Полный текст (893 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
٧٨٩ وعن أبي العالية: إلى الأرض الّتي باركنا فيها للعالمين «١» قال: من بركتها أنّ كلّ ماء عذب إنّما يخرج من أصل صخرة بيت المقدس، يعني عين سماميح. والله إنّ مخرجها لمن تحت صخرة بيت المقدس وهي عين في وسط البحرين.
٧٩٠ وسئل عبادة بن الصامت ورافع بن حريج وكانا عقبتين بدرقين، فقيل لهما:
أرأيتما ما يقول الناس في هذه الصخرة؟ أشيء له أصل فنأخذ به أم شيء إنّما يوخذ من أهل الكتاب فندعه؟ فقال كلاهما: سبحان الله، فمن يشكّ في أمرها؟ إنّ الله تعالى لمّا استوى إلى السماء قال: بصخرة بيت المقدس هذا مقامي وموضع عرشي يوم القيامة ومحشر عبادي، وهذا موضع جنّتي عن يمينها وهذا موضع ناري عن يسارها وأنا ديّان الدّين، ثمّ استوى على العرش إلى عليين. وفيها أخبار كثيرة يطول وصفها.
٧٩١ وعبد الملك بن مروان هو الّذي بنى القبّة في أعلى الصخرة فأبرز الأموال ووكّل على ذلك رجاء بن حياة ويزيد بن سلام، وحشر لذلك الصنّاع وأمرهم أن يفرغوا عليها المال إفراغا دون أن ينفقوه إنفاقا. وتبقّى من المال بعد بنائها مائة ألف، فأمر بها عبد الملك جائزة لهما فكتبا إليه: نحن أولى أن نزيده من حلي نسائنا فضلا عن أموالنا، فصرّفها فيما شئت. فكتب إليهما: تسبك وتفرغ على القبّة، فما كان يقدر أحد أن يتأمّلها لما عليها من الذهب وكان لها
стр. 457
خفاءان خفاء من لبود وخفاء من أدم من فوقه تلبسها في الشتاء والصيف لتكنّها من الأمطار والرياح والثلوج.
طول بيت المقدس
٧٩٢ ... ذراعا «١» بذراع الملك وهو ستّ قبضات، وعرضه ... ويسرح فيه من القناديل ... وعدد أبوابه ... وعدد ما فيه من الآباط والعمد ... وعدد العمد الّتي في داخل الصخرة ... وقناديلها ... من نحاس وعشرة من فضّة كبار، وكلّ واحد عمل عند النبي ﷺ ، وفي وسط القبّة حبل معلّق فيه قنديل من فضّة بعضها منظومة بالجوهر. وهذه صفته: (انظر الصورة في الصفحة التالية) .
٧٩٣ وبإيليا الكنيسة العظمى الّتي وسطها صيهون، وهي العتيقة وهي الّتي يتعبّد فيها داود وفي وسطها قبر المسيح بزعمهم. فإذا كان يوم عيدهم ويوم السبت الكبير يخرج الناس من موضع القبر إلى الصخر، وحوالي السطح درابزين من أبنوس يشرفون منه على موضع القبر وكلّهم يتضرّعون إلى الله من وقت الأولى إلى المغرب، والإمام الّذي يؤمّ بالناس في المسجد الجامع قاعد مع الأمير، فهم على هذا حتّى يروا نارا بيضاء تخرج من جوف القبر، فيفتح السلطان الباب عن القبر ويدخل وفي يده شمعة فيوقدها في تلك النار فيرفعها إلى الإمام فيأتي الإمام بتلك الشمعة إلى المسجد الجامع فيشعل بها
стр. 458
القناديل، فإذا تداولت تلك الشمعة ثلاث أيد اتّقدت كلّها وصارت نارا للعالمين. ويكتب الأمير بخبر ذلك إلى السلطان ويعلّمه أنّ النار نزلت في وقت كذا وكذا من يوم كذا، فإذا نزلت تلك النار وقت الأولى من ذلك [اليوم] كان دليلا على أنّ السنة تكون خصيبة، وإذا تأخّرت ونزلت وقت العصر دلّت على أنّ السنة [تكون] قحطة. وهذه النار تنزل في يوم فصحهم.
٧٩٤ قال المؤلّف: هكذا نقل بعض المؤرّخين وهو أمر غير صحيح، وإنّما كانت هذه حيلة وناموس عمل من نواميس أسقف بيت المقدس، فكان يعمد إلى خيط «١» إبريسم رقيق طويل فيدخله من وراء الحائط إلى القبر ويخرج من القبر إلى سرج الثريا وهو مدهون بالبلسان وتشتعل النار فيه من وراء الحائط بغلافين قد اتّخذهما لا صبعيه من خشب نوري، وتسري النار في البلسان حتّى يتّقد منها السراج. ففضحه علي بن إبراهيم الوزير أيّام كونه هناك وكشف للناس وجه حيلته وضرب في عنفه فبطلت النار من ذلك الوقت.
٧٩٥ ويتّصل بهذه الكنيسة كنيسة يقال لها كنيسة قسطيص، وبغربيّها كنيسة يقال لها الجسمانية. وعلى فرسخ منها ممّا يلي قبلتها في مستو من الأرض بيت لحم، وبه ولد المسيح ﵇ وبه النخلة الّتي ساقطت على مريم رطبا جنّيّا والسري الّذي جعله الله تحتها فشربت منه وتطهّرت، والمهد الّذي جعلت فيه المسيح، وهو حوض أبيض غسلته فيه. وهو قريب من العين.
стр. 459
٧٩٦ وعلى فرسخ من مدينة الطبرية قرية يقال لها المجدل فيها كنيسة مريم، فيها السبعة المجانين الّذين أبرأهم المسيح ﵇ يقال لها الطابقان، وهناك بارك عيسى ﵇ على خمسة أرغفة وسمكتين وأطعم منها خمسة آلاف من أصحابه وفضل منها اثنا عشر زنبيلا. ومنها على فرسخ مسجد الخضر وتحته قناة ماء يجري حتّى ينصبّ في البحيرة. ومنها على أربعة فراسخ مسجد بناه عمر بن عبد العزيز ﵀ وتحته الجبّ الّذي ألقي فيه يوسف ﵇. ومنها على فرسخين مدينة يقال لها بانياس، وها هنا ينبع ماء نهر الأردنّ وعليه الأرحاء، ويذكرون أنّها كانت تقف يوم السبت فلا تطحن، وكان انخسف نصفها وتعلّق الناس بالمسيح أن ترفع فأبى ورفع رجله حتّى انخسف نصف الأرحاء. وفيها أحيا المسيح بنت أدران الملك بعد عشرة أيّام، وعمل العجائب في تلك المدينة.
ذكر بلاد الروم وجملة من أخبارهم
٧٩٧ كانت رومة دار مملكتهم ونزلها من ملوكهم تسعة وعشرون ملكا، ثمّ نزل نقمودية «١» منهم ملكان، ثمّ انتقلت مملكتهم إلى رومة فنزلها ملكان، ثمّ ملك بها قسطنطين الأكبر فانتقل إلى بزنطية «٢» وبنى عليها سورا وسمّاها القسطنطينية.
ولها نحو مائة باب، وطولها من الباب الشرقيّ إلى الباب الغربيّ ثمانية وعشرون ميلا، وقيل اثنا عشر فرسخا في مثلها، وفرسخهم ميل ونصف. ودور قصر الملك فرسخ يحيط به سور منيف وله ثلاثة أبواب.
стр. 460
٧٩٨ وعلى مقربة منه كنيسة الملك، لها عشرة أبواب أربعة منها ذهب وستّة من فضّة، وفي المقصورة الّتي يصلّي فيها الملك موضع أربع أذرع في أربع أذرع مرصّع بالدرّ والياقوت «١» ... والأرقنا «٢» آلة من خشب مربّعة على هيئة المعصرة يغشّى بأدم وثيق ثمّ تجعل فيه ستّون أنبوبة قد غشيت تلك الأنابيب بالذهب فوق «٣» الأدم لا يتبيّن منها إلّا اليسير، وهي على مقادير مختلفة في الطول ليست متساوية، و [توضع] ثلاثة صلبان فوق الآلة: صليب في طرفها وصليب في وسطها وصليب على الطرف الثاني. وفي جانب هذه الآلة المربّعة ثقب يجعل فيه منفخ مثل كور الحدّادين ورجلان ينافخان «٤» ذلك المنفخ لا يفتران، ويقوم الأستاذ فيحسب على تلك الأنابيب. وهذه الآلة من أجلّ ما عندهم، تسمع منها أصوات غريبة مطربة ومتحدّثة وملوكهم لا يستغنون عنها في أكثر أحوالهم وهي من الغريب المتعذّر، والله أعلم.
٧٩٩ وإذا أراد الملك الخروج إلى هذه الكنيسة العظمى فرش له في طريقه من باب القصر إلى الكنيسة حصر وفوق الحصر ضروب الرياحين الطيّبة، وتزيّن حيطان دور المدينة يمنة ويسرة بالديباج وضروب ثياب الحرير. ويخرج بين يديه عشرة آلاف شيخ عليهم كلّهم ديباج أبيض. ثمّ يخرج بعدهم عشرة آلاف خادم عليهم ديباج في لون السماء في أيديهم الطبرزينات «٥» الملبّسة بالذهب. ثمّ يخرج بعدهم خمسة آلاف من فتيان الصقالبة أوساط عليهم ملاحم خراسانية بيض بأيديهم كلّهم صلبان الذهب، ثمّ يخرج من بعدهم
стр. 461
عشرة آلاف غلام أتراك وخزر عليهم أقبية مذهّبة بأيديهم رماح وأترسة ملبّسة بالذهب. ثمّ يخرج بعدهم مائة بطريق عليهم ثياب منسوجة بالذهب في يد كلّ واحد منهم قضيب من ذهب. ثمّ يخرج مائة غلام عليهم ثياب مشهّرة «١» مرصّعة باللؤلؤ يحملون تابوتا من ذهب فيه كسوة الملك لصلاته.
ثمّ يخرج رجل بين يديه يقال له الرحوم يسكت الناس. ثمّ يخرج شيخ بيده طست وإبريق من ذهب مرصّعان بالدرّ والياقوت. ثمّ يخرج الملك ماشيا وعليه ثياب الأكسيمون «٢» ، وهو ثياب من الإبريسم منسوجة بالجوهر كلّها، وخفّه مرصّع بالدرّ والياقوت، وفي يد الملك حقّة من ذهب فيها تراب، فكلّما خطا خطوة يقول له الوزير بلسانهم: من رموت نسابطر، تفسيره: اذكر الموت والبلى. فإذا قال له ذلك وقف الملك وفتح الحقّ ونظر إلى التراب وقبّله وبكى. فيسير كذلك حتّى ينتهي إلى باب الكنيسة، فيقدّم الرجل الطست والإبريق فيغسل الملك يده ويقول للوزير: إنّي بريء من دماء الناس كلّهم والله لا يسألني عن دمائهم وإنّي قد جعلتها في عنقك.
ويخلع ثيابه الّتي عليه على وزيره ويقول له: دن بالحقّ «٣» ، ويأمر فيه أن يدار «٤» به على أسواق القسطنطينية ويقال له: دن بالحقّ «٥» كما قال لك الملك.
٨٠٠ ويلبس الملك الثياب الّتي يدخل بها الكنيسة ويأمر بإدخال [أسارى] «٦» المسلمين الكنيسة فينظرون إلى تلك الزينة فينادون: أطال الله بقاء الملك سنين كثيرة، ويقولون ذلك ثلاث مرّات. ويساق خلف الملك ثلاثة من الخيل تقاد، [ويقول بعضهم إنّها] «٧» لا تكون إلّا شهباء يقال إنّها من نسل خيل كانت للإسكندر توارثها ملوك اليونانيّين ثمّ ملوك الروم لمّا غلبوا
стр. 462
على المملكة، عليها سروج قرابيسها من الزمرّد الأخضر والياقوت الأحمر، وركبها وألبابها وما اتّصل بها مرصّعة من الحجارة بمثل ذلك. [وأجلتها من الديباج المرصّع بالدرّ والياقوت، فيدخلونها الكنيسة ولها بها لجام معلّق، وهم يقولون إنّ دابّة منها متى أخذت تلك اللجام في فيها ظفروا ببلاد الإسلام. فتجيء الدابّة منها فتشمّ اللجام ثمّ تقهقر ولا تقدم عليه. ويقال إنّها من نسل دوابّ كانت لأوقنطاب] «١» . قال أبو سعيد الفارقي: رأيتهم يحملون بين يدي الملك سيوفا عدّة تنسب إلى الإسكندر طول كلّ سيف منها ثمانية أشبار وهي مرصّعة كلّها بنفيس الجوهر، فإذا انقضت نواميس شرعهم عاد الملك على الهيئة الأولى إلى قصره.
٨٠١ وباب الذهب منها في الجانب الجنوبي ومنه يأخذ إلى رومية. وفيها عجائب يكاد السامع أن لا يقبلها، وفيها من الذهب والجواهر في أبوابها وأسرّتها وجميع أمورها.
[ذكر مدينة رومة]
٨٠٢ ومدينة رومة في سهل من الأرض تحيط بها الجبال «٢» على بعد والمطلّ عليها منها جبل غوديه بينه وبينها ستّة أميال. ودور مدينة رومة [أربعون] ميلا، وقطرها اثنا عشر ميلا يشقّها نهر يسمّى تيبروس «٣» وينقسم قسمين، ثمّ يلتقيان آخرها. وفي وسط مدينة رومة حصن يقال له «٤» منت أرقوط في صخرة مرتفعة منيعة، ولم يطق بهذا الحصن عدوّ قطّ. ورومة قد تغلّب عليها
стр. 463
مرّات. وبين رومة والبحر الشّامي اثنا عشر ميلا، وكذلك بينها وبين البحر الجوفي.
٨٠٣ وأهل مدينة رومة أجبن خلق الله. ويدبّر أمرهم برومة البابه «١» . ويجب على كلّ ملك من ملوك النصارى إذا اجتمع بالبابه أن ينبطح على الأرض بين يديه، فلا يزال يقبّل رجل البابه ولا يرفع رأسه حتّى يأمره البابه بالقيام.
٨٠٤ وكانت رومة القديمة تسمّى رومة باكية أي عجوز. وكان النهر يعترضها، فبنى يوانش الأسقف خلف الوادي مدينة أخرى، فلذلك صار النهر يشقّها.
وفرش النهر بلبن الصفر وألصقه بالقصدير «٢» والرصاص وألبست حيطانه بمثل ذلك. وفي داخل مدينة رومة كنيسة شنتا باطر وفيها صورة قار له من ذهب بلحيته وجميع هيئته وهو في خلق عبوس قد رفع عن الأرض في خشبة مصلوبا. وفي وسط الكنيسة صورة أخرى لبعض ملوكهم من ذهب أيضا.
ولهذه الكنيسة أربعة أبواب من فضّة سبكا واحدا، كلّها مسقّفة بقراميد الصفر ملصقة بالقصدير «٣» وحيطانها كلّها نحاس أصفر رومي وأعمدتها وأساطينها من بيت المقدس، وهي في غاية من الحسن والجمال. ويزار في هذه الكنيسة مخلبان من مخالب العنقاء- وهم يسمّونها الغديقة- طول كلّ مخلب منها اثنا عشر شبرا. وداخل هذه الكنيسة «٤» بيت بني باسم بطرس «٥» وبولس «٦» الحواريّين، وطول هذه الكنيسة ثلاثمائة ذراع وسمكها [مائتا ذراع] .
стр. 464
ذكر شيء من سير الروم وأخبارهم «١» ومذاهبهم
٨٠٥ وأهل رومة أجمعون يحلقون لحاهم كلّها ويحلقون أوساط هامهم «٢» ويزعمون أنّ كلّ من لم يحلق لحيته لم يكن نصرانيا خالصا «٣» . ويقول علماؤهم إنّ سبب ذلك أنّ شمعون الصفا جاءهم والحواريّون وهم قوم مساكين ليس بيد كلّ واحد منهم إلّا عصا وجراب، قالوا: ونحن ملوك نلبس الديباج ونقعد «٤» على كراسي الذهب، فدعونا إلى النصرانية فلم نجبهم وأخذناهم وعذبناهم «٥» وحلقنا رؤوسهم ولحاهم، فلمّا ظهر لنا صدق قولهم حلقنا لحانا كفّارة لما ركبنا من حلق لحاهم.
٨٠٦ وإنّما صار النصارى يعظّمون يوم الأحد لأنّهم يزعمون أنّ المسيح قام في القبر ليلة الأحد وارتفع إلى السماء ليلة الأحد بعد اجتماعه مع الحواريّين. وهم لا يرون الغسل من الجنابة ولا وضوء عندهم للصلاة، وإنّما عبادتهم النية، ولا يأخذون القربان حتّى يقولوا: هذا لحمك ودمك، يريدون المسيح، وليس بخمر وليس بخبز. والسكر عندهم «٦» حرام، ولا يتكلّم أحد إذا أخذ القربان حتّى يغسل فمه، وإذا تقرّبوا قبّل بعضهم بعضا وتعانقوا «٧» . ولا يتزوّج أحد منهم أكثر من امرأة واحدة ولا يتسرّى «٨» عليها، فإن زنت باعها وإن زنى باعته، وليس لهم طلاق. ويورثون النساء جزءين والذكور «٩» جزءا، ومن سنّتهم ألّا يلبس الخفاف الحمر إلّا ملك.
стр. 465
٨٠٧ وهم يخفّفون في الحكم على الشريف ويثقلون على الوضيع حتّى يبلغ به البيع. ومن أحكامهم أنّ من زنى بأمة غيره فلا شيء عليه إذا زنى بها خارج الدار كأنّه لم يأت ريبة، وإن زنى بها في دار سيّدها فعليه حدّ معروف «١» ومن أولد عندهم أمة «٢» فولده زنيم «٣» ولا يجوز لذلك الولد عندهم رتبة القسيسية «٤» ، ولا يرث أباه إذا كان له ولد من حرّة وولد الحرّة يحيط بميراثه، وإن لم يكن له ولد غير ولد الأمة ورثه.
٨٠٨ وهم يفطرون في صومهم (في كلّ جمعة يومين) «٥» وهما يوم السبت ويوم الأحد، وأمر الصوم عندهم خفيف ليس بالشّديد اللّزوم «٦» ، وإنّما أصله عندهم الصوم الّذي صامه المسيح بزعمهم استدفاعا لإبليس، وكان صومه أربعين يوما كاملا «٧» موصولة بلياليها في قولهم، وهم لا يصومون يوما كاملا ولا ليلة كاملة، ومن كان بين المسلمين منهم يؤخّر الفطر حياء منهم، وهم في موضع مملكتهم لا يصومون إلّا نصف النهار أو نحوه. والمواظب منهم للصلاة والجماعات من شهد الكنيسة يوم الأحد وليلته وأيّام القرابين السبعة، ولو غاب عنها عمره كلّه ولم يطعن بذلك عليه طاعن ولا عابه بذلك عائب.
٨٠٩ وليس يشتمل مصحف النصارى الّذي هو ديوان فقههم وكنز علمهم وعليه معوّلهم في أحكامهم واعتمادهم في شرائعهم إلّا على خمسمائة وسبع وخمسين
стр. 466
مسألة «١» ، ومن هذه المسائل على قلّتها مسائل موضوعة لا معنى لها ولا حاجة بهم إلى «٢» تفسيرها، لم يقع في سالف الزمان ولا يقع «٣» في عابره.
وليست سنّتهم مأخوذة من تنزيل ولا رواية عن نبي، وإنّما جميعها عن ملوكهم. وإيمانهم الذي لا يعدونه «٤» بالله الّذي لا يعبد غيره ولا يدان إلّا له، وإلّا فخلع النصرانية وبرئ من المعمودية «٥» وطرح على المذبح حيضة يهودية، وإلّا فلعنه البطريق الأكبر والشمامسة والديرانيون وأصحاب الصوامع ومقرّبة القربان، وإلّا فبرئ من الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا الّذين خرجوا من بيوتهم حتّى أقاموا دين النصرانية، وإلّا فشقّ الناقوس «٦» وطبخ به «٧» لحم حمل وأكله يوم الاثنين مدخل الصوم، وإلّا فلقي الله بعمل إسحاق طهربا «٨» اليهودي (كمل ثلث الديوان والحمد لله) «٩» .
جزيرة قبرس
٨١٠ سمّيت بذلك لمدينة هناك تسمّى قبرو. وجزيرة قبرس كانت معظّمة في القديم للوثن المسمّى فانوس وهو على اسم ذو الزّهرة. وأهل قبرس موصوفون بالغناء والجدة وبها معادن الصفر، وفي جزيرة قبرس اللّادن ولا يجمع في غيرها والّذي يجمع منه على الشجر خاصّة يحمل إلى ملك القسطنطينية أفضله لأنّه يعادل «١٠» الألنجوح القماري طيبا، [وسائر] ما يجمع [ممّا يسقط] على [وجه] الأرض [هو الّذي] «١١» يستعمله الناس.
стр. 467
جزيرة إقريطش
٨١١ لها اثنا عشر ميلا، وقيل: دور إقريطش ثمانمائة ميل. سمّيت برجل من المجوس يقال له قراطي ويسمّى أيضا إقريطش [البتر بلش وترجمته مائة مدينة] «١» ، وكذلك كان بها مائة مدينة.
[وبإقريطش أوّل ما استنبطت صناعة الموسيقى. وهي كثيرة المعز وليس بها إبل ولا سبع ولا ثعلب ولا غيرها من الدوابّ الدابّة بالليل ولا فيها حيّة، وإذا دخلت فيها ماتت في ذلك العام ... وهي كثيرة الكروم والأشجار، ومراسيها من ناحية الشرق: مرسى الفتوح وهو مرسى مشتى حسن لا نظير له في موضع، ومراس كثيرة لا حاجة إلى ذكرها] «٢» .
جزيرة صقلّية
٨١٢ وجزيرة صقلّية سمّيت باسم شيقلوا أخي إيطال الّذي (به سمّيت إطالية) «٣» . [وكانت تعرف قبل تري قريا، ومعناه باللسان الإغريقي:
ثلاثة في أربعة، وإنّما ذلك لثلاثة مواضع مشرفة فيها وهي: بلرم الّتي هي قاعدتها وباجنة وليوام. وبين صقلّية وبلد إيطالية خليج من البحر. وقال أرشيوس: عرض جزيرة صقلّية مائة وسبعة وخمسون ميلا وطولها مائة وسبعة وسبعون ميلا. وقال غيره: دور صقلّية الّذي يحيط بها خمسمائة ميل] «٤» .
وطولها من جبل بلرمه إلى جبل بحيتة (؟) وعرضها من جبل بجيشة إلى جبل
стр. 468
اليبو (؟) [عند مرسى علي] «١» . ويذكر أنّها مثلّثة الشكل. [وقال بعضهم: لا أدري جزيرة في البحر أكثر منها بلادا ولا عمارة أقطار. فالثلث الشرقي منها من مسينى إلى جزيرة الأديب مائتا ميل، ومن جزيرة الأديب إلى طرابنش أربعمائة ميل وخمسون ميلا، وهو الوجه الجنوبي، والوجه الثالث من طرابنش إلى الحراش اثنان وخمسون ميلا] «٢» . وهي كثيرة الزرع والضرع والفواكه. وبلرمه قاعدتها في شمال الجزيرة على سبع ليال من المجاز.
٨١٣ وبجزيرة صقلّية البركان العظيم الّذي لا يعلم في العالم أشنع منظرا منه ولا أغرب جبلا، وهو في جزيرتين شمالا من هذه الجزيرة، وإذا هبّت الريح الجوفية سمع له دوي هائل كالرعد القاصف. وكان قوفوريوش الفيلسوف قد شخص من مدينة صور إلى صقلّية لينظر إلى البركان ويعاين فعل الطبيعة هناك ويخبر عنه وعن العاقبة بقول واضح، فمات بها وقبره معروف، وقبر جالينوس أيضا هناك معلوم، وكان قد شخص من مدينة رومة يريد الشام ليلقى أصحاب عيسى ﵇.
٨١٤ وبصقلّية [مياه حامضة وبها] معدن الكبريت الأصفر [الّذي لا يوجد بموضع مثله، وهو بجزيرة البركان، وله قطّاعون عاملون بتناول ذلك قد تمرّطت شعورهم وتصلّبت أظفارهم. ويذكرون أنّهم يجدونه في بعض الأزمنة سيّالا متميّعا فيجدون له في الأرض مواضع يجتمع فيها. ثمّ يجدونه في غير ذلك الأوان قد تحجر وحمض فيقطعونه بالمعاول] «٣» . وبجزيرة صقلّية
стр. 469
آبار ثلاث عند قلعة مينا من إقليم سرقوسة يخرج منها في وقت معلوم من السنة زيت النفط، وذلك في شهر شبّاط وشهرين بعده. [وينزل من البرّ على درك ويرقى على درك آخر، ويخمّر الرجل الّذي يدخل البئر رأسه ويسدّ مسامّ أنفه، وإن تنفّس في أسفل البئر هلك من ساعته، وما أخرج منه وضع في قصار فيعلو الدهن منه] «١» ٨١٥ وذكر [بعض] المؤرّخين أنّ جزيرة صقلّية كان يسكنها في قديم الدّهر أمّة مهملة تأكل الناس، ويقال إنّه كان فيها جنس من المسوخ بعين واحدة «٢» في وسط جباههم يسمّون حقلوفس. ولم تزل صقلّية على قديم الدهر كثيرة الفتن والحروب، وفي السنة التي بويع فيها علي بن أبي طالب ﵁ صار قسطنطين بن هرقل في ألفي «٣» مركب يريد بلاد المسلمين، فسلّط الله تعالى عليهم عاصفا من الريح فأغرقهم «٤» ، فنجا بنفسه «٥» قسطنطين، فلمّا أتى صقلّية صنعوا له حماما ودخله وقتلوه فيه. ولصقلّية مدن كثيرة ونهران يطردان من عين واحدة يقال لأحدهما أوطشوم وللآخر القارم.
٨١٦ وبصقلّية «٦» جزيرتا البركان الواحدة كبيرة والأخرى صغيرة، وفي هاتين الجزيرتين تتّقد النار أبدا، فيرى فيهما «٧» لهب النار بالليل ودخانه بالنهار.
ومن العجائب أنّ النار في إحدى الجزيرتين حديثة ولم تكن بها من قبل.
وهاتان الجزيرتان وما يليهما «٨» تسمّى جزائر «٩» أوليا، سمّيت باسم (أوليس بن يكيو) «١٠» الّذي ذكرت فلاسفة الجاهلية أنّه كان أميرا لتلك الجزائر وكان
стр. 470
يعلّم أهلها بما يحدث في الرياح لتجارب حفظها، فاتّخذوه إلها. وبصقلّية غرائب يطول ذكرها.
٨١٧ وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين فزع فيمة البطريق النصراني قائد «١» صاحب صقلّية إلى زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، فقرّب عليه أمر صقلّية والظفر بها، فولّى زيادة الله أسد بن الفرات القاضي الفقيه على جيش إفريقية من قريش والعرب والبربر وغيرهم وأقرّه على القضاء مع القيادة. وخرج أسد في حفل عظيم وجمع كثير وعدّة كاملة، وذلك في شهر ربيع الأوّل من العام المذكور، وكان فصوله «٢» من مدينة سوسة في سبعين مركبا يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأخر، ووصل إلى مرسى مازر يوم الثلاثاء [بعده، وكانت طريقه من المرسى على قلعة بلّوط، ثمّ على قرى الرّيش، ثمّ صار إلى قلعة الدبّ سمّيت بذلك لأنّهم أصابوا فيها دبّا أنيسا، ثمّ إلى قرية الطواويس، وسمّيت بذلك لأنّهم أصابوا فيها طاووسا، ثمّ إلى معركة بلاطة، وهناك ظهر لهم جمع الروم فنازلهم فانهزم المشركون وأصيب لهم كراع وسلاح، ولذلك سمّيت معركة بلاطة، وهو اسم ملك النصارى] «٣» . ثمّ رحل «٤» إلى حصون الروم وقراهم «٥» [يغير ويسبي] ، وبثّ السرايا في جميع الجزيرة وكثرت المغانم «٦» عند المسلمين وصاروا في رغد من العيش، [وسارع الناس إلى إمدادهم من إفريقية والأندلس] ، وحاصر أسد مدينة سرقوسة وقاتلهم برّا وبحرا وأحرق مراكبها وقتل جماعة من أهلها.
ومات أسد بن الفرات ﵀ سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو محاصر لسرقوسة، ووقع الموتان «٧» على عسكر المسلمين.
стр. 471
٨١٨ وولّوا على أنفسهم ابن الجواري وأمدّتهم مراكب من إفريقية فيها رجل يسمّى عمروس، فخرج إليهم قسطنطين صاحب صقلّية وهو نازل بلرمه «١» في عسكر جرّار، فحفر لهم المسلمون حفرا وغيّبوها بالكلإ والعشب، ثمّ استطردوا لهم عند اللقاء «٢» حتّى تساقطوا في تلك الحفر، فكان ممّن سقط منهم «٣» قسطنطين وابنه. فأسر قسطنطين وقد أثخن جراحا، ففدي من المسلمين بفداء جزيل، فأحمله أهله فمات بالحمة، فحملوه ودفنوه بمرسى الطين وبنوا على قبره الكنيسة الّتي بالمرسى.
وكان بعد ذلك فيها ولايات كثيرة وحروب مع الروم يطول ذكرها.
ذكر جزيرة مالطة
٨١٩ ومن الجزائر المشهورة الّتي تلي صقلّية جزيرة مالطة في القبلة منها بينهما مجرى واحد وفيها مراس منشأة «٤» للسفن، وأشجارها الصنوبر [والعرعر والزيتون، وطولها ثلاثون ميلا، وفيها مدينة من بنيان الأوّل. وكان يسكنها الروم. وغزاها خلف الخادم مولى زيادة الله بن إبراهيم عند قيام أبي عبد الله محمّد بن أحمد ابن أخي زيادة الله على يد أحمد بن عمر بن عبد الله بن الأغلب، وهو الّذي شقى في أمرها. وخلف هذا هو المعروف ببناء المساجد والقناطر والمواجل، فحاصرها ومات وهو محاصر لها. فكتبوا إلى أبي عبد الله بوفاته، فكتب أبو عبد الله إلى عامل جزيرة صقلّية، وهو محمّد بن خفاجة، أن يبعث إليهم واليا، فبعث إليهم سوادة بن محمّد، ففتحوا حصن مالطة
стр. 472
وظفروا بملكها عمروس أسيرا، فهدموا حصنها وغنموا وسبوا ما عجزوا عن حمله، وحمل لأحمد من كنائس مالطة ما بنى به قصره الّذي بسوسة داخلا في البحر، والمسلك إليه على قنطرة. فبقيت بعد ذلك جزيرة مالطة خربة غير آهلة، وإنّما كان يدخلها النشّاءون للسفن، فإنّ العود فيها أمكن أن يكون، والصيّادون للحوت لكثرته في سواحلها والشائرون للعسل، فإنّه أكثر شيء هناك.
فلمّا كان بعد الأربعين والأربعمائة من الهجرة عمّرها المسلمون وبنوا مدينتها، ثمّ عادت أتمّ ممّا كانت عليه، فغزاها الروم سنة خمس وأربعين وأربعمائة في مراكب كثيرة وعدد، فحاصروا المسلمين في المدينة واشتدّ الحصار عليهم وطمعوا فيهم، فسألهم المسلمون الأمان فأبوا إلّا على النساء والأموال.
فأحصى المسلمون عدد المقاتلة من أنفسهم فوجدوهم نحو أربعمائة، ثمّ أحصوا عبيدهم فوجدوهم أكثر عددا منهم، فجمعوهم وقالوا لهم: إنّكم إن ناصحتمونا في قتال عدوّنا وبلغتم من ذلك مبلغا وانتهيتم حيث انتهينا فأنتم أحرار، نلحقكم بأنفسنا وننكحكم بناتنا ونشارككم في أموالنا، وإن أنتم توانيتم وخذلتمونا لحقكم من السباء والرق ما يلحقنا، وكنتم أشدّ حالا منّا، لأنّ أحدنا قد يفاديه حميمه ويخلصه من الأسر وليه ويتمالأ على استنقاذه جماعته. فوعد العبيد من أنفسهم بأكثر ممّا ظنّوا بهم، ووجدوهم إلى مناجزة عدوّهم أسرع منهم. فلمّا أصبح القوم من اليوم الثاني غاداهم الروم على عادتهم، وقد طمعوا ذلك اليوم في التغلّب عليهم وأسرهم، والمسلمون قد استعدّوا في أكمل عدّة للقائهم، وأصبحوا على بصيرة في مناجزتهم، واستنصروا الله عليهم وزحفوا وثاروا نحوهم دعسا بالرماح وضربا بالسيوف غير هاربين ولا معرجين، واثقين بإحدى الحسنين: من الظفر العاجل أو الفوز الآجل. فأمدّهم الله تعالى بالنصر وأفرغ عليهم الصبر، وقذف في قلوب أعدائهم الذعر، فولّوا منهزمين لا يلوون، واستأصل القتل أكثرهم، واستولى المسلمون على مراكبهم فما أفلتهم منها غير واحد. ولحقوا عبيدهم بأحرارهم ووفوا لهم بميعادهم. وهاب العدوّ بعد ذلك أمرهم، فلم
стр. 473
بعترضهم أحد منهم إلى حين «١»
ذكر جزيرة قوصرة
٨٢٠ ويلي مدينة مازر من جزيرة صقلّية جزيرة قوصرة بينهما مجرى واحد «٢» .
[وهي في شرقي جزيرة مليطمة، وهي من جزيرة الراهب بين جنوب وشرق، وتوازي الشاقة ومازر وبينهما مجرى، وكذلك من قوصرة إلى برّ إفريقية مجرى. وجزيرة قوصرة ترى من مدينة مازر وترى أيضا من إقليبيا من برّ إفريقية، لأنّ هذه الجزيرة جبل مشرف عال جدّا. ولها مرسى من جانب الشمال، وهي مقطع للخشب الجيّد ويحمل منها إلى صقلّية. وفيها معز برّية تصاد هناك كثيرا، وهي مكمن للغزاة من المسلمين والروم، وكانت فيها للمسلمين على الروم أيّام صمصام الدولة وقيعة مجحفة ومقتلة عظيمة. وهي جزيرة صغيرة حصينة فيها آبار وأشجار، ولها من جهة الجنوب مرسى مأمون يكنّ من رياح كثيرة] «٣» .
والجزائر بتلك الناحية «٤» كثيرة
ذكر مجدونية
٨٢١ فأمّا مجدونية فهي قاعدة الروم الإغريقيّين، ومنها أرسطاطاليس فيلسوف
стр. 474
الروم وعالمها [وطبيبها وجهبذها وخطيبها] «١» ، وهو معلّم الإسكندر وله رسائل عجيبة.
وقد حدّدها الكندي عند ذكر ممالك صاحب القسطنطينية، وكانت مجدونية تسمّى في القديم ممارية مشتقّ من اسم ملكها مماريش «٢» .
ذكر طراقيبة
٨٢٢ فأمّا بلد طراقية فحدّها من المشرق «٣» مدينة القسطنطينية، ومن ناحية الجوف يمتدّ إلى ناحية الأشبان «٤» ، ومن ناحية القبلة معظم «٥» البحر، ومن ناحية المغرب يتّصل ببلد مجدونية ويتّصل به بلد طشالية. وزعموا أنّ أهلها أوّل من عمل اللّجم للخيل «٦» و [أنّهم] ابتدعوا رياضة الخيل والبيطرة.
ذكر طشالية
٨٢٣ [أرض بين الروم والترك، فيها عينان تجريان ويكون عنهما نهران، إن شربت الماشية من إحداهما اسودّت ووضعت سودا، والأخرى إن شربت منها الماشية وضعت أولادها بلقا] «٧» وبطشالية استنبط ضرب الدنانير من الذهب.
стр. 475
ذكر بلاد الأنقلش
٨٢٤ وهم جنس من الأتراك نزلوا مصاقبين للصّقالبة. وحدّ بلدهم في الغرب بلد بويرة وبلد بويصلاو «١» ، وفي الجوف منهم الروس، وفي الشرق منهم البجناك وقفار لا تسكن هي بين «٢» بلد البجناك وبين بلد البلقارين من الصقالبة، وفي القبلة بعض بلاد البلقارين، ومسافة قفار لا تسكن.
[وهم قوم ليس لهم معبود دون الله تعالى، وهم يقرّون بصاحب السماء وأنّه واحد قهّار، ويجتنبون أكل لحم الخنزير ويقرّبون قرابين. وإذا وضع بين يدي أحدهم طعام أجّج نارا وأخذ من أفضل خبزه وطعامه فيلقيه في النار ويدعو باسم أحبّ وزرائه إليه. ويعتقدون أنّ الدخان يرقى إلى السّماء فيكون دخرا للميّت بين يدي الله ليفوز بذلك عنده.
وهم ناقلة من خراسان، والإسلام هناك فاش، وهؤلاء الأتراك يفادون المسلمين واليهود إذا أسروا في جهة من الجهات التي تليهم. ويحسنون قرى الضيفان، وهم على أحوال مرضية إلّا في إباحة نسائهم لعبيدهم وأضيافهم وكلّ من أراد الخلوة بهنّ، وإنّهم في ذلك بمنزلة الكلاب] «٣» .
ذكر الروس
٨٢٥ وأمّا بلاد الروس فهم في جزيرة حواليها بحيرة، وطول جزيرتهم «٤» مسيرة خمسة «٥» أيّام وفيها مشاجر وغياض. وملكهم يقال له خاقان «٦» روس،
стр. 476
وهم في نحو مائة ألف إنسان، وهم يغزون الصقالبة في السّفن. وبلكار «١» تبع للروس وموافقون لهم. وليس للروس مزارع ولا كسب إلّا بسيوفهم، وقيل: هم ثلاثة أصناف: صنف منهم ينزل ملكهم مدينة كويابة «٢» وهي أقرب من بلقار «٣» ، وهم أقرب الروس إلى بلقار، وصنف آخر يسمّون الصلاوة، وصنف ثالث «٤» يسمّون الأوثانية وملكهم مقيم بأوثان، والتجار إليهم لا يتجاوزون كويابة «٥» . فأمّا أوثان (فلم يخبر أحد) «٦» أنّه دخلها لأنّهم يقتلون كلّ من (وصل إليهم) «٧» من الغرباء. (والله أعلم) «٨» .
«٩» ذكر جملة من القول في الأمصار ومساحات الممالك
٨٢٦ ذكر أنّ عمر لمّا استفتح «١٠» البلاد من العراق والشام ومصر كتب إلى بعض «١١» حكماء العصر يسأله عن البلاد (وتأثير أهويتها وتربتها في سكّانها) «١٢» . فكتب إليه «١٣» : أمّا الشام فتحت ركام وثجّ غمام «١٤» تصفّي الألوان وترطب الأجسام وتبلد الأفهام. وأمّا أرض مصر فهواؤها راكد وحرّها «١٥» متزايد تطوّل الأعمار وتسوّد الأبشار وتبلّد الفطن وتذكّي الإحن.
وأمّا أرض اليمن فتضعف الأجسام وتهذب الأحلام، مغايضها خصبة وأطرافها جذبة. وأمّا الحجاز فهواؤه حرور وليله بهور «١٦» يشجّع القلوب
стр. 477
وينحف الجسوم وفي أهله غدر ولهم خبّ ومكر، ولديارهم في آخر الزمان نبأ عظيم وخطب جسيم من أمور»
تظهر وأحوال تبهر. وأمّا العراق فقلب الأرض ومسلك النور وقرار النظارة ولأهله أعدل الألوان وأصفى الأذهان.
وأمّا الجبال فتخشن الأجسام وتبلد الأفهام وتميت الهمم وتفسد الشيم. وأمّا خراسان فتعظّم الأبدان وتكبّر الهام وتلطّف الأفهام ولأهلها غوص وتفكير ورأي وتدبير.
٨٢٧ وذكر أنّ معاوية سأل عبد الله بن الكوّاء فقال: أخبرني عن أهل البصرة.
فقال: يقاتلون معا ويدبرون شتّى. قال: فأخبرني عن أهل الكوفة. فقال:
أنظر الناس في صغيرة وأوقعهم في كبيرة. قال: أخبرني عن أهل المدينة.
قال: أحرص الناس على فتنة وأعجزهم عنها. قال: فأخبرني عن أهل مصر. قال: لقمة لأكل. قال: فأخبرني عن أهل الحيرة. قال: كناسة بين حديقتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل. قال: قلادة وليدة فيها من كلّ خرز. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: جنّة «٢» أمير المؤمنين ولا أقول فيهم شيئا. قال: لتقولنّ. قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق، لا يحسبون للسماء ساكنا. وروي أنّ عمرو بن العاص قال: أهل الحجاز أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم عنها، وأهل العراق أطلب الناس لعلم وأعلمهم بخلافه، وأهل مصر أعقل الناس صغارا وأحمقهم كبارا، وأهل الشام أطوع الناس لمخلوق «٣» وأعصاهم لخالق «٤» .
وقال سليمان بن موسى: إذا كان الرجل علمه حجازي وسخاؤه عراقي واستقامته شامية فقد كمل.
وقال بعض الحكماء: أهل الحجاز أهل لهو ومعازف ومداعبة وتأنيث، وأهل
стр. 478
اليمن أهل غفلة وخفّة ولين «١» ، وأهل العراق أهل فكرة وفطنة وغدر وخبث وحيل وكثرة كلام، وأهل الشام أهل غفلة وسلامة صدور وعون للظلمة، وأهل مصر أهل غفلة ولين وقلب فطن، وأهل خراسان أهل غفلة وحرص وبخل وشجاعة، وأهل الهند أهل حكمة «٢» وشجاعة وحسن سيرة ولين، وأهل الصين أهل طيش وخفّة وجبن.
٨٢٨ وقال بكر «٣» بن وائل عن محمّد بن مسلم يرفعه: قسم الحفظ عشرة أجزاء فتسعة في الترك وجزء في سائر الناس، وقسم البخل «٤» عشرة أجزاء فتسعة في فارس وجزء في سائر الناس، وقسم الكبر عشرة أجزاء فتسعة في الروم وجزء في سائر الناس، وقسم السخاء عشرة أجزاء فتسعة في السودان وجزء في سائر الناس، وقسم الشبق عشرة أجزاء فتسعة في الهند وجزء في سائر الناس، وقسم الحسد عشرة أجزاء فتسعة في العرب وجزء في سائر الناس.
وقال أيضا بعض الحكماء: لا ترى أمة أكمل من كوفية ولا أظرف من مدنية ولا أبرع كمالا من رومية ولا أحسن من أندلسية ولا أسحر بعينها من حبشية ولا أحسن قواما من سندية ولا أنجب للولد من خوشية «٥» ولا أعسر قفلا من خزرية.
٨٢٩ فلمّا أراد عمر رضه النهوض إلى العراق سأل كعب الأحبار عنها فقال: يا أمير المؤمنين، لمّا خلق الله الأشياء لحق كلّ شيء بشيء، فقال العقل: إنّي لاحق بالعراق. فقال العلم: وأنا معك. فقال المال: فإنّي لاحق بالشام.
стр. 479
قالت الفتن: وإنّا معك. قال الخصب: إنّي لاحق بمصر. قال الذلّ: وأنا معك. قال الشّقاء: إنّي لاحق بالبوادي. قالت الصحّة: وأنا معك. وقال الحجاج: لمّا تبّوأت الأمور منازلها قالت الطاعة: أنزل الشام. قال الطاعون: وأنا معك. قال النفاق: وأنا أنزل العراق. قالت النعمة: وأنا معك. قالت الصحّة: أنزل البادية. قالت الشقوة: وأنا معك.
٨٣٠ وممّا خصّ به العراق مادّة الرافدين وهما دجلة والفرات، وكانت الأوائل تشبهه من العالم بالقلب من «١» الجسد لتوسّطه الأرض ولأنّه من إقليم بابل الّذي سبقت الآراء عن أهله بحكمة الأمور كما تكون الحكمة من القلب.
وأشرف هذا الإقليم مدينة السلام، وقالوا: العراق لا جبلية ولا بحرية ولا شتاء كشتاء أرمينية ولا صيف كصيف عمان ولا صواعق كصواعق تهامة ولا جرب كجرب اليمن ولا طاعون كطواعين الشام ولا طحال كطحال البحرين ولا حمّى كحمّى خيبر ولا زلازل كزلازل صبرة ولا دمامل كدمامل الجزيرة ولا جنون كجنون حمص ولا هواء يختلف كهواء مصر الّتي لم يجعل الله في أرزاق أهلها وأقواتهم نصيبا من الرحمة الّتي نشرها على عباده بالغيث الّذي جعله عمارة لبلاده «٢» ٨٣١ وقال ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.
وقالت الحكماء: عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان. وقال أبقراط: يداوى كلّ عليل بعقاقير أرضه، فإنّ الطبيعة تتطلّع إلى هوائها وتسرع «٣» إلى غذائها.
وقال أفلاطون: غذاء الطبيعة من أنفع أدويتها.
стр. 480
٨٣٢ وزعم الفزاري أنّ عمل أمير المؤمنين من أقصى خراسان- وهو فرغانة- إلى طنجة بالمغرب ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ «١» (ومن الباب إلى بغداد ثلاثمائة فرسخ) «٢» ، وعمل الصين في المشرق واحد وثلاثون ألف فرسخ في أحد عشر ألف فرسخ، وعمل الهند في المشرق أحد عشر ألف «٣» فرسخ في سبعة آلاف فرسخ، وعمل تبّت خمسمائة فرسخ في مائتين وثلاثين فرسخ، وعمل كابل شاه أربعمائة فرسخ في ستّين، وعمل الترك ألف فرسخ في خمسمائة فرسخ، وعمل الخزر واللّان سبعمائة في خمسمائة، وعمل برجان ألف وخمسمائة في سبعمائة، وعمل الصقالبة «٤» ثلاثة آلاف وخمسمائة في أربعمائة وعشرين، وعمل الأندلس ثلاثمائة فرسخ في مائة فرسخ، وعمل رومة ثلاثة آلاف فرسخ في سبعمائة فرسخ، وعمل إدريس الفاطمي ألف ومائتا فرسخ في مائة وعشرين فرسخا، وعمل فارس لابن المنتصر «٥» أربعمائة فرسخ في ثمانين فرسخا. عمل أنبية «٦» ألفان وخمسمائة فرسخ في ستّمائة فرسخ، وعمل غانة بلاد الذهب ألف فرسخ في ثمانين فرسخا، وعمل ورام مائتا فرسخ في ثمانين فرسخا، وعمل نخلة مائة وعشرون فرسخ في ستّين فرسخا، وعمل واخ «٧» ستّون في أربعين، وعمل البجاة مائتا فرسخ في ثمانين، وعمل النوبة ألف وخمسمائة فرسخ في أربعمائة، وعمل الزنج تسعة آلاف وستّمائة فرسخ في خمسمائة فرسخ، وعمل أسطوا لأحمد بن المنتصر [أربعمائة فرسخ في مائتين وخمسين فرسخا] «٨» ، فذلك الطول اثنان وسبعون ألف فرسخ وأربعمائة فرسخ وثلاثون فرسخا، والعرض خمسة وعشرون ألفا ومائتان وخمسون فرسخا.
стр. 481
ذكر أقسام إيرانشهر
٨٣٣ وهو يشتمل على بلدان مسمّاة يضمّ «١» كلّ بلد عدّة كور. فالبلاد:
خراسان وكرمان وفارس والأهواز والجبل وسجستان وأرمينية وآذربيجان والموصل والجزيرة والشام وسورستان وهي متوسّطة لهذه البلاد. فكور خراسان: الطّبسان وقوهستان «٢» ونيسابور وهراة وبوشنج وباذغيس «٣» وطوس ونسا وأبيورد وسرخس ومرو الروذ والطالقان والفرياب «٤» والجوزجان «٥» والترمذ ومن وراء النهر «٦» وبخارى وسمرقند وكش ونسف «٧» وأوّل بلاد الترك وشاش وفرغانة وأشروسنة وخوارزم مضمومة إلى خراسان.
وكور كرمان: أواس والسيرجان وبردسير «٨» ويمّ وجيرفت وهرمز.
وكور فارس: سابور وإصطخر وأردشير خرّة ودارابجرد وفسا وأرّجان وشيراز.
وكور الأهواز: سوق الأهواز وجندي سابور ورامهرمز وسرّق وبيذق وتستتر والسّوس.
وكور الجبل: ماسبذان ومهرجان وقذق وماه الكوفة، وهي الدينور، وماه البصرة، وهي نهاوند وهمدان وقم.
٨٣٤ وممّا ينسب إلى الجبل من الكور وليس منه ولا من خراسان: الريّ وقومس
стр. 482
وإصبهان وشهرزور وصامغان «١» وداراباذ وقزوين وأبهر وزنجان وطبرستان وجرجان ودباوند «٢» .
وكور سجستان: زرنج وبست «٣» والرخّج.
وكور أرمينية: أرّان «٤» وجرزان ونشوى وخلاط ودبيل وسراج وجردبيل وياخس وأرجيش وسيسجان ومدينة الباب والأبواب وهي درجان.
وكور أذربيجان: أردبيل ومرنج وباجران «٥» وورثان «٦» والمراغة.
وكور الموصل: الموصل وتكريت وطيرهان والسنّ والحديثة والمرج وباجلى وباجرمى «٧» .
وكور الجزيرة: أرزن وميافارقين وآمد وسميساط «٨» ودارا ونصيبين ورأس عين «٩» وقرقسيا والرّقّة وسروج وحرّان والرّها وقردى وبازبدى وبلد. وهذه الكور قسمان: قسم يسمّى ديار ربيعة وقسم يسمّى ديار مضر. فأمّا ديار مضر منها فإنّ واسطتها الرقّة ومنها البيضاء وحرّان والرها وسميساط «١٠» وسروج «١١» . ومنها رأس كنعان «١٢» وأنبية بني تميم والمارجين والمدينتان وعين زربة وبازبدى وسلقوس.
٨٣٥ وقد زعموا أنّ من أقام بالموصل حولا فتفقّد (عقله وجد فيه نقصانا، وإن) «١٣» تفقّد قوّته وجد منها فضلا. ومن كورها: مدينة الحضر «١٤» ونينوى وبادقل وحزّة وأنفاس «١٥» ودقوقا والبواريح وجامحال وقامر وبازبدى «١٦» وأخشور، وهي كلّها متقاربة المسافات في الفراسخ، من سبعة «١٧» فراسخ إلى اثني عشر فرسخا.
стр. 483
وكور الجزيرة الّتي تسمّى الثغور: ملطية وزبطرة ومرعش والحدث وحصن منصور.
٨٣٦ وكور الشام: حلب وقنّسرين وأنطاكية وشيزر وحماة وحمص وفامية «١» وبعلبك والطبرية، وهي الأردنّ، والرملة، وهي فلسطين وإيلية.
وكور الشام الّتي تسمّى الثغور الشامية: أذنة والمصّيصة وطرسوس وعين زربة والهاشمية والكنيسة السوداء والعواصم وأنطاكية وتيرا وقورش ومنبج ودلوك وعمان.
(وكلّ ما ذكر من البلاد والكور يشتمل على قواعد جليلة وقرى شريفة لا يحيط بها إلّا خالقها) «٢» .
٨٣٧ وجنّد عمر رضه الشام أربعة أجناد متفرّقة في أيدي عمّاله «٣» وهم: خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجرّاح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وبقيت على هذا التجنيد حتّى زاد فيها يزيد بن معاوية قنّسرين، وكانت في أرض الجزيرة.
стр. 484
حكم الخراج في البلاد المذكورة
«١» ٨٣٨ وانتهى الخراج بجميع ما ينضاف إليه في جميع الكور والبلاد (بعد سنتين من خلافة الرشيد) «٢» على ما ذكر ورفعه أبو الوزير بن هاني المروزي إلى يحيى بن خالد بن برمك من الذهب والفضّة على التحميل الفضّة ذهبا صرف ثلاثة عشر درهما بدينار «٣» : أربعة وثلاثون ألف ألف دينار ومائة ألف دينار وأربعة آلاف وستّ مائة وستّة وأربعون دينارا، تكون أرطالا: تجتمع مائة ألف وخمسة وخمسون ألف ألف ومائتان وستّة وخمسون رطلا وتسع أواق غير ربع أوقية. (وتكون قناطير ثلاثة آلاف قنطار وخمسمائة قنطار واثنان وخمسون رطلا وتسع أواق غير ربع أوقية) «٤» . سوى حلل الأنبار واليمن وثياب الهند والسند والعود الهندي ورقيقه ونقر «٥» فضّة خراسان ورقيقهما وثيابهما وإبريسم جرجان وطبري طبرستان وأكسية ديناوند والروبان ورقيق جيلان ووشي أرمينية وعنبر اليمن وبسط افريقية وفتيانها ووصائفها.
стр. 485
القول في أخبار المغرب وذكر مصر ونيلها وملوكها وبرابيها وأهرامها والمشهور من بلاد المغرب وجمل من أخبارها
«١» ٨٣٩ وصفها بعض الحكماء فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة «٢» بيضاء وثلاثة أشهر مسكة سوداء وثلاثة أشهر زمرّدة خضراء وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء، يريد أنّها في «٣» تموز وآب وأيلول يركبها الماء، فترى الدنيا بيضاء وضياعها على رواب وتلال كالكواكب «٤» قد «٥» أحاطت بها المياه، فلا سبيل (لبعض منهم) «٦» إلى بعض إلّا في الزوارق، ثمّ تكون في تشرينين «٧» وكانون بعد نضب «٨» الماء عنها «٩» مزارع وتربة «١٠» ندية «١١» ذات «١٢» روائح طيّبة تشبه ريح المسك، ثمّ تكون في كانون الثّاني وشباط وآذار قد «١٣» اتّصلت خضرتها واستوسقت نضرتها، فكانت زمرّدة خضراء، ثمّ في نيسان وأيار «١٤» وحزيران يدرك الزرع ويتورّد العشب، فتصير كسبيكة الذهب منظرا ومنفعة.
стр. 486
٨٤٠ والنيل (إذا زاد غاضت «١» الأنهار والعيون والآبار) «٢» ، وإذا غاض زادت وزيادتها «٣» من غيضه وغيضها من زيادته، وهذا عجيب «٤» .
وليس في الدنيا نهر يسمّى بحرا ويمّا غيره. قال الله «٥» تعالى: فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ
«٦» . وسمّته العرب بحرا، وليس في الدّنيا نهر يزرع عليه ما يزرع على النيل ولا نهر يجنى منه إلّا جزء ممّا يجنى من النيل. وابتداؤه بالتنفّس (في بقية) «٧» حزيران، فإذا انتهت الزيادة ستّ عشرة ذراعا ففي ذلك تمام خراج السلطان وخصب الناس الكافي، وكان المرعى ناقصا قاصرا «٨» بالبهائم، فإذا بلغ سبع عشرة ذراعا «٩» فذلك الخصب العام والصلاح التّام، فإن زاد إلى ثماني عشرة ذراعا استبحر من مصر الربع وأضرّ بالضياع وأعقب الوباء بمصر، وقد بلغ تسع عشرة ذراعا سنة تسع وتسعين في خلافة عمر بن عبد العزيز.
٨٤١ قال عبد الملك بن حبيب: خروج النيل وجريته من أوّل ما يبدأ إلى توقّفه ورجوعه سبعة وثمانون يوما، أوّل ذلك لخمس بقين «١٠» من حزيران- وهو «١١» بونه. وذكر أنّ الله تعالى «١٢» جعل نيل مصر معادلا لأنهار الدنيا في «١٣» المادّة ومياهها الجارية، فحين يبتدئ في الزيادة تنقص كلّها وحين يبتدئ بالنقصان تزيد كلّها بمدّة لها «١٤» كما نقصت بجزره منها «١٥» .
стр. 487
٨٤٢ ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثنتي عشرة ذراعا «١» ثمانية وعشرون إصبعا، وما زاد على الاثني عشر مساحة الذراع أربعة وعشرون إصبعا. وإذا انصرف الماء عن ثلاث عشرة ذراعا إلى أربع عشرة استسقى الناس بمصر وكان الضرر الشديد. وهم يسمّون هذين الذراعين منكرا ونكيرا. وفي خمس عشرة ذراعا «٢» لا يستسقى وكان نقصا من خراج السلطان والغلّات.
٨٤٣ والقياس الّذي يعمل عليه في وقتنا هذا هو الّذي اتّخذه أسامة بن زيد التّنوخي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وهو أكبر المقاييس ذراعا «٣» ، وهذا «٤» المقياس في الجزيرة الّتي تدعى جزيرة الصناعة بين الفسطاط والجيزة، فيعبر «٥» من الفسطاط إلى الجزيرة على الجسر ومن الجزيرة إلى الجيزة على جسر آخر، والفسطاط على شرقي الجزيرة والجيزة «٦» على غربيّها. والعمل عند «٧» ترادف الرياح وكبر الموج وكثرة الماء على مقياس آخر لأحمد بن طولون. وقد كان عمر بن عبد العزيز بن مروان لمّا ولّي مصر اتّخذ مقياسا قصير الذراع بحلوان «٨» ، وهي فوق الفسطاط «٩» ، فكان العمل عليه حتّى «١٠» اتّخذ أسمامة (بن زيد) «١١» هذا. وكان العمل قبل الإسلام وصدر الإسلام بمقياس صنعه يوسف الصدّيق «١٢» ﵇ ١»
لمّا بنى الأهرام لمعرفة زيادة النيل، وكان بمنف، (ولمّا يبن الفسطاط يومئذ) «١٤» . وكانت دلوكة الملكة وضعت أيضا مقياسا آخر بالصعيد ببلاد أخميم.
стр. 488
٨٤٤ والتّرع الّتي في مصر أربع أمّهات: ترعة ذنب التّمساح وترعة بلقينة «١» وخليج سردوس «٢» وخليج ذات «٣» السّاحل. وتفتح هذه الترع في عيد الصليب لأربع عشرة من أيلول، وليلة الغطاس بمصر لعشر يمضين «٤» من كانون الآخر، وهو أصفى ما يكون النيل، وحينئذ يتّخذ النبيذ السواري «٥» بعد الغطّاس، ويختزن الماء أهل تنّيس ودمياط (سائر قرى) «٦» البحيرة.
٨٤٥ ولليلة الغطّاس بمصر شأن عظيم. قال س: حضرتها سنة ثلاثين وثلاثمائة وأميرها الإخشيد محمّد بن طفج، وهو في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل والنيل مطيف بها. وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألفا مشعل سوى ما أسرج «٧» أهل مصر من المشاعل والشمع «٨» ما لا يحصى عدده. وقد حضر النيل في تلك الليلة آلاف الآلاف من البشر «٩» ، منهم في الزوارق «١٠» ومنهم في الدور الراكبة للنيل ومنهم «١١» في «١٢» الشطوط «١٣» ، وقد أظهروا كلّ ما في إمكانهم «١٤» إظهاره من الملابس وآلات الذهب والفضّة والجواهر والملاهي والعزف «١٥» والقصف وأحضروا «١٦» من المآكل والمشارب «١٧» ما «١٨» اختلفوا فيه، وهي أحسن ليلة تكون وأجلّها سرورا، ويغطس أكثر الناس في النيل ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشرة من الدّاء.
стр. 489
٨٤٦ وكتب عمر «١» إلى عمرو بن العاص: إنّ أرضك واسعة «٢» رفيعة، وقد أعطى الله أهلها جلدا وقوّة في «٣» برّ وبحر وعالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما مع شدّة عتوّهم «٤» ، فاكتب إليّ بصفة أرض «٥» مصر حتّى كأنّي أنظر إليها، والسّلام «٦» . فكتب إليه: إنّ أرض مصر تربة سوداء وشجرة خضراء بين (جبل أغبر) «٧» ورمل أعفر، وخطّها مسيرة راكب شهرا، كأنّما بين جبلها ورملها بطن أقبّ أو ظهر أخبّ، فيها نهر مبارك يسيل بالذهب على الزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر تمدّه عيون الأرض وينابيعها مأمورة بذلك، حتّى إذا طفحت «٨» لججه واعلولى عبابه كانت القرى ممّا أحاط بها منه لا يوصل من بعضها إلى بعض إلّا في السفائن «٩» والمراكب، ثمّ لا يلبث إلا قليلا حتّى تنقص جريته وتستبين متون أرضه، ثمّ تنتشر فيها «١٠» أمّة محصورة قد رزقوا على أرضهم جلدا وقوّة، فأثاروا سهل الأرض «١١» وروابيها «١٢» ، وبذروا فيها من الحبّ ما يرجون به التمام من الشرب حتّى تبدو طوالعه وتظهر قنواته يسقيه «١٣» من تحته الثرى ومن فوقه الندا، فينتفي ذبابها وتدرّ حلابها، فبينا هي مدرة «١٤» سوداء إذا هي لجّة زرقاء ثمّ غوطة خضراء ثمّ ديباجة رقشاء ثمّ فضّة بيضاء، فتبارك الله الفعّال لما يشاء «١٥» ، فالحمد لله يا أمير المؤمنين على ما أنعم به عليك منها «١٦» والسّلام «١٧» .
стр. 490
٨٤٧ وذكر أنّ مصر مصوّرة في كتب الأوائل وسائر المدن مادّة أيديها إليها تستطعمها. وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر تعدل الخلافة، وجعلها الله متوسّطة للدنيا، فهي من الإقليم الثالث والرابع، سالمة «١» من حرّ الإقليم الأوّل والثاني ومن برد الإقليم السادس والسابع، فطاب هواؤها وضعف حرّها وخفّ بردها، فسلم أهلها من مشاتي الجبال ومصائف عمان وحرّ تهامة ودماميل الجزيرة وجرب اليمن وطواعين الشام وطحال البحرين وحمّى خيبر، وآمنوا من غارات الترك والعرب والديلم وآمنوا قحط الأمطار. ففي «٢» كورها طرائف وعجائب، فصعيدها (أرض حجازية) «٣» تنبت النخل والآراك والقطر «٤» والعشر، وأسفل أرضها شامي ينبت ثمار الشام من الكرم والتين واللوز والجوز وسائر الفواكه «٥» من البقول والرياحين، ويقع بها الثلج.
٨٤٨ وأمر الرشيد فصوّرت له مدائن الدنيا، فما استحسن منها غير عمل أسيوط، فإنّ مساحته ثلاثون ألف فدّان في دست واحد، لو قطرت فيه قطرة فاضت على جميع جوانبه يبذر فيه جميع الحبوب. فلا يكون على الأرض بساط أعجب منه، من جانبه الغربي جبل أبيض على صورة الطيلسان، ويحيط به من جانبه الشرقي النيل كأنّه جدول فضّة، لا يسمع فيه الكلام من شدّة أصناف أصوات «٦» الطير. وممّا ذمّت «٧» به مصر سوى ما ذكره «٨» الجاحظ أنّ أهل مصر أعقل الناس صغارا وأحمقهم كبارا. وكان أبو دلامة دخل مصر، فلمّا رجع إلى العراق لقيه الحسن «٩» بن هاني فسأله عن صفة
стр. 491
مصر فقال: ثلثها كلاب وثلثها تراب وثلثها دوابّ. قال: وأين الناس؟
قال: في الثلث الأوّل. وفي بعض الروايات أنّ الدجّال «١» يخرج من موضع يقال له قوس. والحسد في أهل مصر كثير والجهل عليهم غالب. وقال علي بن الحسن العراقي «٢» : صلّى علي بن أحمد بن أبي شيخمة العيد سنة «٣» اثنتين وثلاثمائة بجامع عمرو «٤» ، ولم يكن يصلّي فيه العيد قبل ذلك، فخطب خطبة العيد في فتر نظرا، فكان ممّا قال (أو حدّثوا عنه) «٥» : اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مشركون. فقال شاعرهم [سريع] :
وقام في العيد لنا خاطب ... يحضّض النّاس على الكفر
فأمر أمير مصر بضربه، فكلّم فيه وتشفّع «٦» له حتّى تركه. وأهل مصر يشبه بعضهم بعضا في الأبدان والأخلاق، وكذلك الصقالبة يشبه بعضهم بعضا.
٨٤٩ ومن العجائب بأرض مصر: في قرية منها يقال لها بدرسانة القرى «٧» كنيسة للروم «٨» فيها بيت يصعد إليه الناس نيفا وعشرين مرقاة، وهناك سرير عليه صبي ميّت، وتحت السرير صورة ثور عظيم من رخام وفي جوفه باطية زجاج فيها أنبوبة نحاس، (توضع فيها فتل) «٩» كتّان ويصبّ عليه يسير من الزيت ويشعل، فلا يلبث أن تمتلئ «١٠» الباطية وتفيض إلى جوف الثور، فيأخذ قيّم الكنيسة ذلك الزيت فيسرج به دائما لا ينقطع نماؤه وزيادته، فإن أزيل الصبي الميّت طفئت تلك النّار ولم يفض الزيت. وقد صار إلى هذا الموضع جماعة من الناس ونظروا إليه وفرغوا الباطية، ثمّ أسر جوها بيسير من الزيت، ففاضت وبدا منها ما ذكرنا. ويذكرون أنّ المرأة إذا اتّهمت نفسها بحمل
стр. 492
أخذت ذلك الصبي الميّت فجعلته في حجرها، فإن كان بها حمل تحرّك جنينها في بطنها لحينه، وإلّا لم يتحرّك.
٨٥٠ وبساحل أبي علي بقرية بوصير الكتّان مسجد يسمّى مسجد برمنت «١» فيه حجر نابت يبض بيسير من الماء يوجد عليه، فإذا شربت منه المرأة الّتي لا تحمل أقلّ شيء حملت، لا يشكّون في ذلك. ولا ينحدر أحد في النيل من «٢» الصعيد ولا يصعد أحد من مصر إلّا أهدى لهذا المسجد ممّا «٣» يحمله من الطيّب والشمع وغير ذلك. وعلى بوصير نقب (في صخر بأعلى الجبل) «٤» يجتمع إليه في كلّ سنة في يوم بعينه منها طير «٥» كثير لا يحصى كثرة، فلا يزال الواحد بعد الواحد يدخل رأسه في ذلك النقب حتّى (تعلّق واحد منهم) «٦» ولا يمكنه إخراج رأسه، فإذا كان ذلك انصرف الطير كلّه وتفرّق «٧» . وإنّ الناس (لم يزالوا) «٨» يشاهدون ذلك.
٨٥١ وعلى شاطئ النيل بعمل مصر موضع يجتمع إليه (في يوم معلوم من السنة) «٩» سمك كثير يتعمّد إليه أهل ذلك الموضع فيصيدونه بأيديهم، لا يمتنع عليهم «١٠» ولا ينفر منهم «١١» ، حتّى إنّ الرجل ليأخذ منها الألف وأكثر، فإذا غابت الشمس من ذلك اليوم لم يقدروا منها على سمكة واحدة.
стр. 493
٨٥٢ وبصفح جبل من أرض مصر كنيسة فيها عين ماء عذب، متى مسّه جنب أو حائض غار من ساعته وأنتن جميع ما قد حصل في الحوض منه حتّى يغرف ماء الحوض ويغسل ويغرف ما بقي في العين منه «١» ، فيعود يجري على عادته.
٨٥٣ وقيل: نعم بلاد مصر، يغزى منها «٢» بدرهمين ويحجّ بدينارين، يريدون الحجّ في بحر القلزم والغزو إلى الإسكندرية.
٨٥٤ ولمّا أهدى المقوقس إلى رسول الله «٣» ﷺ (عند كتاب رسول الله ﷺ إليه أهدى إليه) «٤» ما أهدى من الثياب والكراع والجاريتين القبطيتين، كان في هديته تلك عسل، فقال رسول الله ﷺ : من أين هذا العسل؟
قيل: من قرية مصر يقال لها بنها. فقال: اللهمّ بارك في بنها وعسلها.
فعسلها إلى يومنا هذا أحلى عسل مصر وأكثره. قيل «٥» : وصاهر «٦» إلى القبط ثلاثة من الأنبياء ﵈: إبراهيم الخليل تسرّر هاجر «٧» ، ويوسف ﵇ «٨» تزوّج زليخا «٩» ابنة صاحب عين شمس، وهي الّتي نصّ «١٠» الله تعالى حديثها معه، ومحمّد ﷺ تسرّر مارية القبطية «١١» .
стр. 494
الشيخ القبطي
٨٥٥ وبلغ أحمد بن طولون صاحب مصر في سنة نيّف وستّين ومائتين أنّ رجلا من الأقباط بأرض الصعيد- أعالي بلاد مصر- له ثلاثون «١» ومائة سنة ممّن عني بالعلم من لدن حداثته والإشراف على الآراء والنّحل «٢» من مذاهب المتفلسفين وغيرهم من أهل الملل، وأنّه علّامة بالممالك والملوك وذو معرفة بهيئات الأفلاك والنجوم، (وكان نقراسا على مذاهب) «٣» اليعقوبية.
فبعث ابن طولون إليه قائدا من قوّاده فحمله في «٤» النيل مكرما، وكان الشيخ قد انفرد عن الناس في بنيان قد اتّخذه سكنا «٥» وسكن في أعلاه، وقد رأى الولد الرابع عشر من (ولد ولده) «٦» .
٨٥٦ فلمّا بلغ إلى أحمد أسكنه بعض مقاصيره ومهّد له «٧» وحمل إليه لذيذ «٨» المآكل والمشارب، فأبى الشيخ أن يتوطّأ شيئا من ذلك وأن يتغذّى إلّا بما حمل مع نفسه من كعك وسويق ونحوهما «٩» ، وقال: هذه بنية قوامها ما ترون من الغذاء واللبس «١٠» ، فإن أنتم سمتموني النقلة عن العادة كان ذلك سبب انحلال «١١» البنية. ثمّ أحضره ابن طولون أهل الدراية وصرف همّته إليه وأخلى له نفسه أيّاما وليالي يسمع كلامه. فممّا سأله عنه بحيرة تنّيس ودمياط المتقدّم ذكرهما فقال: كان موضع البحيرة أرضا لم يكن أرض مثلها طيب تربة وزكاء رتع «١٢» ، وكانت جنانا متّصلة ولم تكن بمصر كورة
стр. 495
(تشبهها، وقيل ما يشبهها) «١» إلّا الفيوم وحدها، وكانت أكثر فاكهة ورياحين من الأصناف الغريبة.
٨٥٧ ومعنى الفيوم ألف يوم لأنّ «٢» أوّل من نزلها جارية من الروم اسمها «٣» ألف يوم. وكان الماء منحدرا إلى قرى موضع «٤» البحيرة صيفا وشتاء يسقون منه متى شاؤوا، وفضلة الماء تصبّ في البحر في الموضع المعروف بالأشتوم. وكان فيما بين العريش وقبرس طريق مسلوكة «٥» في اليبس، وبينها وبين قبرس اليوم مسير طويل في البحر. فلمّا مضى من ملك دقلطيانس «٦» مائتان وإحدى وثلاثون «٧» سنة، وذلك قبل استفتاح مصر بمائة «٨» سنة، طغى الماء من البحر وزاد فأغرق القرى الّتي كانت في موضع «٩» البحيرة، وآثارها كان منها في البقاع باقية قد أحاط بها الماء. (والأكوام الّتي بتنّيس الّتي يسمّونها بأبي الكوم) «١٠» إنّما هي قبور أهل «١١» تلك القرى، وهي تلال «١٢» منضدة بالناس من صغير وكبير وذكر وأنثى كالجبال.
٨٥٨ قال: وعند هذه الزيادة الّتي ذكرتها «١٣» من طغيان البحر علا الماء على القنطرة الّتي كانت بين الأندلس (وبين الموضع الّذي يسمّى الخضراء، وهو قريب من فاس المغرب وطنجة، وهي قنطرة فاس، وهي قنطرة مبنيّة
следующие страницы →