← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(وَ) النَّوعُ السَّابعَ عَشَرَ: يُصارُ إلى المجازِ (بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ زَائِلٍ) كإطلاقِ العبدِ على العتيقِ، إذا (لَمْ يَلْتَبِسِ) الوصفُ الزَّائلُ (حَالَ الإِطْلَاقِ بِضِدِّهِ) فلا يُقالُ لمَنْ أَسْلَمَ: كافرٌ، باعتبارِ ما كانَ. قال البِرْمَاوِيُّ: وكأَنَّهم يُريدونَ بذلك ألَّا يَطْرَأَ وَصْفٌ وجوديٌّ محسوسٌ قائمٌ به، وإلَّا فما الفرقُ بينَ ذلك وبينَ تسميةِ العَتيقِ عبدًا باعتبارِ ما كانَ؟ وبالجملةِ فلا يَخلو مِن نظرٍ (١). (أَو) أي: والثَّامِنَ عَشَرَ: يَجوزُ باعتبارِ وصفٍ (آيِلٍ) أي: يَؤُولُ بنَفْسِه؛ ليُخْرِجَ أنَّ العبدَ لا يُطلَقُ عليه حُرٌّ باعتبارِ ما يَؤُولُ إليه. وقولُه: (قَطْعًا، أَوْ ظَنًّا) إشارةٌ إلى اعتبارِ كَوْنِ المآلِ: مَقطوعًا بوجودِه، نحوُ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٢)، أو: غالبًا، كتسميةِ العَصيرِ خمرًا، فإنَّ الغالبَ إذا بَقِيَ أن يَنْقَلِبَ خمرًا، لا إنْ كانَ نادرًا أو مُحتملًا على السَّواءِ. وقولُه: (بِفِعْلٍ، أَوْ قُوَّةٍ) كإطلاقِ الخمرِ على العِنبِ، باعتبارِ أَيْلُولَتِهِ لعصرِ العصَّارِ، وكإطلاقِ المُسْكِرِ على الخمرِ باعتبارِ أَيْلُولَةِ الخمْرِ إلى الإسكارِ. (وَ) التَّاسِعَ عَشَرَ: باعتبارِ (زِيَادَةٍ) في الكلامِ، كقولِه تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣) فـ «الكافُ» زائدةٌ؛ أي: لَيْسَ مِثْلَه شيءٌ. وَقِيلَ: الزَّائدُ «مِثْل»؛ أي: «ليسَ كَهُوَ شيءٌ»، وإنَّما حُكِمَ بزيادةِ أَحَدِهما؛ لِئلَّا يَلْزَمَ أن يَكونَ للهِ تَعالى مِثْلٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك؛ لأنَّ نفيَ مِثْلِ المِثْلِ يَقتضي ثُبُوتَ مِثْلٍ، وهو مُحالٌ، أو يَلْزَمُ نَفْيَ الذَّاتِ؛ لأنَّ مِثْلَ مِثْلِ الشَّيْءِ هو

стр. 107

ذلك الشَّيءُ، وثُبوتُه واجبٌ، فتَعَيَّنَ ألَّا يُرادَ نفيٌ، وذلك إمَّا بزيادةِ «الكافِ»، أو «مِثْل». (وَ) العشرونَ: باعتبارِ (نَقْصٍ) بأنْ تُنْقِصَ لَفْظًا مِن المُركَّبِ، ويَكُونَ كالموجودِ للافتقارِ إليه، كقولِه تَعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ (١) أي: عبادَ اللهِ وأهلَ دِينِه. (وَ) الحادي والعشرونَ: باعتبارِ عَلاقةِ مُشابَهَةٍ بِـ (شَكْلٍ) كالأسدِ على ما هو بشَكْلِه مِن مُجَسَّدٍ، أو مَنقوشٍ، وربَّما وُجِدَتِ العَلاقَتانِ، كقولِه تَعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (٢). (وَ) الثَّاني والعشرونَ: باعتبارِ عَلاقةِ مشابهةٍ في مَعنًى، كالأسدِ للشُّجاعِ، بشرطِ أنْ يكونَ (صِفَةً ظَاهِرَةً) لا خَفِيَّةً؛ ليَخرجَ إطلاقُ الأسدِ على الأَبْخَرِ؛ لأنَّ البَخَرَ فيه خَفِيٌّ. (وَ) الثَّالثُ والعشرونَ: إطلاقُ تسميةِ البدلِ بِـ (اسْمِ) المُبْدَلِ، كتَسميةِ الدِّيَةِ دَمًا، كقولِه ﵇: «أَتَحْلِفُونَ (٣) وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» (٤) أنَّه مِن مَجازِ الحَذْفِ؛ أي: بَدَلَ دَمِه. (وَ) الرَّابعُ والعشرونَ: باعتبارِ اسمٍ مُقَيَّدٍ على مُطْلَقِ، كقولِ الشَّاعرِ (٥): إِذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ: شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ

стр. 108

المُرادُ: مُطلَقُ البعضِ، لا خصوصُ النِّصْفِ، بدليلِ الرِّوايةِ الأُخرى: «كَانَ النَّاسُ صِنْفَانِ» بتقديمِ الصَّادِ. و باعتبارِ (١) (ضِدٍّ) بأنْ يُطلَقَ اسمُ الضِّدِّ على ضِدِّه، كإطلاقِ البصيرِ على الأعمى. (وَ) الخامسُ والعشرونَ: (مُجَاوَرَةٍ) وعَلاقةُ المُجاوَرَةِ: تسميةُ الشَّيْء باسمِ مُجاوِرِه، كإطلاقِ لفظِ الرَّاويةِ على ظَرْفِ الماءِ، وإنَّما هي في الأصلِ للبعيرِ. (وَنَحْوِهِ) أي: نحوِ ما ذُكِرَ مِن العَلاقةِ؛ كإطلاقِ المُنَكَّرِ وإرادةِ المُعرَّفِ، كقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢) إنْ كانَ المُرادُ بها مُعَيَّنَةً، وقد يُقالُ: المُعرَّفُ جُزئيٌّ للمُنَكَّرِ (٣)، وإطلاقُ الكُلِّيِّ على الجُزْئِيِّ حقيقةٌ لا مجازٌ. وعَكْسُه، وهو إطلاقُ المُعرَّفِ وإرادةُ المُنكَّرِ؛ كقولِه تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (٤) إنْ قُلْنا: المأمورُ دُخُولُ أيِّ بابٍ كانَ، وقد يُقالُ: إذا كانَتِ «اللَّامُ» فيه للجنسِ؛ كانَ المرادُ ذلك، وكَوْنُ اللَّامِ للجِنسِ حقيقةً. فائدةٌ: قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: العَلاقةُ المُشابهةُ: إمَّا في الشَّكلِ: كإنسانٍ للصُّورةِ المنقوشةِ، أو صفةٍ ظاهرةٍ: كأسدٍ للشُّجاعِ، لا خفيَّةٍ كالبَخَرِ، أو لِمَا كانَ: كعبدٍ على عتيقٍ، أو لِما يَكونُ: كخمرٍ على عصيرٍ، أو للمجاورةِ: كجَرْيِ النَّهرِ والمِيزابِ (٥).

стр. 109

قالَ الآمِدِيُّ: كلُّ جهاتِ التَّجوُّزِ (١) لا تَخرُجُ عنْ هذا (٢). تنبيهٌ: يَتَفَاوَتُ المجازُ قُوَّةً وضَعفًا، بحَسَبِ تَفاوُتِ رَبْطِ العَلاقةِ بينَ مَحَلِّ المَجازِ والحقيقةِ. (وَشُرِطَ) لصِحَّةِ استعمالِ المجازِ: (نَقْلٌ) عنِ العَربِ، بأنْ تُسْتَعْمَلَ جِنْسُ (٣) العَلاقةِ في المجازِ (فِي) كُلِّ (نَوْعٍ) مِن أنواعِ المجازِ المذكورةِ؛ لأنَّ الأسدَ له صفاتٌ، وهي: الشَّجاعةُ، والبَخَرُ، والحِمَى، والجُذَامُ، ومعَ ذلك لا يَجوزُ إطلاقُه لغيرِ الشَّجاعةِ، ولو كانَتِ المُشابهةُ كافيةً مِن غيرِ نَقْلٍ؛ لَمَا امتنَعَ. و (لَا) يشتَرط في (آحَادِ) المجازِ؛ أي: في كُلِّ واحدةٍ مِن الصُّورِ الَّتي يُوجَدُ فيها أحدُ أنواعِ العَلاقةِ المُعتبَرةِ -النَّقلُ عنْ أهلِ اللُّغةِ، باستعمالِهم فيها على الأصحِّ، بل يَكفي في استعمالِ اللَّفظ في كلِّ صُورةٍ: ظهورُ نوعٍ مِن العَلاقةِ المعتبَرةِ. (وَهُوَ) أي: المجازُ، يَنقسِمُ بحَسَبِ جهةِ وَضعِه إلى ثلاثةِ أقسامٍ كالحقيقةِ: (١) قِسْمٌ (لُغَوِيٌّ: كَأَسَدٍ لِشُجَاعٍ) لعَلاقةِ الوصفِ الَّذِي هو الجُرْأَة، فكأنَّ أهلَ اللُّغةِ -باعتبارِهم النَّقلَ لهذه المناسبةِ- وَضَعوا الاسمَ ثانيًا للمجازِ.

стр. 110

(٢) (وَ) الثَّاني: (عُرْفِيٌّ) وهو نوعانِ: - (عَامٌّ؛ كَدَابَّةٍ لِـ) مُطلَقِ (مَا دَبَّ) فهو حقيقةٌ لُغةً، مجازٌ عُرفًا؛ لأنَّ حقيقةَ الدَّابَّةِ في العُرفِ لذاتِ الحافرِ، ولمُطلَقِ ما دَبَّ مجازٌ عندَهم؛ انتقالًا في العُرْفِ مِن ذاتِ الحافرِ للمَعنى المُضَمَّنِ لها مِنَ الدَّبِّ في الأرضِ. - (وَ) النَّوعُ الثَّاني: (خَاصٌّ: كَـ) إطلاقِ (جَوْهَرٍ لِـ) كُلِّ (نَفِيسٍ) انتقالًا في العُرفِ مِنَ النَّفاسةِ للمَعنى المُضَمَّنِ للشَّيءِ النَّفيسِ، مِن علوِّ القيمةِ الَّتي في الجوهرِ الحقيقيِّ. (٣) (وَ) القسمُ الثَّالثُ: (شَرْعِيٌّ: كَصَلَاةٍ لِـ) مُطلقِ (دُعَاءٍ) انتقالًا مِن ذاتِ الأركانِ للمَعنى المُضَمَّنِ لها مِن الخضوعِ، والسُّؤالُ بالفعلِ أو القُوَّةِ، فكأنَّ الشَّارعَ -بهذا الاعتبارِ- وَضَعَ الاسمَ ثانيًا لَمَّا كانَ بَينَه وبينَ اللُّغويِّ هذه المناسبةُ، فكلُّ مَعنى حقيقيٍّ في وَضعٍ، هو مجازٌ بالنِّسبةِ إلى وضعٍ آخَرَ. (ويُعْرَفُ) المَجازُ: (١) (بِصِحَّةِ نَفْيِهِ) كقولِك للبَليدِ: «ليسَ بحمارٍ»، بخلافِ الحقيقةِ، فإنَّها لا تُنفى، فلا يُقالُ للحمارِ: «ليسَ بحمارٍ». (٢) (وَ) يُعرَفُ المجازُ أيضًا بـ (تَبَادُرِ غَيْرِهِ) إلى ذهنِ السَّامعِ (لَوْلَا القَرِينَةُ) الحاضرةُ هناك، بخلافِ الحقيقةِ، فإنَّها المتبادرةُ إذا كانَتْ وَاحدَةً. (٣) (وَ) يُعرَفُ أيضًا بـ (عَدَمِ وُجُوبِ اطِّرَادِهِ) أي: اطِّرادِ عَلاقتِه، بل قد يَطَّرِدُ تارةً، كالأسدِ للشُّجاعِ، وَلَا يَطَّرِدُ تارةً أُخرى، نحوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١)

стр. 111

أي: أَهْلَها، فلا يُقالُ: اسألِ البِساطَ؛ أي: أَهْلَه، بخلافِ الحقيقةِ، فإنَّها واجبةُ الاطِّرادِ. (٤) (وَ) يُعرَفُ أيضًا بـ (التِزَامِ تَقْيِيدِهِ) كنارِ الحَربِ، فإنَّ النَّار تُستعمَلُ في مَدلولِها الحقيقيِّ مِن غيرِ قيدٍ. (٥) (وَ) يُعرَفُ أيضًا بـ (تَوَقُّفِهِ عَلَى مُقَابِلِهِ) كفهمِ مُسَمَّى المَكرِ بالنِّسبةِ إلى اللهِ تَعالى، مُتَوَقِّفٌ على فَهْمِه بالنِّسبةِ إلينا، لا على إطلاقِه، سواءٌ كانَ مَلفوظًا به، أو مُقَدَّرًا، كقولِه تَعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ (١) فلا يُقالُ: مَكَرَ اللهُ ابتداءً، وكقولِه تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ (٢)، ولم يَتَقَدَّمْ لمَكْرِهم ذِكْرٌ في اللَّفظ، لكنْ تَضَمَّنَه المعنى والعَلاقةُ (٣) المُصاحِبةُ في الذِّكْرِ. (٦) (وَ) يُعرَفُ أيضًا بـ (إِضَافَتِهِ إِلَى غَيْرِ قَابِلٍ) نحوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤)؛ لأنَّ الاستحالةَ تَقتضي أنَّه غيرُ موضوعٍ له فيَكُونُ مَجازًا، ولهذا عَبَّرَ بعضُهم عنه بالإطلاقِ على المُستحيلِ. (٧) (وَ) يُعرَفُ أيضًا بـ (كَوْنِهِ لَا يُؤَكَّدُ) لأنَّ التَّوكيدَ يُقَوِّي ويَنفي المجازَ (٥). (وَفِي قَوْلٍ: وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ) أي: المجازِ (بِلَا مَنْعٍ (٦) قَالَ الغَزَّالِيُّ في قولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعُوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٧) بمَعنى الشَّأنِ مَجازًا، وَلَا يُشتَقُّ منه آمِرٌ، وَلَا مأمورٌ، وَلَا غيرُهما (٨).

стр. 112

وقالَ أكثرُ العلماءِ: يَجوزُ الاشتقاقُ مِنَ المجازِ. قالَ الكُورَانِيُّ: والدَّليل على الاشتقاقِ مِنَ المجازِ قَولُهم: «نَطَقَتِ الحَالُ بِكَذَا»؛ أي: دَلَّتْ؛ لأنَّ النُّطقَ مُستعملٌ في الدَّلالةِ أوَّلًا، ثمَّ اشْتُقَّ مِنه اسمُ الفاعلِ على ما هو القاعدةُ في الاستعارةِ والتَّبعيَّةِ في المُشتقَّاتِ (١). وذَكَرَ بَعضُهم أنَّ المجازَ لا يُجمَعُ، (وَ) أَبْطَلَه الآمِدِيُّ (٢) بأنَّ لفظَ «الحمارَ» للبَليدِ (يُثَنَّى وَيُجْمَعُ) إجماعًا. (وَيَكُونُ) المجازُ: (١) (فِي مُفْرَدٍ) بلا نزاعٍ عندَ القائلِ بالمجازِ، كإطلاقِ لفظِ البحرِ على الجَوَادِ. (٢) (وَ) يَكونُ أيضًا فِي (إِسْنَادٍ) على الصَّحيحِ، فيَجري فيه، وإن لم يكنْ في لَفْظَيِ المُسنَدِ والمسنَدِ إليه تَجَوُّزٌ، وذلك بأنْ يُسْنَدَ الشَّيْء إلى غيرِ مَن هو له بضربٍ مِن التَّأويلِ بلا واسطةِ وَضْعٍ، كقولِ الشَّاعرِ (٣): أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الكَبِيـ … ـرَ كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي فلفظُ «الإشابةِ» حقيقةٌ في مَدلولِه، وهو تَبْيِيضُ الشَّعرِ، ولفظُ «الزَّمانِ» -الَّذي هو مُرورُ اللَّيلِ والنَّهارِ- حقيقةٌ في مَدلولِه أيضًا (٤) لكنَّ إسنادَ الإشابةِ إلى الزَّمانِ مَجازٌ في التَّركيبِ؛ أي: في إسنادِ الأفعالِ بعضِها إلى بعضٍ، لا في نفسِ مَدلولاتِ الألفاظِ.

стр. 113

(٣) (وَ) يكونُ المَجازُ (فِيهِمَا) أي: في المفرداتِ والإسنادِ (مَعًا) كقولِهم: أَحْيَانِي اكْتِحَالِي بِطَلْعَتِك؛ إذْ حقيقتُه: سَرَّتْني رُؤيتُك، لكنَّ إطلاقَ لفظِ الإحياءِ على السُّرورِ مجازٌ إفراديٌّ؛ [لأنَّ الحياةَ شرطُ صِحَّةِ السُّرورِ وهو مِن آثارِها، وكذا لفظُ الاكتحالِ على الرُّؤيةِ مجازٌ إفرادي] (١) لأنَّ الاكتحالَ جَعْلُ العَينِ مُشتملةً على الكحلِ، كما أنَّ الرُّؤيةَ جَعْلُ العَينِ مُشتملةً على صورةِ المرئيِّ، فلفظُ الإحياءِ والاكتحالِ حقيقةٌ في مَدلولِهما وهو سلوكُ الرُّوحِ في الجسدِ، ووضعُ الكحلِ في العَينِ واستعمالُه -أي: لفظِ الإحياءِ والاكتحالِ- في السُّرورِ والرُّؤيةِ مجازٌ إفراديٌّ، وإسنادُ الإحياءِ إلى الاكتحالِ مجازٌ تركيبيٌّ؛ لأنَّ لفظَ الإحياءِ لم يُوضَعْ ليُسْنَدَ إلى الاكتحالِ، بل إلى اللهِ تَعالى. (٤) (وَ) يَجري المجازُ في (فِعْلٍ) على الصَّحيحِ: تارةً بطريقِ التَّبعيَّةِ، كـ «صَلَّى» بمَعنى «دَعَا» تَبَعًا لإطلاقِ الصَّلاةِ مجازًا على الدُّعاءِ. وتارةً بدونِها، كإطلاقِ الفعلِ الماضي بمَعنى الاستقبالِ، والمضارعِ بمَعنى الماضي، والتَّعبيرِ بالخبَرِ عنِ الأمرِ وعَكْسِه، وبالخبَرِ عنِ النَّهيِ، نحوُ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٢) أي: يَأتي، ونحوُ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ (٣) أي: فلِمَ قَتَلْتُموهم، ونحوُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٤)، ونحوُ: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٥)، ونحوُ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٦).

стр. 114

(٥) (وَ) يَجري أيضًا في (مُشْتَقٍّ) على الصَّحيحِ، كإطلاقِ اسمِ الفاعلِ، واسمِ المفعولِ، والصِّفةِ المُشَبَّهةِ، ونَحوِها مِمَّا يُشتَقُّ مِن المصدرِ، كإطلاقِ «مُصَلٍّ» في الشَّرعِ على «الدَّاعي». (٦) (وَ) يَجري أيضًا في (حَرْفٍ) على الصَّحيحِ، كما في «هل» تَجَوَّزوا بها عنِ الأمرِ، والنَّفيِ (١) والتَّقريرِ، كقولِه تَعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٢) أي: فانتهوا، وكقولِه تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (٣) أي: ما تَرى لهم مِن باقيةٍ، وكقولِه تَعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٤). (وَ) حَكَى بَعضُهم أنَّ المجازَ (يُحْتَجُّ بِهِ) إجماعًا (٥)؛ لأنَّه يُفيدُ مَعنًى مِن طريقِ الوضعِ، كما أنَّ الحقيقةَ تُفيدُ مَعنى مِن طريقِ الوضعِ، ألا تَرى إلى قولِه تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٦) فإنَّه يُفيدُ المعنى وإنْ كانَ مَجازًا، وأنَّ مِن المعلومِ أنَّ المرادَ أَعْيُنُ الوجوهِ نَاظرةٌ؛ لأنَّ الوجوهَ لا تَنْظُرُ. (وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ) أي: المجازِ؛ لأنَّه نُصَّ على وَضْعِه، فلا يُقالُ: سَلِ البساطَ والسَّريرَ؛ لأنَّه مُستعارٌ مِن حقيقةٍ، فلو قِيسَ عليه كانَ استعارةً مِنه، فيَتَسَلْسَلُ، ولهذا مَنعوا مِن تصغيرِ المُصَغَّرِ. (وَ) المجازُ (يَسْتَلْزِمُ الحَقِيقَةَ) لأنَّه ما تُجُوِّزَ به عن مَوضوعِه، فاحتَجُّوا بمُجرَّدِ الوَضْعِ، (وَ) الحقيقةُ (لَا تَسْتَلْزِمُهُ) فتُوجَدُ حقيقة (٧) وَلَا يُوجدُ لها مجازٌ.

стр. 115

(وَلَفْظَاهُمَا) أي: لفظا الحقيقةِ والمجازِ (حَقِيقَتَانِ عُرْفًا) لأنَّ استعمالَهما في ذلك باصطلاحِ أهلِ العُرفِ، لا مِن وَضْعِ اللُّغةِ، وهما (مَجَازَانِ لُغَةً) لأنَّ الحقيقةَ العُرفيَّةَ مَجازٌ لُغةً. (وَهُمَا) يَعني تقسيمَ اللَّفظ إلى حقيقةٍ ومجازٍ (مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ) قَالَ الشَّيخُ (١): وهذا التَّقسيمُ اصطلاحٌ حادثٌ بعدَ القرونِ الثَّلاثةِ. (وَلَيْسَ مِنْهُمَا: (١) لَفْظٌ قَبْلَ اسْتِعْمَالٍ) يَعني: إذا وُضِعَ اللَّفظ لمَعنًى ولم يَتَّفِقِ اسْتعمالُه لا فيما وُضِعَ له أولًا (٢)، ولا في غيرِه؛ لم يَكُنْ حقيقةً وَلَا مجازًا؛ لعدمِ رُكْنِ تَعريفِهما وهو الاستعمالُ؛ لأنَّ الاستعمالَ جزءٌ مِن مفهومِ كُلٍّ مِنهما، وانتفاءُ الجزءِ يُوجِبُ انتفاءَ الكُلِّ، وعندَ أبي الحسينِ البصريِّ (٣): لو قَالَ الواضعُ: سَمَّيْتُ هذا «حائطًا»، أو قَالَ: سَمُّوا هذا «حائطًا»، لا يَكونُ قولُه في تلك الحالِ حقيقةً وَلَا مجازًا؛ لأنَّه لم يَتَقَدَّمْ ذلك مُوَاضَعَةٌ واصطلاح (٤). قالَ في «التَّمهيدِ»: وهذا خطأٌ؛ لأنَّ الكلامَ، إذا خَلا عنْ حقيقةٍ ومجازٍ: مُهْمَلٌ، وهذا كلامٌ مفهومٌ غيرُ مُهمَلٍ (٥).

стр. 116

(٢) (وَلَا) مِنَ الحقيقةِ والمجازِ: (عَلَمٌ مُتَجَدِّدٌ) على الأصحِّ، لا بالأصالةِ ولا بالتَّبعيَّةِ؛ لأنَّ الأعلامَ وُضِعَتْ للفَرقِ بينَ ذاتٍ وذاتٍ، ولأنَّ شرطَ المجازِ العَلاقةُ. وقالَ ابن عَقِيل (١): أسماءُ الأعلامِ حقيقةٌ لا مجازَ فيها، وُضِعَتْ للفَرقِ بينَ الأشخاصِ لا في الصِّفاتِ، وإفادةِ المَعنى في المُسَمَّى، حَتَّى إذا جَرَى على مَن ليسَتْ له تلك الصِّفةُ؛ قيلَ: مجازٌ.

стр. 117

(فَصْلٌ) (المَجَازُ وَاقِعٌ) في اللُّغةِ على الصَّحيحِ، وكُتُبُ اللُّغةِ مملوءةٌ. قالَ الآمِدِيُّ (١): لم تَزَلْ أهلُ الأعصارِ تَنقُلُ عن أهلِ الوَضْعِ تَسْمِيَةَ هذا حقيقةً، وهذا مجازًا (٢). (وَلَيْسَ) المجازُ (بِأَغْلَبَ) مِنَ الحقيقةِ في الأصحِّ، بل الحقيقةُ أَوْلَى منه في الجملةِ؛ لأنَّها الأصلُ، ما لم يَتَرَجَّحِ المجازُ على ما يَأتي. (وَهُوَ) أي: المجازُ (فِي الحَدِيثِ) أي: في قولِ النَّبِيِّ ﷺ ، (وَ) في (القُرْآنِ) العظيمِ على الصَّحيحِ. قالَ أحمدُ في قولِه تَعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ (٣) و ﴿نَعْلَمُ﴾، و ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾: هذا مِن (٤) مجازِ اللُّغةِ، يَقولُ الرَّجلُ: إنَّا سنُجْرِي عليك رِزْقَك (٥). واحتجَّ للقائلينَ بوقوعِه بقولِه تَعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (٦)، ﴿الْحَجُّ

стр. 118

أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١)، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ (٢)، وغيرُ ذلك كثيرٌ. (وَلَيْسَ فِيهِ) أي: القرآنِ لفظٌ (غَيْرُ عَلَمٍ إِلَّا عَرَبِيٌّ) على الصَّحيحِ، اختارَه الأكثرُ. وذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّ فيه ألفاظًا بغيرِ العربيَّةِ. قالَ أبو عُبَيْدٍ: والصَّوابُ عندي مذهبٌ فيه تصديقُ القولينِ جميعًا؛ وذلك أنَّ هذه أُصولُها أعجميَّةٌ كما قَالَ الفقهاءُ، لكنَّها وَقَعَتْ للعربِ فعُرِّبَتْ بألسَنَتِها وحَوَّلَتْها عن ألفاظِ العَجَمِ إلى ألفاظِها، فصَارَتْ عربيَّةً، ثمَّ نَزَلَ القرآنُ وقد اختَلَطَتْ هذه الحروفُ بكلامِ العربِ، فمن قَالَ: إنَّها عربيَّةٌ فهو صادقٌ. تنبيهٌ: اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّه لَيْسَ في القرآنِ كلامٌ مركبٌ على أساليبِ غيرِ العربيَّةِ، وأنَّ فيه أعلامًا بغيرِ العربيَّةِ، وإنَّما مَحَلُّ الخلافِ في ألفاظٍ مفردةٍ غيرِ أعلامٍ، وهي أسماءُ الأجناسِ: كالياقوتِ، والإبريقِ، والطَّستِ، ونحوِه. (وَمَجَازٌ رَاجِحٌ) أي: والعملُ به (أَوْلَى) بالعملِ (مِنْ حَقِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ) مماتةٍ لا تُرادُ في العُرْفِ؛ لأنَّ المجازَ إمَّا حقيقةٌ شرعيَّةٌ: كالصَّلاةِ، أو عُرفيَّةٌ: كالدَّابَّةِ، ولا خلافَ في تقديمِها على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ، مثالُه: لو حَلَفَ لا يَأْكُلُ مِن هذه النَّخلةِ، فأَكَلَ مِن ثَمَرِها: حَنِثَ، وإنْ أكلَ مِن خَشَبِها: لم يَحنَثُ، وكذا عندَ الأكثرِ إنْ كانَ المجازُ راجحًا والحقيقةُ تُتَعاهَدُ في بعضِ الأوقاتِ، كما لو حَلَفَ ليَشْرَبَنَّ مِن هذا النَّهرِ، فهو حقيقةٌ

стр. 119

في الكَرْعِ مِنه بفِيه، ولو اغترفَ بكوزٍ وشَرِبَ منه: فهو مجازٌ؛ لأنَّه شَرِبَ مِن الكوزِ لا مِن النَّهرِ، لكنَّه مجازٌ راجحٌ مُتبادِرٌ إلى الفَهمِ، والحقيقةُ قد تُرادُ؛ لأنَّ كثيرًا مِن الرِّعاءِ وغيرِهم يَكْرَعُ بفِيهِ، وأمَّا إنْ كانَ المجازُ مَرجوحًا لا يُفهَمُ إلَّا بقرينةٍ، كالأسدِ للشُّجاعِ: فتُقَدَّمُ الحقيقةُ، وكذا إنْ غَلَبَ استعمالُه حَتَّى ساوى الحقيقةَ على الصَّحيحِ. (وَلَوْ لَمْ يَنْتَظِمْ) أي: لو لم يَصِحَّ (كَلَامٌ إِلَّا بِارْتِكَابِ مَجَازِ زِيَادَةٍ، أَوْ) بارتكابِ مجازِ (نَقْصٍ؛ فَنَقْصٌ أَوْلَى) مِنِ ارتكابِ مجازِ الزِّيادةِ؛ لأنَّ الحذفَ في كلامِ العربِ أكثرُ مِن الزِّيادةِ، ويَتَفَرَّعُ على ذلك إذا قَالَ لزوجتَيْه: إن حِضْتُما حيضةً فأنتما طالقتانِ؛ إذْ لا شَكَّ في استحالةِ اشتِراكِهما في حيضةٍ، [وتصحيحُ الكلامِ: إمَّا بدَعوى الزِّيادةِ، وهو قولُه: «حيضةً»، يَعني إنْ حِضْتُما فأنتما] (١) طالقتانِ، فإذا طَعَنَتا في الحيضِ طَلَقَتا، وهذا هو المشهورُ في المذهبِ، وإمَّا بدَعوى الإضمارِ، وتَقديرُه: إنْ حاضَتْ كلُّ واحدةٍ مِنكما حيضةً، فأنتُما طالقتانِ، ونظيرُه قولُه تَعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢) أي: اجلِدُوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانينَ جلدةً، وهو موافقٌ للقاعدةِ.

стр. 120

(فَصْلٌ) تَنقسمُ الكنايةُ إلى: حقيقةٍ، ومجازٍ، فـ (الكِنَايَةُ: (١) حَقِيقَةٌ) وذلك (إِنِ اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ) أي: مَعنى ذلك اللَّفظِ الموضوعِ له حقيقةً، (وَ) لكنْ (أُرِيدَ) بإطلاقِه (لَازِمُ المَعْنَى) الموضوعِ له، كقولِهم: «كثيرُ الرَّمادِ» يُكَنُّونَ عن كَرَمِه، فكثرةُ الرَّمادِ مُستعمَلٌ في مَعناه الحقيقيِّ، ولكنْ أُريدَ به لازمُه وهو الكَرَمُ، وإنْ كانَ بواسطةِ لازمٍ آخَرَ؛ لأنَّ لازمَ كثرةِ الرَّمادِ كثرةُ الطَّبخِ (١) ولازمَ كثرةِ الطَّبخِ (٢) كثرةُ الضِّيفانِ، ولازمَ كثرةِ الضِّيفانِ الكرمُ، وكلُّ ذلك عادةٌ، فالدَّلالةُ على المعنى الأصليِّ بالوضعِ، وعلى اللَّازمِ بانتقالِ الذِّهنِ مِن الملزومِ إليه. (٢) (وَ) الكنايةُ (مَجَازٌ) وذلك (إِنِ) اسْتُعْمِلَ اللَّفظُ في غيرِ مَعناه، و (لَمْ يُرِدِ المَعْنَى) الحقيقيَّ، (وَ) إِنَّمَا (عُبِّرَ بِالمَلْزُومِ عَنِ اللَّازِمِ) بأنْ يُطلِقَ المُتكلِّمُ كثرةَ الرَّمادِ على اللَّازمِ وهو الكَرَمُ مِن غيرِ ملاحظةِ الحقيقةِ أصلًا، والعلاقةُ فيه إطلاقُ الملزومِ على اللَّازمِ، والأصحُّ أنَّ لفظَ الكنايةِ حقيقةٌ مطلقًا. (وَالتَّعْرِيضُ حَقِيقَةٌ وَهُوَ) أي: التَّعريضُ: (لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ) أي: مَعنى ذلك اللَّفظِ (مَعَ التَّلْوِيحِ بِغَيْرِهِ) أي: بغيرِ ذلك المعنى المستعمَلِ فيه، كقولِ إبراهيمَ ﵇: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣) غَضِبَ أنْ عُبِدَتْ

стр. 121

هذه الأصنامُ معَه فكَسَرَها، وإنَّما القصدُ (١): التَّلويحُ بأنَّ اللهَ تَعالى يَغضَبُ لعبادةِ غيرِه ممَّنْ لَيْسَ بإلهٍ مِن طريقِ الأَوْلى مِمَّا ذُكِرَ. تنبيهٌ: الفرقُ بينَ التَّعريضِ (٢) وأحدِ قِسمَيِ الكنايةِ: أنَّ المُلازمةَ هناك واضحةٌ بانتقالِ الذِّهنِ إليها سريعًا.

стр. 122

(فَصْلٌ) قالَ عُلماءُ هذا الشَّأنِ: (الِاشْتِقَاقُ) مِن أشرفِ علومِ العربيَّةِ، وأَدَقِّهَا وأَنْفَعِها، وأكثرِها ردًّا إلى أبوابِها، ألا تَرى أنَّ مدارَ عِلمِ التَّصريفِ في معرفةِ الزَّائدِ مِن الأصليِّ عليه. مأخوذٌ مِنَ الشَّقِّ وهو القطعُ، وهو افتعالٌ مِن قولِك: اشْتَقَقْتُ كذا مِن كذا؛ أي: اقْتَطَعْتُه منه. ويَنقسمُ اللَّفظُ إلى: جامدٍ، ومشتقٍّ، على الصَّحيحِ. والاشتقاقُ ثلاثةُ أنواعٍ: أصغرُ، وأوسطُ، وأكبَرُ. فالأصغرُ: (رَدُّ لَفْظٍ (١) إِلَى آخَرَ) دَخَلَ فيه الاسمُ والفعلُ (لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ) أي: لمُوافقةِ (٢) المَردودِ للمردودِ إليه (فِي الحُرُوفِ الأَصْلِيَّةِ) سواءٌ كانَتِ الأصولُ موجودةً لفظًا، أو تقديرًا، ليَدْخُلَ نَحْوُ: «خَفْ» و «كُلْ»، مِن الخوفِ والأكلِ، (وَ) لِـ (مُنَاسَبَتِهِ) أي: المُشتقِّ للمُشتقِّ منه (فِي المَعْنَى) احتِرازًا (٣) عن مثلِ اللَّحمِ، والِملحِ، والحلمِ، فإن كلًّا منها (٤) يُوافِقُ الآخَرَ في حروفِه الأصليَّةِ، ومعَ ذلك فلا اشتقاقَ بينَها، لانتفاءِ المُناسبةِ في المعنى لقياسِ مدلولاتِها. والمُرادُ بالتَّناسُبِ -يَعني في المعنى والتَّركيبِ، كما قَيَّدَه بعضُهم-

стр. 123

المُوافقةُ في الحروفِ الأصليَّةِ، احتِرازًا مِن الزوائدِ، فإنَّ التَّخالُفَ فيها (١) لا يَضُرُّ، كـ نَصَرَ، ونَاصَرَ، وخَرَجَ بهذا القَيدِ اللَّفظانِ المُتَرادفانِ أحدُهما وإنْ وافَقَ الآخَرَ في المعنى، لكنَّه لم يُوافِقْه في الحروفِ الأصليَّةِ كالبُرِّ والقمحِ. و أركانُ الاشتقاقِ أربعةٌ: مُشتَقٌّ، ومُشتَقٌّ منه، وموافقةُ المُشتَقِّ للمُشتَقِّ منه في حُروفِه (٢) الأصليَّةِ، والرَّابعُ يُؤخَذُ مِن التَّناسُبِ ومِن المُشتقِّ منه، ولهذا قال: (وَلَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرٍ) فيَكُونُ هو المناسبةَ في المعنى مع التَّغييرِ؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ تغييرٌ، (وَلَوْ تَقْدِيرًا) لم يَصْدُقْ كَوْنُ المُشتقِّ غيرَ المُشتقِّ منه. والتَّغييرُ الظَّاهرُ خَمْسَةَ عَشَرَ نوعًا، وذلك: إمَّا بزيادةِ حرفٍ، أو حركةٍ، أو هما معًا، أو نقصانِ حرفٍ أو حركةٍ، أو هُما معًا، أو زيادةِ حرفٍ ونقصانِه، أو زيادةِ حركةٍ ونقصانِها، أو زيادةِ حرفٍ ونقصانِ حركةٍ، أو زيادةِ حركةٍ ونقصانِ حرفٍ، عَكْسُ الَّذِي قَبْلَه، أو زيادةِ حرفٍ مع زيادةِ حركةٍ ونقصانِها، أو زيادةِ حركةٍ مع زيادةِ حرفٍ ونقصانِه، عكسُ الَّذِي قبلَه، أو نقصانِ حرفٍ مَعَ زيادةِ حركةٍ ونقصانِها، أو نقصانِ حركةٍ مَعَ زيادةِ حرفٍ ونقصانِه، أو زيادةِ حرفٍ ونقصانِه وزيادةِ الحركةِ ونقصانِها؛ لأنَّ التَّغييرَ إمَّا تغييرٌ واحدٌ، أو تغييرانِ، أو ثلاثةٌ، أو أربعةٌ فلا نُطِيلُ بذِكْرِها. و التَّغييرُ المُقَدَّرُ: كفُلْكٍ (٣) فإذا أُريدَ فيه الواحدُ يُذَكَّرُ، كقولِه تَعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ

стр. 124

الْمَشْحُونِ﴾ (١) وإذا أُريدَ به الجمعُ يُؤَنَّثُ، كقولِه تَعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ (٢) وطَلَبَ طلبًا ونحوِه، فالتَّغييرُ حاصلٌ، ولكنَّه تقديرًا، فيُقَدَّرُ حذفُ الفتحةِ الَّتي في آخِرِ المصدرِ، والإتيانُ بفتحةٍ أُخرى في آخِرِ الفعلِ، والفتحةُ غيرُ الفتحةِ، ويَدُلُّ على التَّغايُرِ أنَّ إحداهما (٣): لعاملٍ، والأُخرى (٤): لغيرِ عاملٍ. (وَالمُشْتَقُّ) يَدُلُّ على الاشتقاقِ، وهو: (فَرْعٌ وَافَقَ أَصْلًا) وَالأصلُ هنا اللَّفظُ المشتقُّ منه ذلك الفرعُ. وقولُه: (بِحُرُوفِهِ الأُصُولِ) يُخرِجُ ما وَافَقَه بمَعناه لا بحُروفِه كحبسٍ ومنعٍ (٥). وقولُه: (وَمَعْنَاهُ) يُخرِجُ ما وَافَقَه «بِحُرُوفِهِ الأُصُولِ» لا بمعناه كذهبٍ وذهابٍ، ويُخرِجُ أيضًا نحوَ لحمٍ، ومِلحٍ، وحلمٍ، وتَقَدَّمَ، فليسَ بعضُها مُشتقًّا مِن بعضٍ أصلًا. (١) (فَفِي) الاشتقاقِ (الأَصْغَرِ وَهُوَ المَحْدُودُ) يَعني حَيْثُ أَطلَقُوا الاشتقاقَ في الغالبِ كانَ المرادُ به الأصغرَ، وإذا أرادوا غيرَه قَيَّدُوه (٦) بالأوسطِ، أو غيرِه على ما اصطَلَحُوا عليه. (يَتَّفِقَانِ) أي: يُشتَرطُ أنْ يَتَّفِقَ اللَّفظُ المُشتقُّ والمُشتقُّ منه، (فِي الحُرُوفِ وَالتَّرْتِيبِ) مَعَ وجودِ المعنى كما تَقَدَّمَ، (كَنَصَرَ مِنَ النَّصْرِ).

стр. 125

(٢) (وَ) يُشتَرَطُ (فِي) الاشتقاقِ (الأَوْسَطِ) اتِّفاقُهما (فِي الحُرُوفِ) مع وجودِ المعنى أيضًا، لا في التَّرتيبِ (كَـ جَبَذَ مِنَ الجَذْبِ) فإنَّ الباءَ مُقدَّمَةٌ على الذَّالِ في الأوَّلِ، والذَّالَ مُقدَّمَةٌ على الباءِ في الثَّاني. (٣) (وَفِي) الاشتقاقِ (الأَكْبَرِ) اتِّفاقُ اللَّفظينِ في المَخرَجِ لا في التَّرتيبِ بل في النَّوعِ، كاتِّفاقِهما، (فِي مَخْرَجِ حُرُوفِ الحَلْقِ، أَوْ) حُرُوفِ (الشَّفَةِ، كَـ نَعَقَ، وَثَلَمَ، مِنَ النَّهِيقِ، وَالثَّلْبِ) فإنَّ الهاءَ والعينَ مِن حروفِ الحَلْقِ، والباءَ والميمَ مِن حروفِ الشَّفةِ، والصَّحيحُ أنَّ الاشتقاقَ الأكبَر غيرُ مُعَوَّلٍ عليه؛ لعدمِ اطِّرادِه. (وَ) المُشتقُّ قد (يَطَّرِدُ) إطلاقُه كثيرًا على جميعِ مَدلولاتِه (كَاسْمِ فَاعِلٍ) نحوُ ضاربٍ، يُطلَقُ على كلِّ مَن ثَبَتَ له الضَّربُ (وَنَحْوِهِ) كاسمِ مفعولٍ: كمضروبٍ، والصِّفةِ المُشَبَّهةِ: كالحَسَنِ الوَجهِ، وأفعلِ التَّفضيلِ: كأكبَر، واسمِ المكانِ: كمَلعَبٍ، واسمِ الزَّمانِ: كالمَوْسِمِ، واسمِ الآلةِ: كالميزانِ. (وَقَدْ) لا يَطَّرِدُ بل (يَخْتَصُّ كَالقَارُورَةِ) فإنَّها مُختَصَّةٌ بالزُّجاجةِ، وإن كانَتْ مأخوذةً مِن القَرِّ في الشَّيْءِ ولم يَعُدُّوها إلى كلِّ ما يَقَرُّ فيه الشَّيءُ، مِن خشبٍ، أو خَزَفٍ، أو غيرِ ذلك. (وَإِطْلَاقُهُ) أي: إطلاقُ الاسمِ المُشتقِّ على الشَّيْءِ (قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ المُشْتَقِّ مِنْهَا) ذلك الشَّيءُ، كقولِنا مثلًا: زيدٌ ضاربٌ، قبلَ وُجودِ الضَّربِ: (١) (مَجَازٌ) وحُكِيَ إجماعًا، ولَعَلَّ المُرادَ (إِنْ أُرِيدَ الفِعْلُ). قالَه ابنُ مُفْلِحٍ (١).

стр. 126

(٢) وإطلاقُ المُشتَقِّ قبلَ وُجودِ الصِّفةِ المُشتقِّ منها: (حَقِيقَةٌ، إِنْ أُرِيدَتِ الصِّفَةُ) المُشَبَّهةُ باسمِ الفاعلِ (كَـ) قولِهم: (سَيْفٌ قَطُوعٌ، وَنَحْوِهُ) كخُبزٍ مُشبِعٍ، وخمرٍ مُسكِرٍ؛ لعدمِ صِحَّةِ النَّفيِ. (فَأَمَّا صِفَاتُ اللهِ فَقَدِيمَةٌ، وَ) هي (حَقِيقَةٌ) عندَ أحمدَ وأصحابِه وجُمهورِ أهلِ السُّنَّةِ. وقالَ آخرونَ: هي حادثةٌ؛ لِئلَّا يَلْزَمَ أن يَكُونَ المخلوقُ قديمًا. وأُجيبَ عن الأوَّلِ: بأنَّه يُوجَدُ في الأزلِ صفةُ الخلْقِ ولا مخلوقَ. فأجابَ الأشعريُّ: بأنَّه لا يَكُونُ خلْقٌ وَلَا مخلوقٌ، كما لا يكُونُ ضاربٌ ولا مضروبَ. فأَلْزَموه بحدوثِ صِفاتِه، فيَلْزَمُ حلولُ الحوادثِ باللهِ. فأجابَ: بأنَّ هذه الصِّفاتِ لا تُحدِثُ في الذَّاتِ شيئًا جديدًا. فتُعُقِّبَ بأنَّه يَلْزَمُ ألَّا يُسَمَّى في الأزلِ خالقًا وَلَا رازقًا، وكلامُ اللهِ تَعالى قديمٌ، وقد ثَبَتَ فيه أنَّه الخالقُ الرَّازقُ. (وَ) اللَّفظُ (المُشْتَقُّ حَالَ وُجُودِ) أي: حالَ قيامِ (الصِّفَةِ) بالموصوفِ، كقولِنا لمن يَضرِبُ في تلك الحالِ: ضاربٌ، فهذا (حَقِيقَةٌ (١) إجماعًا. (وَ) المُشتَقُّ (بَعْدَ انْقِضَائِهَا) أي: انقضاءِ الصِّفَةِ (مَجَازٌ) باعتبارِ ما كانَ، ويُعَبَّرُ عنه باشتِراطِ بقاءِ المُشتقِّ منه في صِدقِ المُشتقِّ منه حقيقةً، سواءٌ

стр. 127

كانَ المُشتقُّ مِمَّا يُمكِنُ حصولُه بتمامِه وقتَ الإطلاقِ، كالقيامِ والقعودِ ونحوِهما، فيُقالُ: قائمٌ قاعدٌ، أو لا يُمكِنُ كما لو كانَ مِنَ الأعراضِ السَّيَّالةِ، كالكلامِ، والتَّحرُّكِ، ونحوِهما، فيُقالُ: مُتكلِّمٌ مُتحَرِّكٌ مِمَّا لا يَكُونُ ويُوجَدُ دفعةً واحدةً، وإنَّما يَأتي شيئًا فشيئًا. وحُكِيَ عنِ الأكثرِ: أنَّه حقيقةٌ، لكنْ عَقِبَ الفِعلِ، فلو تَأَخَّرَ كثيرًا لم يَكُنْ حقيقةً. (وَشَرْطُهُ) أي: المُشتقِّ، سواءٌ كانَ اسمًا أو فعلًا (صِدْقُ أَصْلِهِ) وهو المُشتقُّ منه، فلا يَصْدُقُ ضاربٌ مثلًا على ذاتٍ إلَّا إذا صَدَقَ الضَّربُ على تلك الذَّاتِ، وسواءٌ كانَ الصِّدقُ (١) في الماضي، أو في الحالِ، أو في الاستقبالِ، كقولِه تَعالى في الاستقبالِ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ (٢)، وذَكَرَ الأُصوليُّون هذه المسألةَ، ليَرُدُّوا على المُعتزلةِ، لإطلاقِهم العالِمَ على اللهِ وإنكارِ حصولِ العِلْمِ له، وقالوا: إنَّ العالِميَّةَ بعِلْمٍ، لكنَّ عِلْمَ اللهِ عينُ ذاتِه، لا أنَّه عالِمٌ بدونِ عِلمٍ، وكذا القولُ في بقيَّةِ الصِّفاتِ. وأمَّا أهلُ السُّنَّةِ فيُعَلِّلون العالِمَ بوُجودِ علمٍ قديمٍ قائمٍ بذاتِه وكذا في الباقي. (وَكُلُّ اسْمِ مَعْنًى قَائِمٍ بِمَحَلٍّ: يَجِبُ أَنْ يُشَتَقَّ لِمَحَلِّهِ مِنْهُ) أي: مِن ذلك المعنى (اسْمُ فَاعِلٍ) لا لغيرِه منه، يَعني لا يُشتَقُّ اسمُ فاعلٍ لشيءٍ، والفعلُ قائمٌ بغيرِه، فإذا قامَ العِلْمُ بمَحَلٍّ كانَ هو العالِمَ (٣) لا غيرُه، وكذلك إذا قامَتِ

стр. 128

القُدرةُ، أو الحركةُ، أو الحياةُ، أو غيرُ ذلك منَ الصِّفاتِ بمَحَلٍّ، كان لذلك المَحَلِّ، كالقديرِ، والمُتحرِّكِ، والحيِّ، وسائرِ الصِّفاتِ. وهو مُتَّفَقٌ عليه بينَ أهلِ السُّنَّةِ. ودَلَّهم على ذلك: استقراءُ لغةِ العربِ على أنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُطلَقُ على شيءٍ إلَّا ويَكُونُ المعنى المُشتَقُّ منه قائمًا به، وهو يُفيدُ القطعَ بذلك. (وَأَبْيَضُ وَنَحْوُهُ) مِن المُشتقَّاتِ، كأسودَ، وضاربٍ، ومضروبٍ، (يَدُلُّ) كلٌّ منها (عَلَى ذَاتٍ) ما، (مُتَّصِفَةٍ بِبَيَاضٍ) أو سَوادٍ، ووجودِ ضَربٍ، (لَا) على (خُصُوصِيَّتِهَا) أي: لا يَدُلُّ المُشتقُّ على خصوصِ تلك الذَّاتِ (بِهِ) أي: بذلك الوصفِ، فالأسودُ مثلًا ذاتٌ لها سوادٌ، ولا يَدُلُّ على حيوانٍ ولا غيرِه، والحيوانُ ذاتٌ لها حياةٌ، لا خصوصُ إنسانٍ ولا غيرِه. (وَالخَلْقُ غَيْرُ المَخْلُوقِ) عندَ الأكثرِ (وَهُوَ) أي: الخَلْقُ (فِعْلُ الرَّبِّ) تَعالى، (قَائِمٌ بِهِ) مع قِدَمِه، (مُغَايِرٌ لِصِفَةِ القُدْرَةِ) والمخلوقُ: هو المخلوقاتُ المُنفصِلةُ عنه.

стр. 129

(فَائِدَةٌ (١)) (تَثْبُتُ اللُّغَةُ قِيَاسًا فِيمَا) أي: في لفظٍ (وُضِعَ) لمُسَمًّى مُستلزمٍ (لِمَعْنًى دَارَ) ذلك المعنى (مَعَهُ) أي: مَعَ ذلك اللَّفظِ (وُجُودًا وَعَدَمًا، كَخَمْرٍ لِنَبِيذٍ)؛ لتَخميرِ العقلِ (وَنَحْوِهِ) كالسَّارقِ للنَّبَّاشِ؛ للأخذِ خُفيَةً، والزَّاني للَّائطِ؛ للوَطءِ المُحرَّمِ عندَ الأكثرِ. والقولُ الثَّاني: لا تَثْبُتُ قياسًا مُطلقًا، وللنُّحاةِ قَولانِ: اجتهادًا فلا حُجَّةَ؛ أي: فلا يَحسُنُ أن يُقالَ: قولُ مَن أثبتَ مُقَدَّمٌ على مَن نَفَى. قالَ البِرْمَاوِيُّ (٢) وغيرُه: ما قِيسَ على كلامِهم فمِن كلامِهم. وتَظهَرُ فائدةُ الخلافِ: أنَّ المُثبِتَ للقِياسِ في اللُّغةِ يَستغني عنِ القِياسِ الشَّرعيِّ، وإيجابِ الحَدِّ على شاربِ النَّبيذِ، والقطعِ على النَّبَّاشِ (٣) بالنَّصِّ، ومَن أَنْكَرَ القياسَ في اللُّغةِ جَعَلَ ثُبوتَ ذلك بالشَّرعِ. فَائِدَةٌ: لا شَكَّ أنَّ مَحَلَّ الخلافِ إذا اشْتَمَلَ الاسمُ على وصفٍ، واعتَقَدْنا أنَّ التَّسميةَ لذلك الوصفِ، فهل يَجوزُ تَعديةُ الاسمِ إلى محلٍّ آخَرَ مسكوتٍ عنه كالخمرِ؟ إذا اعتَقَدْنا أنَّ تَسمِيَتَها بذلك باعتبارِ تخميرِ العقلِ، فعَدَّيْناه إلى النَّبيذِ ونَحوِه، ولهذا قَالَ:

стр. 130

(وَالإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِهِ) أي: مَنْعِ القياسِ (فِي: (١) عَلَمٍ، (٢) وَلَقَبٍ) لوَضعِهما لغيرِ مَعنًى جامعٍ، والقياسُ فرعُه، (٣) (وَ) الإجماعُ على مَنعِ القياسِ في (صِفَةٍ) لأنَّ العالِمَ لمَن قامَ به العِلْمُ، فيَجِبُ طَردُه، فإطلاقُه بوضعِ اللُّغةِ، (٤) … (وَكَذَا مِثْلُ إِنْسَانٍ، وَرَجُلٍ، وَرَفْعِ فَاعِلٍ) فلا وجهَ لجَعلِه دليلًا.

стр. 131

(الحُرُوفُ) والمُرادُ بها هنا: ما يَحتاجُ الفقيهُ إلى مَعرفتِها، لا قسيمُ الاسمِ والفعلِ والحرفِ بخصوصِه؛ لأنَّه قد ذَكَرَ مَعها اسمًا كـ «إذ» وأطلقَ عليها حروفًا تغليبًا. (الوُاوُ العَاطِفَةُ) تَأتي (لِمُطْلَقِ الجَمْعِ) أي: للقَدْرِ المُشتَركِ بينَ التَّرتيبِ والمَعيَّةِ، وهي تارةً تَعطِفُ الشَّيْءَ على سابقِه، كقولِه تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ (١). وعلى مُصاحبِه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ (٢). وعلى لاحقِه: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣). فإذا قِيلَ: قامَ زيدٌ وعمرٌو، احتملَ ثلاثةَ معانٍ: المعيَّةَ، والتَّرتيبَ، وعدمَه. وكونُها للمعيَّةِ راجحٌ، وللتَّرتيبِ كثيرٌ، ولعكسِه قليلٌ. (وَتَأْتِي) الواوُ لمعانٍ أُخَرَ: أحدُها: (بِمَعْنَى مَعَ) كقولِهم: جاءَ البَردُ والطَّيَالِسَةُ. (وَ) الثَّاني: بمَعنى (أَوْ)؛ كقولِه تَعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤). (وَ) الثَّالثُ: بمَعنى (رُبَّ) كقولِ الشَّاعِرِ (٥): وَنَارٍ لَوْ نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ

стр. 132

أي: ورُبَّ نارٍ. [(وَ) الرَّابعُ: (لِقَسَمٍ) كقولِه تَعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ﴾ (١) (٢). (وَ) الخامسُ لـ (اسْتِئْنَافٍ) وهو كثيرٌ. (وَ) السَّادسُ: لـ (حَالٍ) نحوُ: جاءَ زيدٌ والشَّمسُ طالعةٌ. (الفَاءُ العَاطِفَةُ) (لِتَرْتِيبٍ) وهو قسمانِ: (١) معنويٌّ: كـ قامَ زيدٌ فعَمرٌو. الثَّاني: ذِكْريٌّ، وهو عطفُ مُفَصَّلٍ على مُجمَلٍ هو هو في المعنى، كقولِه تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣). (وَ) تأتي لـ (تَعْقِيبٍ) ومَعناه كونُ الثَّاني آخذًا بعَقِبِ الأوَّلِ في الجملةِ. وقالَ المُحَقِّقونَ: تعقيبُ (كُلِّ) شيءٍ (بِحَسَبِهِ عُرْفًا) فيُقالُ: تَزَوَّجَ فلانٌ فوُلد له إذا لم يَكُنْ بينَهما إلَّا مُدَّةُ الحملِ وإن طالَتْ. وقالَ الفَرَّاءُ: إنَّها لا تَدُلُّ على التَّرتيبِ، بل تُستعمَلُ في انتفائِه؛ كقولِه تَعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ (٤) [معَ أنَّ مَجيءَ البأسِ مُتَقَدِّمٌ على الهلاكِ. وأُجيبَ: بأنَّها للتَّرتيبِ الذِّكريِّ، أو فيه حذفٌ تَقديرُه: أَرَدْنا إهلاكَها، فجاءَها بأسُنا] (٥).

стр. 133

(وَتَأْتِي) أيضًا (سَبَبِيَّةً) وذلك كثيرٌ في العاطفةِ جملةً، أو صفةً، كقولِه تَعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (١). وقولِه (٢) تَعالى: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾ (٣). (وَ) تَأتي أيضًا (رَابِطَةً) للجوابِ في سِتِّ مسائلَ: إحداها: أنْ يَكُونَ الجوابُ جملةً اسميَّةً؛ كقولِه تَعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (٤). الثَّانيةُ: أنْ تَكُونَ فِعليَّةً، وهي الَّتي يَكُونُ فِعلُها جامدًا، نَحوُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (٥). الثَّالثةُ: أنْ يَكُونَ فِعْلُها إنشاءً، نحوُ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ (٦) فيه أمرانِ: الاسميَّةُ، والإنشاءُ. الرَّابعةُ: أنْ يَكُونَ فِعلُها ماضيًا لفظًا ومعنًى، إمَّا حقيقةً، نحوُ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ الآية (٧)، وإمَّا مجازًا، نحوُ: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ (٨) نُزِّلَ هذا الفعلُ لتَحَقُّقِ وقوعِه منزلةَ ما قد وَقَعَ. الخامسةُ: أنْ يَقتَرِنَ [بِاستقبالٍ، نحوُ: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ (٩).

стр. 134

السَّادسةُ: أنْ يَقتَرِنَ] (١) بحرفٍ له الصَّدرُ، كقولِه (٢): فَإِنْ أَهْلِكْ فَذِي لَهَبٍ لَظَاهُ (٣) عَلَيَّ تَكَادُ تَلْتَهِبُ التِهَابَا لِما عُرِفَ مِن أنَّ «رُبَّ» مُقَدَّرَةٌ، وأنَّ لها الصَّدرَ. (ثُمَّ) حرفُ عطفٍ تَكُونُ (لِتَشْرِيكٍ) بينَ ما قبلَها وما بعدَها في الحُكمِ. (وَ) لـ (تَرْتِيبٍ بِمُهْلَةٍ) على الصَّحيحِ، لكنَّه في المُفرداتِ معنويٌّ وفي الجُملِ ذِكريٌّ، نحوُ (٤): إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ قَدْ (٥) سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهُ فهو ترتيبٌ في الإخبارِ، لا في الوجودِ. (حَتَّى العَاطِفَةُ) تَأتي (لِلْغَايَةِ) فلا يَكُونُ المعطوفُ بها إلَّا غايةً لِما قَبْلَها، مِن زيادةٍ أو نقصٍ، نحوُ: ماتَ النَّاسُ حَتَّى الملوكُ، وقَدِمَ الحُجَّاجُ (٦) حَتَّى المُشَاةُ، (لَا تَرْتِيبَ فِيهَا) تَقولُ: حَفِظْتُ القُرآنَ حَتَّى سورةَ البقرةِ، وإنْ كانَتْ أوَّلَ ما حَفِظْتَ.

стр. 135

(وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ (١) مَعْطُوفِهَا جُزْءًا مِنْ مَتْبُوعِهِ) نحوُ: قَدِمَ الحُجَّاجُ (٢) حَتَّى المُشاةُ، لا يَصِحُّ العكسُ، (أَوْ كَجُزْئِهِ) نحوُ: أَعجَبَتْني الجاريةُ حَتَّى حديثُها؛ لأنَّ حديثَها مَعنًى من معانيها فهو كالبعضِ، وقد يَكُونُ المعطوفُ بِـ حتَّى مُباينًا، فيُقَدَّرُ بعضيَّتُه، كقولِه (٣): أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ … وَالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا لأنَّ المعنى: أَلقى ما يُثْقِلُه حَتَّى نعلَه. (وَتَأْتِي) حَتَّى: (١) (لِتَعْلِيلٍ (٤) كقولِه: كَلَّمْتُه حَتَّى يَأمُرَ لي بشيءٍ، وعلامَتُها أن يَصْلُحَ مَوضِعَها: «كيْ». (٢) (وَقَلَّ) أنْ تَأتيَ (لِاسْتِثْنَاءٍ مُنْقَطِعٍ) كقولِه (٥): لَيْسَ العَطَاءُ مِنَ الفُضُولِ سَمَاحَةً حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ (مِنْ) الجَارَّةُ (لِابْتِدَاءِ الغَايَةِ) في المكانِ اتِّفاقًا، وفي الزَّمانِ عندَ الكُوفِيِّينَ، والمُبَرِّدِ، وابنِ درسْتَوَيْه.

стр. 136

وتَأتي (حَقِيقَةً) في ابتداءِ الغايةِ، ومَجازًا في غيرِه مِنَ المعاني الآتيةِ، (وَلَهَا مَعَانٍ) كثيرةٌ: أحدُها: لابتداءِ الغايةِ مَكانًا، كقولِه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١)، وزمانًا كقولِه تَعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (٢). الثَّاني: انتهاؤُها مِثْلُ «إلى»، فتَكونُ لابتداءِ الغايةِ مِنَ الفاعلِ، ولانتهاءِ غايةِ الفعلِ مِن المفعولِ، نحوُ: رَأَيْتُ الهلالَ مِن داري من (٣) خَلَلِ السَّحابِ؛ أي: مِن مكاني إلى خَلَلِ السَّحابِ، فابتداءُ الرُّؤيةِ وَقَعَ مِن الدَّارِ وانتهاؤُها في خَلَلِ السَّحابِ. الثَّالثُ: التَّبعيضُ، وعلامتُها صِحَّةُ وَضْعِ «بعضٍ» في مَحَلِّها، نحوُ قولِه تَعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٤). الرَّابعُ: التَّبيينُ؛ أي: بيانُ الجِنسِ، وعلامتُها أنْ يَصِحَّ وَضعُ «الَّذي» مَوْضِعَها، نحوُ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (٥) أي: الَّذِي هو الأوثانُ. الخامسُ: التَّعليلُ، نحوُ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ (٦) [أي: لأجلِ الصَّواعقِ] (٧). السَّادسُ: البدلُ، نحوُ: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ (٨) أي: بَدَلَكم.

стр. 137

السَّابعُ: تنصيصُ العُمومِ، وهي الدَّاخلةُ على نكرةٍ لا تَختَصُّ بالنَّفيِ، نحوُ: «ما جاءَني مِن رجلٍ»، فإنَّه كانَ قَبْلَ دُخولِها مُحتَمِلًا لنفيِ الجِنسِ ولنفيِ الوَحدةِ، ولهذا يَصِحُّ أن يَقُولَ (١): بل رجلانِ، ويَمتنعُ ذلك بعدَ دخولِ «مِن». الثَّامنُ: الفصلُ، كقولِه تَعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٢) وتُعرَفُ بدُخولِها على ثاني المُتضادَّينِ. التَّاسعُ: مَجيئُها بمَعنى الباءِ، نحوُ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ﴾ (٣) أي: بطرفٍ. العاشرُ: بمَعنى «في»، كقولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ (٤) بدليلِ قولِه تَعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (٥). الحاديَ عَشَرَ: بمَعنى «عندَ»، كقولِه تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٦). الثَّانيَ عَشَرَ: بمعنى «على»، كقولِه تَعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (٧) أي: على القومِ. الثَّالثَ عَشَرَ: بمَعنى «عن»، كقولِه تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٨). (إِلَى) (لِانْتِهَائِهَا) أي: لانتهاءِ الغايةِ عندَ الأكثرِ، (وَ) تأتي (بِمَعْنَى مَعَ) كقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٩) أي: مع أموالِكم.

стр. 138

(وَابْتِدَاؤُهَا) أي: ابتداءُ الغايةِ (دَاخِلٌ) فِي المُغَيَّا، [و (لَا) يَدخُلُ (انْتِهَاؤُهَا)] (١) فيه على الأصحِّ، فلو قال: له مِن درهمٍ إلى عشرةٍ، لَزِمَه تسعةٌ. (عَلى) (لِلِاسْتِعْلَاءِ) هذا أشهرُ مَعانيها، ذاتيًّا كانَ أو مَعنويًّا، نحوُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٢)، ونحوُ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ (٣). (وَهِيَ) أي: على (لِلْإِيجَابِ) عندَ الأصحابِ وغيرِهم، (وَلَها مَعَانٍ): أحدُها: الاستعلاءُ، وتَقَدَّمَ. الثَّاني: التَّفويضُ [في قولِه تَعالى] (٤): ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٥): إذا عَقَدْتَ قلبَك على أمرٍ بعدَ الاستشارةِ، فاجعلْ تَفويضَك فيه إلى اللهِ. الثَّالثُ: المصاحبةُ، كقولِه تَعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٦). الرَّابعُ: المجاوزةُ بمَعنى «عن»، كقولِ الشَّاعرِ (٧): إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا أي: إذا رَضِيَتْ عنِّي. الخامسُ: التَّعليلُ، كقولِه تَعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٨) أي: لهدايتِكم.

стр. 139

السَّادسُ: الظَّرفيَّةُ، كقولِه تَعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (١) أي: في مُلْكِ سُليمانَ. السَّابعُ: الاستدراكُ، كقولِك: فلانٌ لا يَدخُلُ الجنَّةَ لسوءِ صُنْعِه، على أنَّه لا يَيأَسُ مِن رحمةِ اللهِ؛ أي: لكنْ لا يَيْأَسُ. الثَّامنُ: الزِّيادةُ، كقولِه ﵇: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ» (٢) أي: يمينًا. (فِي) ولها معانٍ: أَحَدُها: تَكُونُ (لِظَرْفٍ) زمانًا ومكانًا، ومثالُهما قولُه تَعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (٣) فالأُولى للمكانِ، والثَّانيةُ للزَّمان. (وَهِيَ) أي: «في» (بِمَعْنَاهُ) أي: للظَّرفِ على بابِها، (عَلَى قَوْلِ) أكثرِ البصريِّينَ وغيرِهم (فِي) قولِه تَعالى: (﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (٤). وقالَ أكثرُ أصحابِنا: هي بمَعنى «على» كقولِ الكوفيِّينَ، كقولِه تَعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ (٥) أي: عليه. (وَ) المعنى الثَّاني: تأتي (لِاسْتِعْلَاءٍ) أي: بمَعنى «على» كما تَقَدَّمَ تمثيلُه. (وَ) الثَّالثُ: لـ (ـتَعْلِيلٍ) كقولِه تَعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ (٦) أي: لأجلِه.

стр. 140

(وَ) الرَّابعُ: (سَبَبِيَّةٌ (١) كقولِه: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّار فِي هِرَّةٍ» (٢) أي: بسبب هرة. (وَ) الخامسُ: لـ (مُصَاحَبَةٍ) كقولِه تَعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ (٣) أي: مَعَهم مصاحبينَ لهم. (وَ) السَّادسُ: لـ (ـتَوْكِيدٍ) كقولِه تَعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ (٤) إذِ الرُّكوبُ يُستعمَلُ بدونِ «في» فهي مَزيدةٌ توكيدًا. (وَ) السَّابعُ: لـ (ـتَعْوِيضٍ) وهي الزَّائدةُ عِوَضًا عن أُخرى محذوفةٍ، كقولِه: «رَغِبْتُ فيمَن رَغِبْتَ»؛ أي: فيه. (وَ) الثَّامنُ: (بِمَعْنَى البَاءِ) كقولِه تَعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (٥) أي: يُكثِّركُم (٦) به. (وَ) التَّاسعُ: بمَعنى (إِلَى) كقولِه تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٧) أي: إليها غيظًا. (وَ) العاشرُ: بمَعنى (مِنْ) كقولِ امْرِئِ القيسِ (٨): وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كَانَ أَحْدَثُ عَهْدِهِ … ثَلَاثِينَ شَهْرًا فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ أي: مِن ثلاثةِ أحوالٍ.

стр. 141

(اللَّامُ) الجَارَّةُ تَأتي (لِلْمِلْكِ) نحوُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). قالَ في «التَّمهيدُ» (٢): هِيَ (٣) (حَقِيقَةٌ) في المِلْكِ (لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ) انتهى. (وَلَهَا) أي: اللَّامُ (مَعَانٍ) كثيرةٌ، ومَجيئُها لها مذهبٌ كوفِيٌّ، وأمَّا حُذَّاقُ البصريِّين فهي عندَهم على بابِها، ثمَّ يُضَمِّنُون الفعلَ ما يَصلُح مَعَها ويَرَوْنَ التَّجوُّزَ في الفعلِ أسهلَ مِنَ التَّجوُّزِ في الحَرفِ، إذا عَلِمْتَ ذلك فهاكَ المهمَّ مِن مَعانيها لتَعرِفَ: أحدُها: التَّمليكُ، ومنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٤). الثَّاني: شِبْهُ المِلْكِ، نحوُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (٥). الثَّالثُ: التَّعليلُ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦). الرَّابعُ: الاستحقاقُ، نحوُ: النَّارُ للكافرينَ. الخامسُ: الاختصاصُ، نحوُ: الجنَّةُ للمُؤمنينَ. والفرقُ بينَ الاستحقاقِ والاختصاصِ: أنَّ الاختصاصَ أخصُّ؛ فإنَّ ضابطَه ما شَهِدَتْ به العادةُ، كما شَهِدَتْ للفَرَسِ بالسَّرجِ.

стр. 142

السَّادسُ: لامُ العاقبةِ، ويُعَبَّرُ عنها بلامِ الصَّيرورةِ، وبلامِ المآلِ، نحوُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١). السَّابعُ: توكيدُ النَّفيِ أيَّ نفيٍ كانَ، نحوُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢) ويُعَبَّرُ عنها بلامِ الجُحودِ، لمَجيئِها بعدَ نفيٍ. الثَّامنُ: لمُطلَقِ التَّوكيدِ، وهي الدَّاخلةُ لتقويةِ عاملٍ ضعيفٍ بالتَّأخيرِ، نحوُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣) الأصلُ: تَعْبُرُونَ الرُّؤْيَا، أو لكونِه فرعًا في العملِ، نحوُ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤) وهذانِ مَقيسانِ. التَّاسعُ: أنْ تَكُونَ بمَعنى «إلى»، نحوُ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (٥). العاشرُ: التَّعديةُ، نحوُ: ما أَضْرَبَ زيدًا لعمرٍو. الحاديَ عَشَرَ: بمَعنى «على» نحوُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ (٦). الثَّانيَ عَشَرَ: بمَعنى «في»، كقولِه تَعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٧). الثَّالثَ عَشَرَ: بمَعنى «عندَ» أي: الوقتيَّةِ وما يَجرِي مَجراها، كقولِه ﵊: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨). الرَّابعَ عَشَرَ: بمَعنى «مِن» (٩) نحوُ: سَمِعْتُ له صُراخًا؛ أي: منه.

стр. 143

الخامسَ عَشَرَ: بمَعنى «عن» كقولِه تَعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (١) أي: قالوا عنهم ذلك، وضابطُها: أنَّها تَجُرُّ اسمَ مَن غابَ حقيقةً، أو حُكمًا عن قولِ قائلٍ يَتَعَلَّقُ به. (بَلْ) (١) تَأتي (لِعَطْفٍ، وَإِضْرَابٍ، إِنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ) وتَسْلُبُ الحُكْمَ قَطعًا (فِي إِثْبَاتٍ، فَتُعْطِي حُكْمَ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا) أي: يَصِيرُ الأوَّلُ كالمسكوتِ عنه ويَثبُتُ الحُكْمُ للثَّاني، نحوُ: جاءَ زيدٌ بلْ عَمرٌو. (وَ) إنْ وَلِيَها مُفردٌ في (نَفْيٍ فَـ) ـإنَّها (تُقَرِّرُ) حُكْمَ (مَا قَبْلَهَا، وَ) تُقَرِّرُ (ضِدَّهُ) أي: ضِدَّ حُكْمِ ما قَبْلَها (لِمَا بَعْدَهَا) في الأصحِّ، نحوُ: ما قامَ زيدٌ بل عمرٌو [فتُقَرِّرُ نَفيَ القيامِ لزيدٍ وضِدَّه لعمرٍو. (٢) أمَّا إنْ وَقَعَتْ «بل» (قَبْلَ جُمْلَةٍ) نحوُ: قَامَ زيدٌ بل عَمرٌو] (٢) قائمٌ؛ فلا تَكونُ عاطفةً بلْ حرفًا، (لِابْتِدَاءٍ، وَإِضْرَابٍ) وهو ضربانِ: - إضرابٌ (لِإِبْطَالٍ) للحُكْمِ السَّابِقِ، كقولِه تَعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٣). - (أَو) أي: والثَّاني إضرابٌ (لِانْتِقَالٍ) مِن حُكْمٍ إلى حُكْمٍ مِن غيرِ إبطالِ الأوَّلِ، كقولِه تَعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (٤) لم يُبْطِلْ شيئًا مِمَّا سَبَقَ، وإنَّما فيه انتقالٌ مِن خبَرٍ عنهم (٥) إلى خبَرٍ آخَرَ، فالحاصلُ أنَّ الإضرابَ الانتقاليَّ قطعٌ للخَبَرِ لا للمُخبَرِ عنه.

стр. 144

(أَوْ) حرفُ عطفٍ، وتأتي: (١) (لِشَكٍّ) نحوُ: قامَ زيدٌ أو عمرٌو، إذا لم يُعلَمْ أيُّهما قامَ. والفرقُ بينَها وبينَ «إمَّا» الَّتي للشَّكِّ: أنَّ الكلامَ مع «إمَّا» لا يَكُونُ إلَّا مَبنيًّا على الشَّكِّ، بخلافِ «أو» فقد يَبْنِي المُتكلِّمُ كلامَه على اليقينِ، ثمَّ يُدرِكُه الشَّكُّ فيَأتي بها. (٢) (وَ) تأتي لـ (إِبْهَامٍ) ويُعَبَّرُ عنها بالتَّشكيكِ (١) نحوُ: قامَ زيدٌ أو عمرٌو، إذا عَلِمْتَ القائمَ مِنهما، ولكنْ قَصَدْتَ الإبهامَ على المُخاطَبِ، فالشَّكُّ مِن جهةِ المُتكلِّمِ، والإبهامُ على السَّامعِ. (٣) (وَ) تأتي أيضًا لـ (إِبَاحَةٍ، (٤) وَتَخْيِيرٍ) نحوُ: جالسِ الحَسَنَ أو ابنَ سِيرينَ، ونحوُ: تَزَوَّجْ هندًا أو أختَها. والفرقُ بينَهما: جوازُ الجمْعِ في الإباحةِ، وامتناعُه في التَّخييرِ. (٥) (وَ) تَأتي أيضًا لـ (مُطْلَقِ جَمْعٍ) كالواوِ، كقولِه تَعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢). (٦) (وَ) لـ (تَقْسِيمٍ) نحوُ: الكلمةُ: اسمٌ، أو فعلٌ، أو حرفٌ. (٧) (وَبِمَعْنَى إِلَى) نحو: لأَلْزَمَنَّك أوْ تَقْضِني (٣) حَقِّي.

стр. 145

(٨) (وَ) بمَعنى (إِلَّا) نحوُ: لأَقْتُلَنَّ الكافرَ أو يُسْلِمَ؛ أي: إلَّا أنْ يُسلِمَ [فلا أَقتُلُه] (١). (٩) (وَ) بمَعنى (إِضْرَابٍ، كَـ «بَلْ») كقولِه تَعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢) على قولِ مَن لا يَجعَلُها لمُطلَقِ الجمعِ في الآيةِ. وَقِيلَ: إنَّها تَأتي للتَّقريبِ أيضًا، وجُعِلَ منه قولُه تَعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٣). (لَكِنْ) تَأتي: (١) (لِعَطْفٍ وَاسْتِدْرَاكٍ) بشرطينِ: أحدُهما: (إِنْ وَلِيَهَا) أي: وَقَعَ بَعدَها: (مُفْرَدٌ فِي نَفْيٍ، وَنَهْيٍ (٤) أي: تَقَدَّمَها نفيٌ (٥)، نحوُ: ما قامَ زيدٌ لكن عمرٌو، أو نهيٌ، نحوُ: لا يَقُمْ زيدٌ لكنْ عمرٌو، وفُهِمَ منه أنَّها لا تَقَعُ إذًا (٦) في الإيجابِ. الشَّرطُ الثَّاني: ألَّا تَقتَرِنَ بالواوِ. (٢) (وَ) أمَّا إذا وَقَعَتْ (قَبْلَ جُمْلَةٍ) فتَكُونُ حينئذٍ بعدَ إيجابٍ، أو نفيٍ، أو نهيٍ، أو أمرٍ، لا استفهامٍ، وهي بعدَ الجملةِ (لِابْتِدَاءٍ) لا حرفُ عطفٍ. فائدةٌ: مَعنى الاستدراكِ أنْ تَنسُبَ لِما بَعدَها حُكمًا مُخالفًا لحُكْمِ ما قَبْلَها، ولذلك لا بدَّ أنْ يَتَقَدَّمَها كلامٌ مُناقضٌ لِما بَعدَها.
следующие страницы →