Полный текст (893 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
صورته) «١» ، فكانت عنده إلى أن عرّفه بعض من رآها عنده أنّها حرز عظيم، وذكر أنّه لو جعل عليها لحما وجوّع كلبا أو شيئا من السباع وخلاه عليه لم يقرب منه. قال: فعجبت «٢» منه وامتحنت ذلك «٣» فوجدته كما ذكر.
٩٠٦ قال الوصيفي: وقد رأيت أنا في بربى أخميم صورة عقرب، فألصقت عليها شمعا وكانت عندي، فلم أتركها في موضع إلّا انحاشت إليها «٤» العقارب، وإن كانت في تابوت اجتمعت تحته وحوله حتّى «٥» كنت أتجافى عن حملها.
فطلبها بعض إخواني ودفعتها إليه ورجعت إلى أخميم، فوجدت الصورة قد نقرت وأفسدت.
٩٠٧ ومن المتعارف عند أهل أخميم أنّه كان في البربى صورة شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة وقد رفعها الهواء «٦» ، وفي جبهته وحواليه كتابة وله إحليل ظاهر ملصّق بحائط البربى، فكان من احتال على ذلك «٧» الإحليل حتّى (نقب عليه ونزعه) «٨» من غير أن ينكسر، وعلّقه في وسطه لم يزل منعّظا إلى أن ينزعه ويجامع ما أحبّ ولا ينكسر ما دام عليه، وأنّ ابن أبي «٩» الغمر لمّا ولّي البلد أخبر بذلك فطلبه «١٠» ، فلم يوجد له غير صورة واحدة كانت قرب السقف، فاحتيل عليها حتّى أخذ له الإحليل، فكان يستعمله ويخبر بصحّته. وكانت فيها «١١» صورة بومة إذا ألصق عليها الشمع وجعل في
стр. 527
موضع لم تقربه بومة. وكانت فيها صورة شيطان يسوق كبشا بحبل في عنقه، فمن صوّره في صفيحة «١» رصاص وما حوله من الكتابة وحمله معه ومرّ على قطيع من الكباش اتّبعته.
٩٠٨ وفي بربى أخميم في الباب الّذي يدخل منه إلى المصعد في عقب الباب على يسار الداخل منه صورة رأس «٢» عظيم بلحية كبيرة وشعر كثير كأنّه رأس رومي بغير جسد، فذكروا أنّ الأوائل كانوا يبخرون ذلك الرأس ببخور لهم معروف، فكلّ من بخره وجد عنده دينارا، فكان ذلك «٣» معونة لأهل المسكنة. قال الوصيفي: فتصفّحت موضع الرأس فوجدت آثار البخور والطيب بيّنة (فيه و) «٤» في القبّة الداخلة الّتي (ينزل منها إلى) «٥» سطح البربى المعروفة بقبّة مسمطاسيين «٦» ، ولها بخور وكلام، من تكلّم به وسأل عن كلّ أمر أخبر به من البئر «٧» بكلام يسمعه ويفهمه «٨» .
٩٠٩ وفي بربى قفط صورة رجل جالس في دائرة وحوله كتابة «٩» وعلى جميع دور الدائرة شياطين «١٠» قيام بأيديهم حراب، يرمون بها ذلك الرجل، والرجل رافع يده كأنّه يرميهم. فيقال «١١» إنّه من صوّر تلك الصورة في صفيحة ذهب وحملها معه ودخل الحرب لم يضرّه ولا عمل فيه حديد ولا غيره. يعمل ذلك في أوّل الهلال ويكون المشتري مسعودا. وحذاء هذه الدائرة من الجانب الآخر دائرة أخرى فيها رجل مكتوب على وجهه وحوله شياطين بأيديهم
стр. 528
حراب يضربونه بها، وقد شكّوها «١» في جسمه. فيقال إنّ من صوّر مثلها في صفيحة رصاص باسم عدوّ له وبخرها بشعر جمل في آخر الشهر ودفنها في ناووس تحت رأس ميّت لحقه كلّ مكروه ولم يزل عدوّه «٢» فزعا ميّت القلب، فإن تركت أكثر من ثلاث خيف عليه الهلاك، فإذا أخرجت «٣» وغسلت بماء بئر لا تراها الشمس وجعل ذلك الماء في إناء (مزجج أو في قدر حديد) «٤» وشربها الرجل وجرد نقش تلك الصفيحة زال عنه ما يجده.
٩١٠ وعلى باب «٥» بربى أخميم طلسم: قطعة من حجر في صورة القلنسوة الطويلة معقّفة الرأس كأنّها منقار، يقال «٦» إنّ تحتها مالا عظيما، فجهد جماعة من الولاة أنفسهم في قلعها أو كسرها فلم يصلوا إلى ذلك، وتكسّرت المعاول عليها ولم يتثلّم منها شيء.
٩١١ وأخبرني رجل بأخميم أنّه رأى هناك صورة استحسنها، وهي صورة إنسان على رأسه طائر وإلى جانبه كلب رابض وتحت رجليه كتابة، وأنّه صوّرها في قرطاس كما رآها وحملها في جيبه، فأقام ثلاثة أيّام لم يجع ولم يأكل ولا اشتهى شيئا من الطعام، ولم يدر السبب في ذلك. ثمّ إنّه فكّر في تلك الصورة فنحاها عنه فاشتهى الطعام وأكل، فحدّث بذلك بعض الولاة فأخذها منه ورجع إلى البربى يطلبها «٧» ، فأشكل عليه موضعها ولم يصل إليها إلى أن أخبرني بذلك.
стр. 529
٩١٢ وحدّث رجل منهم أنّ رجلا من أهل المشرق نزل عليهم وكان بصيرا، فتذاكروا أمر البربى فقال بعضهم «١» : إنّي رأيت صورة إنسان عريان مؤتزر «٢» بمئزر وفي يده اليمنى فأس له «٣» رأسان وفيه قفّة معلّقة. (فقال الشرقي) «٤» : إنّ لهذه الصورة عملا ينتفع به، فانسخه لي وما حوله من الكتابة، وليس يعمل بها إلّا أن تفسد من البربى. قال: فصوّرتها له فقال لي: أفسدها أخبرك بنفعها، فأطمعني في علم ذلك وأفسدتها وخدّشتها بمنقار كان معي حتّى انطمست وسألته عن العلم، فخلط عليّ وجرى ذكرها، (ثمّ إنّي بعد مدّة تذاكرت خبرها) «٥» مع قوم نزلوا عندنا، فتلهّف أحدهم عليها «٦» فسألته عن أمرها فقال إنّها إذا وضعت في موضع فيه كنز تحرّك ذلك الموضع وارتفع منه كالغبار، فعلم «٧» أنّ فيه خبئا، وهذه دلالة الكنوز فأغمّني «٨» إذ كنت أفسدتها.
٩١٣ قال الوصيفي: وحدّثني من أثق به أنّهم أصابوا ببعض البرابي أشنانة زجاج أحمر مربّعة العمل موضوعة في طاق وفيها ماء أصفر، فلم يدروا لم يصلح، فأهرقوه منها وأخذها أحدهم، فأقامت عنده «٩» مدّة يستعملها، إلى أن رآها عنده رجل غريب (نزل عليهم، فاستطرفه فسأله عنها) «١٠» ، فأخبره بأمرها والماء الّذي كان فيها، فتلهّف ذلك الرجل على الماء وقال: لقد أضعتم علما كبيرا وخيرا كثيرا. وقال: إنّكم لو حميتم الفضّة وغمستموها في ذلك الماء لصارت ذهبا أحمر يحتاج إلى أزواج كثيرة (وأضعافا كثيرة حتّى يصير
стр. 530
ذهبا حسنا جيّدا) «١» . قال: فندمت على تفريطنا «٢» في ذلك الماء. فلمّا رأى ندمي ضحك وقال: أتحبّ أن أريك منها عجبا؟ قلت: نعم. قال:
زنها واعرف وزنها. ففعلت فوجدت فيها أربعة أرطال، فقال: املأها ماء أو ما أحببت. فملأتها «٣» فقال لي: زنها الآن، فوزنتها فوجدت وزنها وهي ملئة «٤» مثل وزنها وهي فارغة أربعة أرطال، لا تزيد ولا تنقص. فعجبت من ذلك وشاع خبرها فاتّصل ببعض الولاة فوجّه إليّ وأخذها.
(ذكر أوّل من ولّي مصر من الملوك) «٥»
٩١٤ أوّل من ولي مصر عند قسمة الأرض بين ولد آدم زمن أنوش بوصيّة آدم ﵇ نقراوش «٦» الجبّار بن مصريم «٧» ، ويقال مصرام بن براكيل (بن راذيل بن غرناب) «٨» بن آدم ﵇، خرج إليها «٩» في خمسة وثمانين «١٠» من ولد أبيه غرناب، وله حمل من طشهرة «١١» ابنة هرم، فولدت له ولدا سمّاه مصرم باسم أبيه. ومعنى نقراوش الملك على ولد أبيه، وهو لقب واسمه قرناش. وهو أوّل من اتّخذ المصانع وعمل الطلسمات وأقام الأساطين ورمز عليها التواريخ وبنى المدائن «١٢» ، وهو الّذي حفر النيل وكان قبل ينقطع ويستنقع وعمل للتماسيح «١٣» في آخر بلاد النوبة صنمين على شرقيّ النيل وغربيّه ورمز فيها رموزا امتنعت التماسيح أن تنحدر فيه «١٤» .
وكانت كتابتهم بقلم الخلقطير، وهو قلم آدم ﵇ «١٥» ، وكان كاهنا عالما لربي من الجنّ من ولد الأسمور يقال له نكور، وكان قد وقع إليه بعض العلوم الّتي كان درابيل «١٦» الملك علّمها لآدم، وعمل عجائب كثيرة
стр. 531
منها صورة طير على أسطوانة عالية يصفّر كلّ يوم مرّتين عند طلوع الشمس وعند غروبها تصفيرا مختلفا يستدلّون به على ما يكون من الحوادث فيتأهّبون لها، وعمل صنمين من حجر أسود في وسط المدينة، إذا نظر إليها السارق لم يقدر على الانحياز عنهما حتّى يسلك بينهما فينطبقان عليه. وعمل في مدينة برسان «١» ، وهي الّتي بناها لابنه مصرم، قبّة ذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تمنعها من الشمس، فهلكت في الطوفان. وعمل على حدود برسان أصناما موجّهة إلى نواح مختلفة، إذا قصد (عليهم قاصد لسوء) «٢» أرسلن عليه نارا أحرقته. وملكهم مائتي سنة وثلاثين سنة، فلمّا مات أقاموا يبكون عليه ويطوفون به على أعناقهم «٣» ثلاثين سنة.
٩١٥ ثمّ ملكهم بعده ابنه نقراوش، وكان عابدا لزحل، وحارب أمّة من الجنّ حتّى أدخلها في طاعته بالعزائم الشداد «٤» ، فبنى في صحراء الغرب مدائن معلّقات على أساطين تحيط بها مشبّكات من الذهب، وجعل فيها خزائن الحكمة، ولها أبواب تحت الأرض لا يوصل إليها إلّا منها، وجعل لها أقفالا ومفاتيح مدبّرات «٥» . وكانت ثلاث مدائن في كلّ مدينة ثلاث خزائن فيها عجائب العلم وطرائف الحكمة ورموز الصنعة وأجرام من الماء المعقود لا يتحلّل «٦» ومن الهواء المتجمّد لا يضمحلّ، وفيها مطهرة من ماء الحياة الصنعي الإلهي. وفيها صور الكواكب على أصنافها في بيوت شرفها وعلى رؤوسها أكاليل الغلبة وبإزائها صور الحكماء القيّمين «٧» بأمورها بأيديهم مصاحف الصنعة وجميع الطلسمات والعلوم. وذلك كلّه من ضروب الأحجار الرفيعة والجواهر النفيسة والأجرام العجيبة ممّا يطول الكتاب بشرحه ويخرج من حدّ ما ألفناه له باستقصائه.
стр. 532
٩١٦ وجعل تحت الأساطين الّتي هذه المدن عليها خبايا عظيمة من الجوهر النفيس والدرّ الخطير وسبائك الذهب والفضّة (والحجارة الرفيعة) «١» والبورقات الأصلية والعقاقير والمكتومة والأدوية المؤلّفة، وصور هذه الخزائن في كلّ بربى من برابي مصر قد رمزوا عليها بخطوطهم المؤلّفة «٢» ، وخبرها مشهور في جميع مصاحفهم القديمة وهياكلهم المرسومة. وبنى نقراوش مدينة عمل فيها الجنّة بزعمه وجعل لها أسرابا «٣» تحت الأرض يوصل منها إلى هذه الثلاث مدائن ويوصل من بعضها إلى بعض. وملكهم مائة سنة وسبع سنين.
٩١٧ ثمّ ملك بعده أخوه سورث، وكان فيما يقال مؤمنا موحّدا فأغلق هياكل الكواكب، وقلّ ماء «٤» النيل فرفضه بنو أبيه وخلعوه وملّكوا أمرهم أخاه الأصغر مصرام المتقدّم الذكر. وكان جبّارا يطلب الحكمة، فزاد «٥» في هياكل الكواكب ودخنها وقرابينها واحتفل في كساها وسندنتها، وذلّل الأسد فركبها. وكان له ربّي فأمره أن يحتجب عن الناس وسحره، فألقى على وجهه نورا لا يتمكّن أحد من النظر إليه، فادّعى الإلهية ودعا الناس إلى عبادته، وزعم أنّ الأوطمس «٦» ألقى فيه روحه وأمره بذلك. وغاب عن الناس ثلاثين سنة واستخلف عليهم رجلا من قومه يقال له اللهون، وعمل في غيبته عرشا عظيما «٧» من عظام دوابّ (البحر ودوابّ) «٨» ولدها من الوحوش والسباع وعمّره بالأبالسة وركبه، ومضى به الربي «٩» حتّى أشرف على البحر الأسود، فجعل في وسطه صنما من حجر أبيض (وزبر عليه) «١٠» اسمه وجعله قربانا للشمس.
стр. 533
٩١٨ وعمل قلعة «١» الفضّة الّتي في البحر الأسود، وذكر ذلك أليوس الكاهن في سفر ملوكهم. ورمز على كلّ «٢» صنم هناك: أنا مصرام الجبّار ومدوّخ»
الأشرار وجامع الأخيار وكاشف الأسرار والعالم القهّار، عرفت حقائق الأشياء وقدرت على تشتيت «٤» العقاقير ووضعت الطلسمات الصادقة والصور الناطقة وأظهرت الحكمة العجيبة وكشفت الأمور الغريبة ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة وأقمت أصنام القرابين من عظام التّنانين ليعلم من بعدي أنّه لا ملك مثلي. وعمل في برسان شجرة يؤكل منها كلّ فاكهة وقبّة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بأقرانها «٥» شياطين إذا اختلط الظلام نادى كلّ شيطان منها في الناحية الّتي تليه: لا يخرج أحد من منزله حتّى يصبح، وإلّا هلك. وهو أوّل من عمل له الحمّام وركب الوحوش الصعبة وأحبّ الناس أن ينظروا إليه بعد هذه المدّة «٦» ، فاجتمعوا إلى اللهون ورغبوا إليه أن يسأله ذلك، ففعل فأمر مناديا أن ينادي في الناس وأن يوجّه «٧» إلى جميع النواحي في حشرهم «٨» وجمعهم. فلمّا حضروا جلس لهم في مجلس عال قد زيّنه بأصناف الزينة وظهر لهم في صورة هالتهم، وملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا له «٩» على وجوههم ودعوا وشكروا إيّاه «١٠» . ومات ولم يعقب.
٩١٩ وبمصرام هذا سمّيت مصر لمّا دعا الناس إلى عبادته بعد الآلهة الّتي كان يتعبّد لها، وعلى ذلك سمّي مصريم «١١» بن بيصر «١٢» بن حام، وكان اسم مصر قبل ذلك أمسوس «١٣» ، وقيل إنّ اسمها كان مقدونية، وقيل إنّ اسمها كان في
стр. 534
القديم أباريا، وقد قيل إنّ مصرام أوّل من بناها، وهذا لا يصحّ. وبلغ مصرام بسحره وكهانته ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده.
٩٢٠ وملك بعده عنقام الكاهن، فأقام فيهم «١» . عادلا بينهم رفيقا بهم، (وكانت همّته) «٢» الإصلاح والعمارة والإحسان إلى الناس. وفي أيّامه رفع إدريس ﵇، وحدثت في وقته نار في الهواء أقامت ثلاثة أيّام.
وملكهم عنقام إحدى وتسعين سنة وهلك «٣» ، فأمرهم أن يدفنوه في الهيكل الّذي عمله للشمس في جرن «٤» من حجر أحمر «٥» ويلطّخوا جسده بالموميا وتكون أكفانه من ثياب عملها من شعور ذبائح القرابين (ويجعل معه شيء من عظامها ويدفن معه سيره. وذكر أيّامه في مصحف اتّخذه من جلود حيوان القرابين) «٦» وأمرهم (أن لا يقرب) «٧» بشيء من الذهب ولا الطيب.
٩٢١ وملك بعده ابنه عرباق «٨» ، وفي وقته نزل هاروت وماروت وعلّماه أصنافا من السحر وعملا بمصر عجائب كثيرة، وكانا في بئر هنالك يقال له ربعوة. وقال أكثر المصريين إنّ هبوطهما كان من بعد الطوفان، ثمّ انتقلا من أرض «٩» مصر إلى أرض «١٠» بابل. فرفض عرباق الهياكل واستخفّ بالسدنة، وكان منهمكا «١١» في الشرب والفسوق يشرب كلّ يوم مائتي رطل ويغتصب النساء على أنفسهنّ، ولا يسمع بامرأة حسناء إلّا نقلها إليه، وقتل من رادّه (في ذلك) «١٢» ، وأقام يسوم قومه كلّ خسف «١٣» ثمانين سنة، وكان يسكن
стр. 535
الجنّة الّتي عملها نقراوش الملك. فسمّته امرأة من المغتصبات «١» يقال لها شارد، هكذا في كتاب الوراثة لهود، وفي كتاب المصريّين هرشة «٢» .
٩٢٢ وملك بعده لوحيم من ولد نقراوش الملك، فأحسن السيرة وأجهد نفسه في مصالح الرعية وبدأ بإصلاح الهياكل وتجديد المصاحف، وأمر بإحضار الكهنة والعلماء من أصحاب الطبائع والطبّ والصنائع والنجامة والهندسة، فكانوا سبعة آلاف رجل ومائة (وأربعين رجلا) «٣» ، منهم الكهنة ألفان وثلاثمائة، فيهم من الناظرين- وهم رؤساء الكهّان- سبعمائة، وبقية العدد حكماء في جميع الأعمال والعلم. فأمر بإثبات أسمائهم وإجراء ما يكفي كل واحد منهم، (وأمر أن يعمل له كلّ واحد) «٤» أغرب ما يقدر عليه من الأعمال، وأمر أن يبنى له بناحية وفودة- وهي الإسكندرية- مدينة «٥» ميلا في ميل من رخام «٦» ملوّن مشقوقة بجميع الأنهار «٧» ، ويقال إنّ هذه المدينة مدفونة تحت الإسكندرية، وفيها حكم عجيبة. وفي وقته عملت أصنام درج الفلك ثلاثمائة وستّين صنما، وسمّاها أرباب الصناعات «٨» لأنّ في يد (كلّ واحد منهم) «٩» صناعة يعالجها. وفي وقته عمل بيت الموجة «١٠» ، وصوّرت فيه صورة كلّ كوكب في كلّ درجة من درج الفلك. وفي وقته عملت المدينة اللطيفة الّتي تدور عن القاصد إليها فلا يقدر على دخولها إلّا بحكمة قد عملت لها وجعلت إلى الوصول إليها. وعمل في وقته القبّة الّتي عليها الأصنام الموجّهة إلى جميع الجهات، وفي أعناقها أجراس، فإذا قصد بلدهم قاصد تحرّكت الأجراس الّتي تلي تلك الناحية وعلى قدر الزيادة والنقصان في أصواتها يكون ما يتخوّفونه من ضرر ذلك الوجه، فيتأهّبون لإزالته عنهم،
стр. 536
وما عملوه بتلك الصور لحق من قصدهم من المكروه «١» مثله. (وعمل مارستانات) «٢» جعل فيها جميع الأدوية والعقاقير للمرضى، ولم يترك حالة «٣» من وجوه البرّ إلّا عمله.
٩٢٣ وخرج إلى ناحية المغرب حتّى بلغ وادي الرمل وعمل هناك «٤» منارا، ويقال إنّه قطع الوادي بالحيلة والسحر حتّى أشرف على الفوه «٥» الّتي يعتصر ماء البحر فيها وسمع دويا عظيما أجزعه «٦» وهاله «٧» ، فرجع إلى أمسوس وسكن الجنّة الّتي عملها أبوه. وقد كان زوج هرشة الّتي سمّت عرباق، فولدت له كسفون، فقلّده الملك وطاف به على الهياكل وصوّر صورته فيها.
ثمّ استتر يرصد الفلك حتّى رأى مسير الكواكب، ومات في استتاره، وكان ملكه إلى أن قلّد ابنه مائة سنة.
٩٢٤ فلمّا ملك كسفون لم تكن له همّة إلّا الأكل والشرب والنساء، واستوزر سبعة من الكهنة يقيمون أمره، فكان أجلّهم عنده رجل يسمّى مزنة «٨» وكان له روحاني يتبعه، فأمره بوقود النار والتقرّب إليها، فأعلم بذلك كسفون وقال له: إنّ في ذلك قوام ملكك. فأطلق له فعله فبنيت بيوت النيران وعظمت وأقيمت لها «٩» الأعياد، فكانت تلك النار لا تضرّ البريء إذا دخل فيها وتحرق المذنب، فكان الناس يتناصفون قبل الوصول إليها.
стр. 537
٩٢٥ وفي وقته كانت سمندارة الكاهنة وكانت تناله بصنم لها يقال له أبرنج «١» ، ولها عرش تجلس فيه، فكانت الشمس لا تصل إليه، وكانت تخبرهم بما يعملون في بيوتهم وما يجري بينهم وبين نسائهم (وتجترّ الأشياء إليها بسحرها) «٢» ، ولها مع كسفون خبر طويل. وهي الّتي نفخت في إحليل فتى كانت تحبّه فهيّمته، وأخرجها قومها من بينهم إلى ناحية الشام. وهلك كسفون بعد أن ملكهم سبعا وسبعين سنة من سقطة سقطها من بناء عال فاندقّت عنقه ومات «٣» .
٩٢٦ وملك ابنه خصليم، وكان أبوه قد شرك في الملك بينه وبين (ابنته أخت خصليم من أمّه) «٤» ، وكانت من أعقل أهل زمانها. وهي التي عملت على حافة النيل بيتا من رخام وفي وسطه بركة صغيرة وفيها ماء موزون على مقدار معلوم، وعلى حافة البركة طائران «٥» من نحاس على صورة عقابين ذكر وأنثى، فإذا كان في أوّل الشهر الّذي تسمّيه القبط بونة «٦» - وهو الشهر الّذي يزيد فيه الماء- فتح الباب وأحضر أمناء الكهّان وتكلّموا بكلام لهم، فيصفّر أحد الطائرين «٧» ، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا، ثمّ يفتقدون الماء «٨» ، فكلّ إصبع يزيد على الماء الموزون فهو ذراع من زيادة النيل، وكلّ إصبع ينقص من ذلك الماء فهو ذراع ينقص من ماء النيل، فإن رأوه زيادة مسرفة «٩» تفقّدوا الجسور وإن رأوا نقصانا زادوا في حفر التراع.
стр. 538
٩٢٧ وولد خصليم من الحمر والبقر دوابّا مركوبة لها قوة شديدة «١» وعمل عجائب. وتعشّق جارية لأخته يقال لها خولا «٢» ووقع بينه وبين أخته نفار من أجلها، فتحوّلت إلى شرقيّ النيل وبنت «٣» هناك مدينة لطيفة وهيكلا (تنفرد فيه) «٤» حتّى رأت وهي نائمة «٥» في هيكلها الّذي بنته للزهرة كأنّها بين يدي الزهرة وهي تخاطبها وتقول لها: لأيّ شيء «٦» وجدت على أخيك في جاريتك فلانة؟ قالت: لأنّي أنفت له منها ولم آمن أن تلد له فتضع من قدره. قالت: وأيّ ضعة في ذلك وأنتم معشر البشر من أب واحد وأمّ واحدة؟ وإنّما تعاليتم فاستعبد بعضكم بعضا، واعلمي أنّه لابدّ لأخيك منها وأنّه لا يولد له من غيرها، وسيولد له منها ولد ويكون مرضيّا عدلا معظّما للآلهة تنزل روحانياتها عليه ويملك الناس دهرا طويلا وتكون أيّامه سعيدة، ولا يزال الناس بعده في دون أيّامه إلى أن تكون الآية «٧» الحادثة من السّماء، وإلى كذا وكذا يكون «٨» اجتماعهما وتحمل منه بعد كذا وكذا وهو وقت مسعود، وسيراها أخوك في منامه وتشكو إليه وجدها به، فيزداد شغفه بها وسيذكر لك أمرها فلا تخالفي فيها عليه.
٩٢٨ فلمّا كان بعد حين خاطبها أخوها فيها فعرّفته أنّها لم تكن منعته إلّا ضنّا بمثله عنها، إلى أن عرفت أنّه لا يكون له «٩» ولد إلّا منها، ولعلّ في اجتماعهما خيرا كثيرا. وزيّنت الجارية بأحسن زينة وأجلّ المتاع وبعثتها إليه، وخلا بها الملك «١٠» وسرّ بها سرورا مفرطا. وعزم الملك على أخته خردادمة «١١» أن تعود
стр. 539
إلى موضعها وتنظر فيما يخصّ ويعمّ من أمر المملكة. وسار إليها جماعة من الكهنة فأعلموها أنّ قيامها بشأن الرعية وانقيادها لأمر أخيها «١» أعود عليها بما تبتغيه من الأجر، فرجعت إلى دار الملك وكانت تزور موضعها ذلك وهيكلها. ووضعت خولا للملك ولدا سمّاه هرصال أي «٢» خادم الزهرة، وشبّ أحسن شباب وطلب الحكمة من كلّ فنّ فصار من أهلها. ومات أبوه من سيل «٣» أصابه بعد أن ملكهم ثمانيا وسبعين سنة.
٩٢٩ وملك (بعده ابنه) «٤» هرصال، فعمل عجائب منها صنم يدور بدوران الشمس فيمسي مغربا ويصبح مشرقا وتنكر «٥» حتّى تشقّ الأمم وتبيّن «٦» اختلاف الأهوية وأخلاق الناس وعجائب البلدان. ثمّ انصرف بعد مدّة، وفي أوّل أيّامه ولد نوح ﵇. وبعد مائة سنة من ملكه لزم بعض الهياكل متعبّدا وتجلّت عليه روحانية الكواكب فيما زعموا، فحجبته عن أعين الناس فلم يعرف له خبر ولا عمل له ناووس (وتجلّت عليه تلك القوى) «٧» بعد لزومه الهيكل عشرين سنة، وبقي الناس بعد ذلك لا يشكّون في حياته سبع سنين إلى أن تشاجر بنوه فاستبان الناس أنّه مفقود.
وكانت مدّة ملكه مائة وسبعا وعشرين سنة.
٩٣٠ ثمّ ملك الناس بعده ابنه فدرشان «٨» بعد اختلافهم «٩» في أيّ بنيه يملّكونه، فغلبت عليه امرأة (من نسائه) «١٠» من بنات الكهنة فسحرته
стр. 540
فانفردت به، وكان أكثر مقامها معه في جبل المقطّم في مصانع بناها أجداده على نهر هناك، فتصيّد يوما بين تلك الجبال فسقط في وهدة فهلك. وقد كان أولد الساحرة ولدا مشوّه الخلق، وكانت أمّه قد جعلته وقفا على الشمس وسادنا لصنم الشمس. وقد كان وقت هلاك أبيه صغيرا، فسترت الساحرة موته وكانت تراسل الناس عنه «١» وتوهمهم أنّه حيّ، فأقامت على ذلك تسع سنين إلى أن تداعى إخوته بعصيانه، وقد كان غرّبهم ونفاهم، فرجعوا إليه فيمن قدروا من الناس والقائم بأمرهم شمرود بن هرصال، فكانت بينه وبين السّاحرة حروب، ثمّ غلب على أمسوس «٢» دار الملك، فكانت مدّة ملك فدرشان «٣» إلى أن ملك شمرود أربعا وثمانين سنة.
٩٣١ فملكهم شمرود (وأيّد وقهرهم) «٤» وغيّر معالم أخيه فدرشان وجعل «٥» لمن ورد عليه «٦» من ولده ما فعل هو بهم، واحتجبت عنه الساحرة وابنها بسحرها فلم يقدر عليها، واحتملت «٧» هي وابنها إلى مدينة كان السحرة يجتمعون بها في ذلك الزمان بناحية أنصنا، فأقامت بينهم وعرّفتهم أنّ ابنها هو الملك وأنّ أباه قلّده ولا بدّ له من الغلبة والقهر. فصدّقتها جماعتهم وبنوا للغلام بنيانا عظيما تحصّن به هو وأمّه، وحصّنت الساحرة تلك المدينة وبنت عليها الطلسمات وأظهرت الأموال ودعت الناس إلى ابنها، فاستفحل أمرها وجيّشت الجيوش إلى شمرود، فكانت بينهم حروب وضروب من السّحر من التصادم في الهواء وإظهار النيران في الجو وغير ذلك، وكانت الغلبة لها، فتعلّق شمرود ببعض البلاد «٨» هو وإخوته وظفرت هي بدار المملكة والجنّة الّتي كانت لهم، وأجلست ابنها على سرير الملك.
стр. 541
٩٣٢ وكان اسمه تسيدون «١» باسم الشمس، ولم تزل في طلب شمرود إلى أن ظفرت به، فأمرت بشدّ رأسه باسطوانة ورجليه بأخرى. وكان طوله فيما تقول القبط عشرين ذراعا، فتزعم القبط أنّ السّاحرة جعلته حجرا، وقيل أيضا «٢» إنّها كانت تجفّف منه عضوا عضوا حتّى جفّ كلّه. ووطأت «٣» الملك لابنها وخرج كاهنا عرّافا «٤» منجّما، وجلبت إبليس وكان يسعى في حوائجه وأكثر العجائب (عملت في وقته) «٥» منها قبّة الزجاج الكرّية «٦» الدائرة بدوران الفلك وفيها صور الكواكب الثابتة والنيّرة ودرجها، فكانوا يأخذون الطالع منها، وهذا من عمل الشياطين وغير ذلك ممّا لا نستجيز ذكره لخروجه عن المعقول.
٩٣٣ وبعد ستّين سنة من ملكه ماتت الساحرة، وقيل إنّها أمرت أن يحمل جسدها تحت صنم القمر فتخبرهم بكلّ ما يسألونه عنه، ففعلوا ذلك وكان كما قالت، وعلّمت ابنها كثيرا من علمها. ونكح ابنها أخته فولدت له ولدا سمّاه سرباق «٧» باسم أحد الأبالسة الّذين تجلّبتهم إليه «٨» . ولمّا علم بحضور وفاته أمر أن يعمل له صورة صنم من زجاج على شقّتين «٩» (ويوضع في إحداهما ويطبق عليه الأخرى ويلحم بزجاج ولا يوضع على جسده غير لطوخ (؟) الموميا والعقاقير الممسكة) «١٠» ، وأن يوضع ذلك الصنم في الهيكل مع الأصنام القائمة الناطقة.
стр. 542
٩٣٤ وملك ابنه سرباق وعمل عجائب، منها أنّه عمل على كلّ مدينة من مدنه صورة بطّة من نحاس، فإذا جاء الغريب ليدخل إليها صرخت تلك البطّة وسفقت بجناحيها، فيعلم أنّ غريبا دخل فيطلب. وإنّما «١» فعل ذلك لأنّ بعض الملوك أراد غدره، فظفر به سرباق وملكهم مائة وثلاث سنين.
٩٣٥ ثمّ ملك أخوه شهلوق، وهو الّذي رتّب «٢» مراتب الناس وقسم ماء النيل أقساما، (ورتّب على أهل كلّ صناعة رئيسا) «٣» ، (وأقام سحرة لقسم) «٤» الطرقات على الوحش فلا يسلك بعضها طريق بعض، وأقام لجميع أسباب الضرر طلسمات بدفعها ولم يترك شيئا فيه خير وفضل إلّا عمله.
فلمّا تفرّغ من ذلك انفرد لجمع «٥» العلوم وتخليدها في الكتب وكنز الكنوز، وكنز خمسة وأربعين كنزا. وملكهم مائة وتسع سنين.
٩٣٦ ثمّ ملك ابنه سوريد «٦» صاحب الأهرام، وقد تقدّم ذكره.
وملك بعده أخوه هرجيت «٧» ، وهو أوّل من كسا الهرمين «٨» بألف ألف ثوب في عرض كثير وطول كبير إعظاما لأبيه وأخيه، وفي زمنه ابتدأ عقم «٩» النساء لما تقارب من وقت «١٠» هلاك الأمّة.
стр. 543
٩٣٧ وملك بعده ابنه مناوش، فظلم وسفك الدماء واغتصب مائة وسبعين امرأة واستخرج كثيرا من كنوز أبيه «١» ، فبنى منها قصورا ورصّعها «٢» بالجوهر والياقوت «٣» وعمل فيها بركا صبّ فيها الجواهر وأرسل عليها المياه، واستجهل من مضى من آبائه، (واستعبد الناس) «٤» واستخفّ بالهياكل.
وفي زمنه كان فرناس الّذي كان يعدّ بألف رجل وحده «٥» وكان يقاتل أمّة وحده «٦» ، وكان من رجاله، (وقد وفد عليه) «٧» من بقية ولد آدم، وكان يختطف الرجل بيده فيضرب به الجماعة فيقتلهم معا. وأقام مناوش ملكا ثلاثا وثلاثين سنة.
٩٣٨ وملك بعده أخوه أفروس «٨» فترك الظلم وتحبّب إلى الناس وعمل عجائب، منها قبّة في الجنّة الّتي كانت لنقراوش «٩» لطخها بلطوخات، فإذا كان الليل اشتعلت نارا ترى على البعد واتّقدت إلى الصبح، فإذا طلعت الشمس ارتفع ذلك الوقيد. وطلب النسل من ثلاثمائة امرأة فلم يقدر عليه لأنّ أرحام النساء عقمت. وفي وقته شاع خبر نوح ﵇ وإنكاره للأصنام.
وملك أربعا وتسعين «١٠» سنة ولم يكن له ولد ولا أخ.
٩٣٩ فارتضى الناس من أهل بيت المملكة أرمالينوس «١١» فشرك في أمره فرعان بن مسور «١٢» من بني عمّه، وكان أحد الجبابرة (فرعان هذا) «١٣» ومن رؤساء
стр. 544
السحرة، فقهر له أعداءه وفتح البلاد، فبعثت فيه امرأة من نساء الملك ووافقته على أن تقتل الملك بالسمّ ويلي فرعان الملك ففعلت.
٩٤٠ وملك فرعان وتجبّر وعلا وقهر، وأصل الفراعنة مشتقّ من اسمه. وكتب إلى فرعان درمشيل «١» بن عويل الأكبر «٢» يذكر له خبر نوح (أنّه قد ظهر) «٣» ، فكتب إليه فرعان يشير عليه بقتله، فهلك هو ودرمشيل في الطوفان، (والله بغيبه أعلم) «٤» .
ذكر أوّل من نزل مصر بعد الطوفان
٩٤١ وأوّل من نزلها «٥» بعد الطوفان (مصريم بن بيصر) «٦» بن حام بن نوح بدعوة سبقت له من جدّه. وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: دعا نوح ﵇ لمصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وهو أبو القبط، فقال: اللهمّ بارك فيه وفي ذرّيته وأسكنه الأرض المباركة «٧» الّتي هي أمّ البلاد وغوث العباد والّتي نهرها أفضل (أنهار الدّنيا) «٨» ، واجعل فيها أفضل البركات وسخّر له ولولده الأرض وذلّلها لهم وقوّهم عليها.
стр. 545
٩٤٢ وكان السبب في نزوله إيّاها أنّ فيلمون «١» الكاهن سأل نوحا ﵇ أن يخلّصه «٢» بأهله «٣» وولده بعد أن صدّقه وآمن بالله. فلمّا انجلى الطوفان قال له: يا نبيّ الله اجعل لي رفعة وقدرا أذكر به بعدي. فزوّج نوح بيصر «٤» بن حام من بنت فيلمون، فولدت له ولدا سمّاه فيلمون مصريم باسم جدّه.
فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فيلمون: يا نبيّ الله إنّ بلدي أولى الناس به ابني، فابعثه «٥» معي وأمضي به إليه وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه. فأنفذه معه ومع جماعة من أهل بيته ذوي أيد وقوّة، فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع. وقيل إنّ عددهم كان ثلاثين رجلا وبنوا مدينة سمّوها ماقة، ومعنى ماقة بلغتهم ثلاثون، وهي منف.
وكشف فيلمون عن كنوز مصر وعلّمهم خطّ البرابي و (أبان لهم المعادن من الذهب) «٦» والزبرجد والفيروزج وغير ذلك وأطلعهم على عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام»
، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي، فسمّي به المقطّم. وتزوّج مصريم امرأة من بنات الكهنة، فولدت له أربعة نفر منهم قفطيم «٨» .
٩٤٣ وإليه عهد بعد موته، وأمره أن يحفر له تحت الأرض سربا ويفرشه بالمرمر الأبيض ويجعل جسده فيه ويدفن معه جميع ما في خزائنه. فحفروا «٩» له سربا طوله مائة وخمسون «١٠» ذراعا وجعلوا في وسطه مجلسا مصفّحا «١١»
стр. 546
بصفائح الذهب، له أربعة أبواب على كلّ باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصّع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، ونقشوا في صدر كلّ تمثال آيات عظام واسما من أسماء الله تعالى مانعة من أخذه.
وجعلوا جسده في جرن «١» من زبرجد مصفّح بالذهب ورمزوا على مجلسه:
مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت من أيّام الطوفان ومات ولم يعبد الأصنام إذ لا هرم ولا أسقام (ولا حزن ولا اهتمام) «٢» وحصن مجلسه هذا بأسماء الله العظام لا يصل إليه إلّا ملك ولد له سبعة ملوك يدين بدين الملك الديّان ويؤمن بالمبعوث بالقرآن الداعي إلى الإيمان الطاهر في آخر الزمان. وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من (الزبرجد المخروط) «٣» وألف تمثال من الجوهر النفيس وألف برنية مملوءة درّا من الدر الفاخر، ووضعوا هناك الصنعة الإلهية والعقاقير السرّية «٤» والطلسمات العجيبة وأكوام سبائك الذهب بعضها على بعض، وسقفوا «٥» ذلك بالصخور العظام وجعلوا فوقها الرمال بين جبلين متقابلين بينهما «٦» علامات.
٩٤٤ وولي ابنه «٧» قفطيم الملك بعده وأقباط «٨» مصر بنوه، وهو أوّل من عمل العجائب وشقّ الأنهار ولحق البلبلة وخرج منها بهذه اللغة القبطية، وملكهم ثمانين سنة، ودفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل وصفح بالمرمر وجعلت فيه (منافذ للريح، فهي تتخرّق فيه بدوىّ عظيم هائل وجعلت) «٩» أكراس نحاس «١٠» مطلية بأدوية مشعّلة لا تطفأ أبدا، ولطخوا جسده بالمرّ والكافور والموميا، وجعلوه في جرن من ذهب في ثياب منسوجة بالدرّ والمرجان، وكشفوا عن وجهه، والجرن تحت قبّة عظيمة على عمد مرمر
стр. 547
ملوّنة، (وفي وسط القبّة جوهرة معلّقة كالسراج المضيء، وبين كلّ عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعلوا حول الجرن توابيت مملوءة) «١» جوهرا ودرّا نفيسا ومصاحف الحكمة «٢» ، وسدّوا «٣» على جميع ذلك الصخور والرصاص ورمزوا عليه كما رمزوا على ناووس أبيه.
٩٤٥ وتولّى «٤» بعده ابنه قفطويم، وكان جبّارا عظيم الخلق، وفي أيّامه هلكت عاد بالريح. وبقي ملكا أربعمائة سنة، وكان قد عمل لنفسه قبل موته سربا تحت الأرض معقودا على آزاج في الجبل الغربي قرب مدينة العمد، ونقر تحت الجبل كهيئة الدار العظيمة، وجعل تحت دورها خزائن واسعة منقورة، وجعل في أعلاها مسارب الرّياح، وبلطت جميع الدار بالمرمر. وجعل في وسط الدار مجلسا مثمنا ملوّنا «٥» مصفّحا بالزجاج الملوّن والذهب، وجعل في سقفه جوهرا وحجارة تسرج، وفي كلّ ركن من أركان المجلس تمثال ذهب بيده كالبوق الّذي يبوّق به، وجعل تحت القبّة دكّة مصفّحة بالذهب (مطوّقة بالزبرجد، وفرش فوق الدكّة فرش خزّ منسوج بالذهب) «٦» ، وجعل جسده عليها بعد أن طلي بالأطلية المجفّفة وجعل حواليه آلات كافور مخروطة، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج مكلّل وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقي قائمه «٧» زبرجد، وعلى جوانب الدكّة أربعة تماثيل مجوّفة «٨» من زجاج مسبوك في صور النساء وألوانهنّ وبأيديهنّ كالمراوح من ذهب. وجعل في تلك الخزائن من الزبرجد والياقوت «٩» والذهب المسبوك وفاخر الجوهر والدرّ وبرابي (؟) الحكمة «١٠» وأصناف العقاقير والطلسمات والمصاحف الحاوية لجميع العلوم ما لا يحصى قدره كثرة. وجعل على مدخل «١١» كلّ أزج صورتين من نحاس
стр. 548
مشوّهتين بأيديهما سيفان كالبرق، وقدّامهما بلاطة تحتها لوالب، فمن وطئها ضرباه بسيفيهما فقتلاه «١» . وسدّت أبواب الآزاج بالأساطين المرصّعة ورصّوا «٢» على سقف البلاط بالصخور «٣» العظام وردموا فوقها الرمال ورمزوا على باب الأزج: هذا المدخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم السيّد قفطويم ذي الأيد والفخر والغلبة والقهر، فلا يصل أحد إليه ولا يقدر عليه أفل شخصه وجسمه «٤» ، وبقي ذكره وعلمه.
٩٤٦ ثمّ ملك بعده ابنه البودشير، وهو الذي بعث هرمس المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته «٥» حتّى عمل له هناك هيكل التماثيل من النحاس وعدل البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النيل، وعدل جنبي النيل وقد كان يغيض وربّما انقطع في مواضع. والبودشير هو الّذي أمر بعمارة بلاد الواحات في المغرب وحوّل إليها جماعة من أهل بيته، فعمروها. وكانت أرضا واسعة متخرقة بالمياه والعيون كثيرة الكلأ والعشب، وأقاموا كذلك مدّة وخالطهم البربر ونكح بعضهم في بعض، ثمّ وقع بينهم تحاسد وبغي (وجرت لهم حروب) «٦» ، فخرب البلد وباد أهله إلّا بقية يسيرة.
وللبودشير في السحر عجائب سيأتي ذكر شيء منها بعد هذا إن شاء الله.
٩٤٧ ثمّ ملك بعده ابنه عديم «٧» ، وهو أوّل من صلب، وذلك أنّ امرأة ورجلا زنيا فأمر بصلبهما على منارين بنيا لهما، وجعل ظهر كلّ واحد منهما إلى ظهر «٨» صاحبه، وزبر «٩» على المنارين اسميهما وما فعلا وتأريخ الوقت الذي عملا.
стр. 549
ذلك فيه، فانتهى الناس عن الزنى. وناووس عديم هذا من أعاجيب الدنيا، وهو في صحراء قفط على وجه الأرض، قبّة عظيمة من زجاج أخضر قطرها مائة ذراع براق معقود على ثمانية آزاج، وارتفاع القبّة في الهواء أربعون ذراعا يخضرّ بخضرتها ما حولها من الأرض، وعلى رأس القبّة طائر من ذهب منشور الجناحين موشّح بجوهر يمنع من الوصول إليها «١» وجسده في وسط القبّة على سرير من ذهب مشبّك، وهو مكشوف الوجه عليه ثياب منسوجة بالذهب منظومة بالجوهر، وفي جنبات القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة وسبع موائد عليها آوانيها، منها مائدة من أدرك روماني أحمر وأوانيها منها، ومنها مائدة ذهب فليموني تخطف الأبصار، وهو الذهب الذي يعمل منه تيجان الملوك وآنيتها منها، ومنها مائدة من حجر الشمس المضيء بآنيتها، ومائدة من الزبرجد الذي يخالط لونه شعاع أصفر بآنيتها. وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعي سالت عيونها. ومائدة كبريب أحمر مدبّر «٢» على ما ذكروه من تدبيره في مصاحف حكمتهم «٣» بآنيتها، ومائدة من «٤» ملح أبيض برّاق يكاد نوره يخطف (الأبصار بآنيتها) «٥» ومائدة من زئبق أحمر معقود) «٦» ، وحافتاها وقوائمها من زئبق أصفر معقود وآنيتها (من زئبق أحمر معقود) «٧» ٩٤٨ وجعل في القبّة معه جواهر عظيمة وبرابي صنعة مدبّرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب عليها سروج من ذهب وعدّة «٨» توابيت مملوءة من الدنانير «٩» التي ضربها وصوّر عليها صورته. وقد ذكر من رأى القبّة وأقاموا عليها أيّاما، فما قدروا على الوصول
стр. 550
إليها وأنهم إذا قصدوها وكانوا على مقدار ثمانية أذرع منها دارت القبّة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا ما فيها. ومن أعجب ما فيها أنّهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون من أزج من الآزاج إلا مثل الذي يرون من الآخر على معنى واحد لا يختلف. وذكروا أنهم رأوا وجهه في قدر ذراع ونصف بالذراع الكبير ولحيته كبيرة وقدّروا طول بدنه عشر أذرع وزيادة ورأوا بها عجائب عظيمة.
٩٤٩ ثمّ ملك بعده «١» ابنه شدات «٢» ، وهو أوّل من اتّخذ الجوارح للصيد وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب وعمل البيطرة وعلاجات الدوابّ، واتّخذ من الطلسمات والمصانع «٣» ما لا يحصى كثرة، وجمع التماسيح بطلسم عمله لها في بركة بناحية أسيوط وكانت تنصبّ إليها من النيل انصبابا، فيقتلها ويستعمل جلودها في السفن وغيرها. وعمل صورة صنم قائم له إحليل ظاهر، إذا أتاه المعقود والمسحور والمعترض ومن لا ينتشر فمسحه بكلتا يديه أنعظ وذهب ما به. وعمل صورة بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحت عليها المرأة التي لا يدرّ لبنها (درّ لبنها لحينه) «٤» . فأقام شدات تسعين سنة ملكا.
وخرج يطرد صيدا فأكبّه فرسه من وهدة فقتله. وكان قبل ذلك قد خالفه «٥» بعض خدمه في أمر، فألقاه من أعلى جبل إلى أسفله فتقطّع جسده «٦» وندم على فعله ذلك، فرأى «٧» أنّه سيصيبه مثله. فكان يتوقّى أن يعلو «٨» جبلا أو شرفا، وأمر أن يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه فيه ما يلحقه ويزبر «٩» عليه: ليس ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب ولا يفعل ما لا يجوز له فعله. هذا ناووس شدات الملك، عمل ما لا يحلّ له فكوفىء عليه بمثله.
стр. 551
٩٥٠ ثمّ ملك بعده منقاوش «١» ابنه، وهو الذي نشر الحكمة في الناس وبثّ «٢» منها ما كان مكتوما، وأمر بنسخ مصاحفها بخطوط العامّة ليتعلّموها. وهو أوّل من عمل الحمّام من ملوك مصر، ويقال إنّه «٣» هو الذي بنى مدينة منف لبناته وكنّ ثلاثين بنتا، ورحلن إليها. وكان له عدّة من النساء من بنات عمّه وبنات الكهنة. وعمل تمثالا روحانيّا من صفر مذهب، فكان لا يمرّ به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده. فكان الناس يمتحنون بذلك «٤» ، فامتنعوا من الزنى. وبنى هيكلا للسحرة على جبل القصير وقدّم عليهم رجلا منهم، وكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب إلا بضريبة يأخذونها من أهلها.
وكان إذا ركب عملوا بين يديه التخاييل الهائلة فتعجّب الناس من أعمالهم.
وقسم خراج البلد أرباعا، وكان منتهاه حينئذ مائة الف «٥» ألف وثلاثة آلاف ألف، فربع للملك خاصّة يصرفه فيما يشاء «٦» ، وربع لأرزاق جنده، وربع ينفقه في مصالح الأرضين والمدن وما يحتاج إليه من عمل جسور وحفر خليج وبناء آبار «٧» وتقوية أهلها على العمارة، وربع يكنز «٨» ويدفن عدّة للملك.
وهلك منقاوش بعد احدى وسبعين سنة من ملكه من طاعون أصابه، وقيل سمّ في طعامه، وعمل ناووسه في صحراء المغرب.
٩٥١ ثمّ ملك بعده ابنه مناوش؛ وهو أوّل من عبد البقر، وذكروا أنّ السبب في ذلك أنه كان اعتلّ علّة يئس فيها من نفسه «٩» ، وأنه رأى في منامه صورة روحانيّ عظيم يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علّتك إلّا عبادتك للبقر لأنّ الطالع كان عند حلولها به «١٠» في صورة ثور بقرنين. فأمر بأخذ (ثور
стр. 552
أبلق) «١» حسن الصورة، وعمل له مجلسا في قصره عليه قبّة مذهّبة «٢» ووكّل به سادنا، وكان يبخّره ويطيّبه ويتعبّد له سرّا من أهل مملكته. فبرىء من علّته وعاد الى أحسن أحواله.
٩٥٢ وقال آخرون إن السبب في ذلك أنه كان أوّل من عملت له العجل ورصعت بالذهب وعملت له عليها قباب من خشب وفرشت بفاخر الفرش، وكانت البقر تجرّه، فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه، وإن «٣» مرّ بالمكان الخرب أمر بعمارته، وقيل إنه نظر إلى ثور من البقر التي كانت تجره أبلق حسن الشبه، فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه، وجعل عليه حللا «٤» من فاخر الديباج، فتفرّد به يوما ينظر إليه، فبينما هو قائم بين يديه إذ خاطبه الثور فقال: لو رفهني الملك كفيته جميع ما يريد وعاونته على أموره «٥» وقوّيته على ملكه وأزلت عنه جميع علله. فارتاع الملك «٦» لذلك وأمر به حينئذ «٧» أن يغسل ويطيّب ويدخل الهيكل، وأمر بعبادته، فأقام ذلك الثور يعبد مدّة وكانت فيه آية:
لا يروث ولا يبول ولا يأكل إلا أطراف ورق الشجر في كل شهر مرّة. فافتتن الناس به وصار ذلك أصلا لعبادة البقر.
٩٥٣ ثم إن ذلك الثور بعد مدة «٨» من عبادته أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف وتؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه ومن لحا قرونه شيء ومن أظلافه وتجعل في ذلك التمثال، وعرّفهم أنه يلحق بعالمه، وأمرهم أن يجعلوا جسده
стр. 553
في جرن من حجارة وينصب في الهيكل وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل في شرفه والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر زائد، وتنقش على التمثال علامات الكواكب السبعة، ففعلوا ذلك «١» . وعملت صورة الثور من ذهب وكلّلت بأصناف الجواهر وصنعوا سائر «٢» ما أمرهم به في الوقت الذي حدّه لهم. فكانت تلك الصورة تخبرهم بالعجائب وما يحدث وقتا وقتا وتجيبهم عن جميع ما يسألونه، وعظم أمر ذلك التمثال ونذرت له النذور وقربت له القرابين وقصده الناس من الآفاق، وكان يخبرهم بما يريدون.
٩٥٤ وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، وقد جاز بها قوم ضلّوا الطريق، فسمعوا بها عزيف الجنّ. ورأوا ضوء نيرانهم. وأقام مناوش ملكا تسعا وثلاثين سنة وعهد إلى ابنه مرنيش، وكان مضعفا لم يعمل في وقته أعجوبة، وبقي ملكا احدى عشرة سنة.
٩٥٥ وانتقل الملك إلى أشمون بن قفطيم أخي قفطويم، وكان ينزل الأشمونين «٣» سمّاها باسمه، وكان طولها اثني عشر ميلا في مثلها، ونقل إليها أهله وولده.
وهو اتّخذ الملاعب بأنصنا، وبنى البهنسا وغيرها من المدن وأكثر فيها «٤» من العجائب. والقبط تقول إنه أكثر ملوكهم أعجوبة وسحرا وأطول ملوكهم مدّة، ملك ثمانمائة سنة (وثلاثين سنة) «٥» ، وانتزع قوم عاد الملك منه بعد ستمائة سنة «٦» (من ملكه) «٧» ، فاستوبؤوا «٨» بلده وانتقلوا الى الدثنية من
стр. 554
طريق الحجاز الى وادي القرى، فعمّروها واتخذوا بها المنازل، فسلّط الله «١» عليهم الذرّ فأهلكتهم. فعاد ملك مصر الى أشمون وبنى مدينة في المشرق في سفح الجبل سماها أوطيراطيس وجعل لها أربعة أبواب على كلّ باب منها «٢» طلسم، وأسكنها الروحانيين بسحره، فكانت تنطق إذا قصدها القاصد وتخبره بما يريد ولا يقدر على الدخول إليها إلّا بإذن الموكّلين بها. وجعل فيها شجرة يطلع فيها كلّ لون من الفاكهة، ومنارا في وسطها طوله ثمانون ذراعا على رأسه «٣» قبّة تتلون كل يوم لونا حتّى تمضي سبعة أيام، ثم تعود الى اللون الأول، فتكسو المدينة تلك الألوان. وأسكنها السحرة وكانت تعرف بمدينة السحرة- (وهي معنى أوطيراطس) «٤» - ومنها كانت تخرج أصناف السحر. وهو أول من عمل النيروز إكراما للكواكب، ودفن في احد الأهرام الصغار القبلية.
٩٥٦ وملك بعده ابنه أشاد، وكان جبّارا معجبا، أكثر همه اللهو واللعب والنساء، فجمع كل مله وقصده من الأقطار كل من هذه سبيله، ورفض العلوم والهياكل والكهنة، وملك خمسا وسبعين سنة.
٩٥٧ وملك بعده ابنه صاه. وبعض القبط يزعم أن صاه ابن مرقونيس «٥» أخي أشاد، فنفى الملهين وردّ الكهنة إلى مراتبهم، وهو بنى أكثر مدينة «٦» منف، وبنى في أقصى الواحات مدينة جعل طول سورها «٧» في الارتفاع خمسين ذراعا وأودعها أموالا وحكما كثيرة، وهي التي وقع عليها «٨» موسى بن نصير
стр. 555
في زمن بني أمية وغلب عليها الرمال، (وكانت تحت الأرض) «١» . وكانت مدة حياته وسنّه ست مائة سنة «٢» وسبعين سنة، وناووسه في وسط منف تحت الارض والمدخل إليه من خارج المدينة (في غربيّها) «٣» ، وكان فيه أربعة آلاف تمثال من ذهب مختلفة الصور برّية وبحرية وأموال عظيمة وجوهر كثير.
٩٥٨ وعهد الى ابنه ندراس «٤» ، وكان محكما مجربا ذا أيد وقوة، وبنى غربي منف بيتا عظيما للزهرة (رمز «٥» فيه العلوم وكساه الحرير وعمل له عيدا عظيما، وكان صنم الزهرة) «٦» من لازورد مذهب متوّج بذهب يلوح، وسوّره بسواري زبرجد أخضر، وكان في صورة امرأة لها ضفيرتان «٧» من ذهب أسود مدبّر، وفي رجليها خلخلان من حجر أحمر شفاف «٨» ونعلان من ذهب، وفي يدها قضيب مرجان، وهي تشير بيدها كالمسلّمة على من في الهيكل. وحذاءها مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود من مرمر مجزّع، وفي المطهرة ماء مدبر للزهرة «٩» يستشفى به من كلّ داء، وجعل فيه كراسي الكهنة مصفّحة بالذهب والفضّة، وكان يقرّب له ألف رأس من الضأن «١٠» والوحش والطير.
وكان في قبّة منه صورة زحل «١١» راكب على فرس له جناحان ومعه حربة في سنانها رأس إنسان معلّق. وبقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه. وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع الزنج والنوبة في أرضه، فخرجوا إليها «١٢» وعاثوا فيها، فجمع الجيوش وغزاهم في البرّ ثلاثمائة ألف وفي البحر ثلاثمائة سفينة، (في كلّ سفينة) «١٣» كاهن وساحر يعمل أعجوبة (من عجائب السحر) «١٤» ، فلقوا جيوش السودان في زهاء ألف ألف، فهزموهم وقتلوهم (أقبح قتل) «١٥» وأسرّوا منهم خلقا كثيرا عظيما.
стр. 556
٩٥٩ ثم ملك بعده ماليق «١» بن ندراس وكان موحّدا على دين قفطيم ومصريم، وكانت القبط تذمه «٢» لذلك، وكانت عبادتهم للكواكب والبقر. وكان يستعمل «٣» الغزو والجولان في البلاد ليغيب عن أهل مصر، وزعم بعض أهل مصر أن الله أيّده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه فأخبره ونهاه وأمره، وهو جمع الجيوش واتّخذ في بحر المغرب أربعمائة سفينة، وغزا جموع «٤» البربر برّا وبحرا فهزمهم واستأصل أكثرهم، وبلغ إلى إفريقية وقتل أكثر أهلها وسار منها «٥» . وكان لا يمرّ بأمّة إلّا أبادها الى أن غزا من ناحية الأندلس يريد إفرنجة، وكان بها ملك عظيم يقال له أرقيوش «٦» ، فحشد عليه أمما نواحيه وأقام يحاربه شهرا، ثم طلب سلمه وأهدى إليه هدايا كثيرة فسار عنه. ودوّخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها، وعمل أعلاما على البحر زبر عليها اسمه وخرب مدن البربر حيث كانت وألجأهم الى ذرى الجبال ورجع «٧» ، فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب والرياحين «٨» وفرشت له الطرقات، ودخل قصره موفورا. وأمر أن يعمل له ناووس، فكان «٩» يحضره ويتعبد فيه، وأمر أن لا يدفن معه ذهب ولا جوهر، فلم يدفن معه سوى الطيب وصفيحة مكتوبة بخطّه فيها: هذا ناووس الملك ماليق، مات مؤمنا بالله لا يعبد معه «١٠» غيره بريئا من الأصنام وعبادتها، مؤمنا بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به.
٩٦٠ واستخلف بعده ابنه حريبا، وقد شرح له التوحيد وأمره أن يدين به ونهاه عن عبادة الأصنام، وكان معه على ذلك في حياته، ثمّ رجع عنه بعد وفاته الى.
стр. 557
دينهم. وكان سبب رجوعه الى عبادة الأصنام أن أمه كانت من بنات كبير من الكهان نقلته بعد موت أبيه الى دينها، وكان ليّنا سهل الخلق مجيبا. وكان ملك من ملوك الهند يقال له مسور «١» خرج على عهد حريبا، فعمل حريبا مائة سفينة (على سفن الهند) «٢» وتجهّز «٣» . وحمل امرأته معه، وكانت من بنات عمّه قد غلبت عليه وهام بها يسجر قهرمانة كانت له «٤» ، وكانت تسمى أسيوط، ساحرة لا تطاق، (وكانت أوحشت ما بين الملك وأمه لتستبدّ امرأته به، فآلى في غزوته أن ينصرف في البلاد ولا يرجع إلى مصر أو تموت أمه) «٥» . ففعل ذلك، وغزا بلاد الهند، واستخلف على مصر ابنه كلكلن «٦» وجعل معه وزيرا من الكهان يقال له ويسموس «٧» ، فخرج ومرّ على ساحل اليمن «٨» وعاث في سواحله وبلغ سرنديب، فأوقع بأهلها وغنم منها أموالا عظيمة، وحمل معه حكيما لهم، وكان لا يأخذ مدينة إلا أقام بها صنما وزبر عليه اسمه ومسيره ووقت أخذه لذلك الموضع.
٩٦١ وجعل ينتقل في تلك الجزائر عدّة سنين، ويقال إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة ورجع الى مصر غانما «٩» موفورا بعد ان هلكت أمه. وهابته الملوك، وبنى عدة هياكل وأقام بها اصناما (للكواكب لأنها هي التي أيدته في سفره بزعمه. وأظهر الحكيم الذي حمل من الهند بمصر) «١٠» عجائب مشهورة، وحمل معه صنمين (من أصنام الهند) «١١» من الذهب مرصعين بالجوهر ونصبهما في بعض الهياكل، وكان حكيم الهند يقوم بهما ويخدمهما ويقرب لهما على رسمه «١٢» ، وكان يخبرهم بما يريدونه منهما. وغزا حريبا الشام، فأدّى اليه أهلها الطاعة، وأخاف النوبة والسودان فصالحوه على خراج يحملونه اليه. وأقام في ملكه خمسا وسبعين سنة وعمل لنفسه في صحراء الغرب «١٣» ناووسا على نحو ما تقدم ذكره من نواويس آبائه.
стр. 558
٩٦٢ وملك بعده ابنه كلكلن «١» فعقد تاج الملك على رأسه بالأسكندرية بعد موت أبيه وأقام بها شهرا ورجع الى منف. وكان يحب الحكمة وإظهار العجائب وتقرّب أهلها، ولم يزل يعمل الكيمياء طول ملكه، فخزن أموالا عظيمة واستغنى أهل ذلك الزمان عن معادن الذهب، (فلم يثيروها) «٢» ولم يكن الذهب قطّ أكثر منه في وقته. وكان يطرح المثقال الواحد على القناطير الكثيرة فيصبغها. وتحكي القبط عنه أنه اخترع أشياء تخرج عن العقل حتى كانوا يسمونه حكيم الملوك، وغلب على جميع الكهنة في علومهم حتى كان يخبرهم بما يغيب عنهم، فخافوه واحتاجوا الى علمه.
٩٦٣ وفي وقته كان نمرود إبراهيم ﵇. وكان جبارا مشوّه الخلق يسكن سراة العراق، وكان قد أوتي قوة وبطشا فغلب على أكثر الأرض، فاستزار النمرود كلكلن فوجه اليه كلكلن أن يلقاه منفردا عن أهله وحشمه بموضع كذا، فسار النمرود الى الموضع «٣» الذي ذكره، فأقبل كلكلن تحمله أربعة أفراس ذوات أجنحة، وقد أحاط به (نور كالنار) «٤» وصور مهيبة قد خيل بها، وهو متوشح تنّينا عظيما والتنّين فاغرفاه، ومعه قضيب آس، فكلما رفع التنّين رأسه ضربه بالقضيب. فلما رآه النمرود هاله أمره واعترف له بجليل حكمته وسأله أن يكون له ظهيرا.
стр. 559
٩٦٤ فزعم القبط أن كلكلن كان يجلس على الهرم الغربي في قبّة تلوح على رأسه ويجتمع أهله وحشمه ورعيته حول الهرم، ويزعمون أنه أقام على رأس الهرم أياما لا يأكل ولا يشرب، واستتر عنهم مدة حتى توهموا أنه هلك، وهابته الكهنة هيبة لم تهبها أحدا «١» قبله حتى صوّرته «٢» في هياكلهم. وبنى في آخر زمانه هيكلا لزحل من صوان أسود وجعل له عيدا «٣» ، وجعل في وسطه ناووسه وحمل اليه ما أراد من الذهب والجوهر والحكم. وعرّفهم بموته «٤» ، وجعل على الناووس «٥» طلسمات مانعة وغاب عنهم فلم يقفوا على شيء من أمره (ولا عرفوا موته) «٦» .
٩٦٥ وعهد الى اخيه ماليا، وكان همه في الأكل والشرب والرفاهية غير ناظر في شيء من الحكمة، وإنما استقام له الأمر مدة كونه فيهم لهيبة أخيه كلكلن وتقديرهم أنه لم يمت. وكان أكبر بنيه يقال له طوطيس «٧» ، وكان يستجهل أباه، فأعمل الحيلة في قتله وحملته على ذلك أمه وبعض وزراء أبيه «٨» ، فهجم على أبيه «٩» في رواقه وهو سكران، فقتله وقتل معه امرأة كانت له «١٠» من بنات ملوك منف كانت قد غلبت عليه، وحمته «١١» النساء فقتلها وصلبها، ثم جلس على سرير الملك، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهيبا، والقبط تزعم أنه أول الفراعنة بمصر وأنه فرعون ابراهيم ﵇ وأن الفراعنة سبعة هو أولهم. واستخف بأمر الهياكل والكهنة. وكان ابراهيم ﵇ من كوثى من سواد العراق، فلما هرب من النمرود حذر إن أقام
стр. 560
بالشام أن يلحقه قومه فيردوه الى النمرود، فاستمر الى مصر فجرى له ما هو مذكور عند ذكر إبراهيم، (وأخدم سارة بهاجر) «١» .
٩٦٦ وإنما سمي فرعون لأنه أكثر القتل حتى قتل قرابته «٢» وأهل بيته وخدمه ونساءه وكثيرا من (الكهنة والحكماء) «٣» ، وكان حريصا على الولد، فلم يرزق غير ابنته حوريا، وكانت تسدده كثيرا وتمنعه من أمور «٤» سوء يريدها، فلما رأت أمره يزداد فسادا خافت على زوال ملكهم فسمته بعد أن ملكهم سبعين سنة «٥» .
٩٦٧ وتنازعوا تمليكها. ثم اجتمعوا عليها الا أهل مدينة أبريت «٦» ، فانهم ملّكوا عليهم رجلا من ولد أبريت بن مصريم بن بيصر بن حام الذي سميت به المدينة يقال له أنداحس «٧» ، وجرت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على أنداحس، ففرّ «٨» ، الى الشام وبها الكنعانيون من ولد عمليق، فاستغاث بملكهم وأخبره بأمره وقرّب عليه أمر مصر وسهّل تصييرها اليه، فجهز معه جيشا عظيما الى مصر واستقود عليه رجلا يقال له جيرون «٩» . (فلما «١٠» قرب من مصر بعثت حوريا ظئرا لها الى جيرون) «١١» (تستجلبه وتظهر الميل اليه والمحبة فيه وأنها داخلة في طاعته) «١٢» ، (تعرفه وصيتها بتزويجها لانها لا تختار أحدا من أهل بيتها وأنها إن قتل أنداحس تزوجت وصيرت اليه ملك مصر ومنعت منه صاحبه) «١٣» . (فلما بلغ ذلك جيرون سرّ سرورا عظيما ورغب فيه وسمّ أنداحس بسمّ أنفذته اليه فقتله) «١٤» .
стр. 561
٩٦٨ فبعثت اليه أنه لا يجوز لي أن اتزوجك حتى تظهر في بلدي قوتك وحكمتك وتبني لي مدينة عجيبة أدخل عليك بها، فإني أكره أن أدخل عليك في مدينتي وبين أهلي وأهل بلدي، وان مدينة حصينة كانت لأوائلنا قد خربت، فاقصد موضعها واظهر حكمتك فيها. فمضى وجدّ في عمل الإسكندرية، وبعثت اليه مائة ألف ألف عامل «١» ، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من الأموال. فلما فرغ من بينان المدينة وجه اليها يعلمها ويحثها على القدوم اليه.
فوجهت اليه (فرشا فاخرة) «٢» وآلات عجيبة وقالت: اقسم جيشك أثلاثا وانفذ الي ثلثا حتى اذا بلغت ثلث الطريق فانفذ الثلث الثاني، فاذا بلغت نصف الطريق فانفذ الثلث الثالث «٣» ، فيكون من ورائي لئلا يراني أحد. فاذا دخلت اليك فلا يكون عندك الا صبية يخدمونك «٤» . ثم أقامت تنفذ اليه الجهاز والأموال حتى علم مسيرها، فوجه اليها ثلث جيشه. فعملت لهم الأطعمة والأشربة والطيب المسموم، فلما لقوها استنزلهم حشمها وأقبلوا اليهم «٥» بالأطعمة والأشربة والطيب المسموم، فلم تصبح منهم عين تطرف. فسارت ثم فعلت بالثلث الثاني كذلك، ثم بالثلث الثالث كذلك.
٩٦٩ وهي توجّه اليه: انما أنفذت الجيش الى مصر «٦» يحفظونها، الى ان دخلت اليه «٧» هي وظئرها وجوار كنّ معها. فارتعدت مفاصله وخدرت قواه ولم يملك من نفسه شيئا فقال: من ظن أنه يغلب النساء فقد كذب نفسه، ثم فصدت عروقه وأسالت دمه حتى مات نزفا وقالت: دماء الملوك شفاء.
وأخذت رأسه فوجهت به «٨» الى قصرها فنصبته عليه وحملت (بيوت
стр. 562
الأموال) «١» الى منف، وبنت منار الإسكندرية وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلت به «٢» وتأريخ الوقت «٣» ٩٧٠ ولما اتصل خبرها بالملوك الذين يتاخمون بلدها هابوها، وأقطعت أهل بيتها وقوادها وحشمها أقطاعا كثيرة، وبنت حصنا على حدّ مصر من ناحية النوبة وأجرت ماء النيل اليه تحت قنطرة. واعتلّت حوريا ولم يكن في زمانها أحد من ولد أبيها ولا أهل بيتها يصلح «٤» للملك، فقلدت الملك ابنة عمها دليقة بنت فاقوم ودفعت اليها مفاتيح خزائن الأموال وأطلعتها على مواضع الكنوز وأماكن الخبايا وهلكت من علّتها.
٩٧١ فخرج على دليقة (أيمين الأتريي) «٥» يطلب ثأر خاله انداحس، فاستنصر بملك العمالقة صاحب الشام، فجدّ في نصره لفعل حوريا بقائده، وجرت بينه وبين دليقة حروب كثيرة وأخبار طويلة كان الظهور فيها لأيمين (لأجل ساحر) «٦» كان معهم من أهل قفط (لا يقوم له أحد) «٧» غلب بسحره دليقة.
فكان أصحاب دليقة إذا هرب أصحاب أيمين أظهر بسحره نارا تحول بينهم وبين أصحاب دليقة، وتسمع أصوات تفزع القلوب وتؤلم الأسماع. فلما أيقنت دليقة بالغلبة- وقد حسرها أيمين بقوص- سمّت نفسها فهلكت.
стр. 563
٩٧٢ ثم ان أمير العمالقة غلب على مملكة مصر، وهو الوليد بن دومع العملقي، وأباد الامم حتى بلغ جبل القمر (الذي ينبعث النيل منه، وانما سمي جبل القمر) «١» لأن القمر لا يطلع عليه لأنه خارج عن خط الاستواء، وبلغ هيكل الشمس فدخله وبلغ أرض الذهب، وهو «٢» قضبان نابتة، وهي «٣» آخر بلاد علوة. واستعبد الوليد القبط وملكهم مائة وعشرين سنة. وركب في بعض الأيام متصيّدا، فوقص «٤» به فرسه فقتله، ودفن في بعض الأهرام «٥» .
٩٧٣ وملك ابنه الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف ﵇، والقبط تسميه نقراوش، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا محسنا الى الناس، أسقط عنهم الخراج ثلاث سنين وفتح الخزائن وفرّق أكثر ما فيها على الناس، فأحبّوه وشكروا أيامه «٦» ، إلا أنه مال الى الراحات وغلبت عليه اللذات، وملك أمر الناس رجلا من أولاد الوزراء من أهل بيته يقال له أطفير «٧» ، وهو الذي يسميه اهل الأثر العزيز. وكان عاقلا حصيف «٨» الرأي نزيه النفس مؤثرا للعدل، وأمر أن ينصب له في قصره سرير من فضة يجلس عليه ويكون الكتّاب وجميع «٩» الوزراء بين يديه. فكفى نقراوش أحسن كفاية وقام بجميع أموره، ونقراوش غير ناظر في شيء من أمور الناس وقد عملت له مجالس الزجاج الملون والبلّور المصبوغ، وأرسل (حولها المياه) «١٠» ووضع فيها السمك، وكان إذا وقعت عليه الشمس أرسل شعاعا عجيبا يبهر «١١» العيون. وعملت له
стр. 564
عدة متنزّهات على عدد أيام السنة ينتقل كل يوم الى متنزه منها معلوم اليوم، (ثم يعود الدور في اول السنة الثانية تمّ عددها) «١» ، وفي كل موضع منها من الفرش والآنية ما ليس في غيره.
٩٧٤ فلما اشتغل عن أمور الناس (واتصل نزهه) «٢» طمع فيه ملوك النواحي، فقصده رجل من ملوك العمالقة يقال له علكن بن شجوم «٣» ويكنى أبا قابوس، فأنفذ اليه العزيز جيشا فأقام يحاربه ثلاث سنين، ثم كان الظفر للعملقي، فدخل حدود مصر وعاث في أرضها وهدم مصانع كثيرة، فضجّ أهل مصر (واجتمعوا الى قصر الملك، فسمع ضوضاءهم وسأل عن شأنهم، فأخبر بأمر العملقي وما انتهى اليه حاله وأنه قاصد قصر الملك) «٤» . فارتاع لذلك الريان واستيقظ من غفلته وانتبه من سنته، فعرض جيشه وأصلح أمره وخرج الى العملقي (في سبعمائة الف مقاتل سوى الأتباع. فالتقوا من وراء الأجواف في تلك الصحراء، فاقتتلوا قتالا شديدا) «٥» ، (وانهزم العملقي) «٦» واتبعه نقراوش الى حدود الشام وقتل في أصحابه (وأسر، وقيل إنه بلغ) «٧» الى الموصل «٨» وضرب على أهل الشام خرجا. ثم انصرف واستعد لغزو ملوك المغرب «٩» فخرج في تسعمائة ألف «١٠» واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحّى عن طريقه ومنهم من دخل تحت طاعته. فأتى إفريقية وقرطاجنة فصالحوه «١١» على شيء يؤدونه اليه، ومر حتى بلغ مصبّ البحر الأخضر «١٢» الى بحر الروم، وهو موضع أصنام النحاس، وأقام هناك صنما «١٣» وزبر عليه اسمه.
стр. 565
٩٧٥ وضرب على أهل تلك النواحي خرجا وعبر الى الأرض الكبيرة وإفرنجة والأندلس، وصاحبها لذريق الأصغر، فحاربه وقتل من أصحابه جماعة وصالحه على ذهب مضروب عليهم، وانصرف راجعا وجاز «١» حتى عبر البحر مشرقا، فشقّ بلاد البربر، (فلم يمرّ بموضع إلا أهدوا اليه ودخلوا في طاعته ولا بأمة إلّا أثر فيها الى ان بلغ بلاد النوبة، فصالحهم على مال يحملونه اليه، ثم أتى) «٢» دمقلة «٣» . فأقام بها علما «٤» وزبر عليه اسمه، ثم انصرف الى منف، فهناك تلقّاه جميع أهل طاعته مع العزيز بأصناف الرياحين والطيب والملاهي «٥» والهدايا، وأقام هناك مع الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة في مصانع أعدّها له العزيز من الزجاج الملون مفروشة (بالفرش المذهبة) «٦» قد غرس حولها جميع الرياحين (والأشجار الطيبة) «٧» .
٩٧٦ وفي أيامه كان من أمر يوسف ﵇ ما كان وخبره مع امرأة العزيز هذا، وهي زليخا ابنة صاحب عين شمس، ثم تزوجها يوسف ﷺ «٨» بعد ذلك.
وقيل إنّ نقراوش آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه. وهو الذي امتحن يوسف ليعلم مبلغ علمه، فأمره بعمل الفيوم لابنته وكانت مغايض ماء النيل، والنيل لا يجري حينئذ، فأقامها وبنى اللهون وأتى بتلك الحكمة «٩» المعجزة والآية البيّنة في أربعة أشهر، وقيل في سبعين يوما، وشقّ تلك الخلج الثلاثة وكان ذلك ابتداء جري النيل. فلما نظر اليه الملك قال لوزرائه: هذا عمل ألف «١٠» يوم. فسميت الفيوم. ذكر ذلك عبد الرحمان (بن عبد الله) «١١» بن الحكم عن هشام بن إسحاق.
следующие страницы →