Полный текст (2 567 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
قال الزمخشري: فإن قلت: ما منعك من الرفع على البدل؟ قلت: لأن لو بمنزلة إن في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه.
وقال أبو البقاء: لا يجوز أن يكون بدلاً لأن المعنى يصير إلى قولك ﴿لو كان فيهما﴾ الله ﴿لفسدتا﴾ ألا ترى أنك لو قلت: ما جاءني قومك إلاّ زيد على البدل لكان المعنى جاءني زيد وحده. وقيل: يمتنع البدل لأن ما قبله إيجاب ولا يجوز النصب على الاسثناء لوجهين، أحدهما أنه فاسد في المعنى وذلك أنك إذا قلت: لو جاءني القوم إلاّ زيداً لقتلهم كان معناه أن القتل امتنع لكون زيد مع القوم، فلو نصب في الآية لكان المعنى فساد السموات والأرض امتنع لوجود الله مع الآلهة، وفي ذلك إثبات الإله مع الله، وإذا رفعت على الوصف لا يلزم مثل ذلك لأن المعنى ﴿لو كان فيهما﴾ غير ﴿الله لفسدتا﴾ . والوجه الثاني أن ﴿آلهة﴾ هنا نكرة، والجمع إذا كان نكرة لم يستثن منه عند جماعة من المحققين لأنه لا عموم له بحيث يدخل فيه المستثنى لولا الاستثناء انتهى. وأجاز أبو العباس المبرد في ﴿إلاّ الله﴾ أن يكون بدلاً لأن ما بعد لو غير موجب في المعنى، والبدل في غير الواجب أحسن من الوصف. وقد أمعنّا الكلام على هذه المسألة في شرح التسهيل. وقال الأستاذ أبو عليّ الشلوبين في مسألة سيبويه: لو كان معنا رجل إلاّ زيد لغلبنا أن المعنى لو كان معنا رجل مكان زيد لغلبنا فإلا بمعنى غير التي بمعنى مكان. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الصائغ: لا يصح المعنى عندي إلاّ أن تكون ﴿إلاّ﴾ في معنى غير الذي يراد بها البدل أي ﴿لو كان فيهما آلهة﴾ عوض واحد أي بدل الواحد الذي هو ﴿الله لفسدتا﴾ وهذا المعنى أراد سيبويه في المسألة التي جاء بها توطئة انتهى.
وقرأ الجمهور: بإضافة ﴿ذكر﴾ إلى ﴿من﴾ فيهما على إضافة المصدر إلى المفعول كقوله ﴿بسؤال نعجتك﴾ .
стр. 1962
وقرىء بتنوين ﴿ذكر﴾ فيهما و ﴿من﴾ مفعول منصوب بالذكر كقوله ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿الحق﴾ بالنصب والظاهر نصبه على المفعول به فلا يعلمون أي أصل شرهم وفسادهم هو الجهل وعدم التمييز بين الحق والباطل، ومن ثم جاء الإعراض عنه.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون المنصوب أيضاً على معنى التوكيد لمضمون الجملة السابقة كما تقول: هذا عبد الله الحق لا الباطل، فأكد نسبة انتفاء العلم عنهم.
وأل في بالقول نابت مناب الضمير على مذهب الكوفيين أي بقولهم وكذا قال الزمخشري: والمراد بقولهم فأنيبت اللام مناب الإضافة أو الضمير محذوف أي بالقول منهم، وذلك على مذهب البصريين.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِى الأٌّرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَرَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
стр. 1963
وقرأ الجمهور ﴿رتْقاً﴾ بسكون التاء وهو مصدر يوصف به كزور وعدل فوقع خبراً للمثنى. وقرأ الحسن وزيد بن عليّ وأبو حيوة وعيسى ﴿رتقاً﴾ بفتح التاء وهو اسم المرتوق كالقبض والنفض، فكان قياسه أن يبني ليطابق الخبر الاسم. فقال الزمخشري: هو على تقدير موصوف أي ﴿كانتاً﴾ شيئاً ﴿رتقاً﴾ . وقال أبو الفضل الرازي: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرك منه اسماً بمعنى المفعول والساكن مصدر، أو قد يكونان مصدرين لكن المتحرك أولى بأن يكون في معنى المفعول لكن هنا الأولى أن يكونا مصدرين فأقيم كل واحد منهما مقام المفعولين، ألا ترى أنه قال ﴿كانتا رتقاً﴾ فلو جعلت أحدهما اسماً لوجب أن تثنيه فلما قال ﴿رتقاً﴾ كان في الوجهين كرجل عدل ورجلين عدل وقوم عدل انتهى.
وقرأ الجمهور ﴿حي﴾ بالخفض صفة لشيء. وقرأ حميد حياً بالنصب مفعولاً ثانياً لجعلنا، والجار والمجرور لغو أي ليس مفعولاً ثانياً ﴿لجعلنا﴾ .
والظاهر أن الضمير في ﴿فيها﴾ عائد على الأرض. وقيل يعود على الرواسي، وجاء هنا تقديم ﴿فجاجاً﴾ على قوله ﴿سبلاً﴾ وفي سورة نوح ﴿لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً﴾ . فقال الزمخشري: وهي يعني ﴿فجاجاً﴾ صفة ولكن جعلت حالاً كقوله:
لمية موحشاً ظلل
يعني أنها حال من سبل وهي نكرة، فلو تأخر ﴿فجاجاً﴾ لكان صفة كما في تلك الآية ولكن تقدم فانتصب على الحال.
(التنوين في ﴿كلٌّ﴾ عوض من المضاف إليه) .
стр. 1964
وهذه الجملة يحتمل أن تكون استئناف إخبار فلا محل لها، أو محلها النصب على الحال من ﴿الشمس والقمر﴾ والفاء في ﴿أفإن متّ﴾ العطف قدّمت عليها همزة الاستفهام لأن الاستفهام له صد الكلام، دخلت على إن الشرطية والجملة بعدها جواب للشرط، وليست مصب الاستفهام فتكون الهمزة داخلة عليها، واعترض الشرط بينهما فحذف جوابه هذا مذهب سيبويه. وزعم يونس أن تلك الجملة هي مصب الاستفهام والشرط معترض بينهما وجوابه محذوف. قال ابن عطية: وألف الاستفهام داخلة في المعنى على جواب الشرط انتهى. وفي هذه الآية دليل لمذهب سيبويه إذ لو كان على ما زعم يونس لكان التركيب ﴿أفإن مت﴾ هم ﴿الخالدون﴾ بغير فاء، وللمذهبينن تقرير في علم النحو.
وانتصب ﴿فتنة﴾ على أنه مفعول له أو مصدر في موضع الحال، أو مصدر من معنى ﴿نبلوكم﴾ .
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ * خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْءَايَتِى فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾
стр. 1965
و ﴿إن﴾ نافية بمعنى ما، والظاهر أن جواب ﴿إذا﴾ هو ﴿أن يتخذونك﴾ وجواب إذا بان النافية لم يرد منه في القرآن إلا هذا وقوله في القرآن ﴿وإذا رأوك أن يتخذونك إلاّ هزواً﴾ ولم يحتج إلى الفاء في الجواب كما لم تحتج إليه ما إذا وقعت جواباً كقوله ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات﴾ ما كان حجتهم بخلاف أدوات الشرط، فإنها إذا كان الجواب مصدراً بما النافية فلا بد من الفاء، نحو إن تزورنا فما نسيء إليك. وفي الجواب لاذا بأن وما النافيتين دليل واضح على أن ﴿إذا﴾ ليست معمولة للجواب، بل العامل فيها الفعل الذي يليها وليست مضافة للجملة خلافاً لأكثر النحاة. وقد استدللنا على ذلك بغير هذا من الأدلة في شرح التسهيل.
وقيل: جواب ﴿إذا﴾ محذوف وهو يقولون المحكي به قولهم ﴿أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ وقوله ﴿أن يتخذونك إلاّ هزواً﴾ كلام معترض بين ﴿إذا﴾ وجوابه و ﴿يتخذونك﴾ يتعدى إلى اثنين، والثاني ﴿هزواً﴾ .
والظاهر أن هذه الجملة حال من الضمير في يقولون المحذوف.
وقال الزمخشري: والجملة في موضع الحال أي ﴿يتخذونك هزواً﴾ وهم على حال هي أصل الهزء والسخرية وهي الكفر بالله انتهى. فجعل الجملة الحالية العامل فيها ﴿يتخذونك هزواً﴾ المحذوفة وكررهم على سبيل التوكيد.
وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم ﴿خَلَقَ﴾ مبنياً للفاعل ﴿الإنسان﴾ بالنصب أي ﴿خلق﴾ الله ﴿الإنسان﴾ وقوله ﴿متى هذا الوعد﴾ استفهام على جهة الهزء، وكان المسلمون يتوعدونهم على لسان الشرع و ﴿متى﴾ في موضع الجر لهذا فموضعه، ونقل عن بعض الكوفيين أن موضع ﴿متى﴾ نصب على الظرف والعامل فيه فعل مقدر تقديره يكون أو يجيء، وجواب ﴿لو﴾ محذوف لدلالة الكلام عليه، وحذفه أبلغ وأهيب من النص عليه فقدره ابن عطية لما استعجلوا ونحوه، وقدره الزمخشري لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال.
стр. 1966
قال: ويجوز أن يكون ﴿يعلم﴾ متروكاً فلا تعدية بمعنى ﴿لو﴾ كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، و ﴿حين﴾ منصوب بمضمر أي ﴿حين لا يكفون عن وجوههم النار﴾ يعلمون أنهم كانوا على الباطل، وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم أي لا يكفونها انتهى. والذي يظهر أن مفعول ﴿يعلم﴾ محذوف لدلالة ما قبله أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستنبطوه. و ﴿حين﴾ منصوب بالمفعول الذي هو مجيء ويجوز أن يكون من باب الإعمال على حذف مضاف، وأعمل الثاني والمعنى لو يعلمون مباشرة النار حين لا يكفونها عن وجوههم.
حين قال الزمخشري: مفعول به، ليعلم.
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأٌّرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ * قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْىِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ * وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يويْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ * وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾
стр. 1967
وقرأ الجمهور ﴿يَسمع﴾ بفتح الياء والميم ﴿الصم﴾ رفع به و ﴿الدعاء﴾ نصب. وقرأ ابن عامر وابن جبير عن أبي عمرو وابن الصلت عن حفص بالتاء من فوق مضمومة وكسر الميم ﴿الصم الدعاء﴾ بنصبهما والفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول ﷺ وقرأ كذلك إلا أنه بالياء من نحت أي ﴿ولا يسمع﴾ الرسول وعنه أيضاً ﴿ولا يسمع﴾ مبنياً للمفعول ﴿الصم﴾ رفع به ذكره ابن خالويه. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبي عمرو ﴿يُسمِع﴾ بضم الياء وكسر الميم ﴿الصم﴾ نصباً ﴿الدعاء﴾ رفعاً بيسمع، أسند الفعل إلى الدعاء اتساعاً والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل: ولا يسمع النداء الصم شيئاً.
والقسط مصدر وصفت به الموازين مبالغة كأنها جعلت في أنفسها القسط، أو على حذف مضاف أي ذوات ﴿القسط﴾ ويجوز أن يكون مفعولاً لأجله أي لأجل ﴿القسط﴾ . وقرىء القصط بالصاد. واللام في ﴿ليوم القيامة﴾ قال الزمخشري: مثلها في قولك: جئت لخمس ليال خلون من الشهر. ومنه بيت النابغة:
ترسمت آيات لها فعرفتهالستة أعوام وذا العام سابع انتهى. وذهب الكوفيون إلى أن اللام تكون بمعنى في ووافقهم ابن قتيبة من المتقدمين، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين، وجعل من ذلك قوله ﴿القسط ليوم القيامة﴾ أي في يوم، وكذلك لا يجليها لوقتها إلاّ هو أي في وقتها وأنشد شاهداً على ذلك لمسكين الدارمي:
أولئك قومي قد مضوا لسبيلهم
كما قد مضى من قبل عاد وتبع وقول الآخر:
وكل أب وابن وإن عمرا معاًمقيمين مفقود لوقت وفاقد وقيل اللام هنا للتعليل على حذف مضاف، أي لحساب يوم القيامة و ﴿شيئاً﴾ مفعول ثان أو مصدر.
وقرأ الجمهور: ﴿مثقال﴾ بالنصب خبر ﴿كان﴾ أي وإن كان الشيء أو وإن كان العمل وكذا في لقمان، وقرأ زيد بن عليّ وأبو جعفر وشيبة ونافع ﴿مثقال﴾ بالرفع على الفاعلية و ﴿كان﴾ تامة.
وأنت الضمير في بها وهو عائد على مذكر وهو مثقال لإضافة إلى مؤنث الذين صفة تابعة أو مقطوعة برفع أو نصب أو بدل.
стр. 1968
واحتمل أن يكون قوله ﴿وهم من الساعة مشفقون﴾ استئناف إخبار عنهم، وأن يكون معطوفاً على صلة ﴿الذين﴾ ، وتكون الصلة الأولى مشعرة بالتجدّد دائماً كأنها إحالتهم فيما يتعلق بالدنيا، والصلة الثانية من مبتدأ وخبر عنه بالاسم المشعر بثبوت الوصف كأنها حالتهم فيما يتعلق بالآخرة.
والمضاف إليه من قبل محذوف وهو معرفة ولذلك بنى قبلوَلَقَدْءَاتَيْنَآ إِبْرَهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَلِمِينَ * إِذْ قَالَ لأًّبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَثِيلُ الَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَكِفُونَ * قَالُواْ وَجَدْنَآءَابَآءَنَا لَهَا عَبِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ * قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالأٌّرْضِ الَّذِى فطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى ذلِكُمْ مِّنَ الشَّهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُواْ﴾ أي ﴿من قبل﴾ موسى وهارون قاله الضحاك كقوله في الأنعام ﴿ونوحاً هدينا من قبل﴾ أي من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
فقيل ﴿لها﴾ هنا بمعنى عليها كما قيل في قوله ﴿وإن أسأتم فلها﴾ والظاهر أن اللام في ﴿لها﴾ لام التعليل أي لتعظيمها، وصلة ﴿عاكفون﴾ محذوفة أي على عبادتها. وقيل: ضمن ﴿عاكفون﴾ معنى عابدين فعداه باللام.
وقال الزمخشري: لم ينو للعاكفين محذوفاً وأجراه مجرى ما لا يتعدى كقوله فاعلون العكوف لها أو واقفون لها انتهى.
стр. 1969
و ﴿أنتم﴾ توكيد للضمير الذي هو اسم ﴿كان﴾ قال الزمخشري: و ﴿أنتم﴾ من التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع ونحوه ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ انتهى، وليس هذا حكماً مجمعاً عليه فلا يصح الكلام مع الإخلال به لأن الكوفيين يجيزون العطف على الضمير المتصل المرفوع من غير تأكيد بالضمير المنفصل المرفوع، ولا فصل وتنظيره ذلك: باسكن أنت وزوجك الجنة مخالف لمذهبه في ﴿اسكن أنت وزوجك﴾ لأنه يزعم أن وزوجك ليس معطوفاً على الضمير المستكن في ﴿اسكن﴾ بل قوله: ﴿وزوجك﴾ مرتفع على إضمار، وليسكن فهو عنده من عطف الجمل وقوله هذا مخالف لمذهب سيبويه.
وقال ابن عطية: ﴿فطرهن﴾ عبارة عنها كأنها تعقل، هذه من حيث لها طاعة وانقياد وقد وصفت في مواضع بما يوصف به من يعقل. وقال غير ﴿فطرهن﴾ أعاد ضمير من يعقل لما صدر منهن من الأحوال التي تدل على أنها من قبيل من يعقل، فإن الله أخبر بقوله ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ وقوله ﷺ «أطلت السماء وحق لها أن تئط» . انتهى. وكأن ابن عطية وهذا القائل تخيلاً أن هن من الضمائر التي تخص من يعقل من المؤنثات وليس كذلك بل هو لفظ مشترك بين من يعقل وما لا يعقل من المؤنث المجموع ومن ذلك قوله ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ والضمير عائد على الأربعة الحرم.
و ﴿على ذلكم﴾ متعلق بمحذوف تقديره ﴿وأنا﴾ شاهد ﴿على ذلكم من الشاهدين﴾ أو على جهة البيان أي أعني على ذلكم أو باسم الفاعل وإن كان في صلة أل لاتساعهم في الظرف والمجرور أقوال تقدمت في ﴿إني لكما لمن الناصحين﴾ .
стр. 1970
وقرأ الجمهور ﴿وتالله﴾ بالتاء. وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بن حنبل بالله بالباء بواحدة من أسفل. قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين التاء والباء؟ قلت: إن الباء هي الأصل والتاء بدل من الواو المبدل منها، وإن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يبده وتأتيه لأن ذلك كان أمراً مقنوطاً منه لصعوبته وتعذره، ولعمري إن مثله صعب متعذر في كل زمان خصوصاً في زمن نمروذ مع عتوّه واستكبار وقوّة سلطانه وتهالكه على نصر دينه ولكن.
إذا الله سنى عقد شيء تيسرا
انتهى. أما قوله الباء هي الأصل إنما كانت أصلاً لأنها أوسع حروف القسم إذ تدخل على الظاهر، والمضمر ويصرح بفعل القسم معها وتحذف وأما أن التاء بدل من واو القسم الذي أبدل من باء القسم فشيء قاله كثير من النحاة، ولا يقوم على ذلك دليل وقدر هذا القول السهيلي والذي يقتضيه النظر أنه ليس شيء منها أصفلا لآخر. وأما قوله: إن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب فنصوص النحاة أن التاء يجوز أن يكون معها تعجب، ويجوز أن لا يكون واللام هي التي يلزمها التعجب في القسم.
وقال اليزيدي ﴿جذاذاً﴾ بالضم جمع جذاذة كزجاج وزجاجة. وقيل: بالكسر جمع جذيذ ككريم وكرام. وقيل: الفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود فالمعنى مجذوذين. وقال قطرب في لغاته الثلاث هو مصدر لا يثنى ولا يجمع. وقرأ يحيى بن وثاب جذذاً بضمتين جمع جذيذ كجديد وجدد. وقرىء جُعذذاً بضم الجيم وفتح الذال مخففاً من فعل كسر رفي سرر جمع سرير وهي لغة لكلب، أو جمع جذة كقبة وقبب.
стр. 1971
﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا بِئَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّلِمِينَ * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَهِيمُ * قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُواْءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِئَالِهَتِنَا يإِبْرَهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ * فَرَجَعُواْ إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّلِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ * قُلْنَا ينَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَمَا عَلَى إِبْرَهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَهُمُ الأٌّخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَهُ﴾
стр. 1972
﴿يذكرهم﴾ أي بسوء. قال الفراء: يقول الرجل للرجل لئن ذكرتني لتندمن أي بسوء. قال الزمخشري: فإن قلت: ما حكم الفعلين بعد ﴿سمعنا فتى﴾ وأي فرق بينهما؟ قلت: هما صفتان لفتى إلا أن الأول وهو يذكرهم لا بد منه لسمع لأنك لا تقول: سمعت زيداً وتسكت حتى تذكر شيئاً مما يسمع، وأما الثاني فليس كذلك انتهى. وأما قوله: هما صفتان فلا يتعين ذلك لما أذكره إما سمع فإما أن يدخل على مسموع أو غيره إن دخلت على مسموع فلا خلاف أنها تتعدى إلى واحد نحو: سمعت كلام زيد ومقالة خالد، وإن دخلت على غير مسموع فاختلف فيها. فقيل: إنها تتعدى إلى اثنين وهو مذهب الفارسي، ويكون الثاني مما يدل على صوت فلا يقال سمعت زيداً بركب، ومذهب غيره أن سمع يتعدى إلى واحد والفعل بعده إن كان معرفة في موضع الحال منها أو نكرة في موضع الصفة، وكلا المذهبين يستدل لهما في علم النحو فعلى هذا المذهب الآخر يتمشى قول الزمخشري أنه صفة لفتى، وأما على مذهب أبي عليّ فلا يكون إلاّ في موضع المفعول الثاني لسمع
وأما ﴿يقال له إبراهيم﴾ فيحتمل أن يكون جواباً لسؤال مقدر لما قالوا ﴿سمعنا فتى يذكرهم﴾ وأتوا به منكراً قيل: من يقال له فقيل له إبراهيم، وارتفع ﴿ابراهيم﴾ على أنه مقدر بجملة تحكى بقال، إما على النداء أي ﴿يقال له﴾ حين يدعى يا ﴿ابراهيم﴾ وإما على خبر مبتدأ محذوف أي هو ﴿ابراهيم﴾ أو على أنه مفرد مفعول لما لم يسم فاعله، ويكون من الإسناد للفظ لا لمدلوله، أي يطلق عليه هذا اللفظ وهذا الآخر هو اختيار الزمخشري وابن عطية، وهو مختلف في إجازته فذهب الزجاجي والزمخشري وابن خروف وابن مالك إلى تجويز نصب القول للمفرد مما لا يكون مقتطعاً من جملة نحو قوله:
إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة
стр. 1973
ولا مفرداً معناه معنى الجملة نحو قلت: خطبة ولا مصدراً نحو قلت قولاً، ولا صفة له نحو: قلت حقاً بل لمجرد اللفظ نحو قلت زيداً. ومن النحويين من منع ذلك وهو الصحيح إذ لا يحفظ من لسانهم قال: فلان زيداً ولا قال ضرب ولا قال ليت، وإنما وقع القول في كلام العرب لحكاية الجمل وذهب الأعلم إلى أن ﴿ابراهيم﴾ ارتفع بالإهمال لأنه لم يتقدمه عامل يؤثر في لفظه، إذ القول لا يؤثر إلاّ في المفرد المتضمن لمعنى الجملة فبقي مهملاً والمهمل إذا ضم إلى غيره ارتفع نحو قولهم: واحد واثنان إذا عدّوا ولم يدخلوا عاملاً لا في اللفظ ولا في التقدير، وعطفوا بعض أسماء العدد على بعض، والكلام على مذهب الأعلم وإبطاله مذكور في النحو.
فعلى أعين الناس في موضع الحال و ﴿على﴾ معناها الاستعلاء المجازي.
وارتفاع ﴿أنت﴾ المختار أنه بفعل محذوف يفسره ﴿فعلت﴾ ولما حذف انفصل الضمير، ويجوز أن يكون مبتدأ وإذا تقدم الاسم في نحو هذا التركيب على الفعل كان الفعل صادراً واستفهم عن فاعله وهو المشكوك فيه، وإذا تقدم الفعل كان الفعل مشكوكاً فيه فاستفهم عنه أوقع أو لم يقع، والظاهر أن ﴿بل﴾ للإضراب عن جملة محذوفة أي قال لم أفعله إنما الفاعل حقيقة هو الله.
و ﴿علمت﴾ هنا معلقة، والجملة المنفية في موضع مفعولي علمت إن تعدت إلى اثنين أو في موضع مفعول واحد إن تعدت لواحد.
стр. 1974
﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ * قُلْنَا ينَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَمَا عَلَى إِبْرَهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَهُمُ الأٌّخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَهُ وَلُوطاً إِلَى الأٌّرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلوة وَإِيتَآءَ الزَّكَوةِ وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ * وَلُوطاً آتَيْنَهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَئِثَ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَهُ فِى رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ * وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ * وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلاًّءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الأٌّرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾
стр. 1975
وقيل: النافلة ولد الولد فعلى الأول يكون مصدراً كالعاقبة والعافية وهو من غير لفظ ﴿وهبنا﴾ بل من معناه، وعلى الآخرين يراد به ﴿يعقوب﴾ فينتصب على الحال.
وكان الزمخشري لما رأى أن ﴿فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ ليس من الأحكام المختصة بالموحي إليهم بل هم وغيرهم في ذلك مشتركون، بنى الفعل للمفعول حتى لا يكون المصدر مضافاً من حيث المعنى إلى ضمير الموحى، فلا يكون التقدير فعلهم الخيرات وإقامهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة، ولا يلزم ذلك إذ الفاعل مع الصمدر محذوف، ويجوز أن يكون مضافاً من حيث المعنى إلى ظاهر محذوف يشمل الموحى إليهم وغيرهم، أي فعل المكلفين الخيرات، ويجوز أن يكون ذلك مضافاً إلى الموحى إليهم أي أن يفعلوا الخيرات ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وإذا كانوا قد أُوحِي إليهم ذلك فأتباعهم جارون مجراهم في ذلك ولا يلزم اختصاصهم به ثم اعتقاد بناء المصدر للمفعول الذي لم يسم فاعله مختلف فيه أجاز ذلك الأخفش والصحيح منعه، فليس ما اختاره الزمخشري مختاراً.
وقال ابن عطية: والإقام مصدر وفي هذا نظر انتهى. وأي نظر في هذا وقد نص سيبويه على أنه مصدر بمعنى الإقامة، وإن كان الأكثر الإقامة بالتاء وهو المقيس في مصدر أفعل إذا اعتلت عينه وحسن ذلك هنا أنه قابل ﴿وإيتاء﴾ وهو بغير تاء فتقع الموازنة بين قوله ﴿وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ وقال الزجاج: فحذفت الهاء من إقامة لأن الإضافة عوض عنها انتهى. وهذا قول الفراء زعم أن تاء التأنيث قد تحذف للإضافة وهو مذهب مرجوح.
انتصبْ الخبائث على معنى تعمل لأعمال أو الفعلات الخبيثة.
وانتصب نوحاً على إضمار اذكر أي واذكر نوحاً.
و ﴿أجمعين﴾ تأكيد للضمير المنصوب وقد كثر التوكيد بأجمعين غير تابع لكلهم في القرآن، فكان ذلك حجة على ابن مالك في زعمه أن التأكيد بأجمعين قليل، وأن الكثير استعماله تابعاً لكلهم.
стр. 1976
﴿وداود وسليمان﴾ عطف على ﴿ونوحاً﴾ . قال الزمخشري: ﴿وإذا﴾ بدل منهما انتهى. والأجود أن يكون التقدير واذكر ﴿داود وسليمان﴾ أي قصتهما وحالهما ﴿إذ يحكمان﴾ وجعل ابن عطية ﴿وداود وسليمان﴾ معطوفين على قوله ﴿ونوحاً﴾ معطوفاً على قوله ﴿ولوطاً﴾ فيكون ذلك مشتركاً في العامل الذي هو ﴿آتينا﴾ المقدرة الناصبة للوط المفسرة بآتينا فالتقدير وآتينا نوحاً وداود وسليمان أي آتيناهم ﴿حكماً وعلماً﴾ ولا يبعد ذلك وتقدير اذكر قاله جماعة.
والضمير في ﴿لحكمهم﴾ عائد على الحاكمين والمحكوم لهما وعليهما، وليس المصدر هنا مضافاً إلى فاعل ولا مفعول، ولا هو عامل في التقدير فلا ينجل بحرف مصدري.
والظهر أن ﴿يسجن﴾ جملة حالية من ﴿الجبال﴾ أي مسبحات. وقيل: استئناف كأن قائلاً قال: كيف سخرهن؟ فقال: ﴿يسبحن﴾ .
وانتصب ﴿والطير﴾ عطفاً على ﴿الجبال﴾ ولا يلزم من العطف دخوله في قيد التسبيح. وقيل: هو مفعول معه أي يسبحن مع الطير. وقرىء ﴿والطيرُ﴾ مرفوعاً على الابتداء والخبر محذوف أي مسخر لدلالة سخرنا عليه، أو على الضمير المرفوع في ﴿يسبحن﴾ على مذهب الكوفيين وهو توجيه قراءة شاذة.
واللام في ﴿لكم﴾ يجوز أن تكون للتعليل فتتعلق بعلمناه، أي لأجلكم وتكون ﴿لتحصنكم﴾ في موضع بدل أعيد معه لام الجراذ الفعل منصوب بإضمار إن فتتقدّر بمصدر أي ﴿لكم﴾ لإحصانكم ﴿من بأسكم﴾ ويجوز أن تكون ﴿لكم﴾ صفة للبوس فتتعلق بمحذوف أي كائن لكم.
وقرأ بالجمع والرفع أبو حيوة فالنصب على إضمار سخرنا، والرفع على الابتداء و ﴿عاصفة﴾ حال العامل فيها سخرنا في قراءة من نصب ﴿الريح﴾ وما يتعلق به الجار في قراءة من رفع و ﴿من﴾ في موضع نصب أي وسخرنا ﴿من الشياطين من يغوصون﴾ أو في موضع رفع على الابتداء، والخبر في الجار والمجرور قبله. والظاهر أن ﴿من﴾ موصولة. وقال أبو البقاء: هي نكرة موصوفة.
стр. 1977
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ * وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّبِرِينَ * وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ الصَّلِحِينَ * وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ * وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَرِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خشِعِينَ * وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَابْنَهَآءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ﴾
وقرأ الجمهور ﴿أني﴾ بفتح الهمزة وعيسى بن عمر بكسرها إما على إضمار القول أي قائلاً ﴿أني﴾ وإما على إجراء ﴿نادى﴾ مجرى قال وكسر إني بعدها وهذا الثاني مذهب الكوفيين، والأول مذهب البصريين.
وانتصب ﴿رحمة﴾ على أنه مفعول من أجله أي لرحمتا إياه.
و ﴿أن﴾ في ﴿أن لا إله إلا أنت﴾ تفسيرية لأنه سبق ﴿فنادى﴾ وهو في معنى القول، ويجوز أن يكون التقدير بأنه فتكون مخففة من الثقيلة حصر الألوهية فيه تعالى ثم نزهه عن سمات النقص ثم أقر بما بعد ذلك.
стр. 1978
وقرأ الجمهور: ﴿ننجي﴾ مضارع أنجى، والجحدري مشدداً مضارع نجّى. وقرأ ابن عامر وأبو بكر نجى بنون مضمومة وجيم مشددة وياء ساكنة، وكذلك هي في مصحف الإمام ومصاحف الأمصار بنون واحدة، واختارها أبو عبيد لموافقة المصاحف فقال الزجاج والفارسي هي لحن. وقيل: هي مضارع أدغمت النون في الجيم ورد بأنه لا يجوز إدغام النون في الجيم التي هي فاء الفعل لاجتماع المثلين كما حذفت في قراءة من قرأ ونزل الملائكة يريد وننزل الملائكة، وعلى هذا أخرجها أبو الفتح. وقيل: هي فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله وسكنت الياء كما سكنها من قرأ وذر وإما بقي من الربا والمقام مقام الفاعل ضمير المصدر أي نجى، هو أي النجاء المؤمنين كقراءة أبي جعفر ﴿ليجزي قوماً﴾ أي وليجزي هو أي الجزاء، وقد أجاز إقامة غير المفعول من مصدر أو ظرف مكان أو ظرف زمان أو مجرور الأخفش والكوفيون وأبو عبيد، وذلك مع وجود المفعول به وجاء السماع في إقامة المجرور مع وجود المفعول به نحو قوله:
أتيح لي من العدا نذيراًبه وقيت الشر مستطيرا
وقال الأخفش: في المسائل ضرب الضرب الشديد زيداً، وضرب اليومان زيداً، وضرب مكانك زيداً وأعطى إعطاء حسن أخاك درهماً مضروباً عبده زيداً. وقيل: ضمير المصدر أقيم مقام الفاعل و ﴿المؤمنين﴾ منصوب بإضمار فعل أي ﴿وكذلك نجى﴾ هو أي النجاء ﴿ننجي المؤمنين﴾ والمشهور عند البصريين أنه متى وجد المفعول به لم يقم غيره إلا أن صاحب اللباب حكى الخلاف في ذلك عن البصريين، وأن بعضهم أجاز ذلك.
стр. 1979
قلت: معناه نفخنا الروح في عيسى فيها أي أحييناه في جوفها، ونحو ذلك أن يقول الزمار نفخت في بيت فلان أي نفخت في المزمار في بيته انتهى. ولا إشكال في ذلك لأنه على حذف مضاف أي ﴿فنفخنا في﴾ ابنها ﴿من روحنا﴾ وقوله قلت معناه نفخنا الروح في عيسى فيها استعمل نفخ متعدياً، والمحفوظ أنه لا يتعدى فيحتاج في تعديه إلى جماع وغير متعد استعمله هو في قوله أي نفخت في المزمار في بيته انتهى. ولا إشكال في ذلك.
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ * فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةٌ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَلِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾
وقرأ الجمهور ﴿أمتكم﴾ بالرفع خبر ﴿إن أمة واحدة﴾ بالنصب على الحال، وقيل بدل من ﴿هذه﴾ وقرأ الحسن ﴿أمتكم﴾ بالنصب بدل من ﴿هذه﴾ . وقرأ أيضاً هو وابن إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجعفي وهارون عن أبي عمرو والزعفراني ﴿أمتكم أمة واحدة﴾ .
في ﴿لا يرجعون﴾ صلة وهو قول أبي عبيد كقولك: ما منعك أن لا تسجد.
стр. 1980
والمعنى ﴿وحرام عليّ﴾ أهل ﴿قربة﴾ قدرنا إهلاكهم لكفرهم عمل صالح ينجون به من الإهلاك ثم أكد ذلك وعلله بأنهم ﴿لا يرجعون﴾ عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك فالمحذوف مبتدأ والخبر ﴿وحرام﴾ وقدره بعضهم متقدماً كأنه قال: والإقالة والتوبة حرام. وقراءة الجمهور بالفتح تصح على هذا المعنى وتكون ﴿لا﴾ نافية على بابها والتقدير لأنهم لا يرجعون.
و ﴿حتى﴾ قال أبو البقاء متعلقة في المعنى بحرام أي يستمر الامتناع إلى هذا الوقت ولا عمل لها في ﴿إذا﴾ . وقال الحوفي ﴿حتى﴾ غاية، والعمل فيها ما دل عليه المعنى من تأسفهم على ما فرطوا فيه من الطاعة حين فاتهم الاستدراك. وقال الزمخشري: فإن قلت: بم تعلقت ﴿حتى﴾ واقعة غاية له وأية الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقة بحرام، وهي غاية له لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة، وهي ﴿حتى﴾ التي تحكي الكلام، والكلام المحكي الجملة من الشرط والجزاء أعني إذا وما في حيزها انتهى.
وقال ابن عطية: هي متعلقة بقوله ﴿وتقطعوا﴾ ويحتمل على بعض التأويلات المتقدمة أن تعلق بيرجعون، ويحتمل أن تكون حرف ابتداء وهو الأظهر بسبب ﴿إذا﴾ لأنها تقتضي جواباً هو المقصود ذكره انتهى.
جواب ﴿إذا﴾ محذوف تقديره ﴿قالوا يا ويلنا﴾ قاله الزجاج وجماعة أو تقديره، فحينئذ يبعثون ﴿فإذا هي شاخصة﴾ .
أو مذكور وهو واقترب على زيادة الواو قاله بعضهم، وهو مذهب الكوفيين وهم يجيزون زيادة الواو والفاء في فإذا هي قاله الحوفي. وقال الزمخشري: وإذا هي المفاجأة وهي تقع في المفاجأت سادة مسد الفاء لقوله تعالى: ﴿إذا هم يقنطون﴾ فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط، فيتأكد ولو قيل ﴿إذا هي شاخصة﴾ كان سديداً.
стр. 1981
وضمير ﴿هي﴾ للقصة كأنه قيل: فإذا القصة والحادثة ﴿أبصار الذين كفروا﴾ ﴿شاخصة﴾ ويلزم أن تكون ﴿شاخصة﴾ الخبر و ﴿أبصار﴾ مبتدأ، ولا يجوز ارتفاع أبصار شاخصة لأنه يلزم أن تكون بعد ضمير الشأن، أو القصة جملة تفسر الضمير مصرح بجزأيها، ويجوز ذلك على مذهب الكوفيين. وقال الزمخشري: ﴿هي﴾ ضمير مبهم توضحه الأبصار وتفسره كما فسر الذين ظلموا وأسروا انتهى. ولم يذكر غير هذا لوجه وهو قول للفراء. قال الفراء: ﴿هي﴾ ضمير الأبصار تقدمت لدلالة الكلام ومجيء ما يفسرها وأنشد على ذلك قول الشاعر:
فلا وأبيها لا تقول خليلتيإلاّ قرّ عني مالك بن أبي كعب
وذكر أيضاً الفراء أن ﴿هي﴾ عماد يصلح في موضعها هو وأنشد:
بثوب ودينار وشاة ودرهمفهل هو مرفوع بما ههنا رأس
وهذا لا يتمشى إلا على أحد قولي الكسائي في إجازته تقديم الفصل مع الخبر على المبتدأ أجاز هو القائم زيد على أن زيد هو المبتدأ والقائم خبره، وهو عماد وأصل المسألة زيد هو القائم، ويقول: أصله هذه فإذا ﴿أبصار الذين كفروا﴾ هي ﴿شاخصة﴾ فشاخصة خبر عن ﴿أبصار﴾ وتقدم مع العماد، ويجيء على مذهب من يجيز العماد قبل خبره نكرة، وذكر الثعلبي وجهاً آخر وهو أن الكلام ثم عند قوله: ﴿فإذا هي﴾ أي بارزة واقعة يعني الساعة.
﴿يا ويلنا﴾ معمول لقول محذوف. قال الزمخشري: تقديره يقولون وهو في موضع الحال من الذين كفروا وتقدم قول الزجاج أن هذا القول جواب ﴿إذا﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿آلهة﴾ بالنصب على خبر ﴿كان﴾ وقرأ طلحة بالرفع على أن في ﴿كان﴾ ضمير الشأن.
стр. 1982
وقرأ أبو جعفر ﴿لا يحزنهم﴾ مضارع أحزن وهي لغة تميم، وحزن لغة قريش، والعامل في ﴿يوم لا يحزنهم﴾ و ﴿تتلقاهم﴾ وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً من العائد المحذوف في ﴿توعدون﴾ فالعامل فيه ﴿توعدون﴾ أي أيوعدونه أو مفعولاً باذكر أو منصوباً بأعني. وأجاز الزمخشري أن يكون العامل فيه ﴿الفزع﴾ وليس بجائز لأن ﴿الفزع﴾ مصدر وقد وصف أخذ معموله فلا يجوز ما ذكر.
وطي مصدر مضاف إلى المفعول، أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، والأصل ﴿كطي﴾ الطاوي ﴿السجل﴾ فحذف الفاعل وحذفه يجوز مع المصدر المنحل لحرف مصدري، والفعل، وقدره الزمخشري مبنياً للمفعول أي كما يُطْوَى السجل.
وقال الزمخشري: ﴿أول خلق﴾ مفعول نعيد الذي يفسره ﴿نعيده﴾ والكاف مكفوفة بما.
﴿أول خلق﴾ أول الخلائق لأن الخلق مصدر لا يجمع ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره نعيده وما موصولة، أي نعيد مثل الذي بدأناه ﴿نعيده﴾ و ﴿أول خلق﴾ ظرف لبدأناه أي أول ما خلق أو حال من ضمير الموصول الساقط من اللفظ الثابت في المعنى انتهى. والظاهر أن الكاف ليست مكفوفة كما ذكر بل هي جارة وما بعدها مصدرية ينسبك منها مع الفعل مصدر هو في موضع جر بالكاف. و ﴿أول خلق﴾ مفعول ﴿بدأنا﴾ والمعنى نعيد أول خلق إعادة مثل بدأتنا له، أي كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود. في ما قدره الزمخشري تهيئة ﴿بدأنا﴾ لأن ينصب ﴿أول خلق﴾ على المفعولية. وقطعه عنه من غير ضرورة تدعو إلى ذلك وارتكاب إضمار يعيد مفسراً بنعيده وهذه عجمة في كتاب الله، وأما قوله: ووجه آخر وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره ﴿نعيده﴾ فهو ضعيف جداً لأنه مبني على أن الكاف اسم لا حرف، فليس مذهب الجمهور إنما ذهب إلى ذلك الأخفش وكونها اسماً عند البصريين غير مخصوص بالشعر.
وانتصب ﴿وعداً﴾ على أنه مفعول مصدر مؤكداً لمضمون الجملة الخبرية قبله.
стр. 1983
ولا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد ﴿إلا﴾ بالفعل قبلها إلا أن كان العامل مفرغاً له نحو ما مررت إلاّ بزيد. وقال الزمخشري: إنما تقصر الحكم على شيء أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد قائم وإنما يقوم زيد وقد اجتمع المثلان في هذه الآية لأن ﴿إنما يوحى إليّ﴾ مع فاعله بمنزلة إنما يقوم زيد و ﴿إنما إلهكم إله واحد﴾ بمنزلة إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما الدلالة على أن الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلّممقصور على استئثار الله بالوحدانية انتهى.
وأما ما ذكره في ﴿إنما﴾ إنها لقصر ما ذكر فهو مبني على إنما للحصر وقد قررنا أنها لا تكون للحصر، وإنما مع أن كهي مع كان ومع لعل، فكما أنها لا تفيد الحصر في التشبيه ولا الحصر في الترجي فكذلك لا تفيده مع أن وأما جعله ﴿أنما﴾ المفتوحة الهمزة مثل مكسورتها يدل على القصر، فلا نعلم الخلاف إلاّ في ﴿إنما﴾ بالكسر، وأما بالفتح فحرف مصدري ينسبك منع مع ما بعدها مصدر، فالجملة بعدها ليست جملة مستقلة، ولو كانت إنما دالة على الحصر لزم أن يقال إنه لم يوح إليه شيء إلاّ التوحيد. وذلك لا يصح الحصر فيه إذ قد أوحى له أشياء غير التوحيد وفي الآية دليل على تظافر المنقول للمعقول وأن النقل أحد طريقي التوحيد، ويجوز في ما من ﴿إنما﴾ أن تكون موصولة.
و ﴿إن﴾ نافية و ﴿أدري﴾ معلقة والجملة الاستفهامية في موضع نصب بأدري، وتأخر المستفهم عنه لكونه فاصلة إذ لو كان التركيب ﴿أقريب ما توعدون أم بعيد﴾ لم تكن فاصلة وكثيراً ما يرجح الحكم في الشيء لكونه فاصلة آخر آية. وعن ابن عامر في رواية ﴿وإن أدري﴾ بفتح الياء في الآيتين تشبيهاً بياء الإضافة لفظاً، وإن كانت لام الفعل ولا تفح إلا بعامل.
стр. 1984
وقرأ الجمهور ﴿قل رب﴾ أمروا بكسر الباء. وقرأ حفص قال وأبو جعفر ﴿رب﴾ بالضم. قال صاحب اللوامح: على أنه منادى مفرد وحذف حرف النداء فيما جاز أن يكون وصفاً لأي بعيد بابه الشعر انتهى. وليس هذا من نداء النكرة المقبل عليها بل هذا من اللغات الجائزة في يا غلامي، وهي أن تبنيه على الضم وأنت تنوي الإضافة لما قطعته عن الإضافة وأنت تريدها بنيته، فمعنى ﴿رب﴾ يا ربي. وقرأ الجمهور ﴿احكم﴾ على الأمر من حكم. وقرأ ابن عباس وعكرمة والجحدري وابن محيصن ربي بإسكان الياء أحكم جعله أفعل التفضيل فربي أحكم مبتدأ وخبر. وقرأت فرقة أحكم فعلاً ماضياً.
سورة الحج
سبع وسبعون آية مدنية
стр. 1985
﴿يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَنٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الأٌّرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأٌّرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى الْقُبُورِ﴾
والمصدر مضاف للفاعل فالمفعول المحذوف وهو الأرض يدل عليه ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ والناس ونسبة الزلزلة إلى ﴿الساعة﴾ مجاز، ويجوز أن يضاف إلى المفعول به على طريقة الاتساع في الظرف، فتكون ﴿الساعة﴾ مفعولاً بها.
والناصب ليوم ﴿تذهل﴾ والظاهر أن الضمير المنصوب في ﴿ترونها﴾ عائداً على الزلزلة لأنها المحدث عنها.
стр. 1986
والظاهر أن ما في قوله ﴿عما أرضعت﴾ بمعنى الذي، والعائد محذوف أي أرضعته، ويقويه تعدي وضع إلى المفعول به في قوله ﴿حملها﴾ لا إلى المصدر. وقيل: ما مصدرية أي عن إرضاعها. وقال الزمخشري: المرضعة هي التي في حال الإرضاع تلقم ثديها الصبي، والمرضع التي شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به. فقيل ﴿مرضعة﴾ ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة، وخص بعض نحاة الكوفة أم الصبيّ بمرضعة والمستأجرة بمرضع وهذا باطل بقول الشاعر:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت
البيت فهذه ﴿مرضعة﴾ بالتاء وليست أمَّا للذي ترضع. وقول الكوفيين إن الوصف الذي يختص بالمؤنث لا يحتاج فيه إلى التاء لأنها إنما جيء بها للفرق مردود بقول العرب مرضعة وحائضة وطالقة.
وقرأ أبو هريرة وأبو زرعة بن عمرو بن جرير وأبو نهيك كذلك إلا أنهم نصبوا ﴿الناس﴾ دّى ﴿ترى﴾ إلى مفاعيل ثلاثة أحدها الضمير المستكن في ﴿ترى﴾ وهو ضمير المخاطب مفعول لم يسم فاعله، والثاني والثالث ﴿الناس سكارى﴾ أثبت أنهم ﴿سكارى﴾ .
والظاهر أن الضمير في ﴿عليه﴾ عائد على ﴿من﴾ لأنه المحدث عنه، وفي ﴿أنه﴾ و ﴿تولاه﴾ وفي ﴿فإنه﴾ عائد عليه أيضاً، والفاعل يتولى ضمير ﴿من﴾ وكذلك الهاء في ﴿يضله﴾ ويجوز أن تكون الهاء في هذا الوجه أنه ضمير الشأن.
وقرأ الجمهور: ﴿أنه﴾ بفتح الهمزة في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، ﴿فأنه﴾ بفتحها أيضاً، والفاء جواب ﴿من﴾ الشرطية أو الداخلة في خبر ﴿من﴾ إن كانت موصولة. و ﴿فأنه﴾ على تقدير فشأنه أنه ﴿يضله﴾ أي إضلاله أو فله أن يضله.
стр. 1987
وقال الزمخشري: فمن فتح فلأن الأول فاعل ﴿كتب﴾ بعني به مفعولاً لم يسم فاعله، قال: والثاني عطف عليه انتهى. وهذا لا يجوز لأنك إذا جعلت ﴿فأنه﴾ عطفاً على ﴿أنه﴾ بقيت بلا استيفاء خبر لأن ﴿من تولاه﴾ من، فيه مبتدأة، فإن قدرتها موصولة فلا خبر لها حتى يستقل خبراً لأنه وإن جعلتها شرطية فلا جواب لها إذ جعلت ﴿فأنه﴾ عطفاً على ﴿أنه﴾ ومثل قول الزمخشري قال ابن عطية قال ﴿وأنه﴾ في موضع رفع على المفعول الذي لم يسم فاعله، وأنه الثانية عطف على الأولى مؤكدة مثلها، وخطا خطأ لما بيناه. وقرأ الأعمش والجعفي عن أبي عمر و ﴿إنه فإنه﴾ بكسر الهمزتين. وقال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو ﴿إنه من تولاه فإنه يضله﴾ بالكسر فيهما انتهى، وليس مشهوراً عن أبي عمرو. والظاهر أن ذلك من إسناد ﴿كتب﴾ إلى الجملة إسناداً لفظياً أي ﴿كتب﴾ عليه هذا الكلام كما تقول: كتب أن الله يأمر بالعدل. وقال الزمخشري: أو عن تقدير قبل أو على المفعول الذي لم يسم فاعله الكتب، والجملة من ﴿أنه من تولاه﴾ في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله لقيل المقدرة، وهذا لا يجوز عند البصريين لأن الفاعل عندهم لا يكون جملة فلا يكون ذلك مفعولاً لم يسم فاعله، وأما الثاني فلا يجوز أيضاً على مذهب البصريين لأنه لا تكسر أن بعد ما هو بمعنى القول، بل بعد القول صريحة.
وقرأ ابن أبي عبلة ﴿مخلقة﴾ بالنصب وغير بالنصب أيضاً نصباً على الحال من النكرة المتقدمة، وهو قليل وقاسه سيبويه.
وقرأ يعقوب وعاصم في رواية ﴿ونقر﴾ بالنصب عطفاً على ﴿لنبين﴾ .
وعن عاصم أيضاً ثم يخرجكم بنصب الجيم عطفاً على ﴿ونقر﴾ إذا نصب.
والظاهر أن قوله ﴿وأن الساعة آتية﴾ ليس داخلاً في سبب ما تقدم ذكره، فليس معطوفاً على أنه الذي يليه، فيكون على تقدير. والأمر ﴿أن الساعة﴾ وذلك مبتدأ وبأن الخبر. وقيل ذلك منصوب بمضمر أي فعلنا ذلك.
стр. 1988
﴿ومِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَبٍ مُّنِيرٍ * ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمٍ لِّلعَبِيدِ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرَنُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ * مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالأٌّخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذلِكَ أَنزَلْنَهُءَايَتٍ بَيِّنَتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ * إِنَّ﴾
﴿ومن الناس﴾ مع ذلك ﴿من يجادل﴾ فكان الواو واو الحال، والآية المتقدمة الواو فيها واو العطف عطفت جملة الكلام على ما قبلها، والآية على معنى الإخبار وهي ههنا مكررة للتوبيخ انتهى. ولا يتخيل أن الواو في ﴿ومن الناس من يجادل﴾ واو حال، وعلى تقدير الجملة التي قدّرها قبله لو كان مصرحاً بها لم يتقدّر بإذ فلا تكون للحال، وإنما هي للعطف.
وانتصب ﴿ثاني عطفه﴾ على الحال من الضمير المستكن في ﴿يجادل﴾ .
стр. 1989
وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن من طريق الزعفراني وقعنب والجحدري وابن مقسم خاسر الدنيا اسم فاعل نصباً على الحال. وقرىء خاسر اسم فاعل مرفوعاً على تقدير وهو خاسر. وقال الزمخشري: والرفع على الفاعلية ووضع الظاهر موضع الضمير وهو وجه حسن انتهى. وقرأ الجمهور: ﴿خسر﴾ فعلاً ماضياً وهو استئناف إخبار، ويجوز أن يكون في موضع الحال ولا يحتاج إلى إضمار قد لأنه كثر وقوع الماضي حالاً في لسان العرب بغير قد فساغ القياس عليه، وأجاز أبو الفضل الرازي أن يكون بدلاً من قوله: ﴿انقلب على وجهه﴾ كما كان يضاعف بدلاً من يلق.
وتكلف المعربون وجوهاً فقالوا ﴿يدعو﴾ إما أن يكون لها يضاعف بدلاً من يلق.
وتكلف المعربون وجوهاً فقالوا ﴿يدعو﴾ إما أن يكون لها تعلق بقوله ﴿لمن ضره﴾ أولاً إن لم يكن لها تعلق فوجوه.
أحدها: أن يكون توكيداً لفظياً ليدعو الأولى، فلا يكون لها معمول.
الثاني: أن تكون عاملة في ذلك من قوله: ﴿ذلك هو الضلال﴾ وقدم المفعول الذي هو ﴿ذلك﴾ وجعل موصولاً بمعنى الذي قاله أبو علي الفارسي، وهذا لا يصح إلا على قول الكوفيين إذ يجيزون في اسم الإشارة أن يكون موصولاً، والبصريون لا يجيزون ذلك إلاّ في ذا بشرط أن يتقدمها الاستفهام بما أو من.
الثالث: أن يكون ﴿يدعو﴾ في موضع الحال، ﴿وذلك﴾ مبتدأ وهو فضل أو مبتدأ وحذف الضمير من ﴿يدعو﴾ أي يدعوه وقدره مدعواً وهذا ضعيف، لأن يدعوه لا يقدر مدعواً إنما يقدر داعياً، فلو كان يدعى مبنياً للمفعول لكان تقديره مدعواً جارباً على القياس. وقال نحوه الزجاج وإن كان له تعلق بقوله: ﴿لمن ضره﴾ فوجوه.
стр. 1990
أحدها: ما قاله الأخفش وهو أن ﴿يدعو﴾ بمعنى يقول و ﴿من﴾ مبتدأ موصول صلته الجملة بعده. وهي ﴿ضره أقرب من نفعه﴾ وخبر المبتدأ محذوف، تقديره إله وإلهي والجملة في موضع نصب محكية بيدعو التي هي بمعنى يقول، قيل: هو فاسد المعنى لأن الكافر لم يعتقد قط أن الأوثان ضرها أقرب من نفعها. وقيل: في هذا القول يكون ﴿لبئس﴾ مستأنفاً لأنه لا يصح دخوله في الحكاية لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم ﴿لبئس المولى﴾ .
الثاني: أن ﴿يدعو﴾ بمعنى يسمي، والمحذوف آخراً هو المفعول الثاني ليسمى تقديره إلهاً وهذا لا يتم إلاّ بتقدير زيادة اللام أي يدعو من ضره.
الثالث: أن يدعو شبه بأفعال القلوب لأن الدعاء لا يصدر إلاّ عن اعتقاد، والأحسن أن يضمن معنى يزعم ويقدر لمن خبره، والجملة في موضع نصب ليدعو أشار إلى هذا الوجه الفارسي.
الرابع: ما قاله الفراء وهو أن اللام دخلت في غير موضعها والتقدير ﴿يدعو﴾ من لضره أقرب من نفعه، وهذا بعيد لأن ما كان في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول.
الخامس: أن تكون اللام زائدة للتوكيد، و ﴿من﴾ مفعول بيدعو وهو ضعيف لأنه ليس من مواضع زيادة اللام، لكن يقويه قراءة عبد الله يدعو من ضره بإسقاط اللام، وأقرب التوجيهات أن يكون ﴿يدعو﴾ توكيداً ليدعو الأول؛ واللام في ﴿لمن﴾ لام الابتداء، والخبر الجملة التي هي قسم محذوف، وجوابه ﴿لبئس المولى﴾ .
стр. 1991
﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبِئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِى الأٌّرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ * هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾
قال الزمخشري: ودخلت ﴿إن﴾ على كل واحد جزأي الجملة لزيادة التأكيد، ونحوه قول جرير:
стр. 1992
إنّ الخليفة إن اللَّه سربلهسربال ملك به ترجى الخواتيم وظاهر هذا أنه شبه البيت بالآية، وكذلك قرنه الزجاج بالآية ولا يتعين أن يكون البيت كالآية لأن البيت يحتمل أن يكون خبر إن الخليفة قوله: به ترجى الخواتيم، ويكون إن الله سربله سربال ملك جملة اعتراضية بين اسم إن وخبرها بخلاف الآية فإنه يتعين قوله: ﴿إن الله يفصل﴾ وحسن دخول ﴿إن﴾ على الجملة الواقعة خبراً طول الفصل بينهما بالمعاطيف، ولا تعارض بين قوله: ﴿ومن في الأرض﴾ لعمومه وبين قوله: ﴿وكثير من الناس﴾ لخصوصه لأنه لا يتعين عطف ﴿وكثير﴾ على ما قبله من المفردات المعطوفة الداخلة تحت يسجد إذ يجوز إضمار ﴿يسجد له﴾ كثير من الناس سجود عبادة دل عليه المعنى لا أنه يفسره ﴿يسجد﴾ الأول لاختلاف الاستعمالين، ومن يرى الجمع بين المشركين وبين الحقيقة والمجاز يجيز عطف ﴿وكثير من الناس﴾ على المفردات قبله، وإن اختلف السجود عنده بنسبته لما لا يعقل ولم يعقل ويجوز أن يرتفع على الابتداء، والخبر محذوف يدل على مقابلة الذين في الجملة بعده أي ﴿وكثير من الناس﴾ مثاب.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون ﴿من الناس﴾ خبراً له.
قال ابن عطية: ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على ما تقدم أي ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ .
الظاهر عطف ﴿والجلود﴾ على ﴿ما﴾ من قوله: ﴿يصهر به ما في بطونهم﴾ وأن ﴿الجلود﴾ تذاب كما تذاب الأحشاء. وقيل: التقدير وتخرق ﴿الجلود﴾ لأن الجلود لا تذاب إنما تجتمع على النار وتنكمش وهذا كقوله:
علفتها تبناً وماء بارداً
أي وسقيتها ماء. والظاهر أن الضمير في ﴿ولهم﴾ عائد على الكفار، واللام للاستحقاق.
﴿ومن غم﴾ بدل من منها بدل اشتمال، أعيد معه الجار وحذف الضمير لفهم المعنى أي من غمها، ويحتمل أن تكون من للسبب أي لأجل الغم الذي يلحقهم.
стр. 1993
وقرأ ابن عباس ﴿يحلون﴾ بفتح الياء واللام وسكون الحاء من قولهم: حلى الرجل وحليت المرأة إذا صارت ذات حلي والمرأة ذات حلي والمرأة حال. وقال أبو الفضل الرازي: يجوز أن يكون من حلي بعيني يحلى إذا استحسنته، قال فتكون ﴿من﴾ زائدة فيكون المعنى يستحسنون فيها الأساورة الملبوسة انتهى. وهذا ليس بجيد لأنه جعل حلى فعلاً متعدياً ولذلك حكم بزيادة ﴿من﴾ في الواجب وليس مذهب البصريين، وينبغي على هذا التقدير أن لا يجوز لأنه لا يحفظ لازماً فإن كان بهذا المعنى كانت ﴿من﴾ للسبب أي بلباس أساور الذهب يحلون بعين من يراهم أي يحلى بعضهم بعين بعض. قال أبو لافضل الرازي: ويجوز أن تكون ﴿من﴾ حليت به إذا ظفرت به، فيكون المعنى ﴿يحلون فيها﴾ بأساور فتكون ﴿من﴾ بدلاً من الباء، والحلبة من ذلك فإما إذا أخذته من حليت به فإنه من الحلية، وهو من الياء وإن أخذته من حلي بعيني فإنه من الحلاوة من الواو انتهى. ومن معنى الظفر قولهم: لم يحل فلان بطائل، أي لم يطفر. والظاهر أن ﴿من﴾ في ﴿من أساور﴾ للتبعيض وفي ﴿من ذهب﴾ لابتداء الغاية أي أنشئت من ذهب.
стр. 1994
وقال ابن عطية: ﴿من﴾ في ﴿من أساور﴾ لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبيعض. وتقدم الكلام على نظير هذه الجملة في الكهف. وقرأ ابن عباس من أسور بفتح الراء من غير ألف ولا هاء، وكان قياسه أن يصرفه لأنه نقص بناؤه فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجوداً فمنعه الصرف. وقرأ عاصم ونافع والحسن والجحدري والأعرج وأبو جعفر وعيسى بن عمر وسلام ويعقوب ﴿ولؤلؤاً﴾ هنا وفي فاطر بالنصب وحمله أبو الفتح على إضمار فعل وقدره الزمخشري ويؤتون ﴿لؤلؤاً﴾ ومن جعل ﴿من﴾ في ﴿من أساور﴾ زائدة جاز أن يعطف ﴿ولؤلؤاً﴾ على موضع ﴿أساور﴾ وقيل يعطف على موضع ﴿من أساور﴾ لأنه يقدر و ﴿يحلون﴾ حلياً ﴿من أساور﴾ . وقرأ باقي السبعة والحسن أيضاً وطلحة وابن وثاب والأعمش. وأهل مكة ولؤلؤ بالخفض عطفاً على ﴿أساور﴾ أو على ﴿ذهب﴾ لأن السوار يكون من ذهب ولؤلؤ، يجمع بعضه إلى بعض.
قال الجحدري: الألف ثابتة بعد الواو في الإمام. وقال الأصمعي: ليس فيها ألف، وروى يحيى عن أبي بكر همز الأخير وإبدال الأولى. وروى المعلى بن منصور عنه ضد ذلك. وقرأ الفياض: ولولياً قلب الهمزتين واواً صارت الثانية واواً قبلها ضمة، عمل فيها ما عمل في أدل من قلب الواو ياء والضمة قبلها كسرة. وقرأ ابن عباس وليلياً أبدل الهمزتين واوين ثم قلبهما ياءين اتبع الأولى للثانية. وقرأ طلحة ولول مجروراً عطفاً على ما عطف عليه المهموز.
стр. 1995
﴿إِنَّ الَّذِينَءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّبِئِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن فِى الأٌّرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ * هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِى رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأٌّنْهَرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ
стр. 1996
عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأٌّنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأٌّنْعَمُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأٌّوْثَنِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
المضارع قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه ﴿ويصدون على سبيل اللَّه﴾ كقوله: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللَّه﴾ وقيل: هو مضارع أريد به الماضي عطفاً على ﴿كفروا﴾ وقيل: هو على إضمار مبتدأ أي وهم ﴿يصدون﴾ وخبر إن محذوف قدره ابن عطية بعد ﴿والباد﴾ خسروا أو هلكوا وقدره الزمخشري بعد قوله: ﴿الحرام﴾ نذيقهم ﴿من عذاب أليم﴾ ولا يصح تقديره بعده لأن الذي صفة ﴿المسجد الحرام﴾ فموضع التقدير هو بعد ﴿والباد﴾ لكن مقدر الزمخشري أحسن من مقدر ابن عطية لأنه يدل عليه الجملة الشرطية بعد من جهة اللفظ، وابن عطية لحظ من جهة المعنى لأن من أذيق العذاب خسر وهلك. وقيل: الواو في ﴿ويصدون﴾ زائدة وهو خبر إن تقديره إن الذين كفروا يصدون. قال ابن عطية: وهذا مفسد للمعنى المقصود انتهى. ولا يجيز البصريون زيادة الواو ولما وأما هو قول كوفي مرغوب عنه.
стр. 1997
وقرأ الجمهور ﴿سواء﴾ بالرفع على أن الجملة من مبتدأ وخبر في موضع المفعول الثاني، والأحسن أن يكون ﴿العاكف والبادي﴾ هو المبتدأ و ﴿سواء﴾ الخبر، وقد أجيز العكس. وقال ابن عطية: والمعنى ﴿الذي جعلناه للناس﴾ قبلة أو متعبداً انتهى. ولا يحتاج إلى هذا التقدير إلاّ إن كان أراد تفسير المعنى لا الإعراب فيسوغ لأن الجملة في موضع المفعول الثاني، فلا يحتاج إلى هذا التقدير. وقرأ حفص والأعمش ﴿سواء﴾ بالنصب وارتفع به ﴿العاكف﴾ لأنه مصدر في معنى مستو اسم الفاعل. ومن كلامهم: مررت برجل سواء هو والعدم، فإن كانت جعل تتعدى إلى اثنين فسواء الثاني أو إلى واحد فسواء حال من الهاء. وقرأت فرقة منهم الأعمش في رواية القطعي ﴿سواء﴾ بالنصب ﴿العاكف فيه﴾ بالجر. قال ابن عطية: عطفاً على الناس انتهى. وكأنه يريد عطف البيان والأولى أن يكون بدل تفصيل.
ومفعول ﴿برد﴾ قال أبو عبيدة هو ﴿بإلحاد﴾ والباء زائدة في المفعول. قال الأعمش:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا
أي رزق وكذا قراءة الحسن منصوباً قرأ ﴿ومن يرد﴾ إلحاده بظلم أي إلحاداً فيه فتوسع. وقال ابن عطية: يجوز أن يكون التقدير ﴿ومن يرد فيه﴾ الناس ﴿بإلحاد﴾ . وقال الزمخشري: ﴿بإلحاد بظلم﴾ حالان مترادفتان ومفعول ﴿يرد﴾ متروك ليتناول كل متناول.
قيل: واللام زائدة أي بوّأنا إبراهيم مكان البيت أي جعلنا يبوء إليه كقوله: ﴿لتبوأنهم من الجنة غرفاً﴾ وقال الشاعر:
كم صاحب لي صالحبوّأته بيدي لحدا
وقيل: مفعول ﴿بوأنا﴾ محذوف تقديره بوّأنا الناس، واللام في ﴿لإبراهيم﴾ لام العلة أي لأجل إبراهيم كرامة له وعلى يديه.
стр. 1998
﴿وأن﴾ مخففة من الثقيلة قاله ابن عطية، والأصل أن يليها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت مشددة أو حرف تفسير. قاله الزمخشري وابن عطية وشرطها أن يتقدمها جملة في معنى القول و ﴿بوّأنا﴾ ليس فيه معنى القول، والأولى عندي أن تكون ﴿أن﴾ الناصبة للمضارع إذ يليها الفعل المتصرف من ما ض ومضارع وأمر النهي كالأمر.
وقرأ عكرمة وأبو نهيك: أن لايشرك بالياء على معنى أن يقول معنى القول الذي قيل له. قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى أن ﴿لا تشرك﴾ .
وقرأ الحسن وابن محيصن وآذن بمدة وتخفيف الذال. قال ابن عطية: وتصحف هذا على ابن جني فإنه حكى عهما ﴿وأذن﴾ على فعل ماض، وأعرب على ذلك بأن جعله عطفاً على ﴿بوّأنا﴾ انتهى. وليس بتصحيف بل قد حكى أبو عبد الله الحسين بن خالويه في شواذ القراءات من جمعه. وصاحب اللوامح أبو الفضل الرازي ذلك عن الحسن وأبن محيصن. قال صاحب اللوامح: وهو عطف على ﴿وإذ بوّأنا﴾ فيصير في الكلام تقديم وتأخير، ويصير ﴿يأتوك﴾ جزماً على جواب الأمر الذي هو ﴿وطهر﴾ انتهى.
﴿ذلك﴾ خبر مبتدأ محذوف قدّره ابن عطية فرضكم ﴿ذلك﴾ أو الواجب ﴿ذلك﴾ وقدّره الزمخشري الأمر أو الشأن ﴿ذلك﴾ قال كما يقدم الكاتب جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال: هذا وقد كان كذا انتهى. وقيل: مبتدأ محذوف الخبر أي ﴿ذلك﴾ الأمر الذي ذكرته. وقيل في موضع نصب تقديره امتثلوا ﴿ذلك﴾ ونظير هذه الإشارة البليغة قول زهير وقد تقدم له جمل في وصف هرم:
هذا وليس كمن يعيا بخطبتهوسط الندى إذا ما ناطق نطقا وكان وصفه قبل هذا بالكرم والشجاعة، ثم وصفه في هذا البيت بالبلاغة فكأنه قال: هذا خلقه وليس كمن يعيا بخطبته.
والظاهر أن خيراً هنا ليس أفعل تفضيل.
стр. 1999
و ﴿من﴾ في ﴿من الأوثان﴾ لبيان الجنس، ويقدر بالموصول عندهم أي الرجس الذي هو الأوثان، ومن أنكر أن تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس جعل ﴿من﴾ لابتداء الغاية فكأنه نهاهم عن الرجس عاماً ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس، وعلى القول الأول يكون النهي عن سائر الأرجاس من موضع غير هذا.
قال ابن عطية: ومن قال أن ﴿من﴾ للتبعيض قلب معنى الآية فأفسده انتهى.
﴿ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأٌّنْعَمِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّبِرِينَ عَلَى مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصَّلَوةِ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِّن شَعَئِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَنِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْنَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾
وقال الزمخشري: فإن تعظيمها ﴿من﴾ أفعال ذوي ﴿تقوى القلوب﴾ فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلاّ بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى ﴿من﴾ ليتربط به، وإنما ذكرت ﴿القلوب﴾ لأنها مراكز التقوى التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء انتهى.
стр. 2000
وما قدره عار من راجع إلى الجزاء إلى ﴿من﴾ ألا ترى أن قوله فإن تعظيمها من أفعال القلوب ليس في شيء منه ضمير يعود إلى ﴿من﴾ يربط جملة الجزاء بجملة الشرط الذي أدانه ﴿من﴾ وإصلاح ما قاله أن يكون التقدير فأي تعظيمها منه، فيكون الضمير في منه عائداً على من فيرتبط الجزاء بالشرط.
وقرىء ﴿القلوب﴾ بالرفع على الفاعلية بالمصدر الذي هو ﴿تقوى﴾ والضمير في ﴿فيها﴾ عائد على البدن على قول الجمهور.
ثم للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأفعال.
وقياس بناء مفعل مما مضارعه يفعل يضم العين مفعل بفتحها في المصدر والزمان والمكان، وبالفتح قرأ الجمهور. وقرأ بكسرها الأخوان وابن سعدان وأبو حاتم عن أبي عمرو ويونس ومحبوب وعبد الوارث إلا القصبي عنه. قال ابن عطية: والكسر في هذا من الشاذ ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن يكون الكسائي سمعه من العرب. وقال الأزهري: منسك ومنسك لغتان.
وقرأ الجمهور ﴿والمقيمي الصلاة﴾ بالخفض على الإضافة وحذفت النون لأجلها. وقرأ ابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو في رواية ﴿الصلاة﴾ بالنصب وحذفت النون لأجلها. وقرأ ابن مسعود والأعمش والمقيمين بالنون ﴿الصلاة﴾ بالنصب.
والجمهور على نصب ﴿والبدن﴾ على الاشتغال أي وجعلنا ﴿البدن﴾ وقرىء بالرفع على الابتداء و ﴿لكم﴾ أي لأجلكم و ﴿من شعائر﴾ في موضع المفعول الثاني.
следующие страницы →