Полный текст (893 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
أوقات الصلوات الخمس وينقطع ما بين ذلك، وقد ذكرنا موضع هذه العين عند ذكر المراسي بعد هذا. وقد حدّث جماعة ممّن قصد إليها ورءاها ووقف عليها بمثل ذلك.
١١٥٤ وببلاد كتامة حجر اللازورد الجيّد ومعادن النحاس والحديد. وكانت بكنيسة شقبنارية «١» في سلطان الروم أعجوبة مرآة كانت إذا اتّهم الرجل امرأته فنظر في تلك المرآة يرى وجه المبتلى بها. وكانت البربر قد تنصّرت فكان منهم بربري قد أظهر اجتهادا في النصرانية حتّى صار شمّاسا واتّهم رجل من الروم امرأته، فنظر في المرآة فإذا بوجه البربري الشمّاس، فدعا به الملك فقطع أنفه ومثل به وطرده من الكنيسة، فطرق قومه المرآة فكسّروها، فأرسل الملك إلى حيّهم فاستباحه.
[مدينة سوسة]
١١٥٥ ومن القيروان إلى مدينة سوسة ستّة وثلاثون ميلا قد أحاط بها البحر من ثلاث نواح: الشمال والجنوب والشرق، وسورها صخر منيع حصين متقن البناء يضرب فيه البحر ويدخل إلى دورها من قنى من الجهة الشرقية، وفي ركن مدينة سوسة الّذي بين المغرب والقبلة منار عال يعرف بمنار خلف الفتى، وبها ثمانية أبواب أحدها باب كبير جدّا شرقي يعرف (بباب دار الصناعة) «٢» منها تدخل المراكب وتخرج. ولمدينة سوسة بابان غربيان «٣» يقابلان الملعب،
стр. 667
والملعب بنيان عظيم للأوّل أقباء مرتفعة واسعة معقودة بحجر النشفة «١» الخفيف الّذي يطفو على الماء المجلوب من بركان صقلّية، وحوله أقباء كثيرة يفضي بعضها إلى بعض. وحول مدينة سوسة آثار عظيمة للأوّل، وبنيان سوسة كلّها بالصخر المحكم. وبسوسة أسواق كثيرة وهي مخصوصة بكثرة الأمتعة والثمر «٢» ، ولحم سوسة أطيب اللحوم وهي رخيصة الأسعار والفواكه كثيرة الخير، وهي قديمة البناء.
١١٥٦ وكان «٣» معاوية بن حديج قد بعث إليها عبد الله بن الزبير في جمع كثيف، وكان بلغه أنّ نقفور بطريقا من بطارقة الروم أنفذه ملكهم في ثلاثين ألف مقاتل فنزل بذلك الساحل، فسار عبد الله حتّى نزل شرفا عاليا ينظر منه إلى البحر بينه وبين سوسة اثنا عشر ميلا. فلمّا بلغ ذلك نقفور رجع إلى مراكبه وصدر عن ذلك الساحل، فركب عبد الله بن الزبير في جيشه حتّى بلغ البحر ونزل على باب مدينة سوسة وانحطّ عن فرسه وصلّى بالناس صلاة العصر والروم يتعجّبون من أمره وقلّة اكتراثه بهم. (فأخرجوا إليه جمعا منهم «٤» كثيرا من كماتهم «٥» رجالا وركبانا، فزحفوا إليه) «٦» وهو مقبل على صلاته لا يروعه ذلك ولا يهوّله حتّى إذا قضى صلاته شدّ على فرسه فركبه وحمل عليهم، فانكشفوا عنه «٧» فهزمهم وولّوا أدبارهم حتّى لجؤوا «٨» إلى مدينتهم فانصرف عنهم.
стр. 668
١١٥٧ ومدينة سوسة ممتنعة على من رامها قد جبل أهلها على الشدّة والبأس، وحاصرها أبو يزيد مخلد شهورا، ثمّ انهزم عنها وكان عليها في ثمانين ألف حصان، ففي ذلك يقول سهل «١» بن إبراهيم الورّاق [كامل] :
إنّ الخوارج صدّها عن سوسة ... منّا طعان السّمر والأقدام
وجلاد أسياف تطاير بينها «٢» ... في النقع دون المحصنات الهام
وقال أحمد بن بلج «٣» السوسي [وافر] :
ألمّ بسوسة وبغى عليها ... ولكن الإله لها نصير
مدينة سوسة للغرب «٤» ثغر ... تدين لها المدائن والقصور
لقد لعن الّذين بغوا عليها ... كما لعنت قريظة والنضير
أعزّ الدين خالق كلّ شيء ... بسوسة بعد ما التوت الأمور
ولولا سوسة لدهت دواه ... يشيب لهولها الطفل الصغير
سيبلغ ذكر سوسة كلّ أرض ... ويفشي «٥» أهلها العدد الكثير
١١٥٨ والخروج إلى القيروان من سوسة على الباب القبلي المعروف بباب القيروان، ومقبرة سوسة عن يمين هذا الطريق. وكان زيادة الله بنى سورها وكان يقول: ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات:
стр. 669
بنياني المسجد الجامع بالقيروان وبنياني قنطرة الربيع وبنياني حصن مدينة سوسة وتوليتي أحمد بن أبي محرز «١» قضاء إفريقية.
١١٥٩ وخارج مدينة سوسة محارس وروابط ومجامع للصالحين، وداخلها محرس عظيم كالمدينة مسوّر بسور متقن يعرف بمحرس الرباط، وهو مأوى للأخيار والصالحين. داخله حصن ثان يسمّى القصبة، وهو بجوفي المدينة متّصل بدار الصناعة بسفح الجبل الّذي هي في سنده شرقي وأعلى المدينة غربي. ومدينة سوسة في سند عال ترى دورها من البحر، ووراء سورها هناك هيكل عظيم يسمّيه البحريّون الفنطاس «٢» ، وهو أوّل ما يرون من البحر إذا قصدوا من صقلّية وغيرها، ولهذا الهيكل أربعة أدراج يصعد من كلّ واحد منها إلى أعلاه، وهو هيكل واسع بين بابه الّذي يدخل منه والثاني الّذي يخرج منه مسافة طويلة.
١١٦٠ والحياكة بسوسة كثيرة ويغزل بها «٣» غزل يباع زنة المثقال منه بمثقالين من ذهب، وبسوسة تقصر ثياب القيروان الرفيعة. وجباية ساحل القيروان سوسة والمهدية وسفاقس وتونس لبيت المال خاصّة غير الدخل والخراج «٤» الّذي لغير بيت المال ثمانون ألف مثقال.
стр. 670
[مدينة مستير]
١١٦١ ومن محارس سوسة المذكورة محرس المنستير الّذي جاء فيه الأثر المتقدّم الذكر، ويذكر أنّ الّذي بنى القصر الكبير بالمنستير هو هرثمة بن أعين سنة ثمانين ومائة، وله في يوم عاشورا موسم عظيم ومجمع كثير. وبالمنستير البيوت والحجر والطواحن الفارسية ومواجل الماء، وهو حصن عالي البناء متقن «١» العمل. وفي الطبقة الثانية منه مسجد لا يخلو من شيخ خير فاضل يكون مدار القوم عليه، وفيه جماعة من الصالحين والمرابطين قد حبسوا أنفسهم فيه منفردين «٢» دون الأهل والعشائر.
١١٦٢ وقال محمّد بن يوسف: هو قصر كبير عال داخله ربض واسع وفي وسط الربض حصن ثان كبير «٣» كثير المساكن والمساجد، والقصاب العالية طبقات بعضها فوق بعض، وفي القبلة منه صحن «٤» فسيح فيه قباب عالية متقنة البناء «٥» تنزل حولها النساء المرابطات تعرف بقباب جامع. وبها جامع متقن البناء وهو آزاج معقودة كلّها وأقباء لا خشب فيها، ولها حمّامات كثيرة. وكان أهل القيروان يخرجون إليهم بالأموال والصدقات الجزلة. وبقرب المنستير ملّاحة عظيمة تشحن «٦» فيها السفن بالملح إلى البلاد، وبقربه محارس خمسة «٧» متقنة البناء معمورة بالصالحين.
стр. 671
[ذكر مدينة تونس]
١١٦٣ ومن القيروان إلى مدينة تونس مائة ميل، وهي ثلاث مراحل: فإلى فندق شكل مرحلة وإلى منستير عثمان مرحلة وإلى القيروان مرحلة. وطريق آخر:
إلى منزل باشو «١» إلى الدواميس إلى القيروان.
١١٦٤ ودور مدينة تونس أربع وعشرون ألف ذراع. وفي سنة أربع عشرة ومائة بنى عبيد الله بن الحبحاب الجامع ودار الصناعة بمدينة تونس. وأهلها موصوفون بدناءة «٢» النفوس. واسم مدينة تونس في الأوّل ترشيش، ويقال لبحرها بحر رادس وكذلك يسمّى مرساها مرسى رادس. وافتتحها حسّان بن النعمان (بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو مزيقياء «٣» بن عامر الأزدي. وروى جماعة عن أبي المهاجر قال: سار حسّان بن النعمان) «٤» إلى أرطة فقاتل الروم بفحص تونس، فسأله الروم ألّا يدخل عليهم وأن يضع الخراج عليهم ويقوموا له بما يحمله وأصحابه، فأجابهم إلى ذلك. وكانت لهم سفن معدّة من ناحية الباب الّذي يقال له باب النساء، فاحتملوا فيها أهلهم وأموالهم وهربوا ليلا وأسلموا المدينة. فدخلها حسّان فحرق وخرب فبنى فيها مسجدا وبقي هناك طائفة من المسلمين. وكذلك كان من مكر صاحب قرطاجنّة أيضا بحسّان بن النعمان، إنّ الروم لمّا فرّوا عنها وبقي فيها مرناق صاحبها ليس معه إلّا أهله بعث إلى حسّان: هل لك أن تعاهدني وولدي وتقطع لي قطائع أشترطها عليك وأفتح لك بابا «٥» فتدخل المدينة على من
стр. 672
فيها؟ فأجابه إلى مسألته فاشترط عليه المنازل الّتي بين الجبلين الّتي يقال لها فحص مرناق، وهي إذ ذاك ثلاثمائة وستّون «١» قرية، ثمّ فتح لهم الباب، فلم يجد فيها أحدا غيره وغير ولده وأهله «٢» ، فتمّم له حسّان ما اشترطه «٣» وانصرف إلى القيروان.
١١٦٥ قال: وأغارت الروم من البحر على من كان بقي من المسلمين في مدينة تونس وخرجت إليهم في المراكب فقتلوا «٤» من بها وسبوا وغنموا، ولم يكن للمسلمين شيء يحصنهم من عدوّهم، إنّما كانوا معسكرين هناك. وبلغ «٥» حسّان ذلك فرحل إلى تونس وأرسل أربعين رجلا من أشراف العرب إلى عبد الملك بن مروان وكتب إليه بما نال المسلمين من البلاء وأقام هناك مرابطا ينتظر رأي عبد الملك. فلمّا بلغ ذلك عبد الملك عظم عليه، وكان إذ ذاك التابعون متوافرين فيهم اثنان من أصحاب رسول الله ﷺ : أنس بن مالك وزيد بن ثابت، فقالا للمسلمين: من رابط برادس يوما فله الجنّة حتما.
وقالا لعبد الملك: امدد هذه البلاد وانصر أهلها ليأمنوا من العدوّ ويكون لك ثوابها وأجرها، فإنّها من البلدان المقدّسة المرحوم أهلها وهي حرس لمقدونية، يريدون القيروان.
١١٦٦ وروي أنّ ببحر رادس خرق الخضر ﵇ السفينة وأنّ الملك الّذي كان يأخذ كلّ سفينة غصبا الجلندي ملك قرطاجنة، فخرق الخضر السفينة ببحر
стр. 673
رادس وقتل الغلام بطنبدة، وهي اليوم تسمّى المحمّدية «١» ، وهناك فارق موسى الخضر ﵉. وطنبدة على أميال يسيرة من تونس.
١١٦٧ فكتب عبد الملك بن مروان إلى أخيه عبد العزيز وهو والي مصر أن يوجّه إلى معسكر تونس ألف قبطي بأهله وولده وأن يحملهم من مصر ويحسن عونهم حتّى يصلوا إلى ترشيش وهي تونس. وكتب إلى ابن النعمان أن يبني لهم دار صناعة تكون قوّة وعدّة للمسلمين إلى آخر الدهر، وأن يجعل على البربر جرّ الخشب لإنشاء المراكب ليكون ذلك جاريا عليهم إلى آخر الدهر، وأن يصنع بها المراكب (ويجاهد الروم في البرّ والبحر، وأن يغار منها على سواحل الروم فيشتغلوا «٢» عن القيروان نظرا للمسلمين وتحصينا لشأنهم «٣» . فوصل القبط إلى حسّان وهو مقيم بتونس، فأجرى البحر من مرسى «٤» رادس إلى دار الصناعة وجرّ البربر الخشب وجعل فيها المراكب) «٥» الكثيرة وأمر القبط بعمارتها.
١١٦٨ وبشرقي مدينة تونس بحيرة كبيرة دورها أربعة وعشرون ميلا في وسطها جزيرة تسمّى شكلة مقدار ميلين «٦» تنبت الكلخ، وبها آثار قصر خرب، فصارت دار صناعة تونس متّصلة (بالمينى والمينى متّصل) «٧» بالبحيرة (والبحيرة متّصلة بالبحر) «٨» . وعلى شاطى المينى مسجد يعرف بمسجد عبد الله، وبقبلي المينى قصر مبنيّ بالحجارة متقن البناء، وفي الجوف منه حائط صخر
стр. 674
كالسور، فصار المدخل بالسفن في هذا المينى بين حائط القصر (وهذا السور، وتعرض بينهما سلسلة حديد تمنع المراكب من الدخول والخروج ما دامت متعرّضة «١» ، وهذا القصر) «٢» يعرف بقصر السلسلة. وبقبلي القصر صهريجان كبيران كان ملوك بني الأغلب يرسلون فيهما ماء البحر ويملأونهما بالسمك.
١١٦٩ وقد تقدّم أنّ عبيد الله بن الحبحاب بنى دار الصناعة «٣» ، فلعلّ من روى ذلك يريد أنّ عبيد الله جدّدها وزادها تحصينا. فلم تزل تونس معمورة من يومئذ يغزو منها المسلمون بلاد الروم ويكثرون فيهم النكاية ولهم الإذاية.
١١٧٠ ومدينة تونس في سفح جبل يعرف بجبل أمّ عمرو، ويدور بمدينتها خندق حصين، ولها خمسة أبواب: باب الجزيرة قبلي ينسب إلى جزيرة شريك ويخرج منه إلى القيروان، ويقابله الجبل المعروف بجبل التوبة وهو جبل عال لا ينبت شيئا في أعلاه قصر مبنيّ مشرف على البحر، وبشرقي هذا القصر (غار منحني الباب يسمّى المعشوق، وبالغربي منه عين ماء، وبغربي هذا) «٤» الجبل جبل يعرف بجبل الصيادة فيه قرى كثيرة الزيتون والثمار والمزارع، وفي هذا الجبل سبعة مواجل للماء أقباء على غرار واحد، وبغربي هذا الجبل أيضا أشراف ومزارع متّصلة بموضع يعرف بالملعب فيه قصر لبني الأغلب قد غرس بجميع الثمار وأصناف الرياحين. وبشرقي مدينة تونس المينى والبحيرة الّتي
стр. 675
ذكرناها وسبخة «١» ، وبشرقيها أيضا باب قرطاجنة دونه داخل الخندق بساتين كثيرة وآيار بسوان تعرف سواني المرج. وباب السقائين جوفي نسب إلى السقائين لأنّ بئرا تعرف ببئر أبي القفار «٢» تقابله، وهي بئر كبيرة عزيزة عذبة المائة نميرة، وهناك قصور لبني الأغلب وبساتين فيها أصناف الثمار والرياحين، ويتّصل بها جبل أجرد يقال له جبل خفاجة في أعلاه آثار بنيان. وباب أرطة غربي وتجاوره مقبرة تعرف بمقبرة سوق الأحد، ودون الباب من داخل الخندق غدير كبير يعرف الفحّامين، وربض المرضى خارج عن المدينة،.
وبقبلي ربض المرضى ملاحة كبيرة منها ملحهم وملح من يجاورهم.
١١٧١ وجامع «٣» مدينة تونس رفيع البناء مطلّ على البحر ينظر الجالس «٤» فيه إلى جميع جواريه، ويرقى إلى الجامع من جهة الشرق على اثني عشرة درجة، وبها أسواق كثيرة ومتاجر عجيبة. وبمدينة تونس خمسة عشر حمّاما وفنادق كثيرة رفيعة. وعضادات أبواب دور «٥» مدينة تونس كلّها رخام بديع لوحان قائمان وثالث معترض عليهما مكان العتبة. ومن أمثالهم: دور تونس أبوابها رخام وداخلها سخام.
١١٧٢ ومدينة تونس دار علم وفقه ولي منها قضاء إفريقية جماعة كثيرة، ومع هذا الفضل الّذي فيها هي مخصوصة بالقيام على الأمراء والخلاف للولاة، خالفت
стр. 676
نحو عشرين مرّة، وامتحن أهلها أيّام أبي يزيد بالقتل والسبي وذهاب الأموال. وقال الجربي صاحب الحدثان [طويل] :
فويل لترشيش وويل لأهلها ... من الحبشي الأسود المتغاصب
وقال بعض الشعراء [طويل] :
لعمرك ما ألفيت تونس كاسمها ... ولكنّني ألفيتها وهي توحش
١١٧٣ وتصنع بتونس «١» آنية للماء من الخزف تعرف بالريحية شديدة البياض في نهاية الرقّة تكاد تشفّ ليس «٢» يعلم لها نظير في جميع الأقطار وعامّة الأمصار. ومدينة تونس من أشرف مدائن إفريقية وأطيبها ثمرا وأنفسها «٣» فاكهة، فمن ذلك اللوز الفريك يفرك بعضه بعضا من رقّة قشره ويحتّ «٤» باليد وأكثره حبّتان في كلّ لوزة مع طيب المضغة وعظم الحبّة. والرمّان الضعيف «٥» لا عجم لحبّه البتّة مع صدق الحلاوة وكثرة المائية، والأترج الجليل الطيّب «٦» الطعم الذكي الرائحة البديع المنظر، والتين الخارمي أسود كبير رقيق القشر كثير العسل لا يكاد يوجد له بزر، والسفرجل المتناهي كبرا وطيبا وعطرا، والعناب «٧» الرفيع في قدر الجوز «٨» ، والبصل القلوري «٩» في خلق الأترج مستطيل سابري القشر صادق الحلاوة كثير الماء.
وبها من أجناس الحوت الّذي لا يكون مثله في غيرها ما لا يحصى كثرة، أجناس تجري في البحر مع شهور العجم في كلّ شهر من تلك الشهور يجري فيه جنس منه «١٠» لا يوجد في البحر إلى دخول ذلك الشهر من العام
стр. 677
المقبل، فهم «١» من تجدّدها في لذّة موصولة ونعمة غير مملولة وكلّ جنس منها يصيّر ويبقى السنين صحيح الجرم طيّب الطعم، منها جنس يعرف بالعبانق «٢» وجنس يعرف بالأكتوبري وجنس يعرف بالأشبارش وجنس يعرف بالملكوس «٣» وجنس يعرف بالبقونس، ومن أمثالهم: لولا البقونس لم يخالف أهل تونس.
١١٧٤ وفي الطريق بينها وبين القيروان منزل يقال له مجقّة «٤» ، إذا كان أوان طيب الزيتون بالساحل قصدته الزرازر فباتت فيه، وقد حمل كلّ طائر منها زيتونتين في مخلبيه فيلقي الزيتون هناك وله غلّة عظيمة تبلغ سبعين ألف درهم.
[ذكر مدينة قرطاجنة]
١١٧٥ ومن مدينة تونس إلى قرطاجنة اثنا عشر ميلا. ويقال إنّ الّذي بنى قرطاجنة ديدون «٥» الملك زمن داود ﵇. ويقال إنّ بين بناء قرطاجنة وبناء مدينة رومية «٦» اثنتان وسبعون سنة. ولو دخلها الداخل أيّام عمره وتدبّر فيها «٧» لرأى كلّ يوم مستأنف أعجوبة لم يرها في السالف. وهي على شاطىء البحر يصيب سورها أمواجه، وكان تكسير سورها أربعة عشر ألف ذراع.
стр. 678
١١٧٦ وقال أبو جعفر أحمد بن إبراهيم المتطبّب القيرواني في مغازي إفريقية: إنّ موسى بن نصير لمّا دخل الأندلس فأتى على ما أراد منها قال لهم: دلّوني على أسنّ شيخ فيكم. فأتي بشيخ قد وقعت حاجباه عن عينيه من الكبر، فقال له موسى: من أين أنت يا شيخ؟ قال: من قرطاجنة إفريقية. فقال له موسى: فما الّذي أصارك هنا وكيف كان خبر قرطاجنة؟ (قال له: أتعرف من بنى قرطاجنة؟) «١» . قال له الشيخ: بناها قوم من بقية العادين الّذين هلك قومهم بالريح فبقيت بعدهم خرابا ألف سنة حتّى بناها (أردمين بن لاودين) «٢» بن نمرود الجبّار، وجلب إليها الماء العذب من دلالا «٣» فحفر له في الجبال وبنى القناطر في بطون الأودية حتّى استوى جري الماء فيها بعد عمل أربعين سنة. قال: فلمّا حفر أساس تلك القناطر (في طول الأودية) «٤» أصيب فيه حجر عليه كتابة، فإذا فيه «٥» : إنّ هذه المدينة ليست تخرب إلّا إذا ظهر فيها الملح. قال الشيخ: فبينا نحن ذات يوم في مجرى قرطاجنة جلوس إذا بملح على حجر، فعند ذلك رحلت إلى هاهنا.
١١٧٧ وكان سبب خراب قرطاجنة أنّ أنيبل ملك إفريقية- وكانت قرطاجنة دار ملكه- مضى إلى بلد «٦» إيطالية الّذي فيه مدينة رومة ولاقى قوّاد رومة، وكان أهل رومة يومئذ لا ملك لهم، إنّما كان تدبير مملكتهم إلى سبعين رجلا «٧» من كبائرهم يخرجون من أنفسهم كلّ عام اثني عشر قائدا يقرعون بينهم على نواحيها، فيخرج كلّ واحد إلى الناحية الّتي وقعت عليها قرعته.
стр. 679
فهزمهم أنيبل وقتلهم في عدّة مواطن حتّى بعث إلى إفريقية بثلاثة أمداء من خواتم الذهب الّتي كانت في أيدي أشراف من قتل منهم وملوكهم، فكتب إليهم: هذا عدد من قتلته من الأشراف والقوّاد فضلا عن غيرهم. فأقام في بلاد إيطالية محاربا لمدينة رومة ومضيقا على نواحيها «١» نحوا من ستّ عشرة سنة. فركب قائد من قوّادهم يقال له شبيون المراكب خفية حتّى أتى صقلّية، فحشر من اجتمع له بها، ثمّ مضى إلى بلد إفريقية وترك أنيبل محاصرا لبلد رومة «٢» ، فنصر على الإفريقيّين وعمّ بلد إفريقية قتلا وسبيا واحتراقا، وبقي محاصرا لقرطاجنة فبعث أهلها إلى أميرهم أنيبل يعلمونه بما دهمهم «٣» من أهل رومة ويسألونه الإسراع لغياثهم. فعجب عند ذلك أنيبل وقال: إنّي كنت أرى «٤» أنّ التزامي «٥» محاصرة هذه المدينة يقطع اسم الرومانيّين من الدنيا، فأظنّ أنّ إله السماء لا يأذن بذلك. ثمّ ركب المراكب وأسرع الرجوع إلى إفريقية، فزحف إليه شبيون قائد الرومانيّين فهزمه في كلّ مشهد.
١١٧٨ فجعل أنيبل يخاطبه ويقول: أين كنتم معشر الرومانيّين من هذه النجدة إذ كنّا نقاتلكم ونهزمكم في أفنيتكم؟ فقال له شبيون: إذ كنتم في بلدنا قد بعد عنكم بلدكم وحصونكم ونحن في حصوننا وبلدنا كنّا أشدّ منكم خورا وكنتم أشدّ منّا استثباتا «٦» ، فلمّا صرنا في بلدكم انتقل الأمر وتبدّل الحكم. فغلب عند ذلك أهل رومة على أهل إفريقية وهدموا مدينة قرطاجنة.
стр. 680
١١٧٩ وأعجب ما بقرطاجنة دار الملعب وهم يسمّونها الطياطر، قد بنيت أقواسا على سواري وعليها مثلها ما أحاط بالدار، وقد صوّر في حيطانها جميع الحيوان وصور أصحاب جميع الصناعات وجعلت فيه صور الرياح، وجعل صورة الصبا وجه مستبشر وصورة الدبور وجه عابس «١» . ورخام قرطاجنة لو اجتمع أهل إفريقية على نقله واستخراج جميعه ما أمكنهم ذلك لكثرته.
وفيها قصر يعرف بالمعلّقة مفرط العظم والعلو، أقباء معقودة وطبقات كثيرة مطلّ على البحر، في غربيّه قصر يعرف بالطياطر وهو الّذي فيه دار الملعب المذكورة، (وهو كثير الأبواب والتراويج وهو أيضا طبقات على كلّ باب صورة حيوان رخام وصور جميع الصنّاع، وقصر يقال له قومش «٢» طبقات كثيرة أيضا في سواري رخام مفرطة الكبر والعظم) «٣» يتربع «٤» على رأس السارية منها اثنا عشر رجلا وبينهم «٥» سفرة طعام أو شراب، (وهي مشطّبة كالثلج بياضا والمهاة صفاء، بعض تلك السواري قائمة وبعضها ساقطة «٦» ، وبها قبو «٧» عظيم لا يدرك الطرف آخره) «٨» فيه سبعة مواجل للماء كبار تعرف بمواجل الشياطين فيها ماء قديم لا يدرى متى دخلها. وبقرب قصر قومش «٩» سجن أقباء بعضها فوق بعض مظلم مهيب الدخول فيه جثث الموتى على حالهم إلى اليوم، فإذا مسّوا تلاشوا.
١١٨٠ وداخل المدينة مينى كانت المراكب تدخلها بشرعها، وهي اليوم ملاحة عليها قصر «١٠» ورباط يعرف ببرج أبي سليمان. وفي وسط المدينة صهريج كبير
стр. 681
(حوله في وقتنا هذا ألف وسبعمائة حنية قائمة سوى ما انهدم منها، وكان يجري إلى هذا المصنع «١» الماء المجلوب من عين جقار «٢» إلى قرطاجنة) «٣» على مسيرة أيّام في قناة عظيمة تغيب مرّة تحت الأرض وتكون في موضع آخر «٤» في قناطر فوق قناطر حتّى تساوي السحاب. ومن عين جقّار كان عبيد الله الشيعي يشرب الماء يرد عليه كلّ يوم منه أحمال معروفة.
١١٨١ وبقرطاجنة قصران من رخام يعرفان بالأختين ليس فيهما حجر سواه محكم البناء رخامه كلّه مدخل بعضه في بعض، وبهذين القصرين ماء مجلوب يأتي من قبل الجوف لا يعرف من أين منبعثه يصبّ في البحر وعليه نواعير لقرى قرطاجنة. وبها سواري قائمة طول الظاهر فوق الأرض منها أربعون ذراعا، قد عقد عليه قبو من حجر النشفة، وهو الحجر الخفيف الّذي يطفو فوق الماء. وبها قبّة لا يلحقها الرامي بأشدّ نزع السهام علوّا وسمّوا، حولها «٥» سطح مفروش بالفسيفساء خمسون ذراعا في مثلها. وخرائب قرطاجنة اليوم قرى «٦» رفيعة مفيدة عامرة، وأصناف ثمارها متناهية في الطيب لا يكاد يرى ما يفضلها.
١١٨٢ وروى الثقات عن عبد الرحمان بن زياد بن أنعم قال: كنت وأنا غلام مع عمّي (بقرطاجنة نمشي في آثارها ونعبر «٧» بعجائبها، فإذا بقبر مكتوب عليه بالحميرية: أنا عبد الله) «٨» بن الأواس رسول رسول الله صالح. وفي
стр. 682
رواية أخرى «١» : أنا معتب «٢» بعثت إلى (أهل هذه) «٣» القرية أدعوهم إلى الله، أتيتهم ضحى فقتلوني ظلما فحسيبهم الله. وقال إسحاق بن عبد الملك «٤» الملشوني «٥» : لم يدخل إفريقية نبيّ قطّ، وأوّل من دخلها بالإيمان حواري عيسى بن مريم ﵇.
١١٨٣ وفيما بين مدينة سوسة ومدينة تونس جزيرة شريك، (تنسب إلى شريك العبسي كان عاملا عليها، وأمّ إقليم «٦» جزيرة شريك) «٧» منزل باشو، وهي مدينة كبيرة آهلة بها جامع وحمّامات وثلاث رحاب وأسواق عامرة وبها قصر أحمد بن عيسى القائم على ابن الأغلب. وبجزيرة شريك اجتمعت الروم بعد دخول عبد الله بن سعد بن أبي سرح المغرب وتبادروا «٨» منها إلى مدينة إقليبية وما حولها، ثمّ ركبوا منها إلى جزيرة قوصرة وهي بين صقلّية وإفريقية وكانت إذ ذاك عامرة. فيقال إنّهم أقاموا بها إلى خلافة عبد الملك بن مروان، فأغزى عبد الملك بن مروان (عبد الملك) «٩» بن قطن في البحر، ففتح ما كان هنالك من الجزائر والقصور وخربها وقفل ظافرا «١٠» .
١١٨٤ ومن تونس إلى منزل باشو هذا مرحلة بينهما قرى (كبيرة آهلة) «١١» كثيرة وحامة «١٢» جليلة مجرّبة النفع. ثمّ من باشو إلى قرية الدواميس مرحلة، وهي قرية كبيرة آهلة كثيرة الزيتون والشجر بينهما قصر الزيت ووادي الدمنة وفندق
стр. 683
ريحان ووادي الرمّان «١» . ومن قرية الدواميس إلى القيروان مرحلة بينهما قصور ومنازل وقرى «٢» .
١١٨٥ وبحذاء جزيرة شريك في البرّ نحو الجنوب جبل زغوان، وهو جبل منيف مشرف يسمّى كلب الزقاق «٣» ، لظهوره وعلوّه واستدلال المسافرين به أينما توجّهوا، فإنّه يرى على مسيرة الأيّام الكثيرة، ولعلوّه ترى السحاب دونه وكثيرا ما يمطر (سفحه ولا يمطر) «٤» أعلاه. وأهل إفريقية يقولون لمن يستثقلونه من الناس: هو أثقل من جبل زغوان وأثقل من جبل الرصاص، وهو على تونس. وقال الشاعر يخاطب حمامة «٥» أرسلها بكتاب من القيروان إلى تونس [وافر] :
وفي زغوان فاستعلي علوّا ... وداني في تعاليك السحابا
وبزغوان قرى كثيرة آهلة كثيرة المياه والثمار والبساتين، منها فندق شكل المحلّة «٦» المعروفة وهي على مرحلة من تونس قرية كبيرة آهلة، ومنها قرية قلمجنة «٧» كان أبو القاسم بن عبيد الله شرع في بنيانها واتّخذها مدينة يسكنها الغريب السّابل من هوارة ونفوسة. وهذا الجبل مأوى للصالحين وخيار المسلمين.
стр. 684
١١٨٦ وبغربي جبل زغوان مدينة لربس «١» بينها وبين القيروان مسيرة ثلاثة أيّام، وهي مدينة مسوّرة لها ربض كبير، وبأرضها يكون أطيب الزعفران ويعرف ببلد العنبر، وبها صار إبراهيم بن أبي الأغلب «٢» حين خرج من القيروان.
وفي سنة ستّ وتسعين ومائتين زحف إليها أبو عبد الله الشيعي ونازلها وبها جمهور أجناد إفريقية مع إبراهيم، ففرّ عنها ابن أبي الأغلب في جماعة من القوّاد والجند إلى أطرابلس ودخلها الشيعي عنوة، ولجأ أهلها ومن بقي فيها من فل «٣» الجند إلى جامعها وركب بعض الناس بعضا، فقتلهم الشيعي أجمعين حتّى كانت تسيل الدماء من أبواب المسجد كسيلان الماء بوابل الغيث. وقيل إنّه قتل داخل المسجد ثلاثين ألفا، وذلك من وقت صلاة العصر إلى آخر الليل. وكانت ولاية بني الأغلب إفريقية مائة سنة وإحدى عشرة سنة.
١١٨٧ ومن مدينة لربس «٤» إلى مدينة الأنصاريّين «٥» مسيرة يوم. نسبت إلى قوم نزلوها من الأنصار من ولد جابر بن عبد الله، وهي طيّبة الأرض كثيرة الريع وحنطتها أجلّ حنطة بإفريقية.
١١٨٨ ومن مدينة القيروان إلى مدينة قفصة ثلاثة أيّام، وهي مدينة مبنيّة كلّها على
стр. 685
أساطين وطيقان رخام قد بني خلالها «١» بالصخر الجليل بأحكم عمل.
ويذكر أنّ باني هذا السور شنتيان «٢» غلام نمرود «٣» ، وقد زبر «٤» عليه اسمه وهو مقروء فيه إلى اليوم، وسورها كأنّما قد فرغ من عمله بالأمس.
وداخل مدينة قفصة عينان نضّاختان تنبعان بنهرين خرّارين يسقيان بساتينها ومزروعاتها «٥» ، وفي داخل جامعها عين كبيرة مبنية بالصخر من بنيان الأوّل أربعون باعا «٦» في مثلها. وقفصة أكثر بلاد القيروان فستقا ومنها ينتشر بإفريقية ويحمل إلى مصر والأندلس وسجلماسة. وبها تمر مثل بيض الحمام وهي تمير القيروان بأنواع الفواكه والتمر. وحولها أكثر من مائتي قصر عامرة آهلة تطّرد فيها وحواليها المياه تعرف بقصور قفصة. وجباية قفصة خمسون ألف «٧» دينار. ومن قصور قفصة مدينة طراق «٨» وهي في منصف الطريق من قفصة إلى فجّ الحمار «٩» وأنت تريد القيروان. ومدينة طراق كبيرة آهلة بها جامع وسوق حافلة وإليها ينسب الكساء الطّراقي وهو من جهاز «١٠» مصر، وهي كثيرة الفستق.
١١٨٩ وتسير من القيروان إلى مدينة نفزاوة في ستّة أيّام نحو الغرب، ولمدينة نفزاوة عين تسمّى بالبربرية تاورغى وهي عين كبيرة لا يدرك لها قعر. ولمدينة نفزاوة سور صخر وطوب ولها ستّة أبواب وبها جامع «١١» وأسواق حافلة، (وهي على نهر كثير النخل والثمار، وحواليها عيون كثيرة وبقبليّها مدينة أوّلية «١٢» تعرف بالمدينة عليها سور وبها جامع وحمّام وسوق) «١٣» وحولها عيون وبساتين. وبين مدينة نفزاوة وقابس ثلاث مراحل، (وبينها وبين قفصة مرحلتان، وهي على ثلاث مراحل) «١٤» من قيطون بياضة، ومن قيطون
стр. 686
بياضة إلى مدينة نفطة «١» مرحلة، إلى مدينة توزر مرحلة، إلى مدينة نفزاوة مرحلة. ومن نفزاوة تسير إلى بلاد قسطيلية وبينهما أرض سوّاخة لا يهتدى الطريق «٢» فيها إلّا بخشب منصوبة، وأدلّاء تلك الطريق بنو موليت لأنّ هناك ظواعينهم، فإن ضلّ أحد يمينا أو شمالا غرق في أرض دبياس «٣» تشبه في الرطوبة بالصابون، وقد هلكت فيها العساكر والجماعات ممّن دخلها ولم يدر أمرها. (وتسمّى هذه الأرض بالسوّاخة) «٤» ، وتصل هذه الأرض السواخة إلى مدينة (غواسين، وقيل إلى مدينة) «٥» غدامس.
ذكر بلاد قسطيلية «٦»
١١٩٠ فأمّا بلاد قسطيلية فإنّ من مدنها توزر والحمّة «٧» ونفطة، وتوزر هي أمّها وهي مدينة كبيرة عليها سور مبني بالحجر والطوب ولها جامع محكم البناء وأسواق كثيرة، وحولها أرباض واسعة آهلة، وهي مدينة حصينة لها أربعة أبواب (كثيرة النخل والبساتين والثمار إلّا أنّ قصب السكر واللوز) لا يصلحان بها. وحولها سواد عظيم من النخل، وهي أكثر بلاد إفريقية تمرا ويخرج منها في أكثر الأيّام ألف بعير موقورة تمرا وأزيد. شربها من ثلاثة أنهار تخرج من رمال كالدرمك «٨» رقّة وبياضا، يسمّى ذلك الموضع بلسانهم شرش «٩» . وإنّما تنقسم هذه الثلاثة الأنهار بعد اجتماع مياه تلك الرمال بموضع يسمّى وادي الجمال يكون قعر النهر هناك نحو مائتي ذراع، ثمّ ينقسم كلّ نهر من هذه الأنهار الثلاثة على ستّة جداول وتتشعّب من تلك الجداول سواق لا تحصى كثرة تجري في قنوات مبنيّة بالحجر «١٠» على قسمة عدل لا
стр. 687
يزيد بعضها على بعض شيئا. كلّ ساقية سعة شبرين في ارتفاع فتر يلزم كلّ من يسقي منها أربعة أقداس «١» مثقال في العام. (وقيل: يلزم كلّ من يسقي نهارا أربعة أسداس المثقال في العام) «٢» وبحساب ذلك في الأكثر والأقلّ، وهو أن يعمد الّذي يكون له دولة السقي إلى قدس في أسفله ثقبة «٣» بمقدار ما يسدّها وتر قوس الندّاف، فيملؤها بالماء ويعلقه ويسقي حائطه أو بستانه من تلك الجداول حتّى ينفد ماء القدس، ثمّ يملأوه ثانية. وهم قد علموا أنّ سقي اليوم الكامل هو مائة واثنان وتسعون قدسا «٤» .
١١٩١ ولا يعلم في بلد مثل أترجها جلالة وحلاوة، وبها الترنجبين والمخيطا والأملج.
وجباية قسطيلية مائتا ألف دينار. وأهلها يستطيبون لحم الكلاب ويسمّنونها في بساتينهم ويطعمونها التمر ويأكلونها. وأخبرني من ضاف «٥» منهم رجلا فأطعمه لحما استطابه «٦» واستحسنه، فسأله عنه فقال له: لحم جرو مسمّن.
١١٩٢ ولا يعرف وراء قسطيلية عمران ولا حيوان إلّا الفنك، إنّما هي رمال وأرضون سواخة، وهم يخبرون أنّ قوما منهم أرادوا معرفة ما وراء بلادهم، فاستعدّوا الأزواد وذهبوا في تلك الرمال أيّاما فلم يروا أثر العمران وهلك أكثرهم في تلك الرمال.
стр. 688
الطريق من مدينة القيروان إلى قلعة أبي طويل
١١٩٣ وهي قلعة كبيرة ذات منعة وحصانة. (فلمّا كان) «١» خراب القيروان انتقل إليها أكثر أهل إفريقية، وهي اليوم مقصد التجّار وبها تحلّ الرجال من العراق والحجاز ومصر والشام وسائر بلاد المغرب، وهي اليوم مستقرّ مملكة صنهاجة.
وبهذه القلعة كان احتصن أبو يزيد مخلد بن كيداد بن اسماعيل على ما نذكره (في موضعه من هذا الكتاب) «٢» إن شاء الله.
١١٩٤ تخرج من القيروان إلى وادي الرمال أربعون ميلا، وهي قرية «٣» زيتونها كثير ورمالها حمر، ومنها إلى سبيبة وهي مدينة أوّلية «٤» ذات أنهار وثمار، ومنها إلى قلعة الديك، ومنها إلى السكّة «٥» قلعة جليلة وبها مجمع سوق، ومنها إلى مدينة مجانة المطاحن وهي مدينة قديمة وبها مقطع حجارة الأرحاء ليس على الأرض مثله، ومنها إلى نهر ملّاق نهر عظيم عليه آثار قديمة، وفي الشرق منه مدينة تبسّا «٦» وهي مدينة أوّلية «٧» فيها آثار للأوّل كثيرة وهي كثيرة الثمار والأشجار، ومنها إلى قرية مسكيانة وهي على نهر. وهذه المواضع كلّها محلّاة باسم من يأتي بعد إن شاء الله. ومنها إلى مدينة باغاية «٨» وهي مدينة جليلة أوّلية ذات أنهار وثمار ومزارع ومسارح على مقربة منها جبل أوراس وهو المتّصل بالسوس، وبهذا الجبل قام أبو يزيد مخلد بن كيداد الزناتي.
стр. 689
١١٩٥ ومن باغاية إلى مدينة قاساس وهي مدينة قديمة على نهر وفي غربيّها جبل شامخ، ومنها إلى قبر مادغوس وهو قبر مثل الجبل الضخم مبنيّ بآجر رقيق قد خرق وبني طيقانا «١» صغارا وعقد بالرصاص وصوّرت فيه صور الحيوان من الأناسي «٢» وغيرهم، وهو مدرّج النواحي وفي أعلاه شجرة نابتة، وقد أجمع على هدمه من سلف فلم يقدروا على ذلك. (وفي الشرق من هذا القبر بحيرة مادغوس) «٣» وهي مجمع لكلّ طائر، وتسير من هناك إلى بلزمة لمزاتة حصن أوّلي، وهو في بساط من الأرض كثير المزارع والقرى، (وفي قراه حصون كثيرة، وتسير منها إلى مدينة نقاوس) «٤» وهي مدينة كثيرة الأنهار والثمار والمزارع، وبشرقيّها مدينة اللوز.
١١٩٦ وتسير من نقاوس إلى مدينة طبنة، وهي مدينة كبيرة سورها اليوم من بناء المنصور أبي الدوانيق، وهي ممّا افتتح «٥» موسى بن نصير فبلغ سبيها عشرين ألفا وهرب ملكهم كسيلة، وسورها مبنيّ بالطوب وبها قصر وأرباض، وداخل القصر جامع وصهريج كبير يقع فيه نهرها ومنه تسقى بساتينها. ويقال إنّ الذي بناها أبو جعفر عمر بن حفص المهلّي المعروف بهازرمرد «٦» ، يسكنها العرب والعجم بينهما الاختلاف والحرب، ويسكن حولها بنو زقراح «٧» . وقال محمّد بن يوسف إنّ قصر طبنة قديم أوّلي كبير جليل مبني بالصخر الضخم «٨» عليه آزاج كثيرة ينزله العمّال، وهو ملاصق لسور المدينة من جهة القبلة عليه باب حديد (هو شرقيّ) «٩» .
стр. 690
١١٩٧ ولمدينة طبنة من الأبواب باب خاقان مبني بالحجر عليه باب حديد وهو سريّ «١» ، وباب الفتح غربيّ باب حديد أيضا بينهما سماط يشقّ المدينة من الباب إلى الباب، وباب تهوذا «٢» قبلي عليه باب حديد (وهو سريّ) «٣» أيضا، والباب الجديد «٤» حديد أيضا وباب كتامة جوفي. وخارج المدينة بإزاء باب الفتح سور مضروب على فحص فسيح يكون مقدار ثلثي مدينة طبنة بناه عمر بن حفص هازرمرد «٥» . ويشقّ سكك المدينة جداول الماء العذب، وبها أسواق كثيرة غير السماط المذكور، ولها بساتين يسيرة ملاصقة للربض، ومقبرتها بشرقيّها وبقرب المقبرة غدير يعرف بغدير فرغان وهو بجوفي «٦» مصلّى العيد. وليس من القيروان إلى مدينة سجلماسة مدينة أكبر منها. واسم نهرها بيطام، وإذا حمل سقى جميع بسائطها «٧» وفحوصها، ويقول أهلها: بيطام بيت الطعام، لجودة زرعها. وإذا كانت الحرب بين العرب والمولّدين استمدّ العرب بعرب مدينة تهوذا وسطيف واستمدّ المولّدون بأهل بسكرة وما والاها. وقال أحمد بن محمّد المروذي «٨» في قصّة إسماعيل بن أبي القاسم [سريع] :
سرنا وقد حلّ بقرب «٩» طبنه ... وصار منها اهلها في محنة
فأعظم الله العزيز المنّه ... وبدّلوا من بعد نار جنّه
стр. 691
وفجّ زيدان يطلّ على مدينة طبنة وإيّاه عنى أبو عبد الله الشيعي في قوله [كامل] :
من كان مغتبطا بلين حشيّة ... فحشيتي وأريكتي سرجى
من كان يعجبه ويبهجه ... نقر الدفوف ورنّة الصنج
فأنا الّذي لا شيء يعجبني ... إلّا اقتحامي لجّة الوهج
سل عن جيوشي إذ طلعت بها ... يوم الخميس ضحى من الفجّ
١١٩٨ ومن «١» طبنة إلى مدينة مقّرة وهو بلد كبير ذو ثمار وأنهار ومزارع، ومنها إلى قلعة أبي طويل.
ومن باغاية إلى بلد بسكرة أربعة أيّام. وبسكرة كورة فيها مدن كثيرة وقاعدتها بسكرة، وهي مدينة كبيرة كثيرة النخل والزيتون وأصناف الثمار، وهي مدينة مسوّرة عليها خندق «٢» وبها جامع ومساجد كثيرة وحمّامات، وحواليها بساتين كثيرة، (وهي في) «٣» غابة كبيرة مقدار ستّة أميال فيها أجناس التمور، منها جنس يعرفونه بالكسبا وهو الصيحاني يضرب به المثل لفضله على غيره، وجنس يعرف باللباري «٤» أبيض أملس كان عبيد الله الشيعي يأمر عمّاله بالمنع من بيعه والتحظير عليه وبعث ما هنالك منه «٥» إليه، وأجناس كثيرة يطول ذكرها لا يعدل بها غيرها «٦» . وحول بسكرة أرباض خارجة عن الخندق المذكور. وببسكرة علم كثير وأهلها على مذهب «٧» أهل المدينة.
ولها من الأبواب باب المقبرة وباب الحمّام وباب ثالث، سكّانها المولّدون وحولها من قبائل البربر سدراتة وبنو مغراوة أهل بيت بني خزر وبنو يزمرتي.
стр. 692
وداخل مدينة بسكرة آبار كثيرة عذبة منها في الجامع بئر لا تنزف، وداخل المدينة جنان «١» يدخل إليها الماء من النهر، وبها جبل ملح يقطع منه الملح كالصخر الجليل، ومنه كان عبيد الله الشيعي وبنوه يستعملون في أطعمتهم.
وتعرف ببسكرة النخيل. قال أحمد بن محمّد المروذي [سريع] :
ثمّ أتى بسكرة النخيل ... قد اغتدى في زيّه الجميل
١١٩٩ ومن مدنها مدينة جمونة «٢» ومدينة طولقة ومدينة مليلى ومدينة بنطيوس (وهي من بنيان الأوّل) «٣» . وشرب بسكرة من نهر كبير يجري في جوفيّها منحدر من جبل أوراس «٤» . وقرية من قرى بسكرة تسمّى ملشون منها أبو عبد الله الملشوني وابنه إسحاق عالمان يحمل عنهما العلم، (سمع منهما أبو عبد الله) «٥» بن ميمون ومقاتل وغيرهما.
١٢٠٠ أخبرني أحمد بن عمر بن أنس قال: أخبرني قاسم بن عبد العزيز أنّ في الطريق إلى يسكرة جبلا يعرف بزيقيزي «٦» في وسطه كهف فيه رجل قتيل لم يغيّره مرّ الزمان وتقادم الدهور تبضّ جراحه دماء كأنّما قتل منذ يومين، وتخبر الكافّة عن الكافّة أنّهم لا يعلمون متى قتل قدما، وقد نقله أهل تلك النواحي ودفنوه في أفنيتهم تبرّكا به، ثمّ لم ينشبوا «٧» أن وجدوه في الكهف
стр. 693
على حاله، يحدّث بذلك ثقات أهل تلك الناحية، والله فعّال لما يشاء.
وقال محمّد بن يوسف في كتابه إنّ هذا القتيل في شقّ جبل بشرقي عين أربان، وهذه العين بين مدينة مرماجنة «١» ومدينة سبيبة المذكورة أيضا، وذكر أنّه يظهر «٢» كما ذبح من يومه وأنّه هناك من قبل فتوح إفريقية، ولم يذكر أمر دفنه، والله أعلم بأمره.
وطريق آخر من القيروان إلى قلعة أبي طويل
١٢٠١ من القيروان في قرى وعمارات إلى مدينة أبّة «٣» ثلاثة أيّام، وهي مدينة أوّلية يكون بها الزعفران الجيّد، وعلى ستّة أميال منها مدينة لربس «٤» المذكورة قبل هذا. ومن مدينة أبّة «٥» إلى نهر ملّاق وهو نهر عظيم يسقي نواحي فحص بل. ومن نهر ملّاق إلى مدينة تامديت «٦» وهي مدينة في مضيق بين جبلين في سند وعر، ولها مزارع واسعة وحنطتها موصوفة. ومنها إلى مدينة تيفاش وهي مدينة أوّلية شامخة البناء، وتسمّى تيفاش الظالمة وفيها عيون ومزارع كثيرة، وهي في سفح جبل، وفيها آثار للأوّل كثيرة. ومنها إلى قصر الإفريقي وهي مدينة جامعة على شرف من الأرض ذات مسارح ومزارع كثيرة. ومنها إلى واد يعرف بوادي الدنانير وهو واد خصيب. ومنها إلى مدينة تيجس وهي مدينة أوّلية شامخة البناء كثيرة الكلأ والربيع. ومنها إلى مدينة توبوت على بلاد كتامة. ويسمّى هذا الطريق بالجناح الأخضر. ومنها إلى مدينة تابسلكى «٧» وهي صغيرة في سفح جبل يسمّى أنف النسر «٨» . (ومنها إلى النهرين وهي
стр. 694
قرى كثيرة في فحص عريض وبساط من الأرض مديد) «١» . ومنها إلى مدينة تامسلت وهي مدينة جليلة الزرع والضرع. ومنها إلى مدينة دكمة «٢» وهي على نهر كبير ذات مزارع ومسارح. ومنها إلى مدينة الغدير تخرج منه عيون نهر سهر، وهو نهر المسيلة وهو المعروف بالوادي الرئيس على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. ومنها إلى قلعة أبي طويل.
الطريق من القيروان إلى مدينة بونة
١٢٠٢ من القيروان إلى جلولا كما تقدّم. (ومنها إلى أجرّ ولها حصن وبها قنطرة، وهو موضع وعر كثير الحجارة متكابد المسالك ماسدة لا يكاد يخلو من أسد دائم الريح العاصفة. ولذلك يقولون: إذا جئت أجرّ فعجّر فإنّ فيه أسدا يفري وحجرا يبري وريحا تذري. وحولها قبائل) «٣» من العرب والبربر ضريسة ومرنيسة «٤» . ومنها إلى الفهمين وهي قرية كبيرة «٥» وبها سوق جامعة. ومنها إلى جزيرة ابن حمامة. ومنها إلى الأنصاريّين وقد تقدّم ذكرها.
وبقرب هذا الموضع فحص بل وهو من أطيب أرض إفريقية مزدرعا. ومن جزيرة ابن حمامة خمس مراحل إلى مدينة بونة في قرى وعمارة. أوّل المراحل من مدينة بونة إلى القيروان زانة خصوص «٦» وقرارات للبربر، بها عيون ماء في شعراء عظيمة شجرها كلّه زان ومنه يجلب إلى إفريقية.
стр. 695
ذكر مدينة بونة «١»
١٢٠٣ مدينة بونة مدينة أوّليّة «٢» وهي مدينة أقشتين «٣» العالم بدين النصرانية، وهي على ساحل البحر في نشر من الأرض منيع مطلّ على مدينة سبوس، وتسمّى اليوم مدينة زاوي، وبينها وبين المدينة الحديثة نحو ثلاثة أميال، ولها مساجد وأسواق وحمّام، وهي ذات ثمر وزرع، وقد سوّرت بونة الحديثة بعد الخمسين وأربعمائة. وفي بونة الحديثة بئر على ضفّة البحر منقورة في حجر صلد تسمّى بئر النشرة منها يشرب أكثر أهلها. وبغربي هذه المدينة ماء سائح يسقي بساتينها وهو منتزه «٤» حسن. ويطلّ على بونة جبل زغوغ وهو كثير الثلج والبرد. ومن العجائب أنّ فيه مسجدا لا ينزل عليه شيء من ذلك الثلج وإن عمّ الجبل كلّه. ومدينة بونة (قرية بحرية) «٥» كثيرة اللحم واللبن والحوت والعسل وأكثر لحمانهم البقر. إلّا أنّها يصحّ بها السودان ويسقم البيضان «٦» . وحول بونة قبائل كثيرة من البربر مصمودة وأوربة «٧» وغيرهما، وأكثر تجّارها أندلسيّون. ومستخلص بونة غير جبابة بيت المال عشرون ألف دينار.
١٢٠٤ وبشرقيّ مدينة بونة مدينة مرسى الخرز فيه المرجان، وهي مدينة قد أحاط بها البحر إلّا مسلكا لطيفا ربّما قطعه البحر في الشتاء، عليها سور وبها سوق
стр. 696
عامرة «١» ، وقد صنع بها مرفأ للسفن منذ مدّة قريبة. وفي هذه المدينة تنشأ السفن والمراكب الحربية الّتي يغزى بها إلى بلاد الروم. وإلى هذه المدينة «٢» يقصد الغزاة من كلّ أفق لأنّ مقطعها يقرب من جزيرة سردانية بينهما نحو مجرأين. وبإزاء مدينة مرسى الخرز بئر وبية الماء تعرف ببئر أزراق، يقول أهلها: طعنة بمزراق خير من شربة من بئر أزراق. وهذه المدينة كثيرة الحيّات فاسدة الهواء، يمتاز أهلها من غيرهم بصفرة ألوانهم ولا يكاد يخلو عنق أحد منهم من تميمة. وجباية هذه المدينة عشرة آلاف دينار.
الطريق من القيروان إلى طبرقة
١٢٠٥ من مدينة القيروان إلى منستير عثمان ستّ مراحل، وهي قرية كبيرة آهلة بها جامع وفنادق كثيرة وأسواق وحمّامات «٣» وبئر لا تنزف وقصر للأوّل مبنيّ بالصخر كبير. وأرباب المنستير قوم من قريش من ولد الربيع بن سليمان وهو اختطّها عند دخوله إفريقية، وبها عرب وبربر وأفارق. ومنها إلى مدينة باجة ثلاث مراحل في قرى غير متّصلة.
١٢٠٦ ومدينة باجة كبيرة كثيرة الأنهار، وهي على جبل يسمّى عين الشمس في هيئة الطيلسان تطرد حواليها المياه «٤» وفيها عيون الماء العذب، ومن تلك العيون عين تعرف بعين الشمس هي تحت سور المدينة، والباب هناك منسوب
стр. 697
إليها، ولها أبواب (غير هذا) «١» . وفي داخل الحصن عين أخرى عذبة غزيرة الماء، وحصنها أوّلي مبني بالصخر الجليل أتقن بناء، ويقال إنّه من عهد عيسى ﵇. ولها ربض كبير في شرقي الحصن، وسور الحصن ممّا يلي الربض مهدوم، وبها جامع متقن البناء قبلته سور المدينة، وفيها خمسة حمّامات ماؤها من العيون وفنادق كثيرة، وبها ثلاث رحاب لبيع الأطعمة وعيون خارجها (لا تحصى كثرة، وهي دائمة الدجن والغيم، كثيرة الأمطار والانداء قلّما يصحى هواؤها، وبها يضرب المثل في كثرة المطر) «٢» . ولها نهر (من جهة الشرق) «٣» جار من الجوف إلى القبلة على ثلاثة أميال منها، وحولها بساتين عظيمة تطرد فيها المياه، وأرضها سوداء متشقّقة يجود بها جميع البزور، وبها حمص وفول قلّما يرى مثله، وتسمّى هري إفريقية لريع زرعها وكثرة رفائعها، وإنّها خصيبة ليّنة الأسعار أمحلت البلاد أو خصبت، وإذا كانت أسعار القيروان نازرة «٤» لم يكن للحنطة بها قيمة، ربّما اشتري وقر البعير من الحنطة بدرهمين ويردها كلّ يوم من الدوابّ والإبل العدد العظيم «٥» الآلاف والأكثر لانتقال الميرة، فلا يؤثّر ذلك في سعرها لكثرة طعامهم. ثمّ تسير منها مرحلة إلى باسلي «٦» ، وهي قرارات للبربر ببلد ورداجة على عيون عذبة.
١٢٠٧ (ومن قرى باجة المغيرة شريفة) «٧» فيها آثار عظيمة عجيبة «٨» للأوّل من كنائس قائمة البنيان محكمة «٩» العمل كأنّما رفعت عنها الأيدي بالأمس، وكلّها مفروشة بالرخام النفيس يقف عليها من الغربان عدد «١٠» لا يحصى كثرة حتّى يظنّ المرء أنّ غربان الأرض قد تجمّعت هناك، ويزعمون «١١» أنّ بها طلسما.
стр. 698
وامتحن أهل مدينة باجة أيّام أبي يزيد بالقتل والسبي والحرق. قال الراجز في هجوه لأبي يزيد [رجز] :
وبعدها باجة أيضا أفسدا وأهلها أجلى ومنها شرّدا وهدم الأسواق «١» والقصورا والدور قد فتش والقبورا ولم يزل الناس يتنافسون في ولاية باجة وكان المتداولون فيها لذلك بنو علي بن حميد الوزير، فإذا عزل منهم أحد لم يزل يسعى ويتلطّف ويهادي ويتاحف حتّى يرجع إليها. فقيل لبعضهم: لم ترغبون في ولاية مدينة باجة؟ فقال:
لأربعة أشياء، قمح عندة وسفرجل زانة وعنب بلطة وحوت درنة. وبها حوت بوري ليس له في الآفاق نظير يخرج من حوت واحد عشرة أرطال شحم وأكثر إذا كان من جلّتها «٢» ، وكان يحمل إلى عبيد الله حوتها في العسل فيحفظه ويصل طريّا. ودرنة بين طبرقة وباجة.
١٢٠٨ ومنها إلى مدينة طبرقة، وهي على شاطىء البحر، وفيها آثار للأوّل وبنيان عجيب، وهي عامرة لورود التجّار فيها. وبها نهر كبير تدخله السفن الكبار وتخرج في بحر طبرقة. وروي أنّ الكاهنة قتلت بطبرقة.
стр. 699
١٢٠٩ وبشرقي مدينة طبرقة على مسيرة يوم وبعض آخر قلاع تسمّى بقلاع بنزرت، وهي قلاع «١» يأوي إليها أهل تلك الناحية إذا خرج الروم غزاة إلى بلادهم، فهي مفزع لهم وغوث وهي رباطات للصالحين. وقال محمّد بن يوسف (في ذكر) «٢» الساحل من طبرقة إلى مرسى تونس فقال: مرسى القبّة عليه بنزرت «٣» وهي مدينة على البحر يشقّها نهر كبير كثير الحوت ويقع «٤» ، البحر وعليها سور حصين «٥» وبها جامع وأسواق وحمامات وبساتين «٦» ، وهي أرخص البلاد حوتا. وافتتحها معاوية بن حديج سنة إحدى وأربعين، وكان معه عبد الملك بن مروان، فشدّ عن الجيش فمرّ بامرأة من العجم من عمل بنزرت فقرته وأكرمت مثواه، فشكر ذلك لها، فلمّا ولي الخلافة كتب إلى عامله بإفريقية في المرأة وأهل بيتها فأحسن إليهم وظاهر النعم لديهم.
وتوالي هذه المراسي «٧» مذكور بعد هذا في موضعه من هذا الكتاب «٨» إن شاء الله.
١٢١٠ وعلى ساحل هذه القلاع بحيرة تنسب «٩» أيضا إلى بنزرت يدخل إليها ماء البحر الكبير، فيوجد فيها في شهر ما من السنة صنف من الحوت لا يشبه غيره ولا يوجد هناك في غير ذلك الشهر. وفي هذه البحيرة أعجوبة وهو أنّ الصيّاد فيه إذا أتاه التجّار لشراء الحوت يقول لهم: على أيّ شيء أرسل شبكتي؟
فيتّفق معهم على عدّة معلومة فيأتي الصيّاد بحوت يقال إنّه أنثى الصنف
стр. 700
المعروف بالبوري، فيرسلها في البحيرة ثمّ يتبعها بشبكته فيخرج العدّة الّتي اتّفقوا عليها لا يكاد يخطئ. وعلى مقربة من هذه البحيرة بحيرتان إحداهما حلوة والأخرى ملحة، فيصبّ كلّ واحدة منهما في الأخرى نصف العام على السواء ولا يتغيّر لواحدة منهما طعم.
١٢١١ وبغربي مدينة بونة بركة وبين بونة مسيرة يوم طولها ثلاثة أميال في مثلها، وفيها سمك جليل وفيها الطائر المعروف بالكيكل يعشّش على ماء تلك البحيرة ويفرخ (فيها، فإذا أحسّ بحيوان في البرّ دفع عشّ فراخه قدّامه) «١» إلى وسط البركة، وهو الطير الّذي يسمّى بمصر بالخواص. ويصنع من جلوده الفراء «٢» ويباع بأثمان الغالية.
الطريق من قلعة أبي طويل إلى مدينة تنس
١٢١٢ يخرج من العقلة إلى مدينة المسيلة، وهي مدينة جليلة على نهر يسمّى بنهر سهر «٣» ، أسّسها أبو القاسم إسماعيل بن عبيد الله سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وكان المتولّي لبنائها علي بن حمدون بن سماك بن مسعود بن منصور الجذامي المعروف بابن الأندلسي «٤» ، واستعمله علهيا فلم يزل عليها «٥» إلى أن هلك في فتنة أبي يزيد، وبقي ابنه جعفر فيها وصار أميرا على الزاب كلّه إلى
стр. 701
أن خرج عنها في سنة ستّين «١» وثلاثمائة على ما نحن ذاكروه في موضعه إن شاء الله تعالى. وهي مدينة في بساط من الأرض عليها سوران بينهما جدول ماء جار يستدير بالمدينة «٢» (وله منافذ يسقى منها عند الحاجة) «٣» .
وللمدينة أسواق وحمّامات وحولها بساتين كثيرة. ويجود عندهم القطن، وهي كثيرة اللحم رخيصة السعر، وبها عقارب مهلكة لا يتخلّص من لسعها «٤» .
١٢١٣ وبقرب منها جبل عجيسة «٥» وهوارة وبني برزال، ولهم كانت «٦» أرض المسيلة. (وبقبلي مدينة المسيلة) «٧» موضع يعرف بالقباب فيه قباب من بنيان الأوّل، وعلى مقربة منها مدينة للأوّل خربة ياق لها بشيلقة «٨» فيها جدولان من ماء عذب جلبته الأوّل إليها يقال لها تارقا أنوودي «٩» ، تفسيره ساقية السمن «١٠» . وقال أحمد بن محمّد المروذي يذكر نزول إسماعيل بالمسيلة والشيعة تسمّيها المحمّدية [رجز] :
ثمّ إلى «١١» مدينة مرضية ... أسّت على التقوى محمّدية
أقبل حتّى حلّها ضحيّة ... بالنور١»
من طلعته المضية
فحلّ في عسكره المسيلة «١٣» ... في هيئة كاملة جميلة
للنصر في أرجائه مخيلة ... بنعمة من ذي العلى جليلة «١٤»
стр. 702
١٢١٤ ونهر سهر الّذي عليه مدينة المسيلة منبعثه من عيون داخلة مدينة غدير وارّوا، وهي مدينة كبيرة أوّلية «١» بين جبال فيها عين ثرّة عذبة عليها الأرحاء وعين أخرى وتحتهما عين خرّارة يقال لها عين مخلد تجتمع فيها، ومن هناك منبعث نهر سهر «٢» .
١٢١٥ وبمدينة الغدير جامع وأسواق عامرة وفواكه كثيرة، وهي رخيصة الطعام واللحم وجميع الثمار، قنطار عنب فيها بدرهم. وسكّانها هوارة يعتدون في ستّين ألفا. وبشرقيّ مدينة الغدير قرية أوّلية يقال لها طرفلة لا تعدل بها قرية، وهم يقولون طرفلة طرف من الجنّة. ومدينة الغدير ما بين سوق حمزة وطبنة وهى على مرحلتين من طبنة.
١٢١٦ وتسير من مدينة المسيلة إلى نهر يسمّى جوزة «٣» ، ومن جوزة إلى مدينة أشير. وقال محمّد بن يوسف إنّ الّذي بنى أشير زيري، والدليل على ذلك ما أنشده عبد الملك بن عيشون «٤» [سريع] :
يا أيّها السائل عن غربنا «٥» ... وعن محلّ الكفر أشير
عن دار فسق ظالم أهلها ... قد شيّدت للكفر والزور
أسّسها الملعون زيريها ... فلعنة الله على زير
стр. 703
وهي جليلة حصينة يذكر أنّه ليس في تلك الأقطار أحصن منها (ولا أبعد) «١» متنا (ولا مراما، ولا) «٢» يوصل إلى شيء منها بقتال إلّا من موضع يحميه عشرة رجال، وهو في شرقيها الّذي ينفذ إلى عين مسعود وسائر نواحيها تزلّ عنها العيون فكيف الأقدام. وهي مع ذلك بين جبال شامخة محيطة بها دائرة عليها. وداخل مدينتها عينان ثرّتان «٣» لا يبلغ لهما غور ولا يدرك قعر، إحداهما تعرف بعين سليمان والأخرى بعين تالانتيرغ «٤» . والّذي بنى سورها بلجّين «٥» يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي سنة سبع وستّين وثلاثمائة، وخربها يوسف بن حماد بن زيري واستباح أموالها وفضح حرمها وذلك بعد أربعين وأربعمائة، ثمّ تراجع الناس إليها بعد خمس وخمسين وأربعمائة.
١٢١٧ وتسير من مدينة أشير إلى قرية تسمّى (سوق هوارة، ومنها إلى قرية تسمّى) «٦» سوق كرام وهي على نهر شلف، ومنها إلى مدينة مليانة وهي مدينة رومية فيها آثار وهي ذات أشجار وأنهار تطحن عليها الأرحاء، جدّدها زيري بن مناد وأسكنها ابنه بلجّين «٧» ، وهي عامرة، ومنها إلى مدينة الخضراء وهي مدينة جليلة كثيرة البساتين وهي على نهر إذا حمل دخل بعضها، ومنها إلى مدينة قديمة مدينة بني واريفن «٨» وهي واسعة المسارح كثيرة الكلأ، ومنها إلى مدينة قارية «٩» وهي مدينة لطيفة ذات أعين كثيرة وهي في سفح جبل، ومنها إلى مدينة تنس.
стр. 704
١٢١٨ ومدينة تنس بينها وبين البحر ميلان، وهي مسوّرة حصينة داخلها قلعة صغيرة «١» صعبة المرتقى ينفرد بسكناها العمّال لحصانتها. وبها مسجد جامع وأسواق كثيرة، وهي على نهر (يسمّى تناتين) «٢» يأتيها من جبل على مسيرة يوم فيأتيها من القبلة ويستدير بها من جهة الجوف والشرق ويريق في البحر، وبها حمّامات. وتنس هذه هي الّتي تسمّى تنس الحديثة، (وعلى البحر حصن يذكر أهل تنس أنّه كان القديم المعمور قبل هذه الحديثه، وتنس الحديثة) «٣» أسّسها وبناها البحريّون من أهل الأندلس منهم الكركرني «٤» وأبو عائشة والصقر وصهيب وغيرهم، وذلك سنة اثنتين وستّين ومائتين «٥» ، ويسكنها فريقان من أهل الأندلس من أهل ألبيرة وأهل تدمير، وأصحاب تنس من ولد إبراهيم بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي (بن أبي طالب) «٦» ، وكان هؤلاء البحريّون من أهل الأندلس يشتون «٧» هناك إذا سافروا من الأندلس في مرسى على ساحل البحر، فتجمّع إليهم بربر هذا القطر ورغبوا في الانتقال إلى قلعة تنس وسألوهم أن يتّخذوها سوقا ويجعلوها سكنى، ووعدوهم «٨» بالعون والرفق وحسن المجاورة والعشرة، فأجابوهم إلى ذلك وانتقلوا إلى القلعة وخيّموا بها، وانتقل إليهم من جاورهم من أهل الأندلس وغيرهم. فلمّا دخل عليهم الربيع اعتلّوا واستوبوا الموضع، فركب البحريّون من أهل الأندلس «٩» مراكبهم وأظهروا لمن بقي منهم أنّهم يمتارون، فحينئذ نزلوا قرية بجّانة «١٠» وتغلّبوا عليها (على ما يأتي ذكره إن شاء الله) «١١» . ثمّ إنّ الباقين بتنس لم يزالوا في تزيّد ثروة وعددا «١٢» ، ورحل إليهم أهل سوق إبراهيم وكانوا في أربعمائة بيت، فتوسّع لهم أهل تنس في منازلهم وشاركوهم في أموالهم
стр. 705
وتعاونوا على البنيان واتّخذوا الحصن الّذي فيها اليوم. (ولها بابان إلى القبلة) «١» وباب البحر وباب ابن ناصح وباب الخوخة شرقي يخرج منه إلى عين تعرف بعين عبد السّلام ثرّة عذبة «٢» .
١٢١٩ وكيلهم يسمّى الصحفة «٣» وهي ثمانية وأربعون قادوسا والقادوس ثلاثة أمداد بمدّ النّبي ﷺ ، ورطل اللحم بها سبع وستّون أوقية ورطل سائر الأشياء اثنتان وعشرون أوقية، ووزن قيراطهم ثلث درهم «٤» عدل بوزن قرطبة، والجاري عندهم قيراط وربع درهم وصقل وحبّتان مضروبة كلّها، ودرهمهم اثنتا عشرة صقلية عددا. وقال سعيد بن واشكل التيهرتي في علّته الّتي مات منها بتنس [طويل] :
نأى النوم عنّي «٥» واضمحلّت عرى الصّبر ... وأصبحت عن دار الأحبّة في أسر
وأصبحت عن تيهرت في دار معزل ... وأسلمني مرّ القضاء من القدر
إلى تنس دار النحوس فإنّها ... يساق إليها كلّ منتقض العمر
هو الدهر والسّياق والماء «٦» حاكم ... وطالعها المنحوس صمصامة الدهر
بلاد بها البرغوث يحمل راجلا ... ويأوي إليها الذئب في زمر الحشر
ويزحف فيها العامّ في كلّ ساعة ... بجيش من السودان تغلّب «٧» بالوتر
ترى أهلها صرعى دوى أمّ ملدم ... يروحون في سكر ويغدون في سكر
وقال غيره [رمل] :
أيّها السائل عن أرض تنس ... مقعد اللوم المصفّى والدنس
следующие страницы →