← Медицина

Медицина · id 240

الشامل في الصناعة الطبية

ابن النفيس

Полный текст (449 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصفراوى ونحوه - فإن الذى ليس كذلك، قد يضرُّ الرمد بما يتبخَّر منه. فلذلك التنفُّل بالقراسيا شديدُ النفع فى الرمد الصفراوى. وعصارةُ هذا النبات، وطبيخُ قُضبانه وأصوله، كل ذلك نافعٌ لأورام الحلْق يمنع النوازل إلى اللهاة واللوزتين، ويشدُّ اللَّثَة. وذلك إذا تُمِضْمِضَ به، وذلك لما فى هذه الأجزاء من القبض، لأجل كثرة الأرضية فيها. وكذلك، جميع أوراق الأشجار التى فيها قبضٌ. والاكتحال بصمغ الإجَّاص يحدُّ البصر، وذلك لما فيه من التلطيف الملطِّف للروح الذى فى العين. وكذلك، هذا الصمغ يُدمل قروح العين، وذلك لما فيه من (١) الغروية (٢) والتجفيف، لكنه - لحِدَّته (٣) - إنما يُستعمل إذا كان معه (٤) ما يسكِّن حِدَّته كالإسفيذاج والكُثيراء (٥) ، ونحو ذلك.

стр. 177

الفصل الرابع في فِعْلِه في أَعْضاءِ الصَّدْرِ إنَّ ثمر الإجَّاص شديد التطئفة للهيب القلب (١) ، ولذلك هو شديدُ النفع لمن قلبه حارٌّ، ولذلك فإنَّ شرابه من أوفق الأشربة للمحمومين بالحمِّيات الحادة خاصةٌ الصفراوية. وشرابه لايكاد يضرُّ أصحاب السعال من المحمومين، إذا لم يكن سعالهم عن ذات الجنْبِ (٢) وذلك لأجل قِلَّة حموضته، مع أن حموضته لا لذع (٣) معها ولا قبض. ولذلك، يُختار لأصحاب السعال من المحمومين، شراب الإجَّاص الكبار دون شراب القراسيا وذلك، لأجل القبض الذى فى شراب القراسيا. وأما

стр. 178

أصحاب ذات الجنب، فإن شُرْبهم (١) الإجَّاص يضرُّهم (٢) بما فيه من اللزوجة فإن هذه اللزوجة تغلِّظ النفث، فلا يسهل خروجه. وإذا احتيج فى أمراض الصدر وأوجاعه، إلى تناول حامض؛ فلا شئ كالإجَّاص وشرابه، لخلوهما عن الحِدَّة والقَبْض.

стр. 179

الفصل الخامس في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الغِذَاءِ إن الإجَّاص قليل الغذاء، وذلك لأن رطوبته مائيةٌ لايسهُل انعقادُها إلى جوهر الأعضاء. وما كان منه أكثر (١) أرضية، كالإجَّاص الكبار؛ فهو أكثر تغذيةٌ من الإجَّاص المائى المعروف بالصيفى، والأبيض المسمَّى بالشاهلوج. لأن هذا النوع كثيرُ المائية جداً. ولايخلو (٢) الإجَّاص من إرخاءِ المعدة، وما كان منه أكثر مائيةً - كالحلو والشاهلوج والصيفى - فهو أكثر إرخاءً للمعدة. وما كان منه أقبض طعماً كالقراسيا المعروفة بالمجهولة؛ ففيها تقويةٌ للمعدة، وتمنع (٣) القئ الصفراوى (٤) وذلك بما فيها من القبض، وكذلك شرابها. ولذلك يؤمر المحمومون بالتنفُّل (٥) بها، مع السُّكَّر. والإكثار من القراسيا المعروفة بالبعلبكية، تُحدث الغثيان لأجل حلاوتها. وأصحاب المعدة الحارَّة، لايتضرَّرون بالإجَّاص، بل ينتفعون به جداً لتعديله مزاج المعدة، وتسكينه المرة الصفراء المتولِّدة بسبب حرارة المعدة. اللهمَّ

стр. 180

إلا أن تكون (١) معدهم - مع حرارتها - ضعيفةً كثيرةَ الرطوبة (٢) . ولا يحتاجون كثيراً إلى تناول السِّكَنْجَين (٣) بعد تناول الإجَّاص. وأما الذين معدهم باردةٌ (٤) ، فهم يتضرَّرون بكثرة تناول الإجَّاص وينبغى أن يردفوه بأكل العسل وشُرْب مائه (٥) ، وشُرْب الشراب الصِّرْف، وأكل الجلَنْجَبين (٦) السُّكَّرى أو العسلى، بحسب قوة برد المعدة وضعفه. وقد يحتاجون مع ذلك إلى مثل الكُنْدُر (٧) أو المصطكى (٨) ونحو ذلك، مما ينفع بلَّة المعدة. والحامضُ من الإجَّاص أقل إرخاء (٩) للمعدة، لأنه أقل مائيةً، لأجل تحلُّل

стр. 181

كثير من مائيته بالغليان المحدث للحموضة. والإجَّاصُ الفَجُّ وهو الذى أخذ فى النضج، شديدُ القمع (١) للصفراء، موافقٌ للمعدة الحارة؛ وذلك لأجل برده، مع القَبْض الذى يكون فيه لأجل فَجَاجَة مائيته وجمودها (٢) . وأما الذى لم يأخذ بعدُ فى النضج، فهو كثير التقوية للمعدة الحارة، ويمنع القئ الصفراوى جداً؛ وذلك لأن هذا يكون بعدُ إلى عفونةٍ، فيكون جَمَّاعاً لأجزاء المعدة، فيكون مقوِّياً لجرمها. والطعام المتَّخذُ من اللحم والإجَّاص النضيج فهو مع نَفْعه للمحرورين لايخلو (٣) من إرخاءٍ للمعدة. لكنه لا ينفخ، بخلاف المتَّخذ من الإجَّاص الفَجِّ. وينبغى أن يكون أكل الإجَّاص قبل الطعام، فإن المأكول بعد الطعام يَفْسد ويُفْسد الطعام، وذلك لأجل مائيته. وإذا أكل الشيخُ الإجَّاصَ فلْيردفه بالعسل وذلك نافعٌ للمشايخ لأجل يُبْسه لبطونهم. وانهضامُ الإجَّاص عَسِرٌ، لأجل لزوجته. وغذاؤه (٤) قليلٌ، لأجل مائيته.

стр. 182

الفصل السادس في فِعْلِه في أَعْضَاءِ النَّفْضِ ِ لماَّ كان الإجَّاصُ النضيجُ الرطبُ كثيرَ المائية، وإلى لزوجةٍ؛ فهو لامحالة يليِّن البطن بمائيته (١) ، ويُزْلِقُ بلزوجته. خاصةً الحلو منه، فإنه أكثر مائية - كما قلناه - وبذلك يُسهل الصفراء، لأن البلغم للزوجته، لا ينزلق (٢) بالإجَّاص بخلاف الصفراء. وأما السوداء، فقد تقبل الانزلاق بالإجَّاص ولكن أقل من الصفراء، لأجل عُسِرْ انفعالها، بسبب غِلَظِها. والذى فى طعمه (٣) قبضٌ، فإن إسهاله أقل. وأما إذا كان الإجَّاص فَجّاً فهو لامحالة قابضٌ، فلذلك لا يُسهْل (٤) . بل ربما عَقَلَ البطن. وأما الإجَّاصُ البرىُّ فعاقلٌ للبطن، لأجل قلة مائيته، وهو شديدُ الحموضة. وأما الإجَّاصُ اليابسُ فلا يُسهل (٥) أيضاً، وذلك إذا أُكل بحاله؛ وأما إذا نُقع أو طُبخ، فإنه يُسهل. وكذلك مرقته. وشراب الإجَّاص إنما يتَّخذُ من النضيج، فلذلك هو ملينُ البطن، مُزْلقٌ مُسَهِّلٌ للصفراء. وإذا أُكثر (٦) من أكل الإجَّاص أرخى المعدة، وبلَّها، وكثَّر

стр. 183

الرطوبات فيها، وكَثُرَ الإسهال عنه، وكثيراً ما يُحدث قيام الأغراس (١) - وذلك إذا كان حامضاً - ويولِّد الرياح والنفخ. وليس يظهر فى الإجَّاص ولا فى شرابه تفتيحٌ كثيرٌ، ولا إدرارُه البول. وقد قال بعضهم إنه يُدِرُّ الطمث، وذلك إذا شُربت (٢) سُلاقته - وإن استُبعد ذلك! - وصمغُه يفتِّت حصاة الكلى والمثانة، وذلك لما فيه من التقطيع والحدة. ومع ذلك، بدسومته، يغرِّى؛ فلا يحدث من الحصاة المفتتة، سَحْجٌ فى المجارى، ونحو ذلك. فلذلك، هو شديدُ الموافقة للحصاة التى تكون فى الكلى والمثانة.

стр. 184

الفصل السابع في فِعْلِه في الأَمْرَاضِ التي لا اخْتِصَاص لها بعُضْوٍ عُضْوٍ إن الإجَّاصَ لأجل برده، ورطوبته، وقمعه للصفراء، وإطلاقه للبطن وتسكينه للصداع الحارِّ والبخارىِّ (١) ؛ هو شديد النفع للحميات الحادة فى الحال لكنه بما فيه من المائية، قد يُعِدُّ الأخلاط للعفونة، فيولِّد الحميات. وأما شرابُ الإجَّاص وطبيخهُ وماءُ نقيعه، فإنَّ نَفْعَ ذلك للحميات الحادة عظيمٌ. ومع ذلك، فإنه لا يُخشى منه ما يُخشى من الإجَّاصِ الرطب من التهيئة للحميات. ومع ذلك، فإنه يسكِّن اللهيب والكرب، وينفع كثيراً من الحكَّة والجرَبِ، وذلك لإخراجه المِرَّة، وكسره (٢) لتأديتها، مع تبريده (٣) وترطيبه. وصمغُ الإجَّاص شديدُ النفع للقوباء، وذلك لأجل تحليله وتقطيعه الدسومة واللين اللذين (٤) فيه، خاصةً إذا كان معه (٥) سُكَّرٌ أو عَسَلٌ. والعسلُ أولى لزيادة جلائه وقوة تحليله.

стр. 185

المقالة الحادية عشر فىِ أَحْكَامِ الإذْخِرِ وكلامُنا فيه، يشتمل على ثمانية فصول.

стр. 186

الفصل الأول في مَاهِيَّةِ الإِذْخِرِ إنّ الدواء المسمَّى بالإذخر، من أسماء اليونانية: سحرليس (١) . والأَسَلُ اسمه باليونانية: سحرليس الآجامى (٢) . فقد اشترك الإذْخِر والأَسَلُ فى لفظة سحرليس ثم إن المفسرين فسَّروا سحرليس بالإذْخر، فلذلك صار الأَسَلُ يُقال له الإذْخر الآجامى (٣) ! فذلك، لفظ الإذْخر يقال على هذين النوعين، باشتراك الاسم بالاشتراك المعنوى، حتى يكون لفظ الإذْخر يُقال عليهما بالتوالى. وجوهرُ الإذخر مركَّبٌ من جوهر أرضىٍّ باردٍ قابض (٤) ، ومن جوهرٍ نارىٍّ

стр. 187

قليلِ الهوائية لذَّاعٍ للَّسان (١) . وفيه هوائيةٌ كثيرة، ولذلك هو خفيفٌ. والمائية فيه قليلةٌ جداً، ولذلك ليس له عصارةٌ يُعتد بها؛ ولذلك فإن نباته أكثره إنما هو فى المواضع الحارة، كأرض الحجاز ونحوها (٢) . تمتد كثيراً، وهى ذات فروع (٣) لونها أبيض. وقضبانه رقاق وردى. وإذا أُيْبِسَ، ابيضَّ، لذهاب المائية منه فلذلك يزداد (٤) يبوسة. وهو قابضٌ، مبرِّدٌ بما فيه من الأرضية الباردة، محلِّلٌ مفتِّحٌ مليِّنٌ بما فيه من النارية اليسيرة. وهو شديدُ الشبه بالحلْفاء. وإذا حصل فى موضعٍ من الأرض كَثُرَ فيها جداً. وهو أقصر من الحلفاء وذلك لأجل زيادة يبوسته على يبوسة الحلفاء. وأفضله العربىُّ، خاصةً الحجازىُّ ويسمَّى الحرَمى خاصةً الضاربُ منه إلى الحمرة، والزكُّى الرائحة، لأن ما يكون (..) (٥) وأَنْسبُ لجوهر (٦) الروح لأجل

стр. 188

زيادة العطرية. وإذا كان أكثر لذعاً للِّسان، فهو أفضل؛ لأن هذا تكون (١) ناريته - بعدُ - لم تتحلَّل.

стр. 189

الفصل الثاني في طَبْعِه وفِعْلِه على الإِطْلاَقِ لماَّ كان جوهر هذا النبات، أكثره من أرضيةٍ وناريةٍ وهوائيةٍ، وكانت المائية فيه قليلة، فلابد وأن يكون حارّاً يابساً. أما حرارته، فلأن برد الأرضية ضعيفٌ لا يقاوم حرارة النارية والهوائية. وأما يبوسته، فلأن رطوبة الهوائية لا تأثير لها فى البدن، ومائيته قليلةٌ لا تتدارك تيبُّس الأرضية والنارية. فلذلك، يجب أن يكون هذا الدواء، حارّاً يابساً. والأرضيةُ الناريةُ، من شأنها جمع أجزاء الأعضاء، وذلك لأن البرد واليبوسة - كليهما - جَمَّاعان (١) للأجزاء. فلذلك، هذا الجزءُ الأرضىُّ الذى (٢) فى الإِذْخر قابضٌ، وما فيه من النارية، فإن من شأنه التحليل والجلاء والتفتيح والإنضاج والتيبُّس والتلطيف. فلذلك الإذْخر من شأنه ذلك كله. وجوهره لطيفٌ، فلذلك يكون تأثيره سريعاً نافذاً، وامتزاجُ أجزائه (٣) عويص (٤) ، فلذلك يُتمكَّن بحرارةٍ ما (٥) ، من التفريق بينها، حتى يفعل جزءٌ منها ما تفعل (٦) الأجزاء ضده؛ فلذلك يصدر عنه: القبضُ والتفتيح (٧) ، ولذلك يحبس النزف ويفتح أفواه العروق! وذلك لأنه يحبس

стр. 190

النزف الدموى، بما فيه من الأرضية القابضة. ويفتح أفواه العروق، بما فيه من الجزء النارى. وإذا كان نزفُ الدم، من استرخاء العروق وضعفها، فإن حَبْسه لها شديد لأنه - مع (١) قبضه - مقوِّ للأعضاء بما فيه من القبض والعطرية. والقبضُ فى أصوله أكثر، لأن حدوث الزهر - كما بيَّنَّاه - إنما هو من الأجزاء المتبخِّرة، وهذه الأجزاء لابد وأن تكون الأرضية فيها قليلة، فلذلك تكون النارية والهوائية فيها أكثر فلذلك، يكون هذا الفُقَّاح (٢) ألطف كثيراً من الأصول، وتكون الأصول أكثر تجفيفاً. وفى جميع أجزائه (٣) إنضاجٌ، لكن إنضاجَ الأصول أقلُّ، لأجل كثرة أرضيتها.

стр. 191

الفصل الثالث في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الرَّأْسِ اشتمام فُقَّاح الإذخر ينقِّى الرأس للطافته (تنفذ رائحته إلى داخل الرأس كثيراً، فيجلو ما (١) يكون فيه من الفضول. وأما باقى أجزائه (٢)) (٣)) فإن اشتمامه يُثقل (٤) الرأس، لا من رائحته، إنما لأنه (٥) ينفذ منها إلى الدماغ قَدْرٌ يسير وحرارته قاصرةٌ فلا تقوى على تحليل الفضول، بل على تنكيلها، فتدمى (٦) الأعصاب المقلَّة للرأس، فيُحَسُّ ثقيلاً. ولذلك، كان اشتمام هذه الأجزاء - جميعاً - يُنوِّم، وذلك لأجل تسييلها لرطوبات الدماغ. ويجوز أن يكون اشتمام الفُقَّاح لايفعل ذلك، بل يُسهِّر! لأجل تحليله الرطوبات. وقد قيل: إن اشتمام الإذخر يخدِّر، وسبب ذلك ما قلناه. وهو يسيِّل رطوبات الدماغ، ويلزم ذلك ارتخاء الأعصاب التى بها الحِسُّ، وكذلك (٧) - إذا

стр. 192

كان ضعيفاً - أحدث الخدَرَ. وجميع أجزاء الإذخر تشدُّ الضمور (١) ، وذلك لما فيه من التجفيف، وتحليل الرطوبات الفضلية، والقَبْضِ القوى؛ ولذلك، يُطيِّب النكهة. وقد يُغسل الوجه بطبيخه، لأوجاع العين وضعفها وتحليل فضولها. وكذلك، يُتَمَضْمَضُ بطبيخه، لأوجاع الأسنان (٢) .

стр. 193

الفصل الرابع في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الصَّدْرِ جميع أجزاء الإذْخر نافعةٌ للرئة، مسكنِّةُ لأوجاعها، مقوِّيةٌ (١) لها، مفتِّحةٌ لسُدَدها. وذلك لأن هذا الدواء، مع أنه عَطِرٌ مفتحٌ قابضٌ مقوٍّ؛ فإن جوهره لطيفٌ، فيسهل نفوذه إلى الرئة. إما من جهة الحجاب الحاجب بين المرئ وقصبة الرئة، لأجل (٢) لطافة هذا الدواء. وإما من جهة القلب؛ فإن هذا الدواء - لعطريته - يكثر ما ينفذ منه إلى القلب، ومن هناك ينفذ إلى الرئة. والفُقَّاحُ أولى بذلك، لأجل (٣) زيادة لطافته وكثرة عطريته. وكذلك، جميع أجزاء الإذْخر حابسةٌ لنفث الدم، بما فيها من القَبْض. وكان ينبغى أن يكون فعل الأصول لذلك أكثر، لأنها أكثر قبْضاً لأجل زيادة أرضيتها؛ وأن يكون فعل الفُقَّاح لذلك أقل، لأن هذا الفُقَّاح أكثر ناريةً (٤) وتفتيحاً. لكن الواقع بخلاف ذلك، وذلك لأن هذا الفُقَّاح - لأجل شدة لطافته - يصل إلى داخل الرئة، فيكون فعله فى حَبْس نفث الدم أكثر وإن كان أضعف قبضاً. وأما الأصول، فإنها وإن كانت أقوى قبضاً، فإن وصولها إلى داخل الرئة

стр. 194

يقلُّ ويتأخَّر، إلى أن تضعف قوتها، فلذلك يكون تأثيرها فى هذا الحبس أضعف. ويظهر لى، والله أعلم؛ أن الإذْخر من الأدوية المقوِّية للقلب، وإن كنتُ لم أمتحن ذلك بالتجربة.

стр. 195

الفصل الخامس في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الغِذَاءِ لما كان جوهرُ الإذْخر من أرضيةٍ، وناريةٍ، وهوائية؛ وجميع هذه منافيةٌ للغذاء. فلذلك (١) الإذخرُ من الأدوية الصِّرْفة. ولما جمع بين القبض والتحليل والتقوية والتنقية، فهو لامحالة شديدُ النفع للأحشاء، وبخاصةٍ للمعدة والكبد كيف لا (٢) وإنه - مع هذه الأفعال (٣) - مفتِّحٌ. ومع ذلك، فإنه عَطِرٌ. وتقويته لفمِّ المعدة كثيرةٌ، وذلك لأجل عِطريته. وفُقَّاحه أكثر تقويةً بالعطرية، وأصوله أكثر تقويةً بزيادة القبض، فلذلك تقويةُ فُقَّاحه لفم المعدة أكثر لأن فم المعدة لكثرة أرواحه، تشتد حاجته إلى العطرية. وأما قلب (٤) المعدة فتقويةُ الأصول له أكثر، لأجل زيادة قَبْضها. وهو ينفع جميع الأورام، لما فيه من القبض المانع من نفوذ الفضول إلى العضو مع التحليل المخرج لما حصل فيه من تلك الفضول. ونفعه لأورام الأحشاء لأجل عطريته المقوِّية للأحشاء؛ ونفعه لأورام الكبد أكثر، لأجل لطافة جِرْمه فيفعل فى هذه الأعضاء من حاجةٍ إلى عملٍ كثيرٍ، لأجل تصغير أجزائه (٥) . ونفعه

стр. 196

من أورام الكبد أكثر، لأنه مع الأفعال التى ذكرنا، فيه تفتيحٌ وإنضاجٌ وتليينٌ وهذه كلها مما يُحتاج إليها كثيراً فى أورامه (١) . وهو يسكِّن أوجاع الأحشاء والمغص والقولنج (٢) ، ويحلِّل الرياح المحتبسة فى البطن وغيرها. وذلك لأجل حرارته، مع لطافة جوهره؛ فيتمكَّن لأجل لطافته من النفوذ إلى حيث يفعل، بسرعة. وإذا كان بوزنه فلفل كان تسكينه لأوجاع المعدة شديداً. وذلك لأجل تقوية الفلفل - لحرارته - لتحليل الإذْخر. وأصوله تسكِّن الغثيان، بما فيها من القبض القوى، وكذلك ما فى أجزائه (٣) ؛ لكن الأصول فى ذلك أكثر، لأجل زيادة أرضيتها القابضة. وجميع أجزائه تشهِّى الطعام، وذلك لأجل تقويته لفم المعدة، مع القبض المكثِّف له والعطرية المقوِّية لأرواحه؛ ومن جملة تلك (٤) الأرواح، الروحُ الحسَّاس. ودهنه يُستعمل على فم المعدة، لتقويته له. وأفضل ذلك، أن يكون مع المصطكى والسُّنُبل وقد يستعمل على الأمعاء، لتسكين المغص، وتسكين وجع القولنج ونحوه.

стр. 197

الفصل السادس في فِعْلِه في أَعْضَاءِ النَّفْضِ لما كان الإذخر قابضاً، مقوِّياً، محلِّلا، منضجاً؛ فهو لا محالة نافعٌ لأورام المقعدة وتسكين أوجاعها (١) ، نطولاً بماء طبيخه، وتضميداً بجرمه، وادِّهاناً بدهنه وفُقَّاحه؛ وذلك (٢) أولى، لأجل لطافته التى بها يتمكَّن من النفوذ فى مسام المقعدة بسرعة، فيصل إلى حيث يؤثِّر. والإذخرُ يعقل البطن، بما فيه من القبض، مع تقوية الهضم وتجويده وتقوية الأعضاء الهاضمة. وفُقَّاحه يسكِّن أوجاع الكلَى، وكذلك جميع أجزائه لكن الفُقَّاح أكثر، لأنه لأجل لطافته يتمكَّن من النفوذ فى جوهر الكلى مع كثافته. وهو يقطع نزف الدم الكائن من الكلَى، والكائن من الحيض؛ وذلك لأجل ما فيه من القبض والتقوية، وفيه تفتيتٌ للحصاة وذلك لما فيه من النارية النفَّاذة القَطَّاعة، خاصةً وما فيه من القبض والتقوية، يقوِّى العضو الذى فيه الحصاة، فلا يعرض له - بسبب الوجع - ضعفٌ يعدُّه (٣) للتورُّم. ولذلك، قد يُستعمل مع الأدوية المفتِّتة (٤) للحصاة، لا لأجل تفتيته. بل للتقوية المذكورة. وهو يسكِّن أوجاع الأرحام، لإنزال (..) (٥) من الأعضاء العصبية الباردة

стр. 198

وهو يفعل ذلك إذا نُطلت به الأرحام من خارج، وإذا ضُمِّدت به، وإذا بُخِّرت به، وإذا حُقنت بطبيخه، واحتملت منه فَرْزَجَة (١) . وكذلك، ينفع من أورام الرحم، لما قلناه فى أورام الأحشاء. وإذا شرب طبيخه، أَدَرَّ البول والطمث، وذلك لقوة تفتيحه. وإذا طُبخ فى الخمر وشُرب، كان إدراره شديداً. وهو يسخِّن المثانة الباردة، إذا كُمِّدت به، وكذلك التكميدُ به يُدِرُّ الطمث. وإذا أفرط الطمث (٢) ، قطعه. ويحلِّل الأوجاع الحادثة للنساء عند قرب مجئ الحيض، لما فيه من التفتيح. وإذا أُخذ من أصله مثقالٌ، وخُلط بالفلفل؛ كان نافعاً للاستسقاء (٣) ، وذلك لأجل إدراره وتفتيحه وتحليله، ولتقويته الكبد ونحوها من الأعضاء الهاضمة.

стр. 199

الفصل السابع في فِعْلِه في الأَمْرَاضِ (١) التي لا اخِتْصَاصَ لها بعُضوٍ عُضو إنك قد علمْتَ أنَّ هذا الدواء فيه قبضٌ وتحليلٌ، فلذلك هو يقوِّى الأعضاء ويحلِّل الفضول. فلذلك، هو مسكِّنٌ للأوجاع، وذلك لأجل تحليله موادها. ولأجل قبضه، يقطع نزف الدم، حيث كان. ومع ذلك، فإنه يفتح أفواه العروق، وذلك لأنه يفعل أفعالاً متنافية - لما قلناه - وفُقَّاحُه أقوى قطعاً للنزف. وإن كان تسخينه وتحليله وتفتيحه، كل ذلك أقوى من قبضه؛ وسبب ذلك أنه - لأجل لطافته - يتمكَّن من النفوذ إلى حيث يقطع النزف، نفوذاً بسهولة. وهو ينفع الأورام جميعها، لما فيه من القبض والتحليل، كما قلناه أولاً فلذلك ينفع الأورام الحارة، مع أنه حارٌّ! . وكذلك، ينفع الأورام الصلبة، مع أنه يابسٌ. وذلك لما فيه من التليين. ولا يختص نفعه بالأورام (٢) الظاهرة (٣) ، بل (٤) يعمُّ نفعه الأورام الظاهرة

стр. 200

والباطنة معاً. ويحلِّل الرياح حيث كانت، ويسكِّن النفخوالباطنة معاً. ويحلِّل الرياح حيث كانت، ويسكِّن النفخ (١) . وكذلك، ينفع التنطيل بطبيخه، من الاختلاج، ويقوِّى الأعصاب، ويحلِّل فضولها؛ فلذلك هو شديد النفع للأعصاب، لأنه يفعل فيها ما ذكرناه، من غير تسخينٍ شديدٍ يُحدث فى العصب حِدَّةٌ ولذعاً، ومن (٢) غير بردٍ يؤذى العصب - ونحو ذلك من الكيفيات الضارة بالأعصاب - فلذلك هو نافعٌ من التشنُّج والرعشة والفالج واللقوة، نطولاً بطبيخه وتضميداً بجرمه. وإذا أُديم شرب (٣) طبيخ أصوله، نفع جداً من أوجاع المفاصل الباردة، ومن الحمِّيات البلغمية فى آخرها، وذلك مع السكنجبين. ودهنُه نافعٌ لتحليل الإعياء لأنه مع قوة تحليله وتليينه، فإنه يقوىِّ الأعضاء (٤) . وينفع شَدْخَ العضل، لأجل تقويته لما فى العضل من الأجزاء العصبية، ولما فيه من القوة المقوِّية. ودهنُه نافعٌ من الحكَّة، لما فيه من التحليل لموادها.

стр. 201

الفصل الثامن في فِعْلِه في التِّرْيَاقِيَّةِ ومُقَابِلها (١) لماَّ كان الإذخر من الأدوية العَطِرةِ، فلا محالة هو من الأدوية الترياقية، وهو - لامحالة - يقوِّى الروح، فيجعلها لامحالة (٢) أقوى على دفع السموم. وله تعلُّق بسموم الهوام، فلذلك إذا تُضِمِّدَ بورقه الغَضِّ الذى فى (٣) أصله؛ نفع من نهش الهوام. ويعينه على ذلك، ما فيه من التحليل للسُّمِّ، والتقوية للعضو المنهوش.

стр. 202

المقالة الثانية عشر فىِ أَحْكَامِ آذَانِ الفَأْرِ وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على فصلين.

стр. 203

الفصل الأول في مَاهِيَّتِه إنَّ هذا الاسم يقع على أربعة أنواعٍ من النبات، وذلك بحسب ما وقع إلينا - ويجوز أن يُقال على أكثر من ذلك - وهذه الأربعة واحد (١) منها يسمَّى آذان الفأر (٢) البستانى واثنان (٣) يسمى واحدٌ منهما (٤) آذان الفأر البرى وواحدٌ يسمى آذان الفأر ولا يقال فيه إنه بستانى أو برى. أما النوع الأول، وهو البستانى فهو الذى يسمى باليونانية أَلْسينى (٥) ومعناه: البستانى. ويسمى مُوُوس أَوْطا (٦) ومعناه: آذان الفأر. وإنما سُمِّى هذا

стр. 204

بالبستاني، لأنه ينبت في المواضع الظِّلِّية (١) ، وفي البستاني. وقال ج (٢) إنه نباتٌ يشبه القستينى إلا أنه أقصر من القستينى، وأصغر ورقاً، وليس عليه زغبٌ (٣) ؛ وإذا دُلِّكَ، فاحت منه رائحة القِثَّاء. وأقول: إن هذا النبات لابد وأن يكون كثير المائية، وإلا لم يكن يكثر بعض نباته بالمواضع الكثيرة الرطوبة، ولابد وأن تكون (٤) فيه أرضيةٌ كثيرة، وإلا لم يكن نباته منتصباً. وهذه الأرضيةُ، قليلةٌ جداً بالنسبة إلى ما فى هذا النبات من المائية، ويدل على ذلك أمورٌ: أحدها: أن هذا النبات شديدُ اللِّين، وإنما يكون كذلك، إذا كانت الأرضية فيه قليلة بالنسبة إلى مائيته (٥) ، فإن كثرة الأرضية يلزمها صلابة الجِرْم. وثانيها: أن هذا النبات يتضرَّر جداً بقوة حَرِّ الشمس، ولذلك إنما ينبت فى المواضع الكثيرة الظِّلِّ. وإنما يكون كذلك، إذا كان كثيرُ المائية جداً، حتى تكون (٦) صحته إنما تبقى بكثرة تلك المائية. فلذلك، يعرض له العطبُ، إذا جفَّفته الشمسُ بقوة حَرِّها (٧) .

стр. 205

وثالثها: أن هذا النبات رائحته تشبه القِثَّاء وإنما يكون كذلك، إذا كانت رائحته - مع عطريتها - نديَّةً، وإنما يكون كذلك، إذا كان جِرْمه كثيرَ المائية. ورابعها: أن هذا النبات إنما تفوح رائحتُه، إذا حُكَّ باليد، ونحوها؛ وإنما يكون كذلك، إذا كان كثير المائية، حتى تكون (١) رائحتُه خامدةً (٢) بقوة البرد. فلذلك، إنما يفوح إذا سُحِقَ بالخلِّ ونحوه. وأما النوع الثانى من آذان الفأر وهو أحد النوعين البرِّيين، فهو الذى يُعرف بأفريقية - وما يقرب منها - بعين الهدهد (٣) . وهذا النوع له قضبان كثيرة من أصلٍ واحدٍ، ولون ما يلى أسفلها، إلى حُمرةٍ - وهى (٤) مجوَّفة - وله ورقٌ دِقاقٌ طوال، أوساط ظهورها ناتئةٌ، ولونها إلى سوادٍ، وأطرافها حادة، وتنُبتُ أزواجاً بينها فُرَجٌ. ويتشعَّبُ فى أغصانه قضبانٌ دِقاقٌ صَغَارٌ، عليها زهرٌ لازوردى، مثل زهر أحد صِنفىْ أَنَاغَلس - على ما نقوله بعدُ - وله أصلٌ غليظٌ صَلْبٌ، وله شُعَبٌ كثيرة. وجملة هذا النبات، شِبْه النبات المسمَّى أسقولوقندريون وسنذكره بعدُ، إلا أنه أصغر منه، وأقل خشونة. وأما النوع الثالث من آذان الفأر - وهو النوع الآخر من البرِّى - فهو (٥) نباتٌ ينبتُ فى الرمل، ووَرَقُهُ كورق آذان الفأر البستانى ولا يقوى على الانتصاب، بل ينبسط إلى الأرض لضعف جِرْمه، لأجل قوة لدونته لا لكثرة مائيته، وذلك لأن الغذاء المجتذب من الرمل، لا يكون مثبِّتاً، لأن الأجزاء الرطبة

стр. 206

لا يستحكم امتزاجها بالمائية، فلذلك (١) يكون هذا النبات ضعيفُ الجِرْم. ولذلك فإن جميع الأشجار التى تنبتُ فى الرمل، فإنها تكون قليلة اللُّدونة (٢) ، سهلة الانكسار. وأما النوع الرابع من آذان الفأر وهو الذى لا يوصف بأنه بستانىٌّ أو بَرِّىٌّ فهو أحد المتنوِّعات له، لَيِّنٌ، يُسهل ويقيئ (٣) ، وورقه شبيهٌ بورق آذان الفأر البستانى.

стр. 207

الفصل الثاني في بَقِيَّةِ أَحْكَامِ أَنْوَاعِ آذَانِ الفَأْرِ أما النوع الأول من أنواع آذان الفأر - وهو البستانى (١) - فقد علمْتَ أنَّ جوهره تغلب عليه المائية، وأن فيه أرضيةٌ يسيرةٌ بالنسبة إلى مائيته (٢) ، ولكنها فى نفسها كثيرةٌ. فلذلك، يجب أن يكون هذا النبات بارداً رطباً، لأجل غلبة المائية وأن يكون فيه قبضٌ يسيرٌ لأجل ما فيه من الأرضية. وقد اعترف بقبضه دياس قيرُيدُوس (٣) وأما جالينوس فقد قال: إنه مبرِّدٌ

стр. 208

من غير قبض. وينبغى أن يكون مراده بذلك: من غير قبضٍ كثيرٍ يُعتدُّ به (١) . ولأجل تبريد هذا النوع، كان نافعاً للأورام الحارَّة (٢) ، كالحمرة ونحوها. وإذا ضُمِّدَ به، مع السويق، نَفَعَ من الأورام الحادة، كالحمرة العارضة للعين (٣) . وإذا قُطِّرت عصارته فى الأُذن المتألمة من الحرارة؛ نفعها وسكَّن وجعها. ولايبعد أن يكون هذا الدواء منعشاً للقوة برائحته، وذلك لأن رائحته تشبه رائحة القِثَّاء. وأما النوع الثانى من آذان الفأر فالذى عُرف من أحواله، أنه يجفِّف تجفيفاً قوياً.

стр. 209

وأما النوع الثانى من آذان الفأر فالذى عُرف من أحواله، أنه يجفِّف تجفيفاً قوياً. وأما النوع الثالث، فخاصِّيته، أن عصارته ومَضْغَهُ (١) ، كل واحدٍ منها شديدُ التقوية للإنعاظ (٢) . وذلك إذا مُرِّخَ (٣) بأحد هذين، الذكرَ والفَرْجَ والعَانَةَ وما يلى ذلك. حتى أن مَنْ لاينعظ (٤) ، لا يكلِّفه كثرةً إذا فعل ذلك، وأنعظ (٥) كثيراً، وقوى على الباه. وإذا فعل ذلك الشيوخُ الهرِمين (٦) ، قووا على الباه. وإذا بطل نزو الفرس، مُرِّخَ (٧) بذلك ما يقرب من قضيبه إلى عَجِزِه، فيعود إلى النزو. وأما النوع الرابع، فإنه يسهل ويقيئ ويقتل الدود، وذلك لأجل حِدَّته وحِدَّة لبنه. وما كان نباته فى المواضع القليلة الماء، وفى البرارى؛ فإن ذلك يكون قوياً جداً - ولا كذلك، ما يكون بقرب المياه والبساتين - ويكاد ما ينبت فى البرِّية (٨) ، أن يكون فى قوته، كأنما هو ذاته. وجوهره لطيفٌ نَفَّاذٌ، ولذلك يُحمر الجلد الناعم إذا وُضع عليه، لأنه بلطافته، يسهل نفوذه؛ وبقوة حرارته، يجذب إلى العضو من الدَّم، ما يحمِّره.

стр. 210

المقالة الثالثة عشر فىِ أَحْكَامِ الأُرْزِ وذلك يشتمل على ستة فصول.

стр. 211

الفصل (١) الأول في مَاهِيَّةِ الأُرْزِ إنَّ الأُرْزَ من جملة النبات الذى يُتَّخذ من حَبِّه خُبْزٌ، ويُطْبَخُ مع اللحم كثيراً. وكذلك مع اللبن. وإنما ينبت فى المواضع الكثيرة الشمس، الكثيرة الماء جداً وذلك لأن جرمه كثير التحلُّل،فإذا لم تكن المائية فيه كثيراً، جَفَّ بسرعة، لأجل سرعة تحلُّلها منه بسبب تخَلْخُل جِرْمه. وإنما يمكن ذلك، بأن يكون سقيه متواتراً. وإنما يصل الماءُ إلى أعلاه، سريعاً؛ حتى يسدُّ بذلك بدل ما يتحلَّل منه من جوهر المائية، إذا كان انجذاب ذلك الماء إلى أعلاه بقوة. وإنما يكون ذلك، إذا كان فعل الشمس فيه قوياً. وإنما يمكن ذلك، إذا كان فى موضعٍ مكشوفٍ للشمس. فلذلك، يقلُّ نباته بين الأشجار، وذلك لحاجته إلى قوة (٢) تأثير الشمس. ولذلك، هذا النبات، يكون (٣) فى البلاد الحارة الرطبة - كالهند - والأغوار الكثيرة المياه. فلذلك، هذا النبات وإن كان يحتاج إلى كثرة السَّقْى، فهو يابسٌ، قليلُ المائية، كثيرُ الأرضية؛ وذلك لأجل انجذاب (٤) مائيته، لأجل تخَلْخُل جِرْمه.

стр. 212

ولأجل هذا التخَلْخُل، فإن (١) جوهره ليس برزين. ولما كانت يبوسة هذا النبات لأجل تخَلْخُل مائيته، بحيث كان ما يتحلَّل من مائيته أكثر، كانت يبوسته أشد. ولذلك الأرز الهندى أَيْبَسُ من غيره، وأكثر أرضيةً. وذلك لأجل كثرة تحلُّل مائيته، بسب قوة الحرِّ هناك. وفى جوهر الأُرْز هوائيته، ولذلك هو خفيفُ الوزن، وإذا طُبخ فى الرطوبة أو نُقع فيها، ربا جرمه كثيراً. وذلك لأجل كثرة نفوذ الرطوبة فى جِرْمه، لأجل تخَلْخُله؛ ولأجل هذا التخَلْخُل، فإنه لا يتولَّد منه دَمٌ كثيرٌ. وذلك لأجل فقدانه اللدونة واللزوجة اللتين يكثر منهما الدم (٢) ، لأن الدَّم يحتاج أن يكون من جوهرٍ لدِنٍ، ليتمكَّن أن يكون تكوُّن (٣) الأعضاء منه سهلاً، لأنه إنما يمكن كذلك، إذا كان شبيهاً بجواهر الأعضاء، والأعضاءُ (٤) أكثرها لَدِنةٌ. ولما كان الأُرْزُ فاقداً للِّدونة (٥) ، لا جَرَم كان غذاؤه (٦) أقلَّ من غذاء الحنطة بل من غذاء الحندروس بل من غذاء الشعير. بل أظنه - وإن كان كثيرٌ من الأطباء يأبى ذلك - قابضاً، فإذا المائية تقلُّ فى الأُرْز، والأرضية تكثر فيه؛ فلذلك، هو قابضٌ.

стр. 213

الفصل الثاني في طَبِيعتِه وأَفْعَالِه على الإِطْلاَقِ إنَّا قد بيَّنَّا أن الأرضية فى الأُرْزِ كثيرةٌ، وكذلك الهوائية، وأما المائية فهى قليلةٌ. وقدَّمنا أن الهوائية لا مدخل لها فى ترطيب البدن، وأن الترطيب إنما يكون بالجوهر المائى، فلذلك (١) يجب أن يكون الأرز يابساً، مجفِّفاً. واختلف الأطباءُ فى أنه حارٌّ أو بارد. والحقُّ أنه قريبٌ من الاعتدال، ولكنه إلى حرارةٍ (٢) ، وذلك لأن هوائيته كثيرة ومائيته يسيرة، وذلك ينافى أن يكون له بردٌ ظاهرٌ. وتخَلْخُل جِرْمه يدل على حرارته، لأن البرد من شأنه جمع الأجزاء وتلزيزها. ولماَّ كان الأَرْزُ متخَلْخِلَ الجِرْم، فهو لامحالة حارٌّ. ولما كان يابساً كثيرَ الأرضية، فهو لا محالة قابضٌ عاقلٌ للبطن. وليس من كيفياته مفرطٌ؛ أما حرارته فظاهرٌ أنها قريبة (٣) من الاعتدال. ولولا ذلك لما ظُنَّ أنه باردٌ. وأما يبوسته وعَقْله للبطن. فلأن ذلك كله يزول إذا طُبخ مع اللبن أو الدهن ونحوه من الدسومات - كاللحم السمين - وإنما يكون كذلك، إذا لم تكن هذه الكيفيات فيه، قويةً جداً. وفى الأُرْز جَلاَءٌ، لأجل تخَلْخُل جِرْمه الأرضى؛ وإذ (٤) الأُرْزُ جلاَّءٌ، فهو لامحالة مجفف. فلذلك، هو مُنَقٍّ.

стр. 214

الفصل الثالث في فِعْلِه في أَعْضَاءِ الرَّأْسِ لما كانت أرضيةُ الأُرْزِ خفيفةً متخَلْخِلَةً، فهى - لامحالة - قابلة للتصعُّد بالحرارة. فلذلك، إذا سخن باطن البدن باجتماع الحارِّ الغريزى (١) فيه - وذلك عند النوم - وكان فى المعدة وما يقرب منها شئٌ من الأُرْزِ، فإنه تتصعَّد (٢) منه أجزاءٌ كثيرةٌ، وهذه الأجزاء المتصعِّدة لابد وأن يكون لونها أبيض، لأن بياض الأُرْز إنما يفارقه إذا تم انهضامه (٣) فى الكبد وما بعدها (٤) ؛ فلذلك إذا أُكل الأُرْزُ

стр. 215

فلابد أن تتدخَّن (١) منه عند النوم أجزاءٌ كثيرةٌ، ويكون ذلك الدخان أبيض اللون فكذلك يكون ما (٢) يتخيَّل لذيداً مفرحاً؛ خلاف الخيالات الحادثة عن الأدخنة السوداوية، فإن تلك مفزعةٌ مُوحشةٌ محدثةٌ للغَمِّ والانقباض والخوف. فلذلك كان الأُرْزُ يُرى أحلاماً لذيذة (٣) .
следующие страницы →