الفصل الأول في مَاهِيَّةِ الأَسَارون
إن هذا نباتٌ يسمِّيه بعض الناس ناردين البرى (١) له أصولٌ، وقضبانٌ وورقٌ، وزهرٌ، وبزرٌ. وأما أصوله، فهى مُعَوَّجَةٌ ذات عُقَدٍ كثيرة تشبه أصول البقل (٢) ، لكنها أَدَقُّ وأميلُ إلى التربيع، طيبة الرائحة، تحذو (٣) االلسان وتلذعه جداً. وأما (٤) قُضبانه، فهى صِغَارٌ إلى الإستدارة. وأما ورق (٥) ، فهو شبيهٌ بورق اللبلاب وهو المسمى قيسوس (٦) . وأما زهره فهو فيما بين ورقه، فِرْفيرىُّ (٧) اللون، يشبه زهر البَنْج (٨) . وأما بزره، فهو شبيهٌ ببزر القرطم.
стр. 247
وجميع هذه الأجزاء، فإنها يقلُّ استعمالُها فى الطِّبِّ جداً؛ سوى الأصول فإنها هى التى تُستعمل كثيراً من هذا النبات. وهذه الأصول - لامحالة - مركَّبةٌ من أجزاءٍ أرضيةٍ مُرَّةٍ قابضة، وأجزاءٍ ناريةٍ مُرَّة، بها تكون هذه الأصول لذَّاعةً للِّسان حادةَ الطعم. فلذلك، تكون هذه الأصول لطيفة الجوهر، لأن ما فيها من الأرضية، لابد وأن يتلطَّف بالحرارة المفترة لها ((١) ١) .
وأفضل هذه الأصول، ما هى أزكى رائحةً، وأملأُ جِرْماً، وأَرْزَنُ وزناً لأن ما يكون كذلك، فمادته أغزر، وقوته أقوى، وملائمته للأرواح أكثر.
стр. 248
الفصل الثاني في طَبِيعَتِه وفِعلِهِ على الإطلاَقِ
إن هذه الأصول، لما كانت عطرةً، حادَّةَ الطعم إلى مرارة؛ فهى لا محالة حارَّةٌ يابسة، ويبوستها كالمكافئة لحرارتها، لأجل تعادل قوة يبوسة الأرضية المحترقة - مع قلة حرارتها - لقوة حرارة النارية، مع قلة يبوستها. وقال بعضهم إن اليبوسة أَشَدُّ، لأن حرارة النارية تُزيد فى يبوسة الأرضية. والأول أَصَحُّ.
ولأن (١) هذا الدواء من أرضيةٍ محترقة، وناريةٍ؛ فهو لامحالة محلِّلٌ، جال (٢) مجفِّفٌ، قابضٌ، مفتِّحٌ، يسخِّن الأعضاء كلها، ويسكِّن أوجاعها بتحليله للمادة الموجعة. ولابد (٣) وأن يكون ملطِّفاً، وذلك لأجل ما فيه من الحدَّة النارية، ولأنه لو لم يكن ملطِّفاً، لما كان محِّللاً، فإن التحليل إنما يكون بتلطيف المواد، حتى يسهل تبخُّرها (٤) .
ولابد وأن يكون مقوِّياً للروح، لما فيه من العطرية. فلذلك، لابد وأن تكون (٥) فيه ترياقيةٌ ما. ولابد وأن يكون منقيّاً، ضرورةً. وأنه لابد وأن يكون مجفِّفاً، لأجل أرضيته الحارَّة. وذلك، مع التحليل، يلزمه قوة التجفيف. وهذا التجفيف، مع الجلاء، يلزمه التنقية. فلذلك، لابد وأن يكون هذا الدواء مجفِّفاً بقوة، منقيّاً.
стр. 249
الفصل الثالث في فِعلِهِ فى أعضَاءِ الرَّأسِ
لما كان هذا الدواء منقيِّاً، مجفِّفاً، جلاَّءً، محلِّلاً، قابضاً، مقوِّياً؛ فهو لا محالة يشدُّ اللَّثَةَ، ويجفِّفُ رطوباتها المرخية، ويطيِّب النكهة بذلك، وبما فيه من العطرية.
ولما كان ملطِّفاً، مع عطريةٍ تقوِّية (١) ، وقَبْضٍ يسير، وجلاءٍ؛ فهو لامحالة ملطِّفٌ لغِلَظِ القَرَنية، وللروح التى فى العين؛ فلذلك هو يُحدُّ البصر، ولامحالة أنه نافعٌ من الصداع البارد، لتعديله للدماغ (٢) . وهو يسخِّن الدماغ، وينفع من الجبن؛ وسببُ ذلك حرارتُه ويبوستُه وتجفيفهُ للرطوبات الفضلية المضعفة للدماغ.
стр. 250
الفصل الرابع في فِعلِهِ فى أَعضَاءِ الغِذَاءِ
إنَّ هذا الدواء يسخِّن المعدة والكبد، ويُخرج رطوباتهما الفضلية فى البول. وهو يفتح سُدَد الكبد والطُّحال، وذلك لما فيه من التلطيف والجلاء والنفوذ. وينفع من صلابتهما، بما فيه من التليين والتحليل، مع التقوية (١) . وينفع جداً من أورامهما، لما فيه من التحليل، مع القَبْض والتقوية والتليين.
ولما كان هذا الدواء شديدُ النفع لأمراض الكبد والطُّحَال، فهو لامحالة نافعٌ من الاستسقاء ومن اليرقان خاصةً الشراب المتخذ منه، وصفته (٢) : أن يؤخذ من الأسارون اثنى عشر مثقالاً، تُجعل (٣) فى ستة وثلاثين قوطولى من العصير وبعد شهرين يروَّق، ويستعمل (٤) . وهذا الشراب شديدُ النفع لجميع علل الكبد ويقوِّى هضم المعدة، ويقوِّى الكلى والمثانة ويسخِّنهما، ويُخرج الرطوبات الفضلية من الكبد.
стр. 251
الفصل الخامس فى فِعلِهِ فى أَعضَاءِ النَّفضِ
إن الأسارون لأجل قوة تفتيحه، مع لطافة جوهره وتلطيفه؛ هو لامحالة مُدِرٌّ للبول، وللحيض خاصةً، فهو (١) لأجل زيادة تسخينه، يحدُّ مزاج الدم ويهيِّجه للخروج بالحيض ونحوه.
وإذا شُرب منه سبعة مثاقيل، أسهل مثل إسهال الخرْبق الأبيض وهو ينفع المستسقين بإدراره للرطوبات، وخاصةً الاستسقاء (٢) اللحمى (٣) ، وذلك بما فيه من التقوية للهضم. ويقوِّى الكلى والمثانة ويسخِّنهما، وينقِّى مجارى البول من الأخلاط اللزجة، فلذلك يمنع من تولُّد الحصاة. ومع ذلك، فإنه يفتِّت الحصاة بما
стр. 252
فيه من الحِدَّة والتلطيف وقوة النفوذ - لأجل لطافته - وإذا شُرب بالعسل، زاد فى المنىِّ. وإذا دُقَّ وعُجِنَ بلبنٍ حليب (١) ، وضُمِّدَ به بين الوركين، هيَّج الباه وأنعظ إنعاظاً شديداً.
стр. 253
الفصل السادس فى فِعلِهِ فى الأَمرَاضِ التى لا اختِصَاصَ لها بعُضوٍ عُضو
إنَّ هذا الدواء، لأجل إدراره وإخراجه الرطوبات الردئية بالبول، هو نافعٌ فى الحميات؛ وذلك إذا كانت عتيقة، ولم تكن مادتها شديدة الحرارة.
وهو يجلو الجلد إذا استُعمل من خارج، ويسكِّن وجع الوِرْك، ووجع النَّسَا - وإن تقادم - خاصةً شرابه المذكور (١) . ويسكِّن الأوجاع الباطنة، ويدخل فى التطييب (٢) .
стр. 254
الفصل السابع فى بَقِيَّةِ أَحكَامِه
إذا بُخِّرَ البيت بالأسارون، هربت منه العقارب الخضر. وإذا فُقد الأسارون قام مقامه مثل وزنه قَرْدَمانا (١) مع ثلث وزنه د ح (٢) وثلث وزنه حماماً، أو يُبدل بمثله ونصف د ح ومثل سدسه حماماً.
стр. 255
المقالة العشرون فىِ أَحْكَامِ الأُسْطُوخودُس
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على ستة فصول.
стр. 256
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأُسطُوخودُس
قد فسَّر بعضهم (١) لفظ أُسْطُوخودُس بموقف (٢) الروح، ويُشبه أن يكون كذلك (٣) ، لأنه يوقف (٤) الروح عن التغيَّر الردئ، أى أنه حافظٌ لصحتها. وقد يسمَّى هذا الدواء ستخادس (٥) لأن هذا الدواء يكثر نباته فى جزائر ستخادس (٦) فلذلك سُمِّى هذا الدواء باسم ما يكثر نباتُه فيه (٧)
стр. 257
وهو رقيق السَّفَا، أحمره؛ له جُمَّةٌ كجمة الصَّعْتر وهو أطول ورقاً من الصعتر، وقضبانه غُبْرٌ كما فى الأفتيمون (١) . وطعمُه حريفٌ، مع مرارةٍ ويسير قبض.
وجميع أجزائه تستعمل (٢) فى الطبِّ، وقد يُستعمل على حاله، وقد يُتَّخذ منه شراب، وربما اتُّخذ منه معجون بالعسل. وذلك بأن يُربَّى (٣) فى العسل كما يُربَّى الورد ونحوه، ويُفعل ذلك فى الربيع. وغير المربَّى يندر (٤) جداً أن يستعمل بانفراده، وذلك لأجل قوة حرارته ويبوسته؛ بل يُستعمل غالباً مع أدويةٍ أُخر تصلحه وتعدِّله.
وجوهره مركَّبٌ من أرضيةٍ ونارية، وأرضيته بعضها باردةٌ، بها يكون قابضاً؛ وبعضها حارَّةٌ محرقة، بها يكون مُرّاً. وأما الناريةُ، فإنه بها يكون حريفاً.
وجوهره إلى لُطْفٍ، لأن ناريته أزيد من أرضيته الباردة، ومائيته يسيرة. ولذلك لايظهر فيه تفاهة، ولا يتأخَّر ظهور حرافته ومرارته، بل يظهر ذلك عند أول ملاقاته اللسان. وفيه هوائيةٌ كثيرة، ولذلك هو خفيف (٥) جداً.
стр. 258
الفصل الثانى فى طَبِيعَةِ الأُسطُوخُودُس
إن هذا الدواء،لما كان من أرضيةٍ باردة وأرضيةٍ حارَّةٍ محترقةٍ مُرَّة، ومن ناريةٍ، ومائيةٍ يسيرة، وهوائية متوسِّطة؛ وما سوى المائية والهوائية من هذه الأجزاء، فإنه يابسٌ. فلذلك، يجب أن يكون هذا الدواء شديد اليبوسة، ويجب أن يكون حارّاً لأجل غلبة ناريته مع قِلَّة مائيته، وأرضيته الباردة وهوائيته لا مدخل لها فى ترطيب البدن، ومائيته المرطَّبة يسيرة، وباقى أجزائه يابسةٌ؛ فلذلك يجب أن تكون يبوسة هذا الدواء شديدةٌ جداً.
وأما حرارته، فإنها مع قوتها، يجب أن تكون أقل من يبوسته. وذلك لأن حرارته النارية تتعدَّل ببرد المائية والأرضية الباردة، وتسخين الهوائية والأرضية الحارّة ليس بكثير جداً.
ولما كان هذا الدواء كذلك، فهو - لامحالة - موافقٌ للمشايخ والمبرودين والمرطوبين، ضارٌّ بالشُّبان والمحرورين. وقد بَّيَّنا أن هذا الدواء لطيف الجوهر ولابد - أيضاً - أن (١) يكون ملطِّفاً، وذلك لأجل ناريته. ويجب أن يكون (٢) جَلاَّءً محلَّلاً، مفتِّحاً، نفَّاذاً، مقطِّعاً، مجفِّفاً، منقِّياً. وذلك لأنه لمرارته، يجب أن يكون جَلاَّءً مفتِّحاً. ولناريته، يجب أن يكون مقطِّعاً. ولشدة يبوسته مع التحليل، يجب أن يكون مجفَّفاً؛ ولتجفيفه مع الجلاء، يجب أن يكون منقياً؛ فلابد وأن يكون مُنضجاً للمواد الغليظة والباردة، وذلك لأجل تلطيفه مع تسخينه. وهو، لقوة حرارته، يسخِّن
стр. 259
الأعضاء جميعها. ولقوة تجفيفه، يزيل الرطوبات المعِدَّة للعفونة فلذلك، هو من الأدوية المانعة للعفونة، المضعفة لها.
ولما فيه من القبض، يقوِّى الأعضاء؛ وخاصةً الأحشاء (١) ، لأنه - مع القَبْضِ القوى لها - يزيل بَلَّتها المرخية، بتجفيفه. ولأجل لطافة جوهره، مع الجلاء والتلطيف، هو (٢) مفتِّحٌ بقوة. فلابد وأن يكون شديد التلطيف، وإلا لم يكن قوىَّ التحليل؛ ولابد وأن يكون مفشِّيّاً (٣) للنَّفْخ والرياح، وذلك لأنه - مع حرارته - ملطِّفٌ محلِّلٌ بقوة.
стр. 260
الفصل الثالث فى فِعلِه فى أعضَاءِ الرَّأسِ
إنّ هذا الدواء، شديدُ النفع فى الماليخوليا (١) والصَّرَع والرعشة وجميع أمراض العصب الباردة. وأما قوة نفعه من الماليخوليا فلأنه مع تلطيفه الروح بحرراته، فإنه يلطِّفها ويصفِّيها، باستفراغه الأخلاط الغليظة منها، وهى السوداوية والبلغمية.
فلذلك، هذا الدواء يُصلح الفِكْر جداً، ويقوِّى الذهن؛ لأنه يلطِّفُ (٢) الروح (٣) النفسانى والحيوانى معاً، تلطيفاً كثيراً. ولذلك، هو يفرِّح، ويسرُّ النفس. ولكنه، لزيادة تسخينه للروح الحيوانى، يحدُّ مزاجه فى المحرورين فلذلك يكون فيهم، مُحدثاً لسرعة الغضب، لأنه يجعل أرواح هؤلاء، بحدَّتها ومرضها شديدة الاستعداد للحركة إلى خارجٍ دفعةٌ، وذلك ما يُعِدُّ لكثرة الغضب. كما بيَّنَّاه فى كتابنا السالف (٤) .
стр. 261
وأما قوة نَفْع هذا الدواء من الصَّرَع فلأنه يزيل المادة التى منها تتولَّد (١) الرياح المصرعة، ويحلِّل (٢) تلك الرياح. وإمالته (٣) لمادة هذه الدُّخَّانية، بما فيه من الاستفراغ، وبم (٤) هو مجفِّفٌ، فيجفِّفُ الرطوبات الفضلية التى فى الدماغ، فلا يبقى منها ما تتولَّ (٥) منه الرياح.
وخاصَّة (٦) هذا الدواء، تنقيةٌ الدماغ. وقد يُسعط (٧) بوزن درهم منه معجوناً بسعلٍ، فينقِّى الدماغ تنقيةً بالغة. وشرابه نافعٌ من تَزَعْزُعِ الدماغ
لأجل سقطةٍ أو ضربةٍ أو نحوهما، وذلك إذا استعمل هذا الدواء بالعسل.
وأما قوة نفعه من أمراض العصب، فلأنه يسخِّن الأعصاب بحرارته، ويزيل بَلَّتها المرخية لها بتجفيفه، ويقوِّى جِرْمها بما فيه من القبض. وشرابُه يفعل هذه الأفعال كلها، وهو أنفع فى أمراض العصب من جِرْم هذا الدواء، لأن جِرْمه يقلُّ نفوذه إلى الأعصاب، بخلاف شرابه، فإنه - لسيلانه - يسهل نفوذه إلى جميع العصب.
وأما أمراض الدماغ نفسه، فجِرْمُ هذا الدواء أوفق فيها، لأنه يبقى فى المعدة كثيراً، فيكثر ما يتَبخَّر منه إلى (الرأس بجلاء، وشرابه - بسيلانه (٨) - ينحدر من
стр. 262
المعدة سريعاً، فيِقلُّ ما ينفذ منه إلى (١) الدماغ. وهو مع ذلك، فإنه يسخِّن الأعضاء الأُخر كثيراً، لأنه ينفذ إليها؛ ولا كذلك جِرْم هذا الدواء، فإنه يكثر فعله فى الدماغ، ويقل فى غيره من الأعضاء؛ خلا المعدة، فإنه - أيضاً - يفعل فيها بقوة، وذلك لأجل كثرة بقائه (٢) فيها. فلذلك، إذا احتيج إلى الأُسْطُوخودُس لأجل أمراض الدماغ نفسه، فينبغى أن يستعمل شرابه.
ولستُ أستبعدُ أن يكون الأُسْطُوخودُس مقوياً للبصر، ولغيره من الحواس وذلك لأجل تصفيته للروح، وتلطيفه لها.
стр. 263
الفصل الرابع فى فِعلِهِ فى أعضَاءِ الصَّدرِ
إن طبيخ هذا الدواء، نافعٌ لأعضاء الصدر جداً، وذلك لأجل تلطيفه وتفتيحه. وهو فى ذلك، يفعل فعل الزوفا (١) وطبيخه فى هذا، أوفق من جِرْمه لأن نفوذ جرمه إلى هذه الأعضاء عسرٌ.. (٢) من مسام الحجاب الفاصل بين المرئ وقصبة الرئة.
وهو يقوى القلب جداً بقبضه، وبإصلاحه لأرواحه (٣) بما ينقِّيها من السوداء؛ ويفرِّح كثيراً بذلك، لأن الروح إذا صفت ولطفت، سهل تحرُّكها إلى خارج.
стр. 264
الفصل الخامس فى فِعلِهِ فى أعضَاءِ الغِذِاءِ
لما كان هذا الدواء محلِّلاً، مفتِّحاً، منضجاً - بما فيه من الحرارة - كل ذلك فيه، مع قَبْضٍ وتقويةٍ؛ فهو لامحالة موافقٌ للأحشاء، مقوٍّ لها، مجفِّفٌ لفضولها ويُكثر (١) تكرُّب المحرورين والصفراويين، وذلك لأجل زيادته فى سوء مزاجهم ولذلك يشتد تعطيشه لهم، ويقيَّئهم.
ولا أمنعُ أن يكون هذا الدواء نافعاً للكبد، وذلك بما فيه من التفتيح والجلاء والإنضاج، مع القبض المقوِّى. وأما نفعه للطحال، فهو مما أميلُ إليه (٢) ، وذلك لأنه - مع هذه الأفعال - حادٌّ، مقطِّعٌ، مستفرغٌ للمادة الغليظة والسوداوية. لكنه يضرُّ المعدة كثيراً، لتوليده المرار فيها، وذلك للمحرورين خاصة.
стр. 265
الفصل السادس فى فِعلِهِ فى أَعضَاءِ النَّفضِ
إن الأُسْطُوخودُس لأجل تسخينه وتجفيفه وتقويته للأعصاب، هو شديدُ النفع للأعضاء العصبية (١) كلها؛ فلذلك، هو نافع للرَّحم والمثانة، وكذلك (٢) هو نافعٌ لآلات البول. ولأن فيه قَبْضٌ وتقوية، فهو - لامحالة - يقوِّى آلات البول ويجفِّف الرطوبات المرخية لها؛ فلذلك هو نافعٌ من ضعف المثانة واسترخائها ويحبس البول ويمنع سلس (٣) . ومع ذلك، فإنه يُسهل البلغم والسوداء، والإكثار من الإسهال به، يبرئ الصَّرَع والماليخوليا (٤) ويفرِّح جداً، وينقِّى الدماغ.
والشربة منه، من وزن درهمين إلى ثلاثة دراهم - وقيل إلى خمسة دراهم - وتصلحه الكثيراء ولا يحتاج إلى كثير إصلاحٍ. وشربه بالسكنجبين موافقٌ، وقد يُشرب شرابه مع السكنجبين وملحٍ، فيكون أقوى فعلاً.
وإذا أُخذ معجونه فى أيام الربيع، فرَّح النفس جداً، وأخرج مواداً سوداوية وإذا نُطِّلت بطبيخه المفاصلُ، سكَّن وجعها. وينفع جداً من ارتعاش الرأس.
وإذا أُخذ منه جزءٌ، ومن قشر أصل الكبر نصف جزءٍ، وعُجنا بالعسل كان نافعاً للمعدة الباردة، ومن كل خِلْطٍ باردٍ فيها، ومن الأخلاط اللذَّاعة لها. وإذا طُبخ
стр. 266
مع الصعتر وبزر الكرفس وشُرب مع الدواء المسهل (١) ، منع إحداثه المغص. وقد يُسقى المصروع من هذا الدواء، مع السكنجبين والعاقرقرحا فينتفع به جداً.
стр. 267
المقالة الحادية والعشرون فىِ أَحْكَامِ الأَسْفَانَاخِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على خمسة فصول.
стр. 268
الفصل الأول فى مَاهِيَّتِه
إن الأَسْفَانَاخَ (١) من جملة البقول التى تؤكل كثيراً، وإنما تؤكل بعد الطبخ. وورقه محيرٌ لايزيد فى طوله على نصف ذراع، وطعمه تفهٌ إلى يسير ملوحةٍ ومنه برىٌّ، ومنه بستانىٌّ. والبرىُّ أقصر، وتحاريرُ ورقه أغوص.
وجوهر الأَسْفَانَاخِ مركبٌ من مائيةٍ كثيرة، ومن أرضيةٍ محرقةٍ مُرَّةٍ قليلةٍ ضعيفةِ الإحراق والمرارة، ومن هوائية. والمائيةُ بها هو تفهٌ، والأرضية بها هو إلى ملوحةٍ؛ ولو لم تكن هذه الأرضية (٢) - كما قلناه - لكانت تحدث ملوحة قوية ظاهرة، بل مرارة. ولو لم تكن فيه هوائية، لما كان خفيفاً. وليست قِلَّة هذه الأرضية مفرطة، وإلا لم يكن هذا النبات منتصباً؛ فلذلك، لابد وأن تكون هذه الأرضية قليلة الاحتراق قليلة المرارة، حتى يكون القدر المعتد به منها، لا يُحدث ملوحة ظاهرة.
وإنما يُحتاج إلى طبخه، إذا أُريد أكله؛ لتليين أرضيته، فيطيب أكله، ولا كذلك الهندباء والخسِّ ونحوهما من البقول التى تؤكل نَيَّةٌ. لكن هذه الأرضية ضعيفةُ المرارة، فلذلك لا تُحدث ملوحةٌ ظاهرة، فضلاً عن مرارةٍ. ولا كذلك أرضية الهندباء فإنها، مع قِلَّتها، قليلة المرارة؛ فلذلك (٣) تظهر مرارتها فى الهندباء
стр. 269
ولا كذلك هاهنا. (١)
وما يدلُّ على أن (٢) أرضية الأَسْفَانَاخِ أكثر مقداراً من (٣) أرضية الهندباء أنه إذا دُقَّ واعتُصر، كان الخارج (منه من المائية، أقل مما (٤) فى الهندباء؛ وكان الثفل أزيد. فلذلك لابد وأن تكون (٥) أرضية الأَسْفَانَاخِ) (٦) أزيد من أرضية الهندباء وأقل احتراقاً منها، ولابد وأن يكون أغلظ، وإلا لم يُحتج إلى طبخه.
وأفضل طبخ الأَسْفَاناخِ أن يكون مع دسم، فإنه يُطيِّب أكله ويُسرع انحداره، ويكون تليينه ونفعه لأعضاء الصدر أكثر.
стр. 270
الفصل الثانى فى طَبعِ الأَسفَانَاخِ وأَفعَالِهِ مُطلَقاً
قد علمتَ أن الأَسْفَاناخَ مركَّبٌ من مائيةٍ وأرضية، ومائيته كثيرة - ولولا ذلك لما كان الغالبُ عليه التفاهة (١) - لكنها أقلُّ من مائية الهندباء والخسِّ كما قلناه. وأرضيته قليلةُ الاحتراق والمرارة، فلذلك هى ضعيفةُ اليبوسة والهوائية، تفيد تسخيناً لطيفاً، ولا تفيد ترطيباً، كما قلناه. فلذلك، يجب أن يكون الأسْفاناخُ قريباً من الاعتدال؛ لأن حرارة أرضيته، تعاضدها (٢) حرارةُ الهوائية، فتقوى قليلاً حتى تصير قريبةٌ من برد المائية.
ومع ذلك، فإنه يميل إلى بردٍ ورطوبة، ميلاً يسيراً. وذلك لأن مائيته - لكثرتها - تكون (٣) برده أزيد من الحرارة، خاصةً وأرضيته لم تخرج عن طبيعتها بالاحتراق كثيراً. وكذلك، كثرةُ هذه المائية، مع ضعف يبوسة الأرضية، يلزمها أن يكون هذا النبات مائلاً إلى الرطوبة؛ فلذلك: الأَسْفاناخ باردٌ، رطبٌ باعتدال.
ولأجل غِلَظِ أرضيته، يميل إلى الغِلَظِ قليلاً. ولأجل قِلَّةِ احتراق أرضيته، هو يتأخَّر نفوذه عن المعدة، ويتأخَّر هضمُه أيضاً. فلأجل ذلك، وبما (٤) فيه من الملوحة، هو يعطِّش.
стр. 271
وفى هذا النبات غسْلٌ، وذلك بما فيه من الرطوبة. وجلاءٌ يسيرٌ، وذلك بما فيه من الملوحة. وتفتيحٌ يسيرٌ، وذلك بما فيه من الغسل؛ وهذا التفتيح ضعيفٌ لا يبلغ إلى حدٍّ يُحدث الإدرار، وذلك لأجل ضعف حرارة أرضيته ومرارتها.
ولما كان الأَسْفَانَاخُ مع قربه من الاعتدال، هو مركَّبٌ من مائيةٍ وأرضيةٍ تركيباً مستحكماً؛ لاجَرَمَ صار من الأجسام (١) الغاذية، فلذلك كان الأَسْفَانَاخُ دواءً غذائياً. وجميع الأغذية، فإنها تستحيل إلى الأخلاط (٢) ؛ ولما كانت المائية فى هذه النبات كثيرة، لاجَرَمَ أن يكون خِلْطُه مائياً.
стр. 272
الفصل الثالث فى فِعلِهِ فى أعضَاءِ الصَّدرِِ (١)
إن هذا النبات شديدُ النفع لأعضاء الصدر وأمراضه، كالسُّعال، والنزلة والخشونة، والبحوحة، والأورام العارضة فى أعراض الحلْقِ والصدر (٢) ، ولآفات النفس؛ ونحو ذلك. وسبب ذلك، ما فيه من الغَسْل بمائيته، ومن الجلاء اليسير بما فيه من الأرضية (٣) ، وما (٤) فيه من التليين لأجل الحرارة اللطيفة التى فى هوائيته وفى أرضيته القليلة الاحتراق، فإن هذه الحرارة - لضعفها - تقوى على التسييل المليِّن، وتقوى (٥) على التحليل. فلذلك، كان الأَسْفَانَاخُ يستعمل كثيراً فى أمراض الصدر.
ونفعُه للنزلات، لأجل كَسره لحِدَّة موادِّها، ودَفْعه حِدَّتها (٦) ، وذلك بما فيه من المائية والتليين؛ فهو عظيم النفع فى الربو الدموى، وذلك لأنه يدبِّره ويسكِّن فوران الدم (٧) . وإذا كان معه دَسَمٌ، كان أنفع لأمراض هذه الأعضاء وغيرها خاصةً والدَّسَمُ يُطَيِّبه، فيكون انهضامه أجود وأسرع.
стр. 273
وأفضل ما يدسم به فى علِلِ أعضاء (١) الصدر، دِهْنُ اللوز، إذ هذا الدهن شديدُ الموافقة لهذه الأعضاء.
وقد يُطبخ معه الباقلاء فيكون أنفع لهذه الأعضاء، لأن الباقلاء موافق جداً لهذه الأعضاء وأمراضها. وإن عُمل معه مُحُّ البيض النيمرشت (٢) ، كان أكثر نفعاً لهذه الأعضاء ولأمراضها (٣) ؛ إلا ما كان منها تابعاً لزيادة الدم، كالربو الدموى فإنه حينئذٍ، يكون الخالى من البيض أفضل.
стр. 274
الفصل الرابع فى فِعلِهِ فى أعضَاءِ الغِذَاءِ
أنَّا قد بيَّنَّا أن الأَسْفَاناخَ من الأجسام الغاذية، وأن (١) غذاءه أزيد من غذاء الهندباء لأن امتزاج أجزائه أحكم من امتزاج أجزاء الهندباء، وخِلْطه إلى مائيةٍ؟ وليس له غِلَظٌ كثيرٌ كما فى الكرنب والقنبيط ولا بردٌ شديدٌ كما فى الخس فلذلك، يقل تولُّد البلغم عنه، فضلاً عن السواد، لأن جوهره أبعد عن جوهر السوداء، لأجل مائيته.
والبرىُّ منه ألطف من البستانى، لأن أرضيَّة البرىِّ ألطف. وامتزاج أرضية الأَسْفَانَاخِ بمائيته متسحكمٌ، ولذلك (٢) فإن غذاءه يكثر لأجل هذا الاستحكام فإن مائيته لاتتبخَّر كثيراً، فلذلك يكثر (٣) تولُّد الأبخرة عن الأَسْفَانَاخِ فلذلك هو موافقٌ فى النزلات والصداع والرمد، ونحو ذلك من الأمراض التى يُتضرَّر فيها بكثرة الأبخرة (٤) .
وأرضية الأَسْفَاناخِ مع ملازمتها لمائيته، فإنها غير شديدة الاستعداد للتصعُّد وذلك لأجل قلة احتراقها، وتلطُّفها المحترقة، فلذلك تكون هذه الأرضية مانعة للمائية من كثرة التصعُّد، ولذلك (٥) - أيضاً - يقلُّ تبخُّر الأَسْفَانَاخِ ويقلُّ أيضاً تدخُّنه، لأجل
стр. 275
عُسْرِ قبول (١) أرضيته للتصعُّد. فلذلك، يقل حدوث الدُّخَّانية عنه فلذلك، هو غير ضارٍّ لأصحاب الوسواس والماليخوليا.
فلأجل قِلَّة تدخُّنه، يقلُّ تولُّد الرياح منه، لأن حدوث الرياح إنما هو من الدُّخَّانية، فلذلك يقلُّ تولُّد الرياح والنفخ عن الأسْفَانَاخِ ولا كذلك أكثر البقول.
وهو غذاءٌ جيد للناقهين، وللمحرورين، والمبرودين أيضاً! وذلك لأجل قربه من الاعتدال، ولأجل ميله إلى البرد، والرطوبةُ هى للمحرورين أوفق وينفع من الصفراء وأعراضها، وذلك لأجل مضادَّة طبيعته لطبيعتها.
стр. 276
الفصل الخامس فى بَقِيَّةِ أحكَامِ الأَسفَانَاخِ
إنَّ الأسْفَاناخَ لأجل مائيته، مع الجلاء الذى فيه؛ هو مليِّنٌ للبطن، مطلق له. ولأجل قِلَّة ملوحته - جداً - مع كثرة مائيته، وتفاهة طعمه، وبرده ورطوبته هو نافعٌ جداً من حُرقة البول.
وهو غذاءٌ جيِّدٌ للمحمومين، خاصةً الذين بهم (١) مع الحمّى، سعالٌ خاصةً إذا طُبخ بدهن اللوز الحلو (٢) .
والله أعلم!
стр. 277
المقالة الثانية والعشرون فىِ أَحْكَامِ الأَسَلِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على ثلاثة فصول.
стр. 278
الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الأَسَلِ
هذا النبات يُسمَّى أيضاً السَّمَار ويسمى أيضاً سخُومُس (١) وهو النبات الذى تُتَّخذ (٢) منه الحصْرُ، وقد يعالج بالنحت ونحوه، حتى تُتَّخذ منه حبالٌ وقد تُتَّخذ منه غرابيل (٣) . ويسمَّى أيضاً الإذْخِر الأجامى وقد تكلَّمنا فى ذلك وفى سبب هذه التسمية؛ وذلك عند كلامنا فى الإذْخر.
وهو نوعان، نوعٌ دقيقٌ جداً لا ثمر له، تُتَّخذ منه الحصُرْ الرفاع؛ وهذا فى الأكثر يكون صلباً، قليل اللحم، حادَّ الطرف الأعلى. وقد يوجد منه ما هو ليِّنٌ جداً، تُتَّخذ منه الحصْرُ بالعراق، وهى حُصْرٌ لينةٌ لا تنكسر بالعطف والثَّنْى بخلاف الحصر المعمول فى البلاد الأخرى.
ونوعٌ آخر، غليظٌ، له ثمرٌ أسود غليظ. وهذا النوع ينقسم إلى نوعين أحدهما حادُّ الطرف، والآخر ليس كذلك. وكلا (٤) هذين النوعين كثيرُ اللحم ليِّنٌ؛ وتُتَّخذ منهما الحصْرُ الغلاظ.
وجوهر الأَسَلِ مركَّبٌ من مائيةٍ كثيرةٍ وأرضيةٍ، فإنه لولا كثرة مائيته، لم
стр. 279
يكن شديد السبوطة خالياً من العقد الكثيرة. ولو (١) لم يكن فيه أرضيةٌ يعتدُّ بها لم يكن منتصباً، خاصةً مع دِقَّةِ جِرْمه.فلذلك، لابد وأن يكون فى هذا النبات مائيةٌ كثيرة وأرضيةٌ وهوائيةٌ.
وأرضيته (٢) ليست بحارَّةٍ محرقة، وإلا كانت تكون مُرَّةً، ولم يكن طعمه تفهاً. وأما مائيته (٣) ، فليست - أيضاً - باردةً برداً شديداً، وإلا كانت تكون جامدةً، فلم يكن فى هذا النبات لينٌ. ولابد وأنَّ فى جوهر هذا النبات هوائيةً وإلا لم يكن خفيفاً.
فلذلك، هذا النبات جوهرُه من مائيةٍ كثيرةٍ سائلة، وأرضيةٍ غير حارَّة محترقة، وهوائية.
стр. 280
الفصل الثانى فى طَبيعَةِ الأَسَلِ وفِعلِهِ على الإطلاَقِ
إن هذا النبات، لما كان حدوثه وتركيبه من مائيةٍ سائلة، وأرضيةٍ غير حارَّة، وهوائية؛ فطبعه - لامحالة - قريبٌ من الاعتدال، مع بردٍ يسير؛ فإن حرارة الهوائية، لا تقاوم برد المائية والأرضية. وإنما كان هذا البرد ليس بكثير، لأن مائية (١) هذا النبات متسخِّنة، وكذلك هى سائلة.
وأما رطوبة هذا النبات ويبوسته، فإنهما كالمتكافئين، لأن مائيته - وإن كانت أكثر من أرضيته - فإن الأرضية بيبوستها أشد من رطوبة المائية، لأن يبوسة الأرض بالغة، ولا كذلك رطوبة الماء.
ولما فى هذا النبات من الهوائية، فإنها وإن كانت فى نفسها بالغة الرطوبة إلا أن هذه الرطوبة لا مدخل لها (٢) فى التأثير فى بدن الإنسان. وكلامنا هاهنا (٣) فى أمزجة الأدوية، إنما هو باعتبار فعلها فى بدن الإنسان. فلذلك، هذا النبات لابد وأن يكون معتدلاً فى الرطوبة واليبوسة، مائلاً إلى البرودة. ولابد وأن يكون هذا النبات قابضاً، لما فيه من الأرضية التى ليست بمحرقة. ولابد وأن يكون مبخِّراً، وذلك لما فيه من المائية.
стр. 281
الفصل الثالث فى بَقِيَّةِ أَحكَامِه وأَحكَامِ ثَمَرَتِهِ
إن هذا النبات، لما كان كثير المائية، مبخِّراً؛ فهو - لامحالة - مُصَدِّعٌ مُثقلٌ للرأس. وتصديعه هو لأجل كثرة بخاره وتمديده، لا لأجل كيفيته؛ وذلك لأن برد هذا النبات ليس بشديد. فلذلك، بخارُه إنما يصدِّع بكميته، لا بكيفيته.
ولما كان هذا النبات
ذا أرضيةٍ قابضة، وليس فيه كيفية تجلو وتلذع (١) ونحو ذلك، أو تفتِّح بقوة، حتى يكون ذلك مطلقاً للبطن أو مدرّاً للبول. فهو لذلك، عاقلٌ للبطن.
وأما (٢) ثمر (٣) هذا النبات، فيجب أن يكون إلى حرارةٍ ما - ولذلك هو أسود اللون - فلذلك هو مفتِّح، مُدِرٌّ للبول. إلا أن هذا التفتيح والإدرار، غير قويين؛ والحرارة ليست بقويةٍ حتى تكون (٤) محدَّةً للدم. فلذلك، هذا الثمر لايدرُّ الحيض؛ ومع ذلك، فإنه يحبسه، وذلك بما فيه من الأرضية القابضة. وبهذه الأرضية، هو أيضاً يحبس البطن (٥) .
وإذا شُرب مع (٦) هذا الثمر شرابٌ، قوى إدراره للبول، لأن الشراب من
стр. 282
شأنه إدرار البول، على ما بيَّنَّاه من كلامنا السالف فى الأسباب. وإذا قُليت (١) هذه الثمرة، كان حبسها للبطن وللدم أكثر (٢) - لامحالة (٣) - وذلك لأجل ذهاب كثير من مائيتها، فتبقى الأرضيةُ كثيرةً، فيكون استيلاء فعلها أشدُّ.
وجميع هذه الثمرة إذا أُكل، صدَّع الرأس وأثقله. وذلك بما ينفصل من هذه الثمرة من الأبخرة،كما قلناه فى فعل (٤) هذا النبات. وثمرةُ الصنف الذى طرفه غير حادٍّ، أميلُ إلى البرد؛ فلذلك يكون بخارُها بارداً، فلذلك ينوِّم ويُسبت إذا أُكثر من هذه الثمرة. وإنما لا يفعل ذلك، بخارُ هذا النبات نفسه، لأن رطوبته لا تبلغ إلى ذلك، فإن رطوبات الثمرة لابد وأن تكون أزيد من رطوبات الأصل لأن الثمرة لابد وأن يكون فيها رطوبة فضلية، لتكون معدَّة لأن يتكوَّن منها شخصٌ آخر، فلذلك تبلغ هذه الثمرة فى كثرة بخارها، إلى حَدِّ تُحدث (معه) السُّبَات.
وأما ورق هذا النبات، وهو يكون عند أصله؛ فإنه إذا تُضمِّد به، وافَقَ نَهْشَ الهوام والرتيلاء (٥) .
стр. 283
المقالة الثالثة والعشرون فى أَحْكَامِ الآسِ
وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على ثمانية فصول.
стр. 284
الفصل الاول فى مَاهِيَّةِ الآسِ
الآسُ يقال له: المرْسين. منه بستانىٌّ، ومنه برِّىٌّ. أما البستانى، فهو المعروف المشهور باسم الآس والمرسين وهو نباتٌ له أصولٌ، وساقٌ، وأغصانٌ وأوراقٌ وزهرٌ، وثمر، وله شئٌ يظهر على ساقه، على لون ساقه وعلى هيئة (١) كَفِّ الإنسان، يسمَّى البُنْكُ (٢) .
وهذا الآس ينبت فى البساتين، وفى السهل والجبل، ويعظم جداً حتى يصير من الأشجار الكبار، ويشبه أشجار الرُّمَّان، وله زهرٌ أبيضٌ طيب الرائحة وثمرته (٣) مستديرة، تكون أولاً خضراء، فإذا كمل نضجها اسودت. وتكون حينئذٍ حلوة الطعم إلى مرارةٍ وعفوصة. وأما طعم الآس نفسه، فهو مركَّبٌ من العفوصة والمرارة، ويسيرٍ جداً من حلاوة. وهذا الطعم، يوجد فى جميع أجزائه (٤) ؛ فلذلك، جميع أجزائه متشابهة - أيضاً - فى القوة.
стр. 285
وأما الآسُ البرىُّ فينقسم إلى نوعين، أحدهما يسمَّى بدمشق ونواحيها قِفْ وانْظرْ وورقه أعرض كثيراً من ورق الآسِ البستانى وليس له ساق، بل تتَّصل (١) أغصانه كلها بأصوله، وزهرُه فى وسط ورقه، وله ثمرٌ مستديرٌ، إذا نضج (٢) صار لونه أحمر، وفى داخله حَبٌّ صَلْبٌ وقضبانٌ عسرة الأرضاض، مملؤةٌ بالورق وطعمه مركَّبٌ من عفوصةٍ ومرارةٍ.
أما النوع الآخر من الآس البرىِّ فهو أصغر ورقاً من الآس البستانى ولا ساق له - أيضاً - وأطراف ورقه حادَّةٌ، ناخسةٌ لما يلقاها، لونه أخضر إلى سوادٍ وغبرة. وكلا (٣) هذين النوعين، فإنه لا يزيد طوله على ذراع (٤) ، وزهره فى وسط ورقه.
وجميع أنواع الآس فإن خضرتها لا تفارق، وإن جَفَّتْ. ولا يسقط ورقها فى الشتاء، وهذا يدل على أن رطوبة الآس مُبينة، ليست مائية رقيقة، وإلا كانت تتحلَّل بدوام حَرِّ الهواء فى الصيف، وكانت الأوراق تتهيَّأ للسقوط فى الخريف والشتاء.
وجوهرُ الآس مركَّبٌ من أرضيةٍ حارَّةٍ (٥) محترقة، بها يكون عَفِصاً. ولابد وأن تكون (٦) فيه مائيةٌ، وإلا لم يكن سَبْطاً. ولابد وأن تكون فيه هوائيةٌ، وإلا