Полный текст (893 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
القسطنطينية ألف دينار، وكانت تباع البيضة من الطائر المشهور بعشرين دينارا، وعندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب.
[وكان لا يمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه العدل من اتّخاذ الحمام والمنافسة فيها والإخبار عنها والوصف لأمرها والنعت لمشهورها حتّى وجّه أهل البصرة إلى بكّار بن قتيبة البكراني قاضي مصر وهو منهم، وكان في فضله وعقله ودينه وورعه على ما لم يكن عليه قاض، بحمامات لهم مع قوم ثقات، وكتبوا إليه يسألونه أن يتولّى إرسالها بنفسه ففعل. وكان الحمام عندهم متجرا من التجارات لا يرون بذلك بأسا] «١» .
ذكر بغداد
«٢» ٧٣٢ قال أحمد: بعث المنصور رجالا سنة خمس وأربعين ومائة يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة، فطلبوا فلم يرضوا موضعا حتّى جاء فنزل على البئر الّذي بالصراة «٣» فقال: هذا موضع أرضاه تأتيه الميرة من الفرات ودجلة والصراة. [وكان أبو جعفر هذا- وهو عبد الله بن علي بن عبد الله بن العبّاس- بنى مدينة بين الكوفة والحيرة سمّاها الهاشمية، فأقام بها مدّة إلى أن عزم على توجيه ابنه محمّد المهدي لغزو الصقالبة في سنة أربعين ومائة، فصار إلى بغداد فوقف بها وقال: ما اسم هذا الموضع؟ فقيل بغداد. فقال: هذه والله المدينة الّتي أعلمني أبي محمّد بن علي أنّي أبنيها وأنزلها وينزلها ولدي من بعدي، ولقد غفلت عنها الملوك في الجاهلية والإسلام حتّى يتمّ تدبير الله تعالى وحكمه فيّ وتصحّ الروايات وتبيّن الدلالات والعلامات، تأتيها الميرة في دجلة والفرات من واسط والأبلّة والأهواز وفارس وعمان واليمامة وما يتّصل بذلك، وكذلك
стр. 422
ما يأتي من الموصل وديار ربيعة وآذربيجان وأرمينية والرقّة والشام والثغور ومصر والمغرب وإصفهان وكور خراسان. فالحمد لله الّذي ذخرها لي وأغفل عنها كلّ من تقدّمني، والله لأبنينّها ثمّ أسكنها أيّام حياتي ويسكنها ولدي من بعدي، ثمّ لتكوننّ أعمر مدينة في الدنيا، ثمّ لأبنينّ بعدها أربع مدن لا تخرب واحدة منهنّ أبدا. فبناها وهى: الرافقة ولم يسمّها، وبنى ملطية والمصيصة والمنصورة] «١» .
٧٣٣ قال: ووجّه المنصور في حشر الصنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، وكان فيمن أحضر الحجّاج بن أرطاة وأبو حنيفة، فكان أوّل من ابتدئ ببنيانها في سنة خمس وأربعين ومائة. [ثمّ قسم الأرض أربعة أقسام وقلّد القيام بكلّ ربع رجلا من قواده ورجلا من مواليه ورجلا من المهندسين] «٢» .
٧٣٤ قال أحمد بن أبي «٣» الطاهر: وحدّثني أبو محمّد عبد الله بن إسماعيل بن أبي سهل (بن يشجب) «٤» عن جدّه قال: لمّا أراد المنصور بناء بغداد أمرني أن آخذ الطالع، فنظرنا في طالعها فكان المشتري في القوس، فأخبرته بما تدلّ «٥» عليه النجوم من طول ثباتها «٦» وكثرة عمارتها وانصباب «٧» الدنيا إليها، ثمّ قلت: يا أمير المؤمنين وخلة أخرى نجدها فيها «٨» على ما تدلّ عليه النجوم: لا يموت فيها خليفة. فرأيته يبتسم وقال: الحمد لله، ذلك فضل
стр. 423
الله يؤتيه من يشاء. ولذلك قال بعض شعرائهم (وقد مدح المنصور وهنّأه حلول قصر مدينة السّلام) «١» [خفيف] :
إنّ خير القصور قصر السّلام ... إذ به حلّ سائس الإسلام
منزل لا يزال من حلّ فيه ... آمنا من حوادث الأيّام
[ولهذا قالوا: نزل بغداد سبعة خلفاء: المنصور والمهدي وموسى الهادي وهارون الرشيد ومحمّد الأمين وعبد الله المأمون والمعتصم، ولم يمت بها واحد منهم إلّا محمّد الأمين، فإنّه قتل خارج باب الأنبار عند بستان طاهر، وانتقل المعتصم سنة ثلاث وعشرين ومائتين إلى سرّ من رأى. فهذا مصداق ما دلّت عليه النجوم] «٢» .
٧٣٥ (واسمها الأوّل عند النّاس الزوراء) «٣» ، وكان سفيان يكره أن يقال «٤» مدينة السّلام، وسمّيت مدينة السّلام لأنّ دجلة كان يقال لها وادي السّلام، فلمّا بنيت عليه سمّيت به.
[وقال رجل من أهل البصرة: مررت ببغداد في السحر، فأعجبني كثرة الأذان فيها فهتف بي هاتف: ما الّذي يعجبك منها؟ لقد فجر بها البارحة سبعون ألفا. ورأى أبو بكر الهذلي سفيان بن عيينة ببغداد فقال: بأيّ ذنوبك دخلتها؟] «٥» (وقيل لرجل: كيف رأيت بغداد؟ قال: الأرض كلّها بادية وبغداد حاضرتها) «٦» .
[وقال آخر: لو أنّ الدنيا خربت وخرج أهل بغداد لعمّروها.
وكان فراغ المنصور من بنائها ونقل الخزائن إليها والدواوين وبيوت الأموال سنة
стр. 424
ستّ وأربعين ومائة، وكان استتمامه لجميع أمر المدينة سنة تسع وأربعين] «١» .
٧٣٦ قال أحمد: قال الهيثم بن عدي (عن أبي عياش) «٢» : لمّا جلس المنصور في قصره بباب الذهب أذن لرسل الملوك فدخلوا عليه، فقال لرسول ملك الروم: هل ترى عيبا؟ قال: نعم «٣» عيوبا ثلاثة، قال: ما هي؟ قال:
النفس خضراء فلا خضرة عندك، والحياة في الماء ولا ماء عندك، وعدوّك مخالطك ومطّلع على سرّك. قال: أمّا الماء فحسبي منه ما بلغ الشفة، وأمّا الخضرة فللجدّ خلقت لا للّعب، وأمّا السّوق فما أبالي علم سرّي رعيّتي أو ولدي وخاصّتي. فأمسك الرّومي عن الكلام.
٧٣٧ ثمّ تعقّب أبو جعفر «٤» الرأي، فرأى أنّ القول ما قال فاتّخذ العبّاسية وأجرى (الماء في) «٥» القناة من دجلة وأخرج السوق عن المدينة. وعن الربيع قال:
لمّا نقل أبو جعفر السوق عن المدينة وجلس في قصره بالخلد فنظر إلى التجّار من البزّازة والصيرفي والقصّاب وطبقات السوقة، تمثّل بهذين البيتين [وافر] :
كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمّعت من شتّى لأمر
جمعت حديدة وجمعت نصلا ... ومن عقب البعير وريش نسر
стр. 425
ثمّ قال: يا ربيع إنّ هذه العامّة تجمعها الكلمة وترأسها «١» السفلة، فلا أرينّك معرضا عنها، فإنّ إصلاحها يسير وإصلاحها بعد فسادها عسير فاجمعها بالرهبة واملأ قلوبها «٢» بالهيبة وما استطعت من الرفق بها وإحسان إليها فافعل «٣» .
ذكر خواصّ أرض فارس
٧٣٨ منها كورة سابور برستاق يعرف بالعردحان بئر «٤» بين جبلين يخرج منها دخان فيتعالى كثيرا ولا يمكن أحد أن يقربها، فإذا طار عليها طائر سقط فيها ويرى «٥» احتراقه قبل أن يغيب فيها. وفي بعض كور أرجان في نواحي صاهك بئر لا قعر لها، وبناحية كان فيروز بالقرية المعروفة بالورجان «٦» كهف بين جبال شاهقة فيه جزر «٧» على قدر العضادة (؟) الكبيرة يقطر فيه من أعلى ذلك الكهف ماء. وزعم قوم أنّ له طلسما، فإن دخل ذلك الكهف رجل أحد «٨» أخرج من الماء ما يكفيه، وإن دخله ألف رجل أو أكثر «٩» أخرجوا من ذلك الجزر ما يكفيهم، (وكان بالفارسية المعدن) «١٠» . وبناحية دار بن بهرام ماء عذب حسن القوام واللون (بنهر الحسين) «١١» يشرب منه ويسقي الأرض «١٢» ، فإذا غمست فيه الثياب خضّرها.
وبكورة أردشير شيراز «١٣» عين ماء يشرب لتشفية الجوف (كما يشرب الدواء) «١٤» ، فإن شرب منه قدحا أقام له مجلسا، وإن زاد فلكلّ قدح مجلس.
стр. 426
وبقرب برقويه «١» تلال رماد كالجبال العظام يكون في صعود التلّ وهبوطه الميل وأكثر، وزعم قوم أنّها نار نمرود، وهو خطأ لأنّ نمرود كنعاني ومساكنهم بابل. ومثل هذه الجبال من الرماد وأعظم منها على نهر الزاب الكبير الجائي من نواحي أرمينية (وبلد مراش «٢» . وبناحية إصطخر تفاح يكون بعض التفاحة الواحدة صادق الحلاوة وبعضها حاز الحموضة) «٣» .
وبناحية كورا تين «٤» أخضر كالسلق، وفي داخله كعين النرجس سواءا «٥» .
٧٣٩ وممّا يحمل من فارس ماء الورد الّذي بكورا وجور، يجلب إلى بلاد الهند والصين ومصر والمغرب واليمن وسائر البلاد، وليس يعدل به ماء ورد في الآفاق. (ومن فارس ترتفع أنواع الثياب إلى أقطار البلاد، وبها ثياب الوشي الّتي ليس بسائر الآفاق كهيئتها إذا كان مذهّبا) «٦» . وبقرية من قرى دارابجرد «٧» الموميا الّتي تحمل إلى الآفاق، وهو ملك السلطان [يوجد في] «٨» غار في جبل قد وكل به من يحفظه، وهو مغلق الباب والمدخل مختوم عليه «٩» بعلامات كثيرة لمن يحضره عند فتحه، يفتح في كلّ سنة في وقت معروف، وهو الموميا الصحيح (وما عداه فمزوّر) «١٠» . وهذا الموضع لا يفتحه إلّا العدول وثقات السلطان من الحكّام (وأصحاب البرد والمعدّلين) «١١» ، ويرضخ للّذين حضروا بالشيء منه. وبناحية دارابجرد جبال من الملح الأبيض والأسود والأصفر والأحمر ومن جميع الألوان، وهو صلب «١٢» تنحت منه الموائد «١٣» والعظام (؟) والآنية المستظرفة وتحمل إلى
стр. 427
سائر البلدان. وبفارس هذه كلّ شيء من الذهب والفضّة والحديد والصفر والكبريت والنفط والزئبق وغير ذلك.
ذكر بابل
٧٤٠ وكانت بابل من استعظامها واستشناع أمرها لا تكاد تجعل من عمل الآدميّين، وهي المذكورة في قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ
«١» ، [ويقال إنّ الضحّاك أوّل من بناها وسكنها السابئة ودخلها إبراهيم ﵇، ويقال إنّ بها كان مولده، وقيل: بل ولد بالسوس من أرض الأهواز، وقيل بكوثى من أرض السواد. وينسب إليها السحر والخمر. ويقال إنّ بها هاروت وماروت يعذّبان إذ اختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة وأنّهما معلّقان في سرداب تحت الأرض كالحبلين وأنّ بعض الناس رآهما كذلك] «٢» .
وزعموا أنّ نمرود الجسيم أسّسها وأنّ يسر عربال (؟) وامرأته شهرام أتمّا بنيانها. وكانت مدينة ضاحكة المنظر جميلة المنصب زاهرة البناء واسعة الفناء جمعت إلى حسن المنظر من كلّ جانب رصانة البنيان وبهاء المنصب، وكانت سهلة بطحاء ديمومة فيحاء مربّعة لها في كلّ تربيع حصنان عظيمان، وسائر ذلك من سورها لا يكاد سامع خبرها يصدّق بصره لكثرة ارتفاعه وفرط إتقانه. وكان خمسين ذراعا عرضا في ارتفاع مائتي ذراع في دور أربعة وستّين ميلا، مبنيا بالآجر المرصّص، وقد خندق حوله خندق يجري فيه الفرات، وفيه مائة باب من نحاس، وسعة السور في أعلاه كسعته في أسفله، وقد بني في أعلاه مساكن للمقاتلة والحرّاس متّصلة في جميع دوره. وقد زعموا أنّ
стр. 428
بابل أقدم بناء بني بعد الطوفان وأنّ منها تفرّق ولد نوح ﵇، وانّ الّذي هدمها كسرى الأوّل وهو الّذي سمّي ملك الفرس لمّا تغلّب على أرض بابل.
٧٤١ والجزيرة ما بين دجلة والموصل. [وقاعدة هذا العمل الموصل، ولها كور وعمائر وقرى وبلاد واسعة وأعمال كثيرة، وهو مشتمل على ديار ربيعة ومضر] «١» .
ذكر خراسان
٧٤٢ وخراسان تشتمل على كور عظام وأعمال جسام، وكانت خراسان تسمّى في القديم بلد أشيرية، سمّيت بأشور بن سام بن نوح، وهو أوّل من اعتمر ذلك الصقع بعد الطوفان. وحدّها الّذي يحيط بها: من شرقها سجستان وبلد الهند الّذي ضمّها إلى سجستان وما يتّصل بها من ظهر الغور كلّه إلى الهند وخطّتا ديار الخلج في حدود كابل ووخان على ظهر الختل كلّه وغير ذلك من ناحية بلد الهند، وغربها مفازة [الغزية] «٢» ونواحي جرجان، وشمالها ما وراء النهر وشيء من بلاد الترك يسير على ظهر الختل، وجنوبها مفازة فارس وقومس إلى نواحي جبال الديلم مع جرجان وطبرستان والري وما يتّصل بها. فجعلناه كلّه إقليما واحدا وضمنا الختل إلى ما وراء النهر، وهي أقرب إلى بخارا منها إلى خراسان «٣» . وكور خراسان وأعمالها الّتي يتفرّق فيها الحكّام «٤» وأصحاب البرد نيّف وثلاثون عملا.
стр. 429
ذكر ما وراء النهر
٧٤٣ من خراسان: من ذلك القواذيان «١» والصّغانيان والترمذ وكش ونسف وبخارا «٢» واستخر وسمرقند وخجند وأشروسنة «٣» والشّاش وفرغانة وبابات وكلساوان «٤» وما والاها واتّصل بها. فأمّا بلخ وطخارستان والباميان وخوارزم وما ذكرنا أنّه يتّصل بها فهي ممّا دون النهر.
٧٤٤ وفيما وراء النهر من معادن الذهب والفضّة والزئبق ما لا يقاربه معدن في سائر البلاد كثرة، وليس في الأقطار مثل نشادر عندهم- وبصقلّية نشادر لا يعدل به ولا يدانيه. وإليهم يصل مسك التّبّت ومن عندهم يرفع، وهو يفوق كلّ مسك طيبا ويدنى عليه ثمنا، ويرفع من الصّغانيان من السّمّور والسّنجاب «٥» وسائر الأوبار ما لا يرفع من سائر البلاد. وما وراء النهر «٦» أخصب الأقاليم والصلاح على أهله غالب والخير فيهم فاش، ولهم الغناء والثروة والوفر «٧» والجدّة وليس بينهم في شيء من ذلك تنافس ولا يتحرّفون به تحرّف أهل زمانهم، (فمن همّته دنيا ينالها ولذّة يبلغها) «٨» ، بل يصرفونها إلى قرى الأضياف ومواساة النّاس وسبل الجهاد وعمارة الطّرق والمنازل وتعاهد المراحل والمناهل.
стр. 430
٧٤٥ ... والصخرة في قوله تعالى: إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ
«١» ، هي صخرة شروان والبحر بحر جيلان والقرية قرية باجروان «٢» والغلام من «٣» جيلان، ومجمع البحرين فارس والروم، قاله قتادة وعن ابن عبّاس عن أبي إفريقية. وخرق الخضر السفينة في بحر رادس والملك الجلندا ابن الجلندا وقتل الغلام بطنبدة «٤» ، وهي الّتي تسمّى المحمّدية، وأقام الحائط ببرقة، ومن ذلك الموضع فارق موسى ...
٧٤٦ ومن عجائب أرمينية واد لا يقدر أحد أن ينظر إليه ولا يشرف عليه ولا يدرك «٥» ما فيه، وإذا وضعت القدر على شفيره غلت ونضج «٦» ما فيها.
وبأرمينية ماء حامض يعرف بالحمض، إذا أخذ ورفع في إناء عذب وشرب.
وشروان المذكور فيها الصخرة في قصر أرمينية.
ذكر كرمان
٧٤٧ [أرض كرمان متّصلة بأرض فارس وبأرض مكران، قالوا: وهي ثمانون فرسخا في مثلها] «٧» . وحدّ كرمان في الشّرق أرض مكران ومفازة بين
стр. 431
مكران والبحر من وراء القلوص، وفي الغرب أرض فارس، وفي الشّمال مفازة خراسان وسجستان، وفي الجنوب بحر فارس. ولها من حدود الشيرجان دخلة «١» وهي في حدّ فارس (مثل الكم) «٢» . والغالب على أهلها نحافة الجسم (والسمرة لغلبة الحرّ) «٣» . [ومدينة كرمان الشيرجان وهي الّتي ينزلها الوالي، وبني سورها أيّام الرشيد، ولها ثمانية أبواب أحدها باب بهياباد وهو باب الميدان، ويخرج منه إلى درب وسكك حتّى ينتهي إلى مصلّى الحاجب إلى باب الموضى ثمّ إلى الدروب المعروفة بباب سمند وهو باب المغرب. وخارج هذا الدرب قصر خراب يعرف بقصر حاجب بن صالح] «٤» .
حدّ بلاد البارز
٧٤٨ فأمّا حدّ بلاد البارز فإنّها سبعة أجبال «٥» في نهاية الامتناع والخصب، وقربها من جيرفت على خمسة فراسخ [موضع] «٦» يسمّى ميزان، فمنه يحمل الثلج والفواكه إلى جيرفت، وفيه الكروم وأشجار جميع الفواكه خلا النخل.
стр. 432
ذكر البجاناكية
٧٤٩ وأمّا البجاناكية فالطريق إلى بلادهم من الجرجانية تسير «١» اثني عشر فرسخا إلى جبل يقال له جبل خوارزم، وعلى رأسه منارة وفي سفحه مساكن قوم من الجرجانية لهم بها مزارع. وهم قوم سيّارة يتّبعون مواقع القطر والكلأ، وطول أرضهم مسيرة ثلاثين يوما في مثلها، (ومنهم في الشمال) «٢» بلاد جفجاخ، وقيل قفجاق، وفي الجنوب بلاد الخزر، وفي المشرق بلاد الغزّية، وفي المغرب بلاد الصقلب. وهذه الأمم جميعها دون البجاناكية ويغزونهم، ولهم ثروة ودوابّ وسوائم وآثاث من ذهب وفضّة وسلاح، ولهم مناطق محلّات وأعلام وبوقات بدل الطّبول.
٧٥٠ وبلاد البجاناكية سهول كلّها لا جبل فيها ولا معقل لهم فيلجئون «٣» إليه.
وحدّث جماعة ممّن أسر بالقسطنطينية من المسلمين أنّ البجاناكية كانوا على دين المجوسية، فوقع عندهم بعد أربعمائة من الهجرة أسير من المسلمين فقيه عالم عرض على طائفة منهم الإسلام، فأسلموا وصحّت نياتهم وانتشرت دعوة الإسلام فيهم. وأنكر ذلك عليهم سائرهم ممّن لم يسلم وآل أمرهم إلى الحرب، فنصّر الله المسلمين عليهم وكانوا في نحو اثني عشر ألفا والكفّار في أضعاف عددهم، فقتلوهم وأسلم باقيهم، فجميعهم اليوم مسلمون، وعندهم العلماء والفقهاء والقرّاء، وهم يسمّون اليوم من وقع إليهم ممّن
стр. 433
استرقّ صاحب القسطنطينية أو غيرهم الخوالص، ويخيّرونهم في البقاء عندهم على أن يغنوه كأحدهم ويتزوّج عندهم من شاء منهم «١» .
ذكر الخزر
٧٥١ وتسير «٢» من بلاد البجاناكية إلى بلاد الخزر عشرة أيّام في مشاجر ومفاوز على غير طرق مسلوكة إلى بلاد الخزر، وهي بلاد عريضة ويتّصل بها من إحدى جنباتها «٣» جبل عظيم يمدّ «٤» إلى بلاد تفليس، وتفليس أوّل (حدّ أرمينية) «٥» .
وأغنامهم تضع في العام مرّتين.
٧٥٢ والخزر اسم الإقليم ومدينتهم العظمى قطعتان على الشرقي والغربي من نهر (إثل، وهو نهر) «٦» يخرج إليهم من الروس ويفيض في بحر الخزر، وهتان المدينتان تسمّى إحداهما بارغيش والأخرى حثلغ «٧» والغربية أكبرهما.
ويحيط بالمدينتين سور واحد ولهما أربعة أبواب. ولهم حمّامات وأسواق ومساجد وأئمّة ومؤذّنون. وجملة الخزر مسلمون ونصارى وفيهم عبدة الأوثان، وأقلّ الفرق منهم اليهود «٨» (وملكهم على دين اليهودية) «٩» ، ومسكنه في قصر على البعد من النهر. وإنّما كان سبب تهوّد ملك الخزر- وكان
стр. 434
مجوسيّا- أنّه تنصّر فرأى فساد ما هو عليه، فأخذ فيما غمّه من ذلك مع بعض مرازبته فقال له: أيّها الملك، إنّ أصحاب الكتب ثلاث طوائف، فارسل إليهم واستخبر أمرهم واتبع صاحب الحقّ منهم. فأرسل إلى النصارى في أسقف، وكان عنده رجل من اليهود ذو جدال فناظره، فقال له: ما تقول في موسى بن عمران والتوراة «١» المنزّلة عليه؟ قال له: موسى نبيّ والتوراة «٢» حقّ. فقال اليهودي للملك: أيّها الملك، قد أقرّ بحقيقة ما أنا عليه، فسله عمّا يعتقد. فسأله الملك فقال له: أقول إنّ المسيح عيسى بن مريم هو الكلمة، وإنّه المبيّن عن الله بالسرائر. فقال اليهودي لملك الخزر: إنّه يدّعي دعوى لا أعلمها وهو مقرّ (بما عندي) «٣» ، فلم يكن للأسقف كبير حجّة. وأرسل إلى المسلمين فأرسلوا «٤» إليه رجلا عالما عاقلا عارفا بالجدل، فدسّ اليهودي عليه «٥» من سمّه في طريقه فمات، فاستمال اليهودي الملك إلى «٦» ملّته فتهوّد.
٧٥٣ ولا يكون مقامهم في المدن إلّا في الشتاء، وفي سائر العام يكونون في المزارع والبساتين، ولهم فواكه ونعم كثيرة.
وللخزر جمال فائق وحسن ظاهر، والّذي يقع من رقيق الخزر هم أهل الأوثان الّذين يستجيزون بيع أولادهم واسترقاق بعضهم بعضا. وليس لملكهم من طاعتهم إلّا الدعوة، ومدار أمرهم على إيران شاه وهو الّذي يقود جيوشهم، ويملك طاعتهم، وإذا خرجوا في وجهه خرجوا بأسلحة كاملة ودروع حصينة وجواشن محكمة وأعلام رفيعة، ولا يخرج أحد من أهل عسكرهم إلّا ومعه عدّة أوتاد طول كلّ وتد ذراعان، فإذا نزلوا غرز كلّ واحد منهم بحياله تلك الأوتاد وشدّوا إليها الأترسة فيصير حول العسكر في ساعة واحدة جدار من التراس. والغالب على قوتهم الأرزّ والسمك، ولباسهم القواطن
стр. 435
والأقبية] «١» . ولسان الخزر غير لسان الترك والفرس وهي لغة لا تشاركها لغة من لغات الأمم. وللملك سبعة حكّام من اليهود والنصارى والمسلمين وأهل الأوثان، وهم ينتهون في مشتبهات أمورهم إلى عظيمهم المسمّى خاقان خزر وهو أجلّ عندهم قدرا من الملك.
ذكر برداس
٧٥٤ وأمّا بلاد برداس «٢» فهي ما بين الخزر وبلكار، بينها وبين بلاد الخزر مسيرة «٣» خمسة عشر يوما، وهم حرب لبلكار والبجاناكية ودينهم شبيه بدين الغزّية. ولهم أرض واسعة سهلة ومتاجر كثيرة، وأرضهم مسيرة (نصف شهر) «٤» في مثلها، وينتهي عددهم نحو عشرة آلاف فارس.
وأكثر أشجارهم الخلنج «٥» وأكثر أموالهم العسل والوبر من الدلق «٦» ، ولهم سوائم كثيرة من البقر والغنم ومزارع واسعة.
وطائفة منهم (يحرقون موتاهم) «٧» وأخرى تدفنها، وإذا أدركت الجارية عندهم «٨» ولم يكن لأبيها عليها حكم تختار لنفسها من شاءت من الرجال.
ذكر بلكار
٧٥٥ وبلاد بلكار متاخمة لبلاد برداس، وبين بلاد بلكار وبلاد برداس مسيرة
стр. 436
ثلاثة أيّام، ومنازلهم على شاطئ نهر إثل، وهم بين برداس والصّقلب، وهم قليل العدد نحو خمسمائة أهل بيت، وملكهم يسمّى المس «١» وهو ينتحل «٢» الإسلام. والخزر تتاجرهم وتبايعهم وكذلك الروس.
ذكر بلاد المجغرية
«٣» ٧٥٦ وهم بين بلاد البجاناكية وبين بلاد أسكل «٤» من البلكارية، والمجغرية (عبدة أوثان) «٥» وسمة ملكهم كندة. وهم قوم ذوو قباب وخيام يتبعون مواقع القطر ومواضع العشب. وعرض بلادهم مائة فرسخ في مثلها، وحدّ من بلادهم يتّصل ببلاد الروم، وفي آخر حدّهم ممّا يلي المفازة جبل «٦» ينزله قوم يقال لهم أبين، ولهم كراع ومواش ومزارع. وأسفل من هذا الجبل على ساحل البحر قوم يقال لهم أوغونة وهم نصارى، ومتاخمون لبلاد الإسلام المنسوبة إلى بلاد تفليس، وهو أوّل حدّ أرمينية، ويمتدّ «٧» هذا الجبل إلى أن يصير إلى أرض الباب والأبواب ويتّصل ببلاد الخزر.
بلاد السرير
«٨» ٧٥٧ تسير من بلاد الخزر اثني عشر يوما «٩» في الصحراء حتّى تنتهي إلى جبل شامخ، فتصعده وتسير فيه ثلاثة أيّام حتّى تنتهي قلعة ملك «١٠» السرير،
стр. 437
وهي على رأس جبل ويحيط بها سور. وللملك سرير من ذهب كان لملوك الفرس «١» . ولملكهم عشرون ألف شعب بها أصناف من الناس يعبدون رأسا يابسا.
٧٥٨ وعلى يسار قلعة ملك السّرير طريق يسلكه السالك في جبال ومروج حتّى يصل بعد ثلاثة أيّام إلى بلاد ملك اللّان، وهم نصارى، وعامّة أهل مملكته يعبدون الأصنام.
ذكر برجان
«٢» ٧٥٩ فأمّا برجان فهم بعض ولد يونان بن يافث وهم على المجوسية، ومملكتهم واسعة، وهم يحاربون الروم والصقلب والخزر والترك، وأشدّهم عليهم الروم لقربهم منهم، وإنّما بين القسطنطينية وحد بلد «٣» برجان خمسة عشر يوما.
ومملكة برجان عشرون يوما في ثلاثين يوما، وهم لا يركبون الدوابّ إلّا عند الحروب، واذا صالحهم الروم أدّوا إلى الروم الخراج: جواري وغلمانا من سبي الصقلب. ومن سنّتهم إذا مات لهم «٤» ميّت (يجعلوه في ناووس) «٥» عميق وينزلونه فيه وينزلون معه امرأته وخدمه، فيبقون «٦» هناك حتّى يموتوا، ومنهم من يحرق مع الميّت.
стр. 438
٧٦٠ آخر الجزء الأوّل من المسالك والممالك، تغمّد الله مؤلّفه برحمته ورضوانه، ويتلوه في أوّل الجزء الثاني ذكر سدّ ياجوج وماجوج.
الحمد لله وحده حمدا كثيرا، وصلّى الله على خيرته من خلقه، وصفوته من عباده، محمّد عبده الكريم، ورسوله الرؤوف الرحيم، صلاة دائمة أفضل ما صلّى على أحد من خلقه أجمعين، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطّاهرين.
стр. 439
الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر قال الشيخ الإمام الحافظ الحبر أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري غمده الله برحمته:
стр. 440
ذكر سدّ ياجوج وماجوج
٧٦١ فأمّا سدّ ياجوج وماجوج فإنّ بينه وبين آخر حدود بلاد الخزر مسيرة شهر أو أزيد. وذكر قتادة قال: قال رجل للنّبي ﷺ : إنّي رأيت السّدّ. قال:
كيف رأيته؟ قال: كأنّه حبرة «١» . قال: فقد رأيته. وقال وهب بن منبّه إنّ ذا القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي الشّمال، فذرع ما بينهما فوجد مائة فرسخ. فحفر له أسّا حتّى بلغ الماء. ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ويصبّ عليه. ثمّ علاه على الأرض بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلال ذلك أعمدة «٢» من نحاس أصفر، (فصار كأنّه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد) «٣» .
стр. 441
٧٦٢ (وذكر ابن عفير) «١» أنّ معاوية بن أبي سفيان أرسل خمسة وعشرين رجلا إلى سدّ ياجوج وماجوج ينظرون كيف هو وكتب إلى ملك الخزر أن يجوّزهم إلى من خلفه وأهدى إليهم «٢» هدايا، ففعل حتّى انتهوا إلى الجبلين فرأوا بينهما مثل البصيص وهو بريق الصفر في الحديد وسمعوا جلبة من داخل السدّ ورأوا أدراجا «٣» يرقى إلى أعلاه، فصعد فيه رجل منهم، فلمّا بلغ وسطه تحيّر فسقط ومات، فانصرفوا بقطعة مسحاة وجدوها عند السدّ. فأرسل معاوية إلى رجل خبير عالم فسأله فقال: يرسل ملك جنده إلى السدّ فيهلك واحد منهم ويأتون بحديدة «٤» فيجمعهم على مائدة فيها طعام، فوافى العالم وهم على تلك المائدة قد جمعهم عليها معاوية وخلطهم بغيرهم فقال: هؤلاء هم، فعجب معاوية من ذلك.
٧٦٣ وقال ابن خرداذبه: حدّثني سلّام التّرجمان، وكان هو الّذي يترجم كتب الترك الّتي كانت ترد على الواثق، قال: ولمّا رأى الواثق في المنام كأنّ السدّ الّذي بناه ذو القرنين مفتوح وجّهني «٥» وضمّ إليّ خمسين رجلا وقال لي:
عاينه وجئني بخبره. ووصلني بخمسة آلاف دينار وعشرة آلاف درهم وأعطي كلّ رجل من الخمسين ألف درهم ورزق سنة وأعطاني مائتي بغل أحمل عليها الزاد والماء، وكتب إلى إسحاق بن إسماعيل صاحب أرمينية وهو بتفليس في إنفاذنا فشخصنا إليه من سرّ من رأى، فكتب إسحاق إلى صاحب السرير وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك اللّان وكتب ملك اللّان إلى فيلان شاه وهو ملك ما يلي «٦» الباب والأبواب من خارج، وكتب فيلان شاه إلى
стр. 442
طرخان «١» ملك الخزر (فوجّه معنا ملك الخزر خمسة) «٢» أدلّاء. وسرنا من عنده خمسة وعشرين يوما حتّى انتهينا إلى أرض سوداء منتنة الرائحة وكنّا قد تحمّلنا شيئا نشمّه ونحجب به نتن ريحها عند دخولها، فسرنا نحو عشرة أيّام حتّى أفضينا إلى مدن خراب، فسألنا عنها فأخبرنا أنّ ياجوج وماجوج خرّبوها، فسرنا فيها سبعة وعشرين يوما. ثمّ أفضينا إلى حصن يقرب من الجبل الّذي هو أحد الصدفين تتّصل به حصون فيها قوم يتكلّمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرءون القرآن ولهم مساجد، فسألونا من أين أقبلنا فأخبرناهم أنّا رسل أمير المؤمنين، فجعلوا يتعجّبون ويقولون: أمير المؤمنين؟
فنقول: نعم. فيقولون: شيخ هو أم «٣» شابّ؟ فقلنا: شابّ. فعجبوا أيضا فقالوا: أين يكون؟ قلنا: بالعراق في مدينة يقال لها سرّ من رأى.
فيقولون: ما سمعنا بهذا قطّ.
٧٦٤ ثمّ صرنا إلى جبل أملس يكاد البصر ينبو عنه، وإذا جبل مقطوع بواد عرضه مائة وخمسون ذراعا. وإذا عضادتان مبنيتان ممّا يلي الجبل من جنبتي الوادي عرض كلّ عضادة خمس وعشرون ذراعا في سمك خمسين ذراعا وعتبة الباب السفلى عشر أذرع في بسط مائة ذراع سوى ما تحت العتبتين، والظاهر منها خمس أذرع، وهذه الذراع بذراع السّواد. وإذا دروند «٤» حديد طرفاه على العضادتين [طوله مائة وعشرون ذراعا، قد ركب على كلّ واحدة من العضادتين مقدار عشر أذرع، وفوق الدّروند بناء بلبن الحديد في النحاس إلى رأس الجبل، وارتفاعه مدى البصر وفوقه شرف حديد، في طرف كلّ شرفة قرنان تنثني كلّ واحدة منهما على الأخرى. وللباب مصراعان معلّقان عرض كلّ مصراع خمسون ذراعا في ثخن خمس أذرع وقائمتاها في
стр. 443
دوّارة على قدر الدروند. وعلى الباب قفل طوله سبع أذرع في غلظ باع في استدارة، وارتفاع القفل من الأرض خمس وعشرون ذراعا، وفوق القفل بقدر خمس أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل، وعلى الغلق مفتاح معلّق طوله ذراع ونصف] «١» . وله اثنتا عشرة دندانكة كلّ دندانكة منها كدستج هاون أعظم ما يكون من الهواوين، معلّق في سلسلة طولها ثماني أذرع في استدارة أربعة أشبار، والحلقة الّتي فيها السلسلة مثل حلقة المنجنيق.
٧٦٥ ومع هذا الباب «٢» حصنان عظيمان «٣» يكون كلّ واحد منهما مائتي ذراع في مثلها، بينهما عين عذبة، وفي أحد الحصنين بقية من آلة البنيان الّتي بني بها السدّ من قدور الحديد ومغارف الحديد والديدكانات، وعلى كلّ ديدكان أربعة قدور مثل قدور الصابون وهناك بقايا من لبن الحديد قد التصق بعضها ببعض من الصدأ، واللبنة ذراع ونصف في سمك شبر.
٧٦٦ قال: ورئيس تلك الحصون يركب في كلّ جمعة في عشرة فوارس، مع كلّ فارس مرزبة حديد فيها خمسة أمنان «٤» فيضربون القفل بتلك المرازب ثلاث مرّات، يسمع من وراء الباب «٥» الصوت، فيعلمون أنّ هنالك حفظة ويعلم هؤلاء أنّ أولئك «٦» لم يحدثوا شيئا في الباب. فإذا ضرب (أصحاب الحصن القفل) «٧» وضعوا آذانهم فيسمعون دويّا.
стр. 444
٧٦٧ وبالقرب من هذا الموضع حصن كبير عشرة فراسخ في مثلها تكسير مائة فرسخ. قال: وسألت من هناك هل رأوا أحدا من ياجوج وماجوج، فذكروا أنّهم رأوا مرّة عددا منهم فوق الشرف فهبّت ريح سوداء فألقتهم إلى جانبهم «١» . وكان مقدار الرجل منهم في رأي العين شبرا ونصفا.
قال: فلمّا انصرفنا أخذنا (الأدلّاء وأخرجونا) «٢» إلى ناحية خراسان حتّى وصلنا إلى ناحية سمرقند وقد كان أصحاب الحصون زوّدونا ما كفانا. ثمّ سرنا إلى عبد الله بن طاهر. قال سلّام: فوصلني بمائة ألف درهم ووصل كلّ رجل معي بخمسمائة درهم وأجرى علينا حتّى وصلنا (إلى الري فوصلنا) «٣» إلى سرّ من رأى لثمانية وعشرين شهرا من يوم خرجنا منها.
قال ابن خرداذبه: فحدّثني سلّام الترجمان بجملة هذا الخبر، ثمّ أملاه علّي من كتاب كان كتبه إلى الواثق وكتبناه نحن منه فوجدته موافقا لما حدّثني به.
وفي بعض الأخبار أنّ الرجل الواحد من ياجوج وماجوج لا يموت حتّى يولد له ألف ولد.
٧٦٨ وقد أتينا على ما أردنا ذكره من الممالك المصاقبة «٤» لخراسان وما والاها من الأمم درجة بعد درجة وحالا بعد حال «٥» على حسب اتّصالها وبعض المسافات المشهورة.
стр. 445
العواصم
٧٦٩ فلنرجع إلى ذكر المدن والكور بالعواصم وقنّسرين المتّصلة بأرض الجزيرة.
(وقد ذكرنا أنّها كانت من أرض الجزيرة) «١» حتّى جنّدها يزيد بن معاوية في تجنيد الشام، ثمّ نصل ذلك بذكر «٢» بلاد الشام إن شاء الله تعالى «٣» .
فمن مدنها قنّسرين وحلب ومنبج ودلوك ورعبان «٤» وقورس «٥» وتيزين «٦» ومعرّة النصرين، ونصرين «٧» جبل مطلّ عليها، ومعرّة النعمان وكفر طاب والحربية وخناصرة ونقابلس ورصافة هشام والجرثومية على جبل آكام والإسكندرية وأنطاكية وبطنان حبيب.
٧٧٠ وهي كلّها مدائن جليلة، فأمّا معرّة النعمان فسمّيت بذلك لأنّ الجبل المطلّ عليها سمّي النعمان، وللمدينة سبعة أبواب. وعلى ميل منها دير سمعان وفيه قبر عمر بن عبد العزيز رضه، ويذكر أنّ قبر شيت بن آدم ﵇ عند الباب المنسوب إليه منها. وداخل مدينة المعرّة قبر يوشع بن نون «٨» وله «٩» يوم جعل في كلّ عام يقصد إليه من الأقطار. وظهر بالمعرّة بعد أربعمائة وثلاثين من الهجرة رجل أعمى يكنّى أبا العلاء وهو أحمد بن سليمان بن عبد الله المعرّي، وكان لغويّا شاعرا بليغا فصيحا تضرب إليه آباط الإبل من الآفاق، ويزعمون أنّه منتحل لمذهب البراهمة مصرّ على اعتقادهم، وفي أشعاره وأسجاعه ما يدخل القلب منه بعض الريب.
стр. 446
وبين قنّسرين والعواصم وبلاد الشام، وهي كلّها منضافة إلى الشام، بلد الخولان «١» والعواء وبقرة بني أسد والبثنية «٢» وجبل حوران وقرى بني هلال. وسائر حوران من بلد بني مالك، وبصرى وإقليمها والقرية وإقليمها والسويداء وإقليمها (وأذرعات وإقليمها) «٣» وسمسكين وإقليمها وذرع وإقليمها وبصرى وهو الموضع الّذي فيه قبر أليسع ﵇.
٧٧١ وهذه البلاد كلّها الّتي سمّيناها بنيانها بحجارة»
وسقوفها حجارة «٥» والأبواب الّتي تردف على بيوتها ودورها وطاقاتها كلّها حجارة، (وكلّها صحاري. وعلى الجملة) «٦» فلا يحيط بوصف البلاد «٧» والمدن وغير ذلك من الأمور إلّا الله تعالى. وإنّما ذكرنا ما ظهر لنا شهرته (وتكرّر سماعه) «٨» وما لم نذكره أكثر.
ذكر الشّام
٧٧٢ وإنّما «٩» سمّيت الشام لأنّها عن شمال الكعبة، وقيل لشامات في أرضها سود وبيض، وقيل سمّيت بسام بن نوح لأنّه أوّل من نزلها فتطيّرت العرب لمّا سكنتها من أن تقول سام فقالت شام. وقيل إنّ أوّل من سكنها من الخلفاء سمّاها «١٠» بهذا الاسم وإنّها سرور لمن رآها.
стр. 447
٧٧٣ وقسمت الأوائل الشام خمسة أقسام: الشام الأوّل فلسطين وأوّل حدود «١» فلسطين من طريق مصر أمج، ثمّ يليها «٢» غزّة، ثمّ الرملة رملة فلسطين. والشام الثانية مدينتها العظمى الطبرية، والغور واليرموك وبيسان فيما فلسطين والأردنّ. والشام الثالثة الغوطة ومدينتها العظمى دمشق ومن سواحلها أطرابلس. والشام الرابعة أرض حمص. والشام الخامسة قنّسرين ومدينتها العظمى حلب، وساحلها أنطاكية مدينة عظيمة على ساحل البحر.
[وقالوا: كلّ شيء عند العرب من قبل الشام فهو أنطاكية، ويقال: ليس في أرض الإسلام ولا أرض الروم مثلها. والنصارى يدعونها مدينة الله ومدينة الملك وأمّ المدائن لأنّها أوّل بلد أظهر فيه دين النصرانية وبها كرسي بطرس ويسمّى سمعون وسمعان وهو خليفة إيشوع الناصري المرأس على تلاميذه الاثني عشر والسبعين وغيرهم] «٣» . وفي داخلها البساتين والمزارع، ويقال إنّها مدينة حبيب النجّار. ومن ثغور الشام الخامسة: المصيصة وطرسوس ونهر جيحان.
٧٧٤ ومن مدن الشام حمص، يقال إنّها مدينة حبيب النجّار وهي من قصور الشام. ويقال إنّ أوّل من ابتدع الحساب في سالف الأزمان أهل حمص لأنّهم كانوا تجّارا يحتاجون إلى الحساب في أرباحهم. ولا يدخل مدينة حمص حيّة ولا عقرب. وليس لها سور وفي وسطها حصن مستدير، وأكثر حمص اليوم خراب.
стр. 448
٧٧٥ وعن قتادة أنّه نزل حمص خمسمائة من أصحاب رسول الله ﷺ . وعن جرير بن عثمان أنّ حمص نزلها من بني سليم ممّن صحب النبي ﷺ أربعمائة.
ومدينة حماة، وتدمر مدينة أوّلية.
٧٧٦ وجبل لبنان بقربه «١» . ذكر الهيثم بن عدي أنّه وجد في جبل لبنان غارا (وهو في) «٢» زمن الوليد بن عبد الملك فدخل، فإذا فيه رجل مسجّى على سرير من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالرومية «٣» : أنا سبا «٤» بن نواس بن سبا، خدمت عيصو بن إسحاق بن إبراهيم خليل الربّ الديّان الأكبر وعشت بعده دهرا طويلا، ورأيت عجبا كثيرا ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه ويعلم أنّه صائر إليهم لا محالة فلا يتوب. والّذي بعد الموت من حساب الديّان الأعظم وردّ حقوق «٥» المظلومين يومئذ (أعظم وأقطع) «٦» حقّا. أقول: لقد حضرت غاري «٧» هذا أغدو وأروح إليه «٨» أبكي على نفسي، وقد علمت أنّ الأجلاف الحفاة سينزلونني عن سريري هذا ويتموّلونه ويخرجونني من غاري، وهم يؤمنون بربوبية الديّان الأعظم، وذلك حين يتغيّر الزمان ويتأمّر «٩» الصبيان ويكثر الحدثان. فمن أدرك ذلك الزمان عاش قليلا ومات ذليلا.
وفي لبنان البرباريس وهناك أطيب ما يكون.
стр. 449
ذكر دمشق
٧٧٧ ومن مدنها دمشق. وقيل إنّها إرم ذات العماد «١» . وقيل: هي كانت دار نوح ﵇ فيما ذكروا. والله أعلم. وقال قتادة في قوله «٢» :
والتّين والزّيتون: (التّين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس. وقيل) «٣» : التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس.
وقال الضحّاك: التين والزيتون مسجدان بالشام. وقال مجاهد وعكرمة «٤» : التين والزيتون هما المأكولان. (وقيل: التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا) «٥» .
٧٧٨ ومسجدها جليل فيه غرائب من الأعمال يطول وصفها، بناه الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين، وهو داخل المدينة مفروش بالرخام الأبيض مختّم بالأزرق «٦» وحيطانه منجّدة بالفسيفساء وسقفه لا خشب فيه وهو مذهّب كلّه. وله ثلاث مناور: المنار الواحد في مؤخّر المسجد مذهّب كلّه من أعلاه إلى أسفله (ذهبا وفسيفساء) «٧» .
стр. 450
٧٧٩ ولها كور جليلة «١» منها: جردان «٢» والسمة ومدنها بصرى وأذرعات والبلقاء وذمار وعمّان وجبال «٣» وشراط ومأرب وتنوفة والغور وبعلبكّ وبيروت، وهي قرية الأوزاعي، وأطرابلس ووجه الحجر وأجنادين واليرموك ومرج الصفر والجابية ومرج راهط «٤»
ذكر مدن فلسطين
٧٨٠ سمّيت فلسطين لأنّ أوّل «٥» من نزلها فلستين بن كيسوحين يقطن بن يونان بن يافث بن نوح ﵇، وهي مدينة بيت المقدس بينها وبين الرملة ثمانية عشر ميلا صحاري ووهادا، ويقال إنّ الرملة أربعة آلاف ضيعة. وبيت المقدس كان دار ملك لسليمان ﵇ وولد سليمان بعده. ومن بيت المقدس إلى مسجد إبراهيم ﵇ وقبره هناك ممّا يلي القبلة ثمانية عشر ميلا. وبلد يهودا بن يعقوب بن فلسطين وفي وسطه بيت إيليا، وكان يسمّى في أوّل كنعانية باسم كنعان بن حام. وبلاد النبط ما بين يهودا وبلاد العرب.
٧٨١ ومن مدن فلسطين غزّة وشنشط ونابلس واللّدّ:
واللدّ منزل جميل فيه ناس يعمرونه، وفيه تنزل الرفاق الواصلة «٦» من الشام
стр. 451
إلى مصر والقافلة من مصر إلى الشام. وفيه كنيسة عظيمة محكمة البناء واسعة الفناء عليها للنصارى أوقاف كثيرة. وفي لدّ عجائب. قال رجل: قلت لأهل لدّ: هذه بنتها الشياطين. قال: أنتم إذا جلّ في صدوركم بنيان أو عمل أضفتموه إلى الشياطين، لقد بني هذا البنيان قبل مولد سليمان ﵇ بمثل ما بيننا وبين سليمان. وفي الخبر المروي أنّ المسيح ﵇ يقتل المسيح الدجّال بباب لدّ. ومدينة نابلس كثيرة اليهود وهو سامرية وهي بلد السامرية، وكذلك سمرقند سامرية كلّهم، ويقال إنّه يبلغ عددهم في هذين الموضعين نحو ثلاثة آلاف.
٧٨٢ وفي الدرب الّذي يدخل من الأردنّ إلى أرمينية غريبة وذلك ماء ينبع من أعلى جبل، فإذا نزل في أسفله صار حجارة وصفائح، فإذا أخذ منه في إناء صار مثل الدم ولم ينعقد. وفي الجبل الّذي ينبع منه الماء علم عليه كتابة بالمسند: خلف دينك وادخل.
٧٨٣ قال: وإنّما سمّيت الشّام شاما لأنّها عن شمال الكعبة، وقيل لشامات في أرضها بيض وسود، وقيل: سمّيت بسام بن نوح لأنّه أوّل من نزلها فتطيّرت العرب لمّا سكنتها من أن تقول: سام، فقالت: شام، وقيل إنّ من سكنها من الخلفاء سمّوها بهذا الاسم وإنّها سرور لمن رآها «١» .
стр. 452
مدينة إيليا
٧٨٤ هي مدينة مصّرت في مفازة من الأرض والجبال محيطة بها، والمدينة في غربي المسجد. وماء إيليا من الأمطار ولداود ﵇ بها حياض مصهرجة فيها مياه الأمطار للشّفاء. وخارجها بساتين ومزارع وأشجار وكرم وزيتون، وليس بها من شجر النخل إلّا واحدة ويقال إنّها المذكورة في التنزيل في شأن مريم وهي منحنية «١» ، ويقال إنّها غرست منذ زيادة على ألف سنة.
٧٨٥ والأرض المقدّسة أربعون ميلا في مثلها، فأمّا البيت المقدّس فإنّ أوّل من بناه وأري موضعه يعقوب، وقيل داود على اختلاف من الناس. وكان من بناء داود ﵇ له إلى وقت تخريب بخت نصر إيّاه وانقطاع دولة بني إسرائيل أربعمائة سنة وأربع وخمسون سنة، فلم يزل خرابا إلى أن بناه ملك من ملوك طوائف الفرس يقال له كوشك، ثمّ تغلّبت ملوك غسّان على الشام بتمليك ملوك الروم لهم ودخولهم في نصرانيتهم إلى أن جاء الله بالإسلام، وملك الشام منهم جبلة بن الأيهم، ففتح الله الشام على المسلمين زمن عمر بن الخطّاب رضه، وكان أبو عبيدة قد كتب إلى بطارقة إيليا يدعوهم إلى الإسلام أو أداء الجزية، فالتووا عليه، فنزل عليهم وحاصرهم حصارا شديدا. فلمّا رأوا ذلك سألوه الصلح على الجزية، فأجابهم إلى ذلك.
قالوا: فأرسل إلى خليفتك عمر فيكون هو الّذي يعطينا العهد ويكتب لنا الأمان فإنّا لا نرضى إلّا به. فاستوثق منهم [أبو عبيدة بالأيمان المغلّظة إن قدم
стр. 453
أمير المؤمنين فأعطاهم الأمان ليقبلوا ذلك منه] «١» . وخاطب عمر رضه [بما دعوا إليه وباستيثاقه منهم] . قال: ثمّ سار عمر [رضه نحو إيليا وخرج المسلمون يستقبلونه، فخرج أبو عبيدة رضه بالناس، وأقبل عمر رضه على جمل له عليه رحل ملبّس جلد كبش حولي حتّى انتهى إلى مخاضة، فأقبلوا يتبادرونه حتّى نزل عن بعيره وأخذ بزمامه وهو من ليف، ثمّ دخل بين يديه حتّى صار إلى أصحاب أبي عبيدة ﵄، فإذا معهم برذون يجنبونه، فقالوا: يا أمير المؤمنين اركب هذا البرذون فإنّه أحجى بك وأهون عليك في ركوبه، ولا نحبّ أن يراك أهل الذمّة في مثل هذه الهيئة، واستقبلوه بثياب بيض. فركب البرذون وترك الثياب، فلمّا هملج به نزل عنه وقال: خذوا هذا عنّي فإنّه شيطان. فقالوا: يا أمير المؤمنين لو لبست هذه الثياب البيض وركبت هذا البرذون لكان أجمل في المروءة وأحسن في الذكر. فقال عمر رضه: ويحكم لا تعتزّوا بغير ما أعزّكم الله به فتذلّوا. ثمّ مضى ومضى المسلمون فيهم أبو الأعور السلمي قد لبسوا ثياب الروم من الديباج وغيره. فقال عمر رضه: احثوا في وجوهكم التراب حتّى ترجعوا إلى هيئتنا وسنّتنا، وأمر بدلك الديباج فخرق. فقال له يزيد بن أبي سفيان: يا أمير المؤمنين إنّ الدوابّ والسلب عندنا كثير والعيش رفيع والسعر رخيص وحال المسلمين كما تحبّ، فلو أنّك لبست هذه الثياب البيض وركبت هذه المراكب الفره وأطعمت المسلمين من هذا الطعام الكثير لكان أبعد في الصّيت وأعظم في أعين الأعاجم. فقال له عمر رضه: يا يزيد لا والله لا أتزيّن للنّاس بما يشينني عند الله ولا أريد أن يعظم أمري عند الناس ويصغر عند الله . ثمّ أرخى إلى إيليا] «٢» ، فخرج إليه [أبو الجعيد] فصالحه، وكتب لهم عمر كتابا أمّنهم فيه على أنفسهم [وذراريهم ونسائهم وأموالهم وكنائسهم واشترطوا أن لا يساكنهم اليهود فيها] «٣» .
стр. 454
٧٨٦ فلمّا قبضوا كتاب الصلح فتحوا للمسلمين أبواب إيليا، فدخل عمر رضه [والمسلمون معه: وسخر عمر رضه] أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس وكانت فيه مزبلة عظيمة. وجاء عمر ومعه كعب فقال: يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال: اذرع من الحائط الّذي يلي وادي جهنّم كذا وكذا ذراعا ثمّ احفر فإنّك تجدها. قال: وهي يومئذ مزبلة.
قال: فحفروا فظهرت. فقال عمر لكعب: أين ترى أن نجعل قبلة المسجد؟
قال: اجعلها خلف الصخرة فتجمع القبلتين قبلة موسى وقبلة محمّد ﷺ .
قال: يا أبا إسحاق [ضاهيت اليهود] ، خير المساجد مقدمها. قال: فبنى القبلة في مقدم المسجد. ثمّ بنى عبد الملك بن مروان مسجد بيت المقدس سنة سبعين وحمل إلى بنيانه خراج مصر لسبع سنين، وبنى القبّة «١» على الصخرة وجعل في أعلى القبّة «٢» ثمانية آلاف صفيحة من نحاس مطلية بالذهب في كلّ صفيحة سبعة مثاقيل ونصف من ذهب، وأفرغ على رؤوس الأعمدة مائة ألف مثقال ذهبا وخارج القبّة كلّها صفائح الرصاص وعليها صفيحة «٣» ...
٧٨٧ وهي ثلاث قباب متجاورة: قبّة الصخرة وقبّة المعراج وقبّة السلسلة الّتي كانت في زمن داود ﵇، وفيها قال الشاعر [سريع] :
مضى مع الوحي زمان العلى ... وارتفع الجود مع السلسلة
ويقال إنّ الّذي بنى قبّة بيت المسجد وجدّدها سعيد بن عبد الملك بن مروان، وكان يعرف بسعيد الخير وهو الّذي حفر نهر سعيد بالفرات، وعليه
стр. 455
قرى كثيرة. وطول مسجد بيت المقدس بالذراع الملكي ويقال إنّه ذراع سليمان ﵇ وهو ثلاثة أشبار-[سبعمائة وخمس وخمسون ذراعا] «١» ، وعرضه [أربعمائة وخمس وخمسون ذراعا] «٢» ، وفيه من الخشب السقف. وفيه خمسون بابا منها باب محمّد ﷺ . وفي المسجد سبعة محاريب منها محراب مريم ومحراب يعقوب ومحراب زكريا الّذي بشرته فيه الملائكة. وفيه كرسي سليمان الّذي يدعو عليه، وفيه من الصهاريج أربعة وعشرون صهريجا للماء، وفيه من سلاسل النحاس للقناديل «٣» ... وفيه خمسة آلاف قنديل [توقد فيه ليلة كلّ جمعة] ، وفي السلاسل ثلاثة وأربعون رطلا بالشامي، والرطل الشامي أربعة أرطال وأربع أواق بالفلفلي.
فضائل بيت المقدس ثلاث
٧٨٨ إنّ رسول الله ﷺ قال لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيليا. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص في هذه الآية: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
«٤» ، قال: هو سور بيت المقدس.
وعن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لمّا فرغ سليمان بن داود من بنيان بيت المقدس سأل الله ثلاث خصال: سأل الله أيّما عبدا خرج من بيته لا يعمر إلّا الصلاة في هذا المسجد أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، فنرجو أنّ الله قد أعطاه ذلك. وسأله حكما يوافق حكمه فأعطاه ذلك. وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه.
وعن كعب قال: من أتى بيت المقدس فصلّى عن يمين الصخرة وشمالها ودعا عند موضع السلسلة وتصدّق بما قلّ أو كثر استجيب دعاؤه وكشف عنه حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.
стр. 456
٧٨٩ وعن أبي العالية: إلى الأرض الّتي باركنا فيها للعالمين «١» قال: من بركتها أنّ كلّ ماء عذب إنّما يخرج من أصل صخرة بيت المقدس، يعني عين سماميح. والله إنّ مخرجها لمن تحت صخرة بيت المقدس وهي عين في وسط البحرين.
٧٩٠ وسئل عبادة بن الصامت ورافع بن حريج وكانا عقبتين بدرقين، فقيل لهما:
أرأيتما ما يقول الناس في هذه الصخرة؟ أشيء له أصل فنأخذ به أم شيء إنّما يوخذ من أهل الكتاب فندعه؟ فقال كلاهما: سبحان الله، فمن يشكّ في أمرها؟ إنّ الله تعالى لمّا استوى إلى السماء قال: بصخرة بيت المقدس هذا مقامي وموضع عرشي يوم القيامة ومحشر عبادي، وهذا موضع جنّتي عن يمينها وهذا موضع ناري عن يسارها وأنا ديّان الدّين، ثمّ استوى على العرش إلى عليين. وفيها أخبار كثيرة يطول وصفها.
٧٩١ وعبد الملك بن مروان هو الّذي بنى القبّة في أعلى الصخرة فأبرز الأموال ووكّل على ذلك رجاء بن حياة ويزيد بن سلام، وحشر لذلك الصنّاع وأمرهم أن يفرغوا عليها المال إفراغا دون أن ينفقوه إنفاقا. وتبقّى من المال بعد بنائها مائة ألف، فأمر بها عبد الملك جائزة لهما فكتبا إليه: نحن أولى أن نزيده من حلي نسائنا فضلا عن أموالنا، فصرّفها فيما شئت. فكتب إليهما: تسبك وتفرغ على القبّة، فما كان يقدر أحد أن يتأمّلها لما عليها من الذهب وكان لها
стр. 457
خفاءان خفاء من لبود وخفاء من أدم من فوقه تلبسها في الشتاء والصيف لتكنّها من الأمطار والرياح والثلوج.
طول بيت المقدس
٧٩٢ ... ذراعا «١» بذراع الملك وهو ستّ قبضات، وعرضه ... ويسرح فيه من القناديل ... وعدد أبوابه ... وعدد ما فيه من الآباط والعمد ... وعدد العمد الّتي في داخل الصخرة ... وقناديلها ... من نحاس وعشرة من فضّة كبار، وكلّ واحد عمل عند النبي ﷺ ، وفي وسط القبّة حبل معلّق فيه قنديل من فضّة بعضها منظومة بالجوهر. وهذه صفته: (انظر الصورة في الصفحة التالية) .
٧٩٣ وبإيليا الكنيسة العظمى الّتي وسطها صيهون، وهي العتيقة وهي الّتي يتعبّد فيها داود وفي وسطها قبر المسيح بزعمهم. فإذا كان يوم عيدهم ويوم السبت الكبير يخرج الناس من موضع القبر إلى الصخر، وحوالي السطح درابزين من أبنوس يشرفون منه على موضع القبر وكلّهم يتضرّعون إلى الله من وقت الأولى إلى المغرب، والإمام الّذي يؤمّ بالناس في المسجد الجامع قاعد مع الأمير، فهم على هذا حتّى يروا نارا بيضاء تخرج من جوف القبر، فيفتح السلطان الباب عن القبر ويدخل وفي يده شمعة فيوقدها في تلك النار فيرفعها إلى الإمام فيأتي الإمام بتلك الشمعة إلى المسجد الجامع فيشعل بها
стр. 458
القناديل، فإذا تداولت تلك الشمعة ثلاث أيد اتّقدت كلّها وصارت نارا للعالمين. ويكتب الأمير بخبر ذلك إلى السلطان ويعلّمه أنّ النار نزلت في وقت كذا وكذا من يوم كذا، فإذا نزلت تلك النار وقت الأولى من ذلك [اليوم] كان دليلا على أنّ السنة تكون خصيبة، وإذا تأخّرت ونزلت وقت العصر دلّت على أنّ السنة [تكون] قحطة. وهذه النار تنزل في يوم فصحهم.
٧٩٤ قال المؤلّف: هكذا نقل بعض المؤرّخين وهو أمر غير صحيح، وإنّما كانت هذه حيلة وناموس عمل من نواميس أسقف بيت المقدس، فكان يعمد إلى خيط «١» إبريسم رقيق طويل فيدخله من وراء الحائط إلى القبر ويخرج من القبر إلى سرج الثريا وهو مدهون بالبلسان وتشتعل النار فيه من وراء الحائط بغلافين قد اتّخذهما لا صبعيه من خشب نوري، وتسري النار في البلسان حتّى يتّقد منها السراج. ففضحه علي بن إبراهيم الوزير أيّام كونه هناك وكشف للناس وجه حيلته وضرب في عنفه فبطلت النار من ذلك الوقت.
٧٩٥ ويتّصل بهذه الكنيسة كنيسة يقال لها كنيسة قسطيص، وبغربيّها كنيسة يقال لها الجسمانية. وعلى فرسخ منها ممّا يلي قبلتها في مستو من الأرض بيت لحم، وبه ولد المسيح ﵇ وبه النخلة الّتي ساقطت على مريم رطبا جنّيّا والسري الّذي جعله الله تحتها فشربت منه وتطهّرت، والمهد الّذي جعلت فيه المسيح، وهو حوض أبيض غسلته فيه. وهو قريب من العين.
стр. 459
٧٩٦ وعلى فرسخ من مدينة الطبرية قرية يقال لها المجدل فيها كنيسة مريم، فيها السبعة المجانين الّذين أبرأهم المسيح ﵇ يقال لها الطابقان، وهناك بارك عيسى ﵇ على خمسة أرغفة وسمكتين وأطعم منها خمسة آلاف من أصحابه وفضل منها اثنا عشر زنبيلا. ومنها على فرسخ مسجد الخضر وتحته قناة ماء يجري حتّى ينصبّ في البحيرة. ومنها على أربعة فراسخ مسجد بناه عمر بن عبد العزيز ﵀ وتحته الجبّ الّذي ألقي فيه يوسف ﵇. ومنها على فرسخين مدينة يقال لها بانياس، وها هنا ينبع ماء نهر الأردنّ وعليه الأرحاء، ويذكرون أنّها كانت تقف يوم السبت فلا تطحن، وكان انخسف نصفها وتعلّق الناس بالمسيح أن ترفع فأبى ورفع رجله حتّى انخسف نصف الأرحاء. وفيها أحيا المسيح بنت أدران الملك بعد عشرة أيّام، وعمل العجائب في تلك المدينة.
ذكر بلاد الروم وجملة من أخبارهم
٧٩٧ كانت رومة دار مملكتهم ونزلها من ملوكهم تسعة وعشرون ملكا، ثمّ نزل نقمودية «١» منهم ملكان، ثمّ انتقلت مملكتهم إلى رومة فنزلها ملكان، ثمّ ملك بها قسطنطين الأكبر فانتقل إلى بزنطية «٢» وبنى عليها سورا وسمّاها القسطنطينية.
ولها نحو مائة باب، وطولها من الباب الشرقيّ إلى الباب الغربيّ ثمانية وعشرون ميلا، وقيل اثنا عشر فرسخا في مثلها، وفرسخهم ميل ونصف. ودور قصر الملك فرسخ يحيط به سور منيف وله ثلاثة أبواب.
стр. 460
٧٩٨ وعلى مقربة منه كنيسة الملك، لها عشرة أبواب أربعة منها ذهب وستّة من فضّة، وفي المقصورة الّتي يصلّي فيها الملك موضع أربع أذرع في أربع أذرع مرصّع بالدرّ والياقوت «١» ... والأرقنا «٢» آلة من خشب مربّعة على هيئة المعصرة يغشّى بأدم وثيق ثمّ تجعل فيه ستّون أنبوبة قد غشيت تلك الأنابيب بالذهب فوق «٣» الأدم لا يتبيّن منها إلّا اليسير، وهي على مقادير مختلفة في الطول ليست متساوية، و [توضع] ثلاثة صلبان فوق الآلة: صليب في طرفها وصليب في وسطها وصليب على الطرف الثاني. وفي جانب هذه الآلة المربّعة ثقب يجعل فيه منفخ مثل كور الحدّادين ورجلان ينافخان «٤» ذلك المنفخ لا يفتران، ويقوم الأستاذ فيحسب على تلك الأنابيب. وهذه الآلة من أجلّ ما عندهم، تسمع منها أصوات غريبة مطربة ومتحدّثة وملوكهم لا يستغنون عنها في أكثر أحوالهم وهي من الغريب المتعذّر، والله أعلم.
٧٩٩ وإذا أراد الملك الخروج إلى هذه الكنيسة العظمى فرش له في طريقه من باب القصر إلى الكنيسة حصر وفوق الحصر ضروب الرياحين الطيّبة، وتزيّن حيطان دور المدينة يمنة ويسرة بالديباج وضروب ثياب الحرير. ويخرج بين يديه عشرة آلاف شيخ عليهم كلّهم ديباج أبيض. ثمّ يخرج بعدهم عشرة آلاف خادم عليهم ديباج في لون السماء في أيديهم الطبرزينات «٥» الملبّسة بالذهب. ثمّ يخرج بعدهم خمسة آلاف من فتيان الصقالبة أوساط عليهم ملاحم خراسانية بيض بأيديهم كلّهم صلبان الذهب، ثمّ يخرج من بعدهم
следующие страницы →