غير منفصلة وهواء معتدل إلى قرية تدعى خولان، وهي منزل سيّدهم، وهي باردة الهواء حسنة البناء فيها حمّامات وحوانيت «١» وفواكه، ثمّ يدخل منها بين جبلين «٢» وأنهار وأرض خصبة وقرى لقيس، فتفضي إلى ذمار. ٦١٧ وذمار مدينة كبيرة إلّا أنّها دون صنعاء، وهي من أعمالها، ولها سور محكم البناء، وهي كلّها قصور مضيئة الأبواب كثيرة البساتين والمزارع والقرار والدّساكر، رخيصة الأسعار كثيرة الخيرات. (دراهمهم يمانيّة) «٣» ودنانيرهم مطرقة ومياههم عيون جارية وآبارهم قريبة الأرشية «٤» . ولمعاذ بن جبل رضه فيها مساجد وآثار كثيرة. (والله أعلم) «٥» . ٦١٨ الطريق من ذمار إلى زبيد. تخرج «٦» في قرى متّصلة حتّى تأتي مدينة بسام، وهي المنزل، مدينة طيّبة بها بيوت منقورة في صخرة صمّاء «٧» ثلاثمائة ذراع في مثلها، ثمّ إلى واد يقال له الربيح أشجاره الدوس، ثمّ تسير في صعود وهبوط حتّى تأتي إلى واد يقال له علّان «٨» تقطعه حتّى تصير إلى مدينة الجند كبيرة خصيبة كثيرة الخيرات بها جامع بناه معاذ بن جبل ﵀، وهو الّذي يذكر أنّ ناقته بركت في موضعه فقال: خلّوا سبيلها فإنّها مأمورة. فأمر ببناء المسجد في ذلك الموضع، ثمّ بركت في صنعاء أيضا فبنى المسجد بها. وأهل الجند شيعة

стр. 352

كلّهم. ومن الجند تجلب إلى مكّة وغيرها ملاحف القطن المنسوبة إلى سحول، وهو واد بقرب الجند. ومن الجند تسير في صحار فيها أشجار الجوز والنّبق حتّى تنتهي إلى معاثر، وهي مدينة صبر، وصبر جبل فيه ألف قبّة «١» ، والمرتقى إليه مسيرة يوم «٢» ، وفي أعلاه الأنهار والطواحين، وعرض هذا الجبل أربعة وعشرون فرسخا. ثمّ تسير في صحاري ورمال حتّى تنتهي إلى زبيد. وليس باليمن بعد صنعاء أكبر من زبيد ولا أغنى أهلا ولا أكثر خيرا، واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره. زنة دينارهم أربعة دراهم ودراهمهم اثنا عشر (ممّا في الدينار) «٣» . ٦١٩ الطريق من زبيد إلى مهرة: من زبيد إلى عدن (عشر مراحل على السّاحل في برّية) «٤» لا عمارة فيها لا يركبها إلّا الصيّادون والسابلة، لها منازل وآبار. ثمّ إلى خولان، ثمّ إلى مهرة. ٦٢٠ الطريق من ذمار إلى منكث: من ذمار إلى والان، مدينة صغيرة بنيانها جيّد «٥» صخر لا سور لها وبها جامع، وبين ذمار وبينها أربعة فراسخ، فمن شاء نزلها ومن شاء طواها.

стр. 353

٦٢١ الطريق من صنعاء إلى حضر موت: من صنعاء في أرض مستوية، وهي الرحبة، وهي الّتي ذكرها الله فقال: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً «١» . تسير في هذه الصحراء إلى قرية يقال لها عقاب كثيرة الأنهار والبساتين منها يحمل العنب إلى صنعاء، ثمّ إلى عقبة تعرف بنقيل في شعاب وأودية إلى واد فيه نخل يعرف بالعراقيد. ثمّ تسير في شعب إلى قرية يقال لها الضياع فيها نخل وهي لمراد، ثمّ تخرج فتمرّ على وسط السدّ (الّذي كان في الجاهلية) «٢» ، وهو بين جبلين وهما يسمّيان الماديين، ثمّ تمرّ بموضع كان يقسم عليه ماء هذا السدّ في الجاهلية، ثمّ في صحراء ورمال، وهي الّتي تسمّى جنة اليسرى، وهي الّتي قال الله : لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ الآية «٣» . ثمّ تمرّ حتّى تنتهي إلى مأرب، وفيه معدن الملح الّذي أقطعه النّبي ﷺ لأبيض بن جمّال المأربي، فجعله أبيض صدقة للمساكين وعوّضه النّبي ﷺ حائطا يعرف بالجدران على باب مأرب، لا يخلو من ثمرة صيفا ولا شتاء وربيعا وخريفا لأنّ النبي ﷺ دعا له بالبركة. ٦٢٢ وهي مدينة لسبأ وبها عرش بلقيس، وكان العرش مبنيّا على أساطين من حجارة وعلاء كلّ أسطوانة منها فوق الأرض عشرين ذراعا، فاحتمل العرش وبقيت الأساطين «٤» على حالها. ويقال إنّ تحت الأرض من تلك الأساطين مثل ما فوقها، وغلظ كلّ أسطوانة منها لا يحضنه أربعة نفر، وفيها سوق ومسجد والمنزل بها. ثمّ يخرج منها ويقطع عرض الوادي فيدخل جنّة اليمنى

стр. 354

الّتي ذكرها الله ليس فيها من الأشجار إلّا الإثل والأراك، وتبذر فيها الدرّة. ثمّ إلى سويقة يقال لها نمرة يباع فيها الملح والدرّة، ثمّ في صحار ورمال إلى ماء يقال له سنجار، وهو وادي النخل. ثمّ تسير في رمال ومواضع مخوّفة يقطع فيها بنو الحارث بن كعب حتّى تنتهي إلى مدينة شنوة، وهي أوّل مدائن حضر موت يباع فيها حمل تمر بدرهم. ثمّ تسير في قرى متّصلة حتّى تأتي الجريمة، وهي (أكثر مدائن حضر موت خيرا و) «١» فيها بساتين ومياههم سبخ، ثمّ تسير ثلاث مراحل في رمال يسكنها قوم من مهرة، وإليهم تنسب الإبل المهرية، حتّى تصل إلى مدينة يقال لها الأشفاء، وهي من مدائن الشحر حدّ عمان، وهي على ساحل البحر. ثمّ إلى موضع يقال له رسوب، وهو جبل الأحقاف، وهو متّصل بأرض الأحقاف، وهو بلد واسع غلبت عليه الرمال بسوافي الرّياح فعفا أثره، وهو الّذي ذكره الله . والبحر يضرب بسفح هذا الجبل ويركب منه في البحر إلى جزيرتين ينزلهما قوم من مهرة بأغنامهم (طولها وعرضها اثنا عشر فرسخا) «٢» ، الواحدة سقطيرة والأخرى المضيرة، فيها مغاصّ اللؤلؤ ومياه عذبة. ثمّ يركب منها البحر إلى سوق على ساحل البحر يقال له طيرى، ثمّ يركب منها البحر إلى مسقط، وهو مجتمع المراكب الّتي تخرج من صحار، وصحار سوق عمان. ذكر مدينة ظفار ٦٢٣ وهي قصبة اليمن وقاعدة ملوك حمير [في الزمن الأقدم، وبها كان نزولهم، وهي الآن خراب قد تهدّم بناؤها وقلّ مساكنها، وإنّما بها الآن بقايا من أهلها. ومن كلام بعض ملوكهم من دخل ظفار حمّر. وسبب ذلك أنّ ذا جدن الحميري خرج يطوف في أحياء العرب، فنزل في بني تميم فضرب

стр. 355

فسطاط، فجاءه زرّارة بن عدس مصعدا إليه وكان على قارة مرتفعة، فقال له الملك: ثب أي أقعد بلغته. فقال زرّارة: ليعلمنّ الملك أنّي سامع مطيع. فوثب إلى الأرض فتقطع أعضاؤه، فقال الملك: ما شأنه؟ فقيل له: أبيت اللعن، إنّ الوثب بلغته القفز. فقال: ليس عربيّتنا كعربيّتكم. من دخل ظفار فليحمرّ أي، فليتكلّم بلغة حمير] «١» . ولم يزل اليمن في الدولتين من أرفع الولايات في جلالتها وسعتها وبعد صيتها، وإنّها منازل العرب العاربة ودار الملوك العظام من التبابعة والأقيال والهياطلة «٢» والعياهلة، وإنّها أشرف البلدان سيوفا وثيابا من القصب والسّعيدي والوشي والمغمر والبرود والحيد «٣» والأردية العدنية والصنعائية والعنبر والجزع والعتيق والرقيق والنجب «٤» والإبل المهرية والخيل العراب والنضار وغير ذلك من أصناف الأمتعة والتجارات. الطريق من عمان إلى ناحية اليمن ٦٢٤ من عمان إلى مسقط على الساحل، ثمّ منه إلى سقطرى، وبه الصبر السقطري الّذي لا يعدل به والحضض «٥» . ثمّ من هذه الجزيرة إلى موضع يقال له معثب به مغاص اللؤلؤ والغوّاصون عليه أجراء لليهود والنصارى، أجرة الغوّاص من قيراط إلى نصف «٦» درهم، يغوصون (من بكرة) «٧» إلى نصف النهار، ثمّ يأخذون في شقّ الصدف إلى آخر ذلك النهار، وعملهم في الأصداف إنّما هو على طعامهم من السّويق والتمر والسّمن وغير ذلك. وإذا أراد الغوّاص أن يغوص عمد إلى آلة ذات شعبتين قد اتّخذت من القرون دقيقة جدّا تعمّ «٨» المنخرين فتمنع الماء منهما ويشدّ في إحدى
следующие страницы →