← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(اللَّامُ) الجَارَّةُ تَأتي (لِلْمِلْكِ) نحوُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). قالَ في «التَّمهيدُ» (٢): هِيَ (٣) (حَقِيقَةٌ) في المِلْكِ (لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ) انتهى. (وَلَهَا) أي: اللَّامُ (مَعَانٍ) كثيرةٌ، ومَجيئُها لها مذهبٌ كوفِيٌّ، وأمَّا حُذَّاقُ البصريِّين فهي عندَهم على بابِها، ثمَّ يُضَمِّنُون الفعلَ ما يَصلُح مَعَها ويَرَوْنَ التَّجوُّزَ في الفعلِ أسهلَ مِنَ التَّجوُّزِ في الحَرفِ، إذا عَلِمْتَ ذلك فهاكَ المهمَّ مِن مَعانيها لتَعرِفَ: أحدُها: التَّمليكُ، ومنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٤). الثَّاني: شِبْهُ المِلْكِ، نحوُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (٥). الثَّالثُ: التَّعليلُ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٦). الرَّابعُ: الاستحقاقُ، نحوُ: النَّارُ للكافرينَ. الخامسُ: الاختصاصُ، نحوُ: الجنَّةُ للمُؤمنينَ. والفرقُ بينَ الاستحقاقِ والاختصاصِ: أنَّ الاختصاصَ أخصُّ؛ فإنَّ ضابطَه ما شَهِدَتْ به العادةُ، كما شَهِدَتْ للفَرَسِ بالسَّرجِ.

стр. 142

السَّادسُ: لامُ العاقبةِ، ويُعَبَّرُ عنها بلامِ الصَّيرورةِ، وبلامِ المآلِ، نحوُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١). السَّابعُ: توكيدُ النَّفيِ أيَّ نفيٍ كانَ، نحوُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٢) ويُعَبَّرُ عنها بلامِ الجُحودِ، لمَجيئِها بعدَ نفيٍ. الثَّامنُ: لمُطلَقِ التَّوكيدِ، وهي الدَّاخلةُ لتقويةِ عاملٍ ضعيفٍ بالتَّأخيرِ، نحوُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٣) الأصلُ: تَعْبُرُونَ الرُّؤْيَا، أو لكونِه فرعًا في العملِ، نحوُ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (٤) وهذانِ مَقيسانِ. التَّاسعُ: أنْ تَكُونَ بمَعنى «إلى»، نحوُ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (٥). العاشرُ: التَّعديةُ، نحوُ: ما أَضْرَبَ زيدًا لعمرٍو. الحاديَ عَشَرَ: بمَعنى «على» نحوُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ (٦). الثَّانيَ عَشَرَ: بمَعنى «في»، كقولِه تَعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٧). الثَّالثَ عَشَرَ: بمَعنى «عندَ» أي: الوقتيَّةِ وما يَجرِي مَجراها، كقولِه ﵊: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨). الرَّابعَ عَشَرَ: بمَعنى «مِن» (٩) نحوُ: سَمِعْتُ له صُراخًا؛ أي: منه.

стр. 143

الخامسَ عَشَرَ: بمَعنى «عن» كقولِه تَعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ (١) أي: قالوا عنهم ذلك، وضابطُها: أنَّها تَجُرُّ اسمَ مَن غابَ حقيقةً، أو حُكمًا عن قولِ قائلٍ يَتَعَلَّقُ به. (بَلْ) (١) تَأتي (لِعَطْفٍ، وَإِضْرَابٍ، إِنْ وَلِيَهَا مُفْرَدٌ) وتَسْلُبُ الحُكْمَ قَطعًا (فِي إِثْبَاتٍ، فَتُعْطِي حُكْمَ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا) أي: يَصِيرُ الأوَّلُ كالمسكوتِ عنه ويَثبُتُ الحُكْمُ للثَّاني، نحوُ: جاءَ زيدٌ بلْ عَمرٌو. (وَ) إنْ وَلِيَها مُفردٌ في (نَفْيٍ فَـ) ـإنَّها (تُقَرِّرُ) حُكْمَ (مَا قَبْلَهَا، وَ) تُقَرِّرُ (ضِدَّهُ) أي: ضِدَّ حُكْمِ ما قَبْلَها (لِمَا بَعْدَهَا) في الأصحِّ، نحوُ: ما قامَ زيدٌ بل عمرٌو [فتُقَرِّرُ نَفيَ القيامِ لزيدٍ وضِدَّه لعمرٍو. (٢) أمَّا إنْ وَقَعَتْ «بل» (قَبْلَ جُمْلَةٍ) نحوُ: قَامَ زيدٌ بل عَمرٌو] (٢) قائمٌ؛ فلا تَكونُ عاطفةً بلْ حرفًا، (لِابْتِدَاءٍ، وَإِضْرَابٍ) وهو ضربانِ: - إضرابٌ (لِإِبْطَالٍ) للحُكْمِ السَّابِقِ، كقولِه تَعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٣). - (أَو) أي: والثَّاني إضرابٌ (لِانْتِقَالٍ) مِن حُكْمٍ إلى حُكْمٍ مِن غيرِ إبطالِ الأوَّلِ، كقولِه تَعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (٤) لم يُبْطِلْ شيئًا مِمَّا سَبَقَ، وإنَّما فيه انتقالٌ مِن خبَرٍ عنهم (٥) إلى خبَرٍ آخَرَ، فالحاصلُ أنَّ الإضرابَ الانتقاليَّ قطعٌ للخَبَرِ لا للمُخبَرِ عنه.

стр. 144

(أَوْ) حرفُ عطفٍ، وتأتي: (١) (لِشَكٍّ) نحوُ: قامَ زيدٌ أو عمرٌو، إذا لم يُعلَمْ أيُّهما قامَ. والفرقُ بينَها وبينَ «إمَّا» الَّتي للشَّكِّ: أنَّ الكلامَ مع «إمَّا» لا يَكُونُ إلَّا مَبنيًّا على الشَّكِّ، بخلافِ «أو» فقد يَبْنِي المُتكلِّمُ كلامَه على اليقينِ، ثمَّ يُدرِكُه الشَّكُّ فيَأتي بها. (٢) (وَ) تأتي لـ (إِبْهَامٍ) ويُعَبَّرُ عنها بالتَّشكيكِ (١) نحوُ: قامَ زيدٌ أو عمرٌو، إذا عَلِمْتَ القائمَ مِنهما، ولكنْ قَصَدْتَ الإبهامَ على المُخاطَبِ، فالشَّكُّ مِن جهةِ المُتكلِّمِ، والإبهامُ على السَّامعِ. (٣) (وَ) تأتي أيضًا لـ (إِبَاحَةٍ، (٤) وَتَخْيِيرٍ) نحوُ: جالسِ الحَسَنَ أو ابنَ سِيرينَ، ونحوُ: تَزَوَّجْ هندًا أو أختَها. والفرقُ بينَهما: جوازُ الجمْعِ في الإباحةِ، وامتناعُه في التَّخييرِ. (٥) (وَ) تَأتي أيضًا لـ (مُطْلَقِ جَمْعٍ) كالواوِ، كقولِه تَعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢). (٦) (وَ) لـ (تَقْسِيمٍ) نحوُ: الكلمةُ: اسمٌ، أو فعلٌ، أو حرفٌ. (٧) (وَبِمَعْنَى إِلَى) نحو: لأَلْزَمَنَّك أوْ تَقْضِني (٣) حَقِّي.

стр. 145

(٨) (وَ) بمَعنى (إِلَّا) نحوُ: لأَقْتُلَنَّ الكافرَ أو يُسْلِمَ؛ أي: إلَّا أنْ يُسلِمَ [فلا أَقتُلُه] (١). (٩) (وَ) بمَعنى (إِضْرَابٍ، كَـ «بَلْ») كقولِه تَعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (٢) على قولِ مَن لا يَجعَلُها لمُطلَقِ الجمعِ في الآيةِ. وَقِيلَ: إنَّها تَأتي للتَّقريبِ أيضًا، وجُعِلَ منه قولُه تَعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (٣). (لَكِنْ) تَأتي: (١) (لِعَطْفٍ وَاسْتِدْرَاكٍ) بشرطينِ: أحدُهما: (إِنْ وَلِيَهَا) أي: وَقَعَ بَعدَها: (مُفْرَدٌ فِي نَفْيٍ، وَنَهْيٍ (٤) أي: تَقَدَّمَها نفيٌ (٥)، نحوُ: ما قامَ زيدٌ لكن عمرٌو، أو نهيٌ، نحوُ: لا يَقُمْ زيدٌ لكنْ عمرٌو، وفُهِمَ منه أنَّها لا تَقَعُ إذًا (٦) في الإيجابِ. الشَّرطُ الثَّاني: ألَّا تَقتَرِنَ بالواوِ. (٢) (وَ) أمَّا إذا وَقَعَتْ (قَبْلَ جُمْلَةٍ) فتَكُونُ حينئذٍ بعدَ إيجابٍ، أو نفيٍ، أو نهيٍ، أو أمرٍ، لا استفهامٍ، وهي بعدَ الجملةِ (لِابْتِدَاءٍ) لا حرفُ عطفٍ. فائدةٌ: مَعنى الاستدراكِ أنْ تَنسُبَ لِما بَعدَها حُكمًا مُخالفًا لحُكْمِ ما قَبْلَها، ولذلك لا بدَّ أنْ يَتَقَدَّمَها كلامٌ مُناقضٌ لِما بَعدَها.

стр. 146

(البَاءُ) أَصلُ مَعانيها أنْ تكُونَ (لِإِلْصَاقٍ) لا تَنْفَكُّ عنه، لكنْ قد تَتَجَرَّدُ له، وقد يَدخُلُها مع ذلك مَعنًى آخَرُ. والإلصاقُ: أنْ يُضافَ الفعلُ إلى الاسمِ، فيُلْصَقَ به بعدما كانَ لا يُضافُ إليه، لولا دُخولُها، نحوُ: خُضْتُ الماءَ برِجلي، ومَسَحْتُ برَأسي. ثمَّ قد تكُونُ (حَقِيقَةً) نحوُ: أَمْسَكْتُ الحبلَ بيَدِي، (وَ) قد تَكُونُ (مَجَازًا) نحوُ: مَرَرْتُ بزيدٍ، فإنَّ المرورَ لم يُلصَقْ بزيدٍ، وإنَّما أُلصِقَ (١) بمكانٍ يَقْرُبُ منه. (وَلَهَا) أي: للباءِ (مَعَانٍ) كثيرةٌ: أحدُها: التَّعديةُ، وتُسَمَّى باءَ النَّقلِ، وهي القائمةُ مَقامَ الهمزةِ في تَصيِيرِ الفاعلِ مَفعولًا، كقولِه تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (٢) وأصلُه: ذَهَبَ نورُهم. الثَّاني: الاستعانةُ، وهي الدَّاخلةُ على آلةِ الفِعلِ ونَحوِها، نحوُ: كَتَبْتُ بالقلمِ. الثَّالثةُ: السَّببيَّةُ، كقولِه تَعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ (٣). الرَّابعُ: التَّعلِيليَّةُ، كقولِه تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ (٤). والفرقُ بينَهما: أنَّ العِلَّةَ مُوجِبةٌ لمعلولِها، بخلافِ السَّببِ لمُسَبِّبِه، فهو كالأمارةِ عليها.

стр. 147

الخامسُ: المُصاحبةُ، وهو الَّذِي يَصْلُحُ في موضعِها «مَعَ»، أو يُغني عنها وعن مَصحوبِها: الحالُ، كقولِه تَعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ (١) أي: مع الحقِّ، أو مُحِقًّا. السَّادسُ: الظَّرفيَّةُ بمَعنى «في» للزَّمانِ، كقولِه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ (٢)، وللمكانِ كقولِه تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (٣) وربَّما كانَتِ الظَّرفيَّةُ مجازيَّةً، نحوُ: بكلامِك بهجةٌ. السَّابعُ: البَدليَّةُ، بأنْ يَجِيءَ موضعَها بدلٌ، كقولِه في الحديثِ (٤): «مَا (٥) يَسُرُّنِي بِهَا حُمْرُ النَّعَمِ» (٦) أي: بَدلُها. الثَّامنُ: المُقابلةُ، وهي الدَّاخلةُ على الأثمانِ والأعواضِ، نحوُ: اشتريْتُ الفرسَ بألفٍ، ودُخولُها غالبًا على الثَّمنِ، وربَّما دَخَلَتْ على المُثَمَّنِ، كقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٧). التَّاسعُ: المُجاوزةُ، بمَعنى «عَنْ» وتَكْثُرُ بعدَ السُّؤالِ، نحوُ: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (٨)، وتَقِلُّ بعدَ غيرِه، نحوُ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (٩) وهو مذهبٌ كوفِيٌّ، وتَأَوَّلَه الشَّلَوْبِينُ على أنَّها باءُ السَّببيَّةِ. العاشرُ: الاستعلاءُ، كقولِه تَعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ (١٠) أي: على دينارٍ.

стр. 148

الحاديَ عَشَرَ: القَسَمُ، وهو (١) أصلُ حُروفِه، نحوُ: باللهِ! لأَفْعَلَنَّ كذا. الثَّانيَ عَشَرَ: الغايةُ، نحوُ (٢): ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ (٣) أي: أَحسَنَ (٤) إليَّ. الثَّالثَ عَشَرَ: التَّوكيدُ، وهي الزَّائدةُ، نحوُ: بِحَسْبِكَ درهمٌ. الرَّابعَ عَشَرَ: التَّبعيضُ، قَالَ به الكُوفيُّونَ وغيرُهم، نحوُ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٥) أي: منها. (إِذَا) تَأتي: (١) (لِمُفَاجَأَةٍ حَرْفًا) ويَقَعُ بعدَها المُبتدأُ، كقولِه تَعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (٦) وَلَا تحتاجُ إلى جوابٍ، ومَعناها الحالُ فَرْقًا بينَها وبينَ الشَّرطيَّةِ، فإنَّ الواقعَ بعدَها الفعلُ، وقد اجْتَمَعَتا في قولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٧) ومَعنى المُفاجأةِ: حُضورُ الشَّيْءِ مَعَكَ في وصفٍ مِن أوصافِك الفِعليَّةِ، كقولِك: خَرجْتُ فإذا الأسدُ، فحُضورُ الأسدِ مَعَك في زمنِ وَصفِك بالخروجِ، أو في مكانِ خروجِك [وحضورُه مَعَك في مكانِ خروجِك] (٨) أَلْصَقُ بك مِن حضورِه في زمنِ خروجِك، وكُلَّما كانَ ألصقَ كانَتِ المُفاجأةُ فيه أقوى. (٢) (وَتَأتي) «إذا» (ظَرْفًا لِـ) زمنٍ (مُسْتَقْبَلٍ) نحوُ: إذا جاءَ زيدٌ فقُم إليه، فهي باقيةٌ على ظرفِيَّتِها، و (لَا) تَجِيءُ ظرفًا لزمنٍ (مَاضٍ وَحَالٍ) في

стр. 149

قولِ الأكثرِ، بل لمُستقبلٍ (مُتَضَمِّنَةً مَعْنَى الشَّرْطِ غَالِبًا) ولذلك تُجابُ بما يُجابُ به أدواتُ الشَّرطِ، ولم يَثْبُتْ لها سائرُ أحكامِ الشَّرطِ، فلم يُجزَمْ بها المضارعُ، ولا تَكُونُ إلَّا في المُحقَّقِ، ومنه ﴿إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) لأنَّ مسَّ الضُّرِّ في البحرِ مُحَقَّقٌ. (إِذْ) بإسكانِ المُعجَمَةِ (اسْمٌ) بالإجماعِ إلَّا إذا وقعَتْ للتَّعليلِ، أو المُفاجأةِ كما يَأتي، ولها معانٍ: أحدُها: وهو الأغلبُ عليها أن تَكُونَ ظرفًا (لِـ) ـزمنٍ (مَاضٍ) كقولِه تَعالى: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢). والثَّاني: أنْ يُضافَ إليها اسمُ زمانٍ، نحوُ: يومئذٍ، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٣). (وَ) الثَّالثُ: (فِي قَوْلٍ: وَلِـ) زمنٍ (مُسْتَقْبَلٍ (٤) مثلُ «إذا»، كقولِه تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (٥) ومَنَعَ الأكثرُ ذلك (٦)، وأجابوا عن الآيةِ ونحوِها: بأنَّ ذلك نُزِّلَ منزلةَ الماضي؛ لتَحَقُّقِ وُقوعِه، مِثلُ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ (٧). (وَ) الرَّابعُ: أنْ تَكُونَ (مَفْعُولًا بِهِ) نحو (٨): ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ (٩).

стр. 150

(وَ) الخامسُ: أنْ تَكُونَ (بَدَلًا مِنْهُ) أي: مِنَ المفعولِ بهِ، نحوُ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ (١) فـ «إذ» بدلُ اشتمالٍ مِن مريمَ. (وَ) السَّادسُ: أنْ تَكُونَ (لِتَعْلِيلٍ) حرفًا، كقولِه تَعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ (٢). (وَ) السَّابعُ: أنْ تَكُونَ لـ (مُفَاجَأَةٍ حَرْفًا) وهي الواقعةُ بعدَ «بينَ»، و «بينَما»، نحوُ قولِك: بينما (٣) أنا كذا إذ جاءَ زيدٌ. (لَوْ) (حَرْفٌ) يَدُلُّ على (امْتِنَاعِ) الثَّاني (لِامْتِنَاعِ) الأوَّلِ عندَ الأكثرِ، فقولُك: لو جِئْتَني لأَكْرمْتُك، يَدُلُّ على انتفاءِ المجيءِ والإكرامِ. فَإِنْ قِيلَ: قد لا يَكُونُ جوابُها مُمتنعًا بل يَثْبُتُ، كقولِ النَّبيِّ ﷺ في سالمٍ مَولى أبي حُذيفةَ: «إِنَّهُ شَدِيدُ الحُبِّ للهِ، لَوْ كَانَ لَا يَخَافُ اللهَ مَا عَصَاهُ» (٤). والجوابُ عنه: أنَّ لانتفاءِ المعصيةِ شيئينِ: المَحبَّةُ، والخوفُ، فلو انْتَفَى الخوفُ لم تُوجَدِ المعصيةُ؛ لوجودِ الآخَرِ وهو المحبَّةُ. (وَ) لها معانٍ: (تَأْتِي: (١) شَرْطًا) في الأصحِ (لِـ) ـفعلٍ (مَاضٍ؛ فَتَصْرِفُ المُضَارِعَ إِلَيْهِ) أي: إلى المُضِيِّ، كما مَثَّلْنا، عكسَ «إِنْ» الشَّرطيَّةِ، فإنَّها تَصرِفُ الماضيَ إلى الاستقبالِ.

стр. 151

(وَ) الثَّاني: (لِمُسْتَقْبَلٍ قَلِيلًا، فَتَصْرِفُ المَاضِيَ إِلَيْهِ) أي: إلى الاستقبالِ، مثلُ «إنْ»، كقولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (١). (وَ) الثَّالثُ: (لِتَمَنٍّ) نحوُ: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ (٢) أي: فليتَ لنا كَرَّةً. (وَ) الرَّابعُ: لـ (عَرْضٍ) وهو طلبٌ بِلِينٍ، نحوُ: لو تَنزِلُ عندَنا، فتُصيبَ خيرًا. (وَ) الخامسُ: لـ (ـــتَحْضِيضٍ) وهو طلبٌ بحَثٍّ، نحو: لو فَعَلْت كذا؛ أي: افعلْ كذا. (وَ) السَّادسُ: لـ (تَقْلِيلٍ) كقولِه ﵇: «رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» (٣)، و «التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (٤). (وَ) السَّابعُ: لمَعنًى (مَصْدَرِيٍّ) وعلامتُها أن يَصلُحَ في مَوْضِعِها «أَنْ» وأكثرُ وُقوعِها بعدَ ما يَدُلُّ على تمنٍّ، كقولِه تَعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٥). وأَنْكَرَها الأكثرُ، وتَأَوَّلُوا الآيةَ ونَحوَها على حذفِ مفعولِ ﴿يَوَدُّ﴾، وجوابُ ﴿لَوْ﴾؛ أي: يَوَدُّ أحدُهم طولَ العُمرِ؛ أي: لو يُعَمَّرُ ألفَ سنةٍ لسُرَّ بذلك.

стр. 152

(لَوْلَا) لها معانٍ وأحوالٌ: أحدُها: ما أشارَ إليه بقولِه: (حَرْفٌ يَقْتَضِي فِي جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ امْتِنَاعَ جَوَابِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ) نحوُ: «لولا زيدٌ لأَكْرَمْتُك»؛ أي: لولا زيدٌ موجودٌ، فامتناعُ الإكرامِ لوجودِ زيدٍ. (وَ) الثَّاني: يَقتضي (فِي) جملةٍ (مُضَارِعَةٍ) يَعني مُصَدَّرةً بفعلٍ مضارعٍ (تَحْضِيضًا) نحوُ: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ (١) فهي للتَّحضيضِ. (وَ) الثَّالثُ: يَقتضي في جملةٍ (مَاضِيَةٍ) يعني مُصَدَّرَةً بفعلٍ ماضٍ (تَوْبيخًا) نحوُ قولِه تَعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٢). (وَ) الخامسُ (٣): يَقتضي في جملةٍ ماضيةٍ أيضًا (عَرَضًا) نحوُ قوله تَعالى: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (٤)، وذَكَرَ الهَرَوِيُّ أنَّها تَرِدُ للنَّفيِ، مِثلُ: «لم»، وجَعَلَ منه قولَه تَعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ (٥). وقالَ الأكثرُ: هي هنا للتَّوبيخِ؛ أي: فهل كانَتْ قريةٌ مِن القُرى المُهلَكَةِ آمَنَتْ قبلَ حُلولِ العذابِ فنَفَعَها ذلك.

стр. 153

(فَصْلٌ) (مَبْدَأُ اللُّغَاتِ تَوْقِيفٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، بِإِلْهَامٍ، أَوْ وَحْيٍ، أَوْ كَلَامٍ) واستدلَّ بقولِه تَعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (١) أي: إنَّ اللهَ تَعالى أَلْهَمَه وَضعَها، فعَبَّروا عنْ وَضْعِه بالتَّوقيفِ لإدراكِ الوضعِ، والأصلُ: اتِّحادُ العِلْمِ وعدمُ اصطلاحٍ سابقٍ، وحقيقةُ اللَّفظِ، وقد أكَّدَه بـ «كُلَّها». (وَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ تَعَالَى، فَيَبْقَى لَهُ اسْمَانِ): توقيفيٌّ، واصطلاحيٌّ. قالَ القاضي أبو يَعلى: يَجُوزُ أن تُسَمَّى الأشياءُ بغيرِ الأسماءِ الَّتي وَضَعَها اللهُ تَعالى عَلَمًا لها إذا لم يَقَعْ حَظْرٌ (٢). (وَأَسْمَاؤُهُ) الحُسنى سُبحانَه و (تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ) بمعنى أنَّه لا يَجُوزُ لأحدٍ أنْ يَشْتَقَّ مِن الأفعالِ الثَّابتةِ للهِ تَعالى أسماءً، إلَّا إذا وَرَدَ نصٌّ في الكتابِ أوِ السُّنَّةِ، و (لَا تَثْبُتُ) أسماءُ اللهِ تَعالى ولا شيءٌ مِنها (بِقِيَاسٍ). قالَ القاضي أبو بكرٍ والغَزَّالِيُّ: الأسماءُ توقيفيَّةٌ دونَ الصِّفاتِ. قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: وهذا المُختارُ (٣). واحتجَّ الغَزَّاليُّ بالاتِّفاقِ على أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يُسَمَّى رسولُ اللهِ ﷺ باسمٍ لم يُسَمِّه به أبوه، ولا يُسَمِّي به نَفْسَه، وكذا كلُّ كبيرٍ مِن الخلْقِ. قال: فإذا امْتَنَعَ في حقِّ المخلوقينَ فامتناعُه في حقِّ اللهِ تَعالى أَوْلى.

стр. 154

واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ أن يُطلَقَ عليه اسمٌ وَلَا صفةٌ تُوجِبُ نَقْصًا، ولو وَرَدَ ذلك نصًّا، فلا يُقالُ: ماهدٌ، وَلَا زارعٌ، وَلَا فالقٌ، وإنْ ثَبَتَ في قولِه: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ (١)، ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٢)، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ (٣) ونحوِها. (وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ) قسمانِ: أحدُهما: (النَّقْلُ) وهو نوعانِ: (١) (تَوَاتُرًا فِيمَا لَا يَقْبَلُ تَشْكِيكًا) كالسَّماءِ، والأرضِ، والجبالِ، ونحوِها. ولغاتُ القُرآنِ والأحاديثِ مِن هذا النَّوعِ. (وَ) الثَّاني: النَّقلُ (آحَادًا فِي غَيْرِهِ) أي: غيرِ ما لا يَقبَلُ تشكيكًا، وهو أكثرُ اللُّغةِ، فيُتَمَسَّكُ به في المسائلِ الظَّنِّيَّةِ دونَ القطعيَّةِ. (وَ) القِسْمُ الثَّاني: (المُرَكَّبُ مِنْهُ) أي: مِن النَّقلِ (وَمِنَ العَقْلِ) وهو استنباطُ العَقلِ مِن النَّقلِ. مثالُه: كَوْنُ الجمعِ المُعَرَّفِ بـ «أل» للعمومِ، فإنَّه مُستفادٌ مِن مُقدِّمَتينِ نَقليَّتَينِ حَكَمَ العقلُ بواسطتِهما: إحداهما: أنَّه يَدخُلُه الاستثناءُ. والثَّانيةُ: أنَّ الاستثناءَ: إخراجُ ما تَناوَلَه اللَّفظُ. فحُكْمُ العَقلِ عندَ وجودِ هاتينِ المُقدِّمتَينِ بأنَّه للعمومِ، ولا اعتبارَ بما يُخالِفُ ذلك ممَّن يَقُولُ: إذا كانَتِ المُقدِّمتانِ نَقليَّتَينِ كانَتِ النَّتيجةُ أيضًا نقليَّةً، وإنَّما العَقلُ تَفَطَّنَ لنتيجتِها؛ لأنَّا نَقُولُ: لَيْسَ هذا الدَّليلُ مركبًا مِن

стр. 155

نقليَّتَينِ لعدمِ تَكرارِ الحدِّ الأوسطِ فيهما، وإنَّما هو مُرَكَّبٌ مِن مقدِّمةٍ نقليَّةٍ وهي الاستثناءُ، وهو إخراجُ بعضِ ما تَنَاوَلَه اللَّفظُ، ومُقَدِّمَةٍ عقليَّةٍ لازمةٍ لمُقدِّمةٍ أُخرى نقليَّةٍ، وهي أنَّ كلَّ ما دَخَلَه الاستثناءُ عامٌّ؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ عامًّا لم يَدخُلِ الاستثناءُ فيه، ثمَّ جُعِلَتْ هذه القضيَّةُ كبْرى للمُقدِّمةِ الأُخرى النَّقليَّةِ، فصارَ صورةُ الدَّليلِ هكذا: الجمعُ المُحَلَّى بـ «الـ» يَدخُلُه الاستثناءُ، وكلُّ ما يَدخُلُه الاستثناءُ عامٌّ، يَنْتُجُ: أنَّ المُحَلَّى بـ «الـ» عامٌّ. (وَزِيدَ) لمعرفةِ اللُّغةِ طريقٌ ثالثٌ: (وَ) هو (القَرَائِنُ) فإنَّ الرَّجلَ إذا سَمِعَ وُحْدانًا في قولِ الشَّاعرِ (١): قَوْمٌ إِذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا عَلِمَ أنَّ «زَرافاتٍ» بمَعنى: جماعاتٍ. (وَ الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ قَدْ تُفِيدُ اليَقِينَ) فتُفيدُ القطعَ بالمُرادِ، واختارَ الآمِدِيُّ والرَّازيُّ: أنَّها قد تُفيدُ إذا انْضَمَّ إليها تواترٌ أو غيرُه مِن القَرائنِ الحاليَّةِ، ولا عِبْرةَ بالاحتمالِ، فإنَّه إذا لم يَنْشَأْ عن دليلٍ لم يُعتَبَرْ، وإلَّا لم يُوثَقْ بمحسوسٍ. قالَ الكُورَانِيُّ: الأَدِلَّةُ اللَّفظيَّةُ النَّقليَّةُ بدونِ (٢) قرينةٍ لا تُفيدُ القطعَ بالحُكْمِ، لاحتمالِ مجازٍ أو اشتِراكٍ وغيرِ ذلك مِمَّا يُخِلُّ بالتَّفاهُمِ، وأمَّا مع انضمامِ قرينةٍ قطعيَّةٍ كالتَّواتُرِ، على أنَّ المُرادَ (٣) ذلك قطعًا، ولذلك لا

стр. 156

يَجُوزُ للمُجتهدِ أن يُخالِفَ ما أُجمِعَ عليه؛ لأنَّ المُجمَعَ عليه لا يُمكِنُ أن يَكُونَ خلافَ حُكْمِ اللهِ، فإفادةُ اليقينِ بمِثْلِ هذه القَرينةِ مُسَلَّمٌ، ولكنَّ المَتنَ القَطعيَّ إذا خلا عن هذه القَرينةِ لا (١) يُفيدُ قطعًا، ويَظهَرُ ذلك في: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وفي: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣)، فإنَّ المتنَ في الكلِّ سواءٌ، مَعَ أنَّ المُرادَ مِن الأوَّلِ قطعيٌّ دونَ الثَّاني (٤). (وَ) قَالَ الشَّيخُ: عندَ السَّلَفِ (لَا يُعَارِضُ القُرْآنَ غَيْرُهُ بِحَالٍ، وَحَدَثَ مَا قِيلَ: أُمُورٌ قَطْعِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ تُخَالِفُ القُرْآنَ) (٥) انتهى. (وَ) ذَهَبَ أهلُ العِلمِ مِن الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم إلى أنَّه (لَا مُنَاسَبَةَ ذَاتِيَّةً) أي: طبعيَّةً (بَيْنَ لَفْظٍ وَمَدْلُولِهِ)؛ لِما تَقَدَّمَ مِن المُشتَركِ للشَّيءِ وضِدِّه، كالقُرءِ، والجَوْنِ، ونحوِهما، وللشَّيءِ ونقيضِه، ولاختلافِ الاسمِ، لاختلافِ الأُمَمِ مع اتِّحادِ المُسَمَّى، وإنَّما اختصَّ كلُّ اسمٍ بمَعنًى بإرادةِ الفاعلِ المختارِ. (وَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ) إذا أَتَى له مَعنيانِ أو أكثرُ، ولكنَّ الأصلَ فيه مَعنًى، والمعنى الآخَرُ طارئٌ، فيُقَدَّمُ ما كانَ هو الأصلَ عندَ احتمالِ التَّعارُضِ، فإنِ احتَفَّتْ قرائنُ بإرادةِ غيرِ ذلك اتُّبعَ، فمن ذلك: إذا دارَ اللَّفظُ بينَ كونِه حقيقةً أو مجازًا مَعَ الاحتمالِ: كالأسدِ مَثلًا للحيوانِ المُفتَرسِ حقيقةً، وللرَّجلُ الشُّجاعِ مَجازًا، حُمِلَ (عَلَى: (١) حَقِيقَتِهِ) لأنَّها الأصلُ، والمجازُ خِلافُ الأصلِ، وتَقَدَّمَ حُكْمُ المجازِ الرَّاجحِ، والحقيقةِ المرجوحةِ.

стр. 157

(٢) (وَ) كذلك إذا دارَ الأمرُ في اللَّفظِ بينَ جَرَيانِه على عمومِه وتخصيصِه: حُمِلَ على (عُمُومِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) لأنَّ الأصلَ بقاءُ العُمومِ فيُدْخِلُ فيه الحُرَّتَينِ والأَمَتَينِ، وإذا كانَتْ إحداهما أَمَةً والأُخرى حُرَّةً وَلَا تخصيصَ بالحُرَّتَينِ. (٣) (وَ) كذلك إذا دارَ اللَّفظُ بينَ كونِه مُشتَركًا أو مُفردًا: حُمِلَ على (إِفْرَادِهِ) كالنِّكاحِ على الوَطءِ، دونَ العقدِ، أو على العقدِ دونَ الوطءِ، لا على الاشتِراكِ بينَهما. (٤) (وَ) كذلك إذا دارَ الأمرُ بينَ كونِه مُضمَرًا أو مُستقِلًّا: حُمِلَ على (اسْتِقْلَالِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، فبعضُ العلماءِ يُقَدِّرُ ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: إنْ قَتَلُوا، ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إنْ سَرَقوا، والأصلُ عدمُ التَّقديرِ. (٥) (وَ) كذلك إذا دارَ اللَّفظُ بينَ كونِه مُقَيَّدًا، أو مُطلقًا: حُمِلَ على (إِطْلَاقِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣) فبَعضُهم يُقَيِّدُه بالموتِ على الشِّركِ، والأصلُ الإطلاقُ، فيَكُونُ مُجَرَّدُ الشِّركِ مُحبِطًا لِمَا سَبَقَه منَ الأعمالِ. (٦) (وَ) كذلك إذا دارَ اللَّفظُ بينَ كونِه زائدًا أو مُتَأَصِّلًا: حُمِلَ على (تَأْصِيلِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (٤) فبعضُهم يَقُولُ: «لا» زائدةٌ، وأصلُ الكلامِ: «أُقْسِمُ بهذا البلدِ»، والأصلُ في الكلامِ التَّأصيلُ، ويَكُونُ

стр. 158

المعنى: لا أُقسِمُ بهذا البلدِ وأنْتَ لسْتَ فيه، بل لا يُعَظَّمُ ولا يَصْلُحُ للقَسَمِ إلَّا إذا كُنْتَ فيه. (٧) (وَ) كذلك إذا دارَ الأمرُ بينَ كونِ اللَّفظِ مُؤَخَّرًا أو مُقَدَّمًا: حُمِلَ على (تَقْدِيمِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١) فبعضُهم يَقُولُ: إنَّ في الآيةِ تقديمًا وتأخيرًا، تقديرُه: والَّذين يُظاهِرون مِن نسائِهم فتحريرُ رقبةٍ ثمَّ يَعودون لِما كانوا قبلَ الظِّهارِ سَالِمينَ مِن الإثمِ بسببِ الكفَّارةِ، والأصلُ التَّرتيبُ، فلا تَجِبُ الكفَّارةُ إلَّا بالظِّهارِ والعَوْدِ. (٨) (وَ) كذلك إذا دارَ اللَّفظُ بينَ كونِه مُؤَكِّدًا أو مُؤَسِّسًا، حُمِلَ على (تَأْسِيسِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مِن سورةِ الرَّحمنِ إلى آخِرها، فإنْ جُعِلَ تَوكيدًا لَزِمَ التَّكرارُ، والتَّوكيدُ أكثرُ مِن ثلاثِ مرَّاتٍ، والعَربُ لا تَزيدُ في التَّوكيدِ على ثلاثٍ، فيَحصُلُ في كلِّ مَحَلٍّ على ما تَقَدَّمَ على ذلك التَّكذيبِ، فيَكُونُ الجميعُ (٢) تأسيسًا لا توكيدًا. (٩) (وَ) كذلك إذا دارَ اللَّفظُ بينَ كونِه مُتَرادفًا أو مُتباينًا: حُمِلَ على (تَبَايُنِهِ) كقولِه ﷺ : «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٣) فالنُّهى: جمعُ نُهْيَةٍ بالضَّمِّ وهي العقلُ، فبَعضُهم فَسَّرَ «أولو الأحلامِ» بالعقلاءِ، فيَكُونُ اللَّفظانِ مُتَرادِفَينِ، وبعضُهم فَسَّرَه بالبالغينَ وهو الأصلُ، فيَكُونُ

стр. 159

اللَّفظانِ مُتَبايِنَينِ، وفي العبارةِ (١) لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وتقديرُه: يَجِبُ حَمْلُ اللَّفظِ مع الاحتمالِ على حقيقتِه. (دُونَ: مَجَازِهِ، وَ) على عُمومِه دونَ (تَخْصِيصِهِ، وَ) على إفرادِه دونَ (اشْتِرَاكِهِ، وَ) على استقلالِه دونَ (إِضْمَارِهِ، وَ) على إطلاقِه دونَ (تَقْيِيدِهِ، وَ) على تأصيلِه دونَ (زِيَادَتِهِ، وَ) على تقديمِه دونَ (تَأْخِيرِهِ، وَ) على تأسيسِه دونَ (تَوْكِيدِهِ، وَ) على تبايُنِه دونَ (تَرَادُفِهِ). (١٠) (وَ) كذا يَجِبُ حمْلُ اللَّفظِ إذا دارَ بينَ نسخِ الحكمِ وبقائِه على (بَقَائِهِ دُونَ نَسْخِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢)، فحَصْرُ المُحَرَّمِ في هذه الأربعةِ يَقتضي إباحةَ ما عداها ومِن جُملَتِه السِّباعُ، وقد وَرَدَ نهيُه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ مِن السِّباعِ (٣)، وعن كلِّ ذي مخلبٍ من الطَّيرِ (٤)، فبعضُهم يَقُولُ: إنَّ ذلك ناسخٌ للإباحةِ، وبعضُهم يَقُولُ: لَيْسَ بناسخٍ، والأكلُ مصدرٌ مُضافٌ إلى الفاعلِ، وهو الأصلُ في إضافةِ المصدرِ بنصِّ النُّحاةِ، فيَكُونُ مِثْلَ قولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٥) [فيَكُونُ حُكْمُها واحدًا] (٦).

стр. 160

(إِلَّا لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ) يَدُلُّ على خلافِ ما ذُكِرَ أن اللَّفظَ يُحمَلُ عليه، فيُعمَلُ به ويُترَكُ ما ذُكِرَ. (و) يُحْمَلُ اللَّفظُ إذا احتملَ مَعنيينِ فأكثرَ (عَلَى عُرْفِ مُتَكَلِّمٍ) إذا كانَ له بذلك عُرفٌ، ويُترَكُ الأصلُ لوجودِ القَرينةِ والدَّليلِ الرَّاجحِ، كالفقيهِ مَثلًا يُرجَعُ إلى عُرفِه مَثلًا (١) في كلامِه ومُصطلحاتِه، وكذلك الأصوليُّ، والمُحدِّثُ، والمُفَسِّرُ، ونحوُهم مِن أربابِ العلومِ. وكذلك إذا سَمِعَ مِنَ الشَّارعِ شَيئًا (٢) حَمَلَه على عُرفِه مِن مدلولِ اللَّفظِ، كقولِه ﵇: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» (٣) فيَجِبُ حَمْلُه على الصَّلَاةِ المعهودةِ في الشَّرعِ، ولو حُمِلَ على الدُّعاءِ لَزِمَ ألَّا يَقبَلَ اللهُ دُعاءً بغيرِ طهورٍ، ولم يَقُلْ به أحدٌ.

стр. 161

(الأَحْكَامُ) لَمَّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ما يُستَمَدُّ منه منَ اللُّغةِ، شَرَعَ في ذِكْرِ ما يُستَمَدُّ مِنه مِن الأحكامِ؛ إذْ لا بدَّ مِن حاكمٍ وحُكْمٍ ومحكومٍ فيه ومحكومٍ عليه، والكلامُ الآنَ في الحُكمِ: (الحُسْنِ وَالقُبْحِ (١) ويُطلَقُ لثلاثةِ اعتباراتٍ: أحدُها: (بِمَعْنَى مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ) عقليٌّ، كقولِنا: الصَّوتُ الطَّيِّبُ حَسَنٌ بهذا المعنى، والصوتُ الكريهُ قبيحٌ. (وَ) أي: والثَّاني: بِمَعْنَى (صِفَةِ كَمَالٍ وَنَقْصٍ) كقولِنا: العِلْمُ حَسَنٌ، والجهلُ قبيحٌ: (عَقْلِيٌّ) بلا نزاعٍ، يَعني يَستقِلُّ العَقلُ بإِدراكِهما مِن غيرِ توقُّفٍ على الشَّرعِ. (وَ) الثَّالثُ: (بِمَعْنَى المَدْحِ وَالثَّوَابِ، وَ) بمَعنى (الذَّمِّ وَالعِقَابِ: شَرْعِيٌّ، فَلَا حَاكِمَ إِلَّا اللهُ تَعَالَى). (وَالعَقْلُ لَا يُحَسِّنُ وَلَا يُقَبِّحُ، وَلَا يُوجِبُ، وَلَا يُحَرِّمُ) عندَ أكثرِ أصحابِنا، قالَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه، وذَكَرَه مذهبَ أحمدَ، وأهلِ السُّنَّة، والفقهاءِ، والقاضي (٢)، وتَعَلَّقَ بقولِ أحمدَ: لَيْسَ في السُّنَّةِ قياسٌ، وَلَا تُضرَبُ لها الأمثالُ، وَلَا تُدرَكُ بالعقلِ، وإنَّما هو الاتِّباعُ. (وَلَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِمَا يُخَالِفُ) العَقلَ اتِّفاقًا، إلَّا بشرطِ منفعةٍ تَزيدُ في العَقلِ على ذلك الحُكْمِ، كذبحِ الحيوانِ، والبطِّ (٣)، والفَصدِ (٤).

стр. 162

قالَ القاضي (١) والحلوانيُّ وغيرُهما: (مَا يُعْرَفُ بِبَدَائهِ العُقُولِ وَضَرُورَاتِهَا) كالتَّوحيدِ، وشُكْرِ المُنعِمِ، وقُبحِ الظُّلْمِ، لا يَجُوزُ أن يَرِدَ الشَّرعُ بخلافِه، وما يُعرَفُ بتوليدِ العقلِ استنباطًا أو استدلالًا، فلا يَمتنِعُ أن يَرِدَ بخِلافِه. انتهى. مثلُ الأعيانِ المنتفعِ بها الَّتي فيها الخلافُ، فيَصِحُّ أن يَرتفِعَ الدَّليلُ والعِلَّةُ، فيرتفعُ ذلك الحُكْمُ، وهذا غيرُ ممتنعٍ، كفروعِ الدِّينِ كلِّها تثبت (٢) بأدلَّةٍ، ثمَّ تُنسَخُ الأَدِلَّةُ فيرتفعُ الحُكمُ. (وَالحَسَنُ وَالقَبِيحُ: شَرْعًا) أي: يَنقسِمُ الفعلُ الَّذِي هو مُتَعَلَّقُ الحُكمِ إلى: - حسنٍ باعتبارِ إِذْنِ الشَّارعِ: وهو (مَا أَمَرَ) اللهُ تَعالى (بِهِ) فشَمِلَ الواجبَ والمُستحبَّ، - وإلى قبيحٍ باعتبارِ إِذنِ الشَّارعِ، (وَ) هو: (مَا نَهَى) اللهُ تَعالى (عَنْهُ) فيَشْمَلُ الحرامَ، وظاهرُه أنَّه يَشمَلُ المَكروهَ؛ لأنَّ المكروهَ منهيٌّ عنه نهي (٣) تنزيه وهذا هو الصَّحيحُ. (وَ) الحَسَنُ (عُرْفًا) أي: في عُرفِ الشَّرعِ: (مَا لِفَاعِلِهِ فِعْلُهُ، وَ) القَبيحُ (عَكْسُهُ): وهو ما لَيْسَ لفاعلِه فِعلُه.

стр. 163

(وَلَا يُوصَفُ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ (١) قالَه في «المقنعُ» وغيرِه، وقَطَعُوا به؛ لأنَّ فِعلَ غيرِ المُكَلَّفِ لا يَتَعَلَّقُ به حُكمٌ؛ لأنَّ الأحكامَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بأفعالِ المُكَلَّفِينَ، فلا يَدخُلُ تحتَ أحدِ قِسْمَيه وهو الحَسَنُ، وأيضًا فِعْلُه لم يُؤذَنْ فيه شرعًا، فلا يَندَرِجُ تحتَ المأذونِ. (وَشُكْرُ المُنْعِمِ) مُبتدأٌ ومضافٌ إليه، خبرُه قولُه: «واجبانِ»، والمُنعِمُ: هو اللهُ ، عبارةٌ عنِ استعمالِ جميعِ ما أَنعَمَ اللهُ به على العبدِ مِن القُوى، والأعضاءِ الظَّاهرةِ والباطنةِ، المُدرِكةِ، والمُحرِّكةِ، فيما خَلَقَه اللهُ تَعالى لأجلِه، كاستعمالِ النَّظرِ في مشاهدةِ مَصنوعاتِه، وآثارِ رحمتِه، ليُستَدَلَّ على صانِعِها، وكذا السَّمعُ وغيرُه. (وَمَعْرِفَتُهُ) سبحانَه و (تَعَالَى، وَهِيَ أَوَّلُ وَاجِبٍ لِنَفْسِهِ) -جل وعلا- بالنَّظَرِ في الوجودِ والموجودِ على كلِّ مُكلَّفٍ قادرٍ، والمُرادُ معرفةُ وجودِ ذاتِه بصفاتِ الكمالِ فيما لم يَزَلْ ولا يَزالُ، دونَ معرفةِ حقيقةِ ذاتِه وصفاتِه، لاستحالةِ ذلك عقلًا عندَ الأكثرينَ. إذا عَلِمْتَ ذلك فشُكْرُ المُنعِمِ ومَعرفتُه (وَاجِبَانِ شَرْعًا) لا عقلًا؛ لأنَّ العقلَ لا يُوجِبُ وَلَا يُحَرِّمُ كما تَقَدَّمَ. تنبيهٌ: قولُه: «وهي أوَّلُ واجبٍ لنَفْسِه»: قالَ القاضي، وابنُ حَمْدَانَ، وابنُ مُفْلِحٍ (٢)، وجمعٌ: يَجِبُ قَبْلَها النَّظرُ، يَعني في الدَّليلِ، فهو أوَّلُ واجبٍ لغيرِه. انتهى.

стр. 164

فلا يَقَعُ النَّظَرُ ولا المعرفةُ ضرورةً على الصَّحيحِ. (وَفِي قَوْلٍ) للرَّازيِّ (١): (لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا) أي: بينَ الشُّكْرِ ومعرفةِ اللهِ تَعالى (عَقْلًا) فمَن أَوْجَبَ الشُّكْرَ عَقلًا أَوْجَبَ المعرفةَ، ومَن لا فلا. قالَ الأُرْمَوِيُّ: هما مُتلازمانِ. والقولُ الثَّاني: أنَّ الشُّكرَ فرعُ المعرفةِ. (وَفِعْلُهُ) سبحانَه و (تَعَالَى وَأَمْرُهُ لَا لِعِلَّةٍ، وَ) لا (حِكْمَةٍ فِي قَوْلٍ) اختارَه كثيرٌ من أصحابِنا. (وَعَلَيْهِ) أي: على القولِ بإنكارِ فِعلِه تَعالى وأمْرِه لعِلَّةٍ وحكمةٍ (مُجَرَّدُ مَشِيئَتِهِ) تَقَدَّسَ (مُرَجِّحٌ) لإيجادِه فِعلَ ما شاءَه، فإذا شاءَ سُبحانَه شيئًا مِن الأشياءِ تَرَجَّحَ بمُجَرَّدِ تلك الإشاءةِ. ويقولُ القائلُ بهذا عِلَلُ الشَرعِ أماراتٌ (٢) محضةٌ، واحتجَّ بأنَّ العِلةَّ إنْ كانَتْ قديمةً لَزِمَ مِن قِدَمِها قِدَمُ الفِعلِ، وهو مُحالٌ، وإنْ كانَتْ مُحدَثَةً افْتَقَرَتْ إلى عِلَّةٍ أُخرى، ولَزِمَ التَّسلسُلُ، وهو مرادُ المشايخِ بقَولِهم: كلُّ شيءٍ صَنَعَه، ولا عِلَّةَ لصُنْعِه. وأُجيبَ: بأنَّ قَولَه: «لو كانَتْ قديمةً لَزِمَ قِدَمُ الفعلِ»، غيرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنَّه لا (٣) يَلْزَمُ مِن قِدَمِها قِدَمُ المعلولِ، كـ: الإرادةُ قديمةٌ ومُتَعَلَّقُها حادثٌ، ولو كانَتْ حادثةً لم تَفتَقِرْ إلى عِلَّةٍ أُخرى، وإنَّما يَلْزَمُ لو قَالَ: كلُّ حادثٍ مُفْتَقِرٌ إلى عِلَّةٍ، وهم لم يَقولوا ذلك، بل قالوا: يَفعَلُ لحكمةٍ، فإنَّه لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الأوَّلِ مُرادًا لغيرِه كَوْنُ الثَّاني كذلك، وإذا كانَ الثَّاني مَحبوبًا لم يَجِبْ كَوْنُ

стр. 165

الأوَّلِ كذلك، فلا يَتَسَلْسَلُ. وأيضًا المُنازعونَ يَقولون: كلُّ مخلوقٍ مُرادٌ لنَفْسِه، فلأَنْ يَجُوزَ في بعضِها أنْ يَكُونَ مُرادًا أَوْلى، والتَّسلسُلُ إِنَّمَا يَكُونُ للاستقباليِّ (١) فإنَّ الحكمةَ قد تكُونُ حاصلةً بعدَه، وهي مستلزمةٌ لحِكمةٍ أُخرى وهلمَّ جرًّا، فعلى هذا يَكُونُ فِعلُه وأمْرُه تَعالى لعِلَّةٍ وحِكمةٍ، وحُكِيَ إجماعُ السَّلفِ. وقال الشَّيخُ: أكثرُ أهلِ السُّنَّةِ على إثباتِ الحِكمةِ والتَّعليلِ. انتهى. كقولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢)، وقولِه تَعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، وقولِه تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (٤) ونظائرِها، ولأنَّه سُبحانَه حكيمٌ شَرَعَ الأحكامَ لحِكمةٍ ومصلحةٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٥). (وَهِيَ) أي: مشيئةُ اللهِ (وَإِرَادَتُهُ) تَعالى، (لَيْسَتَا بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ، وَرِضَاهُ، وَسَخَطِهِ، وَبُغْضِهِ). وذَهَبَ بعضُهم إلى أنَّ الكُلَّ بمَعنًى واحدٍ، والَّذي عليه السَّلفُ وعامَّةُ الأئمَّةِ مِن الفقهاءِ، ومِن أصحابِ الأئمَّةِ، كالحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ وأصحابِنا، والمُحَدِّثينَ والصُّوفيَّةِ، والنُّظَّارِ وغيرِهم: الفَرْقُ.

стр. 166

(فَيُحِبُّ) سُبحانَه: الإيمانَ، والعملَ الصَّالحَ، (وَيَرْضَى: مَا أَمَرَ بِهِ فَقَطْ) وَلَا يَرضى بالكُفرِ والفسوقِ والعصيانِ ولا يُحِبُّه، كما لا يَأْمُرُ به، وإنْ كانَ قد شاءَه، (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) لِحكمةٍ (١) (بِمَشِيئَتِهِ) فيَكُونُ ما شاءَ لمشيئتِه، فيُحِبُّ تلك الحكمةَ، وإنْ كانَ لا يُحِبُّه، فلم يَفعَلْ قبيحًا مُطلقًا، ولهذا كانَ حَمَلَةُ الشَّرعِ مِن السَّلفِ والخَلَفِ مُتَّفِقِينَ على أنَّه لو حَلَفَ ليَفْعَلَنَّ واجبًا أو مُستحبًّا كقضاءِ دينٍ يَضِيقُ وقتُه، أو عبادةٍ يَضِيقُ وَقتُها، وقال: «إنْ شاءَ اللهُ»، ثمَّ لم يَفْعَلْ؛ لم يَحنَثْ. (فَائِدَةٌ) (الأَعْيَانُ) والمُعاملاتُ (وَالعُقُودُ المُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ) وُرودِ (الشَّرْعِ) بحُكْمِها مباحةٌ؛ لأنَّ خَلْقَها لا لِحِكمةٍ عَبَثٌ، ولا حِكْمَةَ إلَّا انتفاعُنا بها؛ إذ هو خالٍ عن مفسدةٍ كالشَّاهدِ، وقد قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٣)، وقالَ ﷺ : «مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ» (٤)، وغيرُ ذلك مِن

стр. 167

الأَدِلَّةِ الشَّرعيَّةِ، وأَوْمَأ إليه أحمدُ حَيْثُ سُئل عن قَطعِ النَّخلِ، قال: لا بأسَ به، لم أسمعْ في قَطعِه شيئًا. وقيل: لا حُكْمَ لها قبلَ السَّمعِ، قَالَ المجدُ: هذا هو الصَّحيحُ الَّذِي لا يَجُوزُ على المذهبِ غيرُه. انتهى. فعلى هذا لا إثمَ بالتَّناوُلِ كفعلِ البهيمةِ، لكنْ لا يُفتى به في الأصحِّ، هذا (إِنْ) فُرِضَ أنَّه (خَلَا وَقْتٌ عَنْهُ) أي: عن الشَّرعِ. والصَّحيحُ أنَّه لم يَخلُ وقتٌ مِن شرعٍ؛ لأنَّه أوَّلَ ما خَلَقَ آدمَ قَالَ له: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (١) أَمَرَهما ونَهَاهما عَقِبَ خَلْقِهما، فكذلك كلُّ زمانٍ. (أَوْ) أي: والأعيانُ، والمُعاملاتُ، والعُقودُ المنتفعُ بها، (بَعْدَهُ) أي: بعدَ وُرودِ الشَّرعِ، (وخَلَا) الشَّرعُ (عَنْ حُكْمِهَا) إنْ فُرِضَ ذلك كما تَقَدَّمَ. قالَ الخَرَزِيُّ (٢): لم تَخلُ الأممُ مِن حُجَّةٍ (٣)، واحتجَّ بقولِه تَعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (٤) والسُّدَى: الَّذِي لا يُؤمَرُ وَلَا يُنْهَى، وقولِه تَعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ (٥)، وقوله تَعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٦).

стр. 168

قالَ القاضي: هذا ظاهرُ روايةِ عبدِ اللهِ فيما خَرَّجَه في محبسه (١): الحمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ في كلِّ زمانِ فترةٍ مِن الرُّسلِ، بقايا مِن أهلِ العِلمِ. فأخبَر أنَّ كلَّ زمانٍ فيه قومٌ مِن أهلِ العِلْمِ (٢). (أَوْ لَا) أي: أو لم يَخلُ الشَّرعُ عَن حُكمِ الأعيانِ والمعاملاتِ والعقودِ (وَجُهِلَ) حُكمُها، ويُتَصَوَّرُ ذلك فيمن خُلِقَ ببَرِّيَّةٍ ولم يَعرِفْ شرعًا وعندَه فواكهُ وأطعمةٌ. إذا عَلِمْت ذلك: فالأعيانُ، والمعاملاتُ، والعقودُ (مُبَاحَةٌ بِإِلْهَامٍ، وَ) الإلهامُ: (هُوَ مَا يُحَرِّكُ القَلْبَ بِعِلْمٍ) بعدَ النَّظرِ في الدَّليلِ، (ويَطْمَئِنُّ) القلبُ (بِهِ) أي: بذلك العِلْمِ، حَتَّى (يَدْعُوَ) القَلبُ (إِلَى العَمَلِ بِهِ) أي: بالعِلمِ الَّذِي اطمأنَّ القلبُ به، وليس المرادُ الإيقاعُ في القلبِ بلا دليلٍ، بل الهدايةُ إلى الحقِّ بالدَّليلِ، كما قَالَ عليٌّ ﵁: «إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ» (٣). وكانَ شيخُ الإسلامِ البُلْقينيُّ يَقولُ: الفُتوحاتُ الَّتي يُفتَحُ بها على العلماءِ في الاهتداءِ إلى استنباطِ المسائلِ المُشكِلاتِ مِن الأَدِلَّةِ؛ أعظمُ نفعًا وأكثرُ فائدةً مِمَّا يُفتَحُ به على الأولياءِ مِن الاطِّلاعِ على بعضِ الغُيُوبِ، فإنَّ ذلك لا يَحصُلُ به من النَّفعِ مِثْلُ ما يَحصُلُ بهذا، وأيضًا هذا موثوقٌ به لرجوعِه إلى أصلٍ شرعيٍّ، وذلك قد يَضطرِبُ (٤).

стр. 169

(وَهُوَ) أي: الإلهام (١) علمٌ يَحدُثُ في النَّفْسِ المُطمئنَّةِ الزَّكيَّةِ، قالَه السَّهْرَوَرْدِيُّ في «أماليه» (٢). وَ (فِي قَوْلٍ:) هو (٣) (طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ) وهو إلهامٌ مِن اللهِ تَعالى لعبادِه، بحَظرِه وإباحتِه، كما أَلْهَمَ أبا بكرٍ وعمرَ ﵄ أشياءَ وَرَدَ الشَّرعُ بمُوافَقَتِها، كما أَلْهَمَ أبا بكرٍ أنَّ في بطنِ أمِّ عبدٍ جاريةً (٤). قالَ أبو زيدٍ: الإلهامُ: ما حَرَّكَ القلبَ بعِلمٍ يَدعُوكَ إلى العملِ به، مِن غيرِ استدلالٍ به (٥)، وَلَا نظرٍ في حُجَّةٍ. وقالَ: الَّذِي عليه جمهورُ العلماءِ: أنَّه خيالٌ لا يَجُوزُ العملُ به إلَّا عندَ فَقْدِ الحُجَجِ كلِّها، مِن بابِ ما أُبِيحَ عَمَلُه (٦) بغيرِ عِلْمٍ (٧).

стр. 170

(فَصْلٌ) (الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) نَصَّ أحمدُ أنَّه خطابُ الشَّرعِ وقولُه، والمرادُ ما وَقَعَ به الخطابُ؛ أي: (مَدْلُولُ خِطَابِ الشَّرْعِ) وهو الإيجابُ والتَّحريمُ والإحلالُ، وهو صفةٌ للحاكمِ، فشَمِلَ الأحكامَ الخمسةَ وغيرَها. تنبيهٌ: الحُكمُ نفسُ خطابِ اللهِ، فالإيجابُ مَثَلًا هو: نَفْسُ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (١) وَلَيْسَ الفعلُ صفةً مِن القولِ؛ إذِ القولُ يَتَعَلَّقُ بالمعدومِ، وهو فعلُ الصَّلاةِ في المثالِ المذكورِ، وإذا كانَ الفعلُ معدومًا فصِفَتُه المتأخِّرةُ عنه أَوْلَى بالعدمِ، فالحُكْمُ وهو الإيجابُ مثلًا له تَعَلُّقٌ بفعلِ المُكَلَّفِ وإنْ كانَ مَعدومًا، فبالنَّظرِ إلى نَفْسِه الَّتي هي صفةٌ للهِ تَعالى يُسَمَّى إيجابًا، وبالنَّظرِ إلى ما تَعَلَّقَ به يُسَمَّى وجوبًا، فهما مُتَّحِدانِ بالذَّاتِ مُختلفانِ بالاعتبارِ، ولهذا نَرى المُحقِّقينَ تارةً يُعرِّفونَ الإيجابَ (٢) وتارةً يُعَرِّفون الوجوبَ (٣) نظرًا إلى الاعتبارينِ. (وَالخِطَابُ قَوْلٌ) احتُرِزَ به عن الإشاراتِ والحركاتِ المُفهِمةِ. وقولُه: (يَفْهَمُ مِنْهُ) أي: مِن ذلك القولِ خَرَجَ مَن لا يَفهَمُ، كالصَّغيرِ والمجنونِ؛ إذْ لا يَتَوَجَّهُ إليه قولٌ. وقولُه: (مَنْ سَمِعَهُ) ليَعُمَّ المُواجهةَ بالخطابِ وغيرَه، وليُخرِجَ النَّائمَ والمُغمى عليه ونحوَهما.

стр. 171

وقولُه: (شَيْئًا مُفِيدًا) أَخرَجَ (١) المُهمَلَ. وقولُه: (مُطْلَقًا) لِيُعَمَّ حالةَ قصدِ إفهامِ السَّامعِ وعَدَمِها. (وَيُسَمَّى بِهِ) أي: بالخطابِ (الكَلَامُ فِي الأَزَلِ) يَعني يُسَمَّى الكلامُ في الأزلِ خِطابًا (فِي قَوْلٍ). قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: ولقائلٍ أنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَصِحُّ هذا على قِدَمِ الكلامِ الَّذِي هو القولُ (٢). انتهى. والقولُ الثَّاني: لا يُسَمَّى خطابًا لعدمِ المُخاطَبِ حينئذٍ، بخلافِ تَسميَتِه في الأزلِ أمرًا ونهيًا ونحوَهما؛ لأنَّ مِثْلَه يَقُومُ بذاتِ المُتكلِّمِ بدونِ مَن يَتَعَلَّقُ به، كما يُقالُ في الوَصِيِّ: أَمَرَ في وَصِيَّتِه ونَهَى، ولا يُقالُ: خاطَبَ. (ثُمَّ) اعلمْ أنَّ خطابَ الشَّرعِ إمَّا أنْ يَرِدَ: باقتضاءِ الفِعلِ، أو باقتضاءِ التَّركِ، أو بالتَّخييرِ بينَ الفِعلِ والتَّركِ، فـ (إِنْ وَرَدَ: (١) بِطَلَبِ فِعْلٍ مَعَ جَزْمٍ) وهوُ القطعُ المُقتضِي الوعيدَ على التَّركِ، نحوُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٣) (فَإِيجَابٌ). (٢) (أَوْ) أي: وإنْ وَرَدَ بطلبِ فِعلٍ، و (لَا) جَزْمَ (مَعَهُ) أي: مَعَ الطَّلبِ يَقتضي الوعيدَ على التَّركِ، نحوُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) (فَنَدْبٌ).

стр. 172

(٣) (أَوْ) أي: إنْ وَرَدَ خطابُ الشَّرعِ (بِطَلَبِ تَرْكٍ) و (مَعَهُ) جزمٌ يَقتضي الوعيدَ على الفعلِ، نحوُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (١)، و ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٢) (فَتَحْرِيمٌ). (٤) (أَوْ) أي: وإنْ وَرَدَ بطلبِ تركٍ، و (لَا) جَزْمَ (مَعَهُ) يَقتضي الوعيدَ على التَّركِ، كقولِه ﵊: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِدِ، فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِه» (٣) (فَكَرَاهَةٌ). (٥) (أَوْ) أي: وإنْ وَرَدَ خطابُ الشَّرعِ (بِتَخْيِيرٍ) بينَ الفعلِ والتَّركِ، كقولِه ﷺ حينَ سُئِلَ عنِ الوُضوءِ مِن لُحومِ الغنمِ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَوَضَّأْ» (٤). (فَإِبَاحَةٌ)، ولا تَتَقَيَّدُ استفادةُ أدلَّةِ الأحكامِ مِن صريحِ الأمرِ والنَّهيِ، بل تكُونُ بنصٍّ، أو إجماعٍ (٥) أو قياسٍ. والنَّصُّ: إمَّا أنْ يَكُونَ أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو خبَرًا بمَعناها، أو إخبارًا بالحُكْمِ، نحوُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٦)، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى

стр. 173

أَهْلِهَا﴾ (١)، «إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (٢)، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٣). (وَإِلَّا) بأنْ لمْ يَرِدِ الخطابُ مِثْلَ هذه الصِّيَغِ المُتقدِّمةِ في الأحكامِ الخمسةِ، كالصِّحَّةِ والفسادِ، ونَصبِ الشَّيْءِ سَببًا، أو مانعًا، أو شرطًا، وكونِ (٤) الفعلِ أداءً، أو قضاءً، ورخصةً أو عزيمةً، (فَوَضْعِيٌّ) أي: يَكُونُ مِن خطابِ الوضعِ، لا مِن خطابِ التَّكْلِيفِ المُتقدِّمِ ذِكْرُه. وقد يَجتمِعُ خطابُ الشَّرعِ وخطابُ الوضعِ في شيءٍ واحدٍ، كالزِّنا، فإنَّه حرامٌ وسببٌ للحدِّ، وقد يَنفرِدُ خطابُ الوضعِ، كأوقاتِ الصَّلاةِ سببُ وُجُوبِ الصَّلاةِ، وقد يَنفَرِدُ خطابُ التَّكْلِيفِ، [كصلاةِ الظُّهرِ مثلًا. وقالَ في «شرحِ التَّنقيحِ»: ولا يُتَصَوَّرُ انفرادُ خطابِ التَّكْلِيفِ] (٥) عن خطابِ الوضعِ؛ إذ لا تكليفَ إلَّا له سببٌ، أو شرطٌ، أو مانعٌ (٦). (وَالمَشْكُوكُ) قِيلَ: (لَيْسَ بِحُكْمٍ) وهو الصَّحيحُ، والشَّاكُّ لا مذهبَ له، والوقفُ قِيلَ: مذهبٌ، وهو أصحُّ؛ لأنَّه يُفتي به ويَدعو إليه.

стр. 174

(فَصْلٌ) الفعلُ الواجبُ: ما اقْتَضَى الشَّرعُ فِعْلَه اقتضاءً جازمًا، والمندوبُ: ما اقْتَضَى فِعلَه اقتضاءً غيرَ جازمٍ، والحرامُ: ما اقتضى الشَّرعُ تَرْكَه اقتضاءً جازمًا، والمكروهُ: ما اقْتَضَى تَرْكَه اقتضاءً غيرَ جازمٍ، والمباحُ: ما اقْتَضَى الشَّرعُ التَّخييرَ فيه. وهذه الأشياءُ هي مجالُ الأحكامِ ومُتَعَلَّقَاتُها، وأمَّا الأحكامُ نَفْسُها فهي: الإيجابُ، والتَّحريمُ، والنَّدبُ، والكراهةُ، والإباحةُ. إذا تَقَرَّرَ ذلك فـ (الوَاجِبُ لُغَةً: السَّاقِطُ وَالثَّابِتُ). قالَ في «المصباحُ»: وَجَبَ البَيْعُ وَالحَقُّ يَجِبُ وُجُوبًا وَجِبَةً: لَزِمَ وَثَبَتَ، وَوَجَبَتْ الشَّمْسُ وُجُوبًا: غَرَبَتْ، وَوَجَبَ الحَائِطُ وَنَحْوُهُ: سَقَطَ (١). (وَ) أمَّا الواجبُ (شَرْعًا) فلهم فيه حدودٌ كثيرةٌ، قلَّ أنْ تَسْلَمَ مِن خَدْشٍ: أَولاها: (مَا ذُمَّ) شرعًا (تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا). فقولُه: «ما ذُمَّ» هو خيرٌ مِن قولِ مَن قَالَ: «ما يُعاقَبُ تارِكُه»؛ لجوازِ العفوِ، واحتُرِزَ به عنِ: المندوبِ، والمكروهِ، والمباحِ؛ لأنَّه لا ذَمَّ فيها، والمرادُ بذمِّ تاركِه: أن يَرِدَ في كتابِ اللهِ تَعالى، أو سُنَّةِ رسولِه ﷺ ، أو إجماعِ الأُمَّةِ ما يَدُلُّ على الذَّمِّ. وقولُه: «شرعًا»؛ لأنَّ الذَّمَّ لا يَثْبُتُ إلَّا بالشَّرعِ (٢)، بخلافِ قولِ المعتزلةِ.

стр. 175

وقولُه: «تاركُه» احتُرِزَ به عنِ الحرامِ، فإنَّه يُذَمُّ شرعًا فاعلُه. وقولُه: «قَصْدًا» فيه تقريرانِ مَوقوفانِ على مُقَدِّمةٍ: وهو أنَّ هذا التَّعريفَ إِنَّمَا هو بالحيثيَّةِ؛ أي: الَّذِي بحَيثُ لو تُرِكَ لذُمَّ تاركُه؛ إذْ لو لم يَكُنْ بالحيثيَّةِ لاقْتَضَى أنَّ كلَّ واجبٍ لا بدَّ مِن حُصولِ الذَّمِّ على تَركِه، وهو باطلٌ. إذا عُلِمَ ذلك فأحدُ التَّقريرينِ إِنَّمَا يَأتي بالقصدِ؛ لأنَّه شرطٌ لصِحَّةِ هذه الحيثيَّةِ؛ إذِ التَّاركُ لا على سبيلِ القصدِ لا يُذَمُّ. والثَّاني: أنَّه احتُرِزَ به عمَّا إذا مَضَى مِن الوقتِ قَدْرُ فِعلِ الصَّلاةِ، ثمَّ تَرَكَها بنومٍ، أو نسيانٍ، وقد تَمَكَّنَ، ومعَ ذلك لا يُذَمُّ شرعًا تاركُها؛ لأنَّه ما تَرَكَها قصدًا. وقولُه: «مُطلقًا» فيه تقريرانِ أيضًا موقوفانِ على مُقدِّمةٍ: وهو أنَّ الإيجابَ باعتبارِ الفاعلِ قد يكُونُ على الكفايةِ، وقد يكُونُ على العينِ، وباعتبارِ المفعولِ قد يكُونُ مُخَيَّرًا، كخصالِ الكفَّارةِ، وقد يكُونُ مُضَيَّقًا، كالصَّومِ، فإذا تَرَكَ الصَّلاةَ في أوَّلِ وَقتِها صَدَقَ أنَّه تَرَكَ واجبًا؛ إذِ الصَّلاةُ تَجِبُ بأوَّلِ الوقتِ، ومعَ ذلك لا يُذَمُّ عليها إذا أَتَى بها في أثناءِ الوقتِ، ويُذَمُّ إذا أَخرَجَها عن جميعِه، وإذا تَرَكَ إحدى خصالِ الكفَّارةِ، فقد تَرَكَ ما يَصدُقُ عليه أنَّه واجبٌ مَعَ أنَّه لا ذَمَّ فيه إذا أَتَى بغيرِه، وإذا تَرَكَ صلاةَ جنازةٍ فقد تَرَكَ ما صَدَقَ عليه أنَّه واجبٌ، ولا يُذَمُّ عليه إذا فَعَلَه غيرُه. إذا عُلِمَ ذلك فأحدُ التَّقريرينِ أنَّ قولَه: «مُطلقًا» عائدٌ إلى الذَّمِّ، وذلك لأنَّه قد تَلَخَّصَ أنَّ الذَّمَّ على الواجبِ المُوَسَّعِ والمُخيَّرِ وعلى الكفايةِ مِن وجهٍ دونَ وجهٍ، وأنَّ الذَّمَّ على الواجبِ المُضيَّقِ والمُحَتَّمِ والواجبِ على

стр. 176

العين (١) مِن كلِّ وجهٍ، فلذلك قال: «مُطلقًا»؛ ليَشمَلَ ذلك كلَّه بشرطِه، ولو لم يَذْكُرْ ذلك لَوَرَدَ عليه مَن تَرَكَ شيئًا مِن ذلك. والتَّقريرُ الثَّاني: أنَّ «مطلقًا» عائدٌ إلى التَّركِ، والتَّقديرُ: تَركًا مُطلقًا، ليَدخُلَ: المُخيَّرُ، والمُوَسَّعُ، وفرضُ الكفايةِ، فإنَّه إذا تَرَكَ فرضَ الكفايةِ لا يَأثَمُ، وإنْ صَدَقَ أنَّه تاركٌ واجبًا، وكذلك الآتي به آتٍ بالواجبِ، مَعَ أنَّه لو تَرَكَه لم يَأْثَمْ، وإنَّما يَأثَمُ إذا حَصَلَ التَّركُ المُطلَقُ منه ومِن غيرِه، وهكذا في الواجبِ المُخيَّرِ والمُوسَّعِ. ودَخَلَ فيه أيضًا: الواجبُ المُحَتَّمُ والمُضَيَّقُ [وفرضُ العينِ] (٢)؛ لأنَّ كلَّ ما ذُمَّ الشَّخصُ عليه إذا تَرَكَه وَحْدَه ذُمَّ عليه أيضًا إذا تَرَكَه هو وغيرُه. (وَمِنْهُ) أي: ومِن الواجبِ (مَا) أي: واجبٌ (لَا يُثَابُ) فاعلُه (عَلَى فِعْلِهِ) بمُجرَّدِ الفعلِ، (كَنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ، وَرَدِّ وَدِيعَةٍ، وَ) ردِّ (غَصْبٍ، ونَحْوِهِ) كرَدِّ عاريَّةٍ (إِذَا فُعِلَ) ذلك (مَعَ غَفْلَةٍ). قالَ الطُّوفِيُّ: الواجبُ: هو المأمورُ به جزمًا، وشرطُه ترتُّب (٣) الثَّوابِ على نيَّةِ التَّقَرُّبِ بفِعلِه (٤). (وَمِنَ المُحَرَّمِ: مَا) أي: مُحَرَّمٌ (٥) (لَا يُثَابُ) تَارِكُهُ (عَلَى تَرْكِهِ) بمُجَرَّدِ التَّركِ، (كَتَرْكِهِ) مُحَرَّمًا (غَافِلًا) (٦) عن كَوْنِ تَرْكِه طاعةً، بامتثالِ الأمرِ بالتَّركِ.

стр. 177

قالَ الطُّوفِيُّ (١): الحرامُ: المَنْهِيُّ عنه جزمًا، وشَرطُ ترتيبِ الثَّوابِ على تَرْكِه نِيَّةُ التَّقرُّبِ به، فتَرتيبُ الثَّوابِ وعَدَمُه في فعلِ الواجبِ وتَركِ المُحَرَّمِ وعَدمِهما راجعٌ إلى وجودِ شرطِ الثَّوابِ وهو النِّيَّةُ، لا إلى انقسامِ الواجبِ والحرامِ في نَفسِهما (٢). فَائِدَةٌ: قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: تنبيهٌ: التَّصرُّفاتُ ثلاثةُ أقسامٍ: - منها ما لا يُمكِنُ إلَّا أنْ يُقصَدَ به التَّقرُّبُ إلى اللهِ تَعالى، كالعبادةِ المَحضةِ. - ومنها: ما لا يُمكِنُ التَّقرُّبُ به إلى اللهِ تَعالى، وهو النَّظَرُ الأوَّلُ المُفضي إلى إثباتِ العِلمِ بالصَّانعِ. - ومنها: ما يُمكِنُ التَّقرُّبُ به، كرَدِّ الوديعةِ ونحوِه، وكذا المُباحاتُ، كقولِ معاذٍ: أَحْتَسِبُ (٣) نَوْمَتي كما أَحْتَسِبُ (٣) قَوْمتي (٤). (وَ الفَرْضُ لُغَةً: (١) التَّقْدِيرُ) ومنه قولُه تَعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٥) أي: قَدَّرْتم، (٢) (وَالتَّأْثِيرُ) قَالَ في «المِصباح» (٦): فُرْضَةُ القَوْسِ: مَوْضِعُ حَزِّهَا لِلْوَتَرِ.

стр. 178

(٣) (وَالإِلْزَامُ) والإيجابُ ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (١) أي: أَوْجَبَ على نَفْسِه فيهن الإحرامَ. (٤) (وَالعَطِيَّةُ) قَالَ في «الصِّحاحُ»: فَرَضْتُ له وافْتَرَضْتُ؛ أي: أَعطَيْتُه، وفَرَضْتُ له في الدِّيوانِ (٢). (٥) (وَالإِنْزَالُ) ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (٣) أي: أَنْزَلَ عليك القرآنَ. (٦) (وَالإِبَاحَةُ): ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٤) أي: فيما أباحَ اللهُ له. ويَجِيءُ لمعَنى البيانِ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٥) بالتَّخفيفِ. (وَ) الفرضُ (يُرَادِفُ الوَاجِبَ شَرْعًا) أي: مُتَّحِدانِ مَفهومًا؛ إذِ الاتِّحادُ مَفهومًا هو مَعنى التَّرادُفِ، لا المُتَّحِدانِ ذاتًا، كالإنسانِ والنَّاطقِ، فإنَّهما مُتَّحِدانِ ذاتًا مَعَ عدمِ التَّرادُفِ، فبينَهما عمومٌ وخصوصٌ مُطلَقٌ، فكلُّ مُتَّحِدَينِ مفهومًا مُتَّحِدانِ ذاتًا، ولا عكسُ لغويًّا. إذا عُلِمَ ذلك: فالصَّحيحُ أنَّهما مُتَرادفانِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٦) أي: أَوْجَبَه، والأصلُ تَنَاوُلُه (٧) حقيقةً، وعدُمُ غيرِه نفيًا للمجازِ والاشتراكِ.

стр. 179

(وَ) على هذا (ثَوَابُهُمَا) أي: ثوابُ الفرضِ والواجبِ (سَوَاءٌ) مِن غيرِ تَفاوُتٍ. وَقِيلَ: الفرضُ آكَدُ، وعليه يَجُوزُ أنْ يُقالَ: بعضُ الواجباتِ أَوْجَبُ مِن بعضٍ. وفائدتُه: أنَّه يُثابُ على أَحَدِهما أكثرَ، وأنَّ طريقَ أحدِهما مقطوعٌ به، والآخَرُ ظَنٌّ. (١) (وَصِيغَتُهُمَا) أي: صيغةُ الفرضِ، والواجبِ (١) نصٌّ في الوجوبِ على الصَّحيحِ. قالَ ابنُ عَقِيلٍ: «أَوْجَبْتُ» صريحةٌ في الوُجوبِ بإجماعِ النَّاسِ. قالَ الشَّيخُ في «المُسَوَّدة» (٢): والأظهرُ أنَّ الفرضَ نَصٌّ، وقولُهم: فَرَضَ القاضي النَّفَقَةَ وفَرَضَ الصَّداقَ، لا يَخرُجُ عن مَعنى الوُجوبِ، وإنِ انْضَمَّ إليه التَّقديرُ. (٢ - ٣) (وَحَتْمٌ، وَلَازِمٌ) كواجبٍ، فالمحتومُ مِن حَتَمْتُ الشَّيْءَ أَحْتِمُهُ حَتْمًا، إذا قَضَيْتُه وأَحكَمْتُه، وحَتَمْتُه أيضًا: أَوْجَبْتُه، قاله الجَوْهَرِيُّ (٣). قَالَ تَعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٤) أي: واجبَ الوقوعِ بأمْرِه الصَّادقِ، وإلَّا فهو لا يَجِبُ عليه شيءٌ، واللَّازمُ بمَعنى الواجبِ، ولا يَقبَلُ التَّأويلَ عندَ الأكثرِ، وهو مِنَ اللُّزُومِ، [وهو لغةً: عدمُ] (٥) الانفكاكِ

стр. 180

عن الشَّيءِ، فيُقالُ للواجبِ: لازمٌ ومَلْزومٌ به، ونحوُ ذلك، كما في حديثِ الصَّدَقَةِ: «وَمَنْ لَزِمَتْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، أُخِذَ مِنْهُ ابْنُ لَبُونٍ» (١) أي: وَجَبَ عليه ذلك. (٤) (وَ) كذا (إِطْلَاقُ الوَعِيدِ) يَقتضي الوجوبَ لفعلِ ما تُوُعِّدَ عليه، وهو الصَّحيحُ، فلا يُقبَلُ تأويلُه؛ لأنَّه خاصَّةُ الواجبِ، ولا تُوجَدُ خاصَّةُ الشَّيْءِ بدونِه. [وقالَ القاضي (٢): ألفاظُ الوعيدِ تَرِدُ، والمرادُ به الوجوبُ والنَّدبُ] (٣) قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (٤) وذلك مندوبٌ إليه، ومعَ ذلك يَقتضي الوجوبَ. (٥) (وَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾: نَصٌّ فِي الوُجُوبِ) أيضًا، مأخوذٌ مِن كَتَبَ الشَّيْءَ إذا حَتَمَه وأَلْزَمَ به، ومنه قولُه تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٥)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٦)، أمَّا قولُه تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (٧) الآيةَ. فقيلَ: المُرادُ: وَجَبَ، وكانَتِ الوصيَّةُ فرضًا ثم نسخت (٨).
следующие страницы →