← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ذكر أرزاق السّدنة والحجبة في المسجد الحرام ٦٧٠ ثمن الزيت لسرجها أربعة آلاف دينار وثلاثمائة دينار كلّ عام، والنفقة لطيب الكعبة ثلاثة آلاف دينار وستّمائة دينار وسبعون دينارا، وما يحمل للمجاورين بها من العين خمسة آلاف وثلاثمائة، ومن الورق أحد وعشرون ألفا. ذكر شعاب مكّة وسائر مناسكها ٦٧١ مقابر أهل مكّة الإسلامية الّتي يتدافنون فيها منذ قام الإسلام خمس عشرة مقبرة. فأوّلها وأفضلها الّتي بأعلى مكّة وهي المقبرة الّتي جاء فيها الخبر عن رسول الله ﷺ قال: نعم المقبرة مقبرة أهل مكّة. وهي الّتي في الشعب الّذي يقال له شعب عمرو. ويقال إنّه ليس بمكّة شعب يستقبل الكعبة بأجمعه وكلّيّته إلّا هذا الشعب، وأهل مكّة يؤثرون التدافن فيه على سائر المقابر. شعب الجودي، سمّي بذلك لأنّ نافع بن الجودي مولى نافع بن عبد الحارث الخزاعي نزله، وكان أوّل من بنى فيه فسمّي به. شعب بني عبد المطّلب، وفيه ولد رسول الله ﷺ وموضع مولده معروف إلى اليوم، قد بني فيه مسجد وحدّ فيه موضع وجعلت عليه مكبّة. شعب أجياد، وهو غربي جبل أبي قبيس. روي عن النّبي ﷺ أنّه قال: بئس الشعب أجياد تخرج منها الدّابة. شعب فاضح، شعب الصفى، وهو الّذي يقال له شعب الشباب سمّي بذلك لأنّ قريشا كانت إذا أرادت أن تشتدّ خرجت إليه،

стр. 387

ولمعاوية فيه حائط يسمّى بحائط الصفى، وذلك الحائط اليوم قد ذهب، كذا وكذا بالفتح والضم وهو الفلق الذي في الجبل على المخصب، وهو الموضع الّذي بركت فيه ناقة رسول الله ﷺ قبل الفتح وهي القصوى، فقالوا: حلّت القصوى. فقال: ما حلّت القصوى وما هو لها بحلول، ولكن حبسها حابس الفيل. وكذلك بالضمّ في طريق التنعيم في عقبة بني شافع. منى ٦٧٢ من المسجد الحرام إلى الجمرة الثانية أربعة أميال، ومن جمرة العقبة- وهي أوّل الجمار ممّا يلي مكّة- إلى الجمرة الوسطى أربعمائة ذراع وسبع وثمانون ذراعا واثنا عشر إصبعا. ومن الجمرة الّتي تلي مسجد منى- وهي آخرها- إلى أوسط «١» أبواب مسجد منى ألف ذراع وثلاثمائة ذراع. فأمّا الجمرة الوسطى فليس بينها وبين الّتي تلي [مسجد] منى إلّا مسافة يسيرة جدّا. وعرض منى من مؤخّر المسجد الّذي يلي الجبل [إلى الجبل الّذي] «٢» بحذائه ألف ذراع [وثلاثمائة ذراع] «٣» ، وطولها من جمرة العقبة «٤» إلى وادي محسّر (سبعة آلاف ومائتا ذراع) «٥» . ووادي محسّر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا. ومن مسجد منى [إلى] قرين الثعالب ألف وخمسمائة وثلاثون ذراعا. (وعرض مأزمي منى من الجبل إلى الجبل خمسون ذراعا) «٦» ، وعرض الطريق الأعظم إلى العقبة المدرّجة [ستّ وثلاثون ذراعا] «٧» ، وعرض [طريق] شعب علي- وهو حيال جمرة العقبة- (ستّ وعشرون ذراعا) «٨» . واسم الجبل الذي مسجد الخيف بأصله- وهو مسجد بني صالح- واسم الجبل الذي يواجهه القابل عليه «٩» .

стр. 388

المزدلفة ٦٧٣ وذرع مسجد المزدلفة تسعة وخمسون ذراعا وشبر في مثله. وذرع ما بين مسجد المزدلفة ومسجد عرفة ثلاثة أميال وثلاثة آلاف وتسع عشرة ذراعا، ومن مسجد عرفة إلى موقف الإمام غشية عرفة ميل. والله أعلم. ذكر جبال مكّة ٦٧٤ جبل أبي قبيس، وهو الجبل الّذي يشرف على الصّفا إلى السّويداء إلى الخندمة، وكان يسمّى في الجاهلية الأمين. قال الزبير بن بكّار: وإنّما سمّي الأمين لأنّ الركن [الأسود] «١» كان مستودعا فيه من الطوفان، فلمّا بنى إبراهيم وإسماعيل عليهما الصّلاة والسّلام البيت ناداهما أنّ الركن في موضع كذا وكذا. وسمّي أبا قبيس لأنّ أوّل من نهض للبناء فيه رجل من مذحج- ويقال من إياد- يقال له أبو قبيس، ويقال لأنّ الركن اقتبس منه. وفي هذا الجبل موضع يقال له الجر والميزاب، وهما موضعان يسكبان الماء إذا كان المطر يصبّ أحدهما على الآخر، لأنّ الأعلى منهما الجر والميزاب هو الأسفل. وعلى رأسه حجارة مشرّفة يقال لها الكبش. ٦٧٥ الجبل الأحمر، كان يسمّى في الجاهلية الأعرف، وهو الجبل المشرف وجهه

стр. 389

على قعيقعان على دور عبد الله بن الزبير. وكان رجلا من قريش يبري نبلا، فقالت له امرأته: لم تبري هذا النبل؟ قال: بلغني أنّ محمّدا يريد أن يغزو مكّة، فلئن جاء لأخدمنّك خادما (من بعض من نستأسر) «١» . وكانت قد أسلمت سرّا، فقالت: والله لكأنّي بك قد جئت تطلب مخبأ تحمي فيه، لو رأيت خيل محمّد. فلمّا دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح أقبل إليها وقال: ويحك هل من مخبأ؟ فقالت له: فأين الخادم؟ فقال: دعيني عنك وجعل يقول [كامل] : إنّك لو أبصرت يوم الخندمة ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة وضربوا بالسيف هام المسلمة ... يقطعن كلّ ساعد وجمجمة طرّا فلا تسمع إلّا غمغمة ... لهم نهيب خلفنا وهمهمة لم تنطقي في اللّوم أدنى كلمة ٦٧٦ الجبل الأبيض هو الجبل المشرف على حقّ أبي لهب، وهو مشرف (على فلق ابن الزبير، وكان يسمّى في الجاهلية المستنذر. جبل الأعرج في حقّ آل عبد الله بن عامر، مشرف) «٢» على شعب أبي زياد وشعب ابن عامر، والأعرج مولى لأبي بكر رضه كان بنى فيه فنسب إليه. وشعب ابن عامر كلّه يقال له المطابخ. الحزورة كانت بفناء دار أمّ هاني بنت أبي طالب الّتي كانت عند الحنّاطين «٣» ، فدخلت في المسجد الحرام وكانت في أصل المنارة الّتي إلى الحثمة «٤» ، والحزورة موضع سوق. مسجد الجنّ: يقال إنّه موضع الخطّ الّذي خطّه رسول الله ﷺ لابن مسعود ليلة استمع إليه الجنّ، وهو يسمّى مسجد البيعة ويقال إنّ الجنّ بايعوا رسول الله ﷺ فيه.

стр. 390

٦٧٧ جبل حراء: وهو الّذي كان يتحنّث فيه رسول الله ﷺ قبل الوحي، وفيه نزل عليه جبريل أوّل ما أوحي إليه وفيه بشّره بالنبوّة. وبينه وبين مكّة ميل ونصف، وهو جبل منفرد على طريق حنين من مكّة، وهو منيف صعب المرتقى لا يصعد إلى أعلاه إلّا من موضع واحد في صفاة ملساء. والموضع الّذي نزل فيه جبريل ﵇ في أعلاه من مؤخّره. جبل ثبير: وهو أعلى جبالها وأعظمها، يكون ارتفاعه علوّا ميل ونصف. قال امرؤ القيس [طويل] : كأنّ ثبيرا في عرانين ودقه ... كبير أناس في بجادّ مزمّل وهو من الناحية المتّصلة بمنى. وهذان الجبلان- ثبير وحراء- ما بين المشرق والشّمال [من مكّة] ، وكذلك حنين من هذين الجبلين ما بين المشرق والشمال. ومن مكّة إلى حنين اثنا عشر ميلا. [أعلام الحرم] ٦٧٨ قال الزبير: أوّل من نصب أعلام الحرم عدنان بن آد لمّا خاف أن يدرس الحرم، وأعلام الحرم محيطة بمكّة قد نصبت في البقاع والتّلال والغيطان والقيعان. فحدّ الحرم من ناحية التنعيم على طريق يثرب إلى مرّ الظهران خمسة [أميال] ، ومن طريق جدّة عشرة [أميال] ، ومن طريق اليمن ستّة [أميال] ، ومن طريق الطائف سبعة [أميال] ، ومن طريق العراق كذلك.

стр. 391

رتبة قيام رمضان بمكّة ٦٧٩ قال سفيان بن عيينة: أوّل من أدار الصّفوف حول الكعبة عند قيام رمضان خالد بن عبد الله القسري، وكان الناس يقومون في أعلى المسجد، فلمّا ولي خالد مكّة لعبد الملك وحضر شهر رمضان أمر خالد الأئمّة أن يتقدّموا ويصلّوا خلف المقام وأدار الصفوف حول الكعبة. وكان عطا بن أبي رباح وعمرو بن دينار وغيرهم من العلماء يحضرون لذلك فلا ينكرونه. ولا تكاد تتقضّى صلاتهم حتّى يطلع الفجر، وعلى جبل أبي قبيس رتبة ترقّب طلوعه للمتسحّرين، فإذا بان لهم نادوا: امسكوا امسكوا رحمكم الله. ذكر دخول القرامطة- لعنهم الله- مكّة بالسيف وقتل الحاجّ منها ٦٨٠ وقال إبراهيم بن فارس وأبو بكر محمّد بن علي بن القاسم في تأريخه وغيرهما إنّ أبا الطّاهر سليمان بن الحسن القرمطي- لعنه الله- صاحب البحرين لمّا دخل مكّة بالسيف، وهو في تسعمائة رجل، وذلك يوم الاثنين لسبع خلون من ذي الحجّة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، قتل في المسجد الحرام نحو ألف وسبعمائة من الرجال والنساء وهم متعلّقون «١» بأستار الكعبة، ورحم «٢» منهم زمزم وفرش المسجد وما يليه، وقلع الحجر الأسود وأخذ أستار الكعبة وهتك حرمتها. قال محمّد بن علي الذهبي: وحضرته يوم قلع يوم الاثنين بعد العصر لأربع عشرة خلت من ذي الحجّة من العام المؤرّخ، قلعه بيده جعفر

стр. 392

بن أبي علاج البنّاء المكّي بأمر القرمطي- لعنه الله- وحمل الحجر إلى بلاده. قال أصحاب التواريخ: فرمى الله القرمطي في جسده وطال عذابه وتقطّعت أوصاله وأراه الله في نفسه عبرة. وأعيد الحجر في مكانه يوم النحر، ردّه بيده حسن بن المزوّق البنّاء، فكانت غيبته «١» من يوم قلع إلى يوم ردّ اثنتين وعشرين سنة إلّا أربعة أيّام. وكان مكانه فارغا يدخل المسلمون أيديهم فيه إلى أن ألقى الله في قلوب الكفرة رهبة. قال: وأخبرني أبو العبّاس قال: لمّا حضرت سنة خمس عشرة وأربعمائة الحفر بين الحجون والأوصام أثيرت «٢» هناك جماجم وعظام كثيرة، فلمّا رأوا ذلك أعادوا ما نبش من التراب منها. ذكر كسر الحجر ٦٨١ قال: وشهدت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة كسر الحجر الأسود، وذلك أنّه لمّا كان ثالث يوم النحر، وهو اليوم الّذي يتعجّل فيه الحجّاج من منى إلى مكّة، والناس في صلاة الظهر، أتى «٣» رجل من غمار الناس كان ممّن ورد في قافلة مصر زعموا أنّه من مدينة بردعة، فانتهز الفرصة باشتغال الناس في صلاتهم فقصد قصد «٤» الحجر بيده دبّوس من حديد، فضربه ضربات أبان بها من وسطه ثلاث شظايا، ثمّ ولّى ذاهبا يريد باب الصّفا، فبادره الناس فقتل مكانه وقتل لأجله من حاج أهل المغرب في شعاب مكّة وأطرافها أزيد من خمسمائة رجل. ثمّ ردّت تلك الفلق إلى موضعها وشدّت باللجين.

стр. 393

٦٨٢ ومن عجائب مكّة أنّ الحمام وجميع الطير يهوي في طيرانه، فإذا قارب أن يحاذي الكعبة أخذ يمينا وشمالا ولا يعلوها البتّة ولا ينزل على جدرها إلّا أن يكون مريضا، والطير تنزل على سائر جدر المسجد وقبّة زمزم وغيرها «١» . ذكر المواضع الّتي اعتمر منها النبي ﷺ - ٦٨٣ الجعرانة وبركة أمّ جعفر، ومنها اعتمر رسول الله ﷺ منصرفه من هوازن، ثمّ قسم غنائم هوازن بعد عمرته بأوطاس، وعمرة أخرى بنجر ممّا يلي طريق مكّة. ذكر ما بين مكّة والمدينة من مساجد رسول الله ﷺ - ٦٨٤ بين مكّة والمدينة مسجدان بذي الحليفة: المسجد الكبير الّذي يحرم الناس منه، والآخر مسجد المعرّس «٢» على ميلين من العليا له في صفح الجبل «٣» . وعلى سبعة أميال من السيالة مسجد يقال له مسجد (غرق الظبية) «٤» ، فيه كانت مشاورة النبي في قتال أهل بدر. وعلى ثلاثة أميال من الروحا مسجد في سند الجبل يقال له مسجد المنصرف، وفي أوّل الرويثة «٥»

стр. 394

مسجد، وقبل أن تأتي العرج مسجد، وفي أوّل القرية مسجد يعرف بمسجد الأثاية «١» ، وعلى أربعة أميال من العرج مسجد، وعلى ميل من طلوب مسجد، وعلى خمسة أميال من الأبواء مسجد، وعلى ثمانية أميال من الأبواء مسجد، وقبل المشلّل «٢» خيمتا أمّ معبد، ومن قدبد إلى عين أبي ربيع، وهو خليص، ثمانية أميال، وهي عين ثرّة عليها نخل كثير وشجر وفيها مسجد، والعقبة قبل خليص بثلاثة أميال، وهي ثنية كعب وعندها مسجد، ومن خليص إلى أمج ثلاثة أميال، وله مساجد غير ما ذكرنا. مساجد النّبي ﷺ بناحية المدينة وما يليها ٦٨٥ مسجد النور ومسجد العدوة ومسجد الفضيح ومسجد عثمان بن عفّان ومسجد رباح ومسجد العسكر ومسجد بلال في سفح الجبل ومسجد رومان ومسجد الفتح ومسجد جبل الخندق (ومسجد الرحمة) «٣» ومسجد الجماعة ومسجد العجوز ومسجد القبلتين ومسجد بني زريق ومسجد بني ساغدة، وهو مسجد السفينة، مسجد بني كعب. ذكر مدينة رسول الله ﷺ - ٦٨٦ أسماء المدينة: طيبة وطابة «٤» والمجبورة والمرحومة والعذراء والمحبّة والمحبوبة

стр. 395

والقاصمة «١» وجابرة، وسمّاها الله المدينة وكذلك كان رسول الله ﷺ كما قال: إنّ الله حبّب إلينا المدينة كحبّ مكّة أو أشدّ. وقال: على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها من الطاعون. وقال: والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون «٢» . وروى زبير بن أسيد الساعدي قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، إنّي قد رأيت موضعا للسوق أفلا تنظر إليه؟ قال: بلى، وقام معه حتّى جاء فنظر إليه وقال: هذا سوقكم، فضرب برجله وقال: لا ينتقض ولا يضرب عليه خراج. جبال المدينة ٦٨٧ جبل أحد وجبل عرايات وجبل حيش وجبل عيد وجبل سلع وجبل يحت وجبل المرعا وجبل القدوم وجبل الأصفر، والحرّة تحيط «٣» بها كلّها. ذكر «٤» مسجد رسول الله ﷺ الّذي قبره- كرّمه الله- فيه ٦٨٨ روى أبو داود عن ابن عمر أنّ المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيّا باللّبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، لكنّه

стр. 396

تخرّب في خلافته فبناه على حاله (بجريد النخل) «١» ، وتخرّب في خلافة عمر فبناه كذلك (وزاد فيه) «٢» ، وتخرّب في خلافة عثمان بن عفّان فزاد فيه زيادة كثيرة وبناه بالحجارة المنقوشة والفضّة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقّفه بالسّاج. ٦٨٩ «٣» وروي أنّه قيل للنّبي ﷺ : سدّه أي أصلحه. فقال عريش كعريش موسى، ولم يكن في عهده على سقفه طين، ولو كان كذلك ما هطل الماء، وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين. ثمّ إنّ الوليد بن عبد الملك هدّمه سنة ثمان وثمانين وزاد فيه فأتقنه. قال الواقدي والطبري: وكان قد بعث إلى صاحب الروم يعلمه أنّه أمر بتجديد مسجد رسول الله ﷺ والتوسعة فيه ويسأله أن يبعث إليه بأهل الحرف والرفق من البناة، فبعث إليه الطاغية بمائة ألف مثقال ومائة بنّاء وبأربعين حملا من فسيفساء، وأمر الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز بهدم المسجد وإدخال حجر أزواج النّبي ﷺ في المسجد، وأمره أن يشتري ما في مؤخّره ونواحيه حتّى يكون مائتي ذراع في مثلها، وكتب إليه أن يقدّم القبلة إن قدر. وعلى ذلك من أبى من بيع داره أمره بتقويمها قيمة عدل، ثمّ دفع الأثمان فيها وهدّمها، وقال: إنّ لك في ذلك صدق عمر وعثمان ﵄. فأقرأ عمر بن عبد العزيز كتاب الوليد على من حضره من قريش وغيرهم، فأجابوه إلى البيع فقبضوا ثمن ما أعطاهم إيّاه. وقد كان عبد الله بن عبد الله بن عمر أبى من بيع بيت حفصة وقال لعمر: لو خرقت سقفه وملأته لي من ذهب ما بعته. فأخبر بذلك الوليد وكتب إليه الوليد: المسجد أحقّ به فخذه. وقال عبد الله عند ذلك: فدع لي طريقي. فترك له الخوخة مكان ما أخذ. ثمّ أخذ عمر في هدم البيت والسوق وقدم عليه

стр. 397

الصّنّاع والفعلة من عند الوليد، فأسّسوا أساس المسجد. واستعمل عمر ﵀ على هدمه وبنائه صالح بن كيسان بداية في صفر سنة ثمان وثمانين حتّى كمل على أفخم هيئة وأحسن بنية وأتمّ إتقان. ٦٩٠ قال عبد الله بن مسلم: ثمّ وسّعه المهدي سنة ستّين ومائة، وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسّعه. قال: وقرأت على موضع زيادة المأمون: أمر عبد الله عبيد الله بعمارة مسجد رسول الله ﷺ سنة اثنتين ومائتين يطلب ثواب الله (وطلب كرامة الله) «١» ، فإنّ الله عنده حسن الثواب «٢» وكان الله سميعا بصيرا. أمر عبد الله عبيد الله بتقوى الله ومراقبته وصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنّة رسوله «٣» وتعظيم ما صغر الجبابرة من حقوق الله وإحياء لما أماتوا من العدل وتصغير ما عظّموا من العدوان والجور، وأن يطاع من أطاع الله ويعصى من عصى الله، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، وأمر بالتسوية بينهم في فيئهم ووضع الأخماس مواضعها. قال غيره: وفي سنة عشرة وثلاثمائة أمر المقتدر فركبت أبواب السّاج على مسجد رسول الله ﷺ . ٦٩١ قال ابن شيبة: قال أبو غسّان: ذرع عرض مسجد رسول الله ﷺ من مقدّمة من المشرق إلى المغرب (مائة وخمس وستّون ذراعا، وذرع عرضه من مؤخّره من المشرق إلى المغرب) «٤» مائة ذراع وثلاثون ذراعا، (وارتفاع سمك المسجد ... ويقصر مؤخّره عن مقدّمه خمسا وثلاثين ذراعا) «٥» . وطول المسجد من ناحية «٦» اليمن (إلى الشام) «٧» مائتان وأربعون ذراعا،

стр. 398

وخالص طول رحبته من اليمن إلى الشّام مائة وخمسون ذراعا (وخالص عرض رحبته من المشرق إلى المغرب ... ) «١» . وفيه من الأساطين مائتان وستّ وتسعون، وفي حظير القبر منها ثلاث «٢» . وعن شرقيّ المنبر منها أربع «٣» وعن غربيّه أربع «٤» . وعدد أبواب المسجد عشرون: في الشرق ثمانية وفي الغرب ثمانية وفي الشرق الشّامي أربعة أبواب، وهذه الأبواب سوى خوخة آل عمر الّتي تحت المقصورة وسوى الخوخة الّتي (إلى دار مروان، يخرج منها الولاة إلى المقصورة، وسوى الخوخة الّتي) «٥» في غربيّ المقصورة. ٦٩٢ (وللمسجد ثلاث صوامع: اثنتان في الشرق وواحدة في الغرب، وطول الغربية ثلاث وخمسون ذراعا «٦» ، وطول إحدى الشرقيتين خمسون ذراعا والأخرى خمس وخمسون ذراعا، وتربيع كلّ واحدة منها ثماني أذرع في مثلها) «٧» . وارتفاع منبر رسول الله ﷺ (دون الزيادة ذراعان وأربعة عشر إصبعا، وهو ثلاث أذرع بالمقعد، والدرجتان شبران في شبر والمقعد ذراعان في مثلها. والمنبر الّذي زاده مروان فيه طوله أربع أذرع وفي عرضه) «٨» ذراعان ونصف، وعرض الرخام الّذي «٩» حول المنبر ثماني عشرة ذراعا (وطوله ... ) «١٠» بين ستّ أساطين، قدام المنبر منها أسطوانتان. ٦٩٣ وذرع ما بين القبر والمنبر (ثلاث وخمسون ذراعا وشبر، وذرع ما بين

стр. 399

المنبر) «١» ومقام النبي ﷺ الّذي كان يصلّي فيه حتّى توفّي رسول الله ﷺ أربع عشرة ذراعا وشبر. وذرع ما بين مصلّاه الأوّل وبين الأسطوانة المعروفة بأسطوانة التوبة تسع عشرة [ذراعا] . وذرع ما بين جدار القبلة اليوم إلى أسطوانة التوبة عشرون [ذراعا] . (وعلى رأس محراب المسجد من خارج في الجدار مرآة مربّعة. وعدد قناديل المسجد مائتا قنديل وتسعون قنديلا) «٢» . وفي صحن المسجد بيت هي خزانة المسجد، وأمام البيت أسطوانة قد رسّمت في أعلاها بلاطة لمعرفة أوقات الظهر والعصر في جميع «٣» أيّام العام. وممّا يلي مؤخّر المسجد حائط فيه نخل كثير، وهو الحائط الّذي كان لأبي طلحة الأنصاري المعروف بيبرحا (؟) . ٦٩٤ فأمّا حدّ المسجد على عهد رسول الله ﷺ فإنّ مالكا قال: كان جدار المسجد الشرقي يمنى القناديل الّتي (تلي خوخة آل عمر، يعني القناديل الّتي) «٤» فوق الخوخة المواجهة للمنبر، ومنتهى ذلك إذا كنت واقفا عند القبر ثلاث أساطين عن يسارك إلى ناحية القبر، وهو آخر المسجد الأوّل (شرقا، وثلاث أساطين عن يمينك أخره غربا، فأمّا آخر المسجد الأوّل) «٥» فهو العضادة السفلى من الباب الّذي يقال له باب عثمان. فأمّا الجدار القبلي فإنّ حدّه معلوم بالمنبر والروضة. وكان عمر بن الخطّاب رضه قد قدّمه إلى موضع المقصورة، ثمّ قدّمه عثمان إلى موضعه الّذي هو فيه الآن، فلم يقدّم «٦» بعد إلّا ما زيد فيه يمينا وشمالا.

стр. 400

٦٩٥ وصلّى الله على أكرم الأنبياء وخيرة الأصفياء وخاتم الأتقياء، الّذي اختاره الله من أهل الأرض والسّماء، محمّد بن عبد الله النبي الأمّي الهاشمي المدني المكّي، وعلى آله وأزواجه وذرّيته إلى يوم الدّين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وسلام الله على سائر الصالحين. ذكر نزول اليهود يثرب وما حولها ومن معهم من العرب قبل الأوس والخزرج ٦٩٦ قد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب أنّ أمّة من العماليق تسمّى داسما نزلوا الحجاز، وكان ملكهم يقيما ويقال له الأرقم ابن أبي الأرقم، كذلك روي عن عروة بن الزّبير وغيره، فسكنوا مكّة والمدينة والحجاز كلّه وعتوا عتوّا كبيرا. فلمّا أظهر الله موسى على فرعون وأهلكه وجنوده وطئ الشّام وأهله وأقام بها، وبعث بعثا من بني اسرائيل إلى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا منهم أحدا. فوجدوا الأرقم بن أبي الأرقم فقتلوه وأصابوا ابنا له شابّا من أحسن الناس صورة، فلم يقتلوه وقالوا: نستحييه حتّى نقدم به على رسول الله ﷺ - يعنون موسى- فيرى فيه رأيه. فأقبلوا، فقبض الله موسى قبل قدوم الجيش. ولمّا سمع بقدومهم بنو إسرائيل خرجوا إليهم وتلقّوهم وسألوهم، فأخبروهم بأمر الصّبي وقالوا لهم: قد خالفتم وعصيتم أمر نبيّكم، ومنعوهم دخول بلدهم وحالوا بينهم وبين الشام. وكان الحجاز إذ ذاك أكثر بلاد الله شجرا وأظهرها ماء. (فكان هذا أوّل سكنى اليهود

стр. 401

الحجاز) «١» ، وكانوا بزمهرة، وهي بين الشام والحرّة، ونزل جمهورهم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السّيول، سيل بطحان والعقيق وسيل قناة ممّا يلي زغابة «٢» . ٦٩٧ قال محمّد بن كعب القرظي: وخرجت قريظة وإخوتهم (بنو هدل) «٣» وبنو عمرو بن الخزرج بن الصريح وبنو النّضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح، وهم «٤» كلّهم من ولد هارون بن عمران، فتبعوا آثار هؤلاء فنزلوا بالعالية على وادين يقال لهما مذينب ومهزور، نزلت بنو النّضير على مذينب واتّخذوا عليها الأموال، (ونزلت قريظة وهدل على مهزور) «٥» واتّخذوا هناك الآطام والمنازل، ونزل بعض قبائل العرب عليهم. فذكر توبة بن الحسن بن السائب بن أبي لبابة عن أبيه عن جدّه قال: كان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها عليهم أحياء «٦» من العرب، فكانوا معهم وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج عليهم. وقال (شاعر بني أنيفة) «٧» [طويل] : ولو نطقت يوما قباء لخبرت ... بأنّا نزلنا قبل عاد وتبّع وآطامنا عادية مشمخرة ... تلوح فتبقى من تعادي وتبع «٨» وإنّما سمّيت قباء بالبئر الّذي في دار توبة بن الحسن بن السائب بن أبي لبابة يقال لها قباء. (ومن آطامهم بلحان. قال الشّاعر [رجز] : من سرّه رطب وماء بارد ... فليأت أهل المجد من بلحان) «٩»

стр. 402

٦٩٨ ومن آطامهم أطم في المال الّذي يقال له خنافة، وكان رجل منهم عدا على رجل فقطع يده فقال لهم المقطوع: أعطوني خنافة عقلا بيدي. فأبوا وحفر الّذي قطعه «١» كوة في جدار من جدر خنافة، وأخرج يده من وراء الجدار وقال: أقطعوا. (فقال حين قطعت يده) «٢» [رجز] : الآن قد طابت لنا خنافة ... طابت فلا جوع ولا مخافة ولهم (الأطم المرّ الّذي) «٣» عند مشربة ماريا «٤» أمّ إبراهيم بن النبي ﷺ . ذكر نزول الأوس والخزرج المدينة «٥» ٦٩٩ فأمّا نزول الأوس والخزرج المدينة فكان على ما تقدّم ذكره عند ذكر «٦» سيل العرم. فلمّا نزلوا يثرب ورأوا الآطام والأموال والعدد والقوّة لليهود (سألوهم حلفا وجوارا، يأمن به بعضهم من بعض ويمتنعون عمّن سواهم) «٧» ، فتعاهدوا «٨» وتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا «٩» ، فلم يزالوا على ذلك زمانا «١٠» طويلا. ثمّ إنّ الأوس والخزرج صارت لهم ثروة من المال والعدد وامتنع «١١» جانبهم وعلا أمرهم، فخافتهم يهود على ديارهم وأموالهم فقطعوا الحلف بينهم. وكانت اليهود أعدّ وأكثر وكانت العدد والشدّة منهم في الكاهنين، وهما قريظة والنضير، وإيّاهما عنى قيس بن الحطيم (بشعره حيث قال) «١٢» [بسيط] :

стр. 403

كنّا إذا رامنا قوم بمظلمة ... شدّت لنا الكاهنان الخيل واعتزموا نسوا الرّهون وأنسونا بأنفسهم ... بنو الصّريخ فقد عفوا وقد كرموا ٧٠٠ فلمّا قطعت اليهود حلف الأوس والخزرج بقوا معهم «١» حتّى لجم فيهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج وسوّده الحيّان، فبعث إلى من بالشّام من قومه يخبرهم باستذلال اليهود لهم وغلبتهم عليهم، وكان رسوله «٢» إليهم الرفق بن زيد بن إمرئ القيس أحد بني سالم بن عوف، وكان قبيحا ذميما شاعرا بليغا، فقال في خروجه إلى الشام [بسيط] : أقسمت أطعم للمروق قطرة ... حتّى يكثر للنجاء رحيل حتّى ألاقي معشرا مالي لهم ... حلّ ومالهم لنا مبذول أرض (بها تدعى) «٣» قبائل سالم ... ويجيب فيها ملك وبسلول قوم أولو عزّ وعزّي «٤» عزّهم ... إنّ الغريب وإن أجير ذلول ومضى الرفق حتّى قدم الشام على ملك من ملوك غسّان يقال له أبو جبيلة أحد بني جشم بن الخزرج الّذين ساروا من يثرب إلى الشام، (وقيل إنّه من ولد جفنة بن عمرو بن عامر، وكان قد أصاب ملكا بالشام وشرفا، فشكا إليه الرفق حالهم وغلبة اليهود لهم) «٥» . فعجب من شعره وبلاغته مع قبحه وذمامته فقال: عسل طيّب في وعاء خبيث. فقال الرفق: أيّها الملك إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. (قال: صدقت) «٦» . فلم يرج أبو جبيلة نصرهم وخرج في جمع كثير لا يعرج على شيء وأظهر أنّه يريد اليمن، وعاهد الله «٧» لا يرجع إلى دياره أو يخرج من يثرب يهود ويذلّلهم للأوس والخزرج.

стр. 404

٧٠١ قال علماء السّير: فلمّا قدم يثرب لقيه الأوس والخزرج، فأعلموه أنّ القوم إن عرفوا ما يريد تحصّنوا في آطامهم فلم يقدر عليهم، ولكن تدعوهم للقائك وتلطّف بهم حتّى يأمنوا ويطمئنّوا إليك فتستمكن منهم. فتصنّع «١» لهم طعاما وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم فلم يبق منهم أحد إلّا أتى إليه «٢» ، وجعل الرجل منهم يأتي بخاصّته وحشمه رجاء أن يحييهم الملك. وقد كان بنى لهم بناء وجعل فيه قوما وأمرهم أن يقتلوا من دخل عليهم. فلمّا فعل ذلك عزّت الأوس والخزرج وغلبت على ديارهم. وتفرّقت الأوس والخزرج في عالية المدينة، فلم يبق من اليهود إلّا أقلّهم ممّن أقام على الهون ورضي بالصغار. ٧٠٢ قال داود بن سمكين الأنصاري (من ولد الحارث بن الصمد عن أشياخه) «٣» كانت يثرب في الجاهلية تدعى غلبة. غلبت اليهود عليها العمالقة، وغلبت الأوس والخزرج عليها اليهود، وغلب المهاجرون عليها الأوس والخزرج، وغلبت الأعاجم عليها المهاجرين. وكانت الآطام حصون المدينة وزينتها، روي أنّ النبي ﷺ نهى الأنصار أن يهدموها. ٧٠٣ وذكر أنّه وجد في المدينة في حماء أمّ خالد قبر عليه مكتوب: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية. وذكر عثمان بن

стр. 405

عبد الرحمن «١» أنّه وجد قبرا في الحماء عليه مكتوب، فقرأه رجل من أهل اليمن فإذا فيه: أنا عبد الله رسول رسول الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب. ذكر العقيق ٧٠٤ قال هشام بن عروة: العقيق من قصر المراجل صاعدا إلى البقيع، وما سفل عن ذلك فهو زغابة «٢» . وقال غيره: العقيق من العرضة إلى البقيع، والعرضة ما بين محجّة بين «٣» إلى محجّة الشّام. وذكر أنّ تبّعا مرّ بهذا الموضع لمّا قدم المدينة فقال: هذا عقيق الأرض، فسمّي العقيق. وروي عن عامر «٤» بن سعد بن أبي وقاص قال: ركب رسول الله ﷺ يوما إلى العقيق ثمّ رجع فقال: يا عائشة جئنا من هذا العقيق، فما ألين موطئه وأعذب ماءه! قالت: يا رسول الله أفلا ننتقل إليه «٥» ؟ قال: وكيف ذلك وقد أتانا الناس؟ وقال عمر ابن الخطاب رضه: حصّنوا هذا المسجد- يعني مسجد رسول الله ﷺ - من هذا الواد المبارك- يعني العقيق «٦» . ٧٠٥ وفي الطريق من المدينة إلى بيت المقدس قصر معاد، وهو خال وفيه حمام وعين عذبة يذكر أنّ سليمان بن عبد الملك بناه. ومنه إلى (برج يقال له رأس، ومنه إلى) «٧» مؤتة الّتي (قتل فيها جعفر بن أبي طالب وأصحابه

стр. 406

رضي الله عنهم، وهناك قرية يقال لها جيرا وفيها) «١» قبر جعفر بن أبي طالب، وعليه مسجد كبير، وبقربه قبر عبد الله «٢» بن رواحة وعليه محاريب مبنية للصلاة، وبقربه قبر زيد بن حارثة. وهذه القرية قريبة من جبل الشورى، وبين جبل الشورى وأيلة مرحلة. وهذه الجبال فصل ما بين أرض الحجاز وأرض الشّام، وهي جبال منيفة وفيها قرى عامرة كثيرة «٣» ووعار «٤» غزيرة. الطريق من مدينة النبي ﵇ إلى مصر على الجادّة ٧٠٦ من المدينة إلى نقى ذي خشب، إلى السّويداء، إلى المروة، إلى سيقي يزيد، إلى بدا يعقوب، إلى ضبا، إلى الثبك والصّلا، إلى عينونة، إلى مدين، إلى أشراف البعل، إلى وادي الغراب، إلى حقل، إلى مدينة أيلة «٥» ، إلى بطن نجد، إلى قبر أبي حميد- وهي القباب، إلى القلزم، إلى جبّ عميرة، إلى مصر. ٧٠٧ وضبا مرسى للسفن مأمونة «٦» وفيه آبار عذبة وشجر المقل فيه كثير، وبين ضبا ومدين جبال شامخة متكابرة «٧» . وبقرب مدين البئر الّتي استسقى منها موسى ﵇ قد بني عليها بيت من صخر فيه قناديل معلّقة، وبها كهف

стр. 407

يسمّى كهف شعيب، وهو الّذي كان يؤوي إليه غنمه فيما ذكروا. وفي الجبل الّذي بين ضبا ومدين «١» بيوت منقورة في صخر قد حفر في البيوت قبور، وفي تلك القبور عظام نخرة كأمثال عظام الإبل كبرا، مقدار كلّ بيت عشرون ذراعا أو نحوها، ولتلك البيوت روائح خبيثة لا يدخل الداخل فيها أو يمسك بأنفه من شدّة النتن، يقال إنّه لمّا أخذهم العذاب يوم الظلّة دخلوا فيها فهلكوا. وبقرب هذه البيوت وما يليها تلال تراب عظيمة قيل إنّها كانت مواضع عامرة فخسف بها. ٧٠٨ ومع يهود مدين كتاب يزعمون أنّ النبي ﷺ كتبه لهم وهم يظهرونه للناس حتّى الآن، وهو في قطعة من أدم قد اسودّت لطول الزمان إلّا أنّ خطّها بيّن وفي آخرها: وكتب علي بن أبي طالب غيره «٢» . وقيل إنّه بخطّ معاوية بن أبي سفيان. ٧٠٩ وتستمرّ من مدين في جبال شاهقة «٣» حتّى تفضي إلى جبل شامخ عن يمين الطريق فيه كوة منقورة «٤» في الصخر «٥» حيث لا يصل واصل ولا يرقى راق، وتزعم أعراب تلك الناحية أنّه كان بيتا لساحرة كانت تأوي إليه. فلا تزال تسير والجبال عن يمينك والبحر عن يسارك حتّى تفضي إلى فرجة كالباب تسير إلى أيلة، وهي قرية كبيرة فيها أسواق ومساجد وفيها كثير من يهود. (ويزعمون أنّ عندهم برد النبي ﷺ وأنّه وجّه به إليهم أمانا لهم، وهم

стр. 408

يظهرونه بردا عدنيا ملفوفا بالثياب قد أبرز منه قدر «١» شبر لئلّا تدنّسه الأيدي) «٢» . وروى أبو حميد الساعدي في خبر غزوة تبوك أنّ صاحب أيلة أهدى للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساء وبردا وكتب لهم يخبرهم «٣» بأمانهم. ٧١٠ ثمّ تسير من أيلة فتلقى العقبة التي لا يصعد فيها راكب لصعوبتها ولا تقطع إلّا في طول اليوم لطولها «٤» . ثمّ تسير مرحلتين في فحص التيه الّذي تاه فيه بنو إسرائيل حتّى ترى في ساحل البحر موضعا يقال له بحر فاران، وهو الّذي غرق فيه فرعون. ومن هنا إلى القلزم مرحلة، وإنّما نسب هذا البحر إلى فاران، وهي مدينة من مدائن العماليق على تلّ بين جبلين، وفيه ثقوب «٥» كثيرة لا تحصى مملوءة أمواتا. ٧١١ وفي صفح أحدهما بيعة للنصارى وحصن عليه سور من حجارة وشرّافات وأبواب حديد، داخلة عين ماء عذب، وعلى العين درابزين «٦» من نحاس لئلّا يسقط فيه أحد، وقد أجري ماؤها في قنى رصاص إلى ما حوالي الدير من الكروم والأشجار. ويقال إنّ على هذه العين شجر العلّيق الّذي أنس موسى ﵇ عنده النار. وعلى خطوات من هذا الدير أوّل العقبة الّتي يصعد منها إلى رأس طور سينا، وهي ستّة آلاف وستّمائة وستّون مرقاة قد نحتت درجات في الصخر، فإذا قطعت تلك المراقي صرت إلى مستو من الأرض فيه أشجار وماء عذب. وهناك كنيسة على اسم إيليا النبي

стр. 409

- ﷺ ، وهناك مغارة يزعمون أنّ إيليا استخفى فيها من أزقيل الملك. ثمّ تستمرّ «١» في الارتقاء حتّى تنتهي إلى قنّة «٢» الجبل وهناك كنيسة متقنة البناء تنسب إلى موسى ﵇ بأساطين رخام، وحيطانها «٣» مزخرفة بالفسيفساء وأبوابها ملبّسة بالصفر وسقفها من خشب الصنوبر، وأعلاها أطباق رصاص قد أحكمت غاية الإحكام، وليس فيها إلّا سادن واحد يقيمها (ويقوم عليها) «٤» ويخدمها «٥» ويسرج قناديلها، وقد اتّخذ هذا الراهب لنفسه بيتا صغيرا خارجا عن الكنيسة يأوي إليه وينام فيه، ولا يمكن أحد أن ينام في الكنيسة، (ولا يدخل عينيه فيها غمض. وهذه الكنيسة) «٦» بنيت بالمكان الّذي كلّم الله فيه موسى تكليما. ويزعمون أنّه كان في السالف حول دير الغور «٧» هذا وحول (دير رأسه) «٨» ستّة عشر ألف قلايا للرهبان والمتعبّدين، وليس اليوم بهذه القلايات أحد إلّا نحو «٩» سبعين راهبا. ٧١٢ وعلى مقربة من القلزم جزيرة في البحر المالح يقال لها البعوق فيها قبر مالك بن الحارث النخعي الأشتر. وللقلزم جسر على البحر المالح مقدار علوّه ... يسلك عليه الحاج في البرّ «١٠» إلى مكّة. وذكر سيف بن عمر قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى أمراء الأمصار يستمدّهم ويستغيثهم لأهل المدينة ومن حولها، فكان أوّل من قدم عليه أبو عبيدة بن الجرّاح بأربعة آلاف راجلة من طعام فولّاه قسمتها، وجاءه كتاب عمرو بن العاص من مصر جواب كتابه: إنّ البحر الشامي حفر لمبعث رسول الله ﷺ حفرا يصبّ في بحر الغرب فسدّه «١١» الروم والقبط، فإن أحببت أن يكون سعر الطعام بالمدينة كسعره

стр. 410

بمصر حفرت لهم نهرا أو بنيت لهم قناطر. فكتب إليه عمر أن افعل ذلك وعجّل ذلك. فقال له أهل مصر: خراجك راخ «١» وأميرك راض، وإن تمّ هذا انكسر الخراج. فكتب بذلك عمرو إلى عمر فجاوبه عمر: (اعجل فيه وعجّل إليه) «٢» لخراب خراج مصر في عمران المدينة وصلاحها. فعاجله «٣» عمرو وهو القلزم، فكان سعر المدينة كسعر مصر ولم يزد بذلك مصر إلّا صلاحا. ٧١٣ والتيه مقدار أربعين فرسخا (في مثلها) «٤» وقيل إنّه تسعة فراسخ في مثلها. وأوّل حدّه ما بين قبر أبي حميد وبطن نجد، وفيه مات موسى وهارون ﵉. وبطن نجد قرية ليس فيها نخل ولا شجر يسكنها نفر من الناس، ويقال له أيضا بطن نخل لسوافي تسفي على الناس فيه ترابا رقيقا كأنما نخل بمنخل «٥» . ذكر بلاد العراق والمشهور من مدنها «٦» ٧١٤ حدّه «٧» ما بين الحرن «٨» إلى السواد. فسواد «٩» الكوفة: كسكر إلى «١٠» الزاب إلى عمل حلوان إلى القادسية، وسواد البصرة: الأهواز وفارس ودهشنان، وهذه كلّها من العراق. وإنّما سمّي العراق مأخوذ من عراقي الدلو وعراق «١١» القربة، والكوفة والبصرة تسمّى العراقين.

стр. 411

٧١٥ فطول أرض السّواد من حدّ أرض أثور «١» - وهي الموصل- من قرية تسمّى العلث «٢» من طسّوج بزرجسابور وقرية تعرف بحربا «٣» من طسّوج مسكن بينهما عرض دجلة إلى آخر الكورة «٤» ، وهو الموضع المعروف ببهمن أردشير، وهي من فرات «٥» البصرة حتّى تبلغ جزيرة منها متّصلة بالبحر «٦» تعرف بميان روذان «٧» ، يكون ذلك بالفراسخ مائة وخمسة وعشرين [فرسخا] «٨» . وعرضه من عقبة «٩» حلوان إلى العذيب ممّا يلي البادية، وذلك بالفراسخ ثمانون فرسخا. وقال أبو عبيدة إنّ حدّ السواد الّذي مسح «١٠» عثمان بن جنيف هو من لدن تخوم الموصل مادّا إلى ساحل البحر من بلاد عبادان من شرقي دجلة طولا «١١» ، وعرضه من منقطع الجبل من أرض حلوان إلى منتهى طرف «١٢» القادسية ممّا يلي العذيب من أرض العرب. وعن الشعبي: أنّ عمر بن الخطّاب بعث عثمان بن حنيف، فمسح السّواد فوجده ستّة وثلاثين «١٣» ألف ألف جريب، يعني موضع الغلّة منه. ٧١٦ وأمّا على تكسير الذرع الّذي ذكرناه من الطول والعرض فإنّه مائتا ألف ألف وخمسة وعشرون ألف ألف جريب يوضع منها بالتخمين آكاما وآجاما وسباخا وطرقا وصحاري وأنهارا، ومواضع المدن والقرى الثّلث، ويبقى بعد ذلك

стр. 412

مائة ألف ألف «١» وخمسة وسبعون ألف ألف جريب، يزاح منها النصف لما فيها من النخيل والكرم والشجر، ويعمّر النصف وذلك خمسة وسبعون ألف ألف جريب، فيكون قيمة ما يلزم كلّ جريب من الخراج على التخمين درهمين، وذلك أقلّ من العشر على أن يضرب ما يوجد فيها من الخراج بعضه ببعض مع خراج أهل الذمّة، ويبلغ ذلك ورقا مائتي «٢» ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم. ٧١٧ واختلف فيما وضع عمر بن الخطّاب رضه على كلّ جريب فقيل: وضع عليه درهما واحدا وقفيزا، وقيل إنّه وضع على جريب الحنطة نصف قفيز وعلى جريب الشعير أربعة أقفزة وعلى جريب الكرم والتمر أربعة. وختم على خمسمائة ألف إنسان للجزية على الطبقات، فجبى عمر السواد من الورق مائة ألف ألف درهم وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. وجباه عمر بن عبد العزيز مائة ألف ألف (وأربعة وعشرين ألف درهم) «٣» ، وجباه الحجّاج لظلمه وعسفه ثمانية عشر ألف ألف «٤» ليس فيها مائة ألف ألف، (وأسفلهم ألفي) «٥» ألف، فحصل له ستّة عشر ألف ألف. ومنع أهل السواد من ذبح البقر ليكثر الحرث والزرع. فقال الشاعر في ذلك [متقارب] : شكونا إليه خراج السّواد ... فحرّم فينا لحوم البقر وكان كما قال من قبلنا ... أريها الشمس وتريني «٦» القمر

стр. 413

٧١٨ قال عمرو بن بحر: قال أبو الحسن وأبو عبيدة: بصّرت البصرة سنة أربع عشرة، وكذلك قال غيره، وكوّفت الكوفة سنة سبع عشرة. والطّسوج ترجمته الأقاليم، والأستاق ترجمته الأحواز، والسّواد الاثنتا عشرة كورة. ٧١٩ قالوا: وارتحل سعد من المدائن بالناس حتّى عسكر بالكوفة في المحرّم سنة سبع عشرة، وكان بين وقعة المدائن ونزول الكوفة سنة وشهران. وقيل إنّ عمر كتب إلى سعد: نبّئني ما الذي غيّر ألوان العرب ولحومهم «١» . فكتب إليه: إنّ العرب غيّر ألوانها وخومة «٢» المدائن ودجلة. فكتب إليه أنّ العرب لا يوافقها إلّا ما يوافق إبلها من البلاد، فابعث سلمان وحذيفة- وكانا رائدي الجيش- فليرتادا منزلا برّيا بحريّا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر. فبعث سعد حذيفة وسلمان حتّى أتيا الأنبار، فسار سلمان في غربيّ الفرات لا يرضى شيئا حتّى أتى الكوفة، وسار حذيفة في شرقيّه حتّى أتى الكوفة. فأتيا عليها وفيها ديارات ثلاثة: دير حرقة ودير أمّ عمرو ودير سلسلة وقصاص خلال «٣» ذلك. فأعجبتهما البقعة «٤» فنزلا وصلّيا وقال كلّ واحد منهما: اللهمّ ربّ السماوات وما أظلّت وربّ الأرضين وما أقلّت وربّ الرياح وما أذرّت وربّ النجوم وما هوّت والبحار وما جرّت، بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات. ثمّ رجعا إلى سعد رضه بالخبر. واستقرّ أيضا بأهل البصرة منزلهم اليوم بعد ثلاث ترحيلات في المحرّم سنة سبع عشرة.

стр. 414

استئذان عمر رضه في البنيان ٧٢٠ ثمّ إنّ القوم استأذنوا عمر رضه في بنيان القصب فقال: العسكر أجدّ لحربكم وأذكى لكم، وما أحبّ أن أخالفكم وما القصب؟ قالوا: العنقر إذا روى أخصب فصار قصبا. قال: فشأنكم. فابتنى أهل المصرين بالقصب، ثمّ إنّ الحريق وقع بالكوفة والبصرة وكان أشدّهما حريقا الكوفة، احترق فيها ثمانون عريشا «١» ولم يبق فيها قصبة. فبعث سعد إلى عمر منهم نفرا يستأذنونه في البناء باللبن ويخبرونه عن الحريق، فأذن لهم وقال: ولا يزيدنّ أحدكم على ثلاثة أبيات ولا تطاولوا في البنيان وألزموا السنّة تلزمكم الدولة. وعهد عمر إلى الناس وتقدّم إلى الوفد أن لا يرفعوا بنيانا فوق القدر. قالوا: وما القدر؟ قال: ما لا يقربكم من السرف ولا يخرجكم عن القصد. فكان على تنزّل الكوفة أبو الهياج بن مالك «٢» وعلى تنزّل البصرة أبو الجرباء عاصم بن الدّلف. ٧٢١ وكتب عمر أن يكون الطريق أربعين ذراعا وما بين ذلك عشرين، والأزقّة سبع أذرع وليس دون ذلك شيء، والقطائع ستّين ذراعا. فاجتمع أهل الرأي في التقدير «٣» حتّى إذا أجمعوا على شيء قسم أبو الهياج عليه. فأوّل شيء خطّ بالكوفة المسجد، فوضع في موضع التّمارين من السّوق. ثمّ قام رجل في وسطه رام شديد النزع، فرمى عن يمينه وعن يساره وبين يديه ومن خلفه، وأمر من شاء أن يبني وراء «٤» موقع السهام وترك المسجد في مربّعة غلوتين في غلوتين وبنى في مقدّمته (ظلّة من) «٥» مائتي «٦» ذراع على

стр. 415

أساطين من رخام، وكانت للأكاسرة سماؤها كأسمية الكنائس الرومية. قال أبو عبيدة: لمّا بلغ عمر بن الخطّاب رضه أنّ سعدا وأصحابه قد بنوا بالمدر قال: قد كنت أكره لكم ذلك فأمّا إذ فعلتم فعرّضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا الخشب. وقصر سندار بظهر الكوفة، وهو الّذي ذكره الأسود بن يعفر. ٧٢٢ قال اليعقوبي: أهل الكوفة على قلّة أموالهم أهل تحمّل وتستّر وكفاف وعفاف، ليس في أهل البلدان أشدّ عفافا منهم ولا أشدّ تحمّلا. وهي طيّبة الهواء عذبة المياه، وهي دار العرب ومادّة الإسلام وهي معدن العلم وفقهاؤها الفقهاء الّذين عليهم المعتمد، وهم أهل العلم بالعربية وفصيح اللغة، لأنّ أهلها عرب كلّهم لم يخالطهم الأنباط ولا الفرس ولا الخزر ولا السند ولا الهند ولا تناكحوا فيهم. ومن رواتهم ساروا إلى أهل البصرة وغيرها لأنّ أهل الحيرة كانوا أوّل من دوّن الشّعر وكتبه في أيّام آل المنذر اللّخميّين ملوكها، وكانت شعراء الجاهلية تفد عليهم مثل الأعشى والنّابغة وعبيد بن الأبرص وبشر بن أبي حازم وعمرو بن كلثوم (والحارث بن حلّزة والمتلمّس) «١» وطرفة وغيرهم. وكان آل المنذر يأمرون كتّابهم من أهل الحيرة أن يكتبوا أشعارهم، فأخذها النّاس عنهم. ٧٢٣ وخصّت الكوفة بصنعة الوشي الرفيع الّذي يبلغ ثمنه ما لا يبلغه ثوب من ثياب الدّنيا لجودة صنعته والدقّة والإتقان وصحّة تأليف عيونه. وربّما بلغ الثوب منه عشرة آلاف دينار، ولا يكون فيه ذهب ولا حجارة، فأمّا ما يباع بألف

стр. 416

دينار فمن لبس العوامّ. وخصّت بالأدهان الجيّدة ما لم يخصّ به بلد لا سيّما دهن البنفسج (ودهن الخيري) «١» ودهن البان الخالص الّذي يقال له دهن الغالية، وهو الدهن الّذي لا أفاويه فيه. الأنبار ٧٢٤ بينها وبين مدينة السّلام اثنا عشر فرسخا، وسمّيت [بهذا الاسم تشبيها لها ببيت التاجر الّذي ينضد فيه متاعه وهي الأنبار. وقيل الأنبار بالفارسية الأهراء لأنّ أهراء الملك كانت فيها ومنها كان يرزق رجاله، وفيها بويع بالخلافة لأبي جعفر المنصور يوم مات السفّاح أخوه، وهي] ذات العيون «٢» . واسط ٧٢٥ سمّيت واسط بموضع بقرب منها كان يقال له واسط القصب، فلمّا بنيت سمّيت به. وقيل لتوسّطها بين المصرين البصرة والكوفة، لأنّ منها إلى الكوفة [والبصرة] » خمسين فرسخا.

стр. 417

٧٢٦ وقيل إنّ الحجّاج رأى راهبا قد أقبل على آتان له وعبر دجلة، فلمّا كان بموضع واسط تفاجّت الأتان وبالت، فنزل الراهب فاحتفر (موضع ذلك البول) «١» وحمله حتّى رماه في دجلة، وذلك بعين الحجّاج. فقال: عليّ بالراهب. فلمّا أتاه قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنّا نجد في كتبنا أنّه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد «٢» . فاختطّ الحجّاج مدينة واسط وبنى المسجد في ذلك الموضع، فهي على حافتي الدجلة. ٧٢٧ وخراج واسط ثلاثة وثلاثون ألف درهم. ومن الكوفة الى بغداد ثلاثون فرسخا، ومن الأنبار الى بغداد ثلاثون فرسخا، ومن المدائن الى بغداد ثمانية عشر فرسخا. المدائن ٧٢٨ والمدائن مدينة عظيمة على حافتي دجلة: بهرسير «٣» ، وهي المدينة الدنيا «٤» [وهي على أحد جانبيها ممّا يلي الشرق] ، وقصر كسرى وهو «٥» الإيوان، وهي المدينة القصوى، وهو القصر الأبيض الّذي أخبر به النبي ﷺ ، وبه كان مقام الأكاسرة. وتلقاء مقعد الملك من سقف الإيوان حلقة من ذهب

стр. 418

كان يعلّق التاج فيها بسلسلة من ذهب، وحذاء الإيوان شجر السدر ومن الجانب الآخر بيت النّار «١» . [الأهواز] [مدينة متّصلة بالجبل فتحها حرقوص بن زهير السعدي في خلافة عمر بن الخطّاب رضه، والأهواز هي خوزستان وهي رامهرمز، وبين الأهواز وإصبهان خمسة وأربعون فرسخا] «٢» . ٧٢٩ فأمّا الأهواز فإنّ من أقام بها حولا ثمّ تفقّد عقله فإنّه يجد فيه نقصانا بيّنا. والأهواز «٣» تقلّب كلّ من ينزلها من الأشراف إلى طبائع أهلها، ولا يوجد بها أحد له وجنة حمراء والحمّى بها دائمة. [وزعم الجاحظ أنّ عدّة من قوابل الأهواز أخبرنه أنّه ربّما قبلن المولود فوجدنه محموما، وجمعت مع ذلك كثرة الأفاعي في جبلها المطلّ عليها وكثرة العقارب] «٤» . وكان صاحب الأهواز الهرمزان، وفتحها وما يليها حرقوص بن زهير السعدي، وكانت له صحبة بعث به عتبة بن غزوان من البصرة بأمر عمر بن الخطّاب رضه. ذكر البصرة ٧٣٠ واختطّت البصرة في موضعها اليوم على اختلاف الناس في وقت ذلك كما

стр. 419

تقدّم في ذكر الكوفة، فبنوا بالقصب ومكثوا كذلك يسيرا «١» حتّى أذن لهم عمر في البناء باللبن. [وكان عمر رضه كتب إلى سعد رضه أن: ابعث عتبة بن غزوان إلى فرج الهند يرتاد موضعا يمصّره وابعث معه ثمانين من أصحاب رسول الله ﷺ . فخرج عتبة من المدائن في ربيع سنة ستّ عشرة من الهجرة في سبع مائة حتّى نزل على شاطئ دجلة بحيال جزيرة العرب، فبنى البصرة ولم يبدأ بأوّل من المسجد فاختطّوه حتّى رموا من حواليه كلّه بأسهم، واختطّوا ما وراء منتهاها على حسب ما فعلوه بمسجد الكوفة] «٢» . وأوّل ما بني بالبصرة سبع دساكر [منها الخريبة اثنتان والزابوقة واحدة، وفي بني سليم اثنتان وفي الأزد اثنتان، وبني مسجدها بالقصب، ثمّ بناه ابن عامر] «٣» باللبن [لعثمان بن عفّان رضه، ثمّ بناه زياد بالآجر لمعاوية رضه، وبنى جنبتيه وأتمّه عبيد الله بن زياد. ويذكر أنّ المسجد الحرام أكبر من مسجد البصرة ببضع عشرة ذراعا] «٤» . وكسّرت البصرة «٥» أيّام خالد (بن عبد الله) «٦» القسري، فوجد طولها فرسخين في مثلهما، والكوفة مثل ثلثي «٧» البصرة. وأوّل مولود ولد فيها عبد الرحمن بن أبي بكرة «٨» ، فنحر يومئذ جزورا فأطعم «٩» أهلها وكانوا نحو ثلاثمائة. ٧٣١ ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد «١٠» من أهل البلدان أن يدّعيها عليهم ولا يشاركهم «١١» فيها وهي: النخل والشاء والحمام الهدى. فأمّا النخل فهم أعلم قوم به وأحذقهم بتربيته وإصلاحه، [وإصلاح عللها وأدوائها،

стр. 420

وأعرفهم بأحوالها من حين تغرس إلى أن تكمل وتستوي، وأبصرهم بالتمر وخرصه وتمييزه وجزره وخزنه] «١» ، وهي تجاراتهم «٢» العظمى وغلّتهم الكبرى. وفي البصرة من أنواع «٣» النخل ما ليس في بلد من بلاد الدنيا. وأمّا الشاء فإنّها عندهم العبدية المنسوبة إلى عبد القيس. وذكروا أنّ رجلا (من وفد عبد القيس) «٤» يقال له عبادة بن عمرو الشني قال للنبي ﷺ عند وفادتهم عليه ودعائه لهم: يا رسول الله إنّي رجل «٥» أحبّ الشاء. فدفع إليه رسول الله ﷺ فحلا فحيلا جليلا من المعز وقبض بيده على أصل (أذن ذلك الفحل حتّى استدارت أصابعه فصار في) «٦» أذنه كالسمة، فقدم به عبادة بلاده «٧» فأطرقه شياهه، فجاءت بالشاء العبدية حملها أهل البصرة من البحرين. فهم يذكرون أنّ (ما من) «٨» شاة موصوفة كريمة منها إلّا وفي أصل أذنها حلقة كالسمة، فإذا وجدوها كذلك رغبوا فيها وغالوا فيها حتّى تبلغ الشاة منها خمسين دينارا، وإذا كانت في التّيس مثل ذلك تنوفس فيه وبلغ عدّة دنانير. قال: وأخبرني يحيى بن الفضيل أنّه رأى تيسا بالبصرة عظيما قد حملت عليه مزادة ماء، وهي الّتي تسمّيها العامّة الراوية الّتي تحملها البغال، فبلغ بها منزل صاحبه فاشتري بأربعمائة دينار. [وللشاء عندهم أنساب معروفة] (ويستشهد على ذلك) «٩» العدول في الصحف فتقول: شاة بني فلان أمّها الفلانة «١٠» [شاة آل فلان] وأبوها تيس آل فلان وجدّتها الفلانة «١١» ، ويوصف «١٢» مقدار ما تحلب من اللبن بالغداة والعشي. فأمّا الحمام فإنّ الأمر بالبصرة (فيه جلل) «١٣» وتجاوز الحدّ، وبلغت الحمام عندهم في الهداة أن جاءت من أقاصي بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة «١٤» وتنافسوا في اقتنائها ولهجوا به حتّى بلغ ثمن الطائر منها سبعمائة دينار. وهذا ما حضرته ورأيته وشهدته «١٥» ، وقيل إنّه بلغ بالبصرة ثمن طائر منها جاء من خليج

стр. 421

القسطنطينية ألف دينار، وكانت تباع البيضة من الطائر المشهور بعشرين دينارا، وعندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب. [وكان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه العدل من اتّخاذ الحمام والمنافسة فيها والإخبار عنها والوصف لأمرها والنعت لمشهورها حتّى وجّه أهل البصرة إلى بكّار بن قتيبة البكراني قاضي مصر وهو منهم، وكان في فضله وعقله ودينه وورعه على ما لم يكن عليه قاض، بحمامات لهم مع قوم ثقات، وكتبوا إليه يسألونه أن يتولّى إرسالها بنفسه ففعل. وكان الحمام عندهم متجرا من التجارات لا يرون بذلك بأسا] «١» . ذكر بغداد «٢» ٧٣٢ قال أحمد: بعث المنصور رجالا سنة خمس وأربعين ومائة يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة، فطلبوا فلم يرضوا موضعا حتّى جاء فنزل على البئر الّذي بالصراة «٣» فقال: هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصراة. [وكان أبو جعفر هذا- وهو عبد الله بن علي بن عبد الله بن العبّاس- بنى مدينة بين الكوفة والحيرة سمّاها الهاشمية، فأقام بها مدّة إلى أن عزم على توجيه ابنه محمّد المهدي لغزو الصقالبة في سنة أربعين ومائة، فصار إلى بغداد فوقف بها وقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقيل بغداد. فقال: هذه والله المدينة الّتي أعلمني أبي محمّد بن علي أنّي أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية والإسلام حتّى يتمّ تدبير الله تعالى وحكمه فيّ وتصحّ الروايات وتبيّن الدلالات والعلامات، تأتيها الميرة في دجلة والفرات من واسط والأبلّة والأهواز وفارس وعمان واليمامة وما يتّصل بذلك، وكذلك

стр. 422

ما يأتي من الموصل وديار ربيعة وآذربيجان وأرمينية والرقّة والشام والثغور ومصر والمغرب وإصفهان وكور خراسان. فالحمد لله الّذي ذخرها لي وأغفل عنها كلّ من تقدّمني، والله لأبنينّها ثمّ أسكنها أيّام حياتي ويسكنها ولدي من بعدي، ثمّ لتكوننّ أعمر مدينة في الدنيا، ثمّ لأبنينّ بعدها أربع مدن لا تخرب واحدة منهنّ أبدا. فبناها وهى: الرافقة ولم يسمّها، وبنى ملطية والمصيصة والمنصورة] «١» . ٧٣٣ قال: ووجّه المنصور في حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، وكان فيمن أحضر الحجّاج بن أرطاة وأبو حنيفة، فكان أوّل من ابتدئ ببنيانها في سنة خمس وأربعين ومائة. [ثمّ قسم الأرض أربعة أقسام وقلّد القيام بكلّ ربع رجلا من قواده ورجلا من مواليه ورجلا من المهندسين] «٢» . ٧٣٤ قال أحمد بن أبي «٣» الطاهر: وحدّثني أبو محمّد عبد الله بن إسماعيل بن أبي سهل (بن يشجب) «٤» عن جدّه قال: لمّا أراد المنصور بناء بغداد أمرني أن آخذ الطالع، فنظرنا في طالعها فكان المشتري في القوس، فأخبرته بما تدلّ «٥» عليه النجوم من طول ثباتها «٦» وكثرة عمارتها وانصباب «٧» الدنيا إليها، ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين وخلة أخرى نجدها فيها «٨» على ما تدلّ عليه النجوم: لا يموت فيها خليفة. فرأيته يبتسم وقال: الحمد لله، ذلك فضل

стр. 423

الله يؤتيه من يشاء. ولذلك قال بعض شعرائهم (وقد مدح المنصور وهنّأه حلول قصر مدينة السّلام) «١» [خفيف] : إنّ خير القصور قصر السّلام ... إذ به حلّ سائس الإسلام منزل لا يزال من حلّ فيه ... آمنا من حوادث الأيّام [ولهذا قالوا: نزل بغداد سبعة خلفاء: المنصور والمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد ومحمّد الأمين وعبد الله المأمون والمعتصم، ولم يمت بها واحد منهم إلّا محمّد الأمين، فإنّه قتل خارج باب الأنبار عند بستان طاهر، وانتقل المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين إلى سرّ من رأى. فهذا مصداق ما دلّت عليه النجوم] «٢» . ٧٣٥ (واسمها الأوّل عند النّاس الزوراء) «٣» ، وكان سفيان يكره أن يقال «٤» مدينة السّلام، وسمّيت مدينة السّلام لأنّ دجلة كان يقال لها وادي السّلام، فلمّا بنيت عليه سمّيت به. [وقال رجل من أهل البصرة: مررت ببغداد في السحر، فأعجبني كثرة الأذان فيها فهتف بي هاتف: ما الّذي يعجبك منها؟ لقد فجر بها البارحة سبعون ألفا. ورأى أبو بكر الهذلي سفيان بن عيينة ببغداد فقال: بأيّ ذنوبك دخلتها؟] «٥» (وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كلّها بادية وبغداد حاضرتها) «٦» . [وقال آخر: لو أنّ الدنيا خربت وخرج أهل بغداد لعمّروها. وكان فراغ المنصور من بنائها ونقل الخزائن إليها والدواوين وبيوت الأموال سنة

стр. 424

ستّ وأربعين ومائة، وكان استتمامه لجميع أمر المدينة سنة تسع وأربعين] «١» . ٧٣٦ قال أحمد: قال الهيثم بن عدي (عن أبي عياش) «٢» : لمّا جلس المنصور في قصره بباب الذهب أذن لرسل الملوك فدخلوا عليه، فقال لرسول ملك الروم: هل ترى عيبا؟ قال: نعم «٣» عيوبا ثلاثة، قال: ما هي؟ قال: النفس خضراء فلا خضرة عندك، والحياة في الماء ولا ماء عندك، وعدوّك مخالطك ومطّلع على سرّك. قال: أمّا الماء فحسبي منه ما بلغ الشفة، وأمّا الخضرة فللجدّ خلقت لا للّعب، وأمّا السّوق فما أبالي علم سرّي رعيّتي أو ولدي وخاصّتي. فأمسك الرّومي عن الكلام. ٧٣٧ ثمّ تعقّب أبو جعفر «٤» الرأي، فرأى أنّ القول ما قال فاتّخذ العبّاسية وأجرى (الماء في) «٥» القناة من دجلة وأخرج السوق عن المدينة. وعن الربيع قال: لمّا نقل أبو جعفر السوق عن المدينة وجلس في قصره بالخلد فنظر إلى التجّار من البزّازة والصيرفي والقصّاب وطبقات السوقة، تمثّل بهذين البيتين [وافر] : كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمّعت من شتّى لأمر جمعت حديدة وجمعت نصلا ... ومن عقب البعير وريش نسر

стр. 425

ثمّ قال: يا ربيع إنّ هذه العامّة تجمعها الكلمة وترأسها «١» السفلة، فلا أرينّك معرضا عنها، فإنّ إصلاحها يسير وإصلاحها بعد فسادها عسير فاجمعها بالرهبة واملأ قلوبها «٢» بالهيبة وما استطعت من الرفق بها وإحسان إليها فافعل «٣» . ذكر خواصّ أرض فارس ٧٣٨ منها كورة سابور برستاق يعرف بالعردحان بئر «٤» بين جبلين يخرج منها دخان فيتعالى كثيرا ولا يمكن أحد أن يقربها، فإذا طار عليها طائر سقط فيها ويرى «٥» احتراقه قبل أن يغيب فيها. وفي بعض كور أرجان في نواحي صاهك بئر لا قعر لها، وبناحية كان فيروز بالقرية المعروفة بالورجان «٦» كهف بين جبال شاهقة فيه جزر «٧» على قدر العضادة (؟) الكبيرة يقطر فيه من أعلى ذلك الكهف ماء. وزعم قوم أنّ له طلسما، فإن دخل ذلك الكهف رجل أحد «٨» أخرج من الماء ما يكفيه، وإن دخله ألف رجل أو أكثر «٩» أخرجوا من ذلك الجزر ما يكفيهم، (وكان بالفارسية المعدن) «١٠» . وبناحية دار بن بهرام ماء عذب حسن القوام واللون (بنهر الحسين) «١١» يشرب منه ويسقي الأرض «١٢» ، فإذا غمست فيه الثياب خضّرها. وبكورة أردشير شيراز «١٣» عين ماء يشرب لتشفية الجوف (كما يشرب الدواء) «١٤» ، فإن شرب منه قدحا أقام له مجلسا، وإن زاد فلكلّ قدح مجلس.
следующие страницы →