ويجب أن يجتنبه المحزونون، حتى من النساء (١) . وكذلك مَن كانت مِن النساء ضعيفة الأسافل، وذلك لأجل شدة تحريكه الفضول إلى جهة الأسافل.
وإذا أُخذ من ثمرة هذا الدواء، زنة عشرة دراهم، فطُبخ مع قدر ما يغمره من السَّمن، إلى أن يذهب السمن، واستُعمل منه كل يومٍ وَزْنُ درهمين؛ نفع ما يحدث فى أسفل البطن، من الوجع العارض عن البواسير. وذلك لأجل تحليله المادة الموجعة. وينبغى أن يكون تناول ذلك، على الريق (٢) .
стр. 107
الفصل الخامس في فِعْلِهِ في الأمْرَاضِ الَّتِي لا اختِصَاصَ لهَا بعُضْوٍ
لما كان هذا الدواء يابساً مجفِّفاً منفِّساً، وجب أن يكون نافعاً فى القروح والجراحات - الطرية منها وغير الطرية - لكنه لأجل حِدَّته وقوة حرارته وإلهابه صار يضرُّ الجراحات لأنه يَلْحَفُهَا (١) .
وأما القروح، فما (٢) كان منها كثيرَ الرطوبة جداً، فإنه ينفع منها، لأجل قوة تجفيفه - لأجل شدة يبوسته مع إفراط حرارته - مع أن هذه القروح، لأجل كثرة وَضَرِها (٣) ورطوبتها، لا تتأثرَّ بلذعه (٤) وحِدَّتِه كثيراً. فلذلك، كان هذا الدواء، مع إضراره بالجراحات وبالقروح النقية، وهو شديد النفع من (٥) القروح العفنة والرديئة والعتيقة والوسخة، وكذلك القروح المسودَّة، وكذلك القروح
стр. 108
التى مضى عليها زمانٌ طويلٌ جداً. لأن جميع هذه القروح، لابد وأن تكون كثيرة الوسخ والرطوبة، فيكون فيها ما يكسر حِدَّة هذا الدواء (١) ، فلا تنفعل عن لذعه، ويكون هو شديد التنقية لها، خاصةً إذا كان مخلوطاً بالعسل، لأن العسل يعينه على ذلك، بجلائه (٢) ، وبأن يسيل فيستصحب معه هذا الدواء ويوصله إلى جميع أجزاء هذه القروح.
وكذلك، هو نافعٌ جداً فى تنقية سواد الجلد وأوساخه التى تكثر لأجل كثرة فضول البدن، وذلك لأجل حِدَّة - شدة - جلاء هذا الدواء. وكذلك، يبلغ من جلائه، أن يقشِّر خشكريشة الحمرة (٣) ونحوها (٤) .
والمسحوق من هذا الدواء، مع الخلِّ إذا طُلى به دَاءُ الثعلب (٥) أبرأه وذلك، لم فيه من الجلاء والتجفيف. والخلُّ يعينه على ذلك بتقطيعه وتلطيفه.
ونقول: إن هذا الدواء حارٌّ لطيفٌ، ولذلك صار يوضع فى الأدهان الحارَّة
стр. 109
كدهن عقيد العنب وكذلك يوضع فى المعاجين الحارة ونحوها. وإذا سُحقت أُوقيةٌ من ثمرة هذا الدواء، مع أُوقيةٍ من السَّمْن، ولُعق ذلك، نفع جداً من الربو لأجل تلطيفه المادة السَّادَّة لمجارى النَّفَس، مع تفتيحه المهيئ لهذه المادة للخروج بالنَّفَثِ.
стр. 110
المقالة الخامسة فىِ أَحْكَامِ الأبَارِ
وكلامُنا فيه، يشتمل على خمسة فصول.
стр. 111
الفصل الأول في مَاهِيَّةِ الأَبَارِ
الأَبَارُ هو الرصاص الروى الأسود، وبعضهم إنما يسمِّى هذا الرصاص أباراً إذا أُحرق. وشياف (١) الأَبَار هو المنسوب إلى هذا الرصاص المحرَّق، وهذا الرصاص يذوب بالنار، فإذا برد انعقد. وإنما يكون كذلك (٢) إذا كان انعقاده على سبيل الجمود بالبرد، وإنما يكون كذلك، إذا كانت مادته مائية.
وإذا ذاب الرصاص، فإن ذوبه (٣) يكون - لامحالة - ذا قوامٍ ليس كقوام الماء وإنما يكون ذلك إذا كانت مائيته مخالطة للأرضية، حتى تكون تلك الأرضيةُ تحدث له إذا ذاب غلظاً فى القوام.
فلذلك، جوهرُ الرصاص لابد وأن تكون (٤) فيه مائية وأرضية، ولأنه قابلٌ للانطراق (٥) كثيراً، ففيه - لامحالة - جوهرٌ دهنىٌّ. ولولا هذه الدهنية، لكان الرصاص ينكسر عند الطرق، كما فى الأحجار. ولذلك، لابد وأن يكون فى جوهر الرصاص، مع المائية والأرضية: دهنية.
وجوهرُ الدهن، كما بينَّاه فيما سلف (٦) ، إنما يتحقَّق من جوهرٍ أرضىٍّ
стр. 112
لطيف، وجوهرٍ مائىٍّ قليل، وجوهرٍ هوائى. فإذن (١) ، لابد وأن يكون فى جوهر الرصاص: هوائيةٌ.
ولأن جرم الرصاص كثيفٌ، فأجزاؤه - لامحالة - ملزَّزة (٢) . وهو أيضاً رزينٌ، فهذه الهوائيةُ فيه يسيرةٌ جداً، إذ لو كانت هذه الهوائية فى الرصاص كثيرةٌ لكان يكون خفيفاً، وليس كذلك.
ومائيته لابد وأن تكون ملازمة الأرضية، وإلا سخن (٣) ، خاصةً عند ملاقاة (٤) النار له. فكذلك، لابد وأن تكون (٥) أجزاؤه المائية والأرضية متلازمةً. ولابد أن يكون تلازُمها أقل جداً من تلازم أجزاء الحديد (٦) والنحاس فضلاً عن الذهب والفضة. وذلك لأن الرصاص ينقص (٧) إذا كُرِّر ذوبه بالنار نقصاناً كثيراً، ولا كذلك النحاس. وأما الذهب، فلا ينقص البتة (٨) .
ونقول أيضاً: إن جوهر الرصاص، إنما تركَّب من هذه الأجزاء، بأن تصير هذه الأجزاء أولاً زئبقاً وكبريتاً. ثم منها يتركَّب جوهرُ الرصاص. وهذا قد بيَّنَّاه فيما سلف، فى كلامنا الكلى فى الأدوية (٩) .
стр. 113
والدليل على أن الرصاص من الزئبق والكبريت، أنه إذا ذاب، كان كأنه زئبق، ولأن الزئبق يتعلَّق به إذا لاقاه. وهو لامحالة منعقدٌ، وانعقاد الزئبق إنما يكون بالكبريت - على ما بيَّنَّاه أولاً - فلذلك، لابد وأن يكون تركيب الرصاص من الأرضية والمائية والدهنية، إنما هو بأن تصير هذه الأجزاء أولاً زئبقاً وكبريتاً ويكون الزئبق - على ما بيَّنَّاه فى موضعه - هو من مائيةٍ، هى المحدثة لبياضه ومن أرضيةٍ لطيفة جداً، متصغِّرة فى الغاية، مُغشية لظاهر تلك المائية، حتى كل جزءٍ ينفصل من تلك المائية، يكون مُتغشياً بشئ من تلك الأرضية. ولذلك (١) فإنه (٢) لايبلّ (٣) ما فيه، ولا يتصل به.
ومع ذلك، فلابد فى الزئبق من هوائية يسيرة جداً، لأنه لايخلو من دهنية ودسومة. وأما الكبريت، فإن تحقُّقه (٤) من دهنيةٍ جامدةٍ، ووجُودُه هو بالبرد. فلذلك، جوهر الرصاص لابد فيه من هذه الأجزاء جميعها، ومن هذا يُعلم أنَّ جوهر الرصاص لايصلح للتغذية؛ فلذلك: هو دواءٌ صِرْفٌ.
стр. 114
الفصل الثاني في طَبِيعَتِه وأَفْعَالِهِ مُطْلَقاً
قد علمْت أن جوهر الرصاص مركَّبٌ من مائيةٍ، وأرضيةٍ، وهوائيةٍ قليلة جداً؛ وإلا كان يكون خفيفاً. وكذلك، أرضيته (١) قليلةٌ بالنسبة إلى مائيته، وإلا كان يعسر ذوبه، كما فى غيره من المنطرقات (٢) . فلذلك، المائيةُ هى الغالبة على جوهره. وهذه المائية جامدة، فلذلك هو شديدُ البرد.
وهو مع ذلك رطبٌ، ويجب أن يكون برده أكثر من رطوبته، لأن جوهر الماء كذلك، ولأن الرصاص فيه أرضية أكثر من الهوائية بكثير. والأرض لامحالة: شديدة اليبوسة.
وأما هوائيته، فإنها (٣) لا (٤) تفيد فى رطوبته، لأن رطوبة الهواء هى بمعنى أنه سهل القبول للانفعال، وذلك مالا تأثير له فى بدن الإنسان. فلذلك، يبوسة الأرضية، تُنقِّص رطوبة المائية تنقيصاً كثيراً. وأما حرارة الهوائية، فلا تُنقص برودة المائية والأرضية، كثيراً. أما أولاً فلأن هذه الهوائية قليلةٌ جداً. وأما ثانياً فلأن حرارة الهواء ليست بقويةٍ. وأما ثالثاً (٥) فإن الهوائية، وإن أفادت (٦) سخونةً ما
стр. 115
فإنَّ الجمود العارض بمائية الرصاص يُتدارك (١) جداً. فلذلك، يجب أن يكون برد الأبار، أشدُّ من رطوبة هذا - إذا لم يحرق - وأما إذا أُحرق، فإنه يصير مجفِّفاً. وسنبيِّنُ ذلك، عند كلامنا فى الإسفيداج (٢) .
ولما كان الرصاص بارداً جداً، رطباً؛ فهو لامحالة: رادعٌ، مكثِّفٌ.
стр. 116
الفصل الثالث (١) في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الرَّأْسِ
إنَّ الأبار لما كان (٢) غالبُ أجزائه (٣) هو الزئبق ومن (٤) شأنه التصعُّد بالحرارة، فلذلك كانت رائحة الأبار عند إحراقه، ضارةٌ جداً بالدماغ (٥) ، تُحدث الرعشة والخدر، ونحو ذلك؛ على ما تعرفه عند كلامنا فى الزئبق (٦) .
ولأن جوهر الأبار أكثر من الزئبق، والزئبق - لامحالة - يتعلَّق به إذا لاقاه لأنه من جوهره - كما يتعلَّق الزئبق بعضه ببعض - فلذلك، إذا أُخذ من الأبار مَيْلٌ رقيق، وأُدخل فى الأذن التى بها الزئبق، تعلَّق به. فيمكن بذلك، إخراج ذلك الزئبق.
وقد منع ذلك بعضُهم، وقال: إن الزئبق إذا كان فى الأذن، بحيث يصل إليه، سَهُلَ حينئذٍ إخراجه بمثل الحفر والتحريك، من غير حاجةٍ إلى هذا. وهذا لايصحُّ، وذلك لأن هذا الميل، لأجل لينه، يسهل انعطافه فى تعاريج باطن الأُذن، حتى يمكن وصوله إلى قريبٍ من آخر تجويفها؛ وذلك لأجل قبول الرصاص للانحناء والانثناء بسهولة.
стр. 117
وكذلك، قد يُعمل من الرصاص مسلَّةً، ويُدخل فى ثقبها الحبل الذى يُتَّخذ من الشَّعْر (١) ، لأجل جرد اللحم الزائد من الخيشوم، ثم يُدخل تلك المسلة فى الأنف، ويدفعه حتى ينتهى إلى أعلى الحلق - وذلك وراء اللهاة (٢) - فيؤخذ (٣) طرفها من هناك، فيجذبه حتى ينجذب ذلك الحبل ويخرج طرفُهُ من الفم، ويكون باقيه خارج الأنف، وينبغى أن يكون طرف هذا الحبل الذى يدخل فى المسلَّة دقيقاً (٤) - ليسهل نفوذه - منقطفاً، وأما باقيه فيكون غليظاً بالقدر الذى يُحتاج إليه فى جرد اللحم الزائد.
والمحرق من الرصاص شديدُ النفع فى قروح العين، لما نذكره فى الإسفيداج.
стр. 118
الفصل الرابع في فِعْلِه في أَعْضاءِ النَّفْضِ
إنّ الرصاص مع أن برده غير مفرط، فإنَّ تبريده إذا وُضع على عضوٍ، كان مفرطاً. وذلك لأنه - مع أنه يبرد بقوة - فيه كتبريد باقى الأدوية، فهو أيضاً يبرِّد بما هو باردٌ بالفعل، فإن لُمِسَ؛ وُجِدَ (١) بارداً بالفعل، وذلك لأجل ما فيه من المائية الجامدة.
فلذلك، إذا اتُّخذت منه صفيحةٌ، ورُبطت على عضوٍ، برَّدته جداً. فلذلك إذا وُضع على القَطَنِ (٢) ورُبط عليه مُدَّة، برَّده جداً، خاصةً والقَطَن مستعدٌ جداً للتبريد. لأنه مع كثرة عظامه، موضعٌ على بُعْدٍ من القلب - ومنه (٣) أكثر التسخين - وإذا برد هذا الموضع، لزم ذلك تبريد أوعية المنِىِّ. لأنَّا بيَّنَّا أن هذه الأوعية، هى العروق النازلة له من الكُلى إلى الأُنثيين (٤) إلى الرِّجلين (٥) ؛ وهذه يستحيل فيها المنِىُّ بإحالة ما يصل إليه من الخميرة التى تنزل من الرضاع، لقِلَّة النخاع فى عظم الصُّلْب، وتنتهى إلى هذه العروق، فتُحيل ما فيها من الدم إلى طبيعتها - كما بيَّنَّاه فى كلامنا فى المنى - وإذا بردت تلك الأوعية؛ قلَّت حِدَّةُ
стр. 119
المنى، وخَمُدَ، وقلَّل من استعداد إنزاله (١) ؛ وقِلَّة ذلك نقصٌ لشهوة (٢) الباه. فلذلك، مَنْ أراد تقليل احتلامه وضعف شبقه، فلا أنفع له، من وضع صفيحة من الرصاص على قَطَنه، وربطها هناك مدة.
وإذا أُخذت برادة الرصاص، وغُسلت بالماء مراراً؛ نفعت جداً من حروق المقعدة، ومن البواسير، ومن قروح الذكر والمذاكير (٣) .
стр. 120
الفصل الخامس في فِعْلِه في الأَمْرَاضِ الَّتِي لا اخْتِصَاصَ لها بَعُضوٍ عُضو (١)
سُحَاقةُ الأبار إذا غُسلت مراراً، كما قلنا، كانت شديدة النفع للجراحات الخبيثة والقروح الرديئة - حتى السرطانية - وكذلك قروح المفاصل. وإنما كان كذلك، لأن السُّحَاقة بقوة تبريدها، تمنع العفونة وتكسر حِدَّة المواد الفاسدة.
وقد دلَّت التجارب (٢) على أنه إذا رُبط على الغدد والخنازير (٣) فى داخل هذه الأورام، تذوب (٤) ؛ بما يحدث عن ذلك، من الحرارة القوية، وذلك لأجل مَنْع هذه الصفيحة من خروج تلك الأبخرة من المسام.
وكذلك، إذا اتُّخذ من الأبار فهرٌ وصلاية (٥) ، ووُضع على هذه الصلاية بعض الرطوبات أو الأدهان الباردتين، وحُرِّكت بالفهر المذكور كثيراً، حتى
стр. 121
ثخنت (١) تلك الرطوبة بما ينحل من أجزاء الأبار صارت تلك الرطوبة شديدة التبريد، وإذا وضُعت على الأورام الحارة - فى الابتداء - نفعت جداً، وذلك لأجل قوة النفع.
وقد قيل: إن من تختَّم بالأبار؛ نقص بدنه.
وقيل: إذا وُضع فى القدر قطعة من الرصاص لم ينضج اللحم بسرعة.
وقيل: إذا طُرقت الشجرة بمطرق من الرصاص لم يسقط ثمرها قبل وقته.
وقيل: إذا دُهن الرصاص وتُرك حتى يصدأ (٢) ، وأُخذ ذلك ولطخ به حديد، لم يصبه الصدأ (٣) .
وجميع هذه الأشياء، وشَبهها، لاجَزْم بصحته (٤) .
стр. 122
المقالة السادسة فىِ أَحْكَامِ ابن عِرْسِ
وكلامُنا هذا، يشتمل على أربعة فصول.
стр. 123
الفصل الأول في مَاهِيَّةِ ابن عِرْسِ (١)
ابن عرس حيوانٌ أصغرُ من النِّمْس بكثير، وكأنه جَرو نمس (٢) وهو سريع الحركة، يكثر فى بلاد مصر، ويسكن فى البيوت. شَبَه الفأر وهو نحيفٌ أحمر (٣) اللون. ويسعى (٤) فى الليل - كالهِرَّة (٥) - ويقاتل الهوام، فلذلك هو من الحيوانات التى ينبغى أن تكون (٦) فى المساكن، لتهرب منها الهوام (٧) !
стр. 124
الفصل الثاني في طَبِيعَتِهِ
إنَّ هذا الحيوان، لما كان سريع الحركة جداً، يأكل اللحم، فهو لامحالة حارُّ المزاج. إذ جميع ما يأكل اللحم من الحيوان، فإنه محتاجٌ أن يكون جريئاً (١) مِقْداماً، لتكون (٢) له قوة على الصيد. وإنما يكون كذلك، إذا كان حار المزاج.
ولأنه شديد النحافة، فهو لا محالة قليل الرطوبة. فلذلك، لابد وأن يكون هذا الحيوان حارّاً يابساً. ولذلك، ليس يتضرَّر بالبرد - كما يتضرَّر به الدُّبُّ والقُنفِذ. وإنما يكون كذلك، إذا كان حارُّ المزاج.
стр. 125
الفصل الثالث في فِعْلِه (١) في الأَمْرَاضِ الَّتيِ لا اخًتِصَاصَ
إنَّ هذا الحيوان، لما كان حارُّ المزاج جداً، فلحمه لامحالة حارٌّ. وكذلك دمه. فلذلك، يكون كُلُّ واحدٍ من هذين - وغيرهما من أجزائه (٢) - محِّللاً.
وتحليلُ لحمه، تحليلٌ (٣) شديدٌ جداً؛ فلذلك هو نافعٌ من الأوجاع، إذا وُضع عليها. وذلك لأجل تحليله للمواد (٤) ، خاصةً أوجاع الظهر، لأن الظهر - لبرده - إنما يحلِّل مواده، ما يكون قوىُّ التحليل.
وكذلك، هو محلِّلٌ للرياح حيث كانت. والأورام (٥) التى تسمى الخنازير إذا لطخت بدم ابن عرس نفعتها؛ وذلك لأجل قوة تحليله لموادها. وكذلك، قد ينفع دمُه للمصروعين، وذلك لأجل تحليله المادة المصرعة.
وإذا أُحرق وأُخذ رماده فعُجن بخَلٍّ، ووُضع على النقرس وأوجاع المفاصل سَكَّن، لأجل قوّة تحليله.
стр. 126
فصل الرابع في خَوَاصِّهِ المشْهُورَةِ
ابن عرس قد اشتهرت له خواصٌّ، ونحن نعدُّها عدّاً؛ ومن أراد تحقيقها فعليه أن يمتحنها بالتجارب. قالوا: إن ابن عرس إذا شاهد طعاماً مسموماً اقشعرَّ لذلك، وانتصب دبره (١) . وإذا سُلخ وأُخرج ما فى بطنه، ومُلِّح، وجُفِّف فى الظِّلّ (٢) ، وشُرب منه بالشراب مثقالان؛ نفع من ضرر الهوام كلها، وكان من أقوى علاجاتها (٣) . وإذا حُشى جوفه بالكزبرة، وجُفِّف فى الظِلِّ، واستُعمل كان علاجاً لنهش الهوام والصرع (٤) .
قالوا: وإذا أُخرج كعب ابن عرس، وهو (٥) حىٌّ، وعُلِّق على امرأة؛ فإنها لاتحبل! وقالوا: إن معدته دواءٌ نافعٌ جداً من سُمِّ الهوام.
стр. 127
المقالة السابعة فىِ أَحْكَامِ الأُتْرُجّ
وكلامُنا فيه، يشتمل على ثمانية فصول.
стр. 128
الفصل الأول في مَاهِيَّةِ الأُتْرُجِّ
الأُترجُّ نباته معروف (١) ، وهو يكثر فى البلاد الحارة، فلذلك يقلُّ فى البلاد الشمالية ويكثر فى الجنوبية. وذلك، لا لبرد مزاجه، بل لأن البرد الشديد ينفذ إلى جرمه، فيفسده. ولشجره شوكٌ طوال، وورقه أصغر من ورق الجوز قريب جداً من ورق النارنج. ويشارك النارنج فى أنه لايُلقى ورقه، وأن ثمره قد يبقى عليه مدةٌ طويلة، فلا يفسد.
وهو من الأشجار الذهبية، كما فى النارنج والرَّنْد وثمره كبارٌ مختلفُ الأجزاء. وذلك لأن لثمره قشراً ولحماً وحَبّاً، وجميع هذه مختلفة الطعوم والألوان والطبائع.
وأَيْيَسُ أجزاء ثمره هو القشر، لأن قشر كل ثمرةٍ ونبات يجب أن يكون أكثر أرضيةً ويبوسة، بما هو قشر (٢) ، وذلك لأن الغرض بالقشر أن يكون وقاية، والوقاية تستحقُّ أن تكون أصلب مما له وقاية، وذلك يتمُّ بكثرة الأرضية. وفى هذا القشر - مع الأرضية - ناريةٌ، ولذلك هو أصفر اللون إلى حمرةٍ ما، شبيه بحمرة (٣) الذهب الجيِّد.
стр. 129
ولأنه حريفٌ، وقد علمت أن جوهر الحريف نارىٌّ، ولحم ثمره مركَّبٌ من مائيةٍ وأرضية، ولذلك هو إلى تَفَاهة (١) ، لأجل المائية؛ وإلى (٢) غِلَظٍ وكثافةٍ لأجل الأرضية. ولذلك، يعسر هضمه، ويولِّد الرياح والنفخ، وذلك لأجل غلظ جِرْمه، وذلك لأن هذا اللحم - مع فجاجته - هو كغذاء اللُّبِّ الذى فى الحبِّ، والغذاءُ يجب أن يكون شبيهاً بالمغتذى.
وهذا الحبُّ، يجب أن يكون كثير الأرضية، ليكون صالحاً لأن تتكوَّن (٣) منه الشجرة. فلذلك، يجب أن يكون هذا اللحم كذلك. ومائيةُ هذا اللحم إلى جمودٍ، لأنها - بَعْدُ - لم تنضج وتتعدَّلُ، ولذلك يحدث عن هذا اللحم رياحٌ كثيرةٌ. ولذلك كان هذا اللحم لايُلاقى الحبَّ، لأنه لم يصلح بعد لتغذيته، وذلك لأجل فجاجته.
وأما الحمض الذى فى ثمرة الأترجِّ (٤) فحموضته تحدث (٥) من غليان المائية بعد انفصالها من اللحم. وذلك، لأن هذا الحمض يلاقى الحبَّ، فيجب أن يكون أنضج من اللحم. وذلك إنما يتمُّ بالحرارة، لأجل برد مائية اللحم - كما قلناه - والحرارةُ إذا حدثت، فهى لامحالة تسخِّنها، وإذا اشتدَّت سخونة الماء حدث لها - لامحالة - الغليان؛ وهو يُحدث للحموضة، كما بيَّنَّاه.
ولكن هذه الأرضية، لابد وأن تكون لطيفة؛ لأنها تَلْطُف بالحرارة المحدثة للغليان. ومع ذلك، فلابد وأن تكون يسيرةٌ بالنسبة إلى أرضية اللحم. وذلك لأن
стр. 130
اللحم إذا أخذ فى النضج، ليصلح (١) لغذاء الحبِّ، يسخن لامحالة قليلاً؛ وهذه السخونة تذيب مائيته وتسخنِّها، وتسخِّن أرضيته أيضاً، وتُسِيلها (٢) إلى حيث يتكوَّن الحمض فى أكثر السائل. ج (٣) . هو المائية، وذلك لأجل غِلظ الأرضية وعصيانها على (٤) الانفعال، فلذلك تكون المائية فى هذا الحمض أزيد من الأرضية.
وأما الحبُّ الذى فى ثمرة الأُترجِّ فإن طعمه إلى مرارةٍ، وفيه دهنيةٌ. فلا محالة، لابد وأن تكون كثيرة الأرضية، ليمكن تكوُّن الشجر منه. ولابد وأن تكون فيه رطوبةٌ كثيرةٌ فضلية، لِتكوِّن مادةً يتكوَّن (٥) عنها شخصٌ آخر. ولابد وأن تكون المائية الزائدة التى فى الحمض قد قلَّت، حين صارت غذاءً له، وذلك لما يتحلَّل منها بالنضج.
وأما ورق هذا النبات، فيجب أن تكون مائيته كثيرة (٦) النارية، ولذلك هو حريفُ الطعم، حادٌّ مع التفاهة والمائية. وأما زهر هذا النبات، فيجب أن يكون - مع مائيته - كثيرُ النارية، ولذلك هو حريف الطعم، إلى هوائيةٍ، لأنه من الأجزاء التى تتبخَّر (٧) من مادة الثمرة، وتبخرُّها إنما يكون بحرارةٍ تحدث لها فلذلك هو ألطف كثيراً من باقى أجزاء هذه الشجرة.
стр. 131
الفصل الثاني في طَبِيعَتِه وأَفْعَاِلهِ علَى الإطْلاَقِ
أنَّا نتكلم أولاً فى ثمرة هذا النبات، ثم نتكلم فى أجزائها. وثمرة هذا النبات أجزاؤها (١) مختلفةُ الطبائع، وذلك لأجل اختلاف تلك الأجزاء فى جواهرها كما بيَّنَّاه أولاً. وأما قشر هذه الثمرة، فإنه حارُّ يابسٌ، وذلك لأجل ما فيه من النارية التى ذكرناها. ومع ذلك، فإنه بسيط الجرم، لأجل ما فيه من الأرضية ولهذه الأرضية، هو زائدُ اليبوسة.
وأما لحم هذه الثمرة، فإنه فى نفسه شديدُ البرد، لأجل ما فيه من المائية الجامدة، ولما فيه من الفجاجة. ومع ذلك، فهو - أيضاً - فى نفسه، رطبٌ لكن رطوبته قليلة لأجل ما فيه من يبوسة الأرضية.
وأما تبريده لبدن الإنسان، فقليلٌ؛ لأنه - لغلظه - لايسرع نفوذه إلى حيث يبرِّد (٢) ، بل يتأخَّر ذلك إلى أن ينهضم وتضعف قوته.
وأما الحمض الذى فى داخل هذه الثمرة، فإنه باردٌ يابسٌ. وذلك لأن الحامض من شأنه أن يكون كذلك، لما بيَّنَّاه فى كلامنا الكُلِّى (٣) . وبردُه فى نفسه ليس بشديد، وذلك لأن حدوثه إنما هو بالغليان اللازم للحرارة؛ وذلك مما لايكون معه البردُ قوياً. فلذلك، هو فى نفسه أقل برداً من اللحم بكثير. وأما
стр. 132
تبريده لبدن الإنسان، فهو أكثر وأشد من تبريد اللحم، وذلك لأجل لطافة الحمض، وقوة غَوْصه، فيسهل نفوذه إلى حيث يبرِّد. وهذا كالثمار التى تكون أولاً عفصة، ثم تصير حامضة؛ فإنها فى حال عفوصتها، يكون بردها فى نفسها أشد برداً - لامحالة - من بردها فى حال الحموضة، وأما تبريدها لبدن الإنسان فهو - لامحالة - أقل من تبريدها فى (١) الحموضة.
وكذلك نقولُ فى يبوسة هذا الحمض، فإنها وإن لم تكن فى نفسها شديدة جداً (٢) ، فإنَّ فِعْلها فى بدن الإنسان قوىٌّ، وذلك لأجل لطافة الحمض وقوَّةِ نفوذه.
وأما ورقُ هذا النبات، فإنه حارٌّ يابسٌ، وذلك لأجل ما فيه من النارية. ولابد وأن يكون إلى غِلَظٍ، لأجل ما فيه من الأرضية.
وأما زهرُ هذا النبات، فلابد أيضاً أن يكون حارّاً، وإلا لم يكن حادَّ الرائحة. ولابد وأن يكون لطيفُ الجوهر، لأن مادته - كما بيَّنَّاه أولاً - هى الأجزاء المتصعِّدة عن مادة الثمرة. ولابد وأن يكون إلى يبوسة، لأن هذا المتصعِّد أكثره دُخَّانىٌّ؛ لأن تصعُّده من المادة التى يتكوَّن منها هذا النبات، وتلك أرضيةٌ لامحالة، وإن كان لابد فيها من مائيةٍ كثيرة. فلذلك، هذا الزهر لابد وأن يكون محلِّلاً، لأجل حرارته، ولكنه لغلظه ليس بمفتِّح.
وأما حَبُّ ثمرة هذا النبات، فإنه محلِّلٌ بدهنيته، مقوٍّ للأعضاء لأجل عِطريَّته.
أما حِمْضُ ثمرة هذا النبات، فإنه مبرِّدٌ، قامعٌ، ملطِّفٌ، شديدُ الجلاء والغوص ولأجل ذلك هو ملطفٌ. وأما تلطيفه مع (٣) تقطيعه فلأنه (٤) - على ما
стр. 133
ستعرفه بعد - قابضٌ شديد التقطيع. وأما قمعه، فلأجل برده. وأما شِدَّة جلائه (١) ، فإنه مع حموضته، لطيفٌ نفَّاذٌ، فيسهل نفوذه بين العضو وما التصق به بسرعة (٢) ، ولذلك (٣) هو يقلع الآثار والدبوغ التى تكون فى الثياب. وأما قبضه لأجل يبوسته. وأما تقطيعه، فلأجل شدة نفوذه بين أجزاء المادة، فيردُّ (٤) بعضها من بعض، فتصغر لذلك أجزاؤها (٥) .
وأما قشر ثمرة هذا النبات، فإنه هاضمٌ؛ لأنه مع حرارته عَطِرٌ، مقوٍّ للمعدة، وفيه تحليل وترياقية (٦) . وكذلك فى جميع أجزاء هذه الشجرة، وذلك لأجل ما فيها من العطرية الدالة، المناسبة لطبيعة بدن الإنسان.
стр. 134
الفصل الثالث في أَفْعَاِلهِ في أَعْضَاءِ الرَّأْسِ
أما ورق هذا النبات وزهره، فقد يُتَّخذ منها نطولٌ (١) يُسكَّن به الصداعُ البارد، ونحو ذلك، وسبب ذلك، ما فيها من الحرارة.
وأما حُماضه، فينفع (٢) الصداع الحارَّ والكائنَ عن الأبخرة الصاعدة إلى الرأس من المعدة، أو من غيرها. وينفع من التوحُّش والخفقان الحار ومن السوداء خاصةً المحرقة عن الصفراء، وكذلك هو نافعٌ من الماليخوليا ومن الوسواس (٣) الحادث عن احتراق الصفراء وتبخيرها، وذلك لأنه مع منعه الأبخرة يقوِّى القلب ويبدِّل الروح فيعدِّلها.
стр. 135
وقشرُ ثمرة هذا النبات إذا مُضِغَ أو تُرِكَ فى الفم مُدَّةً، شَدَّ اللثة وطيَّب النكهة. وذلك لأجل ما فيه من العطرية، مع تحليله الرطوبة الفضلية التى تكون فى اللثة فتعدُّها (١) للعفونة، وتجفيفه لها؛ فلا يبعد أن يكون ورق هذا النبات يفعل ذلك أيضاً. وكذلك حَبُّه وزهرُه، وكذلك طبيخُ حمض ثمرة هذا النبات يفعل ذلك، لأن هذا الحمض يجفِّف لرطوبة الفضلية المعفِّنة، ويلطِّفها، ويقطِّعها فيهيِّئها بذلك للخروج والانفعال.
ومع ذلك، فإن هذا الحمض - بقوة بَرْده - يُبطل فعل الحرارة العفونية المبخِّرة للأجزاء الغَضَّة الكريهة الرائحة، فيُعين بذلك على تطييب (٢) النكهة. إلا أن هذا الحمض، يضرُّ الأسنان بغوصه فيها وقوَّةِ جلائه المزيل لما عليها من الرطوبات التى تدفع عنها أضرار الملاسات (٣) . وذلك، فإن (٤) هذا الحمض شديد الإحداث للضَرَس (٥) .
ومع ذلك، فلأن هذا الحمض - لأجل إضراره بالعصب - يضرُّ الأسنان بإضراره بالأعصاب الآتية (٦) إلى اللثة. ولذا (٧) كان هذا الحمض ضاراً بالأعصاب، لأنه مع قوة برده وتقطيعه، فإنه شديدُ النفوذ، غوَّاصٌ.
стр. 136
وإذا اكتُحل بهذا الحمض، بَرَّدَ العين، وجلاَّها بقوة، وسكَّن حرارتها ونفع من حكَّتها جداً، ولطَّف ما يكون فيها من الفضول؛ فيسهل بذلك اندفاعها (١) . فلذلك، كان الاكتحالُ بماء (٢) هذا الحمض، يحدُّ البصر، ويقوِّى العين الحارَّة (٣) تقويةً ظاهرة. وإذا اكتحل به صاحب اليرقان أَذْهَبَ صُفرة عينيه وذلك لأجل قوَّة جلائه (٤) ، وترقيقه لما هو محتبسٌ من العين من الصفراء، فيسهل بذلك تحلُّلها وخروجها من المسام (٥) .
واشتمامُ زهر الأُتْرُجِّ ينفع من النزلات ومن اللقوة (٦) ويسخِّن الدماغ ويقوِّيه، لأجل ما فيه من العِطرية، وقد يفتِّح برد المصفاة، لأجل تفتيحه، ويحلِّل فضول الدماغ. وكذلك ورق هذا النبات وقشرة ثمره. إلا أن اشتمام الزهر أقوى فى ذلك، لأجل لطافته.
ورائحة الأُتْرُجِّ تنفع من الوباء. توضع ثمرته فى مناقل النار، فيكون دُخَّانُها نافعاً (٧) للوباء.
стр. 137
الفصل الرابع في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الصَّدْرِ
لما كان هذا النبات - بجميع أجزائه - عَطِراً، والعطريةُ ملائمةٌ للروح والقلب؛ فلذلك كان تأثير أجزاء هذا النبات فى أعضاء الصدر عظيماً، لأنها تصل إلى القلب ونواحيه سريعاً، فلذلك يكون نَفْع كل واحدٍ منها - فيما ينفع - عظيماً. وكذلك، ضرر كل واحدٍ منها فيما يضرُّ به الحمض، لأجل تسكينه الحرارة، بسبب قوة برده.
وهو (١) شديدُ النفع من الخفقان الحارِّ، وكذلك التوحُّش والتلهُّب فى القلب. وسببُ ذلك، شدةُ تعديله للحرارة المحدثة لذلك. ومع ذلك، فهو شديدُ الإضرار بأعضاء الصدر، لأن أكثر هذه الأعضاء عصبيةٌ، لأنه مع برده ويبوسته، شديدُ الغوص والنفوذ فيها.
وكذلك (٢) هذا الحمض شديدُ الإضرار بالصوت، لأنه لقوَّة جلائه (٣) وتقطيعه، يزيل الرطوبات المملسة للحنجرة (٤) وقصبة الرئة، فيخشُن (٥) لذلك سطحها؛ ويلزم ذلك خشونة الصوت. وإذا استعمل هذا الحمض فى ذات
стр. 138
الجنب (١) ونحوها، فإن ضرره شديدٌ (٢) جداً.
وأما قشر ثمرة هذا النبات، فإن المربَّى منه نافعٌ للحلق والرئة، لأنه بعطريته يكون نفعه - ونفع ما يغالطه من العسل - فى هذه الأعضاء، شديداً جداً. ولا يبعد (٣) أن يكون المربَّى من هذا القشر، نافعاً فى الخفقان الحادث عن برد القلب، وكذلك سائر الأمراض الباردة الحادثة للقلب. وكذلك دهن زهر هذا النبات، إذا دُهِنَ به الصدر. وإنما كان كذلك، لما فى ذلك من العطرية الملائمة للروح الحيوانى وآلاته.
وورقُ هذا النبات يوسِّع النَّفَس الذى ضِيْقه عن البلغم، وذلك لأن شأن هذا الورق مفتِّحٌ للسِّدَّة البلغمية. ولا يبعد أن يكون قشر ثمرة هذا النبات يفعل ذلك، وكذلك زهرُه وحَبُّه.
стр. 139
الفصل الخامس في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الغِذَاء
لما كان هذا النبات عَطِراً، والعطريةُ ملائمةٌ للروح والأحشاء، وذلك لأجل كثرة الأرواح فى الأحشاء. فلذلك، إذا طُبِخَ بِزْر هذا النبات، أو زهره أو قِشْر ثمرته (١) ؛ فى خَلٍّ أو فى شَرابٍ أو فى ماء العنب أو ماء الورد ونحو ذلك وشُرِبَ؛ كان ذلك موافقاً للأحشاء كلها، مقوِّياً لها (٢) ، خاصةً للمعدة.
وكذلك، إذا نُقِعَ ذلك فى هذه الرطوبات ونحوها. وذلك إذا عُملت بالعسل أو بالسُّكَّر، مثل المعاجين؛ نفعت المعدة وقوَّتها. ولذلك، كان جوارش الأُتْرُجِّ (٣) ، وهو المتخذ من قشر ثمرته الموضوع فى العسل، إذا أُكِلَ قوَّى المعدة، وأعان على الهضم وعلى الاستمراء (٤) ، لما فيه من الحِدَّة المسرعة لخروج الغذاء.
стр. 140
وقِشر الأُتْرُجِّ يشهِّى (١) الطعام، ويعطِّش؛ ولكنه يسكِّن العطش البلغمى. وكذلك زهر هذا النبات، إذا عُمل منه دهنٌ بزيت الإنفاق (٢) ونحوه، كان ذلك الدهن مقوِّياً للمعدة. وكذلك إذا وُضع قشر ثمر هذا النبات فى الأطعمة - كالأباريز (٣) - كان موافقاً للمعدة.
ولما كان جوهر هذا القشر مركَّباً من أرضية ونارية، لا جَرَمَ كان مع تسخينه للمعدة، وإعانته لها على الهضم، ليس ينهضم سريعاً، بل هو عسر الهضم جداً، وإذا انهضم لم يكن غذاؤه (٤) كثيراً، لأن جوهره يابسٌ أرضىٌّ نارىٌّ فهو لذلك: يهضم ولا ينهضم.
والمربَّى منه أسرعُ انهضاماً، لأجل لينه وامتزاجه بالعسل، وإذا أُخذ (فى) (٥) مضغه جيدا (٦) ، سهل بذلك انهضامه فى المعدة، لأجل زيادة تصغُّر أجزائه (٧) ، فإن المنفعل كلما كانت أجزاؤه (٨) أصغر، كان قبوله للانفعال أكثر.
وأما لحم هذه الثمرة، فهو شديد الغلظ، لأجل تركيبه من أرضية مائية
стр. 141
جامدة، فلذلك كان هضمه عسراً أيضاً، ولكنه أقبل للانهضام من القشر، لأن جوهر القشر شديد اليبوسة، وهذا اللحم كثير المائية. وكذلك تغذيةُ هذا اللحم بعد انهضامه، أكثر من تغذية القشر، لأن جوهر هذا اللحم أنسب إلى الغذائية من جوهر القشر، لأجل نارية القشر ومائية هذا.
وإذا انهضم لحمُ الأُتْرُجِّ ولَّد خِلْطاً غليظاً، ولذلك هو من المسمِّنات. وهو ردئ الغذاء، عَسِرُ الخروج، مولِّدٌ للقولنج (١) . وإذا طُبخ هذا اللحم، أو أُجيد مضغه، أو رُبِّىَ بالعسل ونحوه؛ كان أسرع هضماً مما ليس كذلك، كما قلنا (٢) فى القشر المربَّى (٣) بالعسل (أنه) (٤) أسلمٌ وأقلُّ ضرراً، لأجل تلطيفه بالعسل.
ويفارق هذا اللحمُ القشْرَ، بأن هذا إذا لم ينهضم سريعاً، وَلَّدَ الرياحَ والنَّفْخَ كثيراً، ولا كذلك القشر. وذلك لأن تولُّد الرياح النفخ، إنما يكون من الدخانية، وهى إنما تحدث كثيراً، إذا خالط الأرضية مائيةٌ تصعِّدها - كما قلناه مراراً - وأرضية القشر، ليس يخالطها مائيةٌ كثيرة، بل نارية. ولا كذلك، أرضية اللحم.
وإذا أُكل هذا اللحم بالأبزار (٥) الحارة الكثيرة، كان أقبل للهضم، وقلَّت
стр. 142
نُفَخُهُ ورياحُهُ. وينبغى ألا يؤكل مع هذا اللحم طعامٌ آخر - وكذلك القشر - وذلك لأجل غلظ هذين، وعُسْر انهضامهما.فإذا كان معهما طعامٌ آخر، لم تُقبل الطبيعة على هضم هذين، لأجل عُسرهما (١) ، وأقبلت بكُلِّيتها على هضم الطعام الآخر، فكان ذلك سبباً لفساد هذين.
وأما حمض الأُتْرُجِّ فهو دابغٌ للمعدة، لأجل يبوسته، مع تقطيعه لما يكون فى المعدة من الرطوبات، فتتهيَّأ (٢) للانزلاق والخروج. ومع ذلك، فإنه يقوِّى المعدى بما فيه من العطرية - وإن قلَّت جداً - ويشهِّى الطعام جداً، لأجل قوَّة حموضته. ولكنه يلذع (٣) المعدة القليلة الرطوبات. ويضرُّ جداً أصحاب (٤) الفواق اليبوسى، ويمنع القئ، خاصةً رُبُّه وشرابُه، خاصةً إذا كان معه شئ من الطباشير (٥) أو أوراق النعنع. ومنعه للقئ الصفراوى أكثر (٦) .
وهو يسكِّن العطش، ويزيل الغَمَّ الحادث عن حرارة المعدة وكثرة الصفراء فيها. وهو يقاوم حرارة المعدة. وإذا طُبخ رُبُّ الأُترُجِّ بالخلِّ، وسُقى نصف مقدار سكرجة، قتل العَلَق (٧) المبلوعة وأخرجها، لأجل شدة تقطيع هذا المشروب، وإفراط جلائه (٧) ولذعه (٩) .
стр. 143
الفصل السادس في فِعْلِه في أَعْضَاءِ النَّفْضِ
أما حماض الأُتْرُجِّ فإنه - لأجل يبوسته - يقطع الإسهال، خاصةً الإسهال الكبدى والصفراوى. وفعله ذلك ليس بقوىِّ القوة، إذ (١) يخلو (٢) هذا الحمض عن القبض القوى. ومع ذلك، فإنه لايجوز تناوله لذلك، إذا خيف من حدوث السَّحْج، لأنه لقوَّةِ لَذْعِه، يُعين على حدوث السَّحْج. ورُبُّهُ، أكثرُ قطعاً للإسهال.
وهو يسكِّن شهوة الجماع، لأجل منافاة (٣) مزاجه لمزاج المنِىِّ - وهو البرد واليبوسة - ولذلك يسكِّن غُلْمة (٤) النساء. وبزر الأُتْرُجِّ قد يطلق البطن بما فيه من الدهنية، ولا يبعد أن يكون (٥) مقوِّياً للباه، لأنه مع حرارته ذو (٦) رطوبة فضلية. كما قلناه أولاً.
وأما لحم الأُتْرُجِّ فلا فعل له فى عَقْدٍ أو إطلاق، ولكنه قد يُعين على الانتشار، فيعين على الجماع، وذلك بتوليده الرياح والنفخ. وإنما لايفعل ذلك
стр. 144
كثيراً، لأن أكثر ما يتولَّد منه من الرياح والنفخ، إنما يكون فى المعدة أو فى الأمعاء. ولأجل كثرة تولُّده لهذه فى الأمعاء، يحدث عنه كثيرا (١) : القولنج.
أما قِشْرُ ثمرة الأُتْرُجِّ فقد يحبس البطن، وعصارته تُستعمل فى الأدوية المسهلة لإصلاحها. وأما زهر الأتْرُجِّ وورقه، فإن طبيخهما قد تنطَّل (٢) به المقعدة، فينفع من الزحير (٣) الكائن من البرد. وإذا نُطِّل به البطن، حلَّل الرياح والنفخ. وكذلك الدِّهْن المتَّخذ من زهر الأترج أو قشره، وذلك لأجل ما فى ذلك من السخونة المحلِّلة، مع العطرية المقوِّية.
стр. 145
الفصل السابع في فِعْلِه في الأَمْرَاضِ التي لا اخْتِصَاصَ لها بِعُضوٍ عُضو
أما حماضُ الأُتْرُجِّ فإنه لأجل قوة بَرْده مع حموضته، هو شديدُ القمع للصفراء، وينفع كثيراً من أمراضها مثل الغِبِّ والمحرقة (١) . ويسكِّن اللهيب والحرارة، ويجلو (٢) الآثار التى تكون فى الجلد، كالنَّمَش والبَرَص والكَلَف ويُصلح اللون؛ وذلك لأجل قوة جلائه (٣) .
وينفع جداً من القوباء (٤) وذلك لأنه مع يبوسته المجفِّفة لما يكون فى القوباء من الرطوبة الحادة، هو - أيضاً - لشدة تقطيعه، يصغِّر أجزاء المادة الغليظة التى