← Медицина

Медицина · id 240

الشامل في الصناعة الطبية

ابن النفيس

Полный текст (449 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المقالة الرابعة والعشرون فى أَحْكَامِ آسْيُوس وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على فصلين.

стр. 317

الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ آسيُوس إن هذا حَجَرٌ يعلوه شئٌ ملحىٌّ يسمُّوه (١) الأقدمون من الأطباء بالثلج الصينى وأما فى العرف (٢) العامىِّ فإنه يسمَّى البارود (٣) . ويستعمله (٤) الطرقيون كثيراً ويستعمله الزرَّاقون مكان (٥) النفط (٦) والرايتنج. وهو عندهم ضربٌ من الملح يحدث على الصخور النديَّة، وفى جدران المغاير (٧) وسقوفها (وجدرانها) وفى البيوت التى تلحقها النداوة. وهو شئٌ أبيضُ، شبيه دقيق الحنطة؛ يظهر على هذه الأشياء المذكورة فإذا وُضع على الخمر أو على النار الخامدة، اشتعل بسرعة. فلذلك، إذا وُضع على السُّرُج (٨) التى يُطفى (٩) لهيبها وشُعلها (١٠) ، وتبقى النارية فى طرف الزبال فإن ذلك الطرف يشعل، ويعود لهيب السَّرج (١١) بسرعة. وكذلك، إذا وُضع

стр. 318

على الشمع الذى طفئ لهبه، ونحو ذلك. وذلك (١) يدلُّ على أن جوهره ليس بملحٍ صرف، فإن الملح (ليس) (٢) من شأنه الاشتعال. فلذلك، لابد وأن يكون فى جوهره كثرة أرضية (٣) بها يقبل الإشعال بسرعة. وكذلك، فإن طعمه يلذع اللسان، ليس (٤) كما فى الملح فقط؛ ولو كان من جوهر الملح، لكان يذوب بالماء وبالنداوة، وليس كذلك. والمعروف من كلام فضلاء الأطباء الأقدمون، أن هذا الحجر يسمَّى البارود وهو زهرة حجر يسمَّى آسيوس (٥) وكان هذا الحجر ينفصل منه هذا الشئ، على الوجه الذى ذكرناه. والمشاهد، أن هذا غير مختصٍّ بنوعٍ مخصوصٍ من الحجارة بل الحجارة الرخوة ونحوها (٦) ، كالطين الذى يكون فى الجدران إذا جَفَّ، وما أشبه ذلك - كالطوب ونحوه - فإن هذه الأشياء إذا لحقتها النداوة، نفذت إلى باطنها لتنفيسها (٧) لها، وإذا طال زمان تلك النداوة فى داخل هذه الأجسام وشبهها، فتعفَّنت، فحدث لها بهذه العفونة سخونةٌ شديدة، وهذه السخونة تبخِّرها (٨) ، وإذا تبخَّرت (٩) تلك النداوة، تصعَّد معها أجزاءٌ لطيفة من تلك الأجسام الأرضية، فيحدث بذلك بخارٌ دُخَّانىٌّ.

стр. 319

ثم إن هذا البخار الدُّخَّانى إذا بلغ فى تصعُّده ظاهرَ تلك الأجسام، صادفه بردُ الهواء، وهو لطيفٌ جداً مستعدٌ للانفعال، فانفعل - لامحالة - عن ذلك البرد انفعالاً شديداً، فيجمد ما يجمد من البخار الدخانى فى الجو (١) ، إذا لاقته ريحٌ باردةٌ فجمَّدته، فيحدث (٢) من ذلك الثلجُ. وأظنُّ - والله أعلم - أنه (٣) إنما سُمِّىَ بالثلج، لأن حدوثه يشبه حدوث الثلج. إلا أن حدوث الثلج هو عن بخارٍ تغلب (٤) فيه المائية جداً، فلذلك يكون جوهرُ الثلج أكثره مائىٌّ. وكذلك، هو سريعُ القبول جداً للذوبان، ولا كذلك هذا البارود. فإن حدوثه من بخارٍ تغلب عليه الأرضيةُ غلبةً كثيرةً، فلذلك (٥) هو لايقبل الذوبان (٦) سريعاً؛ ولكنه يقبل الإشعال كثيراً، وذلك لأن ما فيه من الأرضية، هى لطيفةٌ جداً، لأنها متدخِّنةٌ. ومع ذلك، فإنها لولا حدث (٧) البرد لها، لكانت تكون (٨) متصعِّدة؛ فإذا لاقتها (٩) الحرارة النارية، أزالت عنها تأثير البرد، فبقيت شديدةَ (١٠) القبول للتصعُّد - كما كانت أولاً - فلذلك تكون (١١) هذه الأرضية شديدة القبول للاشتعال، كما بيَّنَّاه فيما سلف.

стр. 320

وإذا حدثت (١) العفونةُ للنداوة المحتبسة فى هذه الأجسام، فلابد وأن تحدث (٢) هوائيةٌ ما، وذلك لأجل شدة تسخُّن المائية. وهذه الهوائية تكون حارّةً وإذا اختلطت أجسامٌ أرضيةٌ لطيفةٌ حارّةٌ (٣) ، وهوائيةٌ حارّةٌ، ومائيةٌ قليلة؛ حدث من ذلك جوهرٌ دُهنىٌّ (٤) ، فكذلك هذا البارود لايخلو (٥) من جوهرٍ دهنى. وبسبب ذلك، هو شديدُ القبول للإشعال - جداً - وبسبب هذه الهوائية، هو شديدُ الخِفَّة. وقد يحدث مثل هذا، على الجدران القريبة العهد بالتطيين (٦) ، إذا لم تلحقها شمسٌ قوية التجفيف؛ فيحدث على ظاهرها، هذا النوع المسمَّى بالبارود. وذلك لأن (٧) هذه الجدران، ما لم يلحقها ما يحفِّفها، بقيت فيها أجزاءٌ مائيةٌ (مُرَّةٌ) فتعرض لها العفونةُ؛ ويعرض من ذلك ما قلناه. فلذلك، جوهر البارود من أرضيةٍ لطيفةٍ جداً، متدِّخنةٍ؛ ومن مائيةٍ متبخِّرةٍ، قد (٨) عرض لها جمودٌ باردٌ وهذا ببردٍ (٩) مجمِّدٍ مكثِّف (١٠) .

стр. 321

الفصل الثانى فى طَبِيعَتِه وَبَقِيَّةِ أَحكَامِه لما كان جوهر البارود من أرضيةٍ لطيفةٍ حارَّةٍ متدخِّنة، و (١) مائيةٍ حارَّةٍ متبخِّرة وقد عرض لها جمودٌ بالبرد، وهذا الجمود يزول (إذا) (٢) ورد هذا الجسم إلى البدن، لأن ما فى بدن الإنسان من الحرارة دَفَعَ ذلك الجمود، فلذلك تبقى أجزاء هذا الجسم كما كانت أولاً، فلذلك (٣) يكون هذا الجسمُ شديدَ الحرارة مفرطَ اليبوسة، شديدَ التجفيف، شديد الجلاء والتحليل. ويلزم ذلك، أن يكون شديدَ التنقية. فلذلك، كان هذا الدواء نافعاً من القروح العسرة الإندمال والعتيقة، والعميقة، والوسخة، والرهلة (٤) ؛ لأنه مع شدة تجفيفه وتنقيته وتحليله ليس فيه لَذْعٌ، لأجل ما فيه من الجوهر المائى الغائر. وهو ينبتُ دماً لِلَّحم فى القروح العتيقة والوسخة، لأن تجفيفه القوى يكون فى مثل هذه القروح بقدرٍ معتدل، وذلك لأجل إفراط الرطوبة فى هذه (٥) القروح. ولما كان هذا الدواء شديدَ الحرارة، فهو - لامحالة - يُذيب الرطوبات واللحم

стр. 322

الفاسد. وهو مع ذلك، قوىُّ (١) التجفيف جداً؛ فلذلك (٢) ، هذا الدواء من شأنه أن يأكل اللحم الفاسد الذى فى القروح، وينقِّيها (٣) . ولكنه - مع ذلك - يُنبت اللحم فى القروح الكثيرة الرطوبة، لما قلناه أولاً. ولما كان هذا الدواء - بقوة حرارته - يسخِّن رطوبات العضو تسخيناً مفرطاً. وذلك التسخين، لامحالة، غير غريزى (٤) ؛ فلذلك، هذا الدواء من شأنه تعفين الرطوبات واللحم الزائد ونحوهما. ولأن هذا الدواء قوىُّ الحرارة، وهو قوىُّ الجلاء، وجوهره شديدُ اللطافة (٥) ؛ فهو لا محالة شديدُ التفتيح جداً. وإذا خُلط هذا الدواء بالعسل، كان شديدُ التنقية للقروح، ويملأها لحماً. وذلك لأجل تعدُّل تجفيفه (٦) ، فيكون تجفيفه حينئذٍ بقدرٍ يمنع الرمد والانتشار، ولا يُبقى ما فيهما (٧) من اللحم بقوة التجفيف. وإذا خُلط بالباقلاء، وضُمِّدَ به النَّقْرسَ، نفع؛ وذلك لأجل اجتماع التحليل - حينئذٍ - مع التقوية، بقبض الباقلاء. وإذا خُلط بالخلِّ والكلس وضُمِّدَ به الطُّحَال الصلب، نفعه (٨) ؛ وذلك بما فيه من الإذابة وقوة التحليل.

стр. 323

والكلس يعينه على ذلك، بقوة تجفيفه وإذابته؛ والخل يعينه على ذلك بتقطيعه (١) وتقيُّد ما يخالطه من هذا الدواء. وإذا لُعِقَ من هذا الدواء قدرٌ يسيرٌ جداً، مع عسلٍ كثيرٍ؛ نَقَّى قروح الرئة بما فيه من الجلاء والتجفيف والتنقية، ولذلك يكون (٢) نافعاً من السُّلِّ. وإذا ورد البارودُ على الأبدان فى الحمَّام، أَضمرها وهرَّئها (٣) ، وذلك بقوة تجفيفه. وإذا وُضع منه اليسير على السِّنِّ الدامية، أصلحها وقطع ذلك الدم منها وجفَّف اللثة وشدَّها، وأكل اللحم الفاسد منها، كما فعل فى القروح الرهلة (٤) والوسخة. وإذا اكتُحل به، جلى (٥) العين بقوة، فأزال البياض (٦) ، وقوَّى النظر بتلطيفه الروح التى فى داخل العين.

стр. 324

المقالة الخامسة والعشرون فى أَحْكَامِ الإسْفَنْجِ وكلامُنا فى ذلك، يشتمل على فصلين

стр. 325

الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الإِسفَنجِ إن هذا يسمَّى: رغوةُ البحر، وغيمٌ، وغمامةٌ، وسحابةٌ والنشافُ وصوفُ البحر (١) . والحق إنه حيوانٌ يتكوَّن على حجارةٍ فى البحر، ملتصق بها يكون هناك أسود اللون، لأجل ما يعلوه من الأوساخ، وإذا أُخرج وأُصلح (٢) صار منه ما هو أحمرُ اللون إلى سوادٍ كمدى، ومنه ما يميل إلى الصفرة. واغتذاؤه (٣) على سبيل استحالة ما يلاقيه من أوساخ الماء إلى جوهره، لا بأن (٤) يرد جسمٌ إلى باطنه، ويستحيل إلى حاله، ثم يتوزَّع على سائر أجزائه بل إنما يغتذى بأن يحيل ما يلقاه إلى جوهره، فيكون اغتذاؤه (٥) من خارجٍ وبالقدر الذى يلاقيه، وفى الجهة التى يلقاه منها الجسم الذى يستحيل إلى جوهره. وكذلك ثمره، يكون على حسب ما يلقاه. ولا (٦) تهديه (٧) قوة فيه لأجزائه (٨) طولاً وعرضاً وعمقاً على نسبة مخصوصة كما فى سائر الحيوان (٩) . وليس له شئٌ من الحواس، سوى حِسِّ اللمس. ولا

стр. 326

حركة له انتقالية، بل انبساطية وانقباضية؛ وذلك لأنه ينقبض (١) عند ملاقاة ما يؤذيه ويؤلمه، وينبسط (٢) فى غير تلك الحال. ومنه نوعٌ ضيقُ الثقوب جداً، يقال له الذكر وأما الواسع الثقوب فإنه يقال له الأنثى. ومنه نوعٌ مُتَجَحِّرٌ، ويخرج من البحر متحجِّرٌ كما يتحجَّر السرطانُ البحرى والمرجان ونحوهما، وإذا انقلع من الحجارة التى هو ملتصقٌ بها، حُفر له حفرةً فى الرمل الذى فى ساحل البحر، ووُضع فيها، وغُطِّىَ بالرمل، وبعد يومٍ (٣) أو يومين يخرج وقد صار على الهيئة المعروفة.وأما إذا لم يُفعل به ذلك، فإنه يحدث له رَهَل (٤) شديدٌ من (٥) الرطوبات التى تكون فيه، ويفسد، ويتمزَّق. ويكثر تولُّد هذا فى (الحشرسينة) (٦) ومن هناك يُجلب إلى أكثر البلاد وبعض المتأخرين ينكر (٧) أن يكون الإسفنج حيواناً، وليس لإنكاره وجه (٨) .

стр. 327

وجوهرُ الإسْفَنْجِ لابد أنه قليل (١) المائية جداً؛ ولذلك (٢) ، إذا قُطِّرَ فى القرع والإنبيق (٣) ، لم يَقْطُرْ منه شئٌ. وهو - لامحالة - كثيرُ الهوائية جداً، ولذلك هو شديد الخِفَّة. ومحالٌ أن يكون من أرضيةٍ صرفة، وإلا كان يتفتَّت. فلذلك لابد وأن يكون جوهره من أرضيةٍ بغاية الصِّغَرِ واللطافة، ومن مائيةٍ يسيرة جداً مع هوائيةٍ كثيرة جداً. وأجزاؤه (٤) المائية والأرضية، شديدةُ التلازم والتماسك ولذلك فإن مائيته لا تتبَّخر (٥) ولا تتصعَّد بدون أرضيته (٦) . وأما أجزاؤه (٧) الهوائية، فكأنها كالمتفضِّلة من أجزائه (٨) الأخرى وكأنها ساكنة فى فُرَجٍ (٩) فيه، صغارٍ جداً، لاتظهر للحاسة. وكأن جوهرَ الإسْفَنْجِ جميعه، ذا فُرَجٍ؛ لكن فُرْجَه (١٠) بعضها كثيرةٌ محسوسة - وهى الثقوب التى فيه وبعضها لا تظهر للحس، لأجل إفراط صغرها. وكلا الفَرْجتين (١١) مملوءةٌ هواءً لكن الكبار منها يكثر ما فيها من الهواء (الذى ليس من) (١٢) جوهر الإسْفَنْجِ ولا كذلك الهواء الذى فى الفُرَجِ الصِّغَار التى لا تُحس، فإن ذلك الهواء يعدُّ من جملة

стр. 328

جملة جوهر الإسْفَنْجِ، لأنه لا يُحَسُّ له مكان فيه (١) فلذلك لايعد منفصلاً من الإسْفَنْج. وكأن الإسْفَنْجِ ماءٌ يجرى - غليظٌ أرضىٌّ - أزبد، ثم حدثت (٢) له حرارةٌ حلَّلت منه كثيراً من المائية، وأبقت (٣) الجوهر الأرضى، و (٤) إنما يخالطه فى المائية، ما يحفظ اتصاله فقط. ثم ذلك الزبد - بقوة الحرارة - بقيت (٥) الهوائيةُ التى فيه محفوظةً. وهذه الأرضية هى لامحالة من أرضية ماء البحر، فلذلك (٦) هى أرضيةٌ متدخِّنةٌ، لطيفةٌ جداً، حارَّةٌ؛ وذلك لأن سبب اختلاط ماء البحر بالأرضية، هو تصعيد حرارة الشمس والكواكب، لما تحته من الأرضية إلى مخالطته. وتصعُّد الأرضية إنما يكون بالحرارة، وذلك إذا تلطَّفت (٧) بتلك الحرارة وصارت أجزاءً (٨) دخانية. ولذلك، أرضية (٩) الإسْفَنْجِ لابد وأن تكون (١٠) شديدةُ اللطافة، دخانيةٌ حارة. والمائية - كما قلناه - هى فيه قليلة جداً؛ فلذلك، جوهرُ الإسْفَنجِ لابد وأن يكون حارّاً، شديدَ اليبوسة.

стр. 329

الفصل الثانى فى طَبِيعَتِه وسَائِراً أَحكَامِه قد علمتَ أن جوهر الإسْفَنْجِ مركَّبٌ من أرضيةٍ شديدة اللطافة، حارَّةٍ متدخِّنة؛ ومن مائيةٍ يسيرة جداً، وهواءٍ كثير (١) . والهوائية لا تأثير (٢) لها فى ترطيب بدن الإنسان. وأما الأرضيةُ فهى شديدةُ اليبوسة والتجفيف، لأجل زيادة تجفُّفها بالحرارة المدخِّنة (٣) لها. وما فى جوهر الإسْفَنْجِ من المائية، لابد وأن يكسر يبوسة تلك الأرضية كسراً ما - لامحالة - فلذلك، يكون تجفيفُ الإسْفَنْجِ بقدرٍ ما، غير مفرط. ويجب أن يكون إلى حرارةٍ، وذلك لأجل مافيه من الهوائية، مع الأرضية الحارة؛ وهذه الحرارة (٤) يسيرة جداً، لأجل المائية الباردة. فلذلك، يجب أن يكون الإسْفَنْجُ حارّا (٥) يابساً، وتكون يبوسته أكثر من حرارته، وماؤه (٦) جديداً قريبَ العهد بماء البحر؛ فإن تجفيفه ويبوسته يكونان أزيد، وكذلك حرارته (وأما إذا عُتِّق (٧) واستعمل بالماء كثيراً فإنه يبطل تجفيفه ويقل يبوسته جداً وكذلك حرارته) (٨) .

стр. 330

وإذا أُحرق الإسْفَنْجُ ازداد لا محالة جفافاً، وتقلُّ حرارته، لأنه يتحلَّل بالاحتراق لأن جوهره لطيفٌ. فلذلك، يصير رماده شديدُ التجفيف، قليلُ الحرارة. فإن غُسل بعد ذلك رمادُه، صار أقلَّ جفافاً ونقصت حرارته جداً حتى يصير بارداً. وإذا كان المحرق من الإسْفَنْجِ الذى لم يُغسل، شديدَ التجفيف فهو لامحالة قابضٌ بقوة تجفيفه؛ فلذلك هو يقطع نزف الدم من المواضع التى (يسهل) (١) منها، عند القطع والبَطِّ ونحو ذلك. ويُستعمل حينئذ بأن يُغمس الإسْفَنْجُ بالقُفْر (٢) المذاب، أو الزفت، ثم يوضع عنه وتُستعمل (٣) فيه النار فينقطع الدم بمُكْنة (٤) تجفيفه، ويبقى على الموضع ما (يحفظه) (٥) عن ملاقاة الأهوية وغيرها. والغرض بوضع الإسْفَنْجِ حينئذ فى القُفْر أو فى الزفت، هو أن يصير سهل الاشتعال؛ ولذلك (٦) ينبغى أن يكون وضعه حينئذ فى أحد هذين وهو شديدُ الجفاف مما (٧) يكون فيه من المائية وإن قَلَّت جداً، ليعاون (٨) لامحالة

стр. 331

فى سهولة الاشتعال. والغرض (١) أن يكون إحراق هذا الإسْفَنْجِ بعد وضعه على العضو، أن يكون حينئذ فيفعل فعل الكَىِّ، فيكون حبسه للدم قوياً. ومع ذلك فإنه يُحدث على العضو خشكريشةً مائية (٢) ، وذلك لأجل يبوسة جوهر الإسْفَنْجِ. وأما الإسْفَنْجُ الذى لم يحرق، فإنه لضعف تجفيفه، ليس يقوى فى أكثر الأمر على لحام (٣) القروح، خاصةً الوسخة والعتيقة؛ بل إنما يقوى فى الأكثر على لحام (٤) الجراحات الطرية، وذلك بأن يوضع عليها بعد أن يُبَلَّ بالخلِّ أو بالشراب، فإنه حينئذ يُدمل تلك الجراحات. والغرض ببَلِّ الإسْفَنْجِ فى الخلِّ أو فى الشراب، للإستعانة (٥) بكل منهما على الإندمال (٦) . أما الخلُّ فلما فيه من القَبْضِ والتجفيف، وأما الشراب فلما فيه من القَبْض والتقوية. وقد يُمزج الخلُّ (٧) الممزوج به الإسْفَنْجُ بالماء، لئلا يكون لذَّاعاً بقوة حمضَّيَّة (٨) . وقد يقوى الإسْفَنْجُ على لحام القروح، وإن كانت عتيقة؛ وذلك إذا قُوِّىَ بالعسل المطبوخ. لأن هذا العسل، بقوة جلائه (٩) وتحليله، يُفنى الرطوبات

стр. 332

الفضلية، فيعين الإسْفَنْجَ على التجفيف الذى لابد منه فى الإدمال. وقد يُدمل الإسْفَنْجُ وحده القروح، بدون العسل؛ وذلك إذا كانت تلك القروح فى أعضاءٍ رطبة ونحو ذلك، لأن هذه القروح ليست تفتقر فى إدمالها إلى تجفيفٍ شديد جداً، كما بيَّنَّا فى علاجنا الكلى (١) . وإذا فُتلت من الجديد منه فتيلةٌ، وأُدخلت فى المقعدة؛ قطعت سيلان الدم من أفواه عروقها، وذلك إذا كان ذلك السيلان قد أفرط، وفُتحت هذه العروق وسَيَّلت الدم منها؛ إن كانت تلك العروق قد حدث لها السداد، الزائد على ما ينبغى فى العادة. وذلك لأن بعض الناس يكون له تماد (٢) بسيلان الدم من أفواه عروق مقعدته، فهذا إذا أفرط به السيلانُ، حبسته (٣) هذه الفتيلة بفرط تجفيفها القابض (٤) لأفواه تلك العروق. وإن أُحبس به هذا السيلانُ، بأزيد مما ينبغى حتى يتضرَّر (٥) بذلك؛ فتحت هذه الفتيلةُ أفواه هذه العروق، فيسيل منها ذلك الدم، ويندفع ضررُه. وذلك لأن هذه الفتيلة بفرط (٦) جلائها (٧) ، وقوة حدتها لهذا الدم بسبب قوة تجفيفها، تفتحا هذه العروق. وإذا أُحرق الإسْفَنْجُ ولَعَقَ منه صاحبُ نفث الدم، ببعض الأشربة الحابسة

стр. 333

للدم؛ انقطع عنه ذلك النفث؛ وذلك كشراب الإنجبار (١) وشراب لسان الحمل (٢) ونحوهما. وكذلك، إذا لُعقت حراقة الإسْفَنْجِ بالعسل، فإن (٣) العسل وإن كان فيه جلاءٌ وتفتيحٌ ينافى بهما حبس الدم، فإنه يفيد جرم (٤) الإسْفَنْجِ (٥) ويعين على هذا الاحتباس. وأظن - والله أعلم - أن هذا الإسْفَنْجَ المحرق، إذا لعقه صاحب السُّلِّ انتفع به جداً؛ وذلك لأجل تنقيته لصاحب قرحة الرئة، بقوة جلائه وتجفيفه. فإن هذا المحرق كما يشتدُّ (٦) تجفيفه فإنه يشتد جلاؤه جداً، وذلك لما يكسبه بالاحتراق من الحدة، وإن كان إحراقه بعد غمسه بالزيت أو القفر (٧) كان نفعه لصاحب السُّلِّ، أزيد من (٨) أن يكون هذا المحرق ضاراً. وهذا الإسْفَنْجُ المحرق، شديدُ الجلاء لبياض العين، نافع للرمد اليابس

стр. 334

وذلك بقوة جلائه وتحليله (١) . وإذا غُسل بعد إحراقه، كان أنفع لقروح العين وسائر أمراضها، وذلك لأجل إزالة الغسل (٢) ما يكون فيه من الحدة. وإذا وضع الإسْفَنْجُ على الأورام الباردة المادة، نفع منها؛ وذلك لأجل تحليله، وقوة تجفيفه وجلائه. وإذا كانت هذه الأورام من بلغمٍ رقيق، نفع منها - وحده - وإذا كانت من مادة غليظة، فينبغى أن يكون هذا الإسْفَنْجُ مغموساً بالخل؛ لأن هذا الخل بتقطيعه وتلطيفه، يُعين (٣) على تحليل (٤) هذه المادة بالجلاء (٥) والتجفيف والتحليل. وكذلك إذا كانت هذه المادة مع (٦) غلظها غائصةً - كمادة أورام الطحال - فإن هذا الإسْفَنْجَ ينفع منها جداً، خاصةً إذا كان ذلك الخلُّ عُنْصُلياً (٧) . وإذا أُدخل فى القروح العتيقة فتيلةٌ من إسْفَنْجٍ حديث (٨) ، جَفَّفت تلك القروح.

стр. 335

وقد يوجد فى ذلك الإسْفَنْجِ حجارةٌ صِغَارٌ، وهذه الحجارة - لامحالة - من المادة التى تكوَّن منها الإسْفَنْجُ والتى يتكوَّن منها الإسْفَنْجُ والتى يغتذى (١) منها وذلك إذا كانت هذه المادة قليلةُ الهوائية جداً، حتى تكون مستعدة للتحجُّر. فكذلك هذه الحجارة، لابد وأن تكون فى تجفيفها وجلائها (٢) كالإسْفَنْج (٣) ولَدِنةٌ (٤) قليلاً، لأجل زيادة يبوسة مادتها. ولابد وأن تكون (٥) أقل حرارة - لأجل فقدانها - و (٦) لابد وأن تكون متدخِّنة بحرارة الشمس والكواكب، لأنها من جملة الأرضية المخالطة لماء البحر. وإذا كان كذلك، فإن هذه الحجارة لابد وأن تكون مفتِّتة للحصاة، لأجل ما فيها من الجلاء والتلطيف والتجفيف القوىِّ المعين على التفتُّت. ولكن هذه الحجارة، لأجل قلة حرارتها الظاهرة من أمرها، فإن قوة تفتيتها (٧) (لايتعدى حصاة الكلية، إلى حصاة (٨) المثانة، اللهم إلا إذا أُحرقت هذه الحجارة، فإنها قد يبلغ) (٩) تفتيتها إلى حصاة المثانة. وذلك لما يفيده (١٠) الإحراق من زيادة الحِدَّة وقوة الجلاء والتجفيف.

стр. 336

وأما الإسْفَنْجُ المتحجِّرُ فالظاهر - والله أعلم - أن قوته، قوة هذه الحجارة التى توجد فى الإسْفَنْجِ وذلك لأن هذا إنما يتحجَّر، لزيادة يبوسة مادته وقِلَّة هوائيته، كما قلنا فى حجارة الإسْفَنْجِ.

стр. 337

المقالة السادسة والعشرون فىِ أَحْكَامِ الإِسْفِيدَاجِ وكلامُنا فى هذا، يشتمل على خمسة فصول.

стр. 338

الفصل الأول فى مَاهِيَّةِ الإِسفِيدَاجِ الإِسْفِيدَاجُ جوهرٌ يشبه الرصاص (١) ، وإلا قد يشبه الزِّنجارَ (٢) مِنَ النحاسِ وذَلِكَ لأن الزنجارَ هو نحاس متصغر (٣) الأجزاء وتصغيره بالخل ونحوه، وكَذَلِكَ (٤) الإِسْفِيدَاجُ هو رصاص إذا صار (٥) مُتَصَغِّرَ الأجزاءِ - وتصغيره هو بالخل ونحوه - وإن حالف (٦) الزنجارَ بأنه غيرُ حارٍّ (٧) ، ولا لذَّاعٍ، ولا محلَّلٍ تحليلاً قوياً. فلا هو حارّ (٨) ، بل (٩) هو مبرَّدٌ (١٠) بِخلاف الزنجارِ، على ما تعلمه (١١) فى موضعه (١٢) .

стр. 339

وسبب خلافهما (١) فى ذلك، هو اختلافهما (٢) بالمادة. وهذا (٣) لأن مادة الزنجار هى (٤) النحاس، ومادة الإِسْفِيدَاجَ هى (٥) الرصاص أولاً. وهو بارد (٦) - وكان رطباً - وذلك يمنع من أن يكون الإسفيداج (٧) حارَّاً، أو حاراً لذَّاعا (٨) ونحو ذلك. ولما كان الإِسْفِيدَاجُ رصاصاً متصغِّرَ الأجزاء، فجوهرهُ - لامحالة - من جوهر الرصاص. وقد علمت أنَّ جوهر الرصاص، مركَّبٌ من كبريتٍ وزئبق على الوجه الذى قلناه عند كلامنا فى الآبار (٩) . فالإسفيداج يجب أن يكون جوهره (١٠) كذلك، وإن كان لابد وأن يستفيد (١١) مما يحدثه كالخل ونحوه من (١٢) قوةٍ زائدةٍ. ولذلك (١٣) ، فإن الإِسْفِيدَاجَ مجفِّفٌ يابسٌ، والرصاص رطبً، على

стр. 340

ما نقوله (١) بعد. واتُّخذ الإِسْفِيدَاجُ ليس لأجل الطِّبِّ فقط، بل يُتَّخذ لأغراضٍ (٢) كثيرةٍ فلذلك تختلف وجوهُ اتِّخاذه باختلاف الأغراض. وليس (٣) مما (٤) يليق بهذا الكتاب، تبيين الوجوه التى (٥) يُتَّخذ عليها (٦) لغير الطبِّ. وتعديدُ الوجوه (٧) التى يُتَّخذ عليها لأجل الطب، وتبيينُ كيفية كُلِّ واحدٍ منهما، مما (٨) يطول؛ فلذلك رأينا أن نقتصر على بيان (٩) أفضل الوجوه التى يُتَّخَذُ عليها للأغراض الطبية (١٠) فنقول: إنَّ وجود وجوه اتخاذه لأعمال الطِّبِّ، أن يوضع فى إناءٍ من فُخَّارٍ واسع الرأس - كالإجانه (١١) ونحوها - خَلٌّ نظيفٌ (١٢) ، دون القدر الذى يملأها ويُغطى رأس هذه الآنية (١٣) ، بقطعةٍ من بارية (١٤) ، ليكون لهذا الغطاء مسام

стр. 341

يسهل (١) نفوذ (٢) بخار الخلِّ فيها إلى فوق الغطاء، ويُجعل تحت هذه البارية قُضبانٌ قوية، لئلاَّ تنحنى البارية، فيقلُّ ما يوضع عليها من الرصاص (ثم يجعل الرصاص) (٣) فوق هذه البارية. والأفضل أن يكون هذا الرصاص مُرَضّاً (٤) ، ليكون انفعاله (٥) عن بخار الخلَّ (٦) ، أسرع وأكثر؛ فإنَّ المنْفعل (٧) إذا قلَّ، اشتَّد (٨) فعل الفاعل فيه ثم يُغطَّى فوق هذا الرصاص - بغطاءٍ مستحصف، يمنع (٩) نفوذ (١٠) بخار الخلَّ إلى خارج. وينبغى أن يكون هذا الغطاء من الخشب أو الخزف ونحو ذلك، فلا يكون مما يَفْضُل (١١) منه - ببخار (١٢) الخل - أجزاءٌ تخالط ما يفضله (١٣) هذا الخلّ (١٤) من

стр. 342

جِرمْ الرصاص، فيكون ذلك الإِسْفِيدَاجُ مخلوطاً بجوهرٍ غريبٍ. وكذلك اُخْتِير (١) أن تكون (٢) هذه الآنية من الفخار ونحوه، فلا تكون (٣) من النحاس أو الحديد فيفضل (٤) الخلُّ منها أجزاءً تخالط الإِسْفِيدَاجُ وتُفسده. وكذلك ينبغى أن تُطيَّن حافة (٥) هذا الغطاء مع السَّطح (٦) الذى يلقاه من هذه الآنية حتى لا يبقى موضعٌ، يخرج منه ما يتبخَّر (٧) من هذا الخلِّ. ثم بعد ذلك، توضع هذه الآنية فى شمسٍ حارة، وذلك إذا عُمل ذلك (٨) فى الصيف، والغرض (٩) بذلك: أن يُسَخَّنَ الخلِّ بحرارة الشمس، فيصعد إلى ذلك ويفعل به، وكذلك (١٠) ينبغى أن تكون (١١) هذه الشمس حارّةً، ليكون ما يتصعَّد من بخار الخل كثيراً. فإن لم يكن ذلك، وذلك كما لو عُمل ذلك فى الشتاء، فإنه حينئذٍ (١٢) يحتاج أن تجعل هذه الآنية فى موضعٍ له حرارةً، تشابه حرارة شمس الصيف

стр. 343

فلذلك قد توضع هذه الآنية حينئذٍ على سطح حَمَّام أو اَتُونُ. ومع ذلك فإن المعمول فى الصيف أفضل، لأن حرارة الشمس فى الصيف، تُسَخِّن هذا الخلَّ من جميع جهاته، وتُسخِّن جِرْمَ الرصاص، فيسهل انفعاله عن بخار هذا الخل وتُحفظ على هذا البخار حرارته عند ملاقاته (١) الرصاص. ويلزم ذلك أن يكون فعل هذا البخار أشد وأقوى، ولا كذلك حرارة سطح الحمام ونحوه؛ فإنها إنما (٢) تُسَخِّن هذا الخلَّ من تحته فقط، ولا تُسخِّنه (٣) من جوانبه إلا بقدر تَسخُّن (٤) الهواء الذى يكون فى تلك الجوانب عن حرارة هذا السطح، ومع ذلك فإنها لا تسخِّن الرصاص فلذلك (٥) يكون انفعال الرصاص حينئذٍ أعسر، وفعل بخار الخل أضعف. ثم إذا تركت هذه الآنية على الوجه الذى قلناه أياماً، وكشفت (٦) بعد ذلك هذه الآنية، فإن وُجد الرصاص قد ذاب (٧) وانتشر فى الخل، وإلا أُعيد الغطاء وصبرُ بعد ذلك مدة، إلى أن يتم ذوبان (٨) ذلك الرصاص وانتشاره فى الخل فلترفع البارية (٩) ويزُال من الخل (١٠) ، ما يكون خافياً (١١) واقِعاً (١٢) على قوامه

стр. 344

فيُجعْل فى آنيةٍ أخرى، لأَن يُعمل فيه ما قلناه، مرةً أخرى، ونحو ذلك. وما يكون من الخلِّ قد صار نَدِياًّ (١) بمخالطة الرصاص له، جُفِّفَ فى الشمس - إما فى ذلك الإناء أو فى غيره - ثم إذا كَمُل جفافه، بولغ (٢) فى تصغير أجزائه إما بالطحن أو بالسَّحْق ونحو ذلك. وينبغى أن يكون بآلةٍ لا ينتشع (٣) فيها ما يخالط الإسفيداج، كالهواوين (٤) النحاس ونحو ذلك. ثم إذا تم سَحْقهُ، يُنْخَلُ؛ إما بمنخل فى غاية الصفاقة، أو بخرقةٍ، ونحو ذلك. وما يتخلَّف فوق المنخل، يُعاد سحقه كرة أخرى، وكذلك يفعل ذلك مراراً. وإن أراد أحدٌ أن يتَّخذ من هذا المنخول أقراصاً، فليعجنه بخلٍّ ثقيف (٥) ويقرِّصه (٦) ، ويجففه فى الشمس، فهذه صفة أفضل وجوه عمل الإِسْفِيدَاجِ الذى يُعمل للمقاصد الطِّبية. وأفضله، ما عُمل فى الصيف. فإن هذا يكون أقوى قوةً، وأجودُ فعلاً وأشدُّ بياضاً، وأسهلُ فعلاً. وأفضله، ما قلناه أولاً. وأفضل النخول (٧) ما نزل من النخل (٨) فى أول مرة، وبعده (٩) ما نزل فى المرة الثانية، وكذلك ما نزل فى

стр. 345

كل مرة، فهو أفضل مما (١) نزل فى التى بعدها. وينبغى أن يكون مقدار الخلِّ دون القدر الذى تمامته البارية، وإلا كان الرصاص مُبَلاَّ (٢) فى الخل بنفسه، فلا يكون فعله فيه برفق، بخلاف فعل بخار الخلِّ فإنه ألطف فعلاً. ومن الناس من يجعل هذا الخلَّ بقدرٍ لا يقارب رأس الآنية، ويجعل البارية لا فى رأس الإناء، بل دونه بقليل؛ وذاك أن يتخذ لها دون رأس الإناء دعائم (٣) ، وقضبان قويه تحفظ وضعها، ثم إذا جُعل الرصاص عليها يمكن بعد ذلك من أن تغَّطى الآنية بغطاءٍ، يمنع تخلُّل (٤) بخار الخلِّ ويعينه غلياً (٥) بسهولة. وقد يتخذ الإِسْفِيدَاجُ أو ما يقوم مقام الإِسْفِيدَاجِ فى منفعته، وذلك أن يؤخذ صلايةٌ وفهر (٦) كل منهما من الرصاص، ويجعل على الصلاية قطرة من الخلِّ العتيق، ولا يزال (٧) يجوِّل الفهر على الصلاية بقوة، حتى يسخن ذلك الخلُّ ويصير له قوامٌ غليظٌ يعسر معه تجويل (٨) الفهر، ثم يقطَّر قطرةً أخرى من ذلك

стр. 346

الخلِّ ويُفعل الفعل المذكور، ولا يزال كذلك حتى يعمل من ذلك ما يشاء. ثم يؤخذ ذلك المنفعل (١) مع الخلِّ فيُجَفَّفُ فى الشمس، بعد أن يقرَّص، ويُستعمل فى الحال.

стр. 347

الفصل الثانى فى طَبِيعَتِهِ وأَفعَالِهِ على الإِطلاَقِ لما كان الإِسْفِيدَاجُ رصاصاً متصغِّر الأجزاءِ، بما وصل إليه من الخلِّ أو من بخاره، فلا محالة أن ينبغى أن يكون فى برده - فى (١) نفسه - كالرصاص. وأما تبريده، فكان ينبغى أن يكون أقوى من تبريد الرصاص؛ وذلك لأجل تلطُّفه وسهولة نفوذه إلى حيث يبرد بقوة؛ وذلك لأجل تصغر أجزائه (٢) مع استعادة قوة نفوذه (٣) من الخلِّ. فكذلك كان يجب أن يكون الإِسْفِيدَاجُ أبردَ من الرصاص يعنى أنه أشد تبريداً منه، وكان ينبغى أيضاً أن يكون مثل الرصاص فى الترطيب (٤) (بل أزيد ترطيباً) (٥) لأجل نفوذه بسبب (٦) تصغُّر أجزائه كما قلناه. لكن حدث للإسفيداجِ ما أوجب خلاف ذلك، وذلك أن جوهر الرصاص - كما علمت - أن أكثر مائيته جامدة، وهذه المائية - لا محالة - قويَّة البرد والرطوبة (٧) ؛ فلذلك كان للرصاص (٨) تبرُّدٌ (٩) وترطُّبٌ وقوةٌ، وإن كان ذلك

стр. 348

دون برده ورطوبته فى نفسه بكثير. وإذا أُخذ هذا الإِسْفِيدَاجُ من الرصاص فإن تلك المائية يتحلَّل (١) أكثرها وذلك بسبب التسخن (٢) والتشميس. وإذا (٣) تحلَّل أكثر هذه المائية، بقيت (٤) الأرضيةُ التى فى الإِسْفِيدَاجِ غالبةً جداً، ومع ذلك إنما تكون (٥) متصغِّرة الأجزاء فلذلك يكون بردها (٦) وتبريدها ضعيفين (٧) ؛ ولذلك يجب أن تكون (٨) فى نفسها جافة وأن تكون مجفِّفة. ومع ذلك، فإن (٩) تبريد الإِسْفِيدَاجِ يجب أن يتبعَّض (١٠) عن تبريد الرصاص بأكثر بل يكون كالمساوى له فى التبريد؛ وذلك لأن المائية وإن نقصت منه، إلا أن الأرضية لتصغُّر أجزائها، يتمكَّن (١١) فيها (١٢) الفعل وهى مبرَّدَة (١٣) ، خاصة وما يبقى فيها من المائية يزيدها (١٤) برداً، فلذلك يكون تصغُّر أجزاء الإِسْفِيدَاجُ

стр. 349

متداركاً لما يُحدثه (١) نقصان المائية مِن قلة البرد. وإنما اليبوسة والجفاف، يجب أن يكونا فى الإِسْفِيدَاجِ قويَّين (٢) أيضاً ولكن لا إلى حَدِّ الإفراط؛ وذلك لأن هذه الأرضية - وإن تصغَّرت وتمكنت (٣) من قوة الفعل - فإنها لابد وأن تبقى (٤) فيها مائية ولو يسيرة. وتلك المائية لأجل رطوبتها تتدارك (٥) ما توجبه (٦) الأرضية المتصغرة من أجل إفراط اليبوسة والجفاف فكذلك يكون تجفيف الإِسْفِيدَاج إلى حدوثه أن يكون بقدرٍ يساوى تبريده. ولما كان تجفيف الإسفيداج إنما هو لأجل تحلُّل المائية من جوهره، فكلما كان هذا التحلُّل أقل، كان تجفيف ذلك الإِسْفِيدَاجُ أضعف. وأكثر تحلُّل هذه المائية، إنما هو بفعل حرارة الشمس، وذلك عند تشميس الإِسْفِيدَاجِ حتى يجف فيجب أن يكون الإِسْفِيدَاجُ المعمول على الوجه الذى قلناه - من السَّحق بالفهر والصلاية - قليل التجفيف جداً، وقبل أن يُشمَّس، فينبغى أن يكون كالنافذ لهذا التجفيف، بل يجب أن يكون حينئذ (٧) غير مخالف لطبيعة الرصاص مخالفةً كثيرة فى الرطوبة واليبوسة، ولكنه يكون أكثر تبريداً من الرصاص بكثير؛ وذلك لأجل تصغُّرِ أجزائهِ وتلطُّفها وتمكُّنها (٨) من سرعة النفوذ وقوته، وأن يكون الإِسْفِيدَاجُ المعمول على الوجه الذى ذكرناه أولاً، قبل أن يشمَّس، أقل تجفيفاً مما يكون بعد

стр. 350

تشميسه. ولما كان الإِسْفِيدَاجُ بارداً، يابساً مجفِّفاً؛ كان (١) - لامحالة - رادعٌ مكثفٌ (٢) نافعٌ للأورام فى ابتدائها، مسدِّدٌ (٣) مسام الأعضاء. ونفوذ الإِسْفِيدَاجُ وإن كان أكثر كثيراً من نفوذ الرصاص، ولكنه قليل جداً بالنسبة إلى غيره من الأدوية؛ وسبب ذلك أمور: أحدها: أن جوهره أرضىٌّ خالٍ (٤) من الحرارة القوية المنعقدة (٥) ، وما كان كذلك؛ فهو قليل النفوذ لامحالة. وثانيها: أن جوهره مفردٌ، وما كان (٦) كذلك، فإنه يعسر نفوذه؛ لأجل اتصال أجزائه كما فى الأشياء اللزجة. وثالثها: أن الإِسْفِيدَاجَ لأجل برده ويبوسته، يبلِّد (٧) أولاً، فيقبض المسام ويسدَّها، وذلك مانعٌ من نفوذه بعد ذلك منها. ورابعها: أن جوهر الإِسْفِيدَاجُ هو من جوهر الرصاص، وهو جوهرٌ منافٍ للروح (٨) ولطبيعة (٩) البدن، فلذلك (١٠) (يجب) (١١) أن يكون سُمِّياًّ. وإذا كان

стр. 351

كذلك، فالطبيعة من شأنها مدافعته (١) ومُمانعته من النفوذ. فلذلك (٢) ، يكون نفوذه (٣) قليلاً جداً، وإن كان أزيد من نفوذ الرصاص بكثير. ولأجل قلة نفوذه، صار ما ينفذ منه من خارج، لا يقوى على شَلّ (٤) البدن. ولا كذلك إذا ورد الإِسْفِيدَاج إلى داخل البدن، كما إذا شرب فإنه حينئذِ يقتل، لأنه ينفذ (٥) إلى الأعضاء الكريه وقد حقَّقنا هذا فيما سلف. وقد يُقلى (٦) الإسفيداج فيصير تجفيفه (٧) زائداً، ويقل برده (٨) جداً؛ وذلك لأجل استعادته الحرارة والحدة، بالحرارة التى يقلى (٩) بها (وكيفية قليه (١٠) ، أن يوضع وهو مسحوق ناعم (١١) فى قِدْر من فخَّار جديد، ويوضع ذلك القِدر) (١٢) على الجمر، ولا يزال الإسفيداج يحوَّل، حتى يصير لونه لون الرماد، ويرفع ويبرَّد، ثم يستعمل. والله أعلم!

стр. 352

الفصل الثالث فى فِعلهِ فىِ أعَضَاءِ الرَّأسِ إذا طُليت الجبهة بالإسفيداج - وخَلٍّ - نفع ذلك جداً من الصداع، خاصةً وإذا كان مع ذلك شئ من دهن الورد. وأجود ذلك الإِسْفِيدَاجُ المعمول على الوجه الثانى الذى ذكرناه، وهو المتَّخذُ بالفهر والصلاية. خاصةً إذا استُعمل الإِسْفِيدَاجُ قبل تجفيفه بالشمس، لأنه يكون حينئذٍ (١) أقل يبوسةٍ مِن شُرب الإِسْفِيدَاجِ فإنه يحدث له بردٌ شديد فى رأسه، ودوارٌ، وسباتٌ، وضَعْفٌ فى عَضُده، واسترخاء. حتى أنه إذا أكثر منه، حدث (٢) له حالة كالفالج، وهى بطلان الحركة. وأما حِسُّ اللمس، فلا يلزمه أن يبطل ج. والإِسْفِيدَاجُ من الأدوية الفاصلة (٣) لأمراض العين، تنفع جداً للقروح التى تكون فيها، وتلحم ما يكون من الجراحات، ويأكل اللحم المغيَّر (٤) ويَنبته لحماً (٥) صحيحاً، ويملأ الحفر الذى تكون (٦) فى العين. وقد قال العالم الفاضل

стр. 353

أرسطوطاليس (١) أنه يصلح لبياض عيون (٢) الحيوانات الحادث عن الأوجاع. وأفضل الإِسْفِيدَاجِ لأمراض العين ما كان متَّخذاً على الوجه الأول الذى ذكرناه. وأفضل ذلك ما يكون من المنْخَل الأول؛ لأن هذا يكون شديد النعومة فيكون أوفق للعين، إذ العين تتضرَّر بكل شئ له خشونة، لأنّ (٣) ذلك سبُبُ لتحجِّرها (٤) . وإذا (٥) غُسل الإِسْفِيدَاجُ بماءٍ عذبٍ، مراراً، ثم سُقى بماء الورد، مراراً وفُعل ذلك أياماً متوالية (٦) فى شمسٍ حارة؛ كان ذلك الإِسْفِيدَاجُ شديدَ النفع من الرمد الحار، سواءً استُعمل وحده، أو قُطِّر فيها مع لبن النساء، أو رقيق بياض البيض، وكذلك إذا حُلَّ فى ماء عنب الثعلب. وإذا طُليت العين بالإسفيداج من خارج؛ نفع ذلك من الرمد الحار أيضاً. وإذا حُلَّ الإِسْفِيدَاج (٧) فى دهن الورد ولُطِخَتْ به قروح الأنف، نفعها.

стр. 354

الفصل الرابع فى فِعلِه فى بَقِيَّة الأَعضَاءِ إنَّ الإِسْفِيدَاجَ لأجل ما فيه من السُّمِّيَّة، ليس يستعمل من داخل البدن وإنما يُستعمل فى أكثر الأمر من خارجه، وأكثر استعماله فى القروح والبثور ونحو ذلك. وإذا شُرب، عَرَضَ لشاربه جفافٌ شديد فى اللسان، ويباضُ الحنك واللسان واللثة، وفى الوجه وجميع الجلد - إلا أن هذا البياض يكون فى أعضاء الحلْق أكثر؛ لأجل اتصال هذه الأعضاء بسطح المعدة (١) - ورخاوةٌ فى الأعضاء كلها، وعجزٌ عن الحركة، وعرقٌ يسيل (٢) . والإِسْفِيدَاجُ نافعٌ لأورام (٣) المقعدة الحارة، ولاسترخاء المقعدة وبروزها ويسكِّن الضربان الحادث فيها من إفراط الحرارة، وشِدَّة حِدَّة المادة الخارجة. وإذا قُطِّر فى القضيب، أو زُرِّق فيه، نفع من حرق البول وقروح المثانة ونحو ذلك. وينبغى أن يكون ذلك بلبن النساء أو دهن البنفسج أو الكثيراء (٤) ونحو ذلك. وكذلك قد يحقن به، مع الأدوية النافعة لقروح الأمعاء، فينتفع بذلك كثير المائية من التجفيف والتعرُّق (٥) .

стр. 355

الفصل الخامس (١) فى فِعلِ الإِسفِيدَاجِ فى الأَمرَاضِ التى لا اختِصَاصَ (٢) لها بعُضوٍ (٣) إنَّ الإِسْفِيدَاجَ لأجل قوَّة تجفيفه الخالى عن اللذع، هو شديدُ النفع للقروح ويُلحم الجراحات، ويَأكل اللحم الفاسد، وينبت اللحم الصحيح، وينفع من البثور الحارة، ومن النَّملةِ والجرب. وينفع جداً من حرق النار، إذا طُلى به موضع الحرق، ببعض الأدهان كدهن الورد ونحوه، وإذا فُعل ذلك؛ قلَّ النفط (٤) الذى يحدث عن الحرق. وإذا فُقِدَ الإِسْفِيدَاجُ قام مقامه حَبُّ الرصاص.
следующие страницы →