Полный текст (893 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ذكر مدينة أطرابلس
١٠٩١ ويذكر أنّ تفسير أطرابلس بالأعجمية الإغريقية ثلاث مدن، وسمّاها اليونانيّون طربليطة «١» وذلك بلغتهم أيضا ثلاث مدن: طر معناه ثلاث وبليطة يعني مدينة. ويذكر أنّ أشفاروش قيصر هو الّذي بناها. وتسمّى أيضا مدينة أطرابلس مدينة إياس «٢» . وعلى مدينة أطرابلس سور صخر جليل البنيان وهي على شاطىء البحر، ومبنى جامعها أحسن مبنى «٣» ، وبها أسواق حافلة جامعة وحمّامات كثيرة فاضلة «٤» . وبأطرابلس مسجد يعرف بمسجد الشعاب مقصود، وحولها أقباط «٥» في زيّ البربر كلامهم بالقبطية، في قرارات في شرقيّها وغربيّها مسيرة ثلاثة أيّام إلى موضع يعرف ببني السابري «٦» ، وفي القبلة مسيرة يومين إلى حدّ هوارة. وفيها رباطات كثيرة يأوي إليها الصالحون أعمرها وأشهرها مسجد الشعاب، ومرساها مأمون من أكثر الرياح.
١٠٩٢ ومغداس «٧» ، ومنها إلى قصور حسّان مرحلة، ومن سرت إلى مغداس مرحلة، ومن قصور حسّان إلى الراشدة- وهي بئر شرّيب سمّاها بهذا الاسم حسّان بن النعمان هذا، وأنت تتوجّه من مصر إلى المغرب. ومغداس هو صنم قائم على شاطىء البحر حوله أصنام وبه قصر بناه الأعرابي عامل سرت لبني عبيد الله. وبمغداس التقى أبو الأحوص بن عمرو العجلي مع أبي الخطّاب
стр. 632
عبد الأعلى بن الشيخ القائم بدعوة الإباضية، فاقتتلوا على البحر فانهزم أبو الأحوص العجلي إلى مصر واحتوى أبو الخطّاب على معسكره وقتل بشرا كثيرا من أصحابه وانصرف إلى أطرابلس، وذلك سنة اثنتين وأربعين ومائة.
ولمّا قتل زهير بن قيس ببرقة استعمل عبد الملك بن مروان حسّان بن النعمان الغسّاني على إفريقية، فخرج إليها في المحرّم سنة ثمان وستّين، فلقي عساكر الكاهنة بأرض قابس وعلى مقدمتها القائد الّذي كان مع كسيلة بن لهزم، فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل صاحب خيل حسّان بن النعمان، وانهزم حسان وأصحابه إلى المنهل المعروف بقصور حسّان بطريق مصر، وقتل من أصحابه عدد كثير وأسر منهم نحو ثمانين رجلا، فأحسنت الكاهنة إليهم وأطلقتهم غير واحد وهو يزيد بن خالد القيسي، فوصلوا إلى حسّان وأخبروه بخبر يزيد، فسرّ بذلك حسّان وكتب إلى عبد الملك يعلمه بما نزل به من الكاهنة ويسأله أن يمدّه بالجيوش. فكتب إليه عبد الملك أن يقيم بمكانه، فبنى هناك قصرين وهما اليوم خربان حولهما ماء زعاف برز في بئرين وبها جباب كثيرة. والقصر الأبيض وهو قصر خرب وهو أدنى المراحل إلى خرائب أبي حليمة على ظهر العقبة بقرية جب خرب. قال محمّد- وهو حدّثنا وآخر ذات الحمام- قال محمّد: حدّثني تميم عن أبيه عن فرات عن أبي المهاجر قال: أخبرني بعض الإسكندرانيّين أنّ رسول الله ﷺ قال: من كثرت ذنوبه فليلقى لوبيا وراء ظهره. قال: والقصر الأبيض آخر حدّ لواتة أيضا، ويسكن تحت تلك العقبة مزاتة.
١٠٩٣ ومدينة أطرابلس المذكورة «١» كثيرة الثمار والخيرات ولها بساتين جليلة في شرقيها، ويتّصل بالمدينة سبخة كبيرة يرفع منها الملح الكثير. وداخل مدينتها بئر يعرف ببئر أبي الكنود (وهم يعيرون به ويحمق من شرب منه، فيقال للرجل
стр. 633
إذا أتى بما يلام «١» عليه: لا يعتب عليك لأنّك شربت من بئر أبي الكنود) «٢» . وأعذب آبارها بئر القبّة. وذكر الليث بن سعد قال: غزا عمرو بن العاص مدينة أطرابلس سنة ثلاث وعشرين حتّى نزل القبّة الّتي على الشّرف من شرقيّها، فحاصرها شهرا لا يقدر منهم «٣» على شيء. فخرج رجل من بني مدلج ذات يوم (من عسكر عمرو) «٤» متصيّدا في سبعة نفر، فمضوا غربيّ «٥» المدينة فاشتدّ عليهم الحرّ فأخذوا راجعين على ضفّة البحر، وكان البحر لاصقا بسور المدينة «٦» ولم يكن فيما بين المدينة والبحر سور، وكانت سفن البحر شارعة «٧» في مرساها إلى بيوتهم. ففطن المدلجي وأصحابه، فإذا البحر قد غاض من ناحية المدينة، فدخلوا منه حتّى أتوا من ناحية الكنيسة فكبّروا، فلم يكن للروم مفزع إلّا سفنهم، وأقبل عمرو بجيشه حتّى دخل عليهم فلم يفلت الروم إلّا بما خفّ لهم في مراكبهم، وغنم عمرو ما كان في المدينة. وإنّما بنى سور مدينة أطرابلس ممّا يلي البحر هرثمة بن أعين حين ولايته القيروان.
١٠٩٤ ولمدينة أطرابلس فحص يسمّى سوبجين يصاب فيه بعض السنين للحبّة مائة حبّة، وهم يقولون فحص سوبجين يصيب «٨» سنة في سنين.
١٠٩٥ ومن أطرابلس إلى جبل نفوسة مسيرة ثلاثة أيّام. وجبل نفوسة على ستّة أيّام من القيروان، وطول جبل نفوسة من الشرق إلى الغرب ستّة أيّام، وتليه
стр. 634
قبيلة يقال لها بنو رمور ولهم حصن يسمّى تيرقت «١» في غاية المنعة لا يطمع فيه أحد ولا يقدر عليه. وبعد هذا الحصن قبيلة بني تدرميت لهم ثلاثة حصون، وفي وسط هذه القبائل مدينة كبيرة تسمّى جادوا لها أسواق ويسكنها يهود كثير. قال محمّد بن يوسق: أمّ قرى جبل نفوسة مدينة شروس وهي كبيرة آهلة جليلة، أهلها إباضية ليس بها جامع ولا فيما حولها من القرى، وهي أزيد من ثلاثمائة قرية آهلة لم يتّفقوا على رجل يقدّمونه للصّلاة بهم «٢» . وبين أطرابلس ومدينة شروس خمسة أيّام بينهما حصن لبدة حصن من بناء «٣» الأوّل بالصاروج والحجر حوله آثار عجيبة للأوّل وخرائب كثيرة، يسكن هذا الحصن قوم من العرب جملتهم نحو ألف فارس وهم محاربون لجميع «٤» من يجاورهم من قبائل البربر، وهم أزيد من عشرين ألفا بين راجل وفارس «٥» وظاهرون عليهم. (ويروى في هذا الحصن في كتب الحدثان أمور شنيعة من العسكر الغربيّ الصادر إلى افتتاح مصر وذلك في آخر الزمان. والله أعلم) «٦» . وفي وسط جبل نفوسة النخيل والزيتون الكثير والفواكه، ويجتمع فيما حوله من القبائل إذا تداعوا ستّة عشر ألف رجل.
وافتتح عمرو بن العاص ﵀ نفوسة وكانوا نصارى، ومن نفوسة رجع عمرو بكتاب «٧» عمر رضه.
١٠٩٦ ومن أراد الطريق من نفوسة إلى مدينة زويلة فإنّه يخرج إلى مدينة جادوا المذكورة، ثمّ يسير ثلاثة أيّام في صحراء ورمال إلى موضع يسمّى تيرى، وهو في سفح جبل فيه آبار كثيرة ونخيل، ثمّ يصعد في ذلك الجبل فيمشي في صحراء مستوية نحو أربعة أيّام لا يجد ماء، ثمّ ينزل على بئر تسمّى أودرف، ومن هناك يلقى جبالا شامخة تسمّى تارغين يسير فيها الذاهب ثلاثة أيّام حتّى
стр. 635
يصل إلى بلد يسمّى تامرما «١» فيه نخيل كثير يسكنه بنو قلدين «٢» وفزانة.
وعندهم غريبة وهو أنّ السارق إذا سرق عندهم كتبوا كتابا يتعارفونه، فلا يزال السارق يضطرب في موضعه ذلك «٣» ولا يفتر حتّى يقرّ ويردّ ما أخذ، وما يسكن عنه ما به حتّى يمحى ذلك الكتاب. ويسير من هذا البلد إلى بلد يسمّى سباب يومين، وهو بلد كثير النخل وكذلك الّذي قبله. وأهل سباب يزدرعون النبات الّذي يكوّن منه الصبغ المعروف بالنيل. ويسير من سباب في صحراء مستوية «٤» لا شيء فيها غير رمل رقيق لا يشوبه حجر ولا مدر، (إذا رأى الرائي العظم «٥» في تلك الصحراء من بعيد حسبه قصرا، وإن رأى بعرة حسبها رجلا) «٦» . ومن هذه الصحراء إلى زويلة يوم.
١٠٩٧ وهي بجوفيّ «٧» مدينة أجدابية، وهي مدينة غير مسوّرة في وسط الصحراء، وهي أوّل حدّ بلاد السّودان، وبها جامع وحمّام وأسواق يجتمع بها الرفاق من كلّ جهة «٨» منها، ومنها يفترق «٩» قاصدهم وتتشعّب طرقهم، وبها نخيل وبساط للزرع يسقى بالإبل، ولمّا فتح عمرو برقة بعث عقبة بن نافع حتّى بلغ زويلة وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. وبزويلة قبر دعبل بن علي الخزاعي الشّاعر. قال بكر «١٠» بن حماد [كامل] :
الموت غادر دعبلا بزويلة ... وبأرض برقة أحمد بن خصيب
стр. 636
١٠٩٨ وبين زويلة ومدينة أجدابية أربع عشرة مرحلة. ولأهل زويلة حكمة في احتراس بلدهم، وذلك أنّ الّذي عليه نوبة الاحتراس منهم يعمد إلى دابّة فيشدّ عليها حزمة حطب كبيرة من جرائد النخل ينال سعفها «١» الأرض، ثمّ يدور بها حوالي المدينة، فإذا أصبح من الغد ركب ذلك المحترس ومن يتبعه «٢» على جمال السروج وداروا بالمدينة، فإن رأوا أثرا خارجا من المدينة أتبعوه حتّى يدركوه «٣» أينما توجّه لصّا كان أو عبدا أو أمة أو بعيرا.
١٠٩٩ وزويلة من أطرابلس بين المغرب والقبلة، ويجلب من زويلة الرقيق إلى ناحية إفريقية وما هنالك ومبايعتهم بثياب قصار حمر. وبين زويلة وبلد كانم أربعون «٤» مرحلة، وهم وراء صحراء بلاد زويلة لا يكاد أحد يصل إليهم وهم سودان مشركون. ويزعمون أنّ هنالك قوما من بني أميّة صاروا إليها «٥» عند محنتهم بالعبّاسيّين، وهم على زيّ العرب وأحوالها.
١١٠٠ وبين مدينة زويلة ومدينة سبهى مسيرة خمسة أيّام، وهي مدينة كبيرة بها جامع وأسواق، وبين مدينة سبهى ومدينة هلّ مثل ذلك، وهي مدينة عامرة كثيرة النخل وعيون الماء. ومن مدينة هلّ إلى مدينة ودّان يوم، ولها «٦» قلعة حصينة وللمدينة دروب وهي مدينتان، فيها قبيلتان من العرب سهميّون
стр. 637
وحضرميّون، فتسمّى مدينة السهميّين دلباك ومدينة الحضرميّين مدينة بوصى «١» ، وجامعهما واحد، وبين الموضعين والقبيلتين تنازع وتنافس قد آل ذلك بهم مرارا إلى الحرب والقتال. وعندهم فقهاء وقرّاء وشعراء، وأكثر معيشتهم من التمر ولهم زرع يسير يسقونه بالنضح.
١١٠١ ومن مدينة ودّان إلى مدينة تاجرفت ثلاثة أيّام، وهي مدينة آهلة بها جامع يسكنها أهل ودّان، والتمر بها كثير، وأكثر أجناسه البرني، ومنها يخرج إلى مدينة سرت وبينها وبين زويلة مسيرة اثني عشر يوما، وبينها وبين ودّان مثل ذلك، وهي متوسّطة بينهما زويلة بغربيّها وودّان بشرقيّها. هكذا قال محمّد بن يوسف «٢» .
١١٠٢ والّذي مرّ هناك من ذكر المسافة بين تاجرفت وزويلة أربعة عشر يوما على الطريق الأقصد، ومن تاجرفت إلى الفسطاط تسع وعشرون مرحلة. وطريق آخر من زويلة إلى تاجرفت: من زويلة إلى مدينة تمسّى «٣» يومان، ومدينة تمسّى كبيرة بها جامع وأسواق يسيرة، ومنها إلى مدينة زلهى ثمانية أيّام في صحراء. وفي وسط الطريق منزل لأهل ودّان «٤» ، ومدينة زلهى كبيرة واسعة فيها جامع ولها نخل كثير وعين ماء نزّة «٥» ، يسكنها مزاتة. ثمّ تمشي ستّة أيّام إلى فحص بركانة ثمّ إلى الفاروج، وهو قصر (قد خرب) «٦»
стр. 638
بجواره جبّ وحوله سبخة وبينه وبين سرت خمس مراحل. ثمّ إلى مدينة أجدابية مرحلة، ثمّ منها ثلاثة أيّام «١» إلى قصر زيدان الفتى، ثمّ تمشي أربعة أيّام إلى مدينة أوجلة وهي مدينة عامرة كثيرة النخل، وأوجلة اسم الناحية واسم المدينة أرزاقية «٢» ، وأوجلة قرى كثيرة فيها نخل وشجر كثير وفواكه وبمدينتها مساجد وأسواق. ثمّ أربعة أيّام إلى مدينة تاجرفت. ومن سلك من أطرابلس إلى ودّان فإنّه يسير في بلد هوارة نحو الجنوب في قياطن وبيوت شعر، وهناك مرأيات ومنازل إلى قصر ابن ميمون، وذلك كلّه من عمل أطرابلس. ثمّ من قصر ابن ميمون ثلاثة أيّام إلى صنم من حجارة مبنيّ على ربوة يسمّى كرزة «٣» ، ومن حواليه من قبائل البربر يقرّبون له القرابين ويستشفون به من أدوائهم ويتبرّكون به في أموالهم إلى اليوم. ومن هذا الصنم ويستشفون به من أدوائهم ويتبرّكون به في أموالهم إلى اليوم. ومن هذا الصنم إلى ودّان مسيرة ثلاثة أيّام.
١١٠٣ وكان عمرو بن العاص قد بعث إلى ودّان بسر «٤» بن أرطأة وهو محاصر أطرابلس فافتتحها، وذلك سنة ثلاث وعشرين. وقال ابن عبد الحكم: ثمّ إنّهم نقضوا «٥» عهدهم ومنعوا ما كان بسر بن أرطأة فرض عليهم، فخرج عقبة بن نافع الفهري «٦» إلى المغرب بعد معاوية بن حديج، وذلك سنة ستّ وأربعين، ومعه بسر بن أرطأة وشريك بن سحيم المرادي، فأقبل حتّى نزل بغدامس من سرت، فخلّف عقبة جيشه هنالك واستخلف عليهم زهير بن قيس البلوي «٧» ، ثمّ سار بنفسه في أربعمائة فارس وأربعمائة بعير وثماني مائة قربة ماء حتّى قدم ودّان فافتتحها وأخذ ملكهم فجدع أذنه «٨» ، فقال: لم فعلت هذا وقد عاهدني المسلمون؟ قال: أدبا لك، إذا مسست أذنك ذكرت ذلك «٩» فلم تحارب العرب. واستخرج منه ما كان بسر فرض
стр. 639
عليه ثلاثمائة رأس وستّين رأسا. ثمّ سألهم عقبة: هل وراءكم أحد؟ قالوا:
جرمة، وهي مدينة فزّان العظمى. فسار إليها ثماني ليال من ودّان، فلمّا دنا منها أرسل «١» فدعاهم إلى الإسلام فأجابوا، فنزل منهم على ستّة أميال وخرج ملكهم يريد عقبة، وأرسل عقبة خيلا حالت بينه وبين موكبه، فأمشوه راجلا حتّى أتى عقبة وقد لغب «٢» وأعيى وكان ناعما، فجعل يبصق الدم فقال: لم فعلت هذا وقد أتيتك طائعا؟ قال عقبة: أدبا لك، إذا ذكرته لم تحارب العرب. وفرض عليه ثلاثمائة عبد وستّين عبدا. ثمّ مضى عقبة من فوره إلى قصور فزّان فافتتحها قصرا قصرا حتّى انتهى إلى أقصاها، ثمّ سألهم: هل وراءكم من أحد؟ قالوا: نعم أهل خاوار «٣» ، وهو قصر عظيم على رأس المفازة على رأس جبل وعر، وهو قصبة كوّار «٤» . فسار إليهم خمس عشرة ليلة فحاصرهم شهرا فلم يستطع لهم بشيء، فمضى أمامه على قصور كوّار فافتتحها حتّى انتهى إلى أقصاها وفيه ملكها، فأخذه وقطع إصبعه، فقال: لم فعلت هذا بيّ؟ قال: أدبا لك، إذا أنت نظرت إلى إصبعك ذكرت فلم تحارب العرب. وفرض عليهم ثلاثمائة وستّين رأسا.
١١٠٤ ثمّ سألهم: هل من ورائكم أحد؟ (فلم يعلموا من ورائهم أحدا) «٥» . فكرّ راجعا إلى قصر خاوار فلم يعرض له ولم ينزل به وسار ثلاثة أيّام فأمنوا وانبسطوا. وأقام عقبة بمكان اسمه اليوم ماء الفرس فنفد ماؤهم وأصابهم عطش كاد يهلكهم، فصلّى عقبة بأصحابه ركعتين ودعا الله ، فجعل فرس عقبة يبحث «٦» بيديه في الأرض حتّى انكشف عن صفاة، فانفجر منها الماء، فنادى عقبة في الناس أن احتفروا «٧» ، فاحتفروا ماء معينا طيّبا فسمّي لذلك ماء الفرس.
стр. 640
١١٠٥ ثمّ كرّ راجعا إلى خاوار من غير طريقه الّتي أقبل منها، فلم يشعروا به «١» حتّى طرقهم ليلا فوجدهم مطمئنّين قد آمنوا، فاستباح ما في مدينتهم من ذراريهم ونسائهم وأموالهم وقتل مقاتلتهم «٢» . ثمّ انصرف راجعا حتّى أتى زويلة، ثمّ ارتحل حتّى قدم عسكره بعد خمسة أشهر، فسار متوجّها إلى المغرب وجانب الجادّة وأخذ إلى أرض مزاتة فافتتح كلّ قصر بها، ثمّ صار إلى قفصة فافتتحها وافتتح قسطيلية، ثمّ انصرف إلى القيروان.
الطريق من أوجلة المتقدّمة الذكر إلى الواحات
١١٠٦ من أوجلة إلى بلد شنترية عشر مراحل في صحراء ورمال قليلة الماء. وشنترية هذه كثيرة العيون والثمار والحصون، أهلها بربر لا عرب فيهم. وتسير من شنترية على طرق شتّى إلى أودية الواحات، ومن شنترية إلى بهنسى الواحات عشر مراحل- (وهي غير بهنسى الصعيد) «٣» - ومن بهنسى الواحات إلى أريش الواحات ثماني مراحل.
١١٠٧ (بهنسى الواح مدينة مسوّرة فيها أسواق ومساجد) «٤» . وذكر محمّد بن سعيد الأزدي رجل من أبناء مدينة سفاقس أنّه دخلها ورأى فيها في يوم عيد
стр. 641
النصارى- وأهلها عرب مسلمون وقبط نصارى- تابوتا فيه رجل ميّت يجعلونه على عجلة يسمّونه ابن قرمى، ويزعمون أنّه من الحوّاريّين يتطوّفون به في سكك البلد ويتبرّكون بذلك ويتقرّبون إلى الله وتجرّ تلك العجلة البقر، فإن نفرت من موضع ولم تسر «١» فيه علموا أنّ في ذلك الموضع نجاسة.
١١٠٨ وأريش بلد كثير العيون الجارية «٢» والثمار والنخيل مياهها كلّها حامّة. ومن أريش ثلاثة أيّام إلى الفرفرون، وبالفرفرون معادن الشبوب المريّش والقصبى وفيه أنواع الزاج وفيه العيون الحامضة وغير ذلك من المياه المختلفة الأطعمة.
والفرفرون هذا بلد كثير الأشجار والنخيل وفيه قرى كثيرة وأهلها قبط نصارى. وتسير من الفرفرون إلى ألواح الداخل أربع مراحل في صحراء «٣» لا ماء فيها ولا عمارة، وهذا الواح الداخل كثير الأنهار والعمارات والحصون، منها حصن يسمّى بالقصر، في وسطه عين ماء ثرثار تتشعّب منه أنهار تسقي زرعهم ونخلهم وثمارهم.
١١٠٩ وتسير منه في قرى متّصلة إلى حصن يسمّى قلمون مياهه حامضة منها يشربون ويسقون، وبها قوامهم، وإن شربوا سواها من المياه العذبة استوبئوه. وآخر هذا الواح الداخل قرية كبيرة تسمّى القصبة لها مياه عذبة سائحة تسقي نخلها وثمارها، ولها ثلاث عيون ملحة يجتمع ماؤها في سباخ فيكون ملحا: ملح العين الواحدة أبيض وملح العين الثانية أحمر وملح العين الثالثة أصفر، وهذا الأصفر هو المستعمل بمصر وبرقة «٤» .
стр. 642
١١١٠ ومن هذا الواح إلى الواحين الخارجين ثلاث مراحل، وهو آخر بلاد الإسلام وبينه وبين بلاد النوبة في صحراء ستّ مراحل. وفي بعض الواحات قبائل من لواتة. وزعموا أنّ في أقصى الواحات بلد يقال له واح صبرو وأنّه بلد لا يقع عليه إلّا من قد ضلّ في الصحراء في النادر من الزمان، فالواقع عندهم يقول إنّه يكون في بلادهم ما شاء وهم في أخصب عيش، فإذا أراد الرجعة أروه صوب بلاده. وقد وقع في هذا البلد من عرب بني قرّة رجمة بن قائد «١» القرّي ورجع إلى موضعه، ثمّ طلبه بعد ذلك فلم يقدر عليه. فأعدّ مقرب بن ماضي أمير بني قرّة بعد عشرين وأربعمائة من الهجرة زادا وماء كثيرا وظهرا وذهب في الصحراء يطلب واح صبرو وبقي يجوّل في الصحراء مدّة فلم يقدر عليها حتّى خاف نفاد الزاد، فكرّ راجعا فنزل ذات ليلة ربوة من الأرض في بهماء تلك الصحاري، فوجد بعض أصحابه في ناحية من تلك الربوة بنيانا للأوّل، فبحثوا عنه «٢» فإذا هو لبن نحاس أحمر محيط بالربوة أساس سور الأوّل، فأوقروا منه جميع ما كان عندهم من الظهر ورحلوا عنه، فلو قدروا على إصابة موضعه لم يفرغ من نقل ما فيه من النحاس إلّا في الزمان الطويل.
١١١١ وأتى مقرّب (في منصرفه) «٣» الواح الخارج، فأخبره رجل من أهله أنّه غدا إلى حائطه. فوجد أكثر تمره قد أكل ووجد أثر قدم إنسان لا يشبه هذا الخلق في العظم، فاحترسه هو وأهله ليالي حتّى طرقهم في بعض الليالي خلق عظيم لم يعهد مثله، وجعل يأكل التمر. فلمّا أهمّوا به وأحسّ بهم بارى «٤» الريح حضرا «٥» ولم يعلموا له أمرا، فنهض معهم مقرب إلى الأثر حتّى وقف عليه،
стр. 643
فاستعظمه وأمرهم أن يحفروا زبية «١» في الموضع الّذي كان يدخل منه ويغطّوا «٢» أعلاه بالحشيش ويرقّبوه ليالي (تباعا، ففعلوا) «٣» . فلمّا كان بعد ليال أقبل على عادته فتردّى في الزبية فبدروا فغلبوه بكثرتهم وترديه، فإذا هي امرأة سوداء عظيمة الخلق مفرطة الطول والعرض لا يفقه منها كلمة.
فكلّموها بكلّ لسان علم هناك فلم تجاوب منهم أحدا، فبقيت عندهم أيّاما يأتمرون في أمرها، ثمّ اتّفقوا على إرسالها وركوب «٤» الخيل والنجب في أثرها إلى أن يقفوا منها ومن موضعها على حقيقة خبر. فلمّا أرسلت لم يكن طرف العين يلحقها وفاتت شأو النجب والخيل ولم يقف أحد من أمرها على حقيقة.
ويذكرون أنّ هناك رمالا عظيمة تعرف بالجزائر كثيرة النخل والعيون لا عمران فيها ولا أنيس بها وأنّ عزيف الجنّ يسمع بها الدهر كلّه. وربّما أقام بها غزاة السودان ولصوصهم لانتهاز الفرصة في المسلمين، ويتكادس التمر هناك أعواما لا يقع عليه أحد ولا يبلغ إليه حتّى ينتجعه الناس في السنين الجدبة وعند الحاجة والضرورة.
الطريق من مدينة أطرابلس إلى قابس
١١١٢ من أطرابلس إلى صبرة، وهو بلد معمور يسكنه زواغة، ثمّ الطريق من صبرة على ما تقدّم قبل هذا عند ذكر الطريق إلى القيروان «٥» . ومدينة قابس مدينة جليلة مسوّرة بالصخر الجليل من بنيان الأوّل ذات حصن حصين وأرباض وأسواق وفنادق وجامع سري وحمّامات كثيرة، وقد أحاط بجميعها خندق كبير يجرون إليه الماء عند الحاجة فيكون أمنع شيء. ولها ثلاثة أبواب بشرقيّها وقبليّها أرباضها، ويسكنها العرب والأفارق، وفيها جميع الثمار
стр. 644
والموز بها كثير، وهي تمير القيروان بأصناف الفواكه، وبها شجر التوت الكثير ويقوم من الشجرة الواحدة منها من الحرير ما لا يقوم من خمس شجرات «١» من غيرها، وحريرها أطيب الحرير وأرقّه وليس في عمل إفريقية حرير إلّا في قابس، واتّصال بساتين ثمارها مقدار أربعة أميال ومياهها سائحة مطّردة يسقى بها جميع أشجارها، وأصل هذا الماء من عين خرّارة «٢» في جبل بين القبلة والغرب منها يصبّ في بحرها. وبها قصب السكّر كثير. وبقابس منار منيف، ويحدو الحادي عند قدومه من مصر إلى إفريقية فيقول [رجز] :
لا نوم لا نوم «٣» ولا قرارا ... حتّى أرى قابس والمنارا
١١١٣ وساحل مدينة قابس مرفأ «٤» للسفن من كلّ مكان، وحوالي قابس قبائل من البربر لواتة ولماية ونفوسة ومزانة وزواغة «٥» وزواوة وقبائل شتّى أهل أخصاص. وكانت ولايتها منذ دخل عبيد الله «٦» إفريقية تتردّد في بني لقمان الكتامي. قال الشاعر [سريع] :
لولا ابن لقمان حليف الندى ... سلّ على قابس سيف الردى
١١١٤ وتجاورها جزيرة في البحر تعرف بجزيرة رازو «٧» بينهما مسيرة أكثر من يوم عامرة آهلة وكثيرا ما يمتنع أهلها على السلاطين «٨» ، وبين مدينة قابس والبحر ثلاثة أميال. وممّا يذكرون من معائبها أنّ أكثر دورهم لا
стр. 645
مذاهب فيها «١» وإنّما يتبرّزون في الأفنية ولا يكاد أحد منهم يفرغ من قضاء حاجته إلّا وقد وقف عليه من يبتدر أخذ ما يكون منه لتدمين البساتين، وربّما اجتمع على ذلك النفر فيتشاجرون «٢» فيه فيخصّ به من أراد منهم، وكذلك نساؤها لا يرين «٣» في ذلك عليهنّ حرجا إذا سترت إحداهنّ وجهها ولم يعلم من هي. ويذكر أهل قابس أنّها كانت أصحّ البلاد هواء هواء حتّى وجدوا بها طلسما ظنّوا أنّ تحته مالا، فحفروا موضعه فأخرجوا منه تربة غبراء، فحدث عندهم الوباء من حينئذ بزعمهم.
١١١٥ وأخبر «٤» أبو الفضل جعفر بن يوسف الكلبي، وكان كاتبا لمؤنس صاحب إفريقية، أنّهم كانوا في ضيافة ابن وانّمو الصّنهاجي صاحب مدينة قابس، فأتاه جماعة من أهل البادية بطائر على قدر الحمامة غريب اللون والصورة ذكروا أنّه لم يروه قبل ولا عهدوه، كان فيه من كلّ لون أجمله وهو أحمر المنقار طويله. فسأل ابن وانمّو من حضره من العرب والبربر وغيرهم هل رآه أحد منهم، فلم يعرفه أحد ولا سمّاه. فأمر ابن وانمّو بقصّ جناحيه وأرسل في القصر، فلمّا جنّ الليل جعل في القصر مشعل نار، فما هو إلّا أن رآه ذلك الطائر فقصد قصده «٥» وأراد الصعود إليه، فدفعه الخدّام وجعل يلحّ في التكرار على المشعل، فأعلم ابن وانمّو بذلك فقام وقام من حضر معه. قال جعفر «٦» : وكنت فيمن حضر، فأمر ابن وانمّو بترك الطائر وشأنه، فصار في أعلى المشعل وهو يتأجّج نارا واستوى في وسطه وجعل يتلقّى كما يفعل سائر الطير في الشمس، فأمر ابن وانمّو بزيادة الوقود في المشعل من خرق القطران وغير ذلك، فزاد تأجّج النار والطائر فيه على حالته
стр. 646
لا يكثرت ولا يبرح، ثمّ وثب من المشعل بعد حين يمشي لم يربه ريب. وأخبر قوم من أهل إفريقية أنّهم سمعوا خبر هذا الطائر بمدينة قابس، والله أعلم بحقيقة ذلك.
١١١٦ وعلى مقربة من قابس جزيرة جربة فيها بساتين كثيرة وزيتون كثير، وأهلها مفسدون في البرّ والبحر وهم خوارج، وبينها وبين البرّ الكبير مجاز. وقال حنش بن عبد الله الصنعاني: غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري المغرب، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جربة فقام فينا خطيبا فقال: أيّها الناس لا أقول فيكم «١» إلّا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول فينا يوم خيبر، قام فينا رسول الله ﷺ فقال: لا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ما زرع غيره، يعني إتيان الحبالى من السّبي.
الطريق من مدينة قابس إلى سفاقس
١١١٧ من مدينة قابس إلى عين الزيتونة، وهي عين جارية على بحر ميّت عليها مرصد لجابي إفريقية، وهي عين مذكورة «٢» في كتب حدثان إفريقية. قال ابن أعقب في أرجوزته الّتي يذكر فيها وقائع إفريقية:
عند حلول الجيش بالزيتونة ... تكون هناك الوقعة الملعونة
ومن عين الزيتونة إلى تاورقى، وهو منزل عامر في طرف ساحل الزيتونة «٣» ، ومن هناك إلى غافق وهو بلد معمور، ومنه إلى مدينة سفاقس
стр. 647
وهي مدينة على البحر مسوّرة، ولها أسواق كثيرة ومساجد وجامع وسورها صخر وطوب ولها حمّامات وفنادق وبواد عظيمة وقصور جمّة وحصون ورباطات على البحر، منها محرس بطوية «١» وهو أشرفها، وفيها منار مفرط الارتفاع يرقى إليه في مائة وستّ وستّين درجة، ومحرس حبلة ومحرس أبي الغصن ومحرس مقدمان ومحرس اللوزة ومحرس الريحانة.
١١١٨ وسفاقس في وسط غابة زيتون ومن زيتها يمتار أهل مصر وأهل المغرب وصقلّية والروم، وربّما بيع الزيت منها أربعين ربعا قرطبية بمثقال واحد. وهي محطّ السفن، فإذا جزر الماء بقيت السفن في الحصاة وإذا مدّ رجعت السفن. يقصدها التجّار من الآفاق بالأموال الجزيلة لابتياع المتاع والزيت، وعمل أهلها في القصارة والكمادة كعمل أهل الإسكندرية وأكثر وأجود.
١١١٩ ويقابل سفاقس في البحر جزيرة تسمّى قرقنة، وهذه الجزيرة في وسط القصير بينها وبين مدينة سفاقس في ذلك البحر الميّت القصير القعر نحو عشرة أميال، وليس للبحر هناك حركة في وقت، وبحذاء هذا الموضع في البحر على رأس القصير بيت مشرف مبني بينه وبين البرّ الكبير نحو أربعين ميلا، فإذا رأى قلب البيت أصحاب السفن الواردة من الإسكندرية والشام وبرقة أداروها إلى مواضع معلومة. وجزيرة قرقنة المذكورة فيها آثار بنيان ومواجل للماء، ويدخل فيها أهل سفاقس دوابّهم ومواشيهم لأنّها خصبة «٢» .
стр. 648
الطريق من سفاقس إلى مدينة القيروان
١١٢٠ من مدينة سفاقس إلى طرفى «١» وهو بلد معمور، ومنه إلى قصر رباح وهو معمور أيضا، ومن قصر رباح إلى القيروان.
الطريق من سفاقس إلى المهدية
١١٢١ من سفاقس إلى لجم وهو حصن الكاهنة وهو طرف سوق الحسيني، وفي هذا السوق قرية كبيرة آهلة تعرف بأرزلس «٢» بها جامع وحمّام وأسواق وهي من قرى الساحل، ومن لجم إلى مدينة المهدية «٣» .
стр. 649
ذكر إفريقية وبلادها وحدودها «١» ولم سميّت إفريقية وذكر غرائبها
١١٢٢ قال «٢» قوم إنّها أفريقية أي إنّها «٣» صاحبة السماء، وقال آخرون: سمّيت إفريقية لأنّ إفريقش بن أبرهة بن الرائش (غزا نحو المغرب) «٤» حتّى انتهى إلى طنجة في أرض بربر، وهو الّذي بنى إفريقية وباسمه سميّت. وقيل سميّت بأفريق «٥» بن إبراهيم ﵇ من زوجته الثانية «٦» قطورى.
وقال قوم إنّما سمّوا الأفارقة وبلدهم إفريقية لأنّهم من ولد فارق بن مصريم «٧» . وقد زعموا أنّ اسم إفريقية ليبية فسمّيت ببنت يافوه «٨» بن يونش الّذي بنى مدينة منفيش بمصر، وهي الّتي ملكت ملك إفريقية أجمع فسمّي بها.
١١٢٣ وحدّ إفريقية طولها من برقة شرقا إلى مدينة طنجة الخضراء غربا، واسم طنجة مورطانية «٩» ، وعرضها من البحر إلى الرمال الّتي هي أوّل بلاد السودان، وهي جبال رمال عظيمة متّصلة «١٠» من الغرب إلى الشرق وفيه «١١» يصاد الفنك الجيّد. وروى جماعة من سحنون بن سعيد وموسى بن معاوية جميعا «١٢» عن ابن وهب عن سعيد بن أبي أيّوب عن شرحبيل بن سويد عن عبد الرحمان الجبلي «١٣» قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فقفلوا «١٤» فذكروا
стр. 650
لرسول الله ﷺ شدّة برد أصابهم، فقال رسول الله ﷺ : لكن إفريقية أشدّ بردا وأعظم أجرا.
١١٢٤ وأسنداه «١» أيضا عن ابن وهب عن ابن لهيعة «٢» عن بكر بن سوادة الجذامي أنّ سفيان بن الحارث حدّثهم عن أشياخهم أنّهم قالوا لمقداد بن الأسود «٣» صاحب النّبي ﷺ : إنّك ثقلت وأنت تخرج في هذه المغازي؟
فقال: خفيفا كنت أو ثقيلا لا أتخلّف «٤» عنها لأنّ الله ﵎ يقول:
أنفروا خفافا وثقالا «٥» . ثمّ قال: قدمت سرية على النبي ﷺ فذكروا البرد فقال رسول الله ﷺ : إنّ البرد الشديد والأجر «٦» العظيم لأهل إفريقية.
وروى ابن أبي العرب قال: حدّثني (فرات حدّثني) «٧» عبد الله بن أبي حسّان عن عبد الرحمان (بن زياد بن أنعم عن أبي عبد الرحمان) «٨» الجبلي قال: قال رسول الله ﷺ : ينقطع الجهاد من البلاد كلّها فلا يبقى إلّا بموضع (في المغرب) «٩» يقال له إفريقية. فبينما القوم بإزاء عدوّهم نظروا إلى الجبال قد سيّرت فيخرّون لله ﵎ سجدا، فلا ينزع عنهم أخلاقهم «١٠» إلّا خدّامهم في الجنّة.
١١٢٥ وكان عبد الرحمان بن زياد بن أنعم يقول: ينقطع الجهاد من كلّ بلد وسيعود إلى إفريقية وليضربنّ القبائل من الآفاق إلى إفريقية لعدل إمامهم ورخص أسعارهم. وروى ابن أبي العرب عن عبد الله بن عمر العمري عن ابن لهيعة
стр. 651
عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو أنّه قال: والله ليباعنّ الجمل بمصر بعشرة دنانير، ثمّ ليباعنّ بمائة دينار لمغالاة الناس بها، وكأنّي أسمع صرير المحامل على عقبة الثنية من مصر إلى إفريقية يطلبون بها الجهاد والعدل، وليملكنّ إفريقية رجل يعدل فيهم اثنتين وعشرين أو أربعا وعشرين سنة.
ذكر مسجد القيروان
١١٢٦ قد تقدّم أنّ أوّل من وضع محرابه «١» وبناه عقبة بن نافع «٢» ، ثمّ هدمه حسّان حاشى المحراب وبناه وحمل إليه الساريتين الحمراوين الموشّاتين بصفرة اللّتين لم ير الرّاءون مثلهما من كنيسة كانت للأوّل في الموضع المعروف اليوم بالقيسارية بسوق الضرب «٣» ، ويقولون إنّ صاحب القسطنطينية بذل لهم فيهما قبل نقلهما إلى الجامع زنتهما ذهبا، فابتدروا الجامع بهما. ويذكر كلّ من رآهما أنّه لم ير في البلاد ما يقترن بهما.
١١٢٧ فلمّا كانت خلافة هشام بن عبد الملك كتب إليه عامله على القيروان يعلمه أنّ الجامع يضيق بأهله وأنّ بجوفيه جنّة «٤» كبيرة لقوم من فهر، فكتب إليه هشام يأمره «٥» بشرائها وأن يدخلها في المسجد الجامع، ففعل وبنى في صحنه ماجلا وهو المعروف بالماجل القديم بالغرب من البلاطات، وبنى الصومعة في بئر الجنان ونصب أساسها على الماء، واتّفق أن وقعت في نصف الحائط الجوفي. وأهل الورع يكرهون الصلاة في هذه الزيادة ويقولون إنّه
стр. 652
أكره أهل الجنّة «١» على بيعها. والصومعة اليوم على بنائه «٢» طولها ستّون ذراعا وعرضها خمس وعشرون، ولها بابان شرقي وغربي وعضائد بابيها رخام منقّش «٣» وكذلك عتبتهما.
١١٢٨ فلمّا ولي إفريقية يزيد بن حاتم سنة خمس وخمسين ومائة هدم الجامع كلّه حاشى المحراب وبناه واشترى العمود الأخضر بمال عريض جزل ووضعه فيه، وهو الّذي كان يصلّي عليه القاضي أبو العبّاس عبدون. فلمّا ولي زيادة الله بن إبراهيم (بن الأغلب) «٤» هدم الجامع كلّه وأراد هدم المحراب فقيل له:
إنّ من تقدّمك من الولاة توقّفوا عن ذلك لما كان واضعه عقبة بن نافع ومن كان معه. فلجّ في هدمه لئلّا يكون في الجامع أثر لغيره حتّى قال له بعض البناة: أنا أدخله بين حائطين ولا يظهر في الجامع أثر لغيرك. فاستصوب ذلك وفعله فهو على بنائه إلى اليوم. والمحراب كلّه وما يليه مبنيّ بالرخام الأبيض من أعلاه إلى أسفله، وهو مخرّم «٥» منقوش كلّه منه كتابة تقرأ، ومنه تدبيج مختلف الصناعة يستدير «٦» به أعمدة رخام في غاية الحسن، والعمودان الأحمران المذكوران يقابلان المحراب عليهما القبّة «٧» المتّصلة بالمحراب. وعدد ما في الجامع من الأعمدة أربعمائة وأربعة عشر عمودا، وبلاطاته سبعة عشر بلاطا، وطوله مائتان وعشرون «٨» ذراعا وعرضه مائة وخمسون «٩» ذراعا.
وكانت فيه مقصورة فلم يزل بناء زيادة الله فيه، والمقصورة اليوم إنّما هي دار بقبلي الجامع بابها في رحبة الثمر، لها باب عند المنبر، يدخل منه الإمام بعد أن ينزل في هذه الدار حتّى تقرب الصلاة. وبلغت النفقة في بنيانه ستّة وثمانين ألف مثقال.
стр. 653
١١٢٩ ولمّا ولي إبراهيم بن أحمد بن الأغلب زاد في طول بلاطات الجامع «١» وبنى القبّة المعروفة بباب البهو «٢» على آخر بلاط المحراب، وفي دورها اثنتان وثلاثون سارية من بديع الرخام، وفيها نقوش غريبة وصناعات محكمة عجيبة يشهد كلّ من رآها أنّه لم ير مبنى «٣» أحسن منه. وقد فرش من الصحن بين أيدي البلاطات نحو خمس عشرة ذراعا. وللجامع عشرة أبواب، ومقصورة للنساء في شرقيّها بينها وبين الجامع حائط آخر مخرّم محكم العمل.
ذكر مدينة القيروان «٤»
١١٣٠ ومدينة القيروان في بساط من الأرض مديد، في الجوف منها بحر تونس وفي الشرق بحر سوسة والمهدية وفي القبلة بحر سفاقس وقابس وأقربها منها البحر الشرقي، بينها وبينه «٥» مسيرة يوم (وبينها وبين الجبل مسيرة يوم) «٦» وبينها وبين سواد الزيتون المعروف بالساحل مسيرة يوم، وشرقيّها سبخة (ملح عظيم طيّب نظيف) «٧» وسائر جوانبها أرضون طيّبة كريمة، وأحسنها الجانب الغربي وهو المعروف يفحص الدّرارة يصاب فيه في السنة الخصبة للحبّة مائة، وهواء هذا الجانب طيّب صحيح. وكان زياد «٨» بن خلفون المتطبّب إذا خرج من القيروان يريد مدينة الرقّادة وحاذى باب أصرم رفع العمامة عن رأسه يباشر الهواء برأسه كالمتداوي به لصحّته. وللقيروان من القديم سبعة محارس أربعة خارجها وثلاثة داخلها.
стр. 654
١١٣١ وكان للقيروان في القديم سور طوب سعته «١» عشر أذرع بناه محمّد بن الأشعث بن عقبة الخزاعي سنة أربع وأربعين ومائة، وهو أوّل قائد دخل إفريقية للمسودّة. وكان في قبليّه باب سوى الأربعة وهو بين القبلة والمغرب، وبين القبلة والمشرق باب أبي الربيع، وفي شرقيّه باب عبد الله وباب نافع، وفي جوفيّه باب تونس، وفي غربيّه باب أصرم وباب سلم. فهدم هذا السور زيادة الله بن إبراهيم المعروف بالكبير (سنة تسع ومائتين لمّا قام عليه أهل القيروان مع المنصور المعروف بالطنبدي) «٢» . فلمّا انهزم «٣» عن القيروان يوم الأربعاء للنصف من جمادي الأولى من هذه السنة وخرج أهل القيروان إلى زيادة الله فرغبوا في العفو عنهم والصفح هدم سور القيروان عقوبة لهم. ثمّ بناه المعزّ بن باديس بن منصور الصنهاجي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ومبلغ «٤» تكسيره اثنان وعشرون ألف ذراع، وجعل السور ممّا يلي صبرة كالفصيل، حائطان متّصلان إلى مدينة صبرة وبينهما نحو نصف ميل. ولا سبيل لتاجر ولا وارد أن يدخل مدينة القيروان ما يجب عليه فيه المكس إلّا بعد جوازه على مدينة صبرة «٥» . وللمدينة اليوم أربعة عشر بابا منها المذكورة وباب النخل والباب الحديث، وللفصيل بابان وباب الطراز (والباب الحديث) «٦» وباب القلّالين وباب أبي الربيع «٧» وباب سحنون الفقيه.
١١٣٢ ومدينة صبرة متّصلة بالقيروان، بناها إسماعيل سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة واستوطنها وسمّاها المنصورية، وهي منزل الولاة إلى حين خرابها، ونقل إليها
стр. 655
معد بن إسماعيل أسواق القيروان كلّها وجميع الصناعات، ولها خمسة «١» أبواب: الباب القبلي والباب الشرقي وباب زويلة وباب كتامة- وهو جوفي- وباب الفتوح ومنه كان يخرج بالجيوش. ويذكر أنّه كان يدخل واحد أبوابها كلّ يوم ستّة وعشرون ألف درهم. وكان سماط سوق القيروان قبل نقله إلى المنصورية متّصلا من القبلة إلى الجوف، وطوله من باب أبي الربيع إلى الجامع ميلان غير ثلث ومن الجامع إلى باب تونس ثلثا ميل، وكان سطحا متّصلا فيه جميع المتاجر والصناعات، وكان أمر بترتيبه هكذا هشام بن عبد الملك.
١١٣٣ وخارج مدينة القيروان خمسة عشر ماجلا للماء سقايات لأهلها من بنيان هشام بن عبد الملك وغيره، أعظمها شأنا وأفخمها منصبّا ماجل أبي إبراهيم أحمد «٢» بن محمّد بن الأغلب بباب تونس، وهو مستدير متناهي الكبر في وسطه صومعة مثمّنة في أعلاها قصبة لرقبة «٣» مفتّحة على أربعة أبواب (على أحد عشر رجلا لا خلل «٤» بينهم كيلا يصل مخط «٥» ، فإذا امتلأ الماجل كان دلكا «٦» ، وسطح هذه القصبة «٧» نحو ذراعين، كان ابن الأغلب يدخل إلى هذه القبّة في مركب يسمّى بالزلّاج «٨» . ويتّصل بهذا الماجل في قبليّه أقباء طويلة معقودة آزاجا على آزاج «٩» . وكان زيادة الله قد بنى على غربيّ هذا الماجل (قصرا، وبجوفيّ هذا الماجل ماجل لطيف متّصل به يسمّى الفسقية) «١٠» يقع فيه ماء الوادي، إذا جرى (على جنبتين كبيرتين) «١١» تنكسر فيه شدّة جريان الماء، ثمّ يدخل منه إلى الماجل الكبير
стр. 656
إذا ارتفع الماء في الفسقية قدر قامتين على باب بين الماجلين يسمّى السرح «١» ، وهذا الماجل عجيب الشأن «٢» غريب البنيان. وكان عبيد الله يقول: رأيت بإفريقية شيئين لم أر مثلهما بالشرق: الحفير «٣» الّذي بباب تونس يعني الماجل والقصر الّذي بمدينة رقّادة المعروف بقصر البحر. وفي القيروان ثمانية وأربعون حمّاما. وأحصي ما ذبح بالقيروان في بعض أيام عاشورا من البقر خاصّة فانتهى تسعمائة وخمسين رأسا. ومن عجائب القيروان أنّهم يحتطبون الدهر «٤» من زيتونها ليس لهم محتطب غيره، وإنّ ذلك لا يؤثّر في زيتونها ولا ينقص منه.
١١٣٤ وسنة اثنتين وخمسين سبيت القيروان وأخليت ولم يبق فيها إلّا ضعفاء أهلها.
١١٣٥ والقفيز بالقيروان وأعمالها ثماني ويبات والويبة أربعة أثمان والثمنة ستّة «٥» أمداد بمدّ أوفى «٦» من مدّ النبي ﷺ ، ومقدار تلك الزيادة في القفيز كلّه اثنا عشر مدّا، فصار (القفيز القروي) «٧» مائتي مدّ وأربعة أمداد بمدّ النبي ﷺ ، وذلك بكيل قرطبة خمسة أقفزة غير ستّة أمداد. ورطل اللحم والتين وسائر المأكولات عشرة أرطال فلفلية، وقفيز الزيت عندهم ثلاثة أرطال فلفلية (والمطر عندهم كيل يسع خمسة أقفزة من زيت) «٨» .
стр. 657
ذكر «١» مدينة رقّادة
١١٣٦ وهي من القيروان على أربعة أميال، ودورها أربعة وعشرون ألف ذراع (وأربعون ذراعا) «٢» ، وأكثرها بساتين وليس بإفريقية أعدل هواء ولا أرقّ نسيما ولا أطيب تربة من مدينة رقّادة، ويذكر أنّ من دخلها لم يزل ضاحكا مستبشرا من غير سبب. وذكروا أنّ أحد بني الأغلب «٣» أرق وشرد عنه النوم أيّاما، فعالجه إسحاق الّذي ينسب إليه اطريقل إسحاق فلم ينم، فأمر بالخروج والمشي، فلمّا وصل إلى موضع رقّادة نام، فسمّيت من يومئذ رقّادة واتّخذت «٤» دارا ومسكنا وموضع فرجة «٥» للملوك «٦» .
١١٣٧ والّذي بنى مدينة رقّادة واتّخذها دارا ووطنا إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من مدينة القصر القديم وبنى بها قصورا عجيبة وجامعا، وعمرت بالأسواق والحمّامات والفنادق ولم تزل بعد ذلك دار ملك لبني الأغلب إلى أن هرب عنها زيادة الله من أبي عبد الله الشيعي. وسكنها عبيد الله إلى أن انتقل إلى المهدية سنة ثمان وثلاثمائة. وكان ابتداء تأسيس إبراهيم لها سنة ثلاث «٧» وستّين ومائتين. فلمّا انتقل عنها عبيد الله إلى المهدية دخلها الوهن وانتقل عنها ساكنوها، ولم تزل تخرب شيئا بعد شيء إلى أن ولي معدّ بن إسماعيل، فخرب ما بقي منها وعفا أثرها وحرث «٨» منازلها ولم يبق منها غير بساتينها.
ولمّا بناها إبراهيم بن أحمد وجعلها داره منع بيع النبيذ بمدينة القيروان وأباحه بمدينة رقّادة. فقال بعض ظرفاء أهل القيروان [منسرح] :
يا سيّد الناس وابن سيّدهم ... ومن إليه الرقاب منقادة
ما حرّم الشرب «٩» في مدينتنا ... وهو حلال بأرض رقّادة
стр. 658
١١٣٨ قال محمّد بن يوسف: إنّما سمّيت بهذا الاسم لأنّ أبا الخطّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري القائم بدعوة الإباضية بأطرابلس لمّا نهض «١» إلى القيروان لقتال ورفجومة- وكانوا قد تغلّبوا عليها مع عاصم بن جميل- التقى بهم بموضع رقّادة وهي إذ ذاك منية، فقتلهم هناك قتلا ذريعا فسمّيت رقّادة لرقاد «٢» جثثهم بعضها فوق «٣» بعض.
١١٣٩ فأمّا مدينة القصر القديم «٤» فإنّ الّذي أسّسها إبراهيم بن الأغلب بن سالم سنة أربع وثمانين ومائة، وصارت دار أمراء بني الأغلب، وهي بقبلي مدينة القيروان وعلى ثلاثة أميال منها، بها جامع له صومعة مستديرة مبنية بالآجر والعمد سبع طبقات لم يبن أحكم منها ولا أحسن منظرا، وحمّامات كثيرة وفنادق وأسواق جمّة ومواجل للماء. وإذا قحطت القيروان وفقد الماء في مواجلها نقلوا «٥» الماء من مدينة القصر «٦» . وكان لها من الأبواب باب الرحمة قبلي وباب الحديد قبلي وباب غلبون شرقي وباب الريح شرقي وباب السعادة غربي يقابل المقبرة الكبيرة. وداخل المدينة رحبة كبيرة واسعة تعرف بالميدان. (ويجاور مدينة القصر بنية) «٧» تعرف بالرصافة. ولمّا أتى إبراهيم مدينة القصر وانتقل إليها خرب دار الإمارة الّتي كانت بالقيروان بقبلي الجامع منذ فتحت.
стр. 659
١١٤٠ وإذا خرج المتوجّه إلى مصر من القيروان على باب الطراز «١» تلقّى «٢» مدينة القيروان يسرة ويسلك بين مدينة رقّادة ومدينة القصر، فأوّل ما يلقى وادي السراويل شتوي، ثمّ المنية المعروفة وهي كبيرة آهلة، ثمّ قرية زرور «٣» وهي كثيرة البقول لاسيما الجزر وأهلها قوم يضرب بهم المثل في سوء الحال بإفريقية، ويقال مشايخ زرور «٤» شهد منهم سبعة على قبضة اسفنارية، فقال الحاكم للطالب: زد بيّنة. ثمّ وادي الطرفا كبير شتوي إذا حمل أهلك ما حوله من القرى والمنازل، وسعته إذا حمل أزيد من ثلاثة أميال. ثمّ مدينة قلشانة «٥» ومن القيروان إليها اثنا عشر ميلا، كبيرة آهلة بها جامع وحمّام ونحو عشرين فندقا، وهي كثيرة البساتين وشجر التين، وأكثر تين القيروان الأخضر منها.
وأبواب الدور بمدينة قلشانة قصار ليس تدخلها الدوابّ، فعلوا ذلك خوفا من نزول العمّال والجباة «٦» .
ذكر مدينة المهدية
١١٤١ مدينة المهدية منسوبة إلى عبيد الله المهدي الّذي بناها على ما ذكر في التاريخ، وبينها وبين القيروان ستّون ميلا. تخرج من القيروان فتنزل منزل كامل، ثمّ تخرج منها فتأتي المهدية. وطريق آخر: تخرج من القيروان إلى مدينة تماجر مرحلة، إلى المهدية (مرحلة أخرى) «٧» . ومدينة تماجر كبيرة آهلة بها جامع وأسواق وفنادق وحمّام وماؤها زعاق، وفي وسطها غدير ماء وحولها غابة زيتون وشجر أعناب، وبين مدينة تماجر والمهدية الوادي الملح
стр. 660
الّذي كانت فيه الوقعة المشهورة بين أبي يزيد وأبي القاسم قتل فيها من أصحاب أبي القاسم عدد لا يحصى (ففرّ منه «١» أبو القاسم فيمن كان يختصّ به) «٢» .
١١٤٢ والبحر قد أحاط بها من ثلاث جهاتها وإنّما يدخل إليها من الجانب الغربي، ولها ربض كبير يعرف بزويلة فيه الأسواق والحمّام ومساكن أهلها، وبنى على الربض المعزّ بن باديس سورا يحيط به، وطولها اليوم نحو ميلين وعرضها يضيق ويتّسع وأوسعه أقلّ «٣» من بسط طولها، وجميع بنيانها بالصخر (ولمدينتها بابا حديد) «٤» لا خشب فيهما وزنة كلّ باب ألف قنطار، وطوله ثلاثون «٥» شبرا في كلّ مسمار من مساميرها ستّة أرطال، وفي البابين صور الحيوان.
١١٤٣ وفي المهدية من المواجل العظام ثلاثمائة وستّون غير ما يجري «٦» إليها من القناة الّتي فيها، والماء الجاري بالمهدية جلبه «٧» عبيد الله من قرية منانش «٨» وهي على مقربة من المهدية في أقداس ويصبّ في صهريج داخل المهدية عند جامعها، ويرفع من الصهريج إلى القصر بالدواليب، وكذلك يستقي أيضا بقرية «٩» منانش من الآبار بالدواليب ويصبّ في محبس يجري منه في تلك القناة.
стр. 661
١١٤٤ وهي مرفأ «١» لسفن الإسكندرية والشّام وصقلّية والأندلس وغيرها ومرساها منقور في حجر صلد يسع ثلاثين مركبا، على طرفي المرسى برجان بينهما سلسلة من حديد، فإذا أريد إدخال سفينة فيه أرسل حرّاس البرجين أحد طرفي «٢» السلسلة حتّى تدخل السفينة، ثمّ مدوّها كما كانت بعد ذلك تحصينا «٣» لئلّا تطرقها مراكب الروم. وعرض المدخل إلى المهدية من القبلة إلى الجوف قدر غلوة. وردم عبيد الله من البحر مثل ذلك وأدخله في المهدية فاتّسع الموضع. وفيه ستّة عشر برجا ثمانية منها في السور الأوّل وثمانية في الزيادة، منها برج أبي الوزّان النحوي وبرج عثمان وبرج عيسى وبرج الدهّان «٤» نسبت إليهم لقرب مساكنهم منها. (والجامع ودار البحر «٥» ودار المحاسبات فيما ردم من البحر وغير ذلك من المنازل) «٦» والجامع سبع بلاطات متقن البناء حسنه. وقصر عبيد الله كبير سري المباني بابه غربيّ وقصر ابنه «٧»
أبي القاسم بإزائه بابه شرقيّ بينهما رحبة فسيحة. ودار الصناعة بشرقي قصر عبيد الله تسع أكثر من مائتي مركب، وفيها قبوان «٨» كبيران طويلان لآلات المراكب وعددها لئلا ينالها شمس ولا مطر.
١١٤٥ وكان سبب بنيان عبيد الله للمهدية قيام (أبي عبد الله) «٩» وجماعة كتامة عليه وما حاولوه من خلعه وقتل أهل القيروان رجال كتامة. فكان ابتداؤه بالنظر فيها سنة ثلاثمائة وكمل سورها سنة خمس وانتقل إليها سنة ثمان في شوال. وكان لها أرباض كثيرة آهلة عامرة أقربها إليها ربض زويلة فيه الأسواق
стр. 662
والحمّامات، وربض الحمى كان مسكنا لأجناد إفريقية من العرب والبربر، قصر أبي سعيد وبقّة وقاساس «١» والغيطنة «٢» وربض قفصة وغيرها. ولم تزل دار ملك «٣» لهم إلى أن ولي الأمر إسماعيل بن القاسم سنة أربع وثلاثين «٤» وثلاثمائة فسار إلى القيروان محاربا لأبي يزيد واتّخذ مدينة صبرة واستوطنها بعده ابنه معدّ وخلت أكثر أرباض المهدية وتهدّمت.
١١٤٦ ومن المهدية إلى مدينة سلقطة «٥» ثمانية أميال، ومن المهدية إلى قصر لجم «٦» وهو المعروف بقصر الكاهنة ثمانية عشر ميلا. وذكر أنّ الكاهنة حصرها العدوّ في ذلك القصر فحفرت سربا في صخرة صمّاء من هذا القصر إلى مدينة سلقطة يمشي فيه «٧» العدد الكثير من الخيل، وكان ينتقل إليها فيه الطعام سائر ما تحتاج إليه. ومن مدينة سلقطة إلى قصر لجم «٨» هذا ثمانية عشر ميلا أيضا. وفي دور قصر لجم «٩» نحو ميل، وهو مبني بحجارة طول الحجر منها خمسة وعشرون شبرا ونحوها، وارتفاعه في الهواء أربع وعشرون (قامة، وهو من داخله مدرّج كلّه إلى أعلاه وأبوابها طاقات بعضها فوق بعض بأحكم صناعة) «١٠» .
١١٤٧ وترنوط فحص على ستّة أميال من المهدية، (ومنها زاحف أبو يزيد مخلد المهدية) «١١» وبهذا الفحص كانت محلّته «١٢» أيّام حصاره المهدية. وفي كتب
стр. 663
الحدثان: إذا ربط الخارجي خيله بترنوط لم يبق لأهل السواد محلول ولا مربوط- أهل السواد أهل الساحل- وفيها «١» : ويل لأهل السواد من مخلد بن كيداد.
١١٤٨ والأخوان منزل بين القيروان والمهدية، وفي هذا المنزل قتل أبو يزيد لمسيرة الفتى يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. قال علي بن علي «٢» بن ظفر يمدح أبا يزيد هذا [كامل] :
هذا وكم من وقعة مشهورة ... أبقيتها مثلا لكلّ ممثّل
بثنية الأخوين يوم تركتهم ... متوسّدين وسائدا من جندل
[مدينة جلولا]
١١٤٩ ومن مدينة «٣» القيروان إلى مدينة جلولا أربعة وعشرون ميلا. وبجلولا آثار وأبراج قائمة للأوّل وآبار عذبة وخرائب «٤» وجد فيها بعض الرعاة تاج ذهب بجوهرة، فأخذه منه ابن الأندلسي. وبقرب جلولا منتزه «٥» يعرف بسردانية ليس بإفريقية موضع أجمل منه، فيه ثمار عظيمة وفيه من النارنج خاصّة «٦» نحو ألف أصل. وجلولا مدينة لها حصن وهي مدينة أوّلية «٧» قديمة مبنية بالصخر وفيها عين ثرّة في وسطها، وهي كثيرة الأشجار والثمار وأكثر رياحينها الياسمين، وبطيب عسلها يضرب المثل لكثرة ياسمينها
стр. 664
وجرس «١» نحلها له، وبها يربّب «٢» أهل القيروان السمسم بالياسمين للنزبق «٣» وبالورد والبنفسج، وبها قصب السكر كثير، ومنها كان يرد إلى القيروان (كلّ يوم) «٤» من أحمال الفواكه والبقول ما لا يحصى كثرة. وحولها (الجنات وقبائل) «٥» ضريسة في القرارات.
١١٥٠ وفتح مدينة جلولا كان على يدي عبد الملك بن مروان، وذلك أنّه كان في جيش معاوية بن حديج التجيي «٦» ، فبعثه إلى مدينة جلولا في ألف رجل، فحاصرها أيّاما فلم يصنع شيئا، فانصرف راجعا فلم يسر إلّا يسيرا حتّى رأى في ساقة الناس غبارا شديدا فظنّ أنّ العدوّ يتبعهم، فكّر «٧» جماعة من الناس لذلك وبقي من بقي على مصافّهم، فإذا مدينة جلولا قد تساقط من سورها حائط، فدخلها المسلمون «٨» ، وغنموا ما فيها، فانصرف عبد الملك إلى معاوية بن حديج. فاختلف الناس في الغنيمة فكتب (في ذلك) «٩» إلى معاوية فراجع يقول إنّ العسكر ردة «١٠» للسرية فقسّم الفيء بينهم، فأصاب كلّ رجل منهم لنفسه مائتي درهم وللفرس سهمان. قال عبد الملك: فأخذت لنفسي ولفرسي ستّمائة درهم واشتريت بها جارية.
١١٥١ ويقال: بل نازلها معاوية بن حديج، فكان يقاتلهم على باب المدينة صدر النهار، فإذا مال الفيء انصرف فقاتلهم يوما، فلمّا انصرف نسي عبد الملك قوسه معلّقة بشجرة فانصرف إليها، فإذا جانب من المدينة قد انهدم، فصاح
стр. 665
في أثر الناس فرجعوا فقد رأوا غبرة شديدة فظنّوا أنّ العدوّ قد ضرب في ساقتهم فغنموها.
١١٥٢ قالوا: فلمّا كان من عبد الملك بن مروان ما كان ومنازعته لمعاوية بن حديج على فيئها «١» ثقل على معاوية بن حديج، فكان يتجهّمه ولا يقبل عليه، فرأى حنش الصنعاني عبد الملك بن مروان وهو متفكّر متغيّر اللون فقال له:
ما شأنك؟ فقال: إنّي أبعد قريش مجلسا من الأمير. فقال له حنش: لا تغتمّ فوالله لتلينّ الخلافة (بعد هذا) «٢» وليصيرنّ هذا الأمر إليك. فلمّا أفضت الخلافة إلى عبد الملك «٣» وبعث الحجّاج لقتال عبد الله بن الزبير ﵀ أخذ حنشا الصنعاني أسيرا فبعث به إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: ألست الّذي بشّرني بالخلافة؟ قال: بلى. قال: فلم ملت عنّي إلى ابن الزبير؟ قال: رأيته يريد الله ورأيتك تريد الدنيا فملت إليه، فعفا عنه وأطلقه.
ومن الغرائب ببلاد «٤» إفريقية ببلاد كتامة منها
١١٥٣ قال أبو جعفر أحمد بن محمّد بن أبي خالد «٥» المتطبّب وقد ذكر الماء «٦» الّذي يجري في الأشهر الحرم خاصّة: إنّ عندنا بالمغرب (ببلاد كتامة) «٧» عين الأوقات معلومة، إنّما يجري ماؤها في اليوم والليلة خمس مرّات في
стр. 666
أوقات الصلوات الخمس وينقطع ما بين ذلك، وقد ذكرنا موضع هذه العين عند ذكر المراسي بعد هذا. وقد حدّث جماعة ممّن قصد إليها ورءاها ووقف عليها بمثل ذلك.
١١٥٤ وببلاد كتامة حجر اللازورد الجيّد ومعادن النحاس والحديد. وكانت بكنيسة شقبنارية «١» في سلطان الروم أعجوبة مرآة كانت إذا اتّهم الرجل امرأته فنظر في تلك المرآة يرى وجه المبتلى بها. وكانت البربر قد تنصّرت فكان منهم بربري قد أظهر اجتهادا في النصرانية حتّى صار شمّاسا واتّهم رجل من الروم امرأته، فنظر في المرآة فإذا بوجه البربري الشمّاس، فدعا به الملك فقطع أنفه ومثل به وطرده من الكنيسة، فطرق قومه المرآة فكسّروها، فأرسل الملك إلى حيّهم فاستباحه.
[مدينة سوسة]
١١٥٥ ومن القيروان إلى مدينة سوسة ستّة وثلاثون ميلا قد أحاط بها البحر من ثلاث نواح: الشمال والجنوب والشرق، وسورها صخر منيع حصين متقن البناء يضرب فيه البحر ويدخل إلى دورها من قنى من الجهة الشرقية، وفي ركن مدينة سوسة الّذي بين المغرب والقبلة منار عال يعرف بمنار خلف الفتى، وبها ثمانية أبواب أحدها باب كبير جدّا شرقي يعرف (بباب دار الصناعة) «٢» منها تدخل المراكب وتخرج. ولمدينة سوسة بابان غربيان «٣» يقابلان الملعب،
стр. 667
والملعب بنيان عظيم للأوّل أقباء مرتفعة واسعة معقودة بحجر النشفة «١» الخفيف الّذي يطفو على الماء المجلوب من بركان صقلّية، وحوله أقباء كثيرة يفضي بعضها إلى بعض. وحول مدينة سوسة آثار عظيمة للأوّل، وبنيان سوسة كلّها بالصخر المحكم. وبسوسة أسواق كثيرة وهي مخصوصة بكثرة الأمتعة والثمر «٢» ، ولحم سوسة أطيب اللحوم وهي رخيصة الأسعار والفواكه كثيرة الخير، وهي قديمة البناء.
١١٥٦ وكان «٣» معاوية بن حديج قد بعث إليها عبد الله بن الزبير في جمع كثيف، وكان بلغه أنّ نقفور بطريقا من بطارقة الروم أنفذه ملكهم في ثلاثين ألف مقاتل فنزل بذلك الساحل، فسار عبد الله حتّى نزل شرفا عاليا ينظر منه إلى البحر بينه وبين سوسة اثنا عشر ميلا. فلمّا بلغ ذلك نقفور رجع إلى مراكبه وصدر عن ذلك الساحل، فركب عبد الله بن الزبير في جيشه حتّى بلغ البحر ونزل على باب مدينة سوسة وانحطّ عن فرسه وصلّى بالناس صلاة العصر والروم يتعجّبون من أمره وقلّة اكتراثه بهم. (فأخرجوا إليه جمعا منهم «٤» كثيرا من كماتهم «٥» رجالا وركبانا، فزحفوا إليه) «٦» وهو مقبل على صلاته لا يروعه ذلك ولا يهوّله حتّى إذا قضى صلاته شدّ على فرسه فركبه وحمل عليهم، فانكشفوا عنه «٧» فهزمهم وولّوا أدبارهم حتّى لجؤوا «٨» إلى مدينتهم فانصرف عنهم.
стр. 668
١١٥٧ ومدينة سوسة ممتنعة على من رامها قد جبل أهلها على الشدّة والبأس، وحاصرها أبو يزيد مخلد شهورا، ثمّ انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألف حصان، ففي ذلك يقول سهل «١» بن إبراهيم الورّاق [كامل] :
إنّ الخوارج صدّها عن سوسة ... منّا طعان السّمر والأقدام
وجلاد أسياف تطاير بينها «٢» ... في النقع دون المحصنات الهام
وقال أحمد بن بلج «٣» السوسي [وافر] :
ألمّ بسوسة وبغى عليها ... ولكن الإله لها نصير
مدينة سوسة للغرب «٤» ثغر ... تدين لها المدائن والقصور
لقد لعن الّذين بغوا عليها ... كما لعنت قريظة والنضير
أعزّ الدين خالق كلّ شيء ... بسوسة بعد ما التوت الأمور
ولولا سوسة لدهت دواه ... يشيب لهولها الطفل الصغير
سيبلغ ذكر سوسة كلّ أرض ... ويفشي «٥» أهلها العدد الكثير
١١٥٨ والخروج إلى القيروان من سوسة على الباب القبلي المعروف بباب القيروان، ومقبرة سوسة عن يمين هذا الطريق. وكان زيادة الله بنى سورها وكان يقول: ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات:
стр. 669
بنياني المسجد الجامع بالقيروان وبنياني قنطرة الربيع وبنياني حصن مدينة سوسة وتوليتي أحمد بن أبي محرز «١» قضاء إفريقية.
١١٥٩ وخارج مدينة سوسة محارس وروابط ومجامع للصالحين، وداخلها محرس عظيم كالمدينة مسوّر بسور متقن يعرف بمحرس الرباط، وهو مأوى للأخيار والصالحين. داخله حصن ثان يسمّى القصبة، وهو بجوفي المدينة متّصل بدار الصناعة بسفح الجبل الّذي هي في سنده شرقي وأعلى المدينة غربي. ومدينة سوسة في سند عال ترى دورها من البحر، ووراء سورها هناك هيكل عظيم يسمّيه البحريّون الفنطاس «٢» ، وهو أوّل ما يرون من البحر إذا قصدوا من صقلّية وغيرها، ولهذا الهيكل أربعة أدراج يصعد من كلّ واحد منها إلى أعلاه، وهو هيكل واسع بين بابه الّذي يدخل منه والثاني الّذي يخرج منه مسافة طويلة.
١١٦٠ والحياكة بسوسة كثيرة ويغزل بها «٣» غزل يباع زنة المثقال منه بمثقالين من ذهب، وبسوسة تقصر ثياب القيروان الرفيعة. وجباية ساحل القيروان سوسة والمهدية وسفاقس وتونس لبيت المال خاصّة غير الدخل والخراج «٤» الّذي لغير بيت المال ثمانون ألف مثقال.
стр. 670
[مدينة مستير]
١١٦١ ومن محارس سوسة المذكورة محرس المنستير الّذي جاء فيه الأثر المتقدّم الذكر، ويذكر أنّ الّذي بنى القصر الكبير بالمنستير هو هرثمة بن أعين سنة ثمانين ومائة، وله في يوم عاشورا موسم عظيم ومجمع كثير. وبالمنستير البيوت والحجر والطواحن الفارسية ومواجل الماء، وهو حصن عالي البناء متقن «١» العمل. وفي الطبقة الثانية منه مسجد لا يخلو من شيخ خير فاضل يكون مدار القوم عليه، وفيه جماعة من الصالحين والمرابطين قد حبسوا أنفسهم فيه منفردين «٢» دون الأهل والعشائر.
١١٦٢ وقال محمّد بن يوسف: هو قصر كبير عال داخله ربض واسع وفي وسط الربض حصن ثان كبير «٣» كثير المساكن والمساجد، والقصاب العالية طبقات بعضها فوق بعض، وفي القبلة منه صحن «٤» فسيح فيه قباب عالية متقنة البناء «٥» تنزل حولها النساء المرابطات تعرف بقباب جامع. وبها جامع متقن البناء وهو آزاج معقودة كلّها وأقباء لا خشب فيها، ولها حمّامات كثيرة. وكان أهل القيروان يخرجون إليهم بالأموال والصدقات الجزلة. وبقرب المنستير ملّاحة عظيمة تشحن «٦» فيها السفن بالملح إلى البلاد، وبقربه محارس خمسة «٧» متقنة البناء معمورة بالصالحين.
следующие страницы →