Полный текст (893 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
أنصنا في قرية يقال لها الأشمون، لا يقدر «١» أحد أن يقرب من شاطئها «٢» ، واذا كان التمساح في حدّ أنصنا تحول على ظهره مستلقيا حتى يخرج منها، وكذلك يصنع من فسطاط مصر على نحو عشرة أميال حتى يخرج عن حدها بمثل ذلك.
١٠٣٠ ومدينة قوص «٣» ، وهي على شرقي النيل بين أسوان وأخميم وبينها وبين أسوان مسيرة ثلاثة أيام، وهي مدينة كبيرة وفيها آثار عظيمة للأوائل «٤» ، وفيها أسواق وحمامات ومعاصر للسكر يخدم الدار الواحدة منها «٥» مائة رجل، ولها ضياع جليلة، وبينها وبين أسوان غيران منحوتة في جبال «٦» هناك فيها قبور «٧» أموات تستخرج منها الموميا الطيبة، وهم يجدونها في رممهم وبين أكفانهم.
ويقال ان في تلك الصحراء التي بين قوص وأسوان الجبل الذي فيه معدن الزمرد الأخضر، إلّا أنّ الخوف من البجاة «٨» والنوبة وقبائل عرب تلك الصحارى تمنع منه، مع أنّ غيرانه بعدت وانهارت «٩» وتهدمت لبعد العمارة وانقطاع الناس.
١٠٣١ ومدينة قفط «١٠» ، وهي متوسطة المقدار بينها وبين النيل ثلاثة أميال، عليها سور ولها جامع وسوق «١١» ، وبينها وبين مدينة قوص أربعة أميال، وفيها بربى وبغربيها شعرى كثيفة، (ليس بينها وبين مدينة قوص) «١٢» شيء إلا شجر
стр. 597
السنط «١» الذي هو حطب مصر. ومن مدينة قفط الى مدينة أخميم ثلاثة أيام.
١٠٣٢ ومدينة أسوان، وهي (آخر مدن الإسلام وثغرهم «٢» من بلاد «٣» مصر، وهي متصلة ببلاد النوبة. وبين أسوان- وهي آخر بلاد الإسلام- والعريش، وهو آخر حدّ مصر، حائط العجوز قد حوّط «٤» أرض مصر كلها) «٥» . وبين مدينة أسوان ومدينة صور التي هي أول بلاد النوبة صحراء فيها أعراب يعرفون ببني حمار «٦» وبني هلال وبني كنانة وبني جهينة يؤدون أعشارهم الى صاحب مصر. وأسوان في أول الصحراء الى ساحل بحر النعم الى مدينة على ساحل البحر تسمّى عيذاب، وهي في «٧» صحراء تتجوّل فيها قبائل السودان من البجاة. ومسجد الردّ بني آخر عمل أسوان وهو رباط أسوان.
الطريق من أسوان إلى عيذاب
١٠٣٣ وعيذاب مدينة على (ضفة البحر الغربي) «٨» ، وهي مرفأ الحجاج ومن سلك الى اليمن وغيرها. ويسكنها قوم يعرفون ببني يولس «٩» ، ويقال إنهم من البجاة، ويقول آخرون إنهم من العرب وإنهم فزارة «١٠» ، قوم نفاهم «١١» أبو
стр. 598
بكر الصديق رضه. والى أسوان من عيذاب طريقان، طريق يعرف بالوضح «١» ، وهو ثماني عشرة مرحلة في قفر ورمال ليس فيها عمران، وهي رمال (قليلة الماء) «٢» متهيلة «٣» تمور مع «٤» الرياح فتعفي الآثار ولا يهتدى فيها لمسلك ولا سبيل، وإنما يقتدي «٥» فيها الجمّالون (بإبل معروفة يقدمونها) «٦» فيهتدون بها.
١٠٣٤ والطريق الآخر يعرف بطريق العلاقين، وهي ثماني عشرة مرحلة أيضا وليس فيها عمران إلا مدينة في وسط الطريق تنسب الى نهر «٧» هناك يعرف بالعلّاقين، وهي كثيرة الثمار والخير ويسكنها (أناس كثيرة) «٨» يزعمون «٩» أنهم من العرب من كلب بن وبرة، وهم على استقامة وحفظ لمن مرّ بهم.
وأكثر جبال هذه الطريق فيها معادن الذهب والفضة، ويسكن في الجبال الممتنعة منها البجاة، منهم مسلمون «١٠» يتاجرون المارة بهم ويبايعونهم. وفي هذه الصحراء من أسوان الى عيذاب الى رأس القلزم الفيلة والزرافات.
١٠٣٥ وعلى القرب من أسوان جزيرة بلاق، وهي جزيرة يحيط بها النيل وبها مدينة ومنبر وخلق من المسلمين من بلاد مصر وأسوان، وهذه الجزيرة بالموضع المعروف بالجنادل.
стр. 599
الطريق من الفسطاط الى دمياط الى جزيرة تنّيس
١٠٣٦ تسير في النيل منحدرا حتى تأتي محلّة المحروم، وهي على ساحل طنرثى، وطنرثى مدينة كبيرة فيها الحمامات والفنادق الكثيرة «١» والأسواق، وهي غير مسورة، وبينها وبين ساحل محلّة المحروم ثلاثة أميال، وهي بين خليجين من النيل وبينها وبين النيل من ناحية الشرق ميلان «٢» . وهو الخليج الذي ينزل الى دمياط (ومن عبره يأتي) «٣» مدينة مليج «٤» ، وهي مدينة كبيرة في أول منبعث هذا الخليج، ووراء مدينة مليج «٥» خليج آخر يذهب أيضا الى دمياط، وهناك مدينة تسمّى نيطائي «٦» وهي مدينة جليلة فيها أسواق كثيرة «٧» ومسجد جامع. وتسير من مدينة نطائي «٨» مع النيل الى مدينة دمسيس «٩» ، (وهي كبيرة كثيرة الخير والبساتين) «١٠» ، وهي على شاطىء النيل، وبإزائها من العدوة الثانية مدينة تسمّى شبرى دمسيس، (وهي مدينة كبيرة «١١» كثيرة الخير والبساتين. وعلى مقربة منها مدينة فجنجين واسعة ذات أسواق، ويخرج عندها خليج من النيل يجري الى بحيرة تنيس) «١٢» ، ويسمّى أول مدخل الى هذه البحيرة الديجور، وهي كالبحر عظما. ومن مليج المذكورة الى مدينة صهرجت نصف يوم. وعلى مقربة من صهرجت مدينة بلبيس، مدينة جليلة بين الشرق والشمال من مصر وبينها وبين مصر بحيرة الأسرا «١٣» ، ويخرج اليها الماء من خليج يقرب مدينة رشيد من الضفة الشرقية، وهي بحيرة ملحة، وفيها مدينة سنجار، وبهذه المدينة أكثر السفن التي تجري الى مصر في النيل بالأطعمة كل عام.
стр. 600
١٠٣٧ (وبين هذه البحيرة وبحيرة أخرى) «١» جسر يتصل «٢» بالبحر الكبير، وهو جسر من بنيان الأول متقن الصناعة محكم التدبير، وفي هذا الجسر حفائر وكوى مصنوعة يأوي اليها الحوت، واذا أرادوا صيده فتحوا أسدادا «٣» هناك بين البحرين فيدخل الماء من البحيرة التي تلي البحر الكبير الى هذه البحيرة الثانية، فإذا أحسّ الحوت بدخول الماء تواثب من تلك الكوى فتساقط «٤» على الجسر، فيأخذون منه ما شاؤوا بلا كلفة ويبيعونه بالأمول الكثيرة من أصحاب الدواب بعد إخراجه الى البر الكبير، فيحمل الى مصر على رتب.
١٠٣٨ وينحدر الخليج الذي يدخل «٥» من طنرثى الى مدينة تسمّى الملحة، وهي مدينة جليلة لها مسجد جامع وأسواق وحمامات، وهي قاعدة العمال من مصر. ويسير منها الى مدينة تسمى دميرة، وهي قاعدة كبيرة ومجمع للناس ولها أسواق عظيمة ومنها يسير الى دمياط. وخليجها على القرب منها (يفترق فرقتين) «٦» ، فتأخذ شعبة منه على شرقيها وشعبة على غربيها، ثم تلتقيان في البحيرة، فتصير الى المدينة في جزيرة، وهي مدينة مسورة لها خمسة أبواب وفيها مساجد كبار ولها حصون تسمى بالمحاريس يسكنها الفقراء «٧» والصالحون. وبقربها «٨» موضع يعرف بالصحراء فيه يقصر القصارون «٩» تلك الثياب الشروب، وهي تكتفي عند اعتدال هوائهم وموافقته لهم بقصارة اليوم الواحد فتبيض.
стр. 601
١٠٣٩ وهذه البحيرة يسلكها الملّاحون ذاهبين الى تنّيس من دمياط وراجعين من تنّيس اليها بريح واحدة بحكمة في سفنهم وشراعها «١» تزاحم به الريح.
وجزيرة تنّيس في وسط هذه البحيرة، وهي بحيرة تعذب عند زيادة النيل فتبقى ستة أشهر حلوة ثم تملح ستة أشهر أخرى. وقال قوم إنها تعذب (إذا هبّت) «٢» الجنوب فيطرقون لها عند ذلك الى مصانع قد اتخذوها، فاذا هبّت الشمال ملحت.
١٠٤٠ ومدينة تنّيس كبيرة لها مسجد جامع وأسواق، وأهلها ذوو يسار وثروة وأكثرهم حاكة وثيابها الشروب لا يصنع مثلها في الدنيا، فصنع بها لصاحب مصر قميص لم يدخل فيه من الغزل لحما «٣» سوى أوقيتان ونسج فيه من الذهب أربعمائة دينار، وقد أحكمه الصانع حتى لم يخرج فيه «٤» الى تفصيل ولا خياطة غير الجيب «٥» ، فبلغت القيمة فيه ألف دينار. وليس في الدنيا طراز كتّان «٦» يبلغ الثوب منه، وهو ساذج دون ذهب مائة دينار عينا غير طراز تنّيس ودمياط.
١٠٤١ وبجزيرة تنّيس أزيد من عشرة آلاف من النصارى ولهم على شاطىء البحر كنائس كثيرة. وقبور المسلمين في جزيرة تنّيس بأفنية دورهم لضيق
стр. 602
مساكنهم، وهم يصيدون (الطير من) «١» السّمانى وغيرها على أبواب دورهم بشباك يمدونها على سككهم. وقد ذكرنا في أخبار مصر خبر الأكوام التي بتنّيس وأن تنّيس كانت جزيرة عظيمة وكانت كثيرة الجنّات «٢» والمتنزهات والقصور فغلب الماء على أكثرها. وقد (زعم قوم) «٣» أنها كانت مقسومة بين ملكين من ولد ابرويت «٤» بن مصريم «٥» وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا.،
فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر حتى باع من أخيه الكافر حصّته من تنّيس، فزاد فيها غروسا «٦» فجرّ فيها أنهارا وبنى مصانع، واحتاج أخوه الى ما في يده، فمنعه وسطا «٧» بماله وحشمه عليه وحقره لفقره. فقال له أخوه: فما أراك شاكرا لله تعالى «٨» على ما رزقك ويوشك أن ينتزع ذلك منك ويغير نعمته عندك «٩» . فأرسل الله على جناته ومصانعه الماء فأصبحت خاوية على عروشها. فهما اللذان عنى الله تعالى بقوله في سورة الكهف «١٠» . فتركب السفن من جزيرة تنّيس الى الفرما، وهي مدينة جليلة كثيرة الخير وهي في الساحل. ويذكر أن هاجر أمّ إسماعيل من قرية من قراها تسمّى أمّ العرب وهي على مقربة منها.
١٠٤٢ والفرما قديمة البناء، ويذكر أهل مصر أنّه كان منها طريق الى جزيرة قبرس في البرّ فغلب عليه البحر، وكان فيما غلب عليه البحر مقطع الرخام المجزّع الأبيض. وقال يحيى بن عثمان: أرابط «١١» بالفرما وبينها وبين البحر قريب من يوم يخرج المرابطون الى ساحله فيقيمون «١٢» عليه، ثم غلب البحر على ذلك كله. فالفرما اليوم على البحر، فصار ما بين الفرما والقلزم هو الحاجز الذي ذكره الله تعالى (في كتابه فقال) «١٣» : وجعل بين البحرين حاجزا «١٤» ، وهما
стр. 603
بحر الروم وبحر «١» الصين، ولا يتقاربان في بقعة من الأرض تقاربهما في هذا الموضع، فإن الذي ما بين الفرما والقلزم مسيرة ليلة واحدة وبينهما في غير هذا الموضع مسيرة شهور «٢» .
١٠٤٣ ووجّه ابن المدبر الى الفرما، وكان بتنّيس في هدم أبواب لها من حجارة في شرقي الحصن، فاحتاج أن «٣» يعمل منها كلسا، فمنع «٤» من ذلك أهل الفرما فخرجوا «٥» الى رسله في السلاح وقالوا: هذه من الابواب التي قال الله فيها على لسان يعقوب ﵇ «٦» : لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة «٧» .
١٠٤٤ ومن عجائب الدنيا نخل الفرما، فإنه يثمر حين ينقطع البسر والرطب من تلك البلاد «٨» ، ويبتدئ هذا بالأرطاب حين «٩» تلد النخل في الكوانين فلا ينقطع أربعة أشهر، ولا يوجد هذا في بلد من البلاد سوى الفرما، ويكون منه ما وزن البسرة عشرون درهما وطولها فتر.
стр. 604
الطريق من الفسطاط الى الإسكندرية
١٠٤٥ تخرج من الفسطاط فتعبر النيل (الى الجزيرة) «١» الى الجيزة، وهي الضفة الغربية من النيل، وبقرب الفسطاط على رأس ميل منها قرية (يقال لها) «٢» وسيم. وعن بكر بن سوادة «٣» عن أبي عطية «٤» عن عبيد بن رفيع «٥» قال:
قال لي عمر بن الخطاب رضه: يا مصري أين وسيم (من قراكم؟) «٦» قال: فقلت: على رأس ميل يا أمير المؤمنين، قال: ليأتينكم أهل الأندلس حتى يقاتلوكم بها. فلما قام الوليد بن عابرة الأندلسي ببرقة وحشد الناس وغزا مصر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة نزل يحاصر مصر من قرية «٧» وسيم، وهي على ثلاثة فراسخ من مصر. ثم تسير من الجيزة الى ذات الكرم الى ترنوط ويحدو الجمالون، فيقولون: من ترنوط الى ذات الساحل مرحلة أعيت على المراحل. وتسير من ترنوط الى تروجى «٨» - قال الحكيم تورح- ثم الى مدينة الاسكندرية.
١٠٤٦ وطريق أخرى تركب السفن من الفسطاط الى محلّة المحروم ثم الى مدينة رشيد، وهي مدينة على كثيب رمل «٩» عظيم «١٠» متهيل، اذا هبت الريح الغربية وهي تشتد عندهم ملأت عليهم منه «١١» بيوتهم ولا يقدرون على التصرف في أسواقهم. ومن أعجب متنزهات الدنيا ضفتا النيل من مصر الى مدينة رشيد ولا غلة لثمار الأرض كغلات هذه الناحية. أخبرني غير واحد أن ضيعة كانت لرجل بقرية «١٢» منها (تعرف بذيبة) «١٣» ، وهو رجل من أهل
стр. 605
مصر يعرف بابن داود، يغلّ رمانها وموزها في العام خمسة عشر الف مثقال، وأشجار رمانهم تطعم من سنتها وتزداد نماء وفائدة الى العام الرابع، ثم تذوي وتيبس، وهناك كانت ضيعة الليث بن سعد ﵀.
١٠٤٧ قال قتيبة بن سعيد: سمعت «١» الليث بن سعد يقول: يدخل علّي (في كلّ سنة) «٢» خمسون ألف دينار «٣» (ما وجبت عليّ زكاة قطّ) «٤» . وكان أجود الناس لا يبقي شيئا يزكّيه. وتسير من مدينة رشيد إلى مصبّ النيل في البحر، وهو موضع مخوف على السفن لأنّ أمواج البحر تعظم «٥» هناك مع قوّة جريان النيل، فيثير ذلك أكوام رمال تحت الماء، فربّما حمل شدّة «٦» جريان الماء «٧» السفن إلى تلك الرمال فهلكت، ثمّ تسير السفن من هذا الموضع في البحر مسيرة يوم أو أقلّ إلى الإسكندرية.
١٠٤٨ (فأمّا الطريق من مدينة رشيد إلى الإسكندرية) «٨» على البرّ «٩» تسير منها نحو ثلاثة أميال إلى الغرب في رمال، ثمّ تفضي إلى فوهة بحيرة قد دخلت في البرّ أميالا كثيرة فتخوض الدوابّ الماء حتّى تقطع «١٠» تلك البحيرة نحو نصف ميل بعلامات «١١» قد وضعت في البحيرة، فإذا حادت دابّة «١٢» عن تلك العلامات سقطت في بحر بعيد القعر فهلكت وهلك ما عليها من المتاع أو فسد إلّا إن تدورك وخلص. ويسمّى ذلك الموضع الأشتوم. فإذا عبروا تلك
стр. 606
البحيرة صاروا إلى «١» أجم وغياض وهضاب رمال فساروا فيها نحو عشرة أميال. ويستعمل «٢» الصيّادون في هذا الموضع من الطير غلات جزلة من لحمها وريشها «٣» ، والطير تخرج من البحر إلى مصايدهم. ثمّ تسير بعد ذلك نحو خمسة أميال إلى باب مدينة الإسكندرية، وبقرب هذا الباب من خارج سورها صور أصنام. فإذا دخلت الباب فهناك قبّة خضراء على ستّة عشر عمودا من الرخام، ويسرة هذه القبّة بساتين كثيرة فيها جميع الفواكه وأكثرها الجمّيز «٤» ، ويمنة من هذه القبّة المدينة والبحر. ومن تروجى إلى مدينة الإسكندرية خمسة وعشرون ميلا.
ذكر مدينة الإسكندرية
١٠٤٩ وذكر أنّ اسمها رقودة ولها خمس عشرة كورة. قال عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم: كانت الإسكندرية ثلاث مدن بعضها إلى جنب بعض:
منّة وهي موضع المنارة وما والاها، والإسكندرية وهي «٥» موضع قصبة السلطان اليوم، ونقيطة «٦» . وكان «٧» على كلّ واحدة منها سور. وقال عبد الله بن طريف الهمداني: كان على الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق. وقال إنّ الإسكندر لمّا استقام ملكه في بلاده «٨» سار يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء، فأتى موضع الإسكندرية فأصاب أثر بنيان «٩» وعمد رخام منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند- وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد- أنا شدّاد بن عاد شددت «١٠» بساعدي الواد وقطعت عظيم العماد من الجبال الأطواد وبنيت إرم ذات العماد الّتي لم يخلق مثلها في
стр. 607
البلاد، أردت أن أبني هاهنا كإرم وأنقل إليها كلّ ذي قدم من جميع العشائر والأمم، وذلك أن لا خوف ولا هرم ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما «١» أعجلني وعمّا ذهبت إليه قطعني، حال طال مع وقوعها همّي وشجني، وقلّ أعجلني وعمّا ذهبت إليه قطعني، حال طال مع وقوعها همّي وشجني، وقلّ نومي ووسني، فارتحلت عن هذه الدار لا لقهر جبّار ولا خوف جيش جرّار، ولكن لتمام المقدار وانقطاع الآثار وسلطان العزيز الجبّار. فمن رأى أثري وعرف خبري وطول عمري ونفاذ «٢» بصري (وشدّة حذري) «٣» فلا يغترّ بالدنيا بعدي. وقال ابن لهيعة: بلغني أنّه وجد حجر «٤» بالإسكندرية مكتوب فيه «٥» : أنا شدّاد بن عاد وأنا الّذي نصب العماد (وجيّد الأجياد) «٦» وسدّ بذراعه الواد، بنيتهنّ «٧» إذ لا موت ولا ميت، وإذا الحجارة في اللّين مثل «٨» الطين. ثمّ قال ابن لهيعة: الأجياد المعادن «٩» .
١٠٥٠ فبعث الإسكندر إلى البلاد فحشر «١٠» الصّنّاع واختطّ الأساس وجعل طولها وعرضها أميالا واستجلب العمد والرخام وأنواع المرمر والأحجار في البحر من جزيرة صقلّية وبلاد إفريقية وإقريطش، ووضع على كلّ قطعة من الأرض خشبة قائمة ووصل بها حبالا منوطة بعضها ببعض يرجع جميعها إلى عمود رخام كان أمام مضربه، وعلّق «١١» على العمود جرسا عظيما مصوتا وعلّق على كلّ قطعة من الحبال جرسا «١٢» صغيرا، فإذا حرّك حبل الجرس الكبير الّذي عند العمود خفق الجرس وتحرّكت سائر الحبال وخفقت الأجراس «١٣» بحركات فلسفية وحيل حكمية. وأمر الصّنّاع أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة إذا أذنتهم تلك الأجراس.
стр. 608
١٠٥١ فأخذت الإسكندر نعسة في حال ارتقابه للوقت «١» المحمود الطالع «٢» ، فوقع غراب على حبل الجرس الكبير فحرّكه فتحرّكت الأجراس، فوضع الأساس (وارتفع الضجيج) «٣» بالتحميد والتقديس، فاستيقظ الإسكندر من رقدته وسأل عن الخبر، فأعلم (بصحّة ذلك) «٤» ، فعجب (من ذلك) «٥» وقال: أردت أمرا وأراد الله غيره «٦» ويأبى الله إلّا ما يريد، أردت طول بقائها وأراد الله سرعة فنائها. فلمّا شيّدت أمر أن يكتب على بابها: هذه الإسكندرية، أردت أن أبنيها على الفلاح والنّجاح واليمن والسّرور والثبات على الدهور، فلم يرد الله تعالى ذلك «٧» ، فبنيتها على ما أراد وأحكمت بنيانها «٨» وشيّدت سورها، وآتاني الله من كلّ شيء علما وحكما «٩» وسهّل عليّ وجوه الأسباب فلم يتعذّر «١٠» عليّ في العالم شيء ممّا أردتّه صنعا من الله تعالى لي وصلاحا لعباده من أهل عصري «١١» ، والحمد لله ربّ العالمين. ورسم (بعد هذا) «١٢» كلّ ما يحدث فيها بعده «١٣» في مستقبل الأزمان من الخراب والعمران.
١٠٥٢ وبنى سورها آزاجا وطبقات قد عمل لها «١٤» مخاريق ومتنفّسات للضياء يسير فيه «١٥» الفارس بفرسه «١٦» وبيده رمح لا يضيق به حتّى يدور جميع تلك الآزاج. وكذلك أسواقها وشوارعها وسككها مقنطرة كلّها لا يصيب أهلها شيء من المطر. وكانت الإسكندرية تضيء في الليل بغير مصباح لشدّة بياض
стр. 609
الرخام «١» ، (وربّما علّق فيها شقاق الحرير الأخضر) «٢» لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس. وقد كان لها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها بينها خنادق بين كلّ خندق وسور فصيل.
١٠٥٣ وكان سكّان البحر (على ما زعموا) «٣» يؤذون بالليل ويختطفون، فاتّخذ الإسكندر على أعمدة «٤» هناك تدعى المسالّ الطلسمات وهي باقية إلى هذه الغاية، كلّ عمود منها على هيئة السروة «٥» طولها ثمانون ذراعا على عمد من نحاس، وجعل تحتها صورا وأشكالا (وكتابة تدفع) «٦» وتمنع. وقد ذكر أيضا في غير هذه القصّة وفي غير هذا الكتاب ما كان من دخوله البحر في التابوت ورؤيته أشخاص تلك الدوابّ المضرّة للبناء وغير ذلك. فلمّا صنع أمثالها وجعلها على الأسوار خرجت من النيل تلك الصور على حالها وظنّت أنّ ذلك يصنع بها إذا خرجت وامتنعت عن الخروج. والله أعلم (بكيفية ذلك كلّه) «٧» .
стр. 610
[ذكر منارة الإسكندرية]
١٠٥٤ فأمّا المنارة فذهب كثير (من الناس) «١» أنّ الإسكندر بناها على حسب ما ذكرنا «٢» في المدينة، ومنهم من رأى أنّ دلوكة الملكة بنتها، وقال بعضهم إنّ العاشر من فراعنة مصر بناها، وقيل إنّ الّذي (بناها هو الّذي بنى مدينة رومة) «٣» . وبنى الإسكندرية والأهرام بمصر، وإنّما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر «٤» (لشدّة استيلائه) «٥» على ممالك العالم «٦» . وإنّ الإسكندر لم يطرقه (في البحر عدوّ ولا هاب) «٧» ملكا يرد «٨» إليه فيكون يجعل «٩» مرقبا.
١٠٥٥ وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: كان أوّل من «١٠» ملك الإسكندرية فرعون اتّخذها مصانع ومجالس، وهو أوّل من عمّرها، ثمّ تداولها «١١» الملوك (بعد فرعون) «١٢» (فبنت دلوكة بنت زبّان «١٣» منارها، ثمّ تداولها «١٤» الملوك) «١٥» . فلمّا كان سليمان ﷺ «١٦» اتّخذها مجلسا وبنى فيها مسجدا.
ثمّ إنّ ذا القرنين هدم ما كان (فيها من بناء الملوك) «١٧» إلّا بناء سليمان، فإنّه أصلح ما كان رثّ فيه وأقرّ المنارة على حالها وبنى الإسكندرية من أوّلها (هذا البناء) «١٨» . ثمّ تداولها ملوك الروم وغيرهم، فكلّ ملك أبقى فيها أثرا.
стр. 611
فيقال إنّ فيلبس «١» «٣» بن الإسكندر المقدوني المعروف بالبنّاء هو الّذي بنى الإسكندرية، (وهو الّذي كان معلّمه أرسطاطاليس) «٢» «٤» ، وبين بناء الإسكندرية وبين الهجرة (تسعمائة سنة وخمس وأربعون سنة واحد وأربعون يوما) «٥» .
١٠٥٦ وقد ذكرنا في أخبار ملوك مصر أنّ أوّل من بناها (جيرون بأمر حوريا على ما سقناه من أمرها، ومنهم من رأى أنّ أوّل من بناها) «٦» قلوبطرة «٧» ، وهي الّتي ساقت خليجها حتّى أدخلته الإسكندرية «٨» وهي الّتي بلطت قاعته.
وإنّ الّذي بنى المنارة جعلها على كرسي من زجاج (على هيئة) «٩» السّرطان في جوف البحر على طرف اللسان «١٠» الّذي هو داخل في البحر من البرّ، وجعل طولها في الهواء ألف ذراع، وجعل فيها المرآة وتماثيل النحاس «١١» ، (فمنها تمثال) «١٢» قد أشار بسبّابة يده «١٣» اليمنى نحو الشمس حيثما كانت من مغرب أو مشرق أو أفق، وتمثال يشير بيده (إلى البحر) «١٤» إذا صار (العدوّ فيه) «١٥» على نحو ليلة، فإذا دنا وأمكن أن يرى بالبصر سمع له صوت هائل على ميلين أو ثلاثة، وتمثال كلّما مضى من الليل «١٦» والنهار ساعة سمع له صوت مطرب «١٧» بخلاف الصوت الّذي كان منه في الساعة قبل.
стр. 612
١٠٥٧ وهذه المنارة من دخلها تلف «١» فيها إلّا أن يكون عالما بها لكثرة بيوتها وحجراتها وطبقاتها «٢» . وذكر أنّ المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولم المنارة فتلفوا «٣» فيها، وفيها طرق تؤول إلى مهاو إلى سرطان الزجاج «٤» ومخاريق إلى البحر، فتهوّروا «٥» بدوابّهم وفقد منهم عدد كبير.
١٠٥٨ وفيها مسجد في هذا الوقت يرابط فيه المطوّعة. وكان حول المنارة مغاوص «٦» تستخرج منها أنواع جوهر يتّخذ منه فصوص الخواتم منها الاسباذجشم والكركهن والباقلمون «٧» ، وهذا الباقلمون «٨» ، حجر يتلوّن في المنظر ألوانا مختلفة كتلّون ريش الطاووس «٩» الهندية، فإنّها تتلوّن ألوانا لا تحصى ولا تشبه بلون «١٠» من الألوان لما يترادف من تموّج الألوان في ريشها.
ولتلك الطواويس شأن عجيب وخلق عظيم، وما خرج منها من أرض الهند صغر جسمه وكدر لونه كما يفعل ما نقل منها «١١» من النارنج والأترجّ «١٢» ، فإنّها تصغر وتعدم تلك الأرواح «١٣» العطرية لعدم ذلك الهواء والتربة. فمن الناس من رأى أنّ الإسكندر غرق هذه الأنواع من الجواهر حول المنارة لكي لا تخلو من الناس لأنّ من شأن الجواهر أن تكون مطلوبة على الأعصار «١٤» .
وقيل إنّها كانت آلات شراب الإسكندر، فلمّا مات كسرتها أمّة ورمت بها في تلك المواضع.
стр. 613
١٠٥٩ وقد كان ملك الروم في خلافة الوليد (بن عبد الملك) «١» أنفذ خادما من خواصّ خدمه ذا دهاء ورأي ووطأة على ما يذكره. فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور فحمل إلى الوليد «٢» ، فأعلمه أنّه كان من خواصّ الملك وأنّه أراد قتله لموجدة لم يكن لها أصل، وأنّه رغب في الإسلام فأسلم. وأظهر له النصح للوليد في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام (بكتب كانت له) «٣» . فلمّا صارت إلى الوليد «٤» تلك الأموال والجواهر شرهت نفسه واستمكن طمعه وباحث عمّا عنده من علم هذا، فقال «٥» : إنّ الإسكندر لمّا استولى على الأموال والجواهر التي كانت لشدّاد بن عاد وملوك العرب وغيرهم بنى لها الآزاج والسّراديب والأقباء وأودعها تلك الذخائر من الأموال والجواهر، ثمّ بنى «٦» فوق تلك المنارة. فبعث معه الوليد بأناس «٧» من خواصّه وثقاته، فهدم نصف المنارة وأزيلت المرآة. فضجّ الناس من أهل الإسكندرية وغيرها وعلموا أنّها مكيدة وحيلة. فلمّا استفاض ذلك هرب «٨» في الليل في مركب قد كان أعدّ له، فبقيت المنارة على ما ذكرنا «٩» إلى هذا الوقت «١٠» .
صفة المنار اليوم وارتفاعه
١٠٦٠ [وأمّا المنار اليوم فهو ثلاثة أحزم، الأوّل مربّع البناء قد عمل أحسن عمل] «١١» من الحجارة المربّعة التي قد أخفي إلصاقها حتّى صارت كالحجر
стр. 614
الواحد لم يغيّر الزمان من ذلك شيئا، وارتفاع هذا المربّع ثلاثمائة ذراع وعشرون ذراعا بالذراع المعروفة. ثمّ ترك في أعلاه غلظ حائط «١» البناء وهو ثمانية أشبار ونحو عشر أذرع سوى ذلك الغلظ، ورفع على ما بقي من البناء «٢» بناء مثمّن الشكل «٣» طوله ثمانون ذراعا، ثمّ بني على هذا البناء المثمّن بعد أن ترك (غلظ حائطه) «٤» وهو أقلّ من غلظ الأسفل وثماني أذرع سوى ذلك الغلظ عليه بناء مربّع ارتفاعه خمسون ذراعا أو نحو هذا.
١٠٦١ وفي أعلى ذلك مسجد محكم البناء [ينسب لسليمان] «٥» ، وفي الناحية الشمالية من البناء المثمّن كتابة بالنحاس لم يفكّها أحد. وباب المنار من حديد [لا يعلم له عهد] يرقى إليه [من أسفل المنار] في علو ويصعد من أسفلها إلى (أعل بنائها الأوّل) «٦» [في طريق يمشي فيه] فارسان متواكبان في أرض سهلة، لا يكاد يعلم الراقي فيه هل (هو راق أو ماش) «٧» (في سواء من الأرض) «٨» . وفي كلّ عطف من هذا المصعد باب دار داخلها بيوت مربّعة سعة كلّ بيت من عشرين ذراعا إلى عشر أذرع، قد فتح لها مضاو «٩» متنفّسات للهواء [ولئلّا تهدّمها الرياح] . وعدد ما فيها من البيوت (ثلاثمائة وستّة وستّون بيتا) «١٠» ، وعطف مطالعها من أسفلها إلى أعلاها اثنان وسبعون عطفا، في كلّ عطف اثنتا عشرة درجة، وبيوتها كلّها آزاج معقودة، (وبناء المنار كلّه معقود) «١١» بخشب الساج، وعدد أبوابها الظاهرة من خارجها اثنان وعشرون بابا فتحت فيها لئلّا تهدمها الرياح.
стр. 615
١٠٦٢ والبحر قد أثر في «١» أسفل المنارة من غربيّها حتّى صار تحتها كالكهف العظيم، فسدّ بعض أمراء مصر ذلك الثلم بأساطين الرخام بعضها فوق بعض، فالبحر يضرب اليوم في تلك الأساطين [ولا يؤثّر فيها شيئا] .
١٠٦٣ وفي الشمال من المنارة بناء عريض واسع قد رفع من قعر البحر حتّى ظهر على الماء، يدلّ على أنّه كانت عليه مصانع قد ذهبت، ويسمّى ذلك البنيان الفاروس «٢» ، وفي أسفله ترفأ «٣» السفن لأنّ ذلك البناء يكفّ عنها الموج.
وقد زعم قوم أنّ ذلك الظاهر ليس ببناء، إنّما هو ممّا هدم «٤» من حجارة المنارة، والله أعلم.
١٠٦٤ وتسير من الإسكندرية إلى المنارة فتخرج على باب الأشتوم وتسير على ضفّة البحر نحو نصف ميل، ثمّ تميل نحو الشمال فتسير نحو ذلك «٥» ، ثمّ تسير على بناء في البحر كالقناطر، ولها منافس والبحر يضرب من جانبيه، نحو أربعمائة خطوة، فإذا خرجت من ذلك «٦» البناء صرت «٧» في فضاة داخلة في البحر كأنّها جزيرة، والمنار في أعلى هضبة منها، وقد أحاط البحر بالمنارة من «٨» ناحية الجنوب والشمال والغرب.
стр. 616
١٠٦٥ ولهذه المنارة مجمع «١» في العام في يوم يسمّونه بخميس العدس، وهو أوّل خميس من شهر بابه «٢» لا يتخلّف في مدينة الإسكندرية أحد «٣» إلّا خرج إلى المنارة وقد تقدّموا في إعداد الأطعمة ولا بدّ في ذلك الطعام من عدس، (فيفتح بابها) «٤» للناس فيصيرون فيها. (فمن ذاكر الله) «٥» ومصلّ «٦» ومن لاه متفرّج، فيقيمون إلى نصف النهار ثمّ ينصرفون «٧» .
وسمع الليث بن سعد مسلمة بن علي يقول: بارك في العدس سبعون نبيّا «٨» .
قال الليث: إلّا نبي واحد وإنّه لردي مؤذ. ومن ذلك اليوم يبتدأ بإحراس البحر، ولهم [في المنارة] قوم مرتّبون لذلك من النصارى، فهم يوقدون النار الليل كلّه في أعلى الحزام الأوّل من ناحية البحر، فيؤمّ «٩» أهل السفن من جميع البلاد سمت تلك النار (ويوقد صاحب السفينة) «١٠» النار، فإذا رأى المحترس نارا في البحر زاد «١١» في وقوده وأوقد نارا أخرى إلى ناحية المدينة،/ فإذا رأى ذلك الّذين بالمدينة زادوا في ضرب البوقات والأجراس حذرا من العدوّ، فاستعدّ أهل المدينة لذلك.
١٠٦٦ قال: والقصر الأعظم بالإسكندرية اليوم «١٢» خراب، وهو على ربوة «١٣» عظيمة بإزاء باب «١٤» المدينة، طوله خمسمائة ذراع وعرضه على النصف من ذلك أو نحوه «١٥» ، ولم يبق منه إلّا سواريه، فإنّها قائمة لم يسقط منها شيء،
стр. 617
وبابه أحكم البناء وأتقنه، كلّ عضادة منه «١» حجر واحد «٢» . وعدد أساطين القصر أزيد من مائة أسطوانة غلظ كلّ أسطوانة نحو عشرة أشبار.
وفي ناحية الشمال منه أسطوانة عظيمة غلظها ستّة وثلاثون شبرا، وهي من الارتفاع بحيث «٣» لا يدرك أعلاها قاذف بحجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدلّ أنّ بناء كان عليها، وقاعدتها حجر أحمر مربّع محكم «٤» عرض كلّ ضلع من أضلاعه اثنان وعشرون شبرا في ارتفاع ثمانية أشبار.
والأسطوانة منزّلة «٥» في عمود قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدّت الرياح جعلت تحت الأسطوانة الحجارة فتطحنها «٦» لشدّة حركتها.
١٠٦٧ وبمدينة الإسكندرية كان الهيكل الأعظم الّذي اجتمع فيه ثلاثمائة أسقف وثمانية عشر «٧» أسقفا فأسّسوا «٨» القول بالتثليث وكفّروا من خالفهم، وذلك في زمن قيصر يولش «٩» .
١٠٦٨ وقال حمزة بن محمّد المصري إنّ بعض ولاة مصر دخل الإسكندرية فنظر إلى قصر عظيم من بناء الأوّلين، فدعا الصنّاع فسألهم أن يبنوا له مثله. فقام إليه شيخ منهم فقال له «١٠» : أنا أبني لك مثله إن أزحت «١١» عليّ. فقال:
سل. (قال ائتني) «١٢» بثورين مطيقين وعجلة. (فأمر له بذلك) «١٣» ،
стр. 618
فدخل مقابر الإسكندرية واحتفر «١» في قبورها فاستخرج جمجمة عظيمة فوضعها في العجلة، فما جرّها الثوران إلّا بعد جهد، فجاءه بها فقال:
أصلح الله الأمير، إن أعطيتني من تكون رؤوسهم مثل هذا الرأس بنيت لك مثل هذا القصر. فعلم أنّه لا حيلة له فيه. وقال حمزة بن محمّد المصري «٢» :
رأيت بالإسكندرية عند قصّاب ضرس إنسان يزن به اللحم زنته ثمانية أرطال.
١٠٦٩ والإسكندرية كلّها دفائن وكنوز، فإذا أمطرت مطرا شديدا وسال ترابها مع الماء خرج الرجال والنساء والصبيان من المدينة يلتمسون حواليها فيجدون قطع الذهب والفضّة من الحلى وغيره والدرّ «٣» والياقوت والزمرّد، وليس يرجع أحد منهم بغير شيء.
١٠٧٠ وإذا زاد النيل في أيّام زيادته دخل في الخليج الّذي صنع لذلك حتّى يصل إلى الإسكندرية، فإذا وصل إلى أعلى المدينة، ولهم هناك آبار مصنوعة ومواجل «٤» ، فيسقون منها بالسواني من ماء النيل ويصبّون فيها فيجري الماء منها في قنى قد أحكمت إلى آبار (في دور المدينة من عمل الأوّل، وذلك أكثر من ثلاثة أميال، وليس بمدينة الإسكندرية دار إلّا فيها بئر وماجل «٥» فإذا وصل الماء إلى الآبار) «٦» استسقى أهل الآبار وصبّوا في المواجل فيشربون منه «٧» باقي عامهم.
стр. 619
١٠٧١ وكان بالإسكندرية دار ملعب قد بنيت بضرب «١» من الحكمة لا يرى أحد فيها شيئا دون صاحبه ووجه كلّ جالس «٢» فيها تلقاء وجه صاحبه، إن عمل أحد منهم شيئا أو تكلّم أو نفث «٣» سمعه «٤» ونظر إليه جميعهم سماعا ونظرا متساويا قريبهم وبعيدهم. وكانوا يترامون فيها بالكرة، فإذا وقعت في كمّ (أحد منهم) «٥» فلا بدّ له من ولاية مصر، كان هذا عندهم معروفا لا يشكّون فيه. وإنّ عمرو بن العاص سافر إلى الإسكندرية قبل الإسلام تاجرا بالقطن والأدم، فحضر ذلك الملعب فلعبوا بالكرة فدخلت كمّه ثلاث مرّات فقالوا: كذّبتنا هذه الكرة «٦» هذه المرّة. فأتى الله بالإسلام وفتحت مصر ووليها عمرو ثلاث مرّات.
١٠٧٢ وقال عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم: لمّا غزا عمرو بن العاص الإسكندرية من مصر فلم يقدر عليها، وذلك بعد تسعة أشهر من موت هرقل، غمّة ذلك فاستلقى على ظهره مطرقا، ثمّ جلس فقال: إنّي فكّرت في هذا الأمر، فإذا هو لا يصلح آخره إلّا ما أصلح «٧» أوّله، يريد الأنصار. فدعا عبادة بن الصامت فعقد له على حربها، ففتحها الله على يديه وفتحت يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن (بصلح ولا بأمن) «٨» . ولم يكن بالإسكندرية خطط، إنّما كانت أخايذ، من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه. ونزل عمرو بن العاص القصر الّذي صار لعبد الله بن أبي سرح «٩» ، ويقال إنّ عمرا وهبه له لمّا وليها.
стр. 620
قال يزيد بن أبي حبيب «١» : وكان المسلمون ينزلونها في رباطهم، فإذا قفلوا «٢» ابتدر الواردون منازلها. فمن ركز رمحه في دار كانت له، فتنزل «٣» الدار القبيلتان والثلاث. فكان يزيد بن أبي حبيب يقول: لا يحلّ من كرائها شيء ولا يبيعها ولا يورّث منها شيء، إنّما كانت للمسلمين يسكنونها في رباطهم.
١٠٧٣ فقال عوف بن ملك «٤» لأهل الإسكندرية: ما أحسن مدينتكم يا أهل الإسكندرية. فقالوا إنّ الإسكندر قال حين بناها: إنّي أبني مدينة إلى الله فقيرة وعن الناس غنية، فبقيت بهجتها. وإنّ الفرما- وهو أخو الإسكندر- بنى الفرما وقال «٥» : إنّي أبني مدينة (عن الله غنية) «٦» وإلى الناس فقيرة، فذهبت بهجتها ولا يزال ينهدم منها كلّ يوم شيء ولا ينجبر، وبقيت الإسكندرية بجدّتها. وروى بعض المصريّين أنّ عمر بن عبد العزيز رضه لمّا دخل الإسكندرية- وهو إذ ذاك أمير مصر- قال لعاملها لمّا رأى آثارها وعجائبها: أخبرني كم كان عدد أهل الإسكندرية في «٧» أيّام الروم. فقال:
والله يا أمير «٨» ما أدرك علم هذا أحد، ولكن أخبرك كم كان بها «٩» من الملوك، فإنّ ملك الروم أمر بإحصائهم فوجدهم ستّمائة ألف. قال: فما هذا الخراب الذي أرى بأطرافها؟ قال: بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر أنّه أمر بفرض دينار على كلّ محتلم بمصر «١٠» لعمران الإسكندرية.
فأتاه كبراء أهلها فقالوا: أيّها الملك لا تتعب «١١» في هذا، فإنّ ذا القرنين أقام على بنائها مرّة وانتهت عمارتها وتمّت بعد ثلاثمائة سنة وأنّه أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون إلّا بخرق سود في أيديهم خوفا على أبصارهم من شدّة بياضها.
стр. 621
١٠٧٤ وذكر الليث بن سعد عن زهرة بن معبد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز:
أين تسكن من مصر؟ قلت: أسكن الفسطاط. قال: أف «١» فأين أنت عن الطيّبة؟ قال: قلت: فأيتهنّ الطيّبة؟ قال: الإسكندرية، فعزمت عليك لتسكنها أبا عقيل. ثمّ قال: ما على الأرض بلدة أحبّ إليّ أن يكون قبري فيها من «٢» الإسكندرية. قال الليث: ثمّ عدنا أبا عقيل وهو شديد الوجع ونحن خائفون عليه، فعدناه «٣» غداة يوم فقال: رأيت الليلة «٤» عمر بن عبد العزيز (في النوم) «٥» فقال: أين تسكن أبا عقيل؟ قلت:
الإسكندرية (كما عزمت عليّ) «٦» . قال: أبشر في ذلك بما يسرّك في دنياك وأخراك مرّتين. فقلت «٧» : الحمد لله.
١٠٧٥ وقال أحمد بن صالح: قال سفيان بن عيينة: الإسكندرية كنانة الله يجعل «٨» فيها خير سهامه. وقال عبد الله بن مودق الصدفي: لمّا نعي إليّ ابن عمّي خالد بن يزيد، وكان توفّي بالإسكندرية، لقيني عبد الله بن لهيعة والليث بن سعد مفترقين كلاهما «٩» قال لي: أليس قد مات بالإسكندرية؟
فأقول بلى. فيقول: هو حيّ عند الله يرزق ويجزى عليه أجر رباطه ما قامت «١٠» الدنيا وله أجر شهيد حتّى يحشر على ذلك.
стр. 622
١٠٧٦ وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ إرم ذات العماد هي «١» الإسكندرية.
وقال الناظرون فى الأعمار «٢» والأهوية والبلدان وترب «٣» الأقاليم والأمصار: لم تطل أعمار الناس في بلد من البلدان طولها بمريوط «٤» ، قرية من قرى الإسكندرية ووادي فرغانة، ومريوط بقرب مدينة الإسكندرية قرية كبيرة لها بساتين كثيرة ومنها تجلب الفواكه إلى الإسكندرية، ولوزها رقيق القشر يحتّ «٥» باليد.
١٠٧٧ وقد (ظهر فيمن) «٦» بقي بالإسكندرية بعد فتحها من الروم منوئيل الخصّي وعادوا حربا على المسلمين. قال الليث بن سعد: قال يزيد بن أبي حبيب:
جاءت الروم وعليهم منوئيل الخصّي في المراكب حتّى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها «٧» من الروم «٨» ، وقد كان عثمان عزل عمرو بن العاص «٩» وولّي (عبد الله بن سعد) «١٠» بن أبي سرح، فسأل أهل مصر عثمان أن يقرّ عمرا حتّى يفرغ من قتال الروم ففعل. وكان على الإسكندرية سور لا يعدل به في الحصانة والإتقان والمنع «١١» . فنذر عمرو لئن أظهره الله عليهم ليهدمنَّ سورها حتّى تكون مثل بيت الزانية «١٢» يؤتى من كلّ مكان.
стр. 623
١٠٧٨ فجيّش إليهم «١» عمرو في البرّ والبحر. قال الليث: وكان معه المقوقس فيمن أطاعه من القبط، فأمّا الروم فلم يعطه منهم أحد. فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم قبل أن يكثر عددهم ولا أمن أن تنتقض (مصر كلّها) «٢» . فقال عمرو: لا ولكن أَدَعهم حتّى (يسيروا إليّ) «٣» فيصيبوا من مرّوا به من الروم فيخزي الله ببعضهم بعضا. فخرجوا من الإسكندرية فجعلوا ينتهون ما مرّوا به، فلم يعرض لهم عمرو حتّى بلغوا نقيوس «٤» ، فلقوهم في البرّ والبحر، فرمت الروم بالنشّاب رميا شديدا حتّى أصابت يومئذ لبّة فرس عمرو فعقر واستأخر «٥» المسلمون عنهم فحملوا حملة ولّى المسلمون منها، وانهزم يومئذ شريك بن شحيم في خيله. ثمّ نصّر الله «٦» المسلمين وهزم «٧» الروم وقتلوهم قتلا ذريعا «٨» إلى أن أمر عمرو بن العاص برفع السيف في الموضع الّذي يسمّى بمسجد الرحمة، وإنّما سمّي بهذا الاسم لرفع عمرو السيف هناك. وهدم سورها كلّه وذلك سنة خمس وعشرين.
وأقام عمرو بعد فتحها شهرا ثمّ عزل. وقد كان عثمان رضه أراد أن يكون عمرو «٩» على الحرب وعبد الله (بن أبي سرح) «١٠» على الخراج، فأبى عمرو «١١» وقال: أكون كماسك البقرة بقرنيها «١٢» وغيره يحلبها.
стр. 624
ذكر المشهور من المدن والقرى في الطريق من مصر إلى برقة والمغرب كلّه
١٠٧٩ ترنوط وهي قرية جامعة على النيل «١» ، بها أسواق ومسجد جامع وكنيسة وخراب كثير، خربتها كتامة إذ كانوا هناك مع أبي القاسم بن عبيد الله الشيعي «٢» ، وأكثر بنيانها بالآجر وبها معاصر سكّر. فمن ترنوط إلى المنى، وهي ثلاث مدن قائمة البنيان خالية، فيها قصور شريفة في صحراء رمل ربّما قطع فيها الأعراب على الرفاق «٣» ، وتلك القصور (محكمة البناء منجّدة الجدر وأكثرها على آزاج معقودة) «٤» يسكن بعضها رهبان، وبها آبار عذبة قليلة الماء.
١٠٨٠ ومنها إلى أبي مينى، وهي كنيسة عظيمة فيها عجائب من الصور والنقوش توقد قناديلها ليلا ونهارا لا تطفى، وفيها قبو «٥» عظيم (في أحد مبانيها) «٦» فيها صورة جملين من رخام عليهما صورة إنسان قائم رجلاه على الجملين، إحدى يديه مبسوطة والأخرى مقبوضة، يقال إنّها صورة أبي مينى، كلّ ذلك من رخام. وفي هذه الكنيسة صور الأنبياء ﵈ كلّهم، صورة زكريا ويحيى وعيسى في عمود رخام عظيم على ذات يمين الداخل يغلق عليها باب، وصورة مريم قد أسدل عليها ستران «٧» ، وصور سائر الأنبياء.
ومن خارج الكنيسة صور جميع الحيوان وأهل الصناعات «٨» ، من جملتها
стр. 625
صورة تاجر الرقيق ورقيقة معه وبيده خريطة مفتوحة الأسفل، يعني أنّ التاجر بالرقيق لا ربح له. وفي وسط الكنيسة قبّة فيها ثماني صور يزعمون أنّها صور ملائكة «١» ، وفي جهة من الكنيسة مسجد محرابه إلى القبلة (لا يصلّي فيه إلّا المسلمون) «٢» حولها ثمار كثيرة (وعامّتها اللوز الأملس والخروب المعسّل الرطب ويعقّد منه الأشربة، وكروم كثيرة) «٣» تحمل أعنابها وشرابها إلى مصر.
١٠٨١ ويقولون إنّ سبب بنيان هذه الكنيسة أنّ قبرا كان في موضعها وكان بالقرب منه قرية وأنّ رجلا من أهلها كان مقعدا «٤» ، فزال عنه حماره فزحف في طلبه ليصرفه حتّى وصل إلى «٥» القبر، فلمّا صار عليه (يتبصّر القبر) «٦» انطلق ماشيا «٧» ، فمشى إلى حماره واستوى «٨» عليه راكبا «٩» (وانصرف إلى موضعه صحيحا. فتسامع الناس ذلك فلم يبق عليل إلّا قصد ذلك القبر فجلس عليه) «١٠» فأفاق، فبنيت عليه هذه الكنيسة، وقصدها أولو الأسقام ليستشفوا بها، فبطل ذلك بعد بنائها. ويؤدّى من القسطنطينية «١١» إلى هذه الكنيسة (في كلّ عام ألف دينار) «١٢» .
стр. 626
١٠٨٢ وذات الحمام، وهي سوق (جامعة بها) «١» جامع بناه زيادة الله بن الأغلب منصرفا من المشرق إلى إفريقية، بإزائه بئر طيّبة «٢» حولها جباب «٣» وبساتين وبها قصر خرب يتداول سكناه «٤» روابط صاحب مصر. وسمّيت ذات الحمام لأنّ كلّ من شرب من مائها حمّ إلّا من عافاه الله، ولذلك يقول الحداة: ربّ سلّمنا من الحجاز وغلاها ومن مصر ووباها ومن ذات الحمام وحماها.
١٠٨٣ وأمّا الحنية فهي شطر حنية قائمة «٥» في وسط فحص بينها وبين البحر شرف يقال إنّها كانت باب الإسكندرية، وينزل حولها لواتة ومزاتة خصائص، وبين الحنية وذات الحمام مائدة رخام أسود يقال إنّها كانت مائدة فرعون تحتها جبّ يعرف بالتيس.
١٠٨٤ والكنائس، وهي ثلاثة قصور مهدّمة بالقرب منها عقبة تعرف بآبار قيس، وهما بئران عذبتا الماء بعيدتا الأرشية. ومن جب العوسج «٦» إلى قباب معان بينهما ثلاثون ميلا، وهي جباب حولها هذه القباب وهي المعروفة بخرائب القوم «٧» . قال محمّد «٨» : خرائب القوم «٩» مدينة خرّبها الروم، فيها جباب، وبغربي خرائب القوم «١٠» قصر أبي معد نزار «١١» بن خالد بن يحيى بن بابان، (فنزله من قريش من قرابه جبير بن مطعم نحو عشرين بيتا وأحياء) «١٢» كثيرة
стр. 627
من بني مدلج «١» ، ومن قبائل البربر نحو ألف بيت من فاضلة وبني عقيدان «٢» . ويذكر أنّ كثيرا ما تتبدّل صورة المولود عندهم فتصير في خلق الغول والسعلاة «٣» وتعدو على الناس حتّى تغلّ وتقيّد. قال محمّد «٤» بن يوسف: أخبرني محمّد بن قاسم صاحب استجة «٥» أنّه صحّ عنده ذلك أو شاهده.
١٠٨٥ (ومنها إلى) «٦» مدينة الرمادة، وهي مدينة لطيفة بقرب البحر، لها سور ومسجد جامع وحولها بساتين بأنواع الثمار، وبالقرب منها قصر الشماس وفيه عمارة يسيرة. ومن خرائب القوم «٧» إلى مدينة الرمادة خمسة وثلاثون ميلا، ومنها إلى خرائب أبي حليمة «٨» ، وهو قصر معمور به سوق وآبار خمس وجباب على البعد، فإذا أتيت قصر الروم، وهي أقباء طوب يشرف عليها جبل في سفحه جباب ماء (أكبرها تعرف بالمطفّلة، فإذا جئت وادي مخيل، وهو حصن فيه جامع وله سوق عامرة حواليه جباب ماء) «٩» وبرك، وليس ينبط فيه ماء، وهو راخي السعر كثير الخير بينه وبين أجدابية خمس مراحل.
١٠٨٦ برقة «١٠» ، واسمها بالرومية الإغريقية بنطابلس تفسيره خمس مدن. وصار إليها عمرو بن العاص حتّى صالح أهلها على ثلاثة عشر ألفا يؤدّونها إليه جزية على أن يبيعوا من أحبّوا من أبنائهم في جزيتهم. قال الليث بن سعد: كتب
стр. 628
عمرو بن العاص على لواتة في شرطه عليهم أن تبيعوا أبناءكم فيما عليكم من الجزية، وسمع عمرو يقول على المنبر لأهل أنطابلس عهد يوفي لهم به. ووجّه عمرو بن العاص عقبة بن نافع حتّى بلغ زويلة وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين.
١٠٨٧ ومدينة برقة في صحراء حمراء التربة والمباني فتحمرّ لذلك ثياب ساكنيها والمتصرّفين فيها. وعلى ستّة أميال منها الجبل «١» ، وهي دائمة الرخاء كثيرة الخير تصلح بها السّائمة «٢» وتنمى على مراعيها «٣» ، وأكثر ذبائح أهل مصر منها، ويحمل منها إلى مصر الصوف والعسل والقطران، وهو يعمل بها بقرية من قراها يقال لها مقّة فوق جبل وعر لا يرقى إليها فارس على حال، وهي كثيرة الثمار من الجوز والأترج والسفرجل وأصناف الفواكه، وتتّصل بها شعراء عريضة «٤» من شجر العرعر. وبمدينة برقة قبر رويفع صاحب رسول الله «٥» ﷺ ، وحول مدينة برقة قبائل من لواتة ومن الأفارق. وفي الطريق من برقة إلى إفريقية وادي مسوس «٦» فيه قباب خربة وجباب يقال إنّ عددها ثلاثمائة وستّون، وبها بساتين، وفي هذا الوادي التربة الّتي (يغلى منها العسل) «٧» .
ذكر مدينة أجدابية
١٠٨٨ وهي مدينة كبيرة في صحراء أرضها صفا «٨» وآبارها منقورة في الصّفا طيّبة الماء، (وبها عين ماء عذب ولها بساتين لطاف ونخل يسير، وليس بها من
стр. 629
الأشجار إلّا الآراك) «١» ، وبها جامع حسن البناء بناه أبو القاسم بن عبيد الله، له صومعة مثمّنة بديعة العمل، ولها حمّامات وفنادق كثيرة وأسواق حافلة مقصودة وأهلها ذوو يسار وثروة «٢» أكثرهم أقباط، وبها نبذ من صرحاء «٣» لواتة، ولها مرسى على البحر يعرف بالماحور له ثلاثة قصور بينه وبينها ثمانية عشر ميلا. وليس لمباني مدينة «٤» أجدابية سقوف خشب، إنّما هي أقباء طوب لكثرة رياحها ودوام هبوبها. وهي راخية الأسعار كثيرة التمر يأتيها من مدينة أوجلة أصناف التمور «٥» .
ذكر مدينة سرت
١٠٨٩ وهي مدينة كبيرة على سيف «٦» البحر، عليها سور طوب وبها جامع وحمّام وأسواق، ولها ثلاثة أبواب قبلي وجوفي «٧» وباب صغير إلى البحر ليس حولها «٨» أرباض، ولهم نخل وبساتين وآبار عذبة وجباب كثيرة، وذبائحهم المعز ولحمانها «٩» عذبة طيّبة ليس يؤكل بطريق مصر أطيب من لحومها «١٠» .
وأهل سرت من أحسن خلق الله خلقا وأسوأهم معاملة لا يبيعون ولا يبتاعون «١١» إلّا بسعر قد اتّفق جميعهم عليه، وربّما نزل المركب «١٢» بساحلهم موسوقا بالزّيت، وهم أحوج الناس إليه، فيعمدون إلى الزقاق الفارغة «١٣» فينفخونها ويوكونها ثمّ يصفّونها في حوانيتهم وأفنيتهم ليرى أهل المركب «١٤» أن الزيت عندهم كثير بائر، فلو أقام أهل المركب «١٥» عندهم «١٦» ما شاء الله أن
стр. 630
يقيموا ما باعوا منهم إلّا على حكمهم. وأهل سرت يعرفون بعبيد قرلة وهم يغضبون من ذلك «١» . قال الشاعر «٢» يهجوهم [وافر] :
عبيد قرلة شرّ «٣» البرايا ... معاملة وأقبحهم فعالا
فلا رحم المهيمن أهل سرت ... ولا سقاهم عذبا زلالا
وقال آخر [سريع] :
يا سرت لا سرّت بك الأنفس ... لسان مدحي فيكم أخرس
ألبستم القبح فلا منظر ... يروق منكم لا ولا ملبس
بخستم في كلّ أكرومة ... وفي الخنا واللوم لم تبخسوا «٤»
ولهم كلام يتراطنون به ليس بعربي ولا عجمي ولا بربري ولا قبطي لا يعرفه غيرهم، وهم على خلاف أخلاق أهل أطرابلس، فإنّ أهل أطرابلس أحسن خلق الله معاشرة وأجودهم معاملة وأبرّهم بغريب.
١٠٩٠ ومن سرت إلى أطرابلس عشر مراحل ومن سرت إلى أجدابية ستّ مراحل ومن أجدابية إلى برقة ستّ مراحل أيضا.
стр. 631
ذكر مدينة أطرابلس
١٠٩١ ويذكر أنّ تفسير أطرابلس بالأعجمية الإغريقية ثلاث مدن، وسمّاها اليونانيّون طربليطة «١» وذلك بلغتهم أيضا ثلاث مدن: طر معناه ثلاث وبليطة يعني مدينة. ويذكر أنّ أشفاروش قيصر هو الّذي بناها. وتسمّى أيضا مدينة أطرابلس مدينة إياس «٢» . وعلى مدينة أطرابلس سور صخر جليل البنيان وهي على شاطىء البحر، ومبنى جامعها أحسن مبنى «٣» ، وبها أسواق حافلة جامعة وحمّامات كثيرة فاضلة «٤» . وبأطرابلس مسجد يعرف بمسجد الشعاب مقصود، وحولها أقباط «٥» في زيّ البربر كلامهم بالقبطية، في قرارات في شرقيّها وغربيّها مسيرة ثلاثة أيّام إلى موضع يعرف ببني السابري «٦» ، وفي القبلة مسيرة يومين إلى حدّ هوارة. وفيها رباطات كثيرة يأوي إليها الصالحون أعمرها وأشهرها مسجد الشعاب، ومرساها مأمون من أكثر الرياح.
١٠٩٢ ومغداس «٧» ، ومنها إلى قصور حسّان مرحلة، ومن سرت إلى مغداس مرحلة، ومن قصور حسّان إلى الراشدة- وهي بئر شرّيب سمّاها بهذا الاسم حسّان بن النعمان هذا، وأنت تتوجّه من مصر إلى المغرب. ومغداس هو صنم قائم على شاطىء البحر حوله أصنام وبه قصر بناه الأعرابي عامل سرت لبني عبيد الله. وبمغداس التقى أبو الأحوص بن عمرو العجلي مع أبي الخطّاب
стр. 632
عبد الأعلى بن الشيخ القائم بدعوة الإباضية، فاقتتلوا على البحر فانهزم أبو الأحوص العجلي إلى مصر واحتوى أبو الخطّاب على معسكره وقتل بشرا كثيرا من أصحابه وانصرف إلى أطرابلس، وذلك سنة اثنتين وأربعين ومائة.
ولمّا قتل زهير بن قيس ببرقة استعمل عبد الملك بن مروان حسّان بن النعمان الغسّاني على إفريقية، فخرج إليها في المحرّم سنة ثمان وستّين، فلقي عساكر الكاهنة بأرض قابس وعلى مقدمتها القائد الّذي كان مع كسيلة بن لهزم، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل صاحب خيل حسّان بن النعمان، وانهزم حسان وأصحابه إلى المنهل المعروف بقصور حسّان بطريق مصر، وقتل من أصحابه عدد كثير وأسر منهم نحو ثمانين رجلا، فأحسنت الكاهنة إليهم وأطلقتهم غير واحد وهو يزيد بن خالد القيسي، فوصلوا إلى حسّان وأخبروه بخبر يزيد، فسرّ بذلك حسّان وكتب إلى عبد الملك يعلمه بما نزل به من الكاهنة ويسأله أن يمدّه بالجيوش. فكتب إليه عبد الملك أن يقيم بمكانه، فبنى هناك قصرين وهما اليوم خربان حولهما ماء زعاف برز في بئرين وبها جباب كثيرة. والقصر الأبيض وهو قصر خرب وهو أدنى المراحل إلى خرائب أبي حليمة على ظهر العقبة بقرية جب خرب. قال محمّد- وهو حدّثنا وآخر ذات الحمام- قال محمّد: حدّثني تميم عن أبيه عن فرات عن أبي المهاجر قال: أخبرني بعض الإسكندرانيّين أنّ رسول الله ﷺ قال: من كثرت ذنوبه فليلقى لوبيا وراء ظهره. قال: والقصر الأبيض آخر حدّ لواتة أيضا، ويسكن تحت تلك العقبة مزاتة.
١٠٩٣ ومدينة أطرابلس المذكورة «١» كثيرة الثمار والخيرات ولها بساتين جليلة في شرقيها، ويتّصل بالمدينة سبخة كبيرة يرفع منها الملح الكثير. وداخل مدينتها بئر يعرف ببئر أبي الكنود (وهم يعيرون به ويحمق من شرب منه، فيقال للرجل
стр. 633
إذا أتى بما يلام «١» عليه: لا يعتب عليك لأنّك شربت من بئر أبي الكنود) «٢» . وأعذب آبارها بئر القبّة. وذكر الليث بن سعد قال: غزا عمرو بن العاص مدينة أطرابلس سنة ثلاث وعشرين حتّى نزل القبّة الّتي على الشّرف من شرقيّها، فحاصرها شهرا لا يقدر منهم «٣» على شيء. فخرج رجل من بني مدلج ذات يوم (من عسكر عمرو) «٤» متصيّدا في سبعة نفر، فمضوا غربيّ «٥» المدينة فاشتدّ عليهم الحرّ فأخذوا راجعين على ضفّة البحر، وكان البحر لاصقا بسور المدينة «٦» ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور، وكانت سفن البحر شارعة «٧» في مرساها إلى بيوتهم. ففطن المدلجي وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، فدخلوا منه حتّى أتوا من ناحية الكنيسة فكبّروا، فلم يكن للروم مفزع إلّا سفنهم، وأقبل عمرو بجيشه حتّى دخل عليهم فلم يفلت الروم إلّا بما خفّ لهم في مراكبهم، وغنم عمرو ما كان في المدينة. وإنّما بنى سور مدينة أطرابلس ممّا يلي البحر هرثمة بن أعين حين ولايته القيروان.
١٠٩٤ ولمدينة أطرابلس فحص يسمّى سوبجين يصاب فيه بعض السنين للحبّة مائة حبّة، وهم يقولون فحص سوبجين يصيب «٨» سنة في سنين.
١٠٩٥ ومن أطرابلس إلى جبل نفوسة مسيرة ثلاثة أيّام. وجبل نفوسة على ستّة أيّام من القيروان، وطول جبل نفوسة من الشرق إلى الغرب ستّة أيّام، وتليه
стр. 634
قبيلة يقال لها بنو رمور ولهم حصن يسمّى تيرقت «١» في غاية المنعة لا يطمع فيه أحد ولا يقدر عليه. وبعد هذا الحصن قبيلة بني تدرميت لهم ثلاثة حصون، وفي وسط هذه القبائل مدينة كبيرة تسمّى جادوا لها أسواق ويسكنها يهود كثير. قال محمّد بن يوسق: أمّ قرى جبل نفوسة مدينة شروس وهي كبيرة آهلة جليلة، أهلها إباضية ليس بها جامع ولا فيما حولها من القرى، وهي أزيد من ثلاثمائة قرية آهلة لم يتّفقوا على رجل يقدّمونه للصّلاة بهم «٢» . وبين أطرابلس ومدينة شروس خمسة أيّام بينهما حصن لبدة حصن من بناء «٣» الأوّل بالصاروج والحجر حوله آثار عجيبة للأوّل وخرائب كثيرة، يسكن هذا الحصن قوم من العرب جملتهم نحو ألف فارس وهم محاربون لجميع «٤» من يجاورهم من قبائل البربر، وهم أزيد من عشرين ألفا بين راجل وفارس «٥» وظاهرون عليهم. (ويروى في هذا الحصن في كتب الحدثان أمور شنيعة من العسكر الغربيّ الصادر إلى افتتاح مصر وذلك في آخر الزمان. والله أعلم) «٦» . وفي وسط جبل نفوسة النخيل والزيتون الكثير والفواكه، ويجتمع فيما حوله من القبائل إذا تداعوا ستّة عشر ألف رجل.
وافتتح عمرو بن العاص ﵀ نفوسة وكانوا نصارى، ومن نفوسة رجع عمرو بكتاب «٧» عمر رضه.
١٠٩٦ ومن أراد الطريق من نفوسة إلى مدينة زويلة فإنّه يخرج إلى مدينة جادوا المذكورة، ثمّ يسير ثلاثة أيّام في صحراء ورمال إلى موضع يسمّى تيرى، وهو في سفح جبل فيه آبار كثيرة ونخيل، ثمّ يصعد في ذلك الجبل فيمشي في صحراء مستوية نحو أربعة أيّام لا يجد ماء، ثمّ ينزل على بئر تسمّى أودرف، ومن هناك يلقى جبالا شامخة تسمّى تارغين يسير فيها الذاهب ثلاثة أيّام حتّى
стр. 635
يصل إلى بلد يسمّى تامرما «١» فيه نخيل كثير يسكنه بنو قلدين «٢» وفزانة.
وعندهم غريبة وهو أنّ السارق إذا سرق عندهم كتبوا كتابا يتعارفونه، فلا يزال السارق يضطرب في موضعه ذلك «٣» ولا يفتر حتّى يقرّ ويردّ ما أخذ، وما يسكن عنه ما به حتّى يمحى ذلك الكتاب. ويسير من هذا البلد إلى بلد يسمّى سباب يومين، وهو بلد كثير النخل وكذلك الّذي قبله. وأهل سباب يزدرعون النبات الّذي يكوّن منه الصبغ المعروف بالنيل. ويسير من سباب في صحراء مستوية «٤» لا شيء فيها غير رمل رقيق لا يشوبه حجر ولا مدر، (إذا رأى الرائي العظم «٥» في تلك الصحراء من بعيد حسبه قصرا، وإن رأى بعرة حسبها رجلا) «٦» . ومن هذه الصحراء إلى زويلة يوم.
١٠٩٧ وهي بجوفيّ «٧» مدينة أجدابية، وهي مدينة غير مسوّرة في وسط الصحراء، وهي أوّل حدّ بلاد السّودان، وبها جامع وحمّام وأسواق يجتمع بها الرفاق من كلّ جهة «٨» منها، ومنها يفترق «٩» قاصدهم وتتشعّب طرقهم، وبها نخيل وبساط للزرع يسقى بالإبل، ولمّا فتح عمرو برقة بعث عقبة بن نافع حتّى بلغ زويلة وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. وبزويلة قبر دعبل بن علي الخزاعي الشّاعر. قال بكر «١٠» بن حماد [كامل] :
الموت غادر دعبلا بزويلة ... وبأرض برقة أحمد بن خصيب
следующие страницы →