Полный текст (893 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
١٢٧٠ ومنه تسير إلى مرسى أستورة، وهو مرسى مدينة تاسقدة وهي مدينة أوّلية قديمة فيها آثار للأوّل عجيبة. ثمّ إلى مرسى الروم وهو شتوي «١» مأمون، إلى جزيرة عمر إلى مرسى تكوش مرسى مأمون فيه قرى كثيرة يتّصل به جبل كثير الفواكه والخير. ثمّ إلى رأس الحمراء. ثمّ إلى مرسى ابن الألبيري. ثمّ إلى مرسى الخروبة. ثمّ إلى مرسى منيع وهو مرسى بونة، وبقربه بئر النثرة «٢» المذكورة وهي بئر منقورة في صخرة صمّاء من عمل الأوّل على ضفّة البحر، إذا ارتجّ البحر وصل إليها. ومن مرسى بونة تخرج الشواني غازية إلى بلاد الروم وجزيرة سردانية وكرسقة وما والاها «٣» .
١٢٧١ ثمّ مدينة مرسى الخرز، ثمّ مرسى طبرقة. ويلي طبرقة من المراسي المشهورة مرسى قرطاجنة، وبينهما من المراسي الصغار مرسى أنف أبي خليفة قبالته جزائر الأخوين. ثمّ مرسى الروم، ثمّ مرسى القبّة وهو مرسى بنزرت، وعلى مقربة منه جزيرة قملارية منه يقطع قواطع الطير من الأندلس وغيرها إلى بلاد الروم، وهناك ترتقب سكون الريح لطيرانها فتستعلي على أوطانها. ثمّ مرسى رأس الجبل وهو مشتى مأمون. ثمّ مرسى الثنية، ثمّ رباط قصر أبي الصقر، وقبالته جزائر الكرّات الّتي قتل فيها زيادة الله عمومته وإخوته. ثمّ مرسى رباط قصر الحجّامين، ثمّ مرسى قرطاجنة.
стр. 737
١٢٧٢ ثمّ مرسى قصر الأمير بينه وبين مدينة تونس ثمانية أميال في البرّ، وهو متّصل بها في البحيرة المحفورة، وهذا القصر على الخليج المحفور في البحر إلى مدينة تونس. ثمّ مرسى كبير يسمّى رادس وقد تقدّم ذكره وما ورد فيه عند ذكر مدينة تونس. ويلي مرسى تونس إلى القبلة من المراسي الكبار مرسى سوسة، وبينهما من المراسي الصغار رباط الحمّة، ثمّ جون النخلة، ثمّ مرسى بونة في قبليّه جزيرتان إحداهما تعرف بالجامور الكبير والأخرى بالجامور الصغير وهي أصغر. ثمّ جبل أدار يظهر منه جبل صقلية، وفي هذا الجبل قوم متعبّدون تخلّوا عن الدنيا وسكنوا في هذا الجبل مع الوحش، لباسهم البردي وعيشهم من نبات الأرض ومن صيد البحر يتناولون من ذلك ما يكون بلغة لهم إذا جاعوا، والدعوة من أكثرهم مستجابة، وهذا الجبل معروف بالتزام هؤلاء فيه منذ فتحت إفريقية. ثمّ جون الملّاحة، ثمّ مرسى مدينة إقليبية مدينة كبيرة آهلة. ثمّ المرسى المدفون وهو بحر صعب كثيرا ما تعطب فيه السفن. ثمّ مرسى مدينة ريهان، ثمّ مرسى هرقلة، ثمّ مرسى قصر ابن عمر الأغلبي، ثمّ مرسى مدينة سوسة.
١٢٧٣ ثمّ تسير من مرسى سوسة إلى ناحية القبلة إلى مرسى خفانص، وهو مشتى عليه قصر كبير محرس رباط. ثمّ إلى مرسى محرس المنستير وليس بإفريقية أجلّ من هذا المحرس وقد مضى ذكره. وبقرب هذا المرسى ملّاحة لمطة، وهي ملّاحة كبيرة وملحها لا يفوقه ملح، ومنها يحمل إلى ما جاورها من البلاد.
ثمّ إلى مرسى قصر القوريتين، وهما جزيرتان في البحر كبيرتان تشقّ السفن بينهما، ومنهما إلى مدينة المهدية على ساحل القيروان ومحطّ للسفن لمن قصدها من جميع الجهات.
стр. 738
١٢٧٤
فأمّا سلوك السفن من المهدية إلى الإسكندرية فمن مرسى المهدية إلى مرسى سلقطة وعليه قصر، إلى مرسى قبودية وهي قصور، إلى رأس الجسر وهو أوّل القصير، إلى الزرقاء الكبيرة والصغيرة وهما جزيرتان من تحت الماء، إلى جزيرة قرقنة وهي جزيرة كبيرة فيها سبعة أجباب وفيها آثار قديمة، ويدخل فيها أهل الساحل مواشيهم ويبذر أكثرها، وهي قبالة «١» مدينة سفاقس. ثمّ إلى رأس الرملة، ثمّ إلى الجرف، ثمّ إلى قصر الروم وهو بحر ميّت، ثمّ إلى مدينة قابس، ثمّ إلى جزيرة جربة وهي جزيرة معمورة يسكنها قوم من البربر خوارج، وهي كثيرة الذهب، وبينها وبين البرّ الكبير مجاز، وهي آخر القصير إلى الشرق، وأهلها غدّارون شرار لا تؤمن ناحيتهم. وطول هذا القصير في البحر نحو خمسين ميلا. وفي داخل البحر من داخل القصير بنيان من بنيان الأوّل فهو يسمّى قصير البيت، وتجري من قصير البيت إلى الشمال نحو خمسين ميلا إلى جزيرة نموشت وجزيرة أنبدوشة. ثمّ تخرج السفن من جزيرة جربة إلى مرسى الأندلسيّين، ثمّ إلى قصر الدرق وهو بحر ميّت، ثمّ إلى عقيبلات يدخل إليها في مجله في البحر. ثمّ إلى جبل قنطبير.
١٢٧٥ وجبل قنطبير المتقدّم الذكر هو موضع مخوف في البحر. ثمّ إلى مرسى مدينة أطرابلس، ومرساها مأمون جيّد، ولها دار صناعة للأساطيل «٢» . ثمّ تخرج منه إلى رأس الشعراء، ثمّ إلى لبدة، ثمّ إلى رأس قانان، ثمّ إلى قصر العبادي، ثمّ إلى سرت، ثمّ إلى أجدابية، ثمّ إلى اليهودية، ثمّ إلى حجر عبدون، ثمّ إلى عين أبي زياد، ثمّ إلى رأس أوتان وفي رأس أوتان قالة
стр. 739
الشيني. ثمّ إلى سوسة برقة، ثمّ إلى شقّة الفلفل، ثمّ إلى شقّة التيس، ثمّ إلى مرسى درنى، ثمّ إلى مرسى تينى، ثمّ إلى طبرق، ثمّ إلى جزيرة القرشي، ثمّ إلى جزيرة الطرفا، ثمّ إلى جزائر الحمام، ثمّ إلى وادي ملالي إلى رأس الملّاحة إلى مرسى الزيتونة إلى مرسى عمارة إلى مرسى السلوم إلى رأس العوسج إلى الكنائس إلى الشقراء إلى بوصير إلى مينى الزجاج إلى مينى الأندلسيّين إلى منار الإسكندرية «١» .
فأمّا سلوك السفن من الإسكندرية إلى أنطالية
١٢٧٦ فإنّها تخرج من مدينة الإسكندرية إلى بوقير، ثمّ إلى دمياط، ثمّ إلى بحيرة تنّيس، ثمّ إلى جزيرة دبقو وهي الّتي تصنع فيها الثياب الدبيقية. ثمّ إلى تيدار ميماس وفيها قصر مبنيّ للصحابة ﵃، ثمّ إلى غزّة، ثمّ إلى ملّاحة الواردية، ثمّ إلى عسقلان، ثمّ إلى قيسارية، ثمّ إلى يافى، ثمّ إلى رأس الكرمان، ثمّ إلى حيفى، ثمّ إلى عكّة، وفيها قنطرة مبنية للأوّل تدخل تحتها السفن بشرعها، ثمّ إلى مدينة صور وهي داخل البحر وهي ساحل بيت المقدس، ثمّ إلى صيدا، ثمّ إلى بيروت، ثمّ إلى أطرابلس الشام، ثمّ إلى اللاذقية، ثمّ إلى أنطاكية، (ثمّ إلى أنطالية) «٢» ، ومن أنطالية تدخل إلى الجزائر المؤلّفة.
стр. 740
١٢٧٧ فهذا مسلك المراكب من مدينة أسلن «١» على التوالي إلى هذا الموضع. وقد بقي في أقاصي المغرب مراس نذكرها إن شاء الله حتّى نوصلها بأصيلى.
١٢٧٨ أخبر مؤمن بن يومر الهوّاري أنّ بجزيرة آوى مرسى مشتى على ضفة البحر، وهذه الجزيرة تمشي منها «٢» الرفاق مواجهة للمشرق شهرين مشي الإبل إلى مدينة نول، ومدينة نول آخر بلد الإسلام وأوّل العمران من الصحراء. وتسير السفن من ساحل نول إلى وادي السوس ثلاثة أيّام، ثمّ من وادي السوس إلى مرسى أمقدول، وهو مرسى مشتى مأمون وهو ساحل وادي السوس.
ثمّ إلى مرسى قوز، وهو رباط يعمّره الصالحون وهو ساحل أغمات، ثمّ إلى مرسى أسفى، ثمّ إلى البيضاء وهو رأس جبل داخل في البحر، ثمّ إلى جزيرة فضالة وهو ساحل بلد تاسمنى بلد برغواطة، ثمّ إلى مرسى ماريفن «٣» ، ثمّ إلى وادي سلى وهناك مدينة أوّلية آثارها قائمة تسمّى شلّة.
وفي ناحية الشرق من وادي سلى على البحر غار عظيم وفي أعلاه منافس كأفواه الآبار، وظهر الغار مزروع. ثمّ إلى وادي سبو، ثمّ إلى وادي سفدد، ولا يسكن في وادي سفدد أبيض اللون إلّا اعتلّ وقلّ ما يسلم من علّته، وإنّما يسكنه السودان. وإذا رأوا رجلا أبيض اللون قد دخل عندهم ينادي بعضهم بعضا: ميز ميز. ثمّ من وادي سفدد إلى حوض أصيلة، ثمّ على ما تقدّم.
стр. 741
ذكر بلد نكور وحدّه
١٢٧٩ ينتهي من جانب الشرق إلى زواغة جراوة»
الحسن بن أبي العيش ومسافة ذلك نحو خمسة أيّام. ويجاورهم من هاهنا مطماطة وأهل كبدان «٢» ولمرنيسة الكدية البيضاء وغساسة «٣» أهل جبل هرك وقلوع جارة الّتي لبني «٤» ورتدى. وينتهي من جانب الغرب إلى قبيل من غمارة يعرفون ببني مروان وبني حميد إليهم تنسب الحميدية، وإلى مسطاسة وصنهاجة، ومن ورائهم أوربة حزب فرجون «٥» وبنو وليد وزناتة أهل تابريدا وبنو يرنيان وبنو مراسن «٦» حزب قاسم صاحب صاع والكدية المعروفة بتاوررت.
١٢٨٠ والمراسي المنسوبة إلى نكور مرسى ملوية وهرك وكرط ومرسى الدار وأوفتيس من مراسي تمسامان، وهو الجبل المعروف بأبي الحسن الّذي لجأ إليه بنو صالح. ووادي البقر والمزمّة، بينه وبين مدينة نكور خمسة أميال، والمزمّة «٧» في القبلة من المرسى. ويقابله من برّ الأندلس مدينة مالقة ويقطع الغدير بينهما في مجرى ونصف، ومرسى باديس ومرسى بقوية وبالش مرسى صنهاجة وغيرها.
стр. 742
١٢٨١ ومدينة نكور بين رواب منها جبل يقابل المدينة يعرف بالمصلّى، وبها جامع على أعمدة من خشب العرعار، وهو والأرز «١» أكثر خشبها. ولها أربعة أبواب: في القبلة باب سليمان وبين القبلة والجوف باب بني ورياغل وفي الغرب باب المصلّى وفي الجوف باب اليهود. وسورها من اللبن وبها حمّامات كثيرة وأسواق عامرة مفيدة. وهي بين نهرين أحدهما نكور ومخرجه من بلاد كزناية من جبل بني كوين، والثاني نهر غيس منبعثه من بلد بني ورياغل، ومسافة مجرى كلّ نهر منهما إلى مصبّه في البحر مسيرة يوم وبعض ثان. وعلى نهريها الأرحاء. ومن جبل كوين أيضا ينبعث النهر المعروف بنهر ورغة وهو (من مشهور أنهار أرض المغرب) «٢» ، ويجتمع نهر نكور وغيس بموضع يقال له أكدال، ثمّ يتشعّب هناك جداول. وفي طرف هذا الموضع رباط نكور. وعلى نهر «٣» غيس بنى سعيد (بن صالح مسجدا على صفة مسجد الإسكندرية بمحارسه وجميع منافعه. وعدوة غيس هذه) «٤» يقال لها تاكراكرى «٥» وهي منيعة وفيها يتناتج كراع آل صالح. وبين مدينة نكور وبين البحر خمسة أميال وهو في جوفيّها- وهي كثيرة البساتين والفواكه لا سيّما الكمّثرى والرمّان. وقال أيّوب بن إبراهيم النكوري [وافر] :
أيا أملي الّذي أبغي وسؤلي ... ودنياي الّذي أرجو ودين
أأحرم من يمينك ريّ نفسي ... ورزق الخلق في تلك اليمين
ويحجب عن يمينك لحظ طرفي ... ونور الأرض من ذلك الجبين
وقد جبت المهامة من نكور ... إليك بكلّ ناحية أمين
стр. 743
١٢٨٢ وكيل نكور يسمّونه الصحفة وهي خمسة وعشرون مدّا بمدّ النبي ﷺ ، ويسمّون نصف الصحفة السدس، والرطل عندهم في جميع الأشياء اثنتان وعشرون أوقية، وقنطارهم مائة رطل، ودراهمهم عدد بلا وزن.
١٢٨٣ والّذي أسّسها وبناها سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور الحميري، وصالح بن منصور هو المعروف بالعبد الصالح وهو الّذي افتتحها زمان الوليد بن عبد الملك ودخل أرض المغرب في (الافتتاح الأوّل) «١» ، فنزل مرسى تمسامان «٢» على البحر بموضع يقال له بدكون «٣» (بوادي البقر، وبين مرسى تمسامان ومدينة نكور عشرون ميلا) «٤» . وهو مرسى صيفي لا يكنّ، ويقابله من برّ الأندلس مدينة طونيانة «٥» . وعلى يديه أسلم بربرها وهم صنهاجة وغمارة، ثمّ ارتدّ أكثرهم لمّا ثقلت «٦» عليهم شرائع الإسلام وقدّموا على أنفسهم رجلا يسمّى داود ويعرف بالرندي «٧» وكان من نفزة «٨» ، وأخرجوا صالحا من البلد. ثمّ (تلافاهم الله) «٩» بهداه وتابوا من شركهم وقتلوا الرندي واستردّوا صالحا، فبقي هناك إلى أن مات بتمسامان ودفن بقرية يقال لها الأقطى على شاطىء البحر وقبره بها يعرف إلى اليوم. وكان له من الولد المعتصم وإدريس أمّهما صنهاجية وعبد الصمد. فولّوا المعتصم ومكث فيهم يسيرا ومات فولي (سعيد بن إدريس) «١٠» وهو الّذي بنى مدينة نكور على ما تقدّم.
стр. 744
١٦٨٤ وقد كان صالح بن منصور أنزل نفرا من البربر موضعا يحاذي مدينة نكور (في الضفّة الثانية من النهر، وكانوا يقيمون هناك سوقا، فنقلهم سعيد إلى المدينة الّتي أسّسها. وغزا المجوس- لعنهم الله- مدينة نكور) «١» سنة أربع وأربعين ومائتين، فتغلّبوا عليها وانتهبوها وسبوا من فيها إلّا (من خلصه الله بالفرار) «٢» . وكان فيمن سبوا أمة الرحمن وخنعولة ابنتا واقف بن المعتصم، ففداهما الإمام محمّد بن عبد الرحمن. وأقامت المجوس بمدينة نكور ثمانية أيّام.
١٢٨٥ وقامت البرانس على سعيد بن إدريس وقدّموا على أنفسهم رجلا يسمّى سكن وتألّبوا عليه من كلّ جهة «٣» وغزوه في عقر «٤» داره، فأظهره الله عليهم وهزمهم وقتل رئيسهم وافترق جمعهم ورجع من بقي منهم إلى الطاعة.
ومات سعيد بن إدريس بعد أن ملكهم سبعا وثلاثين سنة وولي ابنه صالح بن سعيد. وكان لسعيد من الولد منصور وحمود وصالح وزيادة الله والرشيد وعبد الرحمن الشهيد «٥» ومعاوية وعثمان وعبد الله وإدريس. وكان عبد الرحمن فقيها بمذهب مالك وحجّ أربعا وعبر إلى الأندلس للجهاد «٦» ، فقطع عليه ابن حفصون الطريق «٧» فقتل من كان معه وتخلّص عبد الرحمن على فرسه وحضر غزوة أبي العبّاس القائد واستشهد فيها.
стр. 745
١٢٨٦ وقام على صالح أخوه إدريس في بني ورياغل وكزناية، فالتقوا بجبل كزناية المعروف بكوين، فانهزم صالح وانتهب إدريس معسكره واستمرّ إلى مدينة نكور ليدخلها، (فامتنعوا عليه ومنعه خليفة صالح عليها، فقال له) «١» :
إنّ صالحا قد قتل، فقال «٢» : إذا صحّ عندي «٣» ذلك لم أدافعك. فلمّا لم يجد عندهم ما يريد نزل الجبل المطلّ على المدينة، وأتى صالح في جوف الليل في (خاصّة من) «٤» أصحابه فدخل المدينة. فلمّا كان من الغد أقبل إدريس على فرسه وعليه درعه وهو لا يعلم بأمر أخيه، فأدخلوه المدينة فأرجله فتيان صالح عن دابّته وأتوا به صالحا أخاه. فأمر بحبسه في داره. ثم أشار عليه قاسم الوسناني صاحب صاع والكدية بقتله وألحّ عليه في ذلك، فأمر الموالي بقتله فامتنعوا، فأمر فتى من فتيانه يقال له عسلون فقتله.
١٢٨٧ وامتنعت مكناسة على صالح وحبسوا مغارمهم، فكتب إليهم يوعدهم فختم الكتاب وأدخله في مخلاة وشدّها على حماره وبعثه مع ثقة من ثقاته وقال له:
إذا توسّطت بلاد مكناسة فاترك الحمار بما عليه وانصرف. ففعل فأصابت «٥» مكناسة حمار صالح وكان معروفا بينهم وأخذوا المخلاة. فلمّا قرأوا الكتاب ائتمروا على عقر الحمار والتمادي على امتناعهم. ثمّ انصرف رأيهم إلى جمع ما كان عليهم لصالح، فجمعوه وجلّلوا الحمار بملحفة مروية «٦» وأتوا صالحا بالحمار مجلّلا ومغارمهم موفاة (واستعتبوه فأعتبهم) «٧» . ومات صالح بن سعيد بعد أن ملك ثمانية وعشرين عاما.
стр. 746
١٢٨٨ فولوا ابنه سعيدا وكان أصغر ولده. فلمّا توطّد له الأمر واستوسق دخل عليه عبيدهم الصقالبة فسألوه العتق فقال لهم: أنتم جندنا وعبيدنا وأنتم كالأحرار «١» ، لا تدخلون في المواريث ولا تجري عليكم المقاسم «٢» فما طلبكم للعتق؟ فألحّوا عليه في ذلك فأبى، فناله منهم جفاء وغلظة «٣» وقدّموا أخاه عبيد الله وعمّه الرضى المكنّى بأبي علي وزحفوا بهما إلى القصر، فحاربهم سعيد من أعلى القصر بالفتيان والنساء حتّى انهزموا. وقامت عليهم العامّة فأخرجوهم إلى قرية فوق المدينة تعرف بقرية الصقالبة، فتحصّنوا بها سبعة أيّام، وحشر سعيد وخرج إليهم وظفر بهم بعد حرب شديدة. وكان الرضى عمّه وصهره كانت ابنته طالت تحته فحبسه مع أخيه عبيد الله وقتل من خرج معهما من بني عمّه، منهم الأغلب وأبو الأغلب. ثمّ وكل بأخيه عبيد الله من أوصله إلى مكّة فأقام بها حتّى مات.
١٢٨٩ فامتعض سعادة الله بن هارون، وهو ابن عمّ الأغلب، لقتل «٤» ابن عمّه وقال: قتل سعيد ابن عمّي وأبقى عمّه وأخاه وذنبهما واحد. فألّب عليه (بنو يصليتن) «٥» أصحاب جبل أبي الحسن، ثمّ عقد أمره معهم وسعادة الله مع سعيد بنكور وهو لا يعلم. فلمّا أعلن (بنو يصليتن) «٦» بالخلاف على سعيد جمع أصحابه وخرج إليهم ومعه سعادة الله. فلمّا التحمت الحرب تحيّز سعادة الله فيمن تبعه إلى بني يصليتن وخذل سعيدا، فانهزم سعيد «٧» وأخذت بنو يصليتن بنوده وطبوله وقتلوا من مواليه نحو ألف رجل وأتوا مع سعادة الله حتّى حاصروه بنكور. فكانت لسعيد الكرّة عليهم فهزمهم وأسر ميمون بن هارون أخا سعادة الله وقتله «٨» . وسار سعادة الله إلى تمسامان
стр. 747
وخرق سعيد دوره وخربها، ثمّ (صالح سعيدا) «١» ، فانصرف إلى نكور، وكان شجاعا بئيسا. فخرج سعادة الله «٢» بعد ذلك في خاصّته إلى بلاد بطوية وبني ورتدي، فأدخلوه قلوع جارة ونهد «٣» بهم إلى مرنيسة وزنانة، فقتل «٤» فاستملك «٥» له جميع ذلك البلد. وانصرف سعادة الله إلى مدينة نكور، فأقام بها مصافيا لسعيد.
١٢٩٠ وتزوّج أحمد بن إدريس بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضه أخت سعيد أمّ السعد «٦» بنت صالح وابتنى بها وسكن معها مدينة نكور إلى أن مات. ولمّا تغلّب عبيد الله الشيعي كتب إلى أهل المغرب يدعوهم إلى الدخول في طاعته والتديّن «٧» بإمامته وكتب بمثل ذلك إلى سعيد بن صالح وكتب بأسفل كتابه أبياتا كثيرة، منها [طويل] :
فإن تستقيموا أستقم لصلاحكم ... وإن تعدلوا عنّي أر قتلكم عدلا
وأعلو بسيفي قاهرا لسيوفكم ... وأدخلها عفوا وأملؤها قتلا
فأجاب رجل من شعراء الأندلس من أهل طليطلة أمره يوسف بن صالح وتلقّب بالأحمس وكان شاعر آل «٨» صالح في ذلك العصر بأبيات كثيرة، منها [طويل] :
كذبت وبيت الله لا تحسن العدلا ... ولا علم الرحمن من قولك الفضلا
стр. 748
فما كنت إلّا جاهلا ومنافقا ... تمثّل للجهال في السنّة المثلا
وهمّتنا العليا لدين محمّد ... وقد جعل الرحمن همّتك السفلى
١٢٩١ فكتب عبيد الله الشيعي إلى مصالة بن حبوس عامله على تيهرت يأمره بالمسير إلى بلد نكور ومحاربة سعيد بن صالح، فخرج مصالة لذلك من تيهرت غرّة ذي الحجّة سنة أربع وثلاثمائة فنزل من مدينة نكور على مسيرة يوم بموضع يقال له نسافت، فخرج إليه سعيد بن صالح فحاربه ثلاثة أيّام مكافيا له.
وكان مع سعيد رجل من شجعان البرابر وأعلامهم يقال له حمد «١» بن العياش من بني يطوفت دعته نفسه إلى أن يقصد محلّة مصالة فيفتك به، فوافى المحلّة في سبعة فوارس واقتحم على مصالة، فتصايح الناس فكاثروهم «٢» ، فأخذ حمد أسيرا ومن معه، فأمر مصالة بضرب أعناقهم فقال حمد: ليس مثلي يقتل. قال مصالة: ولم؟ قال: لأنّك لا تطمع في سعيد إلّا بي وعلى يدي. فاستبقاه وقرّبه وألطف مكانه حتّى أنس به. ثمّ أعطاه (قطعة من العسكر) «٣» فقصد بها من جانب كان يعلم الغرّة به حتّى دخل عسكر سعيد من المأمن ومن حيث لا يظنّ به، ففرق جمعه وغشي سعيدا ما لم يتأهّب له وتتابعت عليه العساكر، فنظر أمرا لا يستطيع المقام عليه، فبعث إلى مدينة نكور فأخرج كلّ ما كان في قصره وما معهم وصاروا بجزيرة في مرسى نكور ومعهم صالح بن سعيد وإدريس والمعتصم ابنا سعيد أخواه.
стр. 749
١٢٩٢ وظاهر سعيد بين درعين هو وفتيانه وخاصّته وقاتل حتّى قتل واستبيح «١» عسكره. ودخل مصالة مدينة نكور (يوم الخميس لثلاث خلون من المحرّم سنة خمس وثلاثمائة وانتهب مدينة نكور) «٢» وسبى النساء والذرية وبعث بالفتح إلى عبيد الله وبعث برأس سعيد بن صالح «٣» ومنصور بن إدريس بن صالح وغيرهم من بني صالح بن منصور، فطيف بها في مدينة القيروان ونصبت بمدينة رقّادة. وفي ذلك يقول أبو جعفر أحمد بن المروذي في أرجوزة [رجز] :
لمّا طغى الأرذل وابن الأرذل ... في عصبة من الطغام «٤» الجهّل
قال نكور دون ربّي معقلي «٥» ... أتاه مختوم القضاء الفيصل
من الإله كالحريق «٦» المشعل ... فحلّ أرضا طال ما لم تحلّل
حطّم أهل كفرها بالكلكل ... وجاء رأس رأسها المبذّل
على القنا من الرماح الذبّل ... ذو لمّة شاعثة لم تغسل
ولحية غبراء لم ترجّل
١٢٩٣ وركب من نجا من ذرية سعيد بن صالح وأهله البحر من مرسى نكور ونزلوا مالقة وبجانة «٧» ، فأمر عبد الرحمان بن محمّد الناصر لدين الله بإنزالهم والتوسّع لهم وحباهم بالكساء الرفيعة والصلات الجزلة «٨» وخيّرهم بين المقام بدار مملكته أو المقام بمالقة، فاختاروا المقام بمالقة لقربها من بلدهم ورجائهم
стр. 750
العودة إليه. وتكرّر مصالة في البلد نحو ستّة أشهر، ثمّ استخلف عليه رجلا من أصحابه (يقال له دلول) «١» وانصرف إلى تيهرت، فافترق عن دلول من كان معه من المشارقة وبقي في قليل من أصحابه. فلمّا صحّت الأنباء بذلك عند بني سعيد أزمعوا الانصراف إلى بلدهم ثقة بمحبّة رعيتهم لهم وميلهم إليهم، فاتّفقوا على ركوب البحر (في مراكب مختلفة، فمن وصل منهم قبل صاحبيه «٢» فالولاية له، وهم إدريس والمعتصم وصالح. فركبوا البحر من مالقة «٣» في ليلة واحدة (ووقت واحد وريح واحدة) «٤» ، فوصل أصغرهم سنّا صالح بن سعيد إلى مرسى نكور من ليلته وأصبح له بالمرسى المعروف بوادي البقر بتمسامان. فتسامع البربر بقدومه فتسارعوا إليه من كلّ جانب وأتوه من كلّ جهة وعقدوا له الأمرة ولقبوه باليتيم لصغره وزحفوا إلى دلول فأخذوه وجميع أصحابه فصلبوهم أجمعين على ضفّتي نهر نكور.
١٢٩٤ وكتب صالح بالفتح إلى عبد الرحمن بن محمّد، فقرئ كتابه بجامع قرطبة ونسخه في سائر «٥» بلاد الأندلس، وأمر بإمداد آل «٦» صالح بما يجلّ من الأخبية الشريفة والآلة العجيبة والكساء الرفيعة والسروج والحلى والبنود والطبول والدروع وجميع السلاح حتّى عوّضهم «٧» الله أكثر ممّا زال عنهم. فتوطّد الملك لصالح بن سعيد واعتاق البحر أخويه شهرين يتردّدان «٨» فيه، ثمّ وصلا بعده إلى نكور سالمين، فسلّما له الأمر. ومات صالح بن سعيد بعد أن ملك عشرين سنة. ولم يزل آل صالح على السنّة والجماعة والتمسّك بمذهب مالك بن أنس رضه. وكان (صالح وابنه سعيد) «٩» يصلّيان بالناس ويخطبان ويحفظان القرآن.
стр. 751
١٢٩٥ فولي الأمر المؤيّد بن عبد البديع «١» بن صالح بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور. فزحف إليه موسى بن أبي العافية فحاصره حتّى تغلّب عليه، فقتله واستباح المدينة وانتهبها «٢» وهدم أسوارها وخرب ديارها ونسف آثارها وتركها بلاقع تسفي عليها الرياح وتعاوى فيها «٣» الذئاب، وبلغ منها ما لم يبلغ بعضه مصالة بن حبوس، وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
١٢٩٦ ثمّ ولي أبو أيّوب إسماعيل بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن سعيد بن إدريس بن صالح، فبنى المدينة القديمة الّتي أسّسها صالح بن منصور وعمّرها وأعاد السوق فيها وسكنها «٤» إلى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. ففيها أخرج أبو القاسم الشيعي صاحب إفريقية صندلا الفتى الأسود إلى أرض المغرب مددا لميسور الفتى إذ أبطأ خبره عليه. فخرج صندل من المهدية في جمادي الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فوصل إلى جراوة الحسن بن أبي العيش فاستراح فيها أيّاما، ثمّ سار إلى هراس وكتب إلى إسماعيل بن عبد الملك صاحب نكور يأمره بالقدوم عليه وقد كان خرج من نكور وصار بقلعة أكرى «٥» . فبعث إليه رسلا وكتب أنّه في الطاعة، فلم يرض منه صندل بذلك وبعث إليه رسلا يستحثّونه في المسير إليه، فقتلهم إسماعيل عن آخرهم. فلمّا أتى صندلا خبر قتلهم زحف إلى قلعة أكرى فنزل قريبا منها بموضع يقال له نسافت، وهو الموضع الّذي قتل فيه مصالة بن حبوس سعيد بن صالح. فغلب صندل على القلعة بعد قتال ثمانية أيّام ومعارك قتل في آخرها إسماعيل وأكثر أصحابه، وذلك يوم الجمعة في شوال من السنة
стр. 752
المذكورة. وغنم صندل كلّ من كان في القلعة من نساء إسماعيل وقرابته وأخذ له ولدين «١» طفلين، وولّى على المدينة رجلا من كتامة اسمه مرمازو، وصار إلى صاحبه ميسور وهو على فاس يحاصرها.
١٢٩٧ وكان موسى بن المعتصم بن محمّد بن قرّة بن المعتصم بن صالح بن منصور- وموسى هو المعروف بابن رومي- بجبل أبي الحسن مع بني يصليتن. فلمّا زال صندل تراجع أهل نكور وقدّموا على أنفسهم ابن رومي وقتلوا مرمازو وجميع من كان معه وبعثوا برأس مرمازو وجميع أصحابه إلى أمير المؤمنين عبد الرحمان بن محمّد. وقام على موسى ابن رومي عبد السميع بن جرثم بن إدريس بن صالح (بن إدريس بن صالح بن منصور، فأخرجه من بلد نكور، وذلك سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. فصار موسى إلى الأندلس ونزل بجانة «٢» بأهله وولده ومعه أخوه هارون بن رومي، ونزل بمالقة ابنا عمّه جرثم بن أحمد ومنصور بن الفضل. ثمّ استدعى أهل نكور جرثم بن أحمد بن محمّد بن زيادة الله بن سعيد بن إدريس بن صالح) «٣» ، فعبر البحر إليهم فولّوه على أنفسهم، وذلك سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة، وكان بها إلى ذي الحجّة سنة ستّين.
١٢٩٨ وتوالت الولاية هناك في بني جرثم إلى سنة عشر وأربعمائة، فغلبت عليهم أزداجة وانتقل بنو جرثم إلى مالقة. ثمّ انتقلت أزداجة إلى بلدهم بناحية وهران ورجع بنو جرثم إلى بلد نكور وهي مدينة المزمّة. ثمّ غلب على بلد
стр. 753
نكور يعلى بن الفتوح الأزداجي وأخرج «١» بني جرثم من جميع بلاد نكور، وهي اليوم بأيدي ذرية يعلى بن الفتوح، وذلك سنة ستّين وأربعمائة.
١٢٩٩ ويلي مرسى تمسامان المذكور إلى الشرق مرسى كرط وهو غير مكنّ، وفيه آبار، بينهما خمسة عشر ميلا. ويقابله من برّ الأندلس مرسى قرية بلس ويقطع الغدير بينهما في يوم وليلة. ويليه إلى جانب الشرق طرف هرك بينهما عشرة أميال تشتي فيه المراكب الصغار، وله أحساء. ويقابله من برّ الأندلس مرسى شاط «٢» . ويقطع «٣» الغدير بينهما في مجرى ونصف. ويليه إلى الشرق جون بين طرف هرك ومدينة مليلة. ويقابل هذا الجون من برّ الأندلس مرسى المنكّب «٤» بينهما مجريان. ويليه إلى جانب الشرق مرسى مليلة، ونهرها يريق في البحر بينه وبين طرف هرك (مسيرة أميال) «٥» . ويقابله من برّ الأندلس مرسى مدينة شلوبينية «٦» ١٣٠٠ فأما الطريق من مدينة نكور إلى مدينة القيروان فمن نكور الى بني يصليتن على نهر تمسامان ومنها إلى نهر قرط مرحلة، ثمّ إلى قلوع جارة مرحلة، إلى وادي ملوية مرحلة، (إلى مدينة جراوة مرحلة) «٧» . فذلك ستّ مراحل. ثمّ الطريق كما تقدّم.
стр. 754
١٣٠١ ويجاور بلد نكور بلد غمارة فمنه مجكسة. وتنبّأ بذلك الصقع أبو محمّد حاميم بن منّ الله بن حريز بن عمرو بن وجفوال (بن وزروال) «١» الملقّب بالمفتري.
وببلد مجكسة جبل حاميم المنسوب إليه، وهو على مقربة من مدينة تيطاوان.
وأجابه بشر كثير أقرّوا بنبوّته، وجعل لهم الصلاة صلاتين عند طلوع الشمس وعند غروبها يسجدون على بطون أكفّهم، ووضع لهم قرآنا بلسانهم، فممّا ترجم منه بعد تهليل يهلّلونه: حلّني من الذنوب يا من يحلّ البصر «٢» ينظر في الدنيا، حلّني من الذنوب يا من أخرج موسى من البحر. ومنه: آمنت بحاميم وبأبي خلف- يريدون أبا حاميم وكذلك كان يكنّى- وأمن رأسي وعقلي وما أكنّه صدري وما أحاط به دمي ولحمي، وآمنت بتانفيت، وهي عمة حاميم أخت أبي خلف (منّ الله) «٣» وكانت كاهنة ساحرة، (وكانت لحاميم أيضا أخت تسمّى دجّو وكانت ساحرة كاهنة) «٤» من أجمل الناس وكانوا يستغيثون إليها في كلّ حرب وضيق ويزعمون أنّهم يجدون نفعها «٥» . وفرض عليهم صوم (الخميس كلّه ويوم الأربعاء إلى الظهر، فمن أكل فيهما غرم خمسة أثوار «٦» لحاميم. ووضع لجميعهم صوم) «٧» سبعة وعشرين يوما من رمضان وأبقى فرض صوم ثلاثة أيّام ويوم الفطر الرابع وجعل عيدهم في الثاني من الفطر. وفرض زكاتهم العشر من كلّ شيء وأسقط عنهم الحجّ والطهر والوضوء وأحلّ لهم أكل أنثى الخنازير وقال إنّما حرم ذكورها، وذلك في قرآن محمّد ﷺ . وحرّم عليهم الحوت حتّى يذكّى وحرّم عليهم البيض من جميع الطير. وأنشد أبو العبّاس فضل بن مفضّل بن عمر المدحجي لعبد الله بن محمّد المكفوف الطنجي يهجو حاميم ويذكر فسقه [طويل] :
وقالوا افتراء إنّ حاميم مرسل ... إليهم بدين واضح الحقّ باهر
стр. 755
فقلت كذبتم بدّد الله شملكم ... فما هو إلّا عاهر وابن عاهر
فإن كان حاميم رسولا فإنّني ... بإرسال حاميم لأوّل كافر
رووا عن عجوز ذات أفك فهيمة ... تفاوق في أسحارها كلّ ساحر
أحاديث إفك حاك إبليس نسجها ... يسرّونها والله مبدي السرائر
١٣٠٢ وقتل حاميم المفتري بمصمودة الساحل من أحواز طنجة سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وكان له من البنين محمّد وبه كان يكنّى وعبد الله وعيسى. ودخل عيسى الأندلس زمان عبد الرحمان بن محمّد. ولعيسى في بلادهم قدر ويعرف بابن المفتري. وبنو وجفوال «١» رهط حاميم ينزلون على نهر رأس «٢» ، وهو على ثلاثة أميال من مدينة تيطاوان «٣» . وكان في بعض جبال مجكسة رجل من السحرة المهرة «٤» يعرف بأبي كسية، وكان أهل موضعه يسمعون منه ولا يعصونه طرفة عين، وإذا عصاه أحد أو خالفه حوّل كساه الّذي يلتحف فيه فتصيب ذلك الرجل «٥» عاهة لحينه أو جائحة، وإن كانوا جماعة أصابهم مثل ذلك. وكان يخيّل إليهم كأنّ «٦» برقة تلوح من تحت كسائه. ولبنيه وعقبه حتّى الآن مزية في تلك الناحية ومنزلة وحظوة على من سواهم.
١٣٠٣ ومن أعاجيب بلد غمارة امرؤ بوحلاوت «٧» وكان في بني شداد منهم، وكان معه «٨» عدل مملوء برءوس الحيوان وأنيابها من برّيها وبحريها قد نظّمها في حبل واتّخذها كالسبحة، فإذا سأله أحد عن (شيء من الحدثان) «٩» وما هو كائن علّق منه تلك السبحة وقلّده إيّاها، ثمّ (قلقلها عليه) «١٠» وانتزعها
стр. 756
وجعل يشمّها قطعة قطعة إلى أن تمسك في يده ما أمسك منها، ثمّ طفق «١» يخبره خبره وما الّذي سأله عنه وعمّا يدور له من مرض أو موت أو ربح أو خسارة أو إقبال أو إدبار (أو عبرة أو غير ذلك) «٢» فلا يكاد يخطئ.
١٣٠٤ ومن أعاجيب بلد غمارة أنّ عندهم قوما يعرفون بالرقّادة وهم في وادي لو عند بني سعيد وعند بني قطيطن وعند بني يروتن يغشى على الرجل منهم يومين وثلاثة فلا يتحرّك ولا يستيقظ، ولو بلغ به أقصى مبلغ من الأذى ولو قطع قطعا، فإذا كان بعد ثلاثة من غشيته استيقظ كالسكران ويكون يومه ذلك كالواله لا يتّجه لشيء (ولا يخبر بشيء) «٣» . فإذا أصحّ «٤» في اليوم الثاني أتى بعجائب ممّا يكون في ذلك العام من خصب أو جدب أو حرب «٥» أو غير ذلك، وهذا أمر مستفيض لا يخفى.
١٣٠٥ وأخبرني غير واحد أنّه رأى بمرسى باديس رجلا قصير القامة مصفر اللّون يكرمه أهل ذلك الموضع ويقدّمونه ويذكرون أنّه ينبط المياه في المواضع الّتي لا يعهد فيها ماء عيونا وآبارا، وأنّه يخبر بقرب الماء وبعده، وأنّه إنّما يستدلّ «٦» على ذلك باستنشاف هواء ذلك الموضع لا غير.
стр. 757
١٣٠٦ والمواربة «١» عند أهل غمارة كلّها كثيرة متعارفة يفخر «٢» بها نساؤهم، وذلك أنّ الرجل إذا دخل بامرأته البكر واربها شباب أهل ناحيتها فاحتملوها وأمسكوها «٣» عن زوجها شهرا أو أكثر، ثمّ يردّونها. وربّما فعل ذلك بها مرارا على قدر جمالها وبمقدار الرغبة فيها (تفضّل لذّاتها) «٤» . ولا يتمّ إكرام الضيف عندهم إلّا بأن يؤنّسوه بنسائهم الأيامى منهنّ، يبيت الرجل مع ضيفه أخته الشيب أو بنته أو من لم تكن ذات زوج من نسائه. ولا يتركون ذا عاهة يستقرّ ببلدهم ويقولون إنّه يفسد النسل. وهم يرغبون في الرجل الجميل الشجاع، وهم مخصوصون بالجمال ولهم شعور يسدلونها كشعور النساء ويتّخذونها ضفائر ويطيبونها ويتعمّمون «٥» بها.
ذكر مدينة سبتة
١٣٠٧ وهي على ضفّة البحر الرومي وهو بحر الزقاق الداخل من البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض داخل (من الغرب إلى الشرق) «٦» ضيّق جدّا والبحر محيط بها شرقا وشمالا «٧» وقبلة، ولو شاء ساكنوها أن يوصلوه من ناحية الشمال لوصلوه فتكون جزيرة منقطعة. وقد حفر من تقدّم في ذلك الموضع نحو غلوتين. وهي مدينة كبيرة مسوّرة بسور صخر محكم البناء بناه عبد الرحمان الناصر لدين الله. وحمّاماتها يجلب الماء إليها على الظهر من البحر. وبمدينتها حمّام قديم يعرف بحمّام خالد. ولها ربض من جانب الشرق فيه ثلاثة
стр. 758
حمّامات، وجامعها على البحر القبلي المعروف ببحر بسول له خمسة بلاطات وفي صحنه جبّان. ولها مقبرة في الجبل (مطلّ على البحر) «١» ومقبرة أخرى بجوفيّها على بحر الرملة. وأهلها عرب وبربر، فعربها تنسب إلى صدف وبربرها من ناحية أصيلة والبصرة، ولم تزل دار علم. وبشرقيّ مدينتها جبل منيف كان محمّد بن أبي عامر ابتدأ فيه بناء سور لم يتمّ، وهذا الجبل مطلّ على الربض المذكور الّذي فيه الحمّامات، وما بينهما كروم. ودار الإمارة في جوفيّ المدينة. وطولها من السور الغربي الّذي يدخل منه إلى المدينة قاطعا إلى الشرق إلى آخر الجزيرة خمسة أميال، والمدينة في الجانب الغربي منها.
ولسورها الغربي تسعة أبراج والباب في البرج الأوسط. وبين يدي هذا السور سور لطيف يستر الرجل ويتّصل به خندق عميق عريض عليه قنطرة خشب أمامها بستان وآبار ومقبرة. والسور القبلي على أجراف عالية، والشرقي والجوفي فيه تطامن. ولها باب ثان ممّا يلي الجوف في برج يعرف ببرج سابق يدخل منه إلى دار الإمارة، وذرع المدينة من السور الغربي إلى الشرقي ألفان وخمسمائة ذراع وذرع ما يأخذه ثقاف الربض المتّصل بالسور الغربي سبعة آلاف وأربعمائة ذراع.
١٣٠٨ وهي مدينة قديمة سكنها الأوّل وبها آثارهم بقايا كنائس وحمّامات، وماؤها مجلوب من نهر أويات مع ضفّة البحر القبلي «٢» في قنا إلى الكنيسة الّتي هي اليوم الجامع.
стр. 759
١٣٠٩ وكان صاحبها أليان، وهو الّذي أجاز طارق بن زياد وأصحابه إلى الأندلس. فلمّا غزا عقبة بن نافع القرشي أرض المغرب وصار إلى سبتة خرج إليه أليان بهدايا وتحف ورغب إليه في الأمان، فأمّنه وأقرّه في موضعه. ثمّ دخلها العرب بعد ذلك بالصلح وعمّروها. ثمّ قام عليهم بربر طنجة فأخرجوهم منها وأقفروها، فبقيت خرابا يعمرها الوحش مدّة. ثمّ دخلها رجل من غمارة يسمّى ماجكن وكان مشركا، فعمّرها وأسلم ورأس فيها. ثمّ وليها بعد هلاكه ابنه عصام، ثمّ ابن ابنه مجبّر «١» بن عصام. وفي دولتهم دخلها قوم كثير من أهل قلشانة أيّام المحل «٢» ، فاشتروا من البربر وبنوا فيها واستوطنوها، وكانوا مع ذلك يؤدّون الطاعة إلى قريش العدوة من الحسنيين حتّى افتتحها عبد الرحمان الناصر لدين الله ووليها الرضى بن عصام «٣» بعد موت أخيه مجبر «٤» ودخلها عامله وقائده فرج بن عفير يوم الجمعة في صدر ربيع الأوّل سنة تسع عشرة.
والمسلك من سبتة إلى طنجة على طرق، وهي مساكن قبائل مصمودة كلّها.
ذكر طنجة
١٣١٠ فأمّا كورة طنجة فهي مساكن صنهاجة، وطريق الساحل من مدينة سبتة إلى طنجة تخرج من المدينة في بسيط تعمره نحو ميل، ثمّ تدخل في حدّ بني
стр. 760
سمغرة «١» وهم أهل جبل مرسى موسى، ثمّ تخرج إلى (وادي مدينة اليمّ) «٢» والقصر الأوّل، (وبطون مصمودة تتشعّب من أربع قبائل:
دغاغ وأصادة وبني سمغرة وكتامة، وبطون صنهاجة تفترق من قبيلتين: من قار بن صنهاج وحزمار بن صنهاج. وفي القصر الأوّل) «٣» سكنى بني طريف وحوله غراسات كثيرة. وتدخل المراكب في هذا الوادي إلى حائط القصر، وبين مخرج هذا الوادي وموقعه في البحر نحو سكّتين، ومن سبتة إلى هذا القصر مرحلة، ومن القصر إلى طنجة مرحلة.
١٣١١ قال محمّد بن يوسف: إذا خرج الخارج من طنجة إلى سبتة في البحر فإنّه يأخذ إلى جانب الشرق، وأوّل ما يلقى جبل المنارة، ثمّ مرسى باب اليمّ وهو غير مكنّ وفيه سكنى ورباط وواد لطيف يريق في البحر، وبين طنجة وبينه ثلاثون ميلا في البرّ وفي البحر نصف مجرى. ويقابل باب اليمّ من جزيرة الأندلس مرسى جزيرة طريف وبينهما ثلث مجرى «٤» . ثمّ يلقى»
بعد باب اليمّ (وادي زلول «٦» عليه ثمار وعمارة كثيرة. ثمّ وادي باب اليمّ) «٧» يصبّ في البحر، حوله بساتين وعليه سكنى وعمارة لمصمودة. ثمّ حجر نابت في البحر يعرف بالمبخة «٨» . ثمّ مرسى موسى، وهو مرسى مأمون (مشتى إلا من اللبش) «٩» ، وفيه نهر يريق في البحر. وكان عليه حصن هدمه بنو محمّد ومصمودة سنة اثنتين وثلاثمائة، ثمّ بناه أمير المؤمنين الناصر فهدموه أيضا سنة أربعين. وحول هذا الحصن في غربيّه قبائل من البربر في ساحل رمل فيه ماء طيّب وهو متصيّد أهل سبتة. وبين مرسى موسى ومرسى باب اليمّ في البرّ ثمانية أميال. وبإزاء مرسى موسى (من برّ الأندلس بورت لبّ ويقطع الغدير بينهما في نصف مجرى. ومرسى موسى) «١٠» موضع «١١» أكثر بقع الأرض
стр. 761
قردة وهي تحكي ما ترى من فعل من مرّ بها «١» من الناس، فإذا رأت النواتي يجذفون في القوارب «٢» أخذت عيدانا وجعلت تحكي عملهم. ويليه مرسى جزيرة تورة «٣» ، وفي برّه قرية تعرف بتورة «٤» فنسبت الجزيرة والمرسى إليها، وهي جزيرة في البحر كهيئة جبل منقطع عن البرّ يقابلها في البرّ على شاطىء البحر أجراف عالية، والمرسى بينها وبين تلك الأجراف.
١٣١٢ ثمّ مرسى بليونش، وبليونش قرية كبيرة آهلة كثيرة الفواكه وبغربيّها نهر يريق في البحر عليه الأرحاء وبينه وبين مرسى جزيرة تورة في البرّ خمسة أميال. ثمّ موضع يعرف بالقصر على خندق يجري فيه ماء كثير في الشتاء ويقلّ في الصيف، وبهذا القصر آثار للأوّل من أقباء وغير ذلك. ثمّ موضع يعرف بماء الحياة، عيون على ضفّة البحر منبعثة بين «٥» أحجار من تحت شرف رمل طيّبة عذبة يصل إليها الموج وينبط الماء العذب في هذا الرمل بأيسر حفر.
ويذكر أنّ بهذا الموضع نسي فتى موسى الحوت «٦» ، ويوجد في ذلك الموضع خاصّة دون غيره حوت ينسب إلى موسى، عرضه مقدار ثلثي شبر وطوله أكثر من شبر لحمه في أحد جانبيه والجانب الآخر لا لحم فيه إنّما جلدته على الشوك، ولحمه طيّب نافع من الحصاة مقوّ للباه. ثمّ مرسى لطيف يعرف بمرسى دنّيل «٧» ، بإزائه في البرّ قرية تعرف بهوارة «٨» عامرة بها عيون عذبة. ثمّ حجر نابت في البحر «٩» يعرف بحجر السودان. ثمّ مدينة سبتة.
стр. 762
[الطريق من سبتة إلى تيطاوان]
١٣١٣ وطريق البرّ من سبتة إلى موقع وادي المناول «١» في البحر القبلي من سبتة ستّة أميال. ثمّ إلى وادي نفزة «٢» ، ومخرجه من جبل أبي جميل وعليه مساكن بني عفان بن خلف. وعلى هذا النهر الموضع المعروف بالقصر، وهو قصر للأوّل قائم فيه حمّام، وعلى هذا النهر آثار للأوّل كثيرة. ثمّ إلى نهر أسمير «٣» ومنبعثه من جبل الدرقة وجريته من الغرب إلى الشرق، وعلى ضفّته قرارات لبني كترات من مصمودة. ثمّ إلى الموضع المعروف بقب منت، وهو الجبل الداخل في البحر بقبلي سبتة يسكنه أيضا بنو كترات وبنو سكين. ثمّ إلى نهر اليلى ومنبعثه أيضا من جبل الدرقة. ثمّ إلى موضع يعرف بتاورص «٤» قرية عبد الرحمن بن فحل من بني سكّين من مصمودة، لها مزارع وأرضون (ومياه عذبة) «٥» . ثمّ إلى مدينة تيطاوان وهي بسفح جبل إيشقار، وهو متّصل بجبل الدرقة ويبلغ إلى جبل رأس الثور إلى مرسى موسى بالبحر الغربيّ.
١٣١٤ ومدينة تيطاوان «٦» على أسفل وادي راسن «٧» ، (وقال محمّد وادي مجكسة) «٨» ، وهذا النهر يتّسع هناك وتدخله المراكب اللطاف من البحر إلى أن تصل تيطاوان. ومسافة ما بين البحر وبينها عشرة أميال. وهي قاعدة بني سكّين فيها قصبة للأوّل ومنار وبها مياه كثيرة سائحة عليها الأرحاء. وبجوفيّها جبل يعرف ببلاط الشوك يركب منه «٩» لبني سكّين مائة فارس. وبين مدينة
стр. 763
تيطاوان وجبل الدرقة سكّة، وهو قاعدة بني مرزوق بن عون من مصمودة وسكناهم منه بموضع يقال له صدينة، قرية ذات مياه سائحة وهي أطيب تلك البلاد مزارع. وهذا الجبل في غاية المنعة وفي أعلاه مسارح واسعة ومروج خصبة للماشية. وهذه القرية المذكورة في قبليّ الجبل، وبين القبلة والغرب منه الجبل المنسوب إلى حاميم المفتري المتقدّم الذكر.
١٣١٥ وجبل الدرقة يتّصل ببلاد غمارة ويسكن آخره من غمارة بنو حسين بن نصر.
ثمّ إلى نهر راسن، ومنبعثه من موضع يعرف بتيطسوان «١» من جبل بني حاميم. ثمّ إلى سوق بني مغراوت «٢» ، وهو آخر بلد مجكسة في غربي نهر راسن. ومجتمع هذه السوق يوم الثلاثاء وهي جامعة. ثمّ إلى فجّ الفرس وبه قرارات لقبائل من مصمودة ويركب لهم (مائتا فارس) «٣» . ثمّ إلى مدينة ويناقام، وهي كانت قاعدة حمّود بن إبراهيم، وهي في سفح جبل ولها ثمار ومياه كثيرة على نهر سسهور، (وهو بلد طيّب، ومنبعث سسهور من) «٤» جبل تامورات وهو من مساكن متنة من صنهاجة. وبين ويناقام وجبل الدرقة ميلان، وهو ما بين الغرب والقبلة من المدينة، وهو الجبل الّذي يمتنع فيه صنهاجة إذا خالفوا على الملوك. وبجبل الدرقة يتّصل جبل حبيب بن يوسف الفهري. وبين الدرقة وطنجة سكّتان.
стр. 764
فأمّا الطريق من سبتة إلى مدينة تيقيساس «١»
١٣١٦ فإلى نهر راسن كما تقدّم. ثمّ تدخل أرض غمارة. ثمّ تسير في بني جفو «٢» .
ثمّ في بني نفقاوة وهم من بني حميد من غمارة أيضا وهم على نهر لاو، وهو نهر كبير تجري فيه السفن، ولهم نتاج معروف وخيلهم معروفة بالحميدية. ثمّ إلى بني مسارة وهم السكّان حول تيقيساس وهم أيضا من بني حميد.
١٣١٧ ومن المواضع المشهورة والمنازل المعمورة «٣» ما بين سبتة وطنجة نهر أليان وقصر أليان فيه آثار للأوّل كثيرة. وفي غربي هذا النهر موضع يعرف بكروشت، وهو آخر غمارة ومصمودة. ويتّصل بهم هناك متنة من صنهاجة.
(ونهر الخليج وهو شرقي طنجة وموقعه في البحر تدخله المراكب. وجبل رأس الثور يسكنه قبائل كثيرة من مصمودة) «٤» . ونهر مجاز الفروق «٥» نهر كبير جدّا، ونهر فرميول وعنصره من جبل عين الشمس وجبل مترارة «٦» ، وهو جبل وعر كثير الشجر والمياه. ومن هذا الجبل إلى البحر المعروف بالزقاق وادي الرمل، وهو كثير الثمرة طيّب المزارع. وعين الشمس عين ثرّة في قرية نصر بن جرو عامرة آهلة بها جامع وبساتين كثيرة وأسواق «٧» ، ويوم سوقها يوم الجمعة. ومن سبتة إليها مرحلة. ويتّصل بعين الشمس جبل تارمليل قاعدة بني راسن لها قرارات حسان وبساتين ومسجد جامع، وهي وسط بلد
стр. 765
مصمودة. وهذا الموضع يقابل «١» تيطاوان. ويتّصل هذا الجبل إلى مدينة باب اليمّ إلى البحر الغربي. ومجاز فكّان، وهو موضع ملواثة «٢» يركب لهم خمسمائة فارس. وهناك الموضع المعروف بالرصافة وكدية تافرغالت، وفيها قرارات كثيرة لمتنة يركب لهم منها نحو ثمانين فارسا. ونهر أوربة، وعنصره من قرية تعرف بالأقولس، وحواليه أرضون كثيرة الربيع طيّبة الزرع وهي قنبانية «٣» طنجة.
ذكر مدينة طنجة وتعرف بالبربرية وليلي
١٣١٨ افتتحها عقبة بن نافع وقتل رجالها وسبى من فيها، وهي على شاطى البحر المعروف بالزقاق مسوّرة متقنة البناء، وهي محطّ السفن اللطاف لأنّ الريح الشرقية توذي «٤» فيه، وهي طنجة البيضاء القديمة المذكورة في التواريخ، وفيها آثار للأوّل كثيرة. قصور وأقباء وغيران وحمّام، وماؤها «٥» مجلوب في قنا ورخام كثير وصخر منجور وتحفر خرائبها «٦» فيوجد فيها أصناف الجواهر في قبور أوّلية وغيرها من المواضع. وهي آخر حدود إفريقية في الغرب، وقيل إنّ عمل طنجة مسيرة شهر في مثله وإنّ ملوك المغرب كانت دار مملكتهم مدينة طنجة وإنّ ملكا من ملوكها كان في عسكره ثلاثون فيلا «٧» .
стр. 766
١٣١٩ ومسافة ما بين مدينة القيروان وطنجة ألف «١» ميل. وقد غلب على مدينة طنجة القديمة الرمل والعمارة اليوم فوقها. وهناك جامع حسن وسوق عامرة.
وبإزاء طنجة في البحر المحيط وإزاء جبل أدلنت الجزائر المسمّاة فرطناتش (أي السعيدة) «٢» ، سمّيت بذلك لأنّ شعراءها وغياضها كلّها أصناف الفواكه الطيّبة العجيبة دون غراسة ولا عمارة، وأنّ أرضها تحمل الزرع مكان العشب وأصناف الرياحين العطرة بدل الشوك، وهي بغرب بلد البربر مفترقة متقاربة في البحر المذكور.
الطريق من مدينة طنجة إلى مدينة فاس
١٣٢٠ من مدينة طنجة إلى قلعة ابن خروب «٣» مرحلة، وهي مدينة كبيرة على ظاهر لها ثمر وشجر وهي كثيرة الزرع والضرع، وهي لكتامة من بطون مصمودة.
وبقرب هذه القلعة قرية كبيرة لعرب خولان آهلة كثيرة الخير، وهي على نهر زلول، وهذا النهر تلقاه قبل الوصول إلى قلعة ابن خرّوب «٤» . وبالقرب منها أيضا دمنة عشيرة بلد طيّب لصنهاجة. ثمّ قرى متّصلة لكتامة، إلى حاضرة سوق كتامى وهي قاعدة إدريس بن القاسم بن إبراهيم كبيرة شريفة على نهر وادلكس «٥» بها سوق عامرة وجامع. ثمّ تسير إلى قصر دنهاجة «٦» ، وهو على تلّ وتحته نهر عظيم وفيه آثار للأوّل، وبه كان ينزل ملوك المغرب في قديم الدهر. وجبل صرصر بقبلي هذا القصر ينزله بطون كتامة وأصادة. ثمّ تسير من هذا القصر إلى مدينة البصرة. وهي مدينة كبيرة واسعة «٧» وهي أوسع
стр. 767
تلك النواحي مرعى وأكثرها ضرعا، ولكثرة ألبانها تعرف ببصرة الذبّان، وتعرف أيضا ببصرة الكتّان (كانوا يتبايعون في بدء أمرها في جميع تجاراتهم بالكتّان) «١» ، وتعرف أيضا بالحمراء لأنّها حمراء التربة. وسورها مبني بالحجارة والطوب «٢» ، وهي بين شرفين، ولها عشرة أبواب وجامعها سبعة بلاطات وبها حمّامان، ومقبرتها الكبرى في شرقيها في جبل، ومقبرتها الغربية تعرف بمقبرة قضاعة. وماء المدينة زعاف وشرب أهلها من بئر عذبة على باب المدينة تعرف ببئر ابن ذلفا «٣» . وخارجها في جناتها (عيون كثيرة) «٤» وآبار عذبة. ونساء بصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق ليس بأرض المغرب أجمل منهنّ.
١٣٢١ قال أحمد بن فتح المعروف بابن الخرّاز التيهرتي يمدح أبا العيش «٥» بن إبراهيم (بن القاسم) «٦» [رجز] :
قبّح الإله اللهو إلّا قينة ... بصرية في حمرة وبياض
الخمر في لحظاتها «٧» والورد في ... وجناتها والكشح غير مفاض
في شكل مرجى ونسك مهاجر ... وعفاف سنيّ وسمت إباض
تاهرت «٨» أنت خلية وبرية ... عوضت منك ببصرة فاعتاض «٩»
لا عذر «١٠» للحمراء في كلفي بها ... أو تستفيض بأبحر وحياض
ما عذرها والبحر عيسى «١١» ربّها ... ملك الملوك ورائض الرواض
ومدينة البصرة محدثة أيضا أسّست في الوقت الّذي أسّست فيه أصيلة أو قريبا منه.
стр. 768
١٣٢٢ ومن مدينة البصرة إلى نهر ردات مرحلة، وهو في أصل جبل وفي أصل جبل وفي أعلى الجبل مدينة تسمّى كرت «١» وهي اليوم خربة. ومن كرت إلى موضع يقال له حنّاوة «٢» - قال محمّد جنيارة- ويعرف بالجبل الأشهب، وهي قرى كثيرة عامرة. ومنه إلى قرية صغيرة على نهر عظيم يسمّى سبو مرحلة، ومنه إلى مدينة فاس مرحلة. ومن أخذ من طنجة على أصيلة «٣» فمن طنجة إلى مدينة أصيلة مرحلة، ثمّ إلى سوق كتامى المذكور قبل هذا.
١٣٢٣ ومن مدينة البصرة طريق آخر إلى مدينة فاس، فمنها إلى وادي ورغة، ثمّ إلى مدينة «٤» ماسنة مرحلة، وهي مدينة عيسى بن حسين الحسني المعروف بالحجّام، وهي على نهر كبير. ثمّ إلى مدينة سداك في بلد مغيلة، وهي قاعدة خلوف بن يحمد المغيلي. ثمّ إلى مدينة فاس. فذلك سبعة أيّام «٥» .
١٣٢٤ ومدينة أصيلة أوّل مدن العدوة من جانب الغرب، وهي في سهلة من الأرض حولها رواب لطاف والبحر بغربيّها وجوفيّها، وكان عليها سور له خمسة أبواب وجامعها خمسة بلاطات، وإذا ارتجّ البحر بلغ الموج إلى حائط الجامع. وسوقها حافلة يوم الجمعة. وماء آبار المدينة شرّيب «٦» ، وبخارجها آبار عذبة: بئر عدل وبئر السانية وآبار كثيرة. ومقبرتها في شرقيّها ومرساها
стр. 769
مأمون والمدخل إليه من الشرق، ويستدير بالمرسى من ناحية الجوف جسر من حجارة مخلوقة تكفّ عن السفن المرفّاة «١» فيها هيجان البحر.
١٣٢٥ ومدينة أصيلة محدثة، وكان سبب بنيانها أنّ المجوس خرجوا في مرساها مرّتين.
فأمّا الأولى فأتوا قاصدين وزعموا أنّ لهم بها أموالا وكنوزا، فاجتمع البربر لقتالهم، فقالوا: لم نأت بالحرب وإنّما لنا كنوز في هذا الموضع، فكونوا ناحية حتّى نستخرجها ونشاطركم فيها. فرضي البربر بذلك فاعتزلوا، وحفر المجوس موضعا فاستخرجوا دخنا كثيرا عفنا. فنظر البربر إلى صفرته فظنّوه ذهبا فبدروا إليه «٢» ، فهرب المجوس إلى مراكبهم وأصاب البربر الدخن فندموا ورغبوا إلى المجوس في الخروج واستخراج المال، فأبوا وقالوا: قد نقضتم عهدكم فلا نثق بعذركم. وساروا إلى الأندلس، فحينئذ خرجوا بإشبيلية، وذلك سنة (تسع وعشرين ومائتين) «٣» في أيّام الإمام عبد الرحمن بن الحكم.
١٣٢٦ وأمّا خروجهم (الثاني هناك) «٤» فإنّ الريح قذفتهم في ذلك المرسى من الأندلس «٥» وعطبت لهم على باب المرسى من ناحية الغرب مراكب كثيرة، ويعرف ذلك الموضع بباب المجوس إلى اليوم. فاتّخذ الناس موضع أصيلة رباطا وانتابوا إليه «٦» من جميع الأمصار. وكانت تقوم فيه سوق جامعة ثلاث مرّات في السنة، وهو وقت اجتماعهم وذلك في شهر رمضان وفي عشر
стр. 770
ذي الحجّة وفي عاشوراء. وكان الموضع ملكا للواتة، فابتنى فيه قوم من كتامة واتّخذوه جامعا، وتسامع الناس أمرها من الأندلس وأهل الأمصار فقصدوها في الأوقات المذكورة بضروب السلع وخيّموا فيها. ثمّ بنوا شيئا بعد شيء فعمّرت، فقدمها القاسم بن إدريس فملكها (وبنى سورها وقصرها وبها قبره. ووليها إبراهيم ابنه، ثمّ حسين بن إبراهيم، ثمّ القاسم بن حسين، ثمّ صار أمرها إلى حسن الحجّام منهم) «١» ، حتّى استولى عليهم ابن أبي العافية على ما تقدّم. وكان الحجّام يستعمل عليها الولاة. قالوا: وتفسير أصيلة جيّدة. وبقبلي أصيلة قبائل لواتة وبنو زياد من هوارة زلول، وبغربيها هوارة الساحل. وغار كبير على البحر، إذا مدّ وصل إليه. وبين القبلة والغرب منها عين تعرف بعين الخشب ثرّة، وبقبليها خندق يعرف بخندق المعزة وخندق آخر يعرف بخندق السرادق «٢» ، وبغربيها خندق يعرف بتاشت «٣» فيه مراعي مواشي أهلها. وكيلهم يسمّى مدّا وهو عشرون مدّا بمدّ النبي ﷺ مثل الفنقة «٤» القرطبية، وكيل الزيت يسمّونه قليلة وهي مائة واثنتا عشرة «٥» أوقية، في القنطار عشرون قليلة.
١٣٢٧ وأصيلة بغربي طنجة، وأوّل ما يلقى الخارج من مدينة أصيلة واديها «٦» وهو يخاض، ثمّ مسجد عن يمين الطريق، ثمّ وادي «٧» نبرش يخاض أيضا.
وهي قرية آهلة عامرة كثيرة الثمار والعيون، وهي للواتة، بينها وبين البحر قدر نصف ميل. ثمّ ساحل رمل. (ثمّ نهر كبير يعبر في المراكب عليه سكنى أهل تاهدارت وهي قرية كبيرة عامرة بها ملّاحة. ثمّ ساحل رمل) «٨» . ثمّ بركة عذبة وهي بركة قدر مائتي ذراع فيها ماء عذب بينها وبين البحر نصف ميل،
стр. 771
في قبليّها حجارة عالية، تهبّ من هذه البركة ريح عاصفة شديدة تؤذي المراكب وتقلّبها إذا غفل ركّابها. ثمّ ساحل يقابله بلد سطة «١» . ثمّ جرفة يصعد منها إلى قرية كقمارية «٢» بها يقطع الطواحن عامرة لصنهاجة. ثمّ جبل اسبرتيل «٣» داخل في البحر متّصل بالبرّ فيه عيون عذبة ومسجد رباط، وبين الجبل ومدينة أصيلة ثلاثون ميلا. وإذا خرجت المراكب من أسبرتيل بالريح الشرقية لم يكن لها بدّ من البحر المحيط إلّا أن تدور «٤» الريح الغربية. ويقابل جبل أسبرتيل من برّ الأندلس (جبل الأغر على سمت واحد ويقطع الغدير بينهما في ثلثي مجرى بالريح القبلية من ذلك البرّ، ومن الأندلس بالرّيح) «٥» الجوفية. ثمّ تسير من هذا الموضع إلى موضع يعرف بالقالة، ثمّ إلى مدينة طنجة. ومن جبل أسبرتيل إلى مدينة طنجة أربعة أميال.
الطريق من سبتة إلى مدينة فاس
١٣٢٨ من سبتة إلى دمنة عشيرة المذكورة مرحلة، ومنها إلى موضع يعرف بالكنيسة قرية مفيدة على ظاهر لكتامة. ثمّ إلى وادي مغار لكتامة أيضا قرار كبير «٦» ، بلد للزرع والضرع، إلى الحجر المعروف بحجر النسر قاعدة بني محمّد في الغرب منه بلد رهونة «٧» ، وفي الشرق بنو فتركان «٨» من غمارة.
وتفترق الطريق من الحجر، فمن تيامن أخذ إلى أفتيس مدينة جنّون بن إبراهيم لكتامة، وهي مدينة صالحة كثيرة الخير وهي من الحجر غربا، وهي على نهر وادلكس «٩» المذكور قبل هذا، وجريته من الشرق إلى الغرب وهو يلقاه عند أفتيس إليها. ثمّ يهبط إلى مدينة سوق كتامى فيسمّى هناك وادلكس.
стр. 772
ثمّ إلى مدينة تشومّس مدينة ميمون بن القاسم، وهي مدينة أوّلية عليها سور صخر كبيرة آهلة كثيرة المياه والثمار، ويسمّى بذلك الموضع بسفدد، ويتّسع هناك وعليه رباط يعرف برباط حارة الأحشيس وهي قرية آهلة يتّصل بها فحص مديد يعرف بفحص أبي شيار «١» . ثمّ تسير من أفتيس إلى زهجوكة مدينة إبراهيم بن محمّد، ومنها قام إبراهيم وبنوه وملكوا دار طنجة إلى حدّ سبتة وهي لزرهونة «٢» . وبعدها مدينة يجّاجين «٣» مدينة جيّدة مفيدة على نهر عذب بها جامع وأسواق وحمّام، ويعرف بالجبل الأشهب وهو على نهر سوسق نهر كبير كنهر قرطبة، وهي من بلد جنيارة وفيها عيون، وهي لجنّون بن محمّد سكّانها بنو مسارة من مصمودة. وبعدها مدينة أصادة «٤» فيها آثار للأوّل ذات أعناب وأشجار كثيرة، وهي بقبلي يجّاجين بينهما ستّة أميال أو نحوها «٥» . ويجاورها على الطريق أربعة أصنام.
١٣٢٩ ثمّ تأتي مجاز الخشبة على وادي ورغة في بلد شريف وقرارات»
كثيرة شبيهة بالمدن. ثمّ قرى متّصلة وأكبرها قرزاوة «٧» بني حصين، إلى بلد مغيلة، فترقى عقبة الأفارق وتلقى حصن زالغ على يسار الطريق. ثمّ قلعة ورطيطة، ثمّ فحص محلّى، ثمّ قرية خندق سدرواغ يفترق من هناك الطريق إلى كلتا عدوتي فاس. وذلك من مدينة سبتة إلى مدينة فاس ستّة أيّام.
١٣٣٠ وطريق آخر إلى فاس من سبتة: إلى تيطاوان مرحلة، أوّل ما يلقى الخارج من سبتة وادي أويات يجري في خندق عليه أرحاء شتوية، وبينه وبين المدينة
стр. 773
ميلان، ومنه جلب أليان الماء إلى سبتة على آزاج، وبعضها قائم في تلك الخنادق إلى اليوم. (ثمّ إلى وادي المنازل) «١» . ثمّ إلى وادي نكرة «٢» .
ثمّ الطريق كما تقدّم من سبتة إلى طنجة حتّى تأتي فجّ الفرس. ثمّ إلى فجّ الصاري بطرف جبل حبيب بن يوسف وهو جبل كثير العيود «٣» ، وبسند هذا الفجّ ممّا يلي الجوف حارة تعرف بمراد، وبين هذا الفجّ ومدينة أفتيس مرحلة. ثمّ من أفتيس كما تقدّم آنفا. وبين الفجّ وأفتيس قلعتان إحداهما قلعة ابن خرّوب المذكورة «٤» .
ذكر مدينة فاس
١٣٣١ ومدينة فاس مدينتان مقترنتان مسوّرتان بينهما نهر يطرد «٥» وأرحاء وقناطر.
وعدوة القرويّين في غربي عدوة الأندلسيّين. وعلى باب دار الرجل فيها رحاه وبستانه بأنواع الثمر وجداول الماء تخترق داره. وبالمدينتين أزيد من ثلاث مائة رحى وفيهما نحو عشرين حمّاما. وهي أكثر بلاد المغرب يهودا يختلفون منها إلى جميع الآفاق. ومن أمثال أهل المغرب: فاس بلد بلا ناس. وكلتا عدوتي فاس في سفح جبل والنهر الّذي بينهما مخرجه من عين غزيرة في وسط مرج ببلاد مطغرة «٦» على مسيرة نصف يوم من فاس. وأسّست عدوة الأندلسيّين في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وعدوة القرويّين في سنة ثلاث وتسعين ومائة في ولاية إدريس بن إدريس. ومات إدريس بمدينة وليلي من أرض فاس على مسافة يوم من جانب الغرب، وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة ومائتين في شهر ربيع الأوّل.
стр. 774
١٣٣٢ ولعدوة الأندلسيّين من الأبواب باب الفتوح قبلي منه يخرج إلى القيروان، وباب الكنيسة شرقي يقابل ربض المرضى، وباب أبي خلّوف شرقي، وباب حصن سعدون جوفي، وباب الحوض غربي يقابل عدوة القرويّين، وباب سليمان مثله، ومن هذين البابين يخرج أهل هذه العدوة إلى الحرب إذا كان بينهم اختلاف، وتقوم الحرب حينئذ بموضع يعرف بكدية الفول، وباب الفوّارة. وبها جامع حسن فيه ستّة بلاطات طولها من الشرق إلى الغرب وعمده أرجل كذان، وله صحن فسيح فيه أصول جوز وشجر وساقية تعرف بساقية مصمودة غزيرة الماء. وبهذه العدوة تفّاح «١» حلو يعرف بالأطرابلسي جليل حسن الطعم يصلح بها وله غلّة ولا يصلح بعدوة القرويّين، وسميد عدوة الأندلسيّين أطيب من سميد (العدوة الثانية) «٢» لحذقهم بصنعته. وكذلك رجال عدوة الأندلسيّين أشجع وأنجد من القرويّين، ونساؤهم أجمل من نساء القرويّين، ورجال القرويّين أجمل من رجال الأندلسيّين. ولعدوة القرويّين من الأبواب باب الحصن الجديد قبلي يخرج منه إلى زواغة، وباب السلسلة شرقي يخرج منه إلى عدوة الأندلسيّين، وباب القناطر شرقي، وباب سياج يحيى بن القاسم جوفي يخرج منه (أيضا إلى زواغة و) «٣» إلى المخاض وإلى وشتاتة ومغيلة، وباب سوق الأحد غربي منه يخرج إلى زواغة. وبها جامع فيه ثلاثة بلاطات طولها من الشرق إلى الغرب بناه إدريس بن إدريس وله حصن كبير فيه زيتون وشجر وله سقائف. وبها نحو من عشرين حمّاما وهي أكثر بساتين ومياها.
стр. 775
١٣٣٣ وعدوة الأندلسيّين يجري الماء عليهم أوّلا ويجود بهذه العدوة الأترج ويعظم ولا يجود بعدوة الأندلسيّين. وكلتا العدوتين جليلة الخطر عظيمة القدر. وموقع وادي فاس بوادي سبو، وبغربي عدوة القرويّين في بلد مغيلة موضع يقال له السيخ ساخ بأهله، ومن هذا الموضع انهزم البوري بن أبي العافية سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة هزمه بنو محمّد واحتووا على معسكره. وبنهر فاس الحوت المعورف باللبيس كثير. وقال محمّد بن إسحاق المعروف بالبجلي «١» (يمدح عدوة القرويّين) «٢» [بسيط] :
يا عدوة القرويّين الّتي كرمت ... لا زال جانبك المحبور ممطورا
ولا سرى الله عنك «٣» ثوب نعمته ... أرض تجنّبت الآثام والزورا
١٣٣٤ وأنشد إبراهيم بن محمّد الأصيلي والد الفقيه أبي محمّد المفضّل بن عمر المدحجي (يهجو فاسا) «٤» [بسيط] :
دخلت فاسا ولي شوق إلى فاس ... والجبن «٥» يأخذ بالعينين والرأس
فلست أدخل فاسا لو حييت ولو ... أعطيت فاسا بما فيها من الناس
وقال أحمد بن فتح قاضي تيهرت في كلمة له (يهجو أهل فاس) «٦» [بسيط] :
следующие страницы →