← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 23849

المسالك والممالك للبكري

أبو عبيد البكري

Полный текст (893 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

في قبليّها حجارة عالية، تهبّ من هذه البركة ريح عاصفة شديدة تؤذي المراكب وتقلّبها إذا غفل ركّابها. ثمّ ساحل يقابله بلد سطة «١» . ثمّ جرفة يصعد منها إلى قرية كقمارية «٢» بها يقطع الطواحن عامرة لصنهاجة. ثمّ جبل اسبرتيل «٣» داخل في البحر متّصل بالبرّ فيه عيون عذبة ومسجد رباط، وبين الجبل ومدينة أصيلة ثلاثون ميلا. وإذا خرجت المراكب من أسبرتيل بالريح الشرقية لم يكن لها بدّ من البحر المحيط إلّا أن تدور «٤» الريح الغربية. ويقابل جبل أسبرتيل من برّ الأندلس (جبل الأغر على سمت واحد ويقطع الغدير بينهما في ثلثي مجرى بالريح القبلية من ذلك البرّ، ومن الأندلس بالرّيح) «٥» الجوفية. ثمّ تسير من هذا الموضع إلى موضع يعرف بالقالة، ثمّ إلى مدينة طنجة. ومن جبل أسبرتيل إلى مدينة طنجة أربعة أميال. الطريق من سبتة إلى مدينة فاس ١٣٢٨ من سبتة إلى دمنة عشيرة المذكورة مرحلة، ومنها إلى موضع يعرف بالكنيسة قرية مفيدة على ظاهر لكتامة. ثمّ إلى وادي مغار لكتامة أيضا قرار كبير «٦» ، بلد للزرع والضرع، إلى الحجر المعروف بحجر النسر قاعدة بني محمّد في الغرب منه بلد رهونة «٧» ، وفي الشرق بنو فتركان «٨» من غمارة. وتفترق الطريق من الحجر، فمن تيامن أخذ إلى أفتيس مدينة جنّون بن إبراهيم لكتامة، وهي مدينة صالحة كثيرة الخير وهي من الحجر غربا، وهي على نهر وادلكس «٩» المذكور قبل هذا، وجريته من الشرق إلى الغرب وهو يلقاه عند أفتيس إليها. ثمّ يهبط إلى مدينة سوق كتامى فيسمّى هناك وادلكس.

стр. 772

ثمّ إلى مدينة تشومّس مدينة ميمون بن القاسم، وهي مدينة أوّلية عليها سور صخر كبيرة آهلة كثيرة المياه والثمار، ويسمّى بذلك الموضع بسفدد، ويتّسع هناك وعليه رباط يعرف برباط حارة الأحشيس وهي قرية آهلة يتّصل بها فحص مديد يعرف بفحص أبي شيار «١» . ثمّ تسير من أفتيس إلى زهجوكة مدينة إبراهيم بن محمّد، ومنها قام إبراهيم وبنوه وملكوا دار طنجة إلى حدّ سبتة وهي لزرهونة «٢» . وبعدها مدينة يجّاجين «٣» مدينة جيّدة مفيدة على نهر عذب بها جامع وأسواق وحمّام، ويعرف بالجبل الأشهب وهو على نهر سوسق نهر كبير كنهر قرطبة، وهي من بلد جنيارة وفيها عيون، وهي لجنّون بن محمّد سكّانها بنو مسارة من مصمودة. وبعدها مدينة أصادة «٤» فيها آثار للأوّل ذات أعناب وأشجار كثيرة، وهي بقبلي يجّاجين بينهما ستّة أميال أو نحوها «٥» . ويجاورها على الطريق أربعة أصنام. ١٣٢٩ ثمّ تأتي مجاز الخشبة على وادي ورغة في بلد شريف وقرارات» كثيرة شبيهة بالمدن. ثمّ قرى متّصلة وأكبرها قرزاوة «٧» بني حصين، إلى بلد مغيلة، فترقى عقبة الأفارق وتلقى حصن زالغ على يسار الطريق. ثمّ قلعة ورطيطة، ثمّ فحص محلّى، ثمّ قرية خندق سدرواغ يفترق من هناك الطريق إلى كلتا عدوتي فاس. وذلك من مدينة سبتة إلى مدينة فاس ستّة أيّام. ١٣٣٠ وطريق آخر إلى فاس من سبتة: إلى تيطاوان مرحلة، أوّل ما يلقى الخارج من سبتة وادي أويات يجري في خندق عليه أرحاء شتوية، وبينه وبين المدينة

стр. 773

ميلان، ومنه جلب أليان الماء إلى سبتة على آزاج، وبعضها قائم في تلك الخنادق إلى اليوم. (ثمّ إلى وادي المنازل) «١» . ثمّ إلى وادي نكرة «٢» . ثمّ الطريق كما تقدّم من سبتة إلى طنجة حتّى تأتي فجّ الفرس. ثمّ إلى فجّ الصاري بطرف جبل حبيب بن يوسف وهو جبل كثير العيود «٣» ، وبسند هذا الفجّ ممّا يلي الجوف حارة تعرف بمراد، وبين هذا الفجّ ومدينة أفتيس مرحلة. ثمّ من أفتيس كما تقدّم آنفا. وبين الفجّ وأفتيس قلعتان إحداهما قلعة ابن خرّوب المذكورة «٤» . ذكر مدينة فاس ١٣٣١ ومدينة فاس مدينتان مقترنتان مسوّرتان بينهما نهر يطرد «٥» وأرحاء وقناطر. وعدوة القرويّين في غربي عدوة الأندلسيّين. وعلى باب دار الرجل فيها رحاه وبستانه بأنواع الثمر وجداول الماء تخترق داره. وبالمدينتين أزيد من ثلاث مائة رحى وفيهما نحو عشرين حمّاما. وهي أكثر بلاد المغرب يهودا يختلفون منها إلى جميع الآفاق. ومن أمثال أهل المغرب: فاس بلد بلا ناس. وكلتا عدوتي فاس في سفح جبل والنهر الّذي بينهما مخرجه من عين غزيرة في وسط مرج ببلاد مطغرة «٦» على مسيرة نصف يوم من فاس. وأسّست عدوة الأندلسيّين في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وعدوة القرويّين في سنة ثلاث وتسعين ومائة في ولاية إدريس بن إدريس. ومات إدريس بمدينة وليلي من أرض فاس على مسافة يوم من جانب الغرب، وكانت وفاته سنة ثلاث عشرة ومائتين في شهر ربيع الأوّل.

стр. 774

١٣٣٢ ولعدوة الأندلسيّين من الأبواب باب الفتوح قبلي منه يخرج إلى القيروان، وباب الكنيسة شرقي يقابل ربض المرضى، وباب أبي خلّوف شرقي، وباب حصن سعدون جوفي، وباب الحوض غربي يقابل عدوة القرويّين، وباب سليمان مثله، ومن هذين البابين يخرج أهل هذه العدوة إلى الحرب إذا كان بينهم اختلاف، وتقوم الحرب حينئذ بموضع يعرف بكدية الفول، وباب الفوّارة. وبها جامع حسن فيه ستّة بلاطات طولها من الشرق إلى الغرب وعمده أرجل كذان، وله صحن فسيح فيه أصول جوز وشجر وساقية تعرف بساقية مصمودة غزيرة الماء. وبهذه العدوة تفّاح «١» حلو يعرف بالأطرابلسي جليل حسن الطعم يصلح بها وله غلّة ولا يصلح بعدوة القرويّين، وسميد عدوة الأندلسيّين أطيب من سميد (العدوة الثانية) «٢» لحذقهم بصنعته. وكذلك رجال عدوة الأندلسيّين أشجع وأنجد من القرويّين، ونساؤهم أجمل من نساء القرويّين، ورجال القرويّين أجمل من رجال الأندلسيّين. ولعدوة القرويّين من الأبواب باب الحصن الجديد قبلي يخرج منه إلى زواغة، وباب السلسلة شرقي يخرج منه إلى عدوة الأندلسيّين، وباب القناطر شرقي، وباب سياج يحيى بن القاسم جوفي يخرج منه (أيضا إلى زواغة و) «٣» إلى المخاض وإلى وشتاتة ومغيلة، وباب سوق الأحد غربي منه يخرج إلى زواغة. وبها جامع فيه ثلاثة بلاطات طولها من الشرق إلى الغرب بناه إدريس بن إدريس وله حصن كبير فيه زيتون وشجر وله سقائف. وبها نحو من عشرين حمّاما وهي أكثر بساتين ومياها.

стр. 775

١٣٣٣ وعدوة الأندلسيّين يجري الماء عليهم أوّلا ويجود بهذه العدوة الأترج ويعظم ولا يجود بعدوة الأندلسيّين. وكلتا العدوتين جليلة الخطر عظيمة القدر. وموقع وادي فاس بوادي سبو، وبغربي عدوة القرويّين في بلد مغيلة موضع يقال له السيخ ساخ بأهله، ومن هذا الموضع انهزم البوري بن أبي العافية سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة هزمه بنو محمّد واحتووا على معسكره. وبنهر فاس الحوت المعورف باللبيس كثير. وقال محمّد بن إسحاق المعروف بالبجلي «١» (يمدح عدوة القرويّين) «٢» [بسيط] : يا عدوة القرويّين الّتي كرمت ... لا زال جانبك المحبور ممطورا ولا سرى الله عنك «٣» ثوب نعمته ... أرض تجنّبت الآثام والزورا ١٣٣٤ وأنشد إبراهيم بن محمّد الأصيلي والد الفقيه أبي محمّد المفضّل بن عمر المدحجي (يهجو فاسا) «٤» [بسيط] : دخلت فاسا ولي شوق إلى فاس ... والجبن «٥» يأخذ بالعينين والرأس فلست أدخل فاسا لو حييت ولو ... أعطيت فاسا بما فيها من الناس وقال أحمد بن فتح قاضي تيهرت في كلمة له (يهجو أهل فاس) «٦» [بسيط] :

стр. 776

أسلح على كلّ فاسيّ مررت به ... في العدوتين معا لا تبقين «١» أحدا قوم غذوا اللؤم حتّى قال قائلهم ... من لا يكون لئيما لم يعش رغدا ١٣٣٥ ومدّهم يسع من الطعام ثمانين أوقية، ومديهم يسمّونه اللوح وفيه من هذا المدّ مائة وعشرون مدّا، وجميع المأكولات من الزيت والعسل واللبن والزبيب يباع عندهم بالأواق. وحواليها من قبائل البربر ترهنة «٢» ومغيلة وأوربة وصدينة وهوارة ومكناسة وزواغة. ١٣٣٦ ولمّا وصل موسى بن نصير إلى طنجة مال عياض بن عقبة إلى قلعة يقال لها سقوما على مقربة من فاس ومال معه سليمان بن أبي المهاجر وسألا موسى الرجوع معهما، فأبى وقال: هؤلاء قوم في الطاعة. فأغلظا له القول حتّى رجع فقاتل أهل سقوما، فكان لهم على العرب ظهور. ثمّ تسوّر عليهم عياض بن عقبة من خلفهم في قلعتهم، فانهزم القوم واشتدّ القتل فيهم فبادوا وقلّت أوربة إلى اليوم. فذكر ابن أبي حسان أنّ موسى لمّا افتتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك: أنّه صار إليك يا أمير المؤمنين من سبي سقوما مائة ألف رأس. فكتب إليه الوليد: ويحك أظنّها من بعض كذباتك، فإن كنت صادقا فهذا محشر الأمم.

стр. 777

[ذكر بني إدريس] ١٣٣٧ وفاس هي دار مملكة بني إدريس بن عبد الله بن حسن «١» بن حسن بن علي بن أبي طالب رضه. وكان نزول إدريس عند دخوله المغرب بوليلي «٢» ، (وهي طنجة بالبربرية، وذكر محمّد أن وليلي على مسافة يوم من فاس وفيها مات إدريس بن إدريس، فهذه غير طنجة) «٣» . وهي بغربي مدينة فاس مدينة عظيمة أوّلية. فنزل على إسحاق بن محمّد بن عبد الحميد الأوربي المعتزلي فتابعه «٤» على مذهبه، وذلك في سنة اثنتين وسبعين ومائة «٥» . وخرج إلى ما سنة في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة «٦» وخرج أيضا إلى تازى، وهو موضع من أعمال بني العافية يوجد في جبل منه الذهب وهو أعتق الذهب وأجوده، وكان خروجه إليها في جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين ومائة «٧» ، ومات بوليلي. ١٣٣٨ وذكر أبو الحسن علي بن محمّد بن سليمان النوفلي عن أبيه وغيره في خروج إدريس إلى أرض المغرب غير ما ذكره المؤرّخون، قال إنّ إدريس بن عبد الله انهزم فيمن انهزم من وقعة حسين صاحب فخّ، وكانت وقعة فخّ يوم السبت يوم الترويه سنة تسع وستّين ومائة «٨» ، فاستتر مدّة وألحّ السلطان في طلبه. فخرج به راشد مولاه «٩» وكان عاقلا شجاعا أيّدا ذا حزم ولطف في جملة الحاجّ منحاشا عن الناس بعد أن غيّر زيّه وألبسه مدرعة «١٠» وعمامة

стр. 778

غليظة وصيّره كالغلام يخدمه، وإن أمره ونهاه أسرع في ذلك. فسلما حتّى دخلا مصر ليلا. فبينما هما متحيّران يمشيان في بعض طرقها لا هداية «١» لهما بالبلد إذ مرّا بدار مشيّدة يدلّ ظاهرها على باطنها ونعمة أهلها، فجلسا في دكّان على باب الدار. فرآهما صاحب الدار فعرف فيهما الحجازية وتوسّم في خلقتهما الغربية فقال: أحسبكما غريبين «٢» . قالا نعم. قال: وأراكما مدنيّين. قالا: نعم نحن كما ظننت. فإذا الرجل من موالي بني العبّاس، فقام إليه راشد وقد توسّم فيه الخير فقال له: يا هذا قد أردت أن ألقي إليك شيئا ولست أفعل حتّى تعطيني موثقا أن تفعل إحدى خلّتين «٣» : إمّا أويتنا وتتقرّب «٤» إلى الله بالإحسان إلينا وحفظت فينا نبيّك محمّد ﷺ ، وإن كرهت ما ألقيته إليك سترته علينا. فأعطاه على ذلك موثقا. فقال له: هذا إدريس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب خرج من موضعه (مع الحسين بن علي) «٥» فسلم من القتل، وقد جئت به أريد بلاد البربر فإنّه بلد ناء لعلّه يأمن فيه ويعجز من يطلبه. فأدخلهما منزله وسترهما حتّى تهيّأ خروج رفقة إلى إفريقية، فاكترى لهما جملا وزوّدهما وكساهما. ١٣٣٩ فلمّا عزم القوم على الشخوص «٦» قال لهما: إنّ لأمير مصر مسالح «٧» لا يجوز أحد إلّا فتّشوه، وهاهنا طريق أعرفها لا يسلكها الناس، فأنا أحمل هذا الفتى معي- يعني إدريس- في هذه الطريق الغامضة (البعيدة فألقاك به- يقول لراشد- في موضع كذا وهنالك تنقطع مسالح مصر. فركب راشد في أحد شقيّ المحمل ووضع متاعه في الشقّ الآخر ومضى مع الناس في القافلة،

стр. 779

وخرج الرجل على فرس له وحمل إدريس على فرس آخر فمضى به في الطريق الغامضة) «١» وهي مسيرة أيّام حتّى تقدّما الرفقة وأقاما ينتظرانها حتّى وردت. فركب إدريس مع راشد حتّى إذا قربا من إفريقية تركا دخولها وسارا في بلاد البربر حتّى انتهيا إلى بلاد فاس وطنجة. فأقام إدريس بين ظهراني البربر حتّى انتهى إلى الرشيد خبره. فكرّبه وشكا ذلك «٢» إلى يحيى بن خالد البرمكي فقال: أنا أكفيك خبره «٣» يا أمير المؤمنين. فأرسل إلى سليمان بن حريز الجزري، وهو رجل من ربيعة وكان متكلّما من يرى رأي الزيدية وكان حلوا شجاعا أحد شياطين الانس وكانت له إمامة في الزيدية إذ كان متكلّمهم «٤» ، وهو الّذي جمع الرشيد بينه وبين هشام بن الحكم حين ناظره في الإمامة. ١٣٤٠ فأرغبه يحيى بن خالد في مال ووعده عن نفسه وعن الخليفة بمواعد عظيمة ودعاه إلى قتل إدريس والتلطّف في ذلك. فأجابه، فأجابه، فأعطاه مالا جزلا ووجّه معه رجلا يثق به وبشجاعته ودفع إلى سليمان قارورة فيها غالية مسمومة، فانطلق مع صاحبه فلم يزالا يتغلغلان حتّى وصلا إلى إدريس، وكان إدريس عالما بسليمان ورئاسته في الزيدية. فلمّا وصل إليه قال: إنّما جئت إليك وحملت نفسي على ما حملتها عليه لمذهبي الّذي تعرفني به، وإنّ السلطان طلبني لمحبّتي في الخروج معكم أهل البيت، فجئتك لآمن في ناحيتك «٥» وأنصرك بنفسي. فسرّه قوله وقبله وأحسن مثواه وأكرم نزله وأنس به. وكان سليمان يجلس في مجالس البربر ويظهر الدعاء إلى ولد رسول الله ﷺ ويحتجّ لأهل هذه المقالة كاحتجاجه بالعراق، فأعجب ذلك إدريس منه فمكث

стр. 780

عنده مدّة وهو يطلب غرّته ويرصد «١» الفرصة في أمره ويرمق باب الحيلة «٢» عليه حتّى غاب راشد مولاه غيبة في بعض أموره، فدخل عليه ومعه القارورة، فلمّا انبسط إليه وخلا وجهه قال: جعلني الله فداك في هذه القارورة غالية حملتها معي، وليس ببلدك من الطيب ما يتّخذ هذا منه، فجئتك بها لتطيب «٣» بما فيها. ووضعها بين يديه، ففتحها إدريس وتغلّف منها وشمّها. وانصرف سليمان إلى صاحبه، وقد أعدّا فرسين قبل ذلك مضمّرين، فركباهما وخرجا مركضين يطلبان النجاة. فلمّا وصل السمّ إلى دماغ إدريس وكان «٤» في خياشيمه سقط مغشيا عليه لا يعقل ولا يدري من يختصّ به ما شأنه، فبعثوا إلى راشد فجاء مسرعا فتشاغل بمعالجته والتخبّر في أمره. وقطع سليمان وصاحبه على فرسيهما بلادا في مدّة ذلك «٥» . ١٣٤١ وأقام إدريس في غشيته عامة نهاره وعروقه تضرب ثمّ مات. وتبيّن راشد أمر سليمان بن حريز فركب في طلبه في جماعة من أصحابه، فجعلت الخيل تنقطع تحت أصحابه ويتخلّفون لشدّة السير. وحثّ الطلب (حتّى لحقه راشد) «٦» ، فانحرف إليه سليمان ليمنعه من نفسه فخبطه راشد بالسيف فكنع يده وضربه بالسيف على وجهه ورأسه ثلاث ضربات، كلّ ذلك لا يصيب مقتلا مع دفع سليمان عن نفسه وما كان عليه من الجنّة. وقام فرس راشد لشدّة حمله عليه، ونجا سليمان بحشاشة نفسه وصاحبه قد خذله، فلم يغن عنه شيئا ولم يكن عنده إلّا الهرب. ثمّ نزل سليمان بعد أن أمن الاتباع وعصب جراحه. قال أبو الحسن النوفلي: فحدّثني من رآه بعد قدومه العراق مكنّعا.

стр. 781

١٣٤٢ وذكر أحمد بن الحارث بن عبيدة اليماني نحو رواية النوفلي فقال إنّ إدريس بن عبد الله أفلت من وقعة فخّ فوقع «١» بمصر وعلى بريدها يومئذ واضح مولى صالح بن المنصور وكان يتشيّع، فحمله على البريد فوقع بأرض طنجة، فوجّه إليه الرشيد رجلا من مواليه يقال له الشمّاخ في هيئة المتطبّب. وكان بإدريس وجع يجده «٢» في أسنانه، فوضع الشمّاخ في ذلك الموضع ذرورا مسموما «٣» وخرج من ساعته، فقتل السمّ إدريس فطلب الشمّاخ فلم يظفر به حتّى أتى الرشيد فولاه بريد مصر. ١٣٤٣ وقال غيره: إنّما أمره أن يستعمل ذلك الذرور والسنون في السحر وفرّ هو في جوف الليل. قال محمّد بن إبراهيم بن محمّد بن القاسم: الصحيح عندنا أنّه سمّه في دلاعة «٤» قطعها بسكّين قد سمّ أحد جانبيه، فلما قطعها ناوله الّذي باشر السمّ وأكل هو الآخر. وكان واضح مولى صالح بن المنصور يميل إلى آل أبي طالب، فبلغ الرشيد ما صنع بإدريس فأمر بضرب عنقه وصلبه. ١٣٤٤ قال النوفلي: وكانت مدّة إدريس الّتي أجابته فيها البربر إلى أن مات بوليلي سنة خمس وسبعين ومائة ثلاثة أعوام وستّة أشهر. وقال غير هؤلاء إنّ داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب هو الّذي أفلت من وقعة فخّ وهرب إلى المغرب، وذرية داود هذا بفاس وبنو إدريس

стр. 782

يناكحونهم، وانصرف داود إلى المشرق فإنّه إنّما فرّ حين خرج أخواه على المنصور. ١٣٤٥ قال علي النوفلي: أخبرني عيسى بن جنّون «١» قاضي أرشقول لإدريس بن عيسى ودخل الأندلس غازيا أنّ سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن دخل المغرب أيضا ونزل تلمسان، وبه كمل عدد ولد عبد الله «٢» بن حسن ستّة لأنّهم محمّد وإبراهيم وإدريس وعيسى (ويحيى وسليمان كما ذكروا. قال) «٣» : فولد سليمان بن محمّد بن سليمان (فمن ولده محمّد ويحيى وسليمان كلّ قريشي في القبلة) «٤» . ١٣٤٦ قال النوفلي: ومات إدريس ولا ولد له وجارية من جواريه حبلى. فقام راشد بأمر البربر حتّى ولدت غلاما فسمّاه باسم أبيه إدريس، وقام بأمره وأدّبه وأحسن تأديبه، وكان مولده في ربيع الآخر سنة خمس وسبعين ومائة. وتوفّي راشد سنة ستّ وثمانين ومائة. ولهذا التبنّي والاتّصال قال محمّد بن السمهري يهجو القاسم بن إدريس بن إدريس [كامل] : قل للزنيم زنيم طنجة عش بها ... لا يحسدنّك في بلادك حاسد منّتك نفسك أن تكون خليفة ... هيهات هذا من حديثك بارد لمّا رأيتك لليام مصافيا ... أيقنت حقّا أنّ جدّك راشد

стр. 783

١٣٤٧ وقيل إنّ راشد مولى عيسى بن عبد الله «١» أخي إدريس بن عبد الله، قام بأمر الغلام أبو خالد يزيد بن ألياس الفارسي «٢» وأخذ بيعة البربر له (يوم الجمعة السابع من ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن إحدى عشرة سنة. وقتل أبا ليلى إسحاق وهو القائم به وبأبيه) «٣» يوم السبت لستّ خلون من ذي الحجّة سنة اثنتين وتسعين ومائة، وبعث رأسه «٤» إلى المشرق مع أحمد وسليمان ابني عبد الرحمان «٥» . ثمّ نزل مدينة فاس في عدوة الأندلسيّين وأقام بها شهرا «٦» ، وذلك سنة اثنتين وتسعين ومائة. وكانت عدوة القرويّين «٧» غياضا في أطرافها أبيات من زواغة، فأرسلوا إلى إدريس فدخل عندهم فأسّس مدينة القرويّين سنة ثلاث وتسعين ومائة. ثمّ خرج إلى نفيّس في المحرّم سنة سبع «٨» وتسعين، ثمّ غزا نفزة وتلمسان ورجع سنة تسع وتسعين ومائة. ١٣٤٨ قال داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر: كنت مع إدريس بن إدريس في المغرب، فخرجت معه يوما إلى قتال الخوارج فلقيناهم وهم في ثلاثة أضعاف عددنا، فقاتلناهم قتالا شديدا، فأعجبني إدريس في ذلك اليوم وجعلت أديم النظر إليه فقال: وايحك لم توالي النظر إليّ؟ قلت: لخصال، أمّا أوّلها فإنّك تبصق بصاقا مجتمعا وأنا أطلب قليل ماء أبلّ به حلقي فلا أجده. قال: ذلك لاجتماع قلبي وذهاب بصاقك لذهاب عقلك. قال: قلت والثانية لما أرى من منّتك «٩» . قال: إنّ النبي ﷺ صلّى علينا.

стр. 784

فقلت: والثالثة لما أرى من حركتك وقلّة قرارك على الدابّة. قال: ذلك زمع إلى القتال فلا تحسبه رعبا وأنا الّذي أقول [طويل] : أليس أبونا هاشم شدّ أزره ... وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب فلسنا نملّ الحرب حتّى تملّنا ... ولا نتشكّى ما نؤول من النصب «١» ١٣٤٩ وتوفّي إدريس بوليلي سنة ثلاث عشرة ومائتين وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة بحبّة عنب غصّ بها «٢» فلم يزل مفتوح الفم سائل اللعاب حتّى مات. وولد إدريس محمّدا وأحمد وعبيد الله وعيسى وإدريس وجعفرا ويحيى وحمزة وعبد الله والقاسم وداود وعمر. وتولّى الأمر (بعده ابنه) «٣» محمّد وفرّق البلاد على إخوته على رأي جدّته كنزة أمّ إدريس بن إدريس. واتّخذ محمّد بن إدريس مدينة فاس قرارا فولّى القاسم أخاه البصرة وطنجة وما والاهما «٤» . وولّى عمر صنهاجة وغمارة، وولّى داود هوارة تاسلمت «٥» ، وولّى يحيى داي وما والاها، وولّى عيسى وازقّور «٦» وسلى، وولّى حمزة «٧» الأودية بقرب وليلي، وولّى عبد الله لمطة وما والاها. وتصاغر الباقون من إخوته أن يقسم لهم فصاروا مع إخوتهم. ١٣٥٠ فقام عليه عيسى أخوه صاحب وازقّور ونكث طاعته، فكتب إلى القاسم يأمره بمحاربة عيسى أخيهما إذ كان يحاذيه في البلد. فأبى القاسم من ذلك

стр. 785

وخالف أمر محمّد. فكتب محمّد إلى أخيه عمر بمثل ذلك، فأجابه وسارع إلى نصرته وخرج يريد عيسى بمعسكره. فلمّا قرب من أحواز فاس كتب إلى محمّد يستمده ومضى لوجهه، فأوقع بأخيهما عيسى قبل لحاق مدد محمّد وأخرجه عن بلد وازقّور وهرب إلى سلى. ثمّ أمر محمّد أخاه عمر بمحاربة القاسم أخيهما، (فحاربه وتغلّب على ما كان من بلده) «١» بيده. فتزهّد القاسم وبنى مسجدا على ضفّة البحر بأصيلة ولزمه. وتوفّي عمر بن إدريس بقرب «٢» ذلك ببلد صنهاجة بموضع يقال له الفرس وكان منية له، ونقل إلى مدينة فاس فدفن بها. وهو جدّ الحمّوديّين القائمين بالأندلس على ما نذكره بعد هذا إن شاء الله. ١٣٥١ ثمّ هلك محمّد بن إدريس وولي الأمر بعد محمّد ابنه علي باستخلافه له. ثمّ هلك قولي الأمر بعده ابن أخيه يحيى بن يحيى بن محمّد بن إدريس. ثمّ إنّ يحيى بن يحيى دخل على يهودية في الحمّام يقال لها حنّة وقد راودها «٣» على نفسها فتغيّر عليه أهل فاس ووثب عليه عبد الرحمان بن أبي سهل الجذامي، وهو جدّ أحمد بن أبي بكر بن عبد الرحمان الّذي هو صاحب فاس، فأخرجه عن مدينة فاس «٤» فهرب إلى عدوة الأندلسيّين فمات بها من ليلته. وكانت زوجة يحيى بن يحيى هذا عاتكة بنت علي بن عمر بن إدريس بن إدريس، فلم تخرج مع زوجها يحيى بن يحيى. فأتى علي بن عمر أبوها بجنده فدخل عدوة القرويّين وملكها «٥» ، وانتقل الأمر عن بني محمّد بن إدريس إلى بني عمر بن إدريس. ثمّ قام على علي بن عمر عبد الرزاق الخارجي وكان صفريّا، ويقال إنّه من ثغر الأندلس، وكان قيامه من جبل مديونة وهو بقبلي فاس، فدارت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على علي، فهزمه الخارجي

стр. 786

وأخرجه عن مدينة فاس وفّر علي إلى بلد أوربة. وأجاب عبد الرزّاق أهل عدوة الأندلسيّين ولم يجبه أهل عدوة القرويّين وبعثوا إلى يحيى «١» بن القاسم الّذي يعرف بالعدّام «٢» ، فولّوه على أنفسهم فلم يزل بها حتّى قتله ربيع بن سليمان في سنة اثنتين وتسعين ومائتين «٣» . فتقدّم يحيى بن إدريس بن عمر بن إدريس إلى مدينة فاس فدخلها ورجع الأمر إلى بني عمر، فلم يزل بيد يحيى حتّى قدم مصالة بن حبوس سنة سبع وثلاثمائة على ما ذكرنا قبل هذا. ١٣٥٢ فلمّا أجلى بني صالح عن بلد نكور تقدّم إلى مدينة الزيتون، وهي كانت قاعدة يحيى بن إدريس (بن عمر قبل دخوله فاس وكانت مويله) «٤» الذي يعتدّ بها (ويعول عليها) «٥» . فخرج إليه يحيى مدافعا له فانهزم يحيى وانقضّ جمعه ولم تقم له قائمة بعد إلى أن هلك في سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة، وكان هلاكه بالمهدية أيّام حصار أبي يزيد لها، وكان أعلى بني إدريس قدرا بالمغرب لم يبلغ أحد منهم مبلغه. ١٣٥٣ قال النوفلي: (وكان مصالة بن حبوس لمّا قدم المغرب قدمته «٦» الأولى سنة خمس وثلاثمائة ابتدى موسى) «٧» بن أبي العافية بالإحسان وقدّمه في المغرب، وكان موسى كلّما رجا بالظهور عزّه «٨» يحيى بن إدريس وقطع به عن أمله. فلمّا رجع مصالة بن حبوس إلى المغرب ثانية سنة عشر وثلاثمائة سعى موسى بيحيى عنده، فأجمع مصالة على القبض عليه وطمع في ماله وما عنده، فلم يزل يتحيّل له «٩» حتّى أقبل على معسكره، فقبض عليه

стр. 787

وانتزع جميع ما أتى به وأمره باستجلاب ما عنده من الأموال، فأحضره مالا عظيما وأخرجه عن بلده وصار ما كان بيده من البلدان إلى حسن بن محمّد الحجّام وإلى موسى بن أبي العافية. ١٣٥٤ قال القاضي محمّد بن عمر الصدفي «١» : لمّا أجلى مصالة بن حبوس يحيى بن إدريس التاثت «٢» به الحالة وانفضّ جمعه ومن كان معه. ثمّ أخذه بعد ذلك موسى بن أبي العافية فخرب مدينته وسجنه دهرا طويلا بمدينة لكاي. ثمّ أطلقه (ثمّ نزع بنفسه) «٣» إلى أصيلة وسكنها وأقطعه بنو إبراهيم شيئا يقوم منه معاشه. قال: وكان أبوه إدريس قد دعا الله بأن يميته «٤» بأرض غربة جوعا. فلمّا كان في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة توجّه نحو المهدية فوافق قيام أبي يزيد وفعل الشيعة بأنفسهم، فلم يصل إليهم ومات جوعا في حصار أبي يزيد بإفريقية «٥» . ١٣٥٥ وقدّم مصالة بن حبوس على فاس ريحان بن علي الكتامي وذلك سنة سبع وثلاث مائة، (فأقام بها إلى سنة ستّ عشرة وثلاثمائة) «٦» . فقام حسن بن محمّد بن القاسم بن إدريس الّذي يعرف بالحجّام فنفاه ودخلها وملكها عامين، وإنّما سمّاه حجّاما عمّه أحمد بن القاسم بن إدريس الكرتي، وذلك أنّه جرى بينهما أمر أفضى بهما إلى الاختلاف والتدابر حتّى زحف كلّ واحد منهما إلى الآخر، فالتقيا بموضع يعرف بالمدالي من بلد صنهاجة، فحمل

стр. 788

حسن على غلام لعمّه فدعسه بحربة أثبتها في مكان المحجم، فأخبر عمّه بفعله، ثمّ شدّ على آخر فأصابه في ذلك الموضع، وقيل لأحمد أيضا، وضرب ثالثة فوافق ذلك الموضع. فقال أحمد: صار ابن أخي حجّاما. فلزمه ذلك. ولذلك قال شاعر من شعرائهم [طويل] : وسمّيت حجّاما ولست بحاجم ... ولكن لضرب في مكان المحاجم ١٣٥٦ وكان حسن الحجّام في آخر بلد المدالي يملك فاسا، فأوقع بموسى بن أبي العافية رجل من رؤساء البربر وقعة شنعاء لم يكن بالمغرب بعد دخول إدريس فيه أعظم منها أجلت «١» هزيمته له عن أزيد من ألفي قتيل، وقتل في جملتهم ابنا لموسى يسمّى منهل. فغدره على أثر ذلك بفاس حامد بن حمدان الهمداني ويعرف باللوزي نسب إلى قرية بإفريقية، فحبسه عند نفسه وأغلق أبواب المدينة دون عسكره، وذلك كان شأن أهل فاس لا يتركون «٢» عسكر رئيس يدخل مدينتهم. فلمّا صار في سجن حامد أرسل إلى موسى بن أبي العافية فأتاه ودخل فاسا وتغلّب على عدوة القرويّين وتغلّب بعد ذلك (على العدوة الأخرى. ثمّ جعل يلحف على حامد في قتل حسن الحجّام بابنه منهل، وحامد يدافعه عنه ويكره المجاهرة بقتله. فسمّه حامد وأخرجه على السور ليلا، فسقط عنه واندلقت ساقه «٣» ، وجاز) «٤» إلى عدوة الأندلسيّين فمات بها. وقتل موسى عبد الله بن ثعلبة بن محارب الأزدي وقتل معه ابنيه محمّد ويوسف وهرب ابنه محارب بن عبد الله، فلحق بقرطبة (وقيل بالمهدية) «٥» . وأراد أيضا قتل حامد بن حمدان الهمداني فهرب إلى المهدية.

стр. 789

١٣٥٧ واستولى موسى بن أبي العافية على جميع المغرب وأجلى آل إدريس أجمعين عن مواضعهم وانحاشوا عن البلد، وسار جميعهم في حجر النسر مقهورين، وهو حصن بناه إبراهيم بن محمّد بن القاسم بن إدريس بن إدريس «١» سنة سبع عشرة وثلاثمائة، واعتزم موسى على محاصرتهم واستئصالهم حتّى عذله في ذلك أكابر أهل المغرب وقالوا: قد (أجليتهم وأفقرتهم، أتريد) «٢» أن تقتل آل إدريس أجمعين وأنت رجل من البربر؟ فانكسر عن ذلك ولاذ عنهم بعسكره وتخلّف «٣» لمراقبتهم ومنعهم من التصرّف قائدا جليلا كان عنده يكنّى أبا قمح، فكانت محلّة أبي قمح بتاوررت «٤» واستخلف موسى ابنه مدين بفاس حتّى قدم حميد بن يصلى في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة إلى المغرب ومعه حامد بن حمدان الهمداني. فلمّا أيقن مدين بقدومهما هرب من فاس وولّى حميد حامدا «٥» على فاس، وتظاهر بنو إدريس على أبي قمح فهزموه وغنموا أكثر عسكره «٦» . قالوا: فبذلك سمّوا ذلك الموضع الكوم «٧» وتفاءلوا به وجعلوه شعارا بينهم. ١٣٥٨ ووثب بفاس أحمد بن بكر بن عبد الرحمان بن أبي سهل الجذامي، فقتل حامدا وبعث برأسه وولده إلى موسى «٨» بن أبي العافية، فبعث بهما موسى إلى قرطبة مع سعيد بن الزرّاد. وكان صار حميد بن يصلى «٩» عن موسى وعن المغرب بغير عهد، فهو كان سبب سجنه بإفريقية حتّى هرب إلى الأندلس.

стр. 790

١٣٥٩ ثمّ قدم ميسور الفتى إلى «١» المغرب في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة على ما تقدّم قبل هذا، فخرج أحمد بن بكر صاحب فاس يومئذ إلى معسكره، فحبسه ميسور ووجّه به إلى المهدية. فقدّم أهل فاس على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتي وحارب ميسور مدينة فاس سبعة أشهر، ثمّ قفل عنهم فلم يزل حسن «٢» واليا عليها إلى أن قدم أحمد بن بكر منطلقا من المهدية، فتخلّى له حسن عمّا كان بيده، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. ولمّا ورد ميسور إلى «٣» المغرب حاصر موسى بن أبي العافية وتولّى معاظم تلك الحروب بنو إدريس (حتّى جلى موسى بن أبي العافية إلى الصحراء وصار كما كان بيده إلى آل إدريس والرئاسة منهم في بني محمّد بن إدريس بن إدريس) «٤» ، وهم حسن وجنّون وإبراهيم بنو محمّد بن القاسم، وكان محمّد متخلّفا في إخوته وعشيرته لا قدر له. ثمّ صارت النباهة والقدر لبنيه، وإبراهيم بن محمّد هو المعروف بالرهوني، وكان الّذي يلزم صخرة النسر منهم جنّون وحنّون من أبناء إبراهيم واسم جنّون القاسم. ١٣٦٠ ولمحمّد بن إسحاق الشاعر المعروف بالنحيلي «٥» في جنّون هذا أهاج كثيرة مقذعة، وذلك أنّه غلب على أمّ ولد كانت له، فهويها جنّون وصارت عنده فاستعان عليه بابن عمّه أحمد بن القاسم بن إدريس، فكتب إليه يرغب أن يصرفها إليه وأعلمه بما يلحقه في فعله من قبح الأحدوثة، فلم يلتفت إلى مقالته ولا انتفع محمّد بن إسحاق بشفاعته، فاستأذن محمّد بن إسحاق أحمد بن القاسم في هجائه، فأذن له في ذلك وعاهده أن لا يرى منه على هجائه له مكروها أبدا. فممّا هجاه به [كامل] :

стр. 791

أترى سلاحك إذ كدتك قصيدتي «١» ... ينقيه سيل قد طما من سفدد أو بحر طنجة في عصوفات الصبى ... (وبحر سبتة يا لئيما) «٢» فردد أو نيل مصر إذا ارتمى أذيه ... تعلو سواحله بموج مزبد جنّون يزعم أنّه متلوط ... وهو المنيك «٣» إذا خلا بالأمرد ابنا محمّد «٤» الزنيم لأنتم ... شرّ الورى ممّن يروح ويغتدى إن كان جنّون من آل محمّد ... فأنا كفور بالنبيّ محمّد وقد ذكرنا خبر سفدد واختلاف أسماء هذا النهر باختلاف المواضع. (فأمّا قوله: أو بحر طنجة في عصوفات الصبى، فإنّ الريح الشرقية تؤذي فيه أشدّ إذاية وكذلك في جرفيه) «٥» . ١٣٦١ وكان أعلى بني محمّد كلّهم أيدا أبو العيش بن جنّون بن محمّد وكان له من البلد ما بين أجاجن (وقيل ايزاجن) «٦» . وهو بقبلي حجر النسر إلى مدينة فاس. وكان أحمد بن إبراهيم بن محمّد عالمهم، كان يحفظ السير والتواريخ وكان نسّابة عاقلا حليما «٧» وكان مبجلا لعلمه، وكان يعرف أحمد الفاضل، وكان له ما جرّ من أجاجن «٨» إلى مدينة سبتة، وكان شديد الميل إلى خلفاء بني أميّة وكثير التشيّع فيهم. وهو الّذي استشار محمّد بن عبد الله بن أبي عيسى قاضي الجماعة في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة «٩» في دخول الأندلس والغزو مع أمير المؤمنين عبد الرحمان. فلمّا أعلم عبد الرحمن بذلك أمره بمخاطبته واستحثاثه في القدوم وأن يعلمه أنّه لا ينزل مرحلة من الأندلس ما بين نزوله بالجزيرة الخضراء إلى نزوله بمحلّه بلاط حميد من أقصى الثغر

стр. 792

- وذلك ثلاثون محلّة- «١» إلّا أمر أمير المؤمنين ببنيان قصر في كلّ محلّة «٢» ينزلها ينفق فيه ألف مثقال «٣» ليكون أثر إقباله إلى الأندلس باقيا مع الأيّام. ١٣٦٢ ولم يكن في بني إدريس من شهر بالعلم شهرته إلّا أحمد الأكبر بن القاسم بن إدريس بن إدريس وهو المعروف بالكرتي، وكان له علم وقدر بالمغرب، وهو الّذي استجلب بكر بن حماد ووفد على أمير المؤمنين عبد الرحمان منهم حسن «٤» بن القاسم المعروف بجنّون وعيسى بن جنّون بن محمّد بن القاسم، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، فأقاما في كرامته إلى شهر صفر من العام الّذي يليه، ثمّ انصرفا إلى بلدهما. ولمّا دخلت سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة أجمع بنو محمّد بن القاسم على هدم مدينة تيطاوان فهدموها، ثمّ تعقّبوا ما فعلوا وأرادوا بنيانها، فضجّ أهل مدينة سبتة من بنيانها وزعموا أنّها تضرّ بمدينة سبتة وتقطع عنها مرافقها، فأعجل عبد الرحمان أمير المؤمنين إخراج الجيوش إليهم وتجهيز العساكر نحوهم، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، والقائد (أحمد بن يعلى) «٥» ، (حتّى وصل إلى مدينة سبتة ونفذ عهد عبد الرحمان إلى حميد بن يصلى وكان والي تيجيساس «٦» بالتقدّم إلى سبتة والتظافر بأحمد بن يعلى) «٧» على حرب بني محمّد. واجتمع العسكران فسفر حميد بن يصلى إلى بني محمّد علي بن معاذ، فأجابوه إلى التخلّي عن مدينة تيطاوان على أن يبعثوا بأبنائهم إلى أمير المؤمنين. فقدم أحمد بن يعلى عليه بحسن بن أحمد الفاضل بن إبراهيم بن محمّد ومحمّد بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم، ووصلا إلى قرطبة يوم السبت لتسع خلون من رجب سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة. وعيسى هو أبو العيش. فبعث حسن في ابنه يحيى وبعث محمّد في ابنه

стр. 793

حسن، فوصلا إلى قرطبة يوم الاربعاء لأربع بقين من ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، فمكثا بقرطبة وصدر أبواهما إلى بلادهما بالحباء والكرامة المجدّدة. ١٣٦٣ وولد ليحيى وحسن «١» بقرطبة البنون، ثمّ هلكا: هلك يحيى سنة تسع وأربعين وهلك حسن سنة خمسين، ودفنا بمقبرة الربض وصلّى عليهما منذر بن سعيد القاضي. وتخلّف يحيى ابنا يسمّى حسينا «٢» وتخلّف حسن «٣» ابنين يسمّيان محمّدا وحسينا أيضا. فلم يزالوا مستقرّين بقرطبة إلى خلافة المستنصر بالله. فبعث بهم أعلاما من ثقات أهل مملكته، وذلك في رجب سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، فوصلوا بهم إلى أحمد وحسن «٤» ابني إبراهيم بن محمّد بن القاسم، ويحيى بن أحمد «٥» أبو هذا الغلام قد هلك، فأنزل أحمد بن إبراهيم ابن ابنه حسين بن يحيى على ما كان لأبيه. ١٣٦٤ فأمّا ذرّية «٦» عمر بن إدريس بن إدريس جد الناجمين بالأندلس فإنّ عمر ولد عليّا بسرية، وإدريس أمّه زينب بنت عبد الله بن داود بن القاسم الجعفري، وعبيد الله لجارية يقال لها ربابة، ومحمّدا. فأمّا علي فإنّه أعقب من الذكور اثني عشر ذكرا وابنة واحدة وهي عاتكة الّتي تقدّم ذكرها، امرأة يحيى بن يحيى بن محمّد بن إدريس، وأكثر عقب هؤلاء بأوربة ومنهم بمدينة فاس ومنهم بكتامة. وحمزة بن علي منهم، قتله موسى بن أبي العافية بيده،

стр. 794

ظفر به بمدينته الّتي كانت تدعى بني عوسجة، وقتل معه ولديه هارون ويحيى. وكان حمزة هذا قد حضر مع حسن «١» بن محمّد الحجّام هزيمته لموسى وحضر قتل منهل ابنه، وكان حمزة قد علّق منهلا على بابه ببني عوسجة فقتلهم بثأره. وحسن بن عبيد الله بن علي منهم ابتلى بالجذام وجنّون بن إدريس بن علي، أجلاه موسى بن أبي العافية إلى زناتة فسبته «٢» برغواطة فعقبه هناك عندهم. ١٣٦٥ وعقب أبي العيش بن علي منهم بالأندلس. وأمّا إدريس بن عمر بن إدريس فهو لباب ولد عمر بن إدريس، وبولده تكرّر الأمر إلى أن كثرهم بنو محمّد بن القاسم بن محمّد بن إدريس. ومحمّد بن إدريس بن عمر هو المعروف بابن ميّالة ويكنّى أبا العيش، ولم يزل مواليا للناصر عبد الرحمان ﵀، وقد ذكرنا خبر ابنه يحيى بن إدريس وملكه لمدينة فاس، وأنّه كان أعلى بني إدريس حالا بالمغرب، وذكرنا موته بالمهدية. قال علي النوفلي: كان يشهد مجلس يحيى بن إدريس العلماء والشعراء، وكان أبو أحمد الشافعي من جلسائه وممّن يتكلّم عنده في العلم، وكان ينسخ «٣» له عدّة الورّاقين وينتجعه الناس من الأندلس وغيرها، فيحسن «٤» إلى جميعهم وينصرفون عنه أكرم منصرف.

стр. 795

١٣٦٦ وكان لإدريس بن عمر «١» خمسة من الولد الذكور غير هذين ولهم عقب كثير. فأمّا عبيد الله بن عمر بن إدريس فولد حمزة والقاسم وأبا العيش، لم (تسمّ لنا أمّهم وهي مملوكة بربرية) «٢» ، وعليّا وإبراهيم ومحمّدا، ويقال لمحمّد الشهيد، أمّهم زواغية. فأمّا حمزة فكان شجاعا جوّادا متقدّما وله عقب كثير ببلد غمارة وزنانة. وأمّا علي بن عبيد الله فلم يعقب من ولده إلّا جنّون «٣» وهم بكورة الجزيرة. وأمّا إبراهيم فكان عقبه بحجر النسر وأحد بنيه أعقب ببلد زناتة. (وأمّا القاسم بن عبيد الله فله عقب كثير ببلد زناتة، ومحمّد الشهيد عقبه أيضا ببلد زناتة) «٤» . وأمّا أبو العيش بن عبيد الله فولد حمّودا ويحيى. فأمّا يحيى فله بنون بتازغدرا. وأمّا حمّود فولد القاسم وعليّا وفاطمة. فأمّا علي فولي الخلافة بالأندلس سنة سبع وأربعمائة واغتاله فتيان من الصقالبة في حمّام بقصر قرطبة فقتلاه ثمّ قتلا به، وكان له من الولد يحيى وإدريس وولّى عهده منهما يحيى، وكان صاحب المغرب وكان إدريس أخوه صاحب مدينة مالقة. فلمّا قتل علي استدعى البربر القاسم أخاه وأدخلوه القصر وبايعه الناس وخطب له بالخلافة، فأنف من ذلك ابن أخيه يحيى لما تقدّم من عهد أبيه له وتظافر مع إدريس أخيه على عمّهما لتصوّره عليهما في خلافة أبيهما، واتّفقا على أن يعبر يحيى إلى مالقة لطلب حقّه ويعبر إدريس إلى المغرب. فجاز يحيى إلى إشبيلية سنة أربع عشرة وأربعمائة واستمرّ إلى قرطبة. فاستخلف يحيى بقرطبة وتسمّى «٥» بالمعتلي وخطب له بالخلافة. ثمّ إنّ البربر اضطربوا عليه ففرّ من قرطبة إلى مالقة، ورجع عمّه القاسم إلى قرطبة مرّة أخرى وتسمّى بالمأمون. ثمّ عزله ابن أخيه يحيى، فخرج من قرطبة إلى إشبيلية ومكث بها (إلى أن أخرجه محمّد بن عبّاد وصار بشريش، فحصره بها ابن أخيه يحيى حتّى أخذه وبنيه هناك فسجنهم) «٦» ، واستوسق الأمر ليحيى بن علي حتّى قتل في المحرّم سنة سبع وعشرين وأربعمائة.

стр. 796

١٣٦٧ فلمّا وصل الأمر إلى أخيه خطب له بالخلافة في سبتة وتسمّى بالعزيز بالله «١» . ثمّ عبر البحر إلى مالقة فتسمّى بالمتأيّد بالله وخطب له بالخلافة بمالقة وأعمال البربر بالأندلس وبالمرية وأعمالها. وتوفّي يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة بقيت للمحرّم سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة «٢» . وكان ولّى عهده حسن بن يحيى صاحب سبتة فتسمّى بالمستنصر بالله، فجاز إلى الأندلس وبويع له بمالقة ونواحيها وبغرناطة وجهاتها إلى أن توفّي سنة أربع وثلاثين وأربع مائة. فولي إدريس بن يحيى أخوه وبويع له يوم الخميس لستّ خلون من جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وتسمّى بالعالي وخطب له بذلك بمالقة وغرناطة وقرمونة وأعمالها إلى أن خلع سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة. وقام محمّد بن إدريس بن علي وتسمّى بالمهدي وخطب له بالخلافة هناك إلى أن توفّي سنة أربع وأربعين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده ابن أخيه إدريس بن يحيى بن إدريس بن علي وتسمّى بالموفّق ولم يخطب له بالخلافة وبقي أشهرا يسيرة، ثمّ دخل عليه العالي إدريس بن يحيى وبويع له مرّة ثانية بمالقة وبقي إلى أن توفّي سنة ستّ وأربعين وأربعمائة «٣» . وقام بالأمر بعده ابنه محمّد بن إدريس وتسمّى بالمستعلي «٤» ولم يخطب له بالخلافة، فأقام بمالقة إلى أن تغلّب عليها باديس بن حبوس بن ماكسن في صدر سنة سبع وأربعين وأربعمائة، فانقطعت «٥» دولة بني علي بن حمّود من يومئذ. ثمّ استدعى محمّد بن إدريس هذا من مدينة مليلة «٦» ، وهو مستقرّ بالمرية لا يعرف مكانه لخمول ذكره، فعبر إليها وذلك في شهر شوال سنة تسع وخمسين وأربعمائة، (فقام به جماعة) «٧» بني ورتدى بمليلة وبقلوع جارة ونواحيهما، وهو هناك باق على ذلك إلى وقتنا هذا وهو آخر سنة ستّين وأربعمائة «٨» .

стр. 797

ذكر ممالك برغواطة وملوكهم ١٣٦٨ أخبر «١» أبو صالح زمّور بن موسى بن هشام بن وارديزن البرغواطي، وكان صاحب صلاتهم حين قدم على الحكم المستنصر بالله رسولا من قبل صاحب برغواطة أبي منصور بن عيسى بن أبي الأنصار عبد الله بن أبي عفير يحمد بن معاذ بن أليسع بن صالح بن طريف، وكان وصوله إلى قرطبة في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وكان المترجم عنه بجميع ما أخبر به الرسول الّذي قدم معه، وهو أبو موسى عيسى بن داود بن عشرين السطاسي «٢» من أهل شلة مسلم من «٣» بيت خيرون بن خير «٤» . فأخبر زمّور أنّ طريفا أبا ملوكهم من ولد شمعون بن يعقوب بن إسحاق وأنّه كان من أصحاب «٥» ميسرة المطغري «٦» المعروف بالحقير ومغرور بن طالوت. وإلى طريف نسبت جزيرة طريف. فلمّا قتل ميسرة وافترق أصحابه احتلّ «٧» طريف ببلد تامسنى، وكان إذ ذاك ملكا لزناتة وزواغة. فقدّمه البربر على أنفسهم وولي أمرهم، وكان على ديانة الإسلام إلى أن هلك هناك وتخلّف من الولد أربعة، فقدّم البربر ابنه صالحا منهم «٨» . ١٣٦٩ قال زمّور: وكان مولد «٩» صالح بعد موت النبي ﷺ بمائة عام سواء. قال: وحضر صالح مع أبيه حروب ميسرة الحقير وهو صغير. قال: وكان من أهل العلم والخير فتنبّأ فيهم وشرع لهم الديانة الّتي هم عليها إلى اليوم،

стр. 798

(وادّعى أنّه نزل) «١» عليه قرآنهم الّذي يقرءونه إلى اليوم. قال زمّور: وهو صالح المؤمنين الّذي ذكره الله في قرآن محمّد ﷺ في سورة التحريم «٢» . ١٣٧٠ وعهد صالح إلى ابنه الياس بديانته وعلّمه شرائعه وفقّهه «٣» في دينه وأمره ألّا يظهر ذلك إلّا إذا قوي وأمن، فإنّه يدعو حينئذ إلى ملّته ويقتل من خالفه. وأمره بموالاة أمير الأندلس. وخرج صالح إلى المشرق ووعد أنّه ينصرف إليهم في دولة السابع من ملوكهم، وزعم أنّه المهدي الأكبر الّذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجّال، وأنّ عيسى بن مريم يكون من أصحابه ويصلّي خلفه، وأنّه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، وتكلّم لهم في ذلك كلاما كثيرا نسبه إلى موسى الكليم ﵇ وإلى سطيح الكاهن وإلى ابن عبّاس. وزعم أنّ اسمه في العربي صالح وفي السرياني مالك «٤» وفي الأعجمي عالم وفي العبراني وربيا وفي البربرية ورياورى، أي الّذي ليس بعده شيء. وتولّى ألياس الأمر بعد خروج أبيه يظهر ديانة الإسلام ويسرّ «٥» الّذي عهد إليه به أبوه خوفا وتقية، وكان طاهرا عفيفا لم يلتبس بشيء من الدنيا إلى أن هلك بعد أن ملك خمسين سنة. ١٣٧١ وولد ألياس جماعة منهم يونس، فتولّى الأمر بعد أبيه فأظهر ديانتهم ودعا إليها وقتل من لم يدخل فيها حتّى أخلى ثلاثمائة مدينة وسبعا وثمانين مدينة، حمل جميع أهلها على السيف لمخالفتهم إيّاه وقتل منهم بموضع يقال له

стр. 799

تاملّوكاف، وهو حجر نابت عالي وسط السوق، سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين «١» قتيلا، وقتل من صنهاجة خاصّة في وقعة واحدة ألف وغد، والوغد عندهم المنفرد الوحيد الّذي لا أخ له ولا ابن عمّ، وذلك في البربر قليل وإنّما أحصوا الأقلّ ليستدلّ به على الأعظم «٢» الأكثر. قال زمّور: ورحل يونس إلى المشرق وحجّ ولم يحجّ أحد من أهل بيته قبله ولا بعده. ومات يونس بن الياس «٣» بعد أن ملك أربعا وأربعين سنة. ١٣٧٢ (وانتقل «٤» الأمر عن بنيه بقيام أبي غفير يحمد بن معاد بن أليسع بن صالح بن طريف عليهم، فاستولى على الملك) «٥» ودان بدين آبائه واشتدّت شوكته وعظم أمره، وكانت له وقائع كثيرة في البربر مشهورة لا تنسى مع الأيّام «٦» ، منها وقيعة تيمغسن، وكانت مدينة عظيمة، أقام القتل في أهلها ثمانية أيّام من الخميس إلى الخميس، حتّى شرقت دورهم ورحابهم وسككهم «٧» بدمائهم، ومنها وقعة بموضع يقال له بهت عجز الإحصاء عن عدد من قتل فيها. وكانت لأبي غفير من الزوجات أربع وأربعون زوجة كان له منهنّ من الولد بعددهنّ. ومات أبو غفير بعد أن ملك تسعا وعشرين سنة، وذلك عند ثلاثمائة من الهجرة. ١٣٧٣ وولي الأمر بعده من بنيه عبد الله أبو الأنصار، وكان سخيّا ظريفا يفي بالوعد والعهد ويحفظ الجار ويكافي على الهدية بأضعافها «٨» ، وكان أفطس شديد

стр. 800

أدمة الوجه ناصع بياض الجسم طويل اللحية، وكان يلبس السراويل والملحفة ولا يلبس القميص، ولا يعتمّ إلّا في الحرب ولا يعتمّ أحد في بلده إلّا الغرباء، وكان يجمع جنده وحشمه في كلّ عام ويظهر أنّه يغزو من حوله، فتهاديه القبائل وتستألفه، فإذا استوعب هداياهم وألطافهم فرّق أصحابه وسكنت حركته. فملك في دعة اثنتين وأربعين سنة ودفن بأمسلاخت وبها قبره. وولي بعده من بنيه ابنه أبو منصور عيسى بن أبي غفير، وهو ابن اثنتين وعشرين سنة، وذلك سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، فسار بسيرة آبائه ودان بديانتهم واشتدّت شوكته وعظم سلطانه «١» . وكان أبوه قد وصّاه قبل «٢» موته بموالاة صاحب الأندلس، (وكذلك يوصّي جميعهم المرشّح للملك بعده. قال زمّور) «٣» : وقال له: يا بنيّ أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن يأتيك صالح بن طريف كما وعد. انتهى كلام زمّور. ١٣٧٤ وقال أبو العبّاس فضل بن مفضّل بن «٤» عمرو المدحجي: إنّ يونس القائم بدين برغواطة أصله من شدونة من وادي بربط، وكان قد رحل إلى المشرق في عام «٥» واحد مع عبّاس بن ناصح وزيد «٦» بن سنان الزناتي صاحب الواصلية «٧» وبرغوت بن سعيد التراري وجدّ «٨» بني عبد الرزّاق ويعرفون ببني وكيل الصفرية، ومناد صاحب المنادية المنسوب إليه القلعة المعروفة بالمنادية قريبا من سجلماسة وآخر ذهب عنّي اسمه. فأربعة منهم فقهوا في الدّين وادّعى ثلاثة منهم النبوّة، منهم يونس صاحب برغواطة. قال: وكان يونس شرب دواء الحفظ فلقن «٩» كلّ ما سمع حفظه، وطلب علم النجوم والكهانة والجانّ ونظر في الكلام والجدال، وأخذ ذلك من غيلان.

стр. 801

ثمّ انصرف يريد الأندلس، فنزل بين هؤلاء القوم من زناتة، فلمّا رأى جهلهم استوطن ببلدهم، وكان يخبرهم بأشياء قبل كونها ممّا تدلّ عليه النجوم عندهم فتكون على ما يقول أو قريبا منه، فعظم عندهم. فلمّا رأى ذلك منهم وعرف ضعف حلومهم وسخافة «١» عقولهم أظهر ديانته ودعا إلى نبوّته، وسمّى من اتّبعه بربطي «٢» لما كان من بربط «٣» ، ثمّ أحالوه بألسنتهم وردّوه إلى لغتهم فقالوا: برغواطي. ١٣٧٥ قال فضل بن مفضّل: وقال سعيد بن هشام المصمودي في وقعة بهت قصيدة «٤» طويلة اخترنا منها أبياتا [وافر] : قفي قبل التفرّق فاخبرينا ... وقولي واخبري خبرا مبينا هموم برابر خسروا «٥» وضلّوا ... وخابوا لا سقوا ماء معينا ألايم أمّة هلكت وضلّت «٦» ... وزاغت عن سبيل المسلمينا يقولون النّبيّ أبو غفير ... فأخزى الله أمّ الكاذبينا ألم تسمع ولم تر يوم بهت ... على آثار خيلهم رنينا رنين الباكيات فبين ثكلى ... وعاوية ومسقطة جنينا سيعلم قوم تامسنى إذا ما ... أتوا يوم النّشور مهيمنينا هناك يونس وبنو أبيه «٧» ... يقودون البرابر مهطعينا إذا ورياورى زمّت عليه ... جهنّم قائد المستكبرينا فليس اليوم ردّتكم ولكن ... ليالي كنتم متميسرينا «٨»

стр. 802

١٣٧٦ هذا البيت يصدّق قول زمّور البرغواطي أنّ طريفا كان من أصحاب ميسرة ويشهد له. وأمّا هذا الضلال الّذي شرع لهم فإنّهم يقدمون مع الإقرار بالنبيّين الإقرار بنبوّة صالح بن طريف ونبوّة من تولّى الأمر بعده من ولده، وأن الكلام الّذي ألّف لهم وحي من الله تعالى لا يشكّون فيه، تعالى الله عن ذلك، وصوم رجب وأكل شهر رمضان وخمس صلوات في اليوم (وخمس صلوات في الليلة) «١» والتضحية في اليوم الحادي عشر من المحرّم، وفي الوضوء غسل السرّة والخاصرتين ثمّ الاستنجاء ثمّ المضمضة وغسل الوجه ومسح العنق والقفا وغسل الذراعين من المنكبين ومسح الرأس ثلاث مرّات ومسح الأذنين كذلك ثمّ غسل الرجلين من الركبتين. وبعض صلواتهم إيماء بلا سجود وبعضها على كيفية صلاة المسلمين. وهم يسجدون ثلاث سجدات متّصلة ويرفعون جباههم وأيديهم عن الأرض مقدار نصف شبر، وإحرامهم أن يضع إحدى يديه على الأخرى ويقول: ابسمن ياكش، تفسيره بسم الله، مقرّ «٢» ياكش، تفسيره الكبير الله، ويضعون أيديهم «٣» مبسوطة في الأرض طول ما يتشهّدون ويقرءون نصف قرآنهم في وقوفهم ونصفه في ركوعهم، ويقولون في تسليمهم بالبربرية: الله فوقنا لم يغب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، ثمّ يقول مقرّ ياكش «٤» خمسا وعشرين مرّة، إيحن ياكش «٥» مثل ذلك ومعناه: الواحد الله، وردام ياكش مثل ذلك ومعناه: لا أحد مثل الله.

стр. 803

١٣٧٧ وهم يجمعون يوم الخميس ضحى، وصيام «١» يوم من كلّ جمعة فرض من فروضهم ويصوم الجمعة الأخرى الّتي تليه أبدا. ويأخذون العشر من الزكاة من جميع الحبوب ولا يأخذون من المسلمين شيئا. ويتزوّج من النساء ما استطاع على مباعلتهنّ «٢» والإنفاق عليهنّ بلا حدّ عدد. وأن لا يتزوج من بنات عمّه إلّا ثلاث جدود، ولا يتسرّون «٣» ولا ينكحون للمسلمين ولا ينكحون فيهم «٤» ويطلقون ويراجعون ما أحبّوا. ١٣٧٨ ويقتل السارق بالإقرار أو بالبيّنة ويرجم في الزنا عندهم وينفى الكاذب «٥» ويسمّونه المغيّر. والدية عندهم مائة من البقر. ورأس كلّ حيوان عليهم حرام، والحوت لا يؤكل إلّا أن يذكّى والبيض «٦» عندهم حرام والدجاج مكروهة إلّا أن يضطرّ إليها. وليس عندهم أذان ولا إقامة وهم يكتفون في معرفة الأوقات بزقاء الديوك ولذلك حرّموها. وكان يبصق في أيديهم فيلعقونه تبرّكا به ويحملون بصاقه إلى مرضاهم يستشفون به. وصار أهل برغواطة أعلم الناس بالنجوم وأحذقهم بالقضاء بها. وكانوا أجمل الناس رجالا ونساء وأشدّهم أيدا، كانت الجارية البكر منهنّ تثب ثلاث حمر مصطفّة ولا يمسّ ثوبها شيئا من الحمر، ولا تقدر على ذلك ثيّب «٧» .

стр. 804

١٣٧٩ وقرآنهم الّذي وضع لهم صالح بن طريف ثمانون سورة أكثرها منسوبة إلى أسماء النبيّين من لدن آدم، أوّلها سورة أيّوب وآخرها سورة يونس وفيها سورة فرعون وسورة قارون وسورة هامان وسورة ياجوج وماجوج وسورة الدجّال وسورة العجل وسورة (هاروت وماروت وسورة طالوت وسورة نمرود وما أشبه هذه من الأقاصيص وسورة الديك وسورة) «١» الحجل وسورة الجراد وسورة الجمل وسورة الحنش- وكان يمشي على ثماني «٢» أرجل- وفيها سورة غرائب الدنيا، وهناك العلم العظيم عندهم. ذكر كلمات مترجمة من أوّل سورة أيّوب وهي استفتاح كتابهم ١٣٨٠ باسم الله الّذي أرسل الله به كتابه إلى الناس، هو الّذي بيّن لهم به أخباره. قالوا: علم إبليس القضية، أبى الله ليس يطيق إبليس (أن يعلم) «٣» كما يعلم الله. سل أيّ شيء يغلب الألسن في الأقولة، ليس يغلب الألسن (في الأقولة إلّا الله) «٤» بقضائه باللّسان الّذي أرسل الله بالحقّ إلى الناس استقام الحقّ «٥» . انظر محمّدا «٦» . وعبارة ذلك بلسانهم أيمنى «٧» مامت فمامت محمّد. كان حين عاش استقام الناس كلّهم الّذين صحبوه حتّى مات، ففسد الناس. كذب من يقول إنّ الحقّ يستقيم وليس ثمّ رسول الله. وهي سورة طويلة.

стр. 805

١٣٨١ قال زمّور: إنّ بني صالح بن طريف يركبون وقت أخباره في ثلاثة آلاف ومائتي فارس وإنّ قبائل برغواطة الّذين يدينون لهم وهم على ملّتهم جراوة وزواغة والبرانس (وبنو أبي ناصر ومنجصة «١» وبنو أبي نوح وبنو واغمر ومطغرة وبنو بورغ) «٢» وبنو دمّر ومطماطة وبنو وزكسينت «٣» ، وعددهم ينتهي أكثر من عشرة آلاف فارس. وممّن يدين لهم من المسلمين وينضاف إلى مملكتهم زناتة الجبل وبنو يليت «٤» ونمالتة «٥» وبنو واوسينت وبنو يفرن وبنو ناغيت وبنو النعمان وبنو أفلوسة «٦» وبنو كونة وبنو يسكر «٧» وأصادة وركانة وإيزمين «٨» ومنادة وماسينة ورصانة وترارتة «٩» ، ومبلغ عددهم نحو اثني عشر ألف فارس. قال زمّور: وليس في عسكرهم طبول ولا بنود. وعدّ زمّور من (أنهار بلادهم الجارية) «١٠» أزيد من مائة نهر أعظمها نهر ماسنات «١١» ، وهو يجري من القبلة إلى الجوف، وبين عنصره وموقعه في البحر مسيرة ستّة أيّام، ونهر وانسيفن يقع في نهر شلة تحت الرباط في البحر المحيط. ١٣٨٢ ولم تزل برغواطة في بلادها معلنة بدينها وبنو صالح بن طريف ملوكها إلى أن قام فيهم الأمير تميم اليفرني، وذلك بعد عشرين وأربعمائة من الهجرة، فغلبهم على بلادهم وسباهم وجلا من بقي منهم واستوطن ديارهم وانقطع أمرهم وعفا أثرهم ولم يبق لضلالهم باقية ولا من أواصر كفرهم آصرة. وتميم هذا كان

стр. 806

ذا جدّ وإيثار «١» للعدل، وهو الّذي قتل أحد بنيه لاغتصابه جارية من التجّار بوادي شلة. وجميع بلاد برغواطة اليوم على ملّة الإسلام. الطريق من مدينة فاس إلى مدينة القيروان ١٣٨٣ وهي أربعون مرحلة نذكر مشهورها «٢» . أوّل ما تخرج من فاس على باب الفتوح من عدوة الأندلسيّين إلى مرج ابن هشام إلى وادي سبو، وهو على نحو أربعة أميال من فاس، عليه قرى كثيرة. ثمّ تسير منه إلى موضع يعرف بعقبة البقر إلى خندق الفول لمكناسة، وفي قرى متّصلة وعمارات غير منفصلة وأنهار كثيرة لأزداجة وغيرها، إلى قلعة جرماط «٣» ، وكانت معقل أبي منقذ بن موسى بن أبي العافية، وكان بها جامع وأسواق وحمّام. (وفي الجوف منها على عشرة أميال مدينة تسول المعروفة بعين إسحاق قاعدة موسى بن أبي العافية، وكانت على ثلاثة أجبل. وبها جامع وأسواق وحمّام) «٤» وعين عذبة، بنى عليها موسى قبّة فخربها ميسور القائد الشيعي. ومن فاس إلى قلعة جرماط «٥» يسكنها اليوم مطغرة مرحلتان، وقال محمّد مرحلة، إلى مدينة جراوة ستّ مراحل، وقال محمّد ثمان، منها اثنتان في الصحراء. فمن جرماط «٦» إلى قرية «٧» وليلي، وبها كان يسكن زاوي ابن أخي موسى بن أبي العافية، إلى فجّ تازى لمكناسة، إلى وادي ورّجين «٨» نهر ملح لمكناسة، ثمّ إلى وادي صاع، ثمّ الصحراء إلى مدينة جراوة.

стр. 807

١٣٨٤ وهي في سهلة من الأرض كان عليها سور مبني بالطوب، وداخلها قصبة وحولها أرباض من جميع جهاتها وعيون ملحة، وداخلها آبار عذبة وخمسة حمّامات أحدها ينسب إلى عمرو بن العاص وجامع من خمسة بلاطات على أعمدة حجارة أسّسها أبو العيش عيسى بن إدريس بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة تسع وخمسين ومائتين، وكان لها بابان شرقيّان وثالث غربي ورابع جوفي، وحولها بسائط عريضة للزرع والضرع، وجبل ممالو «١» في قبليّها وفيه حصن بناه الحسن بن أبي العيش حواليه بساتين ومياه تطرد «٢» وبينه وبين المدينة أربعة أميال. ويتّصل بالحصن في (أسفل الجبل) «٣» شعاري أشبة لا تسلك. وحول جراوة عدّة قرى لقبائل (من البربر) «٤» مطغرة وبني يفرن وودانة ويغمر الجبل وبني راسين وبني باداسن «٥» وبني وريمش «٦» وغيرهم. وكان لأبي العيش ومن خلفه مدينة تلمسان أيضا وما والاها. وأسر ابن ابنه الحسن في الحصن المذكور البوري بن موسى بن أبي العافية سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، وكان قد انتقل إلى الحصن من جراوة بأهله وماله وولده، وفي ذلك يقول بكر بن حمّاد في شعر طويل [كامل] : سائل زواغة عن فعال سيوفه ... ورماحه في العارض المتهلّل وديار نفزة كيف داس حريمها ... والخيل تمرغ بالوشيج الذبّل غشي مغيلة بالسيوف مذلّة ... وسقى جراوة من نقيع الحنضل

стр. 808

١٣٨٥ ولجراوة مرسى تافرجنيت «١» . ومن جراوة إلى ترنانة، وهي سوق عامرة، مرحلة. ومنها إلى مدينة تلمسان مرحلة، يسكنها زناتة، وقد تقدّم ذكرها. إلى مدينة تافدة «٢» ، وهي مدينة كبيرة آهلة على نهرين أحدهما حمّة ومنه شربهم وعليه أرحاؤهم. إلى قصر ابن سنان «٣» الأزداجي حوله بساتين كثيرة على نهر كدال. إلى مدينة يلل، وهي كبيرة آهلة كثيرة الأشجار يسكنها هوارة، وبها مسجد جامع. إلى مدينة الغزّة يسكنها مكناسة، وهي مدينة شريفة على نهر شلف كثيرة البساتين وبها مسجد جامع. ومنها إلى مدينة تيهرت وقد مرّ ذكرها ثلاث مراحل. إلى حصن تامغيلت «٤» مرحلتان، وهو مبنيّ بالطوب على نهر، له ربض وسوق، يسكنه بنو دمّر من زناتة. إلى إيزمامة حصن له سوق وفيه فنادق، يسكنه لواتة ونفزاوة. إلى مدينة هاز على نهر شتوي «٥» ، وهي خالية أجلى أهلها زيري بن مناد الصنهاجي. إلى بورة «٦» نهر جار يسكن حوله بنو يزناتن وهم كانوا أصحاب هاز، وبورة كثيرة العقارب وبها سويقة. ومنها إلى حصن موزية وبقرب هذا الحصن قصر من بنيان الأوّل بالصخر يعرف بقصر العطش حوله ماء ملح، ومدينة عظيمة للأوّل أيضا خالية مبنية بالصخر الجليل «٧» تسمّى مدينة الرمّانة تنفجر تحتها عيون ثرّة طيّبة تسيل إلى مدينة المسيلة، (وقد تقدّم ذكرها) «٨» . ومدينة للأوّل أيضا خالية «٩» تسمّى بالبربرية تاورست «١٠» تفسيره الحمراء، وهي مبنية بالصخر على نهر عذب. ومن حصن مورية إلى مدينة المسيلة، وقد تقدّم ذكرها.

стр. 809

١٣٨٦ ومنها إلى مدينة أدنة، وهي خالية أخربها علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة في وقوع «١» ميسور الفتى إلى المغرب، وبلد أدنة بلد كثير الأنهار والعيون العذبة، هناك عين الكتان عين عذبة في مفازة عليها أربع نخلات بينها وبين المسيلة مرحلة، وبشرقيّها وادي مقرة عليه سبع قرى منها قرية يكسم وزيتها أطيب الزيوت، وبين عين الكتان وأدنة نهر سهر «٢» ونهر النساء (ونهر أبي طويل وعين الغزال، وبين نهر سهر ونهر النساء) «٣» ثلاثة أميال، وسمّي بذلك لأنّ هوارة أغاروا على نساء أدنة وذهبوا بهنّ فأدركهم أهل أدنة فاستنقذوا النساء هناك والغنيمة وقتلوا جماعة من هوارة. ومن أدنة إلى مدينة طبنة مرحلتان، وقد تقدّم ذكر مدينة طبنة، وحواليها بنو زنراج. ومنها إلى نهر الغابة. ١٣٨٧ ثمّ تمشي ثلاث مراحل في مساكن العرب وهوارة ومكناسة (وكبينة وورفلة) «٤» ، يطلّ عليها وعلى ما والاها جبل أوراس، وهو مسيرة سبعة أيّام، وفيه قلاع كثيرة يسكنها قبائل هوارة ومكناسة، وهم على رأي الخوارج الإباضية. ومن هذا الجبل قام أبو يزيد مخلد بن كيداد النفزي الزناتي على أبي القاسم بن عبيد الله، وفي هذا الجبل كان مستقرّ الكاهنة. إلى مدينة باغاية، وهي حصن صخر قديم حوله ربض كبير من ثلاث نواح، وليس فيما يلي الناحية الغربية ربض إنّما يتّصل بها بساتين ونهر، وفي أرباضها فنادقها وحمّاماتها وأسواقها وجامعها داخل الحصن، وهي في بساط من الأرض عريض كثير المياه، وجبل أوراس مطلّ عليه. ويسكن فحص هذه

стр. 810

المدينة قبائل مزاتة وضريسة وكلّهم إباضية، وهم يظعنون في زمن الشتاء إلى الرمال (حيث لا مطر ولا ثلج) «١» خوفا على نتاج إبلهم. وإلى مدينة باغاية «٢» لجأ البربر والروم وبها تحصّنوا من عقبة بن نافع القرشي، فدارت بينهم حروب عظيمة وكانت الدائرة «٣» فيها على أهل باغاية، فهزمهم عقبة بن نافع وقتلهم قتلا ذريعا، ولجأ فلّهم إلى الحصن وغنم منهم خيلا لم يروا في مغازيهم «٤» أصلب ولا أسرع منها من نتاج خيل أوراس. فرحل عنهم عقبة ولم يقم عليهم كراهة أن يشتغل بهم عن غيرهم. وأهلها اليوم كلّهم على رأي الإباضية. وكيل الطعام بباغاية بالويبة «٥» وهي أربعة وستّون مدّا بمدّ النبي ﷺ ، (وهو قفيز ونصف قفيز قرطبي) «٦» ، وقفيز الزيت قروي وهو خمس ربع قرطبي، ورطل اللحم عندهم عشرون رطلا فلفلية. ١٣٨٨ ومن باغاية إلى مدينة مجانة، وهي كبيرة (عليها سور طوب وبها جامع وحمّامات ومعادن كثيرة) «٧» منها معدن فضّة للواتة يسمّى الوريطسي «٨» ، وتعرف بمجانة المعادن، ولها قلعة مبنية بالحجر فيها ثلاثمائة وستّون جبّا قد تقدّم ذكرها. وهذه المدينة للعرب وحولها لواتة. وهذه القلعة تعرف بقلعة بسر لأنّ بسر بن أرطاة افتتحها عنوة، بعثه إليها موسى بن نصير وبعث خمس غنيمتها إليه. وبين باغاية ومجانة فندق مسكيانة ووادي ملّاق، وهو واد صعب كثير الدهس وعر المخائض. وتسير من مجانة إلى مرماجنّة «٩» ، وهي مدينة لطيفة بها جامع وفندق وسوق وهي في بساط مديد. وهذه طريق الصيف.
следующие страницы →