Полный текст (893 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
٩٦٨ فبعثت اليه أنه لا يجوز لي أن اتزوجك حتى تظهر في بلدي قوتك وحكمتك وتبني لي مدينة عجيبة أدخل عليك بها، فإني أكره أن أدخل عليك في مدينتي وبين أهلي وأهل بلدي، وان مدينة حصينة كانت لأوائلنا قد خربت، فاقصد موضعها واظهر حكمتك فيها. فمضى وجدّ في عمل الإسكندرية، وبعثت اليه مائة ألف ألف عامل «١» ، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من الأموال. فلما فرغ من بينان المدينة وجه اليها يعلمها ويحثها على القدوم اليه.
فوجهت اليه (فرشا فاخرة) «٢» وآلات عجيبة وقالت: اقسم جيشك أثلاثا وانفذ الي ثلثا حتى اذا بلغت ثلث الطريق فانفذ الثلث الثاني، فاذا بلغت نصف الطريق فانفذ الثلث الثالث «٣» ، فيكون من ورائي لئلا يراني أحد. فاذا دخلت اليك فلا يكون عندك الا صبية يخدمونك «٤» . ثم أقامت تنفذ اليه الجهاز والأموال حتى علم مسيرها، فوجه اليها ثلث جيشه. فعملت لهم الأطعمة والأشربة والطيب المسموم، فلما لقوها استنزلهم حشمها وأقبلوا اليهم «٥» بالأطعمة والأشربة والطيب المسموم، فلم تصبح منهم عين تطرف. فسارت ثم فعلت بالثلث الثاني كذلك، ثم بالثلث الثالث كذلك.
٩٦٩ وهي توجّه اليه: انما أنفذت الجيش الى مصر «٦» يحفظونها، الى ان دخلت اليه «٧» هي وظئرها وجوار كنّ معها. فارتعدت مفاصله وخدرت قواه ولم يملك من نفسه شيئا فقال: من ظن أنه يغلب النساء فقد كذب نفسه، ثم فصدت عروقه وأسالت دمه حتى مات نزفا وقالت: دماء الملوك شفاء.
وأخذت رأسه فوجهت به «٨» الى قصرها فنصبته عليه وحملت (بيوت
стр. 562
الأموال) «١» الى منف، وبنت منار الإسكندرية وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلت به «٢» وتأريخ الوقت «٣» ٩٧٠ ولما اتصل خبرها بالملوك الذين يتاخمون بلدها هابوها، وأقطعت أهل بيتها وقوادها وحشمها أقطاعا كثيرة، وبنت حصنا على حدّ مصر من ناحية النوبة وأجرت ماء النيل اليه تحت قنطرة. واعتلّت حوريا ولم يكن في زمانها أحد من ولد أبيها ولا أهل بيتها يصلح «٤» للملك، فقلدت الملك ابنة عمها دليقة بنت فاقوم ودفعت اليها مفاتيح خزائن الأموال وأطلعتها على مواضع الكنوز وأماكن الخبايا وهلكت من علّتها.
٩٧١ فخرج على دليقة (أيمين الأتريي) «٥» يطلب ثأر خاله انداحس، فاستنصر بملك العمالقة صاحب الشام، فجدّ في نصره لفعل حوريا بقائده، وجرت بينه وبين دليقة حروب كثيرة وأخبار طويلة كان الظهور فيها لأيمين (لأجل ساحر) «٦» كان معهم من أهل قفط (لا يقوم له أحد) «٧» غلب بسحره دليقة.
فكان أصحاب دليقة إذا هرب أصحاب أيمين أظهر بسحره نارا تحول بينهم وبين أصحاب دليقة، وتسمع أصوات تفزع القلوب وتؤلم الأسماع. فلما أيقنت دليقة بالغلبة- وقد حسرها أيمين بقوص- سمّت نفسها فهلكت.
стр. 563
٩٧٢ ثم ان أمير العمالقة غلب على مملكة مصر، وهو الوليد بن دومع العملقي، وأباد الامم حتى بلغ جبل القمر (الذي ينبعث النيل منه، وانما سمي جبل القمر) «١» لأن القمر لا يطلع عليه لأنه خارج عن خط الاستواء، وبلغ هيكل الشمس فدخله وبلغ أرض الذهب، وهو «٢» قضبان نابتة، وهي «٣» آخر بلاد علوة. واستعبد الوليد القبط وملكهم مائة وعشرين سنة. وركب في بعض الأيام متصيّدا، فوقص «٤» به فرسه فقتله، ودفن في بعض الأهرام «٥» .
٩٧٣ وملك ابنه الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف ﵇، والقبط تسميه نقراوش، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا محسنا الى الناس، أسقط عنهم الخراج ثلاث سنين وفتح الخزائن وفرّق أكثر ما فيها على الناس، فأحبّوه وشكروا أيامه «٦» ، إلا أنه مال الى الراحات وغلبت عليه اللذات، وملك أمر الناس رجلا من أولاد الوزراء من أهل بيته يقال له أطفير «٧» ، وهو الذي يسميه اهل الأثر العزيز. وكان عاقلا حصيف «٨» الرأي نزيه النفس مؤثرا للعدل، وأمر أن ينصب له في قصره سرير من فضة يجلس عليه ويكون الكتّاب وجميع «٩» الوزراء بين يديه. فكفى نقراوش أحسن كفاية وقام بجميع أموره، ونقراوش غير ناظر في شيء من أمور الناس وقد عملت له مجالس الزجاج الملون والبلّور المصبوغ، وأرسل (حولها المياه) «١٠» ووضع فيها السمك، وكان إذا وقعت عليه الشمس أرسل شعاعا عجيبا يبهر «١١» العيون. وعملت له
стр. 564
عدة متنزّهات على عدد أيام السنة ينتقل كل يوم الى متنزه منها معلوم اليوم، (ثم يعود الدور في اول السنة الثانية تمّ عددها) «١» ، وفي كل موضع منها من الفرش والآنية ما ليس في غيره.
٩٧٤ فلما اشتغل عن أمور الناس (واتصل نزهه) «٢» طمع فيه ملوك النواحي، فقصده رجل من ملوك العمالقة يقال له علكن بن شجوم «٣» ويكنى أبا قابوس، فأنفذ اليه العزيز جيشا فأقام يحاربه ثلاث سنين، ثم كان الظفر للعملقي، فدخل حدود مصر وعاث في أرضها وهدم مصانع كثيرة، فضجّ أهل مصر (واجتمعوا الى قصر الملك، فسمع ضوضاءهم وسأل عن شأنهم، فأخبر بأمر العملقي وما انتهى اليه حاله وأنه قاصد قصر الملك) «٤» . فارتاع لذلك الريان واستيقظ من غفلته وانتبه من سنته، فعرض جيشه وأصلح أمره وخرج الى العملقي (في سبعمائة الف مقاتل سوى الأتباع. فالتقوا من وراء الأجواف في تلك الصحراء، فاقتتلوا قتالا شديدا) «٥» ، (وانهزم العملقي) «٦» واتبعه نقراوش الى حدود الشام وقتل في أصحابه (وأسر، وقيل إنه بلغ) «٧» الى الموصل «٨» وضرب على أهل الشام خرجا. ثم انصرف واستعد لغزو ملوك المغرب «٩» فخرج في تسعمائة ألف «١٠» واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحّى عن طريقه ومنهم من دخل تحت طاعته. فأتى إفريقية وقرطاجنة فصالحوه «١١» على شيء يؤدونه اليه، ومر حتى بلغ مصبّ البحر الأخضر «١٢» الى بحر الروم، وهو موضع أصنام النحاس، وأقام هناك صنما «١٣» وزبر عليه اسمه.
стр. 565
٩٧٥ وضرب على أهل تلك النواحي خرجا وعبر الى الأرض الكبيرة وإفرنجة والأندلس، وصاحبها لذريق الأصغر، فحاربه وقتل من أصحابه جماعة وصالحه على ذهب مضروب عليهم، وانصرف راجعا وجاز «١» حتى عبر البحر مشرقا، فشقّ بلاد البربر، (فلم يمرّ بموضع إلا أهدوا اليه ودخلوا في طاعته ولا بأمة إلّا أثر فيها الى ان بلغ بلاد النوبة، فصالحهم على مال يحملونه اليه، ثم أتى) «٢» دمقلة «٣» . فأقام بها علما «٤» وزبر عليه اسمه، ثم انصرف الى منف، فهناك تلقّاه جميع أهل طاعته مع العزيز بأصناف الرياحين والطيب والملاهي «٥» والهدايا، وأقام هناك مع الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة في مصانع أعدّها له العزيز من الزجاج الملون مفروشة (بالفرش المذهبة) «٦» قد غرس حولها جميع الرياحين (والأشجار الطيبة) «٧» .
٩٧٦ وفي أيامه كان من أمر يوسف ﵇ ما كان وخبره مع امرأة العزيز هذا، وهي زليخا ابنة صاحب عين شمس، ثم تزوجها يوسف ﷺ «٨» بعد ذلك.
وقيل إنّ نقراوش آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه. وهو الذي امتحن يوسف ليعلم مبلغ علمه، فأمره بعمل الفيوم لابنته وكانت مغايض ماء النيل، والنيل لا يجري حينئذ، فأقامها وبنى اللهون وأتى بتلك الحكمة «٩» المعجزة والآية البيّنة في أربعة أشهر، وقيل في سبعين يوما، وشقّ تلك الخلج الثلاثة وكان ذلك ابتداء جري النيل. فلما نظر اليه الملك قال لوزرائه: هذا عمل ألف «١٠» يوم. فسميت الفيوم. ذكر ذلك عبد الرحمان (بن عبد الله) «١١» بن الحكم عن هشام بن إسحاق.
стр. 566
٩٧٧ فهلك الريان فاستخلف ابنه دريموس «١» ، وهو فرعون الرابع ويسميه أهل الأثر دارم، وكان يوسف ﷺ «٢» خليفته، أمره بذلك أبوه، وكان يوسف يسدّده إلا أنه خالف «٣» (دينه وما اعتقده من ذلك أبوه) «٤» . فكان يخدم القمر لأن «٥» طالعه كان السرطان* فكان يصنع له أصنام الفضة وينصبها في قصر الرخام «٦» الذي كان أبوه بناه في شرقي النيل. وقبض يوسف ﵇ بعد سنين من ولايته، فأمر دارم فكفن في ثياب «٧» الملوك وجعل في تابوت رخام ودفن في الجانب الغربي فأخصب ونقص الشرقي، فحوّل اليه فأخصب فنقص الغربي، فاتفقوا على أن يجعلوه في الغربي عاما وفي الشرقي عاما، ثم ظهر لهم رأي أن يجعلوا للتابوت حلقا وثاقا ثم شدّوه بالحبال ودلّوه (في وسط النيل) «٨» . فأخصب الجانبان كلاهما.
ذكر ما نقله القبط من أمر يوسف ﵇
٩٧٨ قالوا: أدخل مصر غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه، وكانت قوافل الشام تعرس بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام ونودي عليه (وهو يوسف ﵇ «٩» ، فبلغ وزنه ذهبا وورقا، فاشتراه أطفير العزيز ليهديه الى الملك. فلما أتى به منزله ورأته امرأته زليخا بنت صاحب عين شمس بنت «١٠» عم أطفير قالت له: اتركه لنا نربيه. ففعل، فكان من أمر «١١» افتتانها به ما نصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم ذلك حتى غلب الأمر عليها.
стр. 567
فجاءت له «١» وتزينت له «٢» وعرّفته إنها تحبّه وأنّه إن (واتاها على ما تدعوه إليه) «٣» جاءته بمال عظيم وأحلّته المحل الكريم. فامتنع عليها «٤» ورامت أن تقبّله ولم تزل تمارسه وهو يمتنع بجهده الى أن أتى زوجها ووافقه وهو هارب منها. وكان زوجها عنينا لا يأتي النساء. فجعل يوسف يعتذر إليه، وقالت هي: كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الأمر منها فقال ليوسف: اعرض عن هذا، أي عن اعتذارك. وقال لها: استغفري لذنبك، واتصل خبر زليخا ويوسف بنساء أصحاب الملك فخضن فيه، وقد كان خبر الغلام بلغ الملك وابتياع أطفير له، وسأل عنه فأنكره ومنعه الخروج عن قصره، وكان محجوبا لا يراه أحد.
٩٧٩ والملك غير عادل عن العكوف على لذّاته والاحتجاب عن الناس. فأحضرت جماعة منهن وأحضرت لهن طعاما وشرابا وجلست في مجلس حذاء مجلس مذهبين جميعا وفرشتهما بالديباج الأصفر المذهب وأسدلت عليهما «٥» ستور الديباج المذهب، وأمرت المواشط بتزيين يوسف واخراجه الى المجلس الذي كانت مع النسوة فيه، وكان ذلك المجلس محاذيا للشمس «٦» . فنظم المواشط شعر يوسف «٧» بأصناف الجواهر، وألبسنه ثوب ديباج أصفر منسوج بذارات حمر مذهبة، فيها اطيار صغار خضر مبطّن ببطانة خضراء، وأكمامه جوهر ملون ومن تحته غلالة حمراء، ووضعن على رأسه تاجا منظوما بدرّ وجوهر نفيس، وأخرجن من تحته طرر شعر على جبهته ورددن ذوائبه على صدره «٨» وعقربن صدغيه على خدّيه وكحلن عينيه ودفعن اليه «٩» مذبّة ذهب شعرها أخضر. فلما أكلن وفرغن من طعامهن أحضرت الشراب والفاكهة وسقتهن
стр. 568
أقداحا، وقدمت إليهن سكاكين نصبها «١» جوهر. فقالت لهن: اقطعن من هذه الفاكهة، وقيل إن الذي كان بين أيديهن اترج وهو المتكأ، فلمّا أخذن في شربهن، قالت لهن: قد بلغني ما خضتنّ فيه من أمري مع عبدي. قلن لها:
الأمر كما بلغك لأنك أعلى قدرا من هذا وأنت تجلّين «٢» عن أولاد الملوك، فكيف رضيت بغلامك؟ فقالت: لم يبلغكن الصدق عني، ولو كان لكان أهلا لذلك. ثم ارسلت الى المواشط في اخراجه ورفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها وأقبل يوسف خارجا منه مستقبلا للشمس. فأشرق المجلس وما فيه (من وجه) «٣» يوسف وما عليه، وأرسل ذلك شعاعا كاد أن يخطف أبصارهن، وأقبل يوسف والمذبّة معه وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذبّ عنها، وهي تخاطبهن وهن لا يفهمن خطابها «٤» للذي أذهلهن من النظر اليه، فقالت: ما لكنّ قد اشتغلتن عن خطابي بالنظر الى عبدي؟
٩٨٠ قلن لها: معاذ الله، ما هذا عبدك «٥» وما هذا الّا ملك كريم. ولم تبق منهن واحدة الا حاضت وأنزلت شهوة من محبته. فقالت لهن زليخا عند ذلك:
فهذا الذي لمتنّني فيه. فقلن: ما ينبغي لأحد أن يلومك بعدها، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه. قالت: قد فعلت فأبى عليّ فخاطبنه لي. فكانت كل واحدة منهن تخاطبه وتدعوه سرا الى نفسها وتبذل له، وهو يمتنع منها. فإذا يئست منه لنفسها خاطبته لزليخا ووعدته (بالحظوة والرفعة) «٦» والأموال فيقول: ما لي بذلك من حاجة فلما رأين ذلك أجمعن «٧» على أخذه غصبا، فقالت زليخا: لا يحسن ذلك ولا يقع موقعا، ولكنه ان لم يفعل لأمنعنّه اللذات ولأسجنّنه. فقال يوسف ﵇: ربّ السجن أحب إليّ مما تدعونني اليه. وأقسمت «٨» بإلاهها- وكان صنما من زبرجد أخضر باسم
стр. 569
عطارد- انه ان لم يفعل ذلك لتجعلنّ به ذلك. فأبى عليها فأمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها حبسه ليزول عنها ما قذفت «١» به. فمال الى قولها ليميط عن أهله القبيح وينفي عنها المقالة «٢» . فأمر به فحبس في السجن سبع سنين.
٩٨١ فرأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال: إن فلانا وفلانا قد عزما على قتلك، يريد صاحبي طعامه وشرابه. فلما أصبح قررهما فاعترف أحدهما وأنكر الآخر، فأمر بحبسهما، وكان اسم صاحب الطعام راشان وصاحب الشراب مرطش «٣» . فأخبرا يوسف برؤياهما كما نطق به القرآن، ثم أخرجنا من السجن فقتل الذي أقرونجا الذي لم يقر وهو صاحب الشراب. فلما رأى الملك رؤياه في البقر «٤» عرفه الساقي «٥» خبر يوسف فأرسل اليه الى «٦» السجن ففسّرها «٧» له.
٩٨٢ وقيل ان الملك قال للرسول: سله عن الرؤيا قبل ان تقصها «٨» عليه.
ففعل «٩» ، فأعلمه بها وعبر له معناها، فقال الملك «١٠» عندها: جئني به، فقال يوسف: لا أخرج حتى يكشف أمر النسوة اللواتي من أجلهن حبست.
فلما كشف عن ذلك واعترفت زليخا بالقصة وجّه اليه الملك «١١» فأخرجه وأمر بغسله من درن السجن «١٢» وألبسه من ثياب الملوك. فلما دخل عليه وراه امتلأ به سرورا وألقيت عليه منه محبة وسأله عن الرؤيا، ففسرها له كما قال الله عزّ
стр. 570
وجلّ في كتابه. فقال له الملك: ومن يقوم لي بذلك؟ فقال: أنا فإني عليم به «١» . فخلع عليه وألبسه تاجا وأمر «٢» ان يركب معه الجيش ويطاف به فيردّ الى قصر الملك ويجلس على سرير العزيز- وكان العزيز قد هلك- فاستخلفه الملك على ملكه وسماه العزيز مكانه وزوجه امرأته، فقال لها يوسف: هذا أصلح مما أردت. فقالت له: اعذرني فإن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيئتك «٣» إلا صبا قلبها اليك.
٩٨٣ فلما جاءت سنو «٤» الخصب أخذ يوسف في توفير الغلّات والاستكثار من الأقوات، ثم جعل في سني الجدب لما نقص النيل وتوالى نقصانه يحسن التدبير والسياسة، ولولا ذلك لهلك الناس. فصار الى يوسف «٥» بما باع من الطعام جميع أموال أهل مصر من الذهب والفضة والجوهر والثياب والدواب والآنية والعقار.
٩٨٤ وقحط أهل الشام عند ذلك، فكان من أمر يوسف مع إخوته «٦» ما قصّ الله تعالى في كتابه، ووجه يوسف الى ابيه فحمله «٧» من الشام بجميع أهله وخرج في وجوه أهل مصر وكبرائهم فتلقاه وأدخله على الملك. (وكان يعقوب ﵇ نبيّا جميلا، فقرّبه الملك) «٨» وأحبه وأعظمه، وكان له يومئذ عشرون ومائة سنة. فأقام يعقوب مع نقراوش يعظّمه ويجلّه ويعقوب يدعوه الى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام والآلهة ويوسف يعقبه بمثل ذلك، فيقال إنه آمن وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه.
стр. 571
٩٨٥ ولم يزل يعقوب مكرما معظما عنده «١» حتى حضرته الوفاة في حياة نقراوش، فأوصى ان يدفن بمكانه من الشام، فوضع في تابوت وخرج معه يوسف وكبار أهل «٢» مصر حتى بلّغوه إلى موضعه. فمنعهم عيصو من دفنه هناك لأن إسحاق وهب له الموضع، فاشتراه يوسف منهم (ودفن فيه يعقوب) «٣» . وولد ليوسف بمصر.
٩٨٦ وملك نقراوش مائة وعشرين سنة كما تقدم، وكان من أمر ابنه مع يوسف ما ذكرناه. واستوزر دارم «٤» بعد يوسف رجلا من الكهان يسمّى بلاطش فأطلق له ما كان يوسف يحذره عنه «٥» وحمله على أذى الناس وأخذ أموالهم وغلبتهم على كلّ امرأة حسناء يسمع بها في النواحي. ومكث كذلك «٦» زمانا قد «٧» بلغ من الناس أشد مبالغ الأذى (ونال منهم) «٨» كل مكروه حتى ركب يوما في النيل متنزها، فعصفت به ريح أغرقته «٩» ومن كان معه واستراح الناس من شرّه.
٩٨٧ وملك «١٠» بعده ابنه معدايوس «١١» ، وهو خامس الفراعنة، وأهل مصر يسمونه معدان. فأسقط عن الناس الخراج وأحسن فيهم السيرة ولزم الإقبال
стр. 572
على الهياكل والتعبد لها. فتذكر القبط أنه كان يوما في هيكل زحل وحذاء صورته، وكان قد جهد نفسه في التعبد له «١» الى ان تغشّاه نور وتجلّى له زحل وخاطبه فقال له: قد جعلتك ربا وحبوتك بالقدرة وسأرفعك إلي فلا تخل من ذكري «٢» . فأخبر الناس سدنة الهيكل بما رأوه من النور وسمعوا من الخطاب، فأعظم الناس أمره وسموه ربّا بأمر زحل. فجمع الناس وقال لهم:
قد (وقفتم على) «٣» ما خصصت به دون الملوك، وهذه موهبة يلزمني الشكر عليها لواهبها، ولست اتفرغ (للنظر في أموركم) «٤» وقد جعلت (أمر الملك) «٥» الى ابني أقشامش «٦» وأكون من ورائه الى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، وقد أيدته بالناظرين «٧» ، فانظروا كيف تكونون فإنكم منّي بمرآى ومسمع. فرضوا ذلك.
٩٨٨ وجلس اقشامش على سرير الملك وتتوّج بتاج أبيه، وهو الذي يسميه أهل الأثر كاشم بن معدان بن دارم «٨» بن الريان بن الوليد بن دومع، وهو سادس الفراعنة. وسمّوا فراعنة بفرعان الأوّل، فصار اسما «٩» لكل من تجبّر وعلا أمره. واحتجب معدايوس أبوه عن الناس، وكان أقشامش أوّل من ذلّل الإسرائيلين للقبط وقال للقبط: هم عبيد لكم، حتى صار «١٠» رجالهم خدما لرجالهم ونساؤهم خدما لنسائهم، وإن ضرب الإسرائيلي القبطي قتل به. وقيل إنّ منارة الإسكندرية بنيت في زمانه وإنه هو الذي جعل عليها المرآة.
стр. 573
٩٨٩ وكان قد استوزر رجلا من أهل بيت المملكة يقال إنه من ولد أشمون الملك يسمى طلمى بن قومس، وكان شجاعا حكيما كاهنا داهيا «١» . فتغيب «٢» أقشامش بعد إحدى وثلاثين سنة من ملكه وطلمى يدبر «٣» أمر المملكة، فيقال انه سلب عقله، ويقال ان طلمى سمّه وقتله «٤» لأن نفسه كانت تنازعه الملك. فلما فقد الناس الملك اضطربوا على طلمى وتغيروا عليه «٥» . فولّى لاطش بن أقشامش وأجلسه على سرير الملك وألبسه التاج. فاستقر له الأمر وكان حدثا معجبا، فصرف طلمى عما كان عليه من خلافته واستخلف رجلا يقال له لاهوف من ولد ندراس الملك، وتجبر ودعا إلى عبادته وأمر أن يجلس أحد في قصره لا كاهن ولا غيره، بل يقوموا على أرجلهم إلى أن ينصرفوا.
(وزاد في أذى الناس والعسف «٦» . بهم «٧» ورتبهم على الأبواب «٨» ، وجمع أموالهم وكثرها، وطلب النساء وابتز «٩» منهنّ خلقا كثيرا) «١٠» . وفعل من ذلك أضعافا مما فعله من تقدم ذكره «١١» . واستعبد بني إسرائيل، وهو الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى، فأما أهل الأثر فيزعمون أنه الوليد بن مصعب العملقي «١٢» .
٩٩٠ وقد تنازع الناس فيه، فمنهم من رأى أنه من العماليق، ومنهم من رأى أنه من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنه من الفرس من مدينة إصطخر، وقد زعم قوم من الأعاجم أنه من الأندلس من مدينة قرمونة، ومنهم من رأى أنه
стр. 574
من القبط (من ولد مصريم بن بيصر، والقبط) «١» تثبت ذلك، ونسبه ونسب أهل بيته مشهور عندهم وتقول «٢» إن دليل ذلك ميله إليهم ونكاحه فيهم.
وذكر قوم أنه دخل مدينة منف على أتان تحمل خباء أحمر ليبيعه، وكانوا قد اضطربوا في تولية ملك، فأجمعوا على أن يملّكوا عليهم أول من يطرأ من الناس، فكان هذا.
٩٩١ فبذل الأموال ورغب من أطاعه وقتل من خالفه «٣» . وبنى المدن وخندق الخنادق وبنى الحصون على حدود مصر. واستخلف هامان وكان منه بقربى وهو حفر خليج سردوس «٤» . وهو أول من عرّف العرفاء على الناس، وكان من أمره مع موسى ﵇ ما هو مذكور في موضعه «٥» .
ذكر فتح مصر «٦»
٩٩٢ قال عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم «٧» : لما كانت سنة ثماني عشرة وقدم عمر ﵁ الجابية خلا به عمرو بن العاص، وكان قد دخل مصر في الجاهلية وديارها وعرف أحوالها، فجعل يعظّم عنده أمرها ويهوّن عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر وعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عكّة، ويقال ثلثهم من غافق. فقال له «٨» عمر: سيروا وأنا مستخير الله
стр. 575
وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء الله، فإن أدركك كتابي «١» آمرك فيه بالانصراف (عن أرض مصر قبل ان تدخلها فانصرف، وإن أنت دخلتها) «٢» قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك فاستعن بالله واستنصره «٣» . فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد.
٩٩٣ واستخار عمر رضه فكأنه تخوّف على المسلمين (فكتب إلى عمرو) «٤» أن ينصرف بمن معه، وأدركه الكتاب وهو برفح، فتخوف عمرو إن قرأ «٥» الكتاب أن يكون فيه أمر «٦» بالانصراف كما عهد إليه. فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش. فسأل عنها فقيل له إنها من مصر، فدعا «٧» بالكتاب فقرأه على المسلمين «٨» ، ثم قال عمرو لمن معه:
ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر؟ (فقالوا: بلى) «٩» . قال لهم: فإن أمير المؤمنين عهد إليّ إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع اليه، وإن كتابه لم يلحقني حتى دخلنا أرض مصر فسيروا وامضوا على بركة الله تعالى.
٩٩٤ قال: فلما بلغ المقوقس أمر عمرو توجه الى الفسطاط، وكان يجهز الى عمرو الجيوش. وقال جماعة من مشايخ أهل مصر إن أسقفا كان بالاسكندرية للقبط يقال له أبو بنيامين «١٠» لما بلغه قدوم عمرو الى مصر كتب الى القبط يعلمهم «١١» أن ملكهم قد انقطع ويأمرهم بتلقّي عمرو. فأول موضع قوتل فيه عمرو
стр. 576
الفرما، قاتله فيه الروم نحوا من شهر، ثم فتحها الله عليه، فيقال إن القبط الذين كانوا «١» بالفرما كانوا لعمرو أعوانا لما أعلمهم به أبو بنيامين. ثم تقدم عمرو لا يدافع الا بالأمر الخفيف حتى فتح بلبيس وأم دنين، وكتب «٢» الى عمر يستمده، فأمدّه بأربعة آلاف. ثم سار عمرو الى الحصن وقد خندقوا حوله وجعلوا للخندق أبوابا وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية تلك الأبواب، وكان عمرو يفرق أصحابه «٣» ليرى العدو أنهم أكثر مما هم ويغدوا في الأسحار فيصفّهم على أبواب الخندق وعليهم السلاح.
٩٩٥ ثم قدم على عمرو الزبير بن العوّام في اثني عشر ألفا فتقوّى المسلمون، وجعل عمرو يلح عليهم بالقتال ووضع المنجنيق على الحصن، وكان عمرو إنما يقف تحت راية بلى. قال: وكانت أمّه بلوية. (قال المؤلف ﵀: هذا من قائله وهم، وإنما هي عنزية «٤» . فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير رضه:
أنا أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك للمسلمين، فوضع سلما الى جانب الحصن من ناحية سوق الحمّام، ثم أمرهم اذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا «٥» . فما شعروا الا والزبير واقف على رأس الحصن يكبّر (والسيف في يده) «٦» ، فتحامل المسلمون على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن يكسر، فهرب أهل الحصن جميعا وعمد «٧» الزبير الى باب الحصن ففتحه واقتحمه المسلمون.
стр. 577
٩٩٦ ثم حاصر المسلمون باب اليون وبه أكابر الروم والقبط ورؤساؤهم وعليهم المقوقس، فقاتلوهم بها شهرا. فخاف المقوقس على نفسه (ومن معه) «١» فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا على الباب القبلي وترك هناك جماعة يقاتلون فصار بالجزيرة- موضع دار الصناعة اليوم- وأمر بقطع الجسر، وذلك في مجرى النيل. فأرسل المقوقس الى عمرو «٢» : إنكم قد دخلتم في بلادنا «٣» وطال مقامكم بأرضنا «٤» وإنّما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم، جهزوا إليكم الجيوش، وقد أحاط بكم هذا النيل وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فعسى أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون «٥» ونحب، وينقطع عنا وعنكم «٦» هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فتندموا.
٩٩٧ فردّ عمرو مع رسله أنه ليس بيننا وبينكم إلا احدى ثلاث خصال: إمّا دخلتم في الإسلام وكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم أعطيتم الجزية عن يد، وهم صاغرون «٧» ، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال: حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين «٨» . فلما جاءت رسل المقوقس اليه قال: كيف رأيتموهم؟
قالوا: رأينا قوما الموت أحب الى أحدهم «٩» من الحياة والتواضع أحب الى أحدهم «١٠» من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة، إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على الركب وأميرهم كواحد منهم، يغسلون أطرافهم بالماء واذا حضرت الصلاة لا يتخلف عنها أحد منهم، يتخشعون في صلاتهم. فقال
стр. 578
المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها، وما يقوى على قتال «١» هؤلاء أحد وإن لم يغتنم صلح هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الارض. [وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه] «٢» والمسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة ولا يقدرون على النفوذ الى الصعيد ولا غيره من القرى.
٩٩٨ وبعث عمرو إليهم عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت وأمره أن (يكون متكلم) «٣» القوم وأن لا يجيبهم الى شيء إلا الى احدى هذه الثلاث خصال.
فركبوا السفن الى المقوقس فدخلوا عليه، فتقدم عبادة بن الصامت فهابه المقوقس لسواده وقال: نحّوا عني هذا الأسود وقدّموا غيره. فقالوا جميعا:
إن هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأيا وعلما «٤» . فكلمه عبادة فازداد المقوقس له هيبة وقال لأصحابه: لقد هبت (منظره وإن قوله عندي لأهيب) «٥» ، وإن هذا وأصحابه إنما أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. (فقال له المقوقس) «٦» : يعطى كل رجل منكم دينارين دينارين فأميركم مائة دينار وخليفتكم «٧» ألف دينار. فلم يجبه عبادة إلّا على احدى الثلاث خصال. فقال المقوقس لأصحابه: ما ترون؟ فقالوا: أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا ما لا يكون «٨» . نترك دين المسيح الى دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا أن يجعلونا عبيدا أبدا فالموت أيسر «٩» من ذلك. ولو رضوا منا ان نضعف لهم ما أعطيناهم كان «١٠» أهون علينا.
стр. 579
٩٩٩ فانصرف عبادة ولم يتّفقوا على شيء. وألحّ المسلمون في القتال حتى أذعن «١» المقوقس بالجزية عن القبط خاصة والروم مخيّرون «٢» في المقام على مثل «٣» ذلك أو الخروج الى أرض الروم. فأحصي يومئذ من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط (خاصة و) «٤» رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة فكانوا ستّة آلاف ألف ممن بلغ الحلم سوى الشيخ الفاني والصغير والنساء.
ففرض على كلّ نفس دينارين دينارين، فكانت فريضتهم اثني عشر ألف ألف دينار. ثم كانت بمن استقر هناك من النصارى وساكنيهم من النوبة خمسين «٥» ألف ألف دينار.
١٠٠٠ [وجعل عمرو يبحث عن الأموال ويضمّها الى بيت المال] «٦» . وذكر لعمرو أنّ عند عظيم الصعيد مالا، فبعث اليه، فقال: ما عندي مال. فسجنه، فسأل عمرو من يدخل عليه هل يسمعونه يذكر أحدا. قالوا: نعم راهبا بالطور. فبعث عمرو فأوتي بخاتم المسجون وكتب كتابا على لسانه بالرومية وختم عليه وبعث به الى الراهب فأتى بقلّة من نحاس مختومة برصاص، فإذا فيها (كتاب فيه) «٧» : يا بني آدم «٨» إذا أردتم مالكم فاحفروا تحت الفسقية.
فبعث عمرو أمناء «٩» الى الفسقية- وهي السقاية- فحفروا واستخرجوا «١٠» خمسين أردبا من دنانير [والأردب قنطار ونصف] «١١» .
стр. 580
[ذكر الفسطاط]
١٠٠١ [ثم أمر عمرو رضه المسلمين ببناء دور يسكنونها بالفسطاط، وهي مدينة مصر اليوم] «١» وإنما سميت مصر الفسطاط لأن عمرو بن العاص لمّا أراد التوجه الى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه بمام «٢» قد فرّخ. فقال عمرو رضه: لقد تحرّم منا «٣» بمتحرم. فأمر بالفسطاط فأقرّ كما هو، وأوصى به «٤» صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الاسكندرية بعد فتحها قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، فسطاط عمرو الذي كان خلّفه. وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصى «٥» ، وهي عند دار عمرو الصغيرة.
١٠٠٢ وبنى عمرو بن العاص رضه المسجد. قال الليث بن سعد: وكان [ما] حوله حدائق وأعنابا. ونصبوا الحبال حتى استقام لهم ووضعوا أيديهم، فلم يزل عمرو قائما حتى وضعوا القبلة، هو وأصحاب (رسول الله ﷺ ) «٦» ، واتخذ فيه منبرا. قال أبو تميم الجيشاني «٧» : وكتب عمر بن الخطاب رضه اليه: أما بعد، فإنه «٨» بلغني أنك اتخذت منبرا ترقى فيه على رقاب المسلمين. أو ما بحسبك «٩» أن تقوم قائما والمسلمون تحتك؟ فعزمت عليك «١٠» لما كسرته. وكان أبو مسلم الغافقي صاحب رسول الله ﷺ يؤذّن لعمرو وكان يخدم المسجد.
стр. 581
١٠٠٣ واختطّ المسلمون بمصر، فاختطّ عمرو بن العاص داره التي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطريق، وداره الأخرى اللاصقة الى جانبها، وفيها دفن عبد الله ابنه. واختط عبد الله ابنه الدار الكبيرة التي عند المسجد الجامع وبناها قصرا على تربيع الكعبة الأولى. واختطّ حول دار عمرو والمسجد قريش والأنصار وأسلم وغفار وجهينة.
١٠٠٤ واختط وردان مولى عمرو- ويكنى بأبي عبيد- القصر المنسوب الى عمر بن مروان اليوم، اشتراه عبد العزيز بن مروان فوهبه لأخيه. واختطّ قيس بن سعد بن عبادة دار الفلفل في قبلة الجامع، وأوصى عند وفاته أنها للمسلمين ينزلها «١» ولاتهم. وسميت دار الفلفل لأن أسامة بن زيد التنوخي «٢» حين ولي مصر اختزن فيها فلفلا بعشرين ألف دينار كان الوليد بن عبد الملك أراد أن يهديه الى صاحب الروم. واختطّ مسلمة بن مخلّد دار الرمل وكانت من رحى الكعك الى حمام «٣» سوق وردان. ثمّ وهبها لمعاوية، واختطّ له معاوية داره التي بسوق وردان. وكانت بجنبها دار لعقبة بن عامر، فوهبها لرملة بنت معاوية فيها سميت دار الرّمل، حرّفته العامة، وقيل إنما سميت دار الرمل لكثرة ما ينقل اليها من الرمل لدار الضرب «٤» .
١٠٠٥ واختطّ قيس بن أبي العاص السهمي داره التي عند دار ابن رمّانة، [وكانت دار ابن رمّانة] «٥» بينها وبين المسجد ودخل بعضها الى المسجد حين زاد عبد
стр. 582
الله بن طاهر في عرضه. وكان عمرو ولّى قيسا الفضاء. واختطّ عبادة بن الصامت الى جانب دار ابن رمّانة وأنت تريد الى سوق الحمام. (واختطّ خارجة «١» بن حذافة غربي المسجد الى اصحاب الحنّاء وأصحاب السويق) «٢» . واختط عبد الرحمان بن عديس الدار البيضاء ومروان بن الحكم بناها بناءها «٣» اليوم لما ولي مصر سنة ستين. واختطّ ثقيف في ركن المسجد الشرقي الى السّرّاجين. واختط أبو ذر ومن معه من غفار من زقاق القناديل راجعا الى قصر ابن جبر الى سوق بربر.
١٠٠٦ واختطّ كعب بن يسار بن ضنّة- وهو ابن بنت خالد بن سنان العبسي التي قال لها (رسول الله) «٤» ﷺ : ابنة نبي ضيّعه قومه- الدار المعروفة بدار النّخلة في طرف زقاق القناديل، وكان يقال لزقاق القناديل زقاق الأشراف لأن عمرو بن العاص كان في طرفه وفي الطرف الآخر كعب بن يسار، وبينهما دار أبي ذرّ وزكريا بن الجهم وعبد الرحمان بن شرحبيل وغيرهم من الأشراف.
واختطّ كعب بن عدّي القيسارية، فلما «٥» أراد عمر بن عبد العزيز بناءها اشتراها منهم وخطّ لهم دارهم التي في بني وائل. والحمام الذي يعرف اليوم «٦» بحمام أبي مرة كان خطة لرجل من تنوخ. فسأله إياه عبد العزيز بن مروان فوهبها له فبناه حماما لزبّان ابنه وبزبان «٧» كان يعرف، وفيه يقول الشاعر يصف صنم رخام «٨» كان فيه على خلقة المرأة [كامل] :
من كان في نفسه للبيض منزلة ... فليأت أبيض في حمّام زبّان
لا روح فيه ولا شفر يقلّبه ... لكنه صنم في خلق إنسان
في أبيات وكسر هذا الصنم وكان عجبا من العجائب «٩» حين أمر يزيد بن عبد
стр. 583
الملك بكسر الأصنام سنة اثنتين ومائة. واختطّ الزبير بن العوّام داره التي بسوق وردان وفيها السّلّم «١» الذي كان الزبير نصبه وصعد عليه «٢» الى حصن «٣» الروم، وكان عبد الملك بن مروان قد اصطفاها «٤» فردها أبو جعفر على هشام بن عروة، وكانت لهشام منه ناحية. وقال أبو جعفر: ما مثل أبي عبد الله يؤخذ له شيء يعني الزبير.
١٠٠٧ واختطّ أبو بصرة الغفاري عند دار الزبير. واختطّ أسلم مما يلي دار أبي ذرّ ومن خططها دار الصبّاح والزقاق الذي فيه دار ابن بلادة «٥» ، ولهم أيضا من قصر ابن جبر «٦» الى الحجامين الذين بسوق بربر. واختط اللّيثيون عند أصحاب القراطيس واختطّ خلفهم بسر بن أبي أرطأة. واختطّ بنو «٧» معاد في زقاق عبد الملك بن مسلمة. واختطّ عنزة في أصل «٨» العقبة التي عند دار ابن الصامت. واختطّ بلىّ [خلف] دار خارجة بن حذافة، ثم مضوا بخطتهم من دار عمرو بن يزيد الى دار سلمة والى دار واضح الى درب «٩» الزجاج، ثم مضوا الى أصحاب الزيت، ثم مضوا يشرعون في قبلة سوق وردان حتى بلغوا مسجد القرون «١٠» ، ثم داخل الزقاق الى «١١» مسجد عوف، وهو من خطّة بلىّ، وإنما كثرت بلىّ بمصر لأنّ رجلا نادى بالشام: يا آل قضاعة (فبلغ [ذلك] عمر بن الخطاب فكتب الى عامل الشام أن يصير ثلث قضاعة الى مصر، فنظر فاذا بلى ثلث قضاعة) «١٢» فسيروا الى مصر.
стр. 584
١٠٠٨ واختطّ بنو بحر وهم من الأزد مما يلي بلى، ثم شرعوا الى البحر. واختطّ مهرة موضع دار الخيل وما والاها على «١» سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر مما يلي الخندق الى شرقي العسكر الى جنان «٢» بني مسكين اليوم، وهناك كان مسجد مهرة وأدخله طريف الخادم في دور الخيل «٣» حين بناها. واختطت لخم قبلي ثقيف وانحدروا الى مسجد عبد الله، واختطّت غافق بين مهرة ولخم، ومضوا بخطتهم حتى برزوا الى الصحراء مما يلي الموقف، ولغافق من درب السّراجين الى درب بني وردان. فما كان عن يمينك وأنت تريد المسجد الجامع في الطريق الى دور الوردانيّين من مسجد عبد الله، فهو للخم «٤» .
وما كان عن يسارك فلغافق «٥» . والموقف لابنة مسلمة بن مخلّد، فتصدقت به على المسلمين. واذا سلكت زقاق أشهب فما كان عن يمينك وأنت تريد الموقف فهو لغافق، وما كان عن يسارك فهو للأزد، ثم مضت الأزد حتى أخذت (ما شرع) «٦» في السويقة قبال «٧» دار سعيد بن عفير وزقاق السّراجين «٨» حتى انتهت الى دار حوى ودار عبد الرحمان بن هاشم «٩» . ثم اختطت مما يلي السويقة العنقاء، واذا هبطت من وادي حوى وقعت «١٠» في هذيل، فما كان عن يمينك وأنت تريد الخندق فلهذيل، وما كان عن يسارك فلدهنة «١١» من الأزد.
١٠٠٩ واختطّت الصّدف قبلي مهرة، فمضوا بخطتهم حتى لقوا حضرموت دون الصحراء ولقوا مما يلي القبلة بني سعد من تجيب «١٢» . واختطت تجيب شرقي
стр. 585
الحصن وقبلي منزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح (ومضوا بخطتهم حتى لقوا مهرة والصدف من مهبّ الشمال. واختطت خولان قبلي الحصن من مهبّ الجنوب ومضوا بخطتهم حتى لقوا بني وائل) «١» والفارسيين في السهل حتى لقوا تجيب «٢» ورعينا في الجبل ولقوا مرادا في الشرق ولقوا تجيبا من «٣» مهب الشمال. واختطت مذحج بين خولان وتجيب.
١٠١٠ فأما الجيزة فإن معظم خططها للحمراء وهم قوم من العجم والفارسيين، وكانوا دخلوا مع عمرو بن العاص، منهم بنو ينّة «٤» وبنو الأزرق وبنو روبيل، والى ابن ينّة تنسب السقيفة التي بفسطاط مصر، وانما أرادوا ان ينفردوا عن العرب ونزلها معهم قوم من همدان وذي أصبح ومنهم شمر بن أبرهة.
١٠١١ قد تقدم ذكرنا لبناء عمرو المسجد بمدينة الفسطاط، ثم مسلمة بن مخلد الأنصاري (أخذ في زيادته) «٥» ، وذلك سنة ثلاث وخمسين، وبنى المنار وكتب عليه اسمه، ثم هدم عبد العزيز بن مروان المسجد كله (في سنة سبع وسبعين) «٦» وبناه. ثم كتب الوليد بن عبد الملك الى قرّة بن شريك العبسي وهو واليه على مصر سنة بضع وتسعين، (فهدمه كله) «٧» وبناه بناءه هذا اليوم وزخرفه ونجره وذهّب رؤوس العمد التي في مجالس قيس خاصة وحوّل قرّة المنبر الي قيسارية العسل «٨» . وكان الناس يصلون فيها الصلوات ويجمّعون
стр. 586
فيها الجمع حتى «١» فرغ من بناء المسجد والقبلة في القيسارية الى اليوم.
وكان الوليد قد عزل عبد الله بن عبد الملك عن مصر وولّاها قرة (بن شريك) «٢» . وقال الشاعر (في ذلك) «٣» [خفيف] :
عجبا ما عجبت حين أتانا ... أن قد أمّرت قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنّا ... ثمّ خالفت «٤» فيه رأي أبيك
ثم زاد بعد ذلك موسى بن عيسى الهاشمي في مؤخره سنة خمس وسبعين ومائة، ثم زاد عبد الله بن طاهر بإذن المأمون له فيه سنة ثلاث عشرة ومائتين وأدخل في الزيادة «٥» دار الرمل كلها إلا ما بقي منها من دار الضرب «٦» ودار ابن رمّانة وغيرها.
١٠١٢ ثم أول مسجد بني بمصر بعد مسجد عمرو المسجد الذي في أصل حصن الروم عند باب الرّيحان بإزاء الموضع المعروف بالقالوس ويسمى مسجد القلعة «٧» . ومن مساجدها المشهورة مسجد عبد الله، وهو عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وكان أبوه ولاه مصر سنة ستّ وثمانين، وكان أهل مصر يسمونه مكيّسا، قاله الليث بن سعد. (وهو أول من نقل الدواوين الى العربية، وانما كانت بالعجمية) «٨» ، وهو أول من نهى الناس عن لبس البرانيس. ومسجد ملك «٩» وهو مسجد ينسب الى ملك «١٠» بن شرحبيل الخولاني القاضي، وكان ولي القضاء بمصر سنة ثلاث وثمانين، وكان الحجاج يبعث اليه في كل عام بحلّة وثلاثة آلاف درهم، ولم يزل على القضاء حتى مات.
стр. 587
١٠١٣ وأما قيساريات مصر فقيسارية العسل (وقيسارية الحبال) «١» وقيسارية الكباش وقيسارية عبد العزيز، وهي التي يباع فيها البزّ، وقيسارية هشام يباع فيها البزّ أيضا وهو هشام بن عبد الملك «٢» ١٠١٤ وأوّل ما بنى المسلمون بمصر من الحمامات حمام الفأر، وكانت حمامات الروم ديماسات كبارا، فلما رأوا هذا الحمام وصغره قالوا: من يدخل هذا؟ هذا حمام الفأر، فغلب عليه.
١٠١٥ وبين الفسطاط ومدينة القاهرة نحو ميلين في خراب كانت مساكن لكتامة وغيرها، وهناك اليوم ثلاثة مشاهد على الطريق من الفسطاط الى القاهرة بناها الحاكم ولها السّدنة والخدمة، وتوقد فيها السّرج الكثيرة الليل كلّه.
وزعموا أنه كان أراد نقل جثة (رسول الله) «٣» ﷺ وجثّة أبي بكر وجثّة عمر ﵄ إليها، وقد كانت توجهت له الحيلة في ذلك حتى أظهر الله أهل المدينة على أمره وقاية لرسوله ﷺ وردّا لكيد عدوّه «٤» لعنه الله.
وذلك أن الحاكم بذل الأموال لرجال من شيعته احتفروا في بعض الدور المجاورة لمسجد رسول الله ﷺ سربا تلقاء القبر، وقد رفعوا ذرع ما بين الدار والقبر، فاذا وازوا «٥» موضع القبر خرقوا في البيت غلوة «٦» وتمكنوا من إرادتهم. فأطلع الله على ذلك أهل المدينة وقد أمعنوا في الحفر وأشرفوا على ما
стр. 588
يريدون، فقتلوا أولئك الفعلة الفسقة ومثّلوا بهم ورصفوا تلك الحفرة «١» بالحجارة وأفرغوا عليها الرصاص، فلا يطمع في الوصول اليها طامع أبدا.
ذكر كور مصر
١٠١٦ الفيوم. الدير «٢» ، السرداب، عين شمس، نوبة، شطا، الكوير «٣» ، سجامك «٤» ، هيت، سطيطس «٥» ، كفرطس، السما «٦» ، الفرما، سابور صير، المحلّة، دميرة، دمقلة «٧» ، تنّيس، دمياط، منف، وسيم «٨» .
الاسكندرية، أنطابلس. دلاص، أهناس «٩» ، العمر «١٠» ، طحا أسبوط، قهقى، البهنسا «١١» . وقال: البهنسا «١٢» اثنان، هذه المذكورة وبهنسا الواحات. أنصنا، أبنود «١٣» ، قفط، أرمنت، أسوان، القلزم، الطور، أيلة، مسطل، البلندس، قرطسا «١٤» ، بوسى، الملقون، الأوضية، طرة، ميذق العليا، ميذق السفلى، قسيس «١٥» ، برلس «١٦» ، النجوم «١٧» ، صعيرة، البحيرة، سمنّود، الحوف الغربي، الحوف الشرقي، أسفل الأرض، بطن الريف، السرور «١٨» ، المغيرة، أطرابية «١٩» ، برسط «٢٠» ، الجيزة «٢١» ، المدقوق، الشراك، ترنوط، أسمير، أسيوط، الأشمون بورة. وهذا الأشمون موضع وأشمون طناح موضع آخر والأشمونان ثالث، وقال: الأشمون وهما اثنان: أشمون بن كرسلة «٢٢» وأشمون الفراص.
стр. 589
ذكر المسافات من هذه الكور والمشهور من مدنها وغرائبها
«١» ١٠١٧ منف: بين منف ودلاص تسعة «٢» فراسخ، ومدينة منف هي التي كان نزلها فرعون، اتخذ لها سبعين بابا وجعل حيطان المدينة بالحديد والصفر، وفيها كانت الأنهار تجري تحت سريره وكانت أربعة أنهار.
وحدث شيخ من آل أبي طالب (من ولد علي) «٣» قال: رأيت بمنف دار «٤» فرعون (وكنت أمشي) «٥» في مشاربه ومجالسه وغرفه وسقائفه، واذا ذلك كله حجر واحد منقور، فإن كانوا «٦» أحكموا بناءه «٧» حتى صار في الاستواء والاملاس (حجرا واحدا) «٨» لا يستبان فيه مجمع حجرين ولا ملتقى صخرتين، فهذا عجب، وان كان جبلا واحدا فنقرت الرجال فيه بالمناقير حتى خرقت فيه «٩» تلك المخاريق، فإن هذا لأعجب. وليس بمصر كلها جبل. وقال إبراهيم بن منذر الخولاني: خرجت الى منف فاذا بعثمان بن صالح جالس على باب كنيسة «١٠» ، فسلمنا عليه فقال لنا: أتدرون ما هذه الكتابة على باب هذه الكنيسة؟ قلنا: وما هي؟ قال: هي أنا فلان بن فلان يلومونني «١١» على صغر هذه الكنيسة، واني اشتريت الذراع منها بمائة دينار «١٢» . قلنا: إن لهذا قصة. قال: هاهنا وكز موسى ﵇ الرجل «١٣» فقتله.
стр. 590
١٠١٨ ودلاص مجمع سحرة «١» مصر «٢» ، وبين دلاص والفيوم (ثمانية وعشرون فرسخا) «٣» . وبين الفيوم وأهناس «٤» خمسة فراسخ، (وبين أهناس والبهنسا ستة عشر «٥» فرسخا، وبين البهنسا والعمر ثلاثة فراسخ، وبين العمر وطحا ثمانية فراسخ) «٦» ، وبين طحا والأشمونين خمسة عشر فرسخا، وبين الأشمون والقهقى ثمانية فراسخ، وبين القهقي وأخميم ثمانية فراسخ، وبين أخميم وإنسانة ثمانية فراسخ، وبين إنسانة وبورة ثمانية فراسخ، (وبين بورة وبوصير) «٧» أربعة فراسخ «٨» . وقال: هما بوصيران، بوصير الصعيد وبوصير أسفل الأرض وهي بوصير سمنّود. (وبين بوصير وأرمنت ثمانية، وبين أرمنت وأسمير ثمانية فراسخ) «٩» ، وبين أسمير وأسوان تسعة فراسخ، وبين بوصير وسمنود فرسخان، وبين سمنود وبوسى فرسخ، وبين بوسى ودميرة ثلاثة فراسخ، (وبين دميرة ودمقلة عشرة فراسخ، وبين دمقلة ودمياط ثمانية فراسخ) «١٠» ، وبينهما نوبة «١١» ودبقوا جزيرتان يصنع فيهما الدبيقي، وبين دمياط وجزيرة تنيس اثنا عشر فرسخا.
١٠١٩ والمسافات التي ذكرناها من بوصير (الى تنّيس) «١٢» هو الطريق في عمل مصر مما يلي أسفل الأرض، وطريق آخر أيضا في أسفل الأرض من الفسطاط الى ميذق العلياء ستة عشر فرسخا، (ومن ميذق العلياء الى السفلى ستة
стр. 591
فراسخ) «١» ومنها الى فيد سبعة فراسخ، ومن فيد الى السرور ستة فراسخ ومن السرور الى المغيرة ثلاثة، ومن المغيرة الى البرلس ثلاثة.
١٠٢٠ وعين شمس بناؤها كلّه «٢» من الصخر وبيوتها كلها منقورة في «٣» الصخر، كل بيت صخرة واحدة طولها عشرون ذراعا وأكثر، وقد سقف كلّ بيت بصخرة واحدة وحيطانها في الاملاس والاعتدال كالمراقي، فيها أساطين منحوتة من الصخر عليها تماثيل ونقوش، (وفي صخرة من تلك الصخور) «٤» بحيرة منقورة كالنهر الصغير كان يصبّ فيها الشراب لفرعون اذا جلس هناك. وعلى أبواب تلك القصور تمثال «٥» امرأة من صخرة يذكرون أنها كانت ماشطة بنت «٦» فرعون فمسخت حجرا. وتلقى قبل أن تصل الى هذه القصور (أزيد من) «٧» عشرين منارة فيها ما طوله مائة ذراع عليها كلها كتابة لا تفهم ولا تفكّ. وعين شمس هي كانت هيكل الشمس وفيها عجائبها وملاعبها، وفيها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما.
ليس لهما أسس وطولهما في السماء نحو خمسين ذراعا، وعلى رؤوسهما شبه طوقين من نحاس فوقهما صورة إنسان على دابة، فإذا كان آخر الليل جرى من آخر العمودين «٨» من تحت الطوق ماء فيرى موضع جريانه من العمود أخضر.
ذكر جبل المقطّم وما ورد فيه
١٠٢١ وهو متصل بجبل «٩» الزمرد، والمقطّم ما بين القصير الى مقطع الحجارة وما بعد ذلك من التخوم. وذكر بعض أهل العلم «١٠» أن المقطّم من الطور وأنه
стр. 592
داخل فيما وقع عليه القدس، (وكذلك ذكره كعب الأحبار) «١» . وقال كعب: كلّم الله موسى بالطور فالمقطّم من القدس، وروي في التوراة أن موسى ﵇ كان يناجي ربّه بالوادي الذي فيه المقطّم عند مقطع «٢» الحجارة. وكان في أعلى جبل «٣» المقطّم بناء للأوّل ويذكر «٤» أنه كان مطبخ فرعون فغيّر وبنيت فيه المساجد والناس يقصدونها «٥» ليالي الجمع ويتهجّدون فيها، ويقال إن ذلك البنيان «٦» على المقطّم كان موقدا يوقد فيه اذا ركب فرعون من منف الى عين شمس ومن عين شمس الى منف، وكان على القصير موقد آخر، فإذا رأوا النار علموا بركوبه فأعدوا له ما يريد. والله أعلم.
١٠٢٢ وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة بالمقطّم فجلسنا حوله فقال: إن عيسى ﵇ «٧» تصفّح هذا الجبل وأمه الى جانبه، فالتفت اليها وقال: يا أماه هذه مقبرة أمة محمد ﷺ «٨» ١٠٢٣ وبينا عمرو بن العاص يسير في صفح المقطّم «٩» ومعه المقوقس اذ «١٠» قال له «١١» : (ما بال جبلكم) «١٢» ؟ هذا أقرع (ليس عليه نبات) «١٣» ، ولو
стр. 593
شقّقنا «١» صفحه بنهر من النيل وغرسناه «٢» . فقال له المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارا ونبتا «٣» وفاكهة، وكان المقطّم بن مصريم «٤» بن بيصر «٥» بن حام بن نوح «٦» ينزله «٧» ، فلما كانت الليلة التي كلم الله «٨» فيها موسى ﵇ «٩» أوحى الله «١٠» الى الجبال: إني مكلّم نبيّا من أنبيائي على جبل فسمحت الجبال كلّها وتشامخت الا جبل «١١» بيت المقدس فإنه تضاءل وهبط، فأوحى الله ﵎ اليه «١٢» : لم فعلت هذا وهو أعلم؟ فقال: إعظاما لك وإجلالا يا ربّ.
قال: فأمر الله الجبال أن يحبوه كل جبل بما «١٣» عليه (من النبت) «١٤» ، فجاد له «١٥» المقطّم بما عليه حتى بقي كما ترى. فأوحى الله «١٦» إليه «١٧» : إنّي معوّضك «١٨» على فعلك بشجر الخلد «١٩» وغراس الجنّة.
وكتب بذلك عمرو بن العاص «٢٠» الى عمر بن الخطاب «٢١» ، فكتب اليه عمر: اني لا أعلم شجر الجنة غير «٢٢» المسلمين، فاجعله لهم مقبرة. وروي أن عمرا سأل رهبانهم لم تركوا «٢٣» جبل المقطّم من غير بنيان ولا غرس «٢٤» ، فأخبروه «٢٥» أنهم سمعوا مشايخهم عن أوائلهم يقولون ان هذا فحص سيغرس فيه غروس من أغراس الجنة، (فلذلك تركناه من غير عمارة) «٢٦» ، فكتب بذلك عمرو الى عمر (بن الخطّاب رضه) «٢٧» فكتب اليه عمر: إني لا أعلم شيئا) «٢٨» في الدنيا من غراس «٢٩» الجنّة الا أجساد المؤمنين «٣٠» ، فاجعل ذلك الفحص لهم مقبرة.
)
стр. 594
١٠٢٤ وروى ابن لهيعة أن كعب الأحبار أرسل في جراب من تربة المقطّم «١» ، فلما حضرته الوفاة أمر أن يفرش في لحده تحت جنبه الأيمن «٢» . وقيل إن أوّل من قبر فيها رجل من المعافر يقال له عامر، وقيل عمرت. وقد قيل إنّ أوّل من قبر فيها عمرو بن العاص، ولا يصح هذا لأن عمرا جعلها مقبرة وتوفي عمرو بعد ان ولي مصر لمعاوية ثلاث سنين، وتوفي يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين.
١٠٢٥ وليس في الدنيا مقبرة أعجب منها ولا أبهى ولا أعظم ولا أطيب منها تربة «٣» ، تربتها مثل الكافور. وقبر فيها من أصحاب رسول الله ﷺ المعلومين عمرو بن العاص وعبد الله بن حذافة السهمي وعبد الله «٤» بن الحارث «٥» الزبيدي وأبو بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني ومسلمة بن مخلد «٦» الأنصاري.
١٠٢٦ والفيوم قد تقدم ذكرها «٧» في مواضع «٨» من هذا الكتاب. وسابور صير وخليج الفيوم يصل «٩» إليها (من خليج سابور صير وهو الخليج الكبير، فاذا وصل الى نصف الطريق وجد حجرا مصنوعا وهو حجر اللهون. وفي) «١٠» أرض سابور صير نحو مائة «١١» ضيعة في بساط واحد، فاذا زاد النيل أحدق بها الماء «١٢» وصارت كل ضيعة منها «١٣» كالجزيرة وصارت مواشيهم محصورة
стр. 595
معهم. وفي سابور صير القبور القديمة التي لا يدرى «١» من أي زمان هي، فيها أموات صحاح الأجسام عليهم أكفانهم لم يتغير منظرهم «٢» ، وتجمع في هذه القبور الموميا القبورية التي لا تعدل ثمنا.
١٠٢٧ ومدينة أخميم، وهي مدينة مسوّرة في الضفة الشرقية من النيل فيها أسواق وحمامات ومساجد، وهي كثيرة المساجد، وداخل سورها البربى المذكور لم يتغير منه شيء، وفيها مسجد جامع جليل.
١٠٢٨ مدينة أسيوط «٣» ، وهي على الشاطئ الغربي من النيل، وهي مدينة مسوّرة (جميلة النصبة) «٤» كثيرة الخير والفوائد «٥» ، وفيها أيضا بربى (في وسط سوقها) «٦» قد تهدم بعضه. وأسيوط أكثر بلاد الصعيد قصب سكر وأطيبه.
١٠٢٩ مدينة أنصنا «٧» ، وأكثرها اليوم خراب، وهي كانت مدينة السحرة وكان (بها أيضا بربي لم يبق منه اليوم إلا بيت واحد كأنه من صخرة واحدة حيطانه وأعلاه «٨» ، ومارية التي أهداها المقوقس الى رسول الله ﷺ من كورة أنصنا من قرية يقال لها جفن «٩» ، ومدينة أنصنا) «١٠» لا يقربها تمساح والناس منها «١١» آمنون هناك، وأكثر ما يكون عدوانا من الشاطئ الغربي الذي يحاذي
стр. 596
أنصنا في قرية يقال لها الأشمون، لا يقدر «١» أحد أن يقرب من شاطئها «٢» ، واذا كان التمساح في حدّ أنصنا تحول على ظهره مستلقيا حتى يخرج منها، وكذلك يصنع من فسطاط مصر على نحو عشرة أميال حتى يخرج عن حدها بمثل ذلك.
١٠٣٠ ومدينة قوص «٣» ، وهي على شرقي النيل بين أسوان وأخميم وبينها وبين أسوان مسيرة ثلاثة أيام، وهي مدينة كبيرة وفيها آثار عظيمة للأوائل «٤» ، وفيها أسواق وحمامات ومعاصر للسكر يخدم الدار الواحدة منها «٥» مائة رجل، ولها ضياع جليلة، وبينها وبين أسوان غيران منحوتة في جبال «٦» هناك فيها قبور «٧» أموات تستخرج منها الموميا الطيبة، وهم يجدونها في رممهم وبين أكفانهم.
ويقال ان في تلك الصحراء التي بين قوص وأسوان الجبل الذي فيه معدن الزمرد الأخضر، إلّا أنّ الخوف من البجاة «٨» والنوبة وقبائل عرب تلك الصحارى تمنع منه، مع أنّ غيرانه بعدت وانهارت «٩» وتهدمت لبعد العمارة وانقطاع الناس.
١٠٣١ ومدينة قفط «١٠» ، وهي متوسطة المقدار بينها وبين النيل ثلاثة أميال، عليها سور ولها جامع وسوق «١١» ، وبينها وبين مدينة قوص أربعة أميال، وفيها بربى وبغربيها شعرى كثيفة، (ليس بينها وبين مدينة قوص) «١٢» شيء إلا شجر
стр. 597
السنط «١» الذي هو حطب مصر. ومن مدينة قفط الى مدينة أخميم ثلاثة أيام.
١٠٣٢ ومدينة أسوان، وهي (آخر مدن الإسلام وثغرهم «٢» من بلاد «٣» مصر، وهي متصلة ببلاد النوبة. وبين أسوان- وهي آخر بلاد الإسلام- والعريش، وهو آخر حدّ مصر، حائط العجوز قد حوّط «٤» أرض مصر كلها) «٥» . وبين مدينة أسوان ومدينة صور التي هي أول بلاد النوبة صحراء فيها أعراب يعرفون ببني حمار «٦» وبني هلال وبني كنانة وبني جهينة يؤدون أعشارهم الى صاحب مصر. وأسوان في أول الصحراء الى ساحل بحر النعم الى مدينة على ساحل البحر تسمّى عيذاب، وهي في «٧» صحراء تتجوّل فيها قبائل السودان من البجاة. ومسجد الردّ بني آخر عمل أسوان وهو رباط أسوان.
الطريق من أسوان إلى عيذاب
١٠٣٣ وعيذاب مدينة على (ضفة البحر الغربي) «٨» ، وهي مرفأ الحجاج ومن سلك الى اليمن وغيرها. ويسكنها قوم يعرفون ببني يولس «٩» ، ويقال إنهم من البجاة، ويقول آخرون إنهم من العرب وإنهم فزارة «١٠» ، قوم نفاهم «١١» أبو
стр. 598
بكر الصديق رضه. والى أسوان من عيذاب طريقان، طريق يعرف بالوضح «١» ، وهو ثماني عشرة مرحلة في قفر ورمال ليس فيها عمران، وهي رمال (قليلة الماء) «٢» متهيلة «٣» تمور مع «٤» الرياح فتعفي الآثار ولا يهتدى فيها لمسلك ولا سبيل، وإنما يقتدي «٥» فيها الجمّالون (بإبل معروفة يقدمونها) «٦» فيهتدون بها.
١٠٣٤ والطريق الآخر يعرف بطريق العلاقين، وهي ثماني عشرة مرحلة أيضا وليس فيها عمران إلا مدينة في وسط الطريق تنسب الى نهر «٧» هناك يعرف بالعلّاقين، وهي كثيرة الثمار والخير ويسكنها (أناس كثيرة) «٨» يزعمون «٩» أنهم من العرب من كلب بن وبرة، وهم على استقامة وحفظ لمن مرّ بهم.
وأكثر جبال هذه الطريق فيها معادن الذهب والفضة، ويسكن في الجبال الممتنعة منها البجاة، منهم مسلمون «١٠» يتاجرون المارة بهم ويبايعونهم. وفي هذه الصحراء من أسوان الى عيذاب الى رأس القلزم الفيلة والزرافات.
١٠٣٥ وعلى القرب من أسوان جزيرة بلاق، وهي جزيرة يحيط بها النيل وبها مدينة ومنبر وخلق من المسلمين من بلاد مصر وأسوان، وهذه الجزيرة بالموضع المعروف بالجنادل.
стр. 599
الطريق من الفسطاط الى دمياط الى جزيرة تنّيس
١٠٣٦ تسير في النيل منحدرا حتى تأتي محلّة المحروم، وهي على ساحل طنرثى، وطنرثى مدينة كبيرة فيها الحمامات والفنادق الكثيرة «١» والأسواق، وهي غير مسورة، وبينها وبين ساحل محلّة المحروم ثلاثة أميال، وهي بين خليجين من النيل وبينها وبين النيل من ناحية الشرق ميلان «٢» . وهو الخليج الذي ينزل الى دمياط (ومن عبره يأتي) «٣» مدينة مليج «٤» ، وهي مدينة كبيرة في أول منبعث هذا الخليج، ووراء مدينة مليج «٥» خليج آخر يذهب أيضا الى دمياط، وهناك مدينة تسمّى نيطائي «٦» وهي مدينة جليلة فيها أسواق كثيرة «٧» ومسجد جامع. وتسير من مدينة نطائي «٨» مع النيل الى مدينة دمسيس «٩» ، (وهي كبيرة كثيرة الخير والبساتين) «١٠» ، وهي على شاطىء النيل، وبإزائها من العدوة الثانية مدينة تسمّى شبرى دمسيس، (وهي مدينة كبيرة «١١» كثيرة الخير والبساتين. وعلى مقربة منها مدينة فجنجين واسعة ذات أسواق، ويخرج عندها خليج من النيل يجري الى بحيرة تنيس) «١٢» ، ويسمّى أول مدخل الى هذه البحيرة الديجور، وهي كالبحر عظما. ومن مليج المذكورة الى مدينة صهرجت نصف يوم. وعلى مقربة من صهرجت مدينة بلبيس، مدينة جليلة بين الشرق والشمال من مصر وبينها وبين مصر بحيرة الأسرا «١٣» ، ويخرج اليها الماء من خليج يقرب مدينة رشيد من الضفة الشرقية، وهي بحيرة ملحة، وفيها مدينة سنجار، وبهذه المدينة أكثر السفن التي تجري الى مصر في النيل بالأطعمة كل عام.
стр. 600
١٠٣٧ (وبين هذه البحيرة وبحيرة أخرى) «١» جسر يتصل «٢» بالبحر الكبير، وهو جسر من بنيان الأول متقن الصناعة محكم التدبير، وفي هذا الجسر حفائر وكوى مصنوعة يأوي اليها الحوت، واذا أرادوا صيده فتحوا أسدادا «٣» هناك بين البحرين فيدخل الماء من البحيرة التي تلي البحر الكبير الى هذه البحيرة الثانية، فإذا أحسّ الحوت بدخول الماء تواثب من تلك الكوى فتساقط «٤» على الجسر، فيأخذون منه ما شاؤوا بلا كلفة ويبيعونه بالأمول الكثيرة من أصحاب الدواب بعد إخراجه الى البر الكبير، فيحمل الى مصر على رتب.
١٠٣٨ وينحدر الخليج الذي يدخل «٥» من طنرثى الى مدينة تسمّى الملحة، وهي مدينة جليلة لها مسجد جامع وأسواق وحمامات، وهي قاعدة العمال من مصر. ويسير منها الى مدينة تسمى دميرة، وهي قاعدة كبيرة ومجمع للناس ولها أسواق عظيمة ومنها يسير الى دمياط. وخليجها على القرب منها (يفترق فرقتين) «٦» ، فتأخذ شعبة منه على شرقيها وشعبة على غربيها، ثم تلتقيان في البحيرة، فتصير الى المدينة في جزيرة، وهي مدينة مسورة لها خمسة أبواب وفيها مساجد كبار ولها حصون تسمى بالمحاريس يسكنها الفقراء «٧» والصالحون. وبقربها «٨» موضع يعرف بالصحراء فيه يقصر القصارون «٩» تلك الثياب الشروب، وهي تكتفي عند اعتدال هوائهم وموافقته لهم بقصارة اليوم الواحد فتبيض.
следующие страницы →