← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القول في مدّة عمارة الأرض ١ عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس ﵃ أنّ ذلك سبعة «١» آلاف سنة. وكذلك قال أهل الكتاب وأخذوا ذلك مأخذا شرعيّا. أبو صالح عن كعب: ستّة آلاف «٢» سنة. ابن معقل عن وهب مثله. ٢ قال ط: والأوّل الصواب لرواية ابن عمر عن رسول الله ﷺ : أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغيب الشمس، وقوله ﵇: بعثت أنا والساعة كهتين، وجمع ما بين السّبابة والوسطى. وصحّ عنه مع ذلك ما رواه ابن وهب يرفعه إلى أبي ثعلبة الخشني أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: لن ينقض الله هذه الأمّة من نصف يوم، يريد اليوم الذي مقداره «٣» ألف سنة. فإذا كان ذلك كذلك معلوما أنّ الماضي إلى ظهور الإسلام ستّة آلاف سنة. وقد روي عنه ﷺ قول يدلّ على صحّة القول الآخر.

стр. 37

٣ وأصحّ ما روي في التاريخ على ما ذكره ط س أنّ [من آدم إلى الطوفان ألفي سنة ومائتي سنة وستّا وخمسين سنة و] «١» من الطوفان إلى مولد إبراهيم ﵇ ألفا وتسعا وسبعين سنة، ومن مولد إبراهيم إلى خروج موسى من مصر ببني إسرائيل إلى التيه «٢» الذي مات فيه خمسمائة وخمسا وستّين سنة، ومن ذلك الوقت إلى أربع من ملك [سليمان بن] «٣» داود، وهو وقت ابتدائه لبناء بيت المقدس [ستّمائة سنة وستّا وثلاثين سنة، ومن بناء بيت المقدس إلى ملك الإسكندر سبعمائة سنة وسبع عشرة سنة، ومن ملك الإسكندر إلى مولد المسيح عيسى بن مريم ﵇ ثلاثمائة سنة وتسعا وستّين سنة] «٤» ، ومن «٥» مولد المسيح بن مريم الى بعث محمد ﷺ خمسمائة سنة وإحدى وستّين سنة. فذلك ستّة آلاف سنة ومائة سنة واثنتان وثمانون سنة «٦» ، ويوافق ما اخترناه من أنّ مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة لقوّة الآثار في ذلك. ٤ وقول الفلاسفة إنّ تدبير هذا العالم «٧» الذي نحن فيه السنبلة وسلطانها سبعة آلاف سنة، فإذا استكمل العالم قطع هذه المسافة وقع النفاد والدثور، ثمّ عاد التدبير إلى الميزان فاجتمع المراد ويبتدئ النشر عودا. وسلطان الجمل عندهم اثنا عشر ألف سنة، ثم كذلك على التوالي حتّى تكون قسمة الحوت ألف سنة. فإذا انصرمت هذه المدّة انقضى عالم الكون والفساد. وهذا قول هرمس، وزعم أنّه لم يكن في عالم الحمل والثور «٨» والجوزاء على الأرض حيوان، فلمّا كان عالم السّرطان تكوّنت دوابّ الماء وهوّام الأرض، فلمّا

стр. 38

كان عالم الأسد تكوّنت دوابّ الأربع، فلمّا كان عالم السنبلة تولّد الإنسانان الأوّلان أدمانوس [وحيوانوس] . وزعم غيره أنّ مدّة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرجة الفلك، والكوكب يقطع البرج في ثلاثة آلاف سنة، فذلك ستّة وثلاثون ألف سنة، وهي ألف وعشرون كوكبا. ٥ وزعم أهل التوراة أنّ ما مضى من لدن خلق آدم إلى الهجرة على ما وجدوه فيها أربعة آلاف سنة وستّمائة سنة واثنتان وأربعون سنة. وزعم أهل الإنجيل أنّ ذلك إلى الهجرة خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة. وزعم المجوس أنّ مدّة الزمان من لدن جيومرت، وهو آدم عندهم، إلى الهجرة ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وتسع وثلاثون سنة. والله أعلم بغيبه وأحكم. القول في مبدأ الخلق ٦ قال أبو عبيد ﵀: إنّ الله خلق الأشياء على غير مثال وابتدعها من غير أصل وأنشأها من غير حاجة إليها ليستدلّ بذلك على قدرته ويعتبر في بديع حكمته. فتبارك الله خالق كلّ شيء وهو أحسن الخالقين. ٧ ثبت أنّ رسول الله ﷺ قال: أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك السّاعة بما هو كائن، رواه ابن عبّاس وغيره. وعن ابن عبّاس ﵄: القلم طوله خمسمائة عام، واللوح من ذهب ونتاه من ياقوتة

стр. 39

حمراء عرضه ما بين السّماء والأرض ينظر الله فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستّين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت. ٨ ط: وقال ابن إسحاق: أوّل ما خلق الله النّور والظلمة، والأوّل أصحّ. قال: ثمّ إنّ الله خلق بعد ذلك سحابا رقاقا وهو الغمام الذي ذكره الله في كتابه: هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة «١» . كما روى أبو رزين قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: في غمام تحته هواء وما فوقه هواء. ٩ ثمّ اختلف في الذي خلق بعد هذا الغمام، فقيل الكرسي، وقيل العرش، وقيل الماء، فكان عرشه على الماء باتّفاق، وقيل إنّ الماء كان على متن الريح. ١٠ عن ابن عبّاس ﵄ قال: لمّا أراد الله أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا نسما فسمّاه سماء، فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ «٢» بعد تمام سائر الخلق، وذلك قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «٣» ، ودحا الأرض في يومين، أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثمّ فتقهنّ سبع أرضين في يومين وفرغ من سائر الخلق في يومين.

стр. 40

١١ وروي أنّه لمّا أراد الله خلق السماوات والأرض سلّط الريح العقيم على الماء، فعظمت أمواجه وكثر زبده وصعد دخانه وسما، فسمّاه سماء، وقال لزبده: اجمد فجمد فصار أرضا، وخلق الأرض على حوت. ١٢ س ط: والحوت هو الذي ذكره الله قال: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ «١» ، والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها الله في كتابه العزيز حكاية عن لقمان ﵇. فاضطرب الحوت فتزلزلت الأرض فأرساها الله بالجبال. فذلك قوله : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ «٢» . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ «٣» . ذكر الأيّام ١٣ قال أبو عبيد: واختلف في اليوم الذي ابتدأ الله فيه الخلق، فقيل الأحد، وقيل السبت، وقيل الاثنين. ط: والأول أصحّ، كذلك روي عن ابن عبّاس ﵄ وعبد الله بن مسعود ورواه مالك يرفعه إلى ابن سلام قال: خلق الله الأرضين يوم الأحد والاثنين وخلق ما عليها من المنافع يوم

стр. 41

الثلاثاء والأربعاء وفتق السّماوات: وكانتا رتقا «١» يوم الخميس والجمعة، وإنّما سمّي الجمعة لأنّه جمع فيه خلق السماوات والأرض. ١٤ ابن سلام وكعب: وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة، فتلك السّاعة التي تقوم فيها السّاعة. ج عن عكرمة: خلق في ساعتين منه الملائكة وفي ساعتين الجنّة والنار وفي ساعتين الشمس والقمر والكواكب وفي ساعتين الليل والنهار. واختلف أيّها خلق قبل، والصواب قول من قال إنّ الليل خلق قبل النهار لأنّ النهار من ضوء الشمس. ١٥ وذكر ق أنّ آدم ﵇ خلق يوم الخميس «٢» . وذكر ط في خبر إبليس أنّ الله خلق الملائكة يوم الأربعاء والجنّ يوم الخميس وآدم يوم الجمعة. وقال ط: بعد إحدى عشرة ساعة منه، فمكث جسدا ملقى أربعين عاما من أعوام الدنيا، ثم نفخ فيه الروح. وكان مكثه في السّماء ومقامه في الجنّة بعد ذلك إلى أن أصاب الخطيئة وأهبط منها ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر، وذلك من ساعات الأيّام الستّة. وذلك قول الله : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ «٣» إلى آخرها. ١٦ قال ح عن عطاء وعبد الله بن عبّاس ﵃ إنّ الله خلق

стр. 42

الجبال يوم الثلاثاء، فلذلك تقول الناس إنّه يوم ثقيل. قال عطاء وابن عبّاس ﵃: وفرغ من سائر الخلق في اليوم السّابع وهو يوم السبت، صحّ لهما. قال س: وإنما سمّي السبت لأن خلق المخلوقات انقطع فيه، يقال: سبت شعره إذا سخفه. والأيّام النحسات كلّ أربعاء يوافق أربعا من الشهر نحو أربع خلون أو أربع بقين أو أربع عشرة خلت أو بقيت أو أربع وعشرون خلت أو بقيت. قال ط: وكلّ يوم من هذه الستّة الأيّام مقدار ألف سنة. ١٧ وكان بين خلق القلم وسائر المخلوقات ألف سنة، وهو يوم على ما قدّمناه. فقدر ما بين ابتداء الخلق إلى الفراغ منه سبعة آلاف سنة، كذلك روى عكرمة عن ابن عبّاس وأبو روق عن الضّحّاك وأبو صالح عن كعب. والضّحّاك بن مزاحم يقول: إنّ أسماء الأيّام التي خلق الله فيها المخلوقات انجدال قد نسيت، رواه خ عن زيد بن أرقم، وهذا لا تناقض فيه لأنّ اختلاف الألسنة واللغات ممكن. ١٨ وقال ابن عبّاس ووهب ﵃ أن السّماوات والأرض والبحار لفي الهيكل وإنّ الهيكل لفي الكرسي وإنّ قدميه على الكرسي وهو كالنعل لقدميه انفرد بهذا وهب. والكرسي داخل في العرش والعرش داخل في علم الله . ١٩ س: سماء الدنيا من درّة بيضاء والثانية من فضّة والثالثة ياقوتة حمراء والرابعة درّة خضراء والخامسة ذهب والسّادسة ياقوتة صفراء والسّابعة نور قد طبّقها

стр. 43

بملائكة قيام قد خرقت أرجلهم الأرض السّابعة ورؤوسهم تحت العرش من غير أن تبلغه، يسبّحون اللّيل والنهار لا يفترون «١» ٢٠ ق: عن عليّ [في قول الله ] «٢» والبحر «٣» المسجور «٤» ، قال: [هو بحر تحت العرش] «٥» (وهذا شبيه بما) «٦» في التوراة على أنّ السماء ما بين مائين. س: وتحت سماء الدنيا بحر من ماء يطفح «٧» فيه من الدوابّ مثل ما في بحور الأرض مستمسك بالقدرة. ٢١ وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف وسقف محفوظ، ولولا ذلك لأحرقت الشمس الأرض ومن عليها. وبين كلّ سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء والعرش مسيرة ألف عام. ثمّ قال رسول الله ﷺ : هو الأول لا شيء قبله والآخر لا شيء بعده، وهو بكلّ شيء عليم. ٢٢ وقال بعض أهل الأثر إن البيت المعمور فوق السّماوات السّبع وله ثلاثمائة وستّون بابا جعلت درج الفلك بإزائها، وإنّ كلّ علم ورحمة وقضاء إنّما تنزل من تلك الأبواب إلى ما يوازيها من درج البروج، ثمّ يصير إلى الأرض. وقال

стр. 44

بعضهم إنّ الخلائق العالية الروحانية- وهم الملائكة- اثنا عشر صفّا حذاء البروج الاثني عشر، وإنّهم نوريّون جعل الله فيهم حولا وقوّة يقدر أحدهم أن يلج في سمّ الخياط لطفا ويخوض في تخوم الأرض والبحار نوره. وزعم أهل الطبائع أن الفلك حيّ مميّز ذو صورة وأنّ الكواكب ذوات صور حيّة ناطقة حسّاسة. ٢٣ وروى وهب بن منبّه أنّ النبيّ ﷺ قال: إنّ لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم واحد، وما العمران في الخراب إلّا كحبّة خردل في كفّ أحدكم. وفي الحديث أنّ لله مدينتين واحدة بالمشرق واسمها جابلقا والأخرى بالمغرب واسمها جابرصا، طول كلّ واحدة اثنا عشر ألف فرسخ، ولكلّ مدينة عشرة آلاف باب يحرس كلّ باب كلّ ليلة عشرة آلاف رجل لا تلحقهم النوبة إلى يوم القيامة، الرجل منهم يعمر ستّة آلاف سنة إلى ما دونها، وهم يأكلون ويشربون ويتناكحون وفيهم حكم كثيرة. والمدينتان خارجتان من الدنيا لا يرون شمسا ولا قمرا ولا يعرفون إبليس ولا آدم يعبدون الله، وإنّ لهم نورا يسعون فيه من نور الله من غير شمس ولا قمر. قال رسول الله ﷺ : مرّ بي جبريل عليهم فآمنوا بي فدعوتهم إلى الله ، فأجابوا فمحسنهم مع محسنكم ومسيئهم مع مسيئكم. ذكر إبليس «١» ٢٤ كان الله قد شرّفه وملّكه سماء الدنيا والأرض وجعله مع ذلك من خزنة الجنان. وقال ابن عبّاس ﵄: ولذلك سمّوا جنّا. قال ابن

стр. 45

عبّاس: وكان من أشرف الملائكة قبيلا واسمه الحارث، وقيل عزازيل، وكنيته أبو مرّة. فدخله من ذلك كبر ودعا من تحت يده إلى عبادته. وقيل إنّه أوّل من أسكن الأرض الجنّ، فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم حتّى ألحقهم بالبحار وأطراف الجبال، فاعترى إبليس في نفسه ووقع في صدره كبر ولم تعلم بذلك الملائكة، فأراد الله إطلاعهم عليه بما أراهم من معصيته. ٢٥ وقيل إن الله لمّا أسكن الأرض الجنّ بعث إليهم إبليس قاضيا يقضي بينهم، فبقي يقضي بينهم بالحقّ ألف سنة حتّى سمّاه الله حكيما، فعند ذلك تكبّر. وقيل إنّ الذين كان بعث إليهم إبليس البأس والعداوة، فاقتتلوا في الأرض ألفي سنة حتّى أنّ خيولهم كانت تخوض في دمائهم، وذلك قول الله : أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد «١» . فبعث الله عند ذلك نارا فاحرقتهم، وعرج إبليس إلى السماء فلم يزل يعبد الله مجتهدا لم يعبده شيء من عباده مثل عبادته حتّى كان من آدم ما كان، فأهبطه الله في أقبح صورة وأشرّها تشويها، فسكن البحر ووضع عرشا على الماء وجعلت له ولاية وألقيت عليه شهوة الفساد، وجعل لقاحه كلقاح الطير. ٢٦ وذكرت الهند والفرس أنّ الجنّ مائة واثنان وثلاثون قبيلة: فالّذين يطيرون في الجوّ خمس عشرة قبيلة، والذين يمشون على أرجلهم خمس وعشرون قبيلة، والذين يخرجون مع الزوابع اثنتا عشرة قبيلة، والذين مع لهب النار عشر قبائل، ومسترقو السّمع ثلاثون قبيلة، وسكّان الهواء- وهم مثل الدخان- ثلاثون قبيلة.

стр. 46

٢٧ وروي عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: الجنّ ضعفة الجنّ، وإنّ الكلاب من الجنّ، فإذا رأوكم تأكلون فالقوا إليهم فإنّ لهم أنفسا، يعني يعينون أي يصيبون بالعين. القول في خلق آدم ﵇ «١» ٢٨ عن ابن عبّاس وابن مسعود ﵃ أنّ الله أمر جبريل أن يأتيه بطين من الأرض، فاستعاذت الأرض منه فأعاذها، ثمّ أمر ميكائيل كذلك، ثمّ أمر ملك الموت، فاستعاذت منه، فقال: أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفّذ أمره. فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنوه مختلفي الألوان. عن ابن عبّاس ﵄ قال: بعث الله [ابليس] «٢» ، فأخذ من أديم الأرض من عذبها وملحها، فمن ثمّ سميّ آدم ومن ثمّ قال إبليس: أأسجد لمن خلقت طينا «٣» أي هذه الطينة أنا جئت بها. ٢٩ وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر ذلك: الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيّب. قال ط: ثمّ بلّت طينة آدم حتّى صارت طينا لازبا، ثم تركت حتّى صارت حمأ مسنونا، ثم تركت حتّى صارت صلصالا كالفخّار، ومدّة

стр. 47

ذلك أربعون ليلة، وقيل أربعون عاما. فذلك قول الله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً «١» . وقيل مائة وأربعون سنة وهو أصحّها، وذكر الأربعون سنة أيضا. قال: وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول: لست شيئا ولشيء ما خلقت، ولئن سلّطت عليك لأهلكنّك، ولئن سلّطت عليّ لأعصينّك. ونفخ فيه الروح على ما تقدّم آخر ساعات الجمعة وهو اليوم السّادس من أوّل أيّام الخلق، وكان السّادس من نيسان. فجعل ما يجري الروح في شيء من جسمه إلّا صار لحما ودما، ثم عطس فقالت له الملائكة: قل الحمد لله، فقالها، فقال الله تعالى: «يرحمك ربّك يا آدم» . فلمّا دخل الروح في عينيه رأى ثمار الجنّة، فلمّا دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب يريدها قبل أن يبلغ الروح رجليه، فلذلك قال الله : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ «٢» . ٣٠ عن عليّ: ثمّ جعل الله آدم محرابا وكعبة وبابا وقبلة أسجد له الروحانيين الأبرار، سجدوا إلّا إبليس، فأوقع الله عليه اللعنة وأخرجه من الجنّة وبقي في السّماء لم يهبط إلى الأرض، فذلك قوله: فأخرج منها، إلى قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ «٣» . وعلمت الملائكة ما كان عنهم مستترا. ٣١ ثمّ علّم الله آدم الأسماء كلّها. قال عبد الله ابن عبّاس: كلّها عموما. وقال وهب: أسماء ذرّيته. وقال آخرون: أسماء الملائكة. ثم

стр. 48

عرض الله أهل الأسماء على الملائكة، فقال : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «١» . وكانوا يقولون لمّا أخذ في خلق آدم: ليخلق ربّنا ما يشاء فلن يخلق خلقا إلّا كنّا أعلم منه، فذلك قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . ففزعوا إلى التوبة: قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . ثمّ قال: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ . الآية «٢» . القول في خلق حوّاء ﵍ ٣٢ ثمّ خلقت حوّاء من آدم وأسكنهما الجنّة. وأصحّ ما قيل في مدّة مقامهما بها إلى أن أهبطا ما تقدّم ذكره. قال: مكثا ثلاث ساعات وهو ربع يوم مائتان وخمسون سنة من أعوام الدنيا. ويقال: مكثا فيها ستّة أيّام وأهبطا في الجمعة الثّانية. تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّ الله خلق آدم يوم الجمعة وفيه أهبط إلى الأرض وأخرجه من الجنّة يوم الجمعة وتاب عليه يوم الجمعة وقبضه يوم الجمعة. وقال بعضهم: أخرج آدم من الجنّة في الساعة العاشرة أو التّاسعة. والمعروف ما تقدّم أوّلا، كما أنّ بعضهم قد ذكر أنّه خلق لساعتين مضتا من يوم الجمعة، وقيل لثلاث، والصحيح ما تقدّم. ٣٣ وأهبط الله آدم قبل غروب الشّمس من اليوم الذي خلقه فيه بالهند على جبل يقال له واسم «٣» عند واد يقال له بهيل «٤» بين الدهنج والمندل، وهو بشرقي

стр. 49

أرض الهند، وقيل على جبل يقال له يرد «١» ، وقيل بسرنديب على جبل الرهون منها، وعليه الورق الذي خصفه، فيبس فذرّته الريح في بلاد الهند، فعلّة كون الطيب في بلاد الهند من ذلك الورق، عن ابن عبّاس ﵄ مثله. وأهبطت حوّاء بجدّة والحيّة بأصبهان، وقيل بالبريّة، وإبليس بساحل بحر الأبلّة بميسان. قال أبو جعفر: وهذا لا نعلم صحّته. وأمّا هبوط آدم بأرض الهند فذلك ما لا يدفع (صحّته علماء الإسلام) «٢» وأهل التوراة وأهل الإنجيل. ٣٤ وإنّ آدم لمّا أهبطه من الجنّة أخرج معه ثلاثين قضيبا مودعة أصناف الثمار، منها عشرة لها قشر وهي: الجوز واللوز والجلوز والفستق والخشخاش والشاهبلوط والبلّوط والرانج- وهو جوز الهند- والموز والرّمان، وعشرة ذوات نوى وهي: الخوخ والمشمش والإجاص والرطب والغبيراء والنبق والزعرور والعنّاب والمقل والقراسيا، ومنها ما لا قشر له ولا حجاب ولا نوى وهي: التفّاح والسفرجل والعنب والكمثرى والتّين والتوت والأترج والقثاء والخيار والبطيخ، مثله إلّا أنّه ذكر مكان المقل الشّاهلوك «٣» وهو العنيقد، ومكان القثاء الخرنوب. وأمّا المقل فإنه يثمر بالهند ثمرا طيبا يستعمل ولا يكاد يثمر في غيرها، وله شجر يشبه النخل. ٣٥ ثمّ جاء آدم ﵇ في طلب حوّاء فتعارفا بعرفات، فبذلك سمّيت. وازدلفت حوّاء بالمزدلفة، فسمّيت بذلك أيضا.

стр. 50

٣٦ ق: طوى الله له الأرض وقبض المفاوز، فلم يضع آدم قدمه في موضع إلّا صار عمرانا، حتّى وصل إلى مكّة، كان موضع قدميه قرية وخطوته مفازة. ٣٧ وعن عطاء وابن عباس ﵃ أنّ آدم لمّا أهبط كان يمسح رأسه السّماء. (ابن عبّاس: فمن ثمّ صلع وأورث ولده الصلع) «١» ، ومن طوله نفرت دوابّ الأرض، فصارت وحشية من يومئذ، ثم اتّفقا فخفضه الله حتّى حطّ طوله إلى ستين ذراعا، صحّ عن النبي ﷺ . فقال: يا ربّ كنت أسمع أصوات الملائكة يسبّحونك وأجد ريح الجنّة وطيبها وكنت آنس بذلك، فقد ذهب ذاك عنّي. فأجابه الله سبحانه: يا آدم لمعصيتك فعلت بك ذلك. وأوحى الله إليه: إنّ لي حرما بجبال عرشي، فانطلق فابن فيه بيتا تحفّ به كما رأيت الملائكة يحفّون بعرشي، فهناك أستجيب لك ولولدك من كان منهم في طاعتي. فقال آدم: يا ربّ وكيف لي بذلك؟ فقيّض الله له ملكا فانطلق به نحو مكّة. وكان آدم إذا مرّ بروضة أو مكان يعجبه سأل «٢» الملك أن ينزل به حتّى أتى مكّة، فصار كلّ مكان نزل به عمرانا، وكلّ مكان تعدّاه مفازة. فبنى البيت من خمسة أجبل: من طور سينا وطور زيتا ولبنان والجودي وبني قواعده من حراء. ثم أراه الملك المناسك كلّها. ثم ذكر أيضا أن شيتا بنى الكعبة بالحجارة والطين، وأنّه كانت هناك خيمة لآدم وضعها الله له من الجنّة لمّا اشتدّ جزعه على مفارقتها، وأنّ تلك القبّة لم تزل في الكعبة حتّى رفعها الله حين أرسل الطوفان.

стр. 51

٣٨ وكان آدم قد أنزل معه الحجر الأسود وكان درّة بيضاء- وقال ابن عبّاس: ياقوتة بيضاء- وعصا موسى وكانت من آس الجنّة طولها عشرة أذرع على طول موسى. ثم أنزل الله عليه العلاة «١» والمطرقة. وكان أوّل شيء ضربه آدم المدية، ثم ضرب التنّور وهو الذي ورثه نوح ﵇، ففار بالعذاب بالهند، وغزلت حوّاء الصوف والشعر من الثمانية أزواج التي أنزلها آدم من الجنّة وحاكته بيدها، حاكه آدم فاكتسيا. ٣٩ وبقي آدم وحوّاء يبكيان على ما فاتهما من نعيم الجنّة مائتي سنة ولم يقرب حوّاء مائة سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما، ولم يزل يسائل الله قبول توبته وأن يرجعه إلى الجنّة حتّى أجابه، فذلك قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ «٢» . قال جماعة قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية «٣» . ٤٠ واستطعم آدم ربّه، فبعث إليه مع جبريل بسبع حبّات من حنطة وزن الحبّة مائة ألف درهم وثمانمائة درهم وأراه كيف يبذرها. وقيل إنّ آدم أهبطها مع نفسه من الجنّة. فلما بلغ الزرع أتاه أمر الله فدرسه. ثمّ أذراه وطحنه، ثم أمره بعجنه وأراه جبريل كيف يوري النار فطبخه. فلم يبلغ ذلك حتّى بلغه الجهد ما شاء الله أن يبلغ. فذلك قوله : فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ

стр. 52

فَتَشْقى «١» . ومسح الله ظهر آدم بنعمان من عرفة، فأخرج ذريّته فنشرهم بين يديه كالذرّ، فأخذ مواثيقهم كما تكرّر في التفسير. القول في كيفيّة تصوّر الجنين «٢» ٤١ ذكر جالينوس في كتابه عن أبقراط الحكيم أنّ مقام المني مقام الفاعل والمفعول به في تصوّر الجنين. وقال صاحب المنطق إنّ المني يغتذي دم الحيض قبل الحركة، ثم يستحيل روحا فيخرج من الرحم. وحكى جالينوس أيضا أنّه يجري إليه الدم الذي هو الطمث فينميه ويجذب إليه الروح من العروق والشريانات. وقد ذهب قوم إلى أنّ في الرحم قالبا يتصوّر فيه الجنين. والّذي يقضي على جميع هذا هو ما أخبر به الباري : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٣» . ولم يخبر بكيفية ذلك بل استأثر بعلمه، فهذا ممّا ينقطع علم العقول عنده. ٤٢ وذكر أنّ له ألف أمّة وعشرين أمّة بعدد الكواكب الثّابتة، في البحر منها ستّمائة وباقيها في البرّ أحسنها كلّها صورة وأجلّها خلقا وأتمّها اعتدالا الإنسان خلقه الله على صورة اسرافيل. وفي الحديث: لا تضربوا الوجوه فإنّها على صورة إسرافيل. ويقال إنّ في الإنسان من كلّ الخلق، فلذلك سخّر له جميع الحيوان وأكل من جميع المأكولات وعمل بيده جميع الأعمال وألهم إلى جميع المنافع والمضارّ وعلم العلوم، وإيّاه خاطب الباري وهو المتعبّد من هذه الأمم وعليه وقع الأمر والنهي.

стр. 53

[القول في ولد آدم ﵇] ٤٣ وكان آدم لا يولد له بطن إلّا توأمان ذكر وأنثى، فخالف بينهم في المناكح حتّى ولد له ابنان يقال لأحدهما قابيل وللآخر هابيل- والصحيح قايين «١» . س: وقد ذكر «٢» علي ابن الجهم ذلك في قصيدته في بدء الخلق [رجز] : واقتنيا الابن فسمّي قاينا ... وعاينا من أمره «٣» ما عاينا فشبّ هابيل وشبّ «٤» قاين ... ولم يكن بينهما تباين فزوّج «٥» أخت قايين هابيل وأخت هابيل قاين، وتلك كانت شيمة آدم احتياطا (لأقصى ما يمكنه في ذوي المحارم لموضع الاضطرار وعجز النسل عن التباين والاغتراب) «٦» . وقد زعمت المجوس أنّ آدم لم يخالف في النكاح بين البطون ولم يتّخذ «٧» المخالفة، ولهم في هذا سرّ يدّعون فيه الفضل [في صلاح الحال في تزويج الأخ من أخته والأمّ من ابنها] «٨» ، قد ذكرته في كتابنا الموسوم بأخبار الزمان. فأبى قابيل أن يتزوّج أخت هابيل لأنّها كانت أخته أجمل من أخت هابيل وقال: أنا أحقّ بها. فقرّبا قربانا إلى الله أيّهما أحقّ بالجارية. فقرّب هابيل شاة سمينة وكان صاحب ماشية، وقرّب قابيل حزمة سنبل وكان صاحب زرع، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففرّكها وأكلها فنزلت النار فأكلت قربان هابيل. ق: وذلك بمنى. فغضب قايين وقال: لأقتلنّك. فكان من أمرهما ما نصّه الله تعالى، فاغتاله قايين في بريّة بلاد دمشق من أرض الشام وقتله شدخا بحجر. ويقال إنّ الوحش هناك استوحش من الإنسان لأنّه بدأ بالشرّ والقتال. وكان من أمر الغراب في المواراة ما كان.

стр. 54

٤٤ وفرّ قابيل بأخته إلى عدن من أرض اليمن، وبلغ آدم ما صنع فوجد هابيل قتيلا وقد نشفت الأرض الدم، فلعنها ومن أجل لعنته أنبتت الشوك. ٤٥ وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأوّل إنّ قابيل وتوأمته ولدا لآدم في الجنّة، فلم تجد حوّاء ﵍ عليهما وصبا ولا طلقا ولم تر معهما دما. ثم أوّل ما ولدت بالأرض هابيل وتوأمته، فوجدت ما تجده النساء. ويقوّي هذا ما أتى في الحديث عن ابن عبّاس ووهب وابن زيد وغيرهم أنّ الله لمّا قال لآدم: يا آدم من أين أتيت؟ قال: من قبل حوّاء. قال: عليّ أن أجعلها تحمل كرها وتضع كرها، فقد كنت خلقتها تحمل يسرا وتضع يسرا. قال صاحب هذه المقالة: ولذلك فاق حسن أخت قابيل أخت هابيل. ٤٦ ط: وقال قوم: لم تكن قصّة هذين الرجلين اللذين قتل أحدهما أخاه في عهد آدم ولا كانا لصلبه، وإنّما كانا من بني إسرائيل. قالوا: لأنّ القربان لم يكن إلّا في بني إسرائيل. والصحيح ما قدمناه (لصحّة الحديث) «١» . عن عبد الله بن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نفس مظلومة إلّا كان على ابن آدم كفل منها لأنّه أوّل من سنّ القتل.

стр. 55

٤٧ تكررت الأخبار «١» عن علي ﵁ أنّ آدم ﵇ بكى هابيل فقال [وافر] : تغيّرت البلاد (ومن عليها) «٢» ... فوجه الأرض مغبّر قبيح فقتل قابيل هابيل أخاه ... فوا أسفا على الوجه المليح فما لي لا أجود بسكب دمعي ... وهابيل تضمّنه الضريح أرى طول الحياة عليّ غمّا ... ولا أنا من حياتي مستريح أبا هابيل قد قتلا جميعا ... وصار الحيّ كالميت «٣» الذّبيح تغيّر كلّ ذي طعم ولون ... وقلّ بشاشة الوجه المليح ٤٨ وأوحى الله إلى آدم: إنّي مخرج منك نوري الذي أباهي به الأنوار، وأجعله خاتم النّبيين الأبرار، فتطهّر وقدّس وسبّح وأغش زوجتك على طهارة منها، فإنّ وديعتي تنتقل منكما إلى الولد الكائن بينكما. فواقع آدم حوّاء فحملت لوقتها وتلألأ النّور في مخائلها ولمع من محاجرها حتّى إذا انتهى حملها وضعت شيتا بعد خمس سنين من مقتل هابيل ولمائة سنة وثلاثين من مهبط آدم. وقال في خبر شيت: لمائتي سنة وخمس وثلاثين. ٤٩ ومعنى شيت هبة الله خلفا من هابيل، كذلك قال أهل التوراة وذكروا أنّه ولد فردا بغير توأم، لم يولد لآدم فرد سواه. قال: وهو بالعبرانية شيت وبالعربية شثّ وبالسريانية شاة. وانتقل النّور من حوّاء إليه حتى لمع من

стр. 56

أسارير جبهته وبسق «١» في طلعته وغرّته حتّى إذا ترعرع وأيفع «٢» كان كأسرى «٣» الناس وأحسنهم صورة وأتمّهم وقارا وأكملهم هيئة مجلّلا بالنّور والهيبة موشّحا بالجلال والأبّهة، وكان أشبه ولد آدم بآدم، ثمّ أشبههم به بعده يوسف. فعهد إليه آدم وعرّفه بمحلّ ما استودعه وأعلمه لأنّه حجّة الله بعده، وأنّه الخليفة في الأرض والمؤدّي حق الله، فاحتقب «٤» شيت تلك الوظيفة واحتفظ بمكنونها. ٥٠ وذكر ابن إسحاق أنّ جميع ما ولدته حوّاء لآدم أربعون بطنا، وقد عدّ من أسماء ذكرانهم خمسة عشر اسما. وقالت طائفة إن حوّاء ولدت لآدم مائة وعشرين بطنا. قال: ويقال إنّ آدم مات عن أربعين ألفا من ولده وولد ولده. وأنزل الله على آدم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحروف العجم في إحدى وعشرين ورقة، وهو أوّل كتاب كان في الدنيا أخذ الله عليه الألسنة كلّها. وإلى شيت تنتهي أنساب البشر باجتماع. وانقرض سائر ولد آدم. قال: وقد قال غيره ذلك. ٥١ وأمر آدم بكتاب الصحف وعلم اللّغات كلّها التي تقرّ بها الجنّ والشياطين وحساب الأزمنة ومسير الكواكب، وسأل ربّه أن يريه مثال الدنيا وما يكون فيها من خير وشرّ إلى يوم القيامة، فمثّلت له برّا وبحرا، فنظر إليها وإلى من يملكها ويسكنها من ولده، وأوري صور الأنبياء وما يكون في العالم. ولمّا كثر ولده بعثه الله إليهم بعد «٥» سبعمائة سنة وسبعين سنة من مهبطه يأمرهم

стр. 57

وينهاهم. ثمّ أمره الله إذ أراد أن يتوفّاه [بأن] يجعل وصيّته الى شيت ويعلّمه جميع هذه العلوم المذكورة، وأمره أن يرفع إليه مصحفه سرّ الملكوت الذي كان عنده ولا يمتحنه بعد شيت إلا إدريس، فكانوا يتوارثونه مختوما لا ينظرون فيه حتّى وصل إلى إدريس. ثمّ كانت الوصيّة من ولد شيت فيمن يأتي ذكره حتّى وصلت إلى إدريس صلوات الله عليهم ورضوانه. وعمر آدم تسعمائة «١» سنة وثلاثون سنة. القول في وفاة آدم ﵇ ٥٢ تكرّرت الروايات عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّ الله تعالى لمّا فرغ من خلق آدم ﵇ قبض له يديه وقال له: اختر. فقال: اخترت يمين ربّي «٢» وكلتا يديه يمين. ففتحها فإذا فيها صورته وصورة ذرّيته، وإذا كلّ واحد مكتوب عنده أجله، وإذا آدم كتب له عمر ألف سنة، وإذا قوم عليهم النّور. فقال آدم: يا ربّ من هؤلاء؟ فقال الله : «هؤلاء الأنبياء والرّسل، وإذا فيهم رجل هو أضوؤهم نورا» ، ولم يكتب له من العمر إلّا أربعون سنة. فقال آدم: يا ربّ ما هذا؟ قال: ذلك أجله الذي كتبته له. قال: يا ربّ انقص له من عمري ستّين سنة. قال رسول الله ﷺ : ثمّ أهبطه الله إلى الأرض، فكان يعدّ أيّامه، فلما أتاه ملك الموت ليقبضه قال آدم: عجلت عليّ يا ملك الموت، وقد بقي من عمري ستّون سنة. قال: فقال له ملك الموت: قد سألت ربّك أن يكتبها لابنك داود. فقال: ما فعلت. فقال رسول الله ﷺ : (نسي آدم ونسيت ذريّته) «٣» وجحد. فجحدوا. فيومئذ وضع الله الكتاب وأمر بالشهود، وأكمل لآدم

стр. 58

ألف سنة ولداود مائة سنة. ويزعم أهل التوراة والإنجيل أنّ عمر آدم تسعمائة وثلاثون سنة، وذلك ذكر حفص القرظي في تاريخه. وعن عبد الله بن عبّاس ﵄ أنّ عمره كان تسعمائة وستّا وثلاثين سنة. ٥٣ قال ابن إسحاق إنّ آدم لمّا قبض كسفت عليه الشمس والقمر سبعة أيّام. وذكر عن يحيى بن عبّاد عن أبيه أنّ الله بعث إليه كفنه وحنوطه من الجنّة. صحّ عن أبي أنّ الملائكة غسلته وكفنته وصلّى عليه جبريل والملائكة خلف جبريل وبنوه خلف الملائكة ثمّ دفنوه. وقال: هذه سنّتكم في موتاكم يا بني آدم. وعن عبد الله بن عبّاس ﵄ أن شيتا قال لجبريل ﷺ : صلّ على آدم، فقال له جبريل: تقدّم أنت فصلّ على أبيك وكبّر عليه ثلاثين تكبيرة. ٥٤ قال الطبري: ومات على الجودي الجبل الذي أهبط عليه «١» يوم الجمعة لستّ خلون من نيسان في السّاعة التي خلق فيها. وتنازع النّاس في قبره، فمنهم من قال إنّه بمنى ومنهم من رأى أنّه في كهف في جبل أبي قبيس في غار يعرف بغار الكنز، وذكروا أنّ نوحا أخرجه عند الطوفان، ثم أعاده في مكانه. وقيل إنّه دفنه حين أخرجه من السفينة ببيت المقدس، والله أعلم. وعاشت حوّاء بعده سنة، ثمّ دفنت معه في الغار المذكور.

стр. 59

شيت ﵇ ٥٥ لم يزل مقيما بمكّة يحجّ ويعتمر، وجمع ما أنزل الله من الصحف وهي خمسون، ولم يزل عاملا بما فيها، وبنى الكعبة بالحجارة والطين. قال ابن إسحاق: وتزوّج أخته حزورة فولدت له أنوش لمائة سنة وخمس وستّين من عمره، وتوفّي شيت وقد بلغ تسعمائة واثنتي عشرة سنة. انتقل النّور الذي ذكرناه إلى أنوش، وقلّد سياسة الملك وتدبيره بعد أن مضى شيت لسبيله ولم يخلف بنين وبنات سوى أنوش. قال: وفي زمن أنوش قتل قابيل بن آدم قاتل أخيه هابيل. قال: ولقتلته خبر عجيب قد أوردناه في كتاب أخبار الزّمان. قال: وكانت وفاة أنوش لثلاث خلون من تشرين الأوّل، فكانت مدّته تسعمائة وستّين «١» سنة. ٥٦ وذكر أنّ قابيل لمّا هرب من أبيه إلى اليمن حين قتل أخاه أتاه إبليس فقال له: إنّ هابيل إنّما قبل قربانه وأكلته النّار لأنّه كان يخدم النّار ويعبدها، فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك. فبنى بيت نار، فهو أوّل من نصب النار وعبدها. قال: وولد قابيل أوّل من ضرب الصّنج وولده أوّل من تجبّر. قال: ولم يمت آدم حتّى أظهروا المعاصي والفواحش، ونهى آدم شيتا وولده أن يناكحوهم. قال: ولم يتركوا عقبا إلّا قليلا، فجهلت أنسابهم وانقطع ذكرهم، ونسل النّاس اليوم من شيت ابن آدم، وقال: جماعة من

стр. 60

أهل الهند ممّن (يقرّ بآدم) «١» ينتسب إلى هذا الشعب من ولد قاين «٢» ، وأرض هذا النوع أرض قمار من الهند، وإليهم يضاف العود القماري. ٥٧ وولد أنوش بن شيت قينان، وإليه الوصيّة ونفرا كثيرا. قال: فولد قينان مهلائيل، فولد مهلائيل اليارد، فولد اليارد خنوخ- وهو إدريس- بعد مائة سنة من عمره، وكان عمر قينان تسعمائة سنة، وتوفّي في تموز، وكان عمر مهلائيل ثمانمائة سنة وخمسا وثمانين سنة. والنّسابون من الفرس يزعمون أن مهلائيل هو أشيم «٣» الذي ملك الأقاليم السبعة وأنّه أوّل من استخرج المعادن وأوّل من بنى المدائن، بنى مدينة بابل «٤» ومدينة السوس ومدينة الري، وكان فاضلا محمودا في سيره. ونزل الهند وتنقّل في البلاد، ولمّا استوثق الأمر عقد على رأسه تاجا وخطب خطبة ذكر فيها أنّه ورث الملك عن جدّه جيومرت، وهو آدم عندهم. وذكروا أنّه قهر إبليس وجنوده ومنعهم من الاختلاط بالنّاس، وكتب عليهم كتابا في قرطاس أبيض أخذ عليهم فيه المواثيق ألّا يعرضوا لأحد من الإنس، وأنّه قتل منهم جماعة من مردتهم ومن الغيلان. وكان عمر يارد تسعمائة سنة وإحدى وستّين سنة، وكانت وفاته في آذار. قال: وكان بين ولد قاين ويارد حروب قد ذكرناها في أخبار الزّمان. إدريس ﵇ ٥٨ قال المسعودي: الصّابئة تزعم أنّه هرمس، ومعنى هرمس عطارد، نبّأه الله وأنزل عليه ثلاثين صحيفة. وهو أوّل من طرّز الطرز وخاط الثوب،

стр. 61

وأوّل من خطّ بالقلم بعد آدم، وكان يعدّ عدّة خطوط، وهو أوّل من جاهد في سبيل الله ، وسبى ولد قاين لمّا دعاهم إلى الله فلم يجيبوه. وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، فتمّت الصحف يومئذ ثمانين صحيفة. ٥٩ ولمّا ولد إدريس أتى إبليس محويل الملك في صورة روحاني له جناحان، فأخبره أنّه ولد ليارد مولود يكون عدوّا للآلهة وسبب فسادها. فقال له الملك: أتقدر أن تهلكه؟ قال: سأحرص على ذلك. فوكّل الله بإدريس ملائكة يحفظونه. وأوصى إليه أبوه، ونبّأه الله بعد أربعين سنة من عمره. وذكر أنّه رفع في حياة أبيه وأنّ أباه يارد عاش بعد رفع إدريس أربعمائة سنة وثلاثين سنة، وتنبّأ على عهد آدم وقد مضى من عمر آدم ستّمائة سنة واثنتان وعشرون سنة. ٦٠ ق: عن وهب: كان إدريس طويلا ضخم البطن عريض الصّدر، وكانت إحدى أذنيه أكبر من الأخرى، وكان في جسده نكتة بيضاء من غير برص، وكان رقيق الصوت قريب الخطى، وسميّ إدريسا لكثرة ما كان يدرس من كتب الله . وقال: واستجاب له ألف إنسان ورفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستّين سنة. وقيل إنّ إدريسا أوّل من نظر في علم النجوم بعد آدم، وانّ أزرائيل» الملك علّمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور البروج.

стр. 62

٦١ وفي التوراة أنّ إدريسا أحسن خدّام الله تعالى، فرفعه الله إليه. ولمّا رأى إدريس انهماك ولد قابيل في المعاصي سأل الله تعالى أن يرفعه إليه ويطهّره من خطاياهم، فأجابه الله إلى ذلك، وأوحى إليه أن يلازم الهيكل أربعين يوما هو وشيعته، وكانوا سبعين حبرا. فاغتسلوا ودخلوا هيكل الله المنصوب وقدّسوا الله فيه أربعين يوما. وأوحى الله إليه أن اجعل الوصيّة في متوشلخ، فإنّي مخرج من ظهره نبيّا أرضى فعله. فلمّا رفع إدريس حزن عليه بنو آدم الحنفاء حزنا شديدا، وكثر الاختلاف والتنازع، وأشاع إبليس أنّه أراد الصعود إلى الفلك فاحترق. وسرّ بعده محويل الملك وأظهر أنّ صنمهم الأكبر أهلكه فزادوا في عبادتها والتقرّب إليها، ولزم متوشلخ الهيكل مع بني أبيه والأحبار السبعين. ٦٢ فولد إدريس متوشلخ، وولد متوشلخ لامك- وأهل الإنجيل يقولون لامن- وإليه الوصيّة. وولد للامك نوح، أمّه قينوش من ذريّة قابيل بن آدم القاتل، وذلك بعد وفاة آدم بمائة سنة وستّ وعشرين سنة. وروي عن جماعة من السلف أنّه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلّهم على ملّة الحقّ، وأنّ «١» الكفر إنّما حدث في القرن الذي فيه نوح وأنّه أوّل نبيّ بعث إلى الكفّار. ٦٣ قال الوصيفي «٢» : وقد اختلف الناس في المدّة التي كانت بين آدم ونوح، فقال أصحاب التواريخ «٣» ألفا سنة وعشر، وقال بعضهم ألف سنة وسبعمائة

стр. 63

سنة وكسر، وقال المصريّون ثمانية عشر ألف سنة، لأنّ الطوفان كان وقلب الأسد في أوّل درجة من السرطان، ومقامه في كلّ برج ستّة آلاف سنة وهي ثلاثة بروج. صحّ وصفا. القول في نوح ﵇ ٦٤ ذكر أنّه بعث بعهد بيوراسب، وتقدّم في خبر إدريس أنّه كان وقع إليه كلام من كلام «١» آدم فاتّخذه سحرا في ذلك الزمان. فكان إذا أراد شيئا من جميع مملكته أو أعجبته امرأة أو غير ذلك نفخ قصبة كانت له من ذهب، وكان يجيء إليه بنفخته كلّ شيء يريد، فمن ثمّ تنفخ اليهود. وكان قومه أهل أوثان. قال الله حكاية عنهم: وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ الآية «٢» . وروي عن عبد الله بن عبّاس أنّ الله بعثه إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستّمائة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين، فذلك ألف إلّا خمسون عاما. وقال وهب كذلك إنّه بعث ابن خمسين، فدعا قومه إلى أن بلغ ستّمائة. عن ابن عبّاس أنّه بعث ابن أربعين، فمكث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، ثم كان الطوفان، وعاش بعد ذلك مائة سنة. وقيل: عاش بعد الطوفان ستّين سنة، فذلك ألف وخمسون. قال وهب: وعمر نوح ألف سنة لأنّه بعث ابن خمسين وأقام فيهم ألفا إلا خمسين. وقالت طائفة إنّ عمره كان ألفا ومائتي وخمسين سنة، فلم يجبه قومه.

стр. 64

٦٥ قال ابن إسحاق: كان لا يأتي منهم قرن إلّا أشدّ من الذي قبله، وكانوا يقولون: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا مجنونا. وكانوا يبطشون به ويخنقونه حتّى يغشى عليه. فإذا أفاق قال: اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون، حتّى يئس منهم وعظم طغيانهم، فشكاهم إلى ربّه ودعا عليهم بقوله: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً الآية «١» . وبقوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٢» . ٦٦ فأوحى الله سبحانه إليه أن اصنع الفلك بأعيننا. قال عبد الله بن عبّاس: وقد كان الله أمره بغرس شجرة، فغرسها وبقيت أربعين سنة فعظمت وتناهت، ثم أمره بقطعها، فأتخذ منها السّفينة. وزعم أهل التوراة أنه أمره أن يتّخذها من خشب السّاج وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وأن يجعلها ثلاث أطباق وبابها في عرضها. صحّ عن ابن عبّاس. د: وقال الحسن: طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستّمائة ذراع. وقال القرظي في كتاب الديوان إنّه أنشأها في مائة سنة. (وقال غيره) «٣» وأقامت بعد فراغها على البرّ سبعة أشهر. وقيل أنّه لم يدر كيف يصنعها، فأتاه جبريل فأمره أن يصنعها مثل صدر الدجاجة. فلمّا فار التنّور بالهند، وهو تنور من حجارة كان لحوّاء، قاله ابن عبّاس، وقد تقدّم غير ذلك، وقيل: فار بناحية الكوفة، رواه ليث بن مجاهد. وكان الشعبي يحلف بالله: ما فار التنور إلّا من ناحية الكوفة.

стр. 65

٦٧ وأدخل نوح في السفينة من أمره الله بإدخاله وما أمره من الأزواج، وأدخل التابوت الذي كان فيه آدم. ق: وكان من خشب الشمشار. وقال غيره: حملته الملائكة وكان بتهامة. فأدخل مع نفسه ثمانين نفسا، روي ذلك عن ابن عبّاس ﵄. وقال ابن جريج إنّه أدخل بنيه الثلاثة وكنائنه الثلاث وامرأته، فكانوا ثمانية نفر. عن ابن إسحاق: وكانوا عشرة نفر. عن وهب مثله. أدخل بنيه ونساءهم وأربعين رجلا وأربعين امرأة. وكذلك روي عن ابن عبّاس ﵄. قال الوصيفي «١» انّه كان معه في السفينة ستّمائة رجل سوى ولده. وقال قوم إنّهم أعقبوا، وقال قوم: لم يعقبوا إلّا ولد نوح. قال ابن الكلبي إنّه حمل معه في السفينة امرأته وبنيه الثلاثة ونساءهم ثمانية نفر واثنين وسبعين سواهم. قال غيره: كلّهم من ولد إدريس إلّا فيلمون كاهن مصر، فإنّ ملك مصر كان أنفذه إلى الدرمشيل ليحاجّ نوحا في عبادة الأصنام، فآمن بنوح. وأدخل من كلّ زوجين اثنين. ٦٨ قال ابن عبّاس ﵄: أوّل ما حمل الدرّة «٢» وآخر ما حمل الحمار، فلمّا دخل الحمار تعلّق إبليس بذنبه فلم تستقلّ رجلاه، وجعل نوح يقول: ويحك ادخل. فلا يستطيع حتّى جزم نوح وقال: أدخل وإن كان الشيطان معك، كلمة زلّت عن لسانه. فلمّا راح نوح في السفينة قال له: من أدخلك عليّ يا عدوّ الله؟ قال: ألم تقل كذا وكذا؟

стр. 66

٦٩ وأمر الله أن يدخل معه قوت سنة، وجعل تابوت آدم حاجزا بين الرجال والنساء. وكان ركوبهم في السفينة لسبع عشرة خلون من آذار. عن وهب: لعشر خلون من رجب على رأس ستمائة سنة من عمر نوح. ثمّ أرسل الله الماء أربعين يوما بلياليها، وتحرّكت ينابيع الغوط حتّى طبّق الماء الأرض وارتفع على أعلى جبالها خمس عشرة ذراعا. ثم حمل الماء الفلك وجعلت تجري بهم في موج كالجبال وسارت بهم الأرض كلّها، وطافت بالحرم أسبوعا ولم تدخله، ورفع البيت المعمور على أبي قبيس، وهو الذي بناه آدم، فبقيت في الماء مائة وخمسين يوما باتّفاق من أكثرهم، واستقلّت يوم عاشوراء من المحرّم، فصام نوح وأمر من معه من الإنس والوحش والدوابّ، فصاموا شكرا لله . ٧٠ فكان بين الوقت الذي أرسل الله الطوفان إلى أن غاص الماء ستّة أشهر وعشرة أيّام. وذكر الوصيفي «١» : عشرة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر.. وقيل: سنة. وكذلك روى ابن إسحاق عن ابن الكلبي أنّ نوحا ركب السفينة لثلاث عشرة مضت من رمضان وخرج منها أوّل يوم من رمضان من قابل، فذلك سنة إلّا ثلاثة عشر يوما. قال: وبقي الماء في أرض الحرم- وهي حسمى- خمسا وأربعين سنة بعد أن غاض الماء من جميع الأرض من المحبّر، ولم يبق على الأرض شيء من الحيوان ولا الشجر إلّا ما حمل في السفينة. وأمّا العوج بن أعناق فيما يزعم أهل الكتاب فإنّ الطوفان لم يغرقه ولا بلغ ماؤه إلّا بعض جسده «٢» .

стр. 67

٧١ ذكر أنّه ما أسرع من الأرض إلى بلع مائه كان ماؤه إذا احتفر عذبا، وما لم يسرع إلى القبول أعقبه الله بماء ملح وسبخ، (وانحدر من ذلك الماء إلى قعور من الأرض، فمن ذلك البحار، فهذه البحار من بقايا ذلك الماء أهلك به أمم) «١» . واستقلّت السفينة بالجودي، وهو جبل بالحضيض «٢» من أرض الموصل بينه وبين دجلة ثمانية فراسخ. قال: وموضع جنوح السفينة على رأس الجبل إلى هذه الغاية. وابتنوا في سفح الجبل مدينة سمّوها مرقة ثمانين بعددهم وقيل: بنوها بقردى فسمّوها ثمانين. قال: وهي تعرف بذلك إلى وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. ٧٢ ووجّه نوح التّابوت الذي فيه جسد آدم ﵇ إلى غار الكنز، فجعل فيه، وقد تقدّم الاختلاف فيه. وأوحى الله إلى نوح ألا يعيد الطوفان أبدا وأنّ قوسه الذي في السحاب أمان من ذلك. وتزعم المجوس أنّهم لا يعرفون الطوفان ويقولون إنّ الملك لم يزل فينا من عهد جيومرت- وهو آدم، وبعضهم يقرّ بالطوفان ويزعم أنّه كان بإقليم بابل وأمّا هم وديارهم بالمشرق فلم يصل إليهم. ٧٣ وكان نوح من أولي العزم من الرسل، وكان طويلا جسيما أدم دقيق البشرة في رأسه طول عظيم العينين دقيق الساعدين والساقين كثير لحم الفخذين طويل اللحية.

стр. 68

٧٤ وهلك محويل الملك على رأس مائتي سنة من عمر نوح، وملك بعده ابنه الدرمشيل، فأعلى أمر الأصنام وشدّد في عبادتها ودعا الناس كافّة إليها، ونال نوحا بمكروه كثير وحبسه حتّى رأى في منامه رؤيا هالته، فأمر بإرساله من السجن. وهو الذي أدركه الطوفان. ولمّا اتّصل بالدرمشيل أنّ نوحا قد ركب السفينة وحمل فيها ما أمره الله أقبل في عدّة من أصحابه ليحرقها عليهم. فلمّا أتاه قال: يا نوح أين الماء الذي يحمل سفينتك هذه؟ قال: هو يأتيك في مقامك هذا. فقال: هذا أعجب أن تقول إنّه يكون في أرض يبس ماء غمر يحمل هذه السفينة، فانزل منها وإلّا أحرقكم أجمعين. فقال نوح: ويلك، ما أشدّ اغترارك بالله، فعجّل الإيمان واخلع الأنداد تسلم وترشد. فبينما هو في محاورته إذ أتاه من أخبره أن امرأته كانت تخبز في تنّورها فنبع الماء منه. فقال: وما عسى أن يكون من ماء قد فار من تنّور؟ فقال له نوح: إنّها علامة السخط وإنّ الأرض تخلخل فيأتي الماء من جميعها، فحرّك فرسك فإنّ الماء سينبع من تحت قدميه. فأزال فرسه من موضعه، فإذا الماء ينبع من موضع حوافره، فعاد إلى موضع آخر فكان كذلك. وعادت رسله تخبره أنّ الماء قد كثر وفار، فرجع إلى داره ليأخذ أهله وولده ويتحصّن في المعاقل التي كان عملها لذلك، فكانت الحجارة تنحطّ عليهم من رؤوس الجبال. وفتحت أبواب السماء بماء منهمر، ويقال إنه كان ماء ذميما منتنا، فأهلك أهل الأرض إلّا من كان في السفينة والعوج «١» على ما تقدّم.

стр. 69

خبر عوج بن أعناق ٧٥ قال «١» : وزعم أنّه إذا قام صارت السحاب له مئزرا. وقال غيره: عوج بن عناق. وذكر في بعض أهل الأخبار «٢» أنّ حوّاء ولدت لآدم عناقا مفردة بغير ذكر مشوّهة الخلق، لها رأسان ولها في كلّ يد عشر أصابع لكلّ إصبع ظفران مثل المنجلين الحادّين، وذكرها عليّ ﵁ وقال: هي أوّل من بغى وعمل الفجور وجاهر بالمعاصي واستخدمت الشياطين وصرّفتهم في وجوه من السحر. وكان الله قد أنزل على آدم عوذا وأسماء تطيعها الشياطين ويملكون بها على ما تقدّم، فعلّقها على حوّاء لتكون لها حرزا. وكانت حوّاء تصونها، فاستغفلتها عناق وهي نائمة، فأخذتها واستجلبت الشياطين بتلك الأسماء وعملت السحر وجاهرت بالمعاصي وأضلّت كثيرا من ولد آدم. وولّدت عوجا الجبّار، فدعا عليها آدم فأمنت حواء، فأرسل الله إليها أسدا عظيما من الفيل فمزّق أعضاءها وأراح الله منها. ٧٦ وعمّر عوج إلى زمان فرعون ولم يغرقه الطوفان ولا بلغ ماؤه إلّا بعض جسده، وطلب السفينة ليغرقها وقطع صخرة على قدر عسكر موسى وكان فيه أكثر من مائتي ألف ليطرحها عليهم، فأرسل الله عليه طيرا فنقر تلك الصخرة فنزلت من رأسه إلى عنقه ومنعته الحركة. وأمر الله موسى بقتله، فوثب موسى وكانت وثبته عشرة أذرع وطوله مثل ذلك وطول عصاه مثل ذلك أيضا، ولم يلحق إلا عرقوبه، فقتله وأقام جسرا على النيل يعبر الناس والدوابّ عليه مدّة طويلة. وفي حديث آخر أنّهم جرّوه بألف عجلة وألفي ثور

стр. 70

في كل يوم نصف ميل إلى أن طرحوه في بحر القلزم. وقيل: بل قطعوه قطعا وجرّوه إلى البحر. وقيل: ترك بموضعه وأردم عليه بالصخر والرمل، فكان كالجبل العظيم في صحراء مصر. القول في ذريّة نوح ﵇ ٧٧ قال بعض أهل التوراة: لم يكن التناسل ولا ولد لنوح ولد إلّا بعد الطوفان، وإنّما كان معه في الفلك قوم آمنوا به إلّا أنّهم بادوا فلم يبق عقب. وقال بعضهم: كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلك أحدهما كنعان، (وهو الذي غرق في الطوفان) «١» ، والآخر عاش ومات قبل الطوفان. وروي عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: ولد نوح الذي غرق كنعان والعرب تسمّيه يام. ق: المختلف عن نوح الذي قال له: (يا بنيّ) «٢» اركب معنا، لم أر له في التوراة ذكرا. يقال له اسمه يام والعرب تقول إنّما هو عمّنا يام. ٧٨ [ذكر بيوراسب] «٣» وتسمّيه العرب أيضا الضحّاك، وهو ذو الأفواه، والعجم تدّعي الضحّاك، واليمن تدّعيه وتنسبه غير هذه النسبة وتزعم أنّه [الضحّاك بن] «٤» علوان بن عبيد بن عويج وأنّه ملك ألف سنة وملك الأرض كلّها. وإيّاه يعني أبو نواس بقوله [منسرح] :

стр. 71

وكان منّا الضحّاك يعبده ... الخابل والجنّ في مساربها «١» وإيّاه عني حبيب بقوله [رجز] : ما نال ما قد نال فرعون ولا ... هامان في الدّنيا ولا قارون «٢» بل كان كالضحّاك في سطوته ... بالعالمين وأنت أفريدون. ٧٩ والفرس تسمّيه الازدهاق وتنسبه نسبة أخرى. وهو أوّل من سنّ الصلب ووضع العشور. يقال إنّه خرج في منكبيه سلعتان كل واحدة منهما كرأس الثعبان. قال كثير من أهل الكتاب تتحرّكان تحت ثوبه إذا جاع أو غضب، فكان يشتدّ وجعهما حتّى يطليهما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك رجلين كلّ يوم وكان يقسمهما على الآفاق. وزعموا أنّه نمرود صاحب إبراهيم، وقد زعموا أنّه مقيّد مغلول، (وقد زعموا أنّه بيوراسب الملك الفارسي، هذا قول الفرس، وأنّه ملك الأقاليم السبعة، وزعموا أنّه مقيّد مغلول) «٣» في جبل دنباوند «٤» بين الري وطبرستان، واتّخذوا اليوم الذي قيّد فيه عيد المهرجان، قيّده أفريدون فقام عليه كابي «٥» رجل من أهل إصبهان من أجل ابنين له قتلهما، ودعا الناس إلى مجاهدته «٦» ، فأسرعوا إليه ونهضوا إلى الضحّاك، فألقى الله الرعب في قلبه وخلا عن منازله، فافتتح الأعاجم ما أرادوا واجتمعوا إلى كابي «٧» وسمّوه (درفش كابيان) «٨» وتبرّكوا به، فأعلمهم أنه لا يتعرّض للملك وأمرهم أن يملّكوا من بيت المملكة. وكان أفريدون (بن أثفيان) «٩» مستخفيا من الضحّاك فملّكوه.

стр. 72

٨٠ وهو أوّل من تسمّى بالكييّة «١» ، [فقيل له] «٢» كي أفريدون، (فقام عليه) «٣» . وتفسير ذلك من التنزيه «٤» والبهاء، واتبع الضحّاك وأسره واتّخذوا ذلك اليوم عيدا وسمّوه المهرجان، وأصله بالفارسيّة مهر ماه، أي نفس الملك ذهبت. وأفريدون أوّل من ذلّل الفيلة وامتطاها ونتج البغال وعالج بالترياق. وقد زعم بعضهم أنّ الضحّاك كان في زمن نوح وإليه أرسل. ٨١ وروي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ «٥» أنّهم سام وحام ويافث، وبذلك تكرّرت الأخبار والآثار، وهم لأمّ واحدة. وقيل: تزوّجها بعد خمسمائة سنة من عمره. وأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن يغيّر الله نطفته، فجاءت بالسودان. وقال أهل التوراة إنّ نوحا (شرب وانتشى و) «٦» تعرّى، فأبصر حام عورته، فأطلع على ذلك أخويه فأخذا رداء فألقياه على عواتقهما ومشيا على أعقابهما فواريا عورة أبيهما وهما مدبران. فعلم بذلك أبوه نوح فقال: ملعون كنعان بني حام يكونون عبيدا لأخويه ومبارك سام ويكثّر الله يافث. ٨٢ أمّا سام فسكن وسط الأرض الحرم وما حوله إلى اليمن إلى حضر موت إلى عمان

стр. 73

إلى البحرين إلى عالج ويبرين ووبار والدّوّ «١» والدّهناء. وعن عبد الله بن عبّاس ﵄: نزل بنو سام سرّة الأرض فيما بين ساتيدما «٢» إلى البحر وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله فيهم النبوّة والكتاب. وسام كان القيّم بعد نوح في الأرض ومن ولده الأنبياء كلّها عربيّها وعجميّها، والعرب كلّها يمنيّها ونزارها. ٨٣ فولد سام أرفخشد، وهو أرفخشات، وهو القائم بأمره بعده وإرم وملما (؟) . فمن ولد أرفخشد قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد أبو «٣» اليمن و [يقطن بن عابر بن شالخ هو أبو] «٤» جرهم بن يقطن بن عابر، نزلوا مكّة وقطورا بنو عمّهم. وجرهم أخوال ولد إسماعيل، وملكان بن أرفخشد من ولده الخضر ﵇. ٨٤ ومن ولد إرم عاد بن عوص بن إرم، ومنازلهم الأحقاف والرمل إلى حضر موت، وثمود بن غابر بن إرم، منازلهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم نزلوا اليمامة وما حولها إلى البحرين، واسم اليمامة إذ ذاك جو. أخوهما عمليق بن لاوذ، نزل بعضهم الحرم وبعضهم الشام. فطسم وجديس وعاد وثمود والعماليق ويعرب وجرهم هم العرب العاربة لأنّه لسانهم الذي جبلوا عليه. ويقولون لبني إسماعيل العرب المتعرّبة لأنّهم إنّما تكلّموا به حين سكنوا بين أظهرهم. ومن العماليق الجبابرة بالشام والفراعنة بمصر. وأهل تيماء وعمان منهم أمّة يسمّون جاسم «٥» ، وكان ملك أهل الحجاز وتيماء منهم واسمه الأرقم.

стр. 74

٨٥ ومن ولد إرم أميم بن لاوذ بن إرم أخوهم نزلوا بأرض وبار، وأجناس الفرس كلّهم من ولده. ومن إرم شقّ الكاهن الأوّل بن حويل بن إرم، وهذا غير شقّ الأنماري. فأمّا ماش فنزل بابل ومنه النبط أجمعون، وأرنيط بن ماش. وزعم قوم أنّ النبط من ولد كنعان بن حام. وولد ماش نمرود بن ماش صاحب الصّرح ملك خمسمائة سنة وهو ملك النبط، وفي زمانه فرّق الله الألسنة، فجعل في سام تسعة عشر لسانا وفي حام سبعة عشر لسانا وفي يافث ستّة وثلاثين لسانا. وبنى الصّرح بعد البلبلة وهو البناء الذي يسمّى المجدل، وكان ارتفاعه خمسة آلاف ذراع ومائة وسبعين ذراعا، وكان أسفله أوسع من أعلاه، وكانت فيه محاريب كثيرة من فائق الرخام مزيّنة بالذهب والجوهر وما لا يكاد سامعه يصدّق الخبر عنه. ويقال إنّه بناه بأرض فارس لأنّه بعد البلبلة استقلّ عن بابل إلى أرض فارس وفرض على الناس عبادة النّار. ويقال إنّ المجدل بني في زمان غابر. ٨٦ وذكر أنّ لاوذ ولد سام لصلبه. وذكر أنّه كان لسام ولد يسمّى آدم وذكر أنّه يسمّى مالكا وأنّه حيّ، وذلك أنّ ساما دفن تابوت آدم في وسط الأرض ووكّل مالكا «١» بقبره، فأوحى الله إليه أن الذي وكّلته بقبر آدم أبقيه «٢» إلى آخر الأبد. ٨٧ فأمّا يافث بن نوح فمن ولده الصقالب وبرجان والأشبان أعجمية، وكانت

стр. 75

الأشبان منازلهم أرض الروم قبل الروم. ومن ولده الترك والخزر وياجوج وماجوج. ٨٨ وأمّا حام بن نوح فولد قوط بن حام، فنزل الهند والسند وأهلها طرّا من ولده. وأهل الهند يقولون إنّهم من ولد سلا بن قوط، وسلا أحد ملوك العالم المشهورين. وكنعان بن حام من ولده الحبابرة والكنعانيّون بالشام الذين قاتلهم موسى ويوشع بن نون، ويقال إنّ فراعنة مصر منهم. وهؤلاء غير العمالقة ومنهم جالوت وكوش والنوبة والزنج والفزان والزغاوة والقبط والحبشة والبربر. ٨٩ روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل مصر، ويافث أبو الخزر وياجوج وماجوج، وحام أبو هذه الجبلة السوداء. وقال سعد بن المسيّب: ولد نوح ثلاثة وولد لكلّ واحد منهم ثلاثة: سام ولد العرب والفرس والروم وفي كلّ هؤلاء خير، وحام ولد السودان والقبط والبربر، ويافث ولد الترك والصقالبة وياجوج وماجوج وليس في واحد من هؤلاء خير. ٩٠ وقال أهل الخبر إنّ الشيطان نزغ بين بني سام وبني حام فوقعت بينهم مناوشات وحروب كانت الدائرة فيها لسام وبنيه، وكان من آخر «١» أمر حام أن هرب
следующие страницы →