فهذا، بيانُ كيفية فعل هذا الدواء فى البَرَصِ. ونقول (١) : وإذا كان الأمر كما قلناه، فينبغى إذا أُريد العلاج بهذا الدواء، قصد أمرين. أحدهما: أن يكون البدنُ شديدَ النقاء جداً من البلغم، وذلك بأن يُبالغ فى استفراغ البدن منه لأنه إذا لم يكن كذلك، فقد يكون تناول هذا الدواء سبباً للزيادة فى البرص. وذلك إما لتكرار معاودته - كما قلناه - لأجل وجود البلغم الفضلى فى البدن واندفاعه (٢) إلى الجلد الحادث، قبل استحكام قوته - كما ذكرناه - أو لأجل انجذاب قسط من البلغم إلى موضع البَرَصِ لأجل تسخُّنه بحرارة هذا الدواء.
وثانيهما (٣) : أن يُعان (٤) هذا الدواء على إحراق البلغم الذى يكون فى موضع البرص، وإفساده، حتى يكون مُقرِّحاً مُسقطاً للجلد المبروص. وهذه الإعانة إنما تكون بتقوية حرارته على ذلك، وذلك يكون بأمرين. أحدهما: أن يخلط معه ما يزيد فى حرارته، وذلك كما يخلط معه العاقِرُقَرْحا (٥) ونحوه. وثانيهما: أن يسخِّن موضع البرص، فتصير فيه سخونةٌ تُعين حرارة هذا الدواء على إفسادها فى ذلك الموضع من البلغم. وهذا التسخين، يتم بكشف الموضع للشمس الحارَّة، ونحو ذلك.
стр. 72
وإذا فُعل الأمران (١) ، كلاهما (٢) ، فلا شك أن فعل هذا الدواء يكون (٣) أتم. فلذلك، يؤمر متناول هذا الدواء بكشف (٤) مواضع البَرَصِ للشمس الحارة لتصيبه فتسخَّنه، ولا أقل من أن يكون ذلك بقدر ساعة أو أكثر قليلاً، وذلك بحسب قوة الشمس وضعفها؛ وأن يخلط مع هذا الدواء ما يقوى حرارته.
ثم إن المعالجين بهذا الدواء، وقع بينهم الاختلاف فى الدواء الذى يخلطونه به (٥) ؛ فبعضهم كان يخلط مع هذا الدواء مثل ربعه عاقِرقَرْحا وبعضهم كان يخلط مثل ثلثه سَلْخ الحية (٦) ومثل ثلثه ورق السِّذَاب (٧) فيكوِّن من هذين جزءٌ، ومن آطِرِيلالِ جزءٌ ونصف، يسحق كلٌّ على حدة، ويخلط الجميع. يستفُّ منه كل يوم، وزن ثلاثة دراهم، ويُردف قليلَ شرابٍ عتيق. يُفعل ذلك خمسة أيام. وبعضهم يسحق هذا الدواء، ويعجنه بالعسل، ويشرب منه كل يوم وزن مثالين بماءٍ حارٍّ. يُفعل ذلك خمسة عشر يوماً.
والأجودُ عندى أن يكون ما يُسقى من هذا الدواء فى أول الأمر، بقدرٍ يسير؛ وذلك بقدر نصف درهم، ثم يزاد قليلاً قليلاً. لأن استعمال الكثير، بغتةً
стр. 73
مما يملأُ البدن، أو يستفرِغُ، أو يسخِّنُ، أو يبرِّدُ، أو يحرِّك بنوعٍ آخر (١) من الحركة، أىَّ نوعٍ كان خطر. وكل ما (٢) كان كثيراً، فهو مقاومٌ (٣) للطبيعة مفسدٌ لها. وأما ما يكون قليلاً قليلاً، فمأمونٌ متى أردت انتقالاً من شئ إلى غيره، ومتى أردت غير ذلك.
وينبغى أن يكون استعماله، بالعسل أو بالشراب؛ لأن كل واحدٍ من هذين، فإنه يسرع نفوذه إلى ظاهر البدن. أما العسل فلأجل (٤) محبة الأعضاء له - لحلاوته - فتجذبه بسرعة، وينجذب معه ما يكون مخالطاً (٥) له من الدواء. وأما الشراب فلأجل شدة نفوذه؛ ولذلك، كان شارب الخمر يحمرُّ بسرعة، لأجل سرعة نفوذ الخمر إلى ظاهر البدن.
ونقول: إن من الناس مَنْ يحدث له تقرُّح موضع البَرَصِ عند تناول هذا الدواء مرةً واحدة. وبعضهم إنما يحدث له ذلك، إذا تكرَّر تناوله له مرات كثيرة وبعضهم يحدث له ذلك بتناوله مرتين؛ وذلك بحسب لين الجلد وكثافته، ونحو ذلك.
وإذا كان البَرَصُ فى مواضع لحميَّة، كان حدوث التقرُّح عن هذا الدواء أسرع مما إذا كان الموضع قليل اللحم. وذلك لأن الموضع اللحمىِّ، يحتبس فيه هذا الدواء مُدَّة أكثر، فيكون فعله فيه أشدُّ وأوفر، ولا كذلك الموضع المعرَّى (٦) من اللحم.
стр. 74
المقالة الثانية فىِ أَحْكَامِ الإِبْريسَم
وهو الحريرُ. وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على خمسة فصول.
стр. 75
الفصل الأول في مِاهيِيَّةِ الإِبْرِيسَمِ، وَهُوَ الحرِيرُ (١)
إنَّ جوهر الحرير شديدُ اللين، شديدُ القبول للانثناء والانعطاف؛ وهو مع كل حالٍ، عسرُ الانقطاع. فلذلك، جوهره جوهرٌ لدنٌ شديد اللدونة. كان كذلك، فهو لا محالة مركَّبٌ من جوهرٍ مائىٍّ، ومن جوهرٍ أرضىٍّ؛ والامتزاج بينهما شديد الاستحكام، كما بيَّنَّاه فيما سَلَفَ.
ولابد فى الإبرسيم من جوهرٍ هوائى، وإلا لم يكن خفيفاً؛ ولابد من جوهرٍ نارىٍّ، وإلا لم يكن فيه إشراقٌ وبريقٌ. فلذلك، لابد أن يكون جوهر الإبريسم مركباً من مائيةٍ، وأرضيةٍ، وهوائيةٍ، ونارية (٢) . وأرضيته (٣) قليلة جداً ولذلك هو شديد اللين، فإن زيادة الأرضية يلزمها الصلابة أو الهشاشة، ونحوها؛ وذلك مما لا تجده (٤) فى جوهر الإبريسم.
وأفضله، ما كان أنقى جوهراً؛ لأن طبيعة هذا الصنف - لامحالة - أخلص فيكون الفضل (٥) لها. فأفضل ذلك: ما كان مع ذلك شديد النعومة، لأن ما يكون كذلك فإن مادته تكون متشابهةً، فلا يكون فيها أجزاءٌ أرطب فتكون
стр. 76
شديدة (١) اللين، وأجزاءٌ أصلب، فتكون عسرة الامتداد، فتبقى (٢) جتمعة فى مواضع، فيصير الحريرُ (٣) لذلك، حسناً.
стр. 77
الفصل الثاني في طَبِيعَتِهِ وأَفْعَاِله علَى الإِطْلاَقِ
لما كان الحريرُ مركَّباً من أجزاءٍ مائية، وأجزاءٍ أرضية، وأجزاءٍ هوائية وأجزاءٍ نارية؛ وجب أن يكون مزاجه قريباً جداً من الاعتدال، لأن أجزاءه هذه تتقاوم، فلا تستولى طبيعةٌ منها استيلاءً تاماً (١) قوياً.
ولولا ذلك، لكان يظهر فيه الطعمُ اللازم لغلبة واحدٍ من هذه الأجزاء كالعفوصة والمرارة اللازمتين للأرضية، والحرافة والحدة اللازمتين لغلبة النارية. ومع ذلك، فيجب أن يكون الإبريسم مع قربه من الاعتدال، مائلاً إلى الحرارة واليبوسة. أما الميل إلى الحرارة، فلأمرين. أحدهما: أن (٢) ما يلزم الحرارة من الكيفيات، فإنه فيه أظهر، وذلك كالإشراق والبريق (٣) ؛ فإن البرودة تنافى ذلك ويلزمها الكمودة ونحوها. وثانيهما: أن خِلْقة الحرير، إنما هى لتكون تدفيئاً لدود القزِّ، وما يُخلق للإدفاء (٤) ، فلابد وأن يكون مائلاً إلى الحرارة.
وأما الميلُ إلى اليبوسة. ونعنى (٥) بذلك، أنه كذلك باعتبار تأثيره فى بدن
стр. 78
الإنسان؛ فيدل على يبوسته، أن ما فيه (١) من الهوائية، ليست تفيد فى ترطيب البدن. فأما الرطوبة الهوائية - وهى بمعنى سهولة الانفعال - وذلك مما يلزمه أن يكون مرطِّباً للبدن، فلذلك إنما يكون ترطيبه بالمائية فقط، وذلك مما يزيد على يُبْس الأرضية والنارية.
فلذلك، لابد وأن يكون الإبريسم، يؤثِّر فى بدن الإنسان بيبوسته فيكون لامحالة يابساً. وجوهره - لامحالة - لطيفٌ، وذلك لأجل قلَّة أرضيته، لما قلناه. وما كان كذلك، فإن نفوذه يكون أسرع وأسهل. وما كان كذلك، فإن تأثيره فى المواضع البعيدة يكون (٢) أكثر. فلذلك، تسخينُ الحرير ويُبْسه - وإن كانا (٣) ى نفسهما قليلين - فإنهما لأجل لطافة جوهر الحرير، قد يكون تأثيرهما شديداً.
وقد علمت أن من شأن الحرارة التحليل، ومن شأنه اليبوسة التجفيف. وإذا كان المجفِّف محلِّلا، كان تجفيفه شديداً؛ فكذلك يكون تجفيف الإبريسم له قوةٌ ظاهرة (٤) ، فلذلك هو مُنَقٍّ، وفيه تقطيع لأجل لطافته ونفوذه؛ فلذلك يسهل نفوذه بين أجزاء المادة فيفرِّقها إلى أجزاء، فلذلك هو مقطِّع.
وقد يُستعمل الحريرُ كما هو، وقد يستعمل مُحْرَقاً. فإذا كان محرقاً، فإنه لا محالة أشد تجفيفاً، ويكون له حِدَّةٌ ولذع، وذلك مما تحدثه (٥) فيه النارية المحرقة. فلذلك، يكون لذَّاعاً إذا لم يُغسل، وإذا غُسل فارقته الحرارة المستفادة
стр. 79
بالإحراق، ويلزم ذلك أن تفارقه الحِدَّةُ واللذع (١) . وأما تجفيفه، فلا يلزم أن يقل كثيراً؛ فكذلك الحريرُ إذا أُحرق وغُسل بعد ذلك، كان تجفيفه - مع أنه زائد - فهو خالٍ من اللذع والحدة. وأجودُ إحراقه: أن يجعل فى كوز، ويُسَدُّ رأسه ثم يودع الفرن أو يجعل فى رمادٍ حارٍّ.
وإذا كان الحريرُ غير محترق، فقد يستعمل جِرْمه، وقد تُستعمل سلاقته أو نقوعه. وإذا استُعمل جرمه، فلابد من تصغير أجزائه، وذلك قد يكون بالقرض البالغ - وهو الأفضل والأكثر - وقد يكون بالسَّحْق. وإنما يتأتَّى ذلك، إذا كان معه ما يعده لذلك، وذلك هو الأجسام الشديدة القبول للإسحاق، وهى الأجسام اليابسة، كالبُسَّذِ (٢) واللؤلؤ والكهرباء (٣) ونحو ذلك، بما يليق خلطه بالحرير.
وإذا استُعمل نقوعه أو سلاقته، فيجب أن يكون ذلك بعد إطالة مدة النقع وأن يكون النقع فى ماءٍ حارٍّ، أو فى رطوبة أخرى مسخِّنة. وكذلك، يجب أن تكثر (٤) مدة طبخه، ويكثر غليانه. والسبب فى ذلك، أن أجزاء الحرير متلازمةٌ فإنما يسهل أن تنفصل منه أجزاءٌ تُمازج المائية، إذا فُعل به ما قلناه.
стр. 80
الفصل الثالث في أَفْعَاِله في أَعْضَاءِ الرَّأْسِ
إن الإبريسمَ على ما يقوله بعضٌ، من شأنه تقوية الروح الحيوانى (١) ، وهذا الروح قد بيَّنَّا أنه يصعد قسطٌ منه إلى الدماغ (٢) ، فيعدَّل فيه ويصير روحاً نفسانياًّ. وأول صعوده إلى الدماغ، يكون به (٣) الحفظ والفكر والذكر، فلذلك
стр. 81
كان الإبريسم مقوِّياً للحفظ (١) ، لأن الروح التى بها الحفظ، شئٌ من الروح الحيوانى الذى لم يكمل بعد استحالته، حتى يصلح أن يكون حاسّاً (٢) . فلذلك (٣) ، كان تناول الإبريسمِ مقوياً للحفظ.
والاكتحال به يقوِّى البصر، وذلك لأمرين. أحدهما: تقوية الروح وثانيهما: إصلاحه لمزاج العين وتقويتها وتنقيتها من الفضول وحفظ صحتها. وذلك لأن الإبريسم مع أنه خالٍ (٤) عن جميع الكيفيات الضارَّةِ بالعين - كالحدة واللَّذْع والقبض ونحو ذلك - فهو مجفِّفٌ باعتدالٍ، وليس بشديد التسخين. وما كان كذلك، فهو شديد النفع للعين (٥) ، محلِّل لفضولها، مجفِّف لما تكوَّن فيها من الرطوبات الفضلية، لأن هذه الفضول تكثر فى العين لأجل رطوبة مزاجها.
وإذا أُحرق الحرير ثم غُسل، كان شديدُ الموافقة لقروح العين، يملأ ما يحدث (٦) فيها من الحفر ونحوه؛ وذلك لأجل تجفيفه الخالى عن اللَّذْع، لما قلناه قبل.
стр. 82
الفصل الرابع في أَفْعَالِه في أَعضَاءِ الصَّدْرِ
جميع ما له لونٌ بَهِجٌ، وإذا ورد إلى داخل بدن الإنسان، لا يتغيّر لونُهُ تغيُّراً كثيراً قبل نفوذه إلى القلب؛ فإنه من المفرِّحات. وذلك لأن هذا إذا حصل فى القلب وهو بذلك اللون، كان ما يخالط (١) منه الروح. بذلك اللون، فيفيدها نورانيةً وإشراقاً. وذلك - لامحالة - مما يسرُّ النفس، فإن النفس يسرُّها النظر إلى الأشياء المشرقة النيِّرة، وإن كانت فى الخارج؛ فكيف إذا كانت فى الخفاء التى هى الروح؟
ولذلك، فإن الروح إذا تكدَّرت وأظلمت، بمخالطة أجزاءٍ أرضية مظلمة كما يحدث عن البخارِ السوداوىِّ أو (٢) الهواءِ الكَدِرِ، ونحو ذلك. فإن النفس تنقبض لذلك، وتحصل حالةٌ تُسمَّى ضيق الصدر ونحو ذلك من (٣) جملة هذه. فلذلك، كانت الأشياء التى لها ألوانٌ مشرقة بهجة مفرِّحةً للنفس؛ وهذه الأشياء كالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزعفران ونحو ذلك. ومن جملة هذه الأشياء: الإبريسم. ولذلك، كان الإبريسم من المفرِّحات. وهو يفرِّح - أيضاً - بالنظر إليه، كما قلناه فى الأشياء البهجة.
ومع أن الإبريسم يفرِّح، فهو أيضاً يقوِّى القلب؛ وذلك لأجل مناسبته لمزاجه المائل إلى الحرارة واليبوسة. وأعنى بذلك، أنه يقوِّى القلب الذى مزاجه
стр. 83
إلى بردٍ، لأنه يعدِّل مزاجه. وأما إذا كان مزاج القلب حارّاً يابساً - أى أزيد حرارةً ويبوسةً مما ينبغى أن يكون له - فإن الإبريسم حينئذٍ لا يقوِّيه، بل ربما أضعفه، بما يزيده فى سوء المزاج الحار اليابس.
وإذ الإبريسم يفرِّح (١) ويقوِّى القلب، فهو لا محالة مقوٍّ (٢) للطبيعة. فلذلك يقوى الأفعال الصادرة عن الطبيعة، كدفع الفضول ونحو ذلك. ولذلك، اُختير لبسه فى الحروب، لأنه يشجِّع القلب، بتقويته (٣) وتفريحه.
стр. 84
الفصل الخامس في أَفْعَالِه في الأَحْوَالِ الَّتِي لا خُصُوصِيَّةَ لهَا بعُضْوٍ عُضْو
إن الإبريسم له فى هذه الأحوال أفعالٌ (١) ، بلبسه، وله فيها أفعالٌ إذا تُنُوِّل (٢) . وذلك لأن الحرير لما كان شديد النعومة، فإن لبسه لا محالة مُسمِّن فإن من المهزولات، لما تعرفه بعد: لبسُ الخشن! وذلك لأن الملبوس الخشن بزيادة حَكَّه للجلد، محلِّلٌ - كثيراً - ما يكون عنده من الرطوبات، وذلك من أسباب اليبوسة والهزال. وإذا كان كذلك، فلبس الناعم من أسباب رطوبة الجلد، وسمنه، ولينه.
وأيضاً، فإن الحرير محلِّل، ومع تحليله، فإنه غير جاذبٍ، لأن حرارته ليست بكثيرة جداً، كما فى القطن. فلذلك، كان لبس الحرير يمنع تولُّد القمل وذلك لأجل تحليله مادة الرطوبات (٣) الفضلية، ولا كذلك لبس الكِتَّان والقطن. أما الكِتَّان فإنه يحبس مادة القمل عن التحلُّل، وذلك لأجل برده ويبوسته المضيِّقين لمسام البدن. وأما القطن فلأنه لقوة حرارته، يجذب الرطوبات كثيراً إلى ناحية الجلد؛ فلذلك، كان لبس القطن يولِّد القمل كثيراً.
أما فعل الحرير بالتناول، فإنه يحسِّن اللون. وذلك لأجل تفريحه الذى
стр. 85
(هو) (١) يلزمه زيادة حركة الدم إلى ظاهر البدن؛ ولذلك، هو يسمِّن أيضاً. وذلك لأجل تحريك الفرح الحادث عنه للدم، إلى ظاهر البدن. ولذلك، كان الفرح والسرور من المسمِّنات؛ وذلك لأن المفرِّحات تُلَيِّنُ الجلد وترطِّب (٢) وذلك لأجل كثرة تحرُّك الرطوبات إليه.
وأيضاً، فإن تَنَاول الحريرِ بتقويته للطبيعة، يجود معه فعلُ الطبيعة فى مادة الغذاء، ويُلزم ذلك، أن يكون مسمِّناً. والسمنَّيةُ هنا (٣) ، بما هو دواءٌ؛ لا لأنه يزيد فى الغذاء باستحالته إليه، ونحو ذلك، فإن جوهر الحرير تغلب (٤) فيه الهوائية وما كان كذلك، فإنه لا يصلح للتغذية. ولذلك (٥) ، فإن الحرير من الأدوية الصِّرْفة (٦) ، لا من الأدوية الغذائية.
стр. 86
المقالة الثالثة فىِ أَحْكَامِ الأَبنُوسِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على خمسة فصول.
стр. 87
الفصل الأول في مِاهِيَّةِ الأَبَنُوسِ
الأبنوسُ خشبٌ كثيفٌ صلبٌ رزينٌ، ذو رائحةٍ تفوح منه إذا تبخَّر بالنار داخله أسود، وظاهره بيِّنُ البياض والحمرة. وربما كان فى داخله عروقٌ هى كذلك أيضاً، وسواده ذو إشراق. ويوجد فى طعمه قبضٌ، وربما كان منه ما يلذع اللسان ويقبضه بقوة. ومائيته قليلةٌ، ولذلك لايسوِّس سريعاً. ومادام حديثاً، يكون فيه رسومه؛ فإذا عتق كثيراً، فارقته، لأجل انحلال شئ (١) من مائيته وهوائيته (٢) . ومنه هندىٌ، ومنه حبشىٌّ؛ وهو أفضل أنواعه. وأفضل هذا النوع، ما كان أملسٌ خالصُ السواد.
وإذا حُكَّ الأبنوس على جسمٍ صلبٍ، كالمسمن، مع بعض الرطوبات. انحلَّت منه حكاكةٌ يستعملها الحكَّاكون. وإنما كان الأملس أفضل، لأن الملامسة إنما تكون لتشابه أجزاء المادة. وإنما كان الخالص السواد أفضل، لأنه إنما يكون كذلك، إذا كانت أجزاؤه متشابهةً، وكانت القوة الفاعلة لسواده، قويةً (٣) تامة.
стр. 88
الفصل الثاني في طَبِيعِتِهِ وأَفْعَاِلهِ مُطْلَقاً
الصلابةُ قد تكون لقوة الانعقاد، وقد تكون لكثرة الأرضية، وقد تكون للأمرين جميعاً. وصلابةُ الأبنوس لكثرة أرضيته، ولذلك هو رزينٌ. وسوادُه (١) لفعل الحرارة المدخنة، إذ سواده مع إشراق؛ والسواد الكائن عن البرد، يكون إلى كمودةٍ.
فلذلك، لابد وأن يكون جوهر الأبنوسِ من أرضية وحرارة، وليس فيه هوائية يعتدُّ بها، (وإلا) (٢) كان يجف، فلم يكن رزيناً.
فلذلك، لابد وأن يكون طبع الأبنوسِ حاراً يابساً، فلابد وأن يكون مجفِّفاً. ومحروقه - لامحالة - أشدُّ حرارةً ويبوسة، ودون ذلك نشارته ونحاتته، لأن هذين لابد وأن يُحدث لهما (٣) بالنشر والنحت، حرارةٌ تقارب الحرارة المحرقة.
فلما كان طبع الأبنوسِ كذلك، فهو لامحالة ملطفٌ، محلِّلٌ، جالٍ بما فيه من الحرارة، ومجففٌ بما فيه من اليبوسة، مُنقٍّ لما فيه من التحليل والجلاء والتجفيف؛ فلذلك، من شأنه إفناء الرطوبات الفضلية. وحرارته ليست بقويةٍ جداً، وإلا كان يكون لذَّاعاً؛ وهو ليس كذلك.
стр. 89
الفصل الثالث في فِعْلِهِ في أَعْضاءِ الرَّأْسِ
قد علمتَ أن الأبنوسَ حارٌّ، يابسٌ، ملطفٌ، مجفِّفٌ بلا لذع، جالٍ منقٍّ. فلذلك (١) ، هو نافعٌ للقروح، خاصةً قروح العين، حتى الغميض منها ينقِّيها، ويجفِّفها، ويجلو (٢) الآثار التى تكون فى القرنية، لما فيه من الجلاء خاصةً إذا أُحرق. ويجلو (٣) البصر لتلطيفه (٤) الروح، وتحليله فضولها، ولجلائه ما يكون أمام الحدقة من الأشياء المكدِّرة للبصر.
ويحلِّل فضول العين، ويجفِّفها. فلذلك، ينشِّفها من الرطوبات الفضلية وينشِّفها من الدموع، ويمنع تجلُّب الفضول إلى العين، وسيلان الرطوبات إليها وذلك لأجل سَدِّه طرق (٥) هذه الرطوبات، بما فيه من التجفيف.
وينفع أيضاً (..) (٦) وذلك لما فيه من التحليل والجلاء، ولذلك هو ضِدّ (٧)
стр. 90
للنفاطات (١) فى العين. وهو يُنبت أهداب العين، بما فيه من الحرارة الجاذبة للمادة، والقبض المضيق للمسام، والتجفيف المزيل (٢) للفضول.
ويُستعمل فى العين، تارةً، حكاكتُه على حجر المسن. وتارةً بأن تحك (٣) عليه أدوية العين، فما يحكُّ على المسن؛ وذلك إذا كان المراد بتلك الأدوية التحليل والتجفيف والجلاء ونحو ذلك. وتارةً بأن يُحرق ثم يُغسل، فيكون حينئذٍ نافعاً للرمد اليابس، وللحكَّة فى العين، وللجرب فى الأجفان. وفائدة إحراقه حينئذٍ، أن يزداد جفافه ويبوسته؛ وفائدة غسله بعد الإحراق، إزالة ما يكسبه بالإحراق من الحدة واللذع.
وتارةً، يُستعمل الأبنوسُ للعين، بأن تُنقع نشارته ونحاتته فى شرابٍ يوماً وليلة، ثم ينعَّم جداً - سحقاً - ثم تتخذ (٤) منه شيافات (٥) . أو يُسحق أولاً، ثم ينقع فى الشراب، ثم يعمل شيافات. والغرض بالشراب، تارةً زيادة التحليل وتارةً تقوية العين.
стр. 91
الفصل الرابع في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الغِذَاءِ
إن الأبنوسَ لأجل أرضيته ويبوسته، ليس يصلح للتغذية؛ فلذلك (١) ، هو دواءٌ صِرْفٌ. وقد قيل إنه مع حراراته، يطفئ حرارة الدم ويُبْسه. يكون (٢) ذلك لأجل أنجرة الدم الحارة.
وللأبنوس نفعٌ فى النفخة العارضة فى المعدة، وللبلَّة المتقادمة فيها، وذلك لما فيه من التحليل والتجفيف.
стр. 92
الفصل الخامس في فِعْلِهِ في أَعْضَاءِ النفْضِ
لما كانت قوةُ الأبنوس قوةً حادة لطيفة، فله نفعٌ فى تفتيت الحصاة، خاصة إذا كان مُحْرَقاً وغير مغسول، وذلك لأجل زيادة حِدَّة هذا المُحْرَق.
ولبنُ الأبنوس حارٌّ، لطيفٌ جداً، فهو لامحالة مفتِّح للسُّدَد. وإذا أُحرق فلا يبعد أن يكون مدرّاً للبول (١) .
стр. 93
المقالة الرابعة فىِ أَحْكَامِ الأَبْهَلِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على خمسة فصول.
стр. 94
الفصل الأول في مَاهِيَّةِ الأَبْهَلِ
قد اتفق الأطباءُ فى زماننا، وما قبله، على إطلاق لفظ الأبهل على ثمرٍ مستديرٍ، لونه إلى الحمرة، قدره دون الجوز المأكول وأكبر من العَفْص (١) ومن البندق ونحوهما. ظاهره حلو الطعم إلى مرارة وقَبْض، وفى باطنه شئ كالصوف. وهو ثمرٌ معروفٌ، مفهوم من لفظ الأبهل عند الأطباء.
ثم إنهم اختلفوا فى شجر هذا الثمر، هل هو العرعر (٢) أو هو غير العرعر؟ (٣) وهذا الخلاف لايجوز أن يكون فى أن هذا الشجر: هل يصحُّ أن يسمى بالعرعر أو ليس؟ فإن ذلك ما لا يُنازع فيه فى العلوم، ولكل أحدٍ أن يسمِّى ما شاء بما شاء. بل إن هذا الخلاف إنما هو فى أن هذا الشجر: هل هو الشجر الذى نسميه بالعرعر، أو ليس؟ وهذا الخلاف لسنا نتشدَّد فى تصحيح أحد الرأيين فيه فإنه (٤) لاسبيل إلى ذلك بالبرهان.
стр. 95
ونعنى بقولنا الآن: أبهل. هذا الثمر المعروف، ولا علينا من اسم شجره ولا ما الذى سماه به د (١) . وإذا بيَّنَّا أحكام الأبهل، فإنما نعنى بذلك هذا الثمر المعروف هنا، خلافاً للأطباء (٢) فى: هذا هو ما وقع فى كلام د من الأمر الملْبس وذلك لأنه (٣) ذكر أولاً العرعر وقسَّمه على قسمين، ووصف ثمره بأوصافٍ هى هى فى هذا الثمر. ثم أعقب ذلك بذكر الأبهل وقسَّمه أيضاً على قسمين ولم يذكر له ثمراً! فتحيَّر الأطباءُ فى كلامه؛ فبعضهم استبعد أن يكون شجر الأبهل هو العرعر. وقد ذكر الأبهل عقيب ذكر العرعر فإن هذا يدل على اختلافهما عنده. فلذلك، قال هؤلاء: إن شجر الأبهل غير العرعر وبعضهم لما رأى الثمر الذى وصفه د للعرعر، ليس إلا هذا الثمر الذى يُعرف الآن بالأبهل، فلذلك (ظنَّ أن هذا الثمر هو ثمر العرعر وأن العرعر هو شجر الأبهل وما ذكره حين ذكر الأبهل إنما أراد بذلك) (٤) تبيين صفات ذلك الشجر.
ونحن لا نتعصَّب لأحد هذين الرأيين، ولا يظهر لنا - أيضاً - من كلام د أىُّ هذين الرأيين هو الحق. ونحن نكتب ها هنا كلام د بحاله، ليكون لمن يأتى بعدنا أن ينظر فى ترجيح أحد هذين الرأيين على الآخر. وهذا كلامه، قال:
* أرقوليس وهو العرعر منه ما يكون كبيراً ومنه ما يكون صغيراً. وكلاهما (٥) يسخِّنان ويلطِّفان ويدرَّان (٦) البول، وإذا دُخَّنَ
стр. 96
بهما، طردا الهوام. ولهما ثمرٌ منه ما يؤخذ عظمه مثل عظم البندق ومنه ما يوجد (١) على عظم الباقلاء. غير أنه كله مستديرٌ، طيبُ الرائحة، حلو، فيه شئ من مرارة. ويقال له أرتوشيس.
وهو يسخِّن إسخاناً يسيراً فائقاً. وهو جيدٌ للمعدة، فإذا شُرب كان صالحاً لأوجاع الصدر والسعال والنفخ والمغص، ويدرُّ البول ويوافق شدخ العضل وأوجاع الأرحام.
(٢) براننى ومن الناس مَنْ يسميه برانى وهو الأبهل. والأبهل صنفان، وذلك أن ما ورقه شبيهُ بورق السرو (٣) وهو أكثر شوكاً من غيره من الأبهل كريه الرائحة؛ وهذه الشجرة مستديرةٌ، تذهب فى العرض أكثر منها فى الطول، ومن الناس من يستعمل ورقها بدلاً من البخور.. ومنه ما ورقه شبيه بورق الطرفاء (٤) . وورق كُلاَّ من الصنفين، يمنع سعى القروح الخبيثة.
هذا كلامه، ولم يذكر بعد هذا، في الأبهل إلا ما عدَّده من المنافع. وإلى الآن، لم يظهر لي من كلامه، ما يدل دلالةً واضحةً على أن شجر هذا الثمر
стр. 97
المعروف المشهور باسم الأبهل هل هو العرعر أو غيره؟ ولستُ ممن يبذل جهده فى تعرُّف ذلك! فقد انتصب لذلك قومٌ آخرون. فمن أحبَّ الحظوة برؤيته هذه المعرفة، فلْيراجع كلامه مُراجعة المتقِن، لتأمُّله. ولعل غيرى يقف على ذلك بسهولة. ولعل الله يفتح (١) علىَّ بذلك، فى غير هذا الوقت، فأكتبه فى غير هذا الموضع (٢) .
ولما كان طعم هذا الثمر مركباً من حلاوةٍ ومرارةٍ وقبض، فبالضرورة - ولابد - أن (٣) يكون جوهره مركباً، أعنى بذلك أنه (٤) لابدَّ أن يكون مركَّباً تركيباً ثانياً، بمزاجٍ ثانٍ، كما بيَّنَّاه فى الجزء الأول من هذا الفن الثالث.
ولأن جوهر هذا الثمر، لابدَّ وأن يكون من جواهر مختلفة، وذلك لأن هذا الثمر لابدَّ وأن يكون فيه مائيةٌ وأرضيةٌ، أعنى أنه لابد وأن يكون فيه جوهران ممتزجان، أحدهما يغلب عليه الأُسطقس (٥) المائى، والآخر يغلب عليه الأُسطقس الأرضى. وإنما كان كذلك، لأن هذا الثمر إذا كان رطباً، فإنه - لامحالة - يقبل
стр. 98
الاعتصار، حتى يكون له عصارةٌ يغلب فيها الماء، وهى المائية، وثفل تغلب (١) فيه الأرضية - وهى الأرضية (٢) - وإذا جفَّ هذا الثمر، فإنه حينئذٍ وإن كان لايقبل الاعتصار (٣) ، لأنه لابد وأن يكون بعد، فيه شئٌ من تلك المائية. إذ لو كانت طبيعة هذا الثمر، أن (٤) يقوم بدون تلك المائية، فوجدتها أولاً - وليس كذلك - فلذلك،كان لابد وأن يكون هذا الثمر بعد جفافه، فيه شئ من تلك المائية، لكن ذلك الباقى يكون يسيراً جداً.
فإذن، لابدّ (٥) وأن يكون فى جوهر هذا الثمر أرضيةٌ ومائيةٌ معاً. والمائيةُ لاطعم لها، لأنها لا تكون إلا تَفِهَةٌ (٦) . فلذلك، حدوث الطعم فى هذا الثمر إنما يكون للجزء الأرضى الذى فيه. فلابدَّ وأن يكون هذا الجزءُ الأرضىُّ مختلفاً لأجل اختلاف طعوم هذا الثمر.
فلذلك، لابد وأن تكون أرضية هذا الثمر، بعضها باردة، وهذه هى الأرضية التى لابد منها فى حدوث الطعم القابض، ولابد وأن يكون بعضها - أيضاً - شديد الحرارة، محترقة؛ وهذه هى الأرضية التى لابد منها فى حدوث الطعم المُرِّ. ولابد وأن يكون بعضها حارّاً حرارةً متوسطة، وهذه هى الأرضيةُ التى لابد منها فى حدوث الطعم الحلو.
فلذلك، لابد وأن تكون (٧) أرضية هذا الثمر، ثلاثةَ أقسامٍ: باردة، وحارة
стр. 99
محرقة، وحارة باعتدال. وأرضية هذا الثمر، لابد وأن تكون أزيد من مائيته ويظهر ذلك إذا اعتصر، وذلك إذا كان رطباً، وأما إذا يبس، فإن مائيته تقلُّ جداً، وتبقى أرضيته بحالها، فلذلك تكون (١) بالنسبة إلى المائية، كثيرةٌ جداً.
وكثرةُ الأرضية، يلزمها رزانةُ الجرم، وذلك لأجل زيادة ثقل الأرض، فلو لم يكن فى جوهر هذا الثمر، ما يوجب خِفَّته، لكان يكون ثقيلاً جداً. فلذلك لابد وأن يكون فى جوهره هوائيةٌ، تُحدث له الخِفَّةُ.
وهذه الهوائية، تكون أولاً يسيرةٌ، وبالقدر الذى لابد منه فى تحقُّق هذا الثمر؛ ثم بعد ذلك يزداد، إذا أُنقصت (٢) المائية. وذلك، لأن نقصان هذه المائية لابد وأن يلزمه خلو مواضع من تلك المائية. وليست هذه المواضع جميعها تمتلئ بجرم هذا الثمر، وذلك بأن تتجمَّع أجزاؤه، حتى لايبقى فيه فروج (٣) - وذلك لأن جرم هذا الثمر صلبٌ لايسهل فيه هذا التجمُّع - فلابد وأن يبقى فيه فُرَجٌ وتلك (٤) الفُرَجُ لو لم يملأها جوهرٌ هوائى، لزم أن تبقى خالية. والخلاءُ محال (٥) . فلذلك، لابد وأن تتحرَّك (٦) إلى هذه الفروج هوائيةٌ تملأها، ويلزم ذلك، زيادة
стр. 100
الهوائية فى هذا الثمر إذا جفَّ. فلذلك، لابد وأن يكون فى جوهره: مائيةٌ وهوائيةٌ وأرضيةٌ.
وهذا الثمر رائحته حادةٌ، وحدَّةُ الرائحة إنما تكون لجوهرٍ نارىٍّ. فلذلك هذا الثمر لابدَّ وأن يكون فيه جوهرٌ مائىٌّ وجوهرٌ أرضىٌّ على ثلاثة أصناف وجوهرٌ هوائىٌّ نارىٌّ. وهذا الجوهرُ النارىُّ فى هذا الثمر، قليلٌ جداً، وإلا كان يظهر له طعمٌ، وهو الحرافة.
فلذلك، الجوهر (١) الغالب فى هذا الثمر هو الأرضية، واليابس منه يغلب فيه - بعد هذه الأرضية - الجوهرُ الهوائىُّ، ثم المائىُّ، ثم النارىُّ. وأما الرطب من هذا الثمر، فإنه يغلب فيه بعدُ الأرضية، المائيةُ، ثم الهوائية، ثم النارية.
ولما كان جوهرُ هذا الثمر كذلك، فهو - لامحالة - بعيدٌ عن التغذية خاصةً اليابس منه. فلذلك، هذا الدواء يكاد يكون صِرْفاً، لاغذائية فيه البتة ولابد وأن يكون جوهره لطيفاً، لأن أرضيته الباردة قليلة جداً، وباقى أرضيته لابدَّ وأن يكون مائلاً (٢) إلى لطيف، لأجل الحرارة الملطِّفة لها.
стр. 101
الفصل الثاني في طَبِيعَتِهِ وأَفْعَالِه علَى الإِطْلاَقِ
لما كان هذا الثمر فيه ناريةٌ، وهوائيةٌ كثيرة، وأرضيةٌ كثيرةٌ حارَّةٌ. وكان ما فيه من الأجزاء الباردة، وهى الأرضية والمائية، القابضة، كل منهما قليلاً - وذلك إذا كان هذا الثمر جافاً - وجب (١) بالضرورة، أن يكون هذا الثمر حارّاً ولما كانت الأرضيةُ فيه غالبةٌ، والهوائيةُ؛ لايدخل (٢) فى ترطيب البدن.
والمائيةُ فى هذا الثمر - إذا جفَّ - قليلةٌ، فوجب (٣) أن يكون هذا الدواء ميبِّساً للبدن. فلذلك، يكون دواءً يابساً خاصةً، وما فيه من النارية يابسٌ أيضاً.
وإذ (٤) هذا الدواء يابسٌ، والأرضيةُ فيه غالبةٌ؛ فهو لامحالةَ مجفِّفٌ (٥) خاصةً وهو لأجل حرارته محلِّلٌ. فلأجل ذلك، لابد وأن يكون تجفيفه شديداً. ولما كان مُرّاً، فهو لامحالة جلاَّءٌ مفتِّحٌ. وإذ (٦) هو جلاَّءٌ ومجفِّف، فهو لامحالة مُنَقِّ (٧) . وفعله ذلك، بغير لذعٍ (٨) ظاهرٍ، لأن النارية في الثمر يسيرةٌ جداً
стр. 102
فلذلك هو يفعل هذه الأفعال بغير لذع. فلذلك، هو دواءٌ نافع جداً للقروح.
ولأن جوهره إلى لطفٍ، وهو مع ذلك جلاَّءٌ محلَّلٌ. فلذلك، لابد وأن يكون مدرّاً (١) للبول. ولما كان مع ذلك، حارّاً محرِّكاً للدم ملطِّفاً (٢) لقوامه بما فيه من الحرارة، فهو لا محالةَ مدرٌّ للحَيْض (٣) . وإذ فى طعم هذا الثمر قبض، هو - لذلك - قابضٌ مقوٍّ للأعضاء.
стр. 103
الفصل الثالث في فِعْلِه أَعْضَاءِ الَّرأْسِ
لما كان هذا الأبهلُ مجفِّفاً محلِّلاً منقِّياً، فهو لامحالة يُفنى الرطوبات الفضلية خاصةً من عضوٍ شديد القبول للانفعال، لأجل إفراط لينه. فلذلك، صار الأبهلُ ينشِّف رطوبات اللَّثة ويجفِّفها، فهو - لذلك - يُزيل الرطوبة المرخية لها. فلذلك، هو يشدُّ اللثة ويقوِّيها، لأنه يجمع أجزائها، ويُذهب بَلَّها.
وإذ (١) كان كذلك، فهو لامحالة يطيِّب النكهة (٢) ، لأنه يُذهب الرطوبات الفضلية المعِدَّة للعفونة الموجبة لفساد الرائحة ونَتْنها.
وإذا أُحرق الأبهلُ فلا محالة أن تجفيفه لرطوبات اللَّثة يكون أكثر، فيكون تشديده لها أكثر. وكذلك إذ خُلط بالعسل، بعد المبالغة فى سحقه؛ كان شديد النفع لِلَّثةِ العفنة (٣) المرتخية، وذلك لأجل إعانة العسل له بالجلاء والتحليل.
وإذا طُبخ ثمر الأبهل فى آنيةٍ من الحديد (٤) وكان طبخه فى الخلِّ فإن ذلك الخلَّ إذا قُطِّر فى الأذن الصَّمَّاء، نَفَعَ جداً. وذلك، لما فى هذا الخلِّ من تلطيفِ المادة الصَّامَّةِ للأذن وتقطيعها، وذلك بما هو خَلٌّ ولما فيه من التحليل القوى والتسخينُ، لأجل ما فيه من سحيق الأبهل ولما فيه من زيادة القَبْض والتقويةُ،
стр. 104
بما فيه من قوة الحديد (١) . هذا، مع التجفيف الشديد جدّاً، المزيل للرطوبة المرخية لعصب السمع (وهذا التجفيف يحدث من الخلِّ نفسه، ومن القوة المستفادة من الحديد ولما فى هذا الخل) (٢) من سحيق الأبهل (٣) .
стр. 105
الفصل الرابع في فِعْلِهِ في أَعْضَاءِ النَّفْضِ (١)
إنَّ هذا الدواء، لما كان حارّاً مُرّاً؛ فهو لامحالة بعيدٌ عن طبيعة الحياة (٢) . فلذلك، هو قاتلٌ للدود، وللجنين أيضاً! وقد بَيَّنَّا أنه، لقوة حرارته، مع قوة جَلْيه (٣) ولطافته؛ لابد وأن يكون تفتيحه شديداً.
فلذلك، لابد وأن يكون دواءً مدرّاً (٤) للحَيْض. ولأنه يقتل الجنين، ويدرُّ الحيض؛ فهو لذلك يُخرج الجنين، سواءً كان ذلك الجنين - قبل استعماله - حيّاً أو ميتاً.
وقد يبلغ من قوة إدراره، أن يَبُوِّل الدم؛ لأن المدِرَّ لابد وأن يكون من شأنه تحريك الرطوبات من محدَّب الكبد، إلى جهة الكلى والمثانة. وإذا كان فعله هذا قوياً، فقد يحرِّك الرطوبات المخالطة للدم إلى هناك، ويُلزم ذلك أن يَبُوِّل الدم.
ويبلغ من قوة قتله للجنين وإخراجه له، أنه يفعل ذلك إذا تحمَّلته المرأة، بل وإذا تدخَّنت به. وكذلك، يبلغ من قتله الديدان، أن يقتل حَبَّ القَرْعِ (٥) .
стр. 106
ويجب أن يجتنبه المحزونون، حتى من النساء (١) . وكذلك مَن كانت مِن النساء ضعيفة الأسافل، وذلك لأجل شدة تحريكه الفضول إلى جهة الأسافل.
وإذا أُخذ من ثمرة هذا الدواء، زنة عشرة دراهم، فطُبخ مع قدر ما يغمره من السَّمن، إلى أن يذهب السمن، واستُعمل منه كل يومٍ وَزْنُ درهمين؛ نفع ما يحدث فى أسفل البطن، من الوجع العارض عن البواسير. وذلك لأجل تحليله المادة الموجعة. وينبغى أن يكون تناول ذلك، على الريق (٢) .
стр. 107
الفصل الخامس في فِعْلِهِ في الأمْرَاضِ الَّتِي لا اختِصَاصَ لهَا بعُضْوٍ
لما كان هذا الدواء يابساً مجفِّفاً منفِّساً، وجب أن يكون نافعاً فى القروح والجراحات - الطرية منها وغير الطرية - لكنه لأجل حِدَّته وقوة حرارته وإلهابه صار يضرُّ الجراحات لأنه يَلْحَفُهَا (١) .
وأما القروح، فما (٢) كان منها كثيرَ الرطوبة جداً، فإنه ينفع منها، لأجل قوة تجفيفه - لأجل شدة يبوسته مع إفراط حرارته - مع أن هذه القروح، لأجل كثرة وَضَرِها (٣) ورطوبتها، لا تتأثرَّ بلذعه (٤) وحِدَّتِه كثيراً. فلذلك، كان هذا الدواء، مع إضراره بالجراحات وبالقروح النقية، وهو شديد النفع من (٥) القروح العفنة والرديئة والعتيقة والوسخة، وكذلك القروح المسودَّة، وكذلك القروح
стр. 108
التى مضى عليها زمانٌ طويلٌ جداً. لأن جميع هذه القروح، لابد وأن تكون كثيرة الوسخ والرطوبة، فيكون فيها ما يكسر حِدَّة هذا الدواء (١) ، فلا تنفعل عن لذعه، ويكون هو شديد التنقية لها، خاصةً إذا كان مخلوطاً بالعسل، لأن العسل يعينه على ذلك، بجلائه (٢) ، وبأن يسيل فيستصحب معه هذا الدواء ويوصله إلى جميع أجزاء هذه القروح.
وكذلك، هو نافعٌ جداً فى تنقية سواد الجلد وأوساخه التى تكثر لأجل كثرة فضول البدن، وذلك لأجل حِدَّة - شدة - جلاء هذا الدواء. وكذلك، يبلغ من جلائه، أن يقشِّر خشكريشة الحمرة (٣) ونحوها (٤) .
والمسحوق من هذا الدواء، مع الخلِّ إذا طُلى به دَاءُ الثعلب (٥) أبرأه وذلك، لم فيه من الجلاء والتجفيف. والخلُّ يعينه على ذلك بتقطيعه وتلطيفه.
ونقول: إن هذا الدواء حارٌّ لطيفٌ، ولذلك صار يوضع فى الأدهان الحارَّة
стр. 109
كدهن عقيد العنب وكذلك يوضع فى المعاجين الحارة ونحوها. وإذا سُحقت أُوقيةٌ من ثمرة هذا الدواء، مع أُوقيةٍ من السَّمْن، ولُعق ذلك، نفع جداً من الربو لأجل تلطيفه المادة السَّادَّة لمجارى النَّفَس، مع تفتيحه المهيئ لهذه المادة للخروج بالنَّفَثِ.
стр. 110
المقالة الخامسة فىِ أَحْكَامِ الأبَارِ
وكلامُنا فيه، يشتمل على خمسة فصول.