(وَيَجُوزُ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ، كَمِلْكِهِ أُخْتَيْنِ وَوَطْئِهِمَا) يَعني كوَطْئِه واحدةً بعدَ واحدةٍ قبْلَ تحريمِ الأُولى، فإنَّه يَحرُمُ وطءُ إحداهما قبلَ تحريمِ الأُخرى، فهو ممنوعٌ مِن إحداهما لا بعينِها، وكما لو أَسْلَمَ على أكثرَ مِن أربعِ نسوةٍ وأَسْلَمْنَ معَه، أو كُنَّ كتابيَّاتٍ، فإنَّه ممنوعٌ مِن الزَّائدِ عنِ الأربعِ لا بعَينِه، فيَكُونُ النَّهيُ عنْ واحدٍ على التَّخييرِ.
(وَلَهُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا) على التَّخييرِ؛ لأنَّ هذه المسألةَ كمسألةِ الواجبِ المُخَيَّرِ، إلَّا أنَّ التَّخييرَ هنا في التَّركِ، وهناك في الفِعلِ، فكما أنَّ للمُكَلَّفِ أنْ يَأتيَ بالجميعِ، وأنْ يَأتيَ بالبعضِ ويَتْرُكَ البعضَ الباقيَ في الواجبِ المُخَيَّرِ، له أنْ يَتْرُكَ الجميعَ، وأن يَتْرُكَ البعضَ دونَ البعضِ هنا عندَ أصحابِنا والأكثرِ، وكما لا يَجُوزُ له الإخلالُ بجميعِها، بل عليه فعلُ شيءٍ منها في الواجبِ المُخَيَّرِ، لا يَجُوزُ له الإخلالُ بالتَّركِ جميعًا هنا، بل يَجِبُ عليه تركُ شيءٍ منها، ولأنَّه اليقينُ والأصلُ.
(وَلَوِ اشْتَبَهَ مُحَرَّمٌ بِمُبَاحٍ) كمَيْتَةٍ بمُذَكَّاةٍ: (وَجَبَ الكَفُّ) عنهما، إحداهما بالأصالةِ، والأُخرى بعارضِ الاشتباهِ، (وَلَا يَحْرُمُ المُبَاحُ) أكثرُ ما فيه أنَّه اشْتَبَه، فمَنَعْناه لأجلِ الاشتباهِ، لا أنَّه مُحَرَّمٌ، فإذا تَبَيَّنَ زالَ ذلك، فوُجُوبُ الكفِّ ظاهرًا، لا يَدُلُّ على شُمولِ التَّحريمِ، ولهذا لو أَكَلَهما (١) لم يُعاقَبْ، إلَّا على أكلِ مَيتةٍ واحدةٍ.
فَرْعٌ: لَوْ طَلَّقَ إحدى امْرأَتَيْه مُبْهَمَةً أو مُعَيَّنَةً وأُنْسِيَها: وَجَبَ الكفُّ إلى القُرعةِ نصًّا.
(وَفِي الشَّخْصِ الوَاحِدِ: ثَوَابٌ، وَعِقَابٌ) كنوعِ الآدميِّ؛ لأنَّه يَعمَلُ
стр. 196
الحَسَناتِ والسِّيِّئاتِ، فتُكتَبُ له الحسناتُ، وأمَّا السَّيِّئاتُ فإنْ تابَ منها غُفِرَتْ، وكذا إنْ اجْتَنَبَ (١) الكبائرَ على الصَّحيحِ، وإلَّا فهو تحتَ المشيئةِ.
(وَالفِعْلُ الوَاحِدُ:
(١) بِالنَّوْعِ) كالسُّجودِ مَثَلًا (مِنْهُ وَاجِبٌ، وَ) منه (حَرَامٌ) باعتبارِ أشخاصِه، (كَسُجُودِ) ـه (للهِ) تَعالى (وَلِغَيْرِهِ) لِتَغايُرِهما بالشَّخصيَّةِ، فلا استلزامَ بينَهما، فإنَّ السُّجودَ نوعٌ مِن الأفعالِ ذُو أشخاصٍ كثيرةٍ، فيَجُوزُ أن يَنقَسِمَ إلى واجبٍ وحرامٍ، فيَكُونُ بعضُ أفرادِه واجبًا، كالسُّجودِ للهِ، وبعضُها حرامًا كالسُّجودِ للصَّنَمِ، وَلَا امتناعَ مِن ذلك.
(٢) (وَ) الفعلُ الواحدُ (بِالشَّخْصِ) فيه تفصيلٌ: تارةً يَكُونُ له جهةٌ واحدةٌ، وتارةً يَكُون له جِهتانِ.
- (فَمِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ: يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ وَاجِبًا حَرَامًا) لتَنَافِيهِما.
قالَ عَضُدُ الدِّينِ: فلوِ اتَّحَدَ الواحدُ بالشَّخصِ، بأنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الواحدُ مِن الجهةِ الواحدةِ واجبًا حرامًا معًا، فذلك مستحيلٌ (٢) قطعًا، إلَّا عندَ مَن يُجَوِّزُ تكليفَ المُحالِ، وقد مَنَعَه بعضُ مَن يُجَوِّزُ ذلك نَظَرًا إلى أنَّ الوُجوبَ يَتَضَمَّنُ جوازَ الفِعلِ، وهو يُناقِضُ التَّحريمَ (٣).
- (وَ) الفعلُ الواحدُ بالشَّخصِ (مِنْ جِهَتَيْنِ، كَصَلَاةٍ فِي مَغْصُوبٍ) مِن سُتْرَةٍ، أو بُقْعَةٍ، (لَا) يَستحيلُ كَوْنُه واجبًا حرامًا، (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلاةُ فيه،
стр. 197
(وَلَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِهَا، وَلَا عِنْدَهَا) أي: عندَ فِعلِها؛ لأنَّ تعلُّقَ الوجوبِ والحُرمةِ بفِعلِ المُكَلَّفِ، وهما مُتلازمانِ في هذه الصَّلاةِ، فالواجبُ مُتَوَقِّفٌ على الحرامِ، وما لا يَتِمُّ الواجبُ إلَّا به واجبٌ.
فالحرامُ واجبٌ، وهو تكليفٌ بالمُحالِ، وأيضًا متى أَخَلَّ مُرتكبُ النَّهيِ بشرطِ العبادةِ أَفْسَدَها، ونِيَّةُ التَّقرُّبِ بالصَّلاةِ شرطٌ، والتَّقرُّبُ بالمعصيةِ مُحالٌ، ولأنَّ مِن شرطِ العبادةِ: إباحةُ الموضعِ، وهو مُحَرَّمٌ؛ فهو كالنَّجسِ.
وقالَ القاضي أبو بكرٍ ابنُ البَاقِلَّانِيِّ، والفخرُ الرَّازيُّ: يَسقُطُ الفرضُ عِندَها لا بها (١).
قالَ في «المحصولُ»: لأنَّ السَّلَفَ أَجمَعُوا على أنَّ الظَّلَمَةَ لا يُؤمَرُونِ بقضاءِ الصَّلاةِ المُؤَدَّاةِ في الدَّارِ المغصوبةِ، ولا طريقَ إلى التَّوفيقِ بينَهما إلَّا بما ذَكَرْناه (٢). انتهى.
قالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: الصَّحيحُ أنَّ القاضيَ إِنَّمَا يَقُولُ بذلك لو ثَبَتَ القولُ بصِحَّةِ الإجماعِ على سُقُوطِ القضاءِ، فإذا لم يَثْبُتْ ذلك فلا يَقُولُ بسُقُوطِ الطَّلَبِ بها ولا عندَها (٣). انتهى.
ولا إجماعَ في ذلك لعدمِ ذِكْرِه ونَقْلِه، كيف وقد خالفَ الإمامُ أحمدُ (٤) رَحِمَهُ اللهُ تَعالى ومَن مَعَه، وهو إمامُ النَّقلِ وأعلمُ بأحوالِ السَّلفِ.
стр. 198
قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: قولُ ابنِ البَاقِلَّانِيِّ: «يَسقُطُ الفَرضُ عندَها لا بها» باطلٌ؛ لأنَّ مُسْقِطاتِ الفرضِ محصورةٌ: مِن نَسخٍ، أو عَجزٍ، أو فِعلِ غيرِه (١) كالكفايةِ، وليس هذا منها (٢). انتهى.
وعنِ الإمامِ أحمدَ روايةٌ: يَحْرُمُ فِعْلُها، وتَصِحُّ، وعليه: لا ثوابَ فيها.
وعنه: إنْ كانَ عالمًا ذاكرًا للغَصْبِ وقتَ العبادةِ: لم تَصِحَّ، وإلَّا: صَحَّتْ.
قُلْتُ: وهذا هو المُفتَى به في المذهبِ، فإنْ كانَ جاهلًا، أو ناسيًا: صَحَّتْ، ذَكَرَه المجدُ إجماعًا.
(وَتَصِحُّ تَوْبَةُ خَارِجٍ) أي: غاصبٍ لمكانِ مَن غَصَبَهُ حالَ خُروجِه (مِنْهُ) وهو (فِيهِ) قَبْلَ إتمامِ خُروجِه، (وَلَمْ يَعْصِ بِخُرُوجِهِ).
قالَ ابنُ عَقِيلٍ: لم يَختلفوا أنَّه لا يُعَدُّ واطئًا بنَزْعِه في الإثمِ، بل في التَّكفيرِ، وكإزالةِ مُحْرِمٍ طِيبًا بيَدِه، أو غَصَبَ عَينًا ثمَّ نَدِمَ وشَرَعَ في حَمْلِها على رأسِه إلى صاحِبِها، أو أَرسَلَ صيدًا صادَه مُحْرِمٌ، أو في حَرَمٍ مِن شَرَكٍ، والرَّامي بالسَّهمِ إذا خَرَجَ السَّهمُ عن مَحَلِّ قُدرتِه، وإذا جَرَحَ ثمَّ تابَ والجرحُ ما زالَ إلى (٣) السِّرَايَةِ، ففي هذه المواضعِ ارتفعَ الإثمُ بالتَّوبةِ، والضَّمانُ باقٍ، بخلافِ ما لو كانَ ابتداءُ الفِعلِ غيرَ مُحَرَّمٍ، كخروجِ مُستعيرٍ مِن دارٍ انْتَقَلَتْ عنِ المُعِيرِ، وخروجِ مَن أَجْنَبَ بمسجدٍ، فإنَّه غيرُ آثمٍ اتِّفاقًا.
стр. 199
فائدةٌ: قالَ الشَّيخُ: التَّحقيقُ أنَّ هذه الأفعالَ يَتَعَلَّقُ بها حقٌّ للهِ، وحقٌّ للآدميِّ، فأمَّا حقُّ اللهِ فيَزولُ بمُجَرَّدِ النَّدَمِ، وأمَّا حُقوقُ العِبادِ فلا تَسقُطُ إلَّا بعدَ أدائِها إليهم، وعَجزُه عن إيفائِها بعدَ التَّوبةِ لا يُسْقِطُها، بل له أن يَأخُذَ مِن حسناتِ هذا الظَّالمِ في الآخِرَةِ إلى حينِ زوالِ الظُّلمِ وأَثَرِه.
(وَالسَّاقِطُ عَلَى جَرِيحٍ) ونَحوِه، كمَن نامَ على سَطحِه فهَوَى سَقفُه مِن تَحتِه على قومٍ، فـ (إِنْ بَقِيَ) السَّاقطُ على الجريحِ ونَحوِه (١) (قَتَلَهُ، وَ) قُتِلَ (مِثْلُهُ) أي: كُفُؤُ الَّذِي سَقَطَ عليه (إِنِ انْتَقَلَ) عمَّنْ سَقَطَ عليه لَزِمَه المُكْثُ؛ لأنَّ الضَّرَرَ لا يُزالُ بالضَّررِ، وَلَا يَضْمَنُ ما تَلِفَ بسُقُوطِه؛ لأنَّه مُلْجَأٌ لم يَتَسَبَّبْ بل:
(١) (يَضْمَنُ) ما تَلِفَ بدوامِ مُكْثِه، أو بانتقالِه.
(٢) (وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ إِذَنْ) أي: حالَ سُقوطِه على الجريحِ، وَلَا تَقِفُ صِحَّتُها على المُفارقةِ، بل هو مَعَ العزمِ والنَّدمِ تاركٌ مُقْلِعٌ، كما تَقَدَّمَ عن ابنِ عَقِيلٍ.
(٣) (وَيَحْرُمُ انْتِقَالُهُ) عنه إلى آخَرَ، قال ابنُ عَقِيلٍ (٢): قولًا واحدًا، لأنّه (٣) يَحْصُلُ مبتدئًا بالجنايةِ، كما لو سَقَطَ مِن غيرِ اختيارِه، فحَصَلَ سقوطُه على واحدٍ، لم يَجُزْ له عندَنا جميعًا أن يَنتَقِلَ، فيَقِفَ مُتَنَدِّمًا مُتَمَنِّيًا أن يُخلَقَ له جناحانِ يَطِيرُ بهما، أو يَتَدَلَّى إليه حبلٌ يَتَشَبَّثُ (٤) به، فإذا عَلِمَ الله تَعالى ذلك
стр. 200
منه كانَ ذلك غايةَ جُهدِه، وصارَ بعدَ جهدِه كحَجَرٍ أَوْقَعَه اللهُ تَعالى على ذلك الجريحِ.
تنبيهٌ: فَرَّقَ ابنُ عبدِ السَّلامِ، فقالَ بعدَ فَرضِها في صَغِيرَينِ: الأظهرُ عِندي لزومُ الانتقالِ فيما إذا كانَ الَّذِي سَقَطَ عليه مُسْلِمًا والمنتقَلُ إليه كافرًا [لكنَّه مَعصومٌ لصِغَرٍ] (١) أو أمانٍ؛ لأنَّه أخفُّ مَفسَدَةً.
قالَ: لأنَّ قتلَ أولادِ الكُفَّارِ جائزٌ عندَ التَّتَرُّسِ بهم، حَيْثُ لا يَجُوزُ ذلك في أطفالِ المسلمينَ (٢).
أمَّا الكافرُ غيرُ المعصومِ فيُنْتَقَلُ إليه قطعًا أو يَلْزَمُه، وهو قولُه: (وَيَلْزَمُ (٣) الأَدْنَى قَطْعًا) إنْ كانَ هو الواقعَ عليه: لَزِمَه الاستمرارُ عليه، وإنْ كانَ الآخَرَ: لَزِمَ الانتقالُ إليه قطعًا، وهذا مِمَّا لا خلافَ فيه، وعلى قياسِه الزَّاني المُحصَنُ، واللهُ أعلمُ.
стр. 201
(فَصْلٌ)
(المَنْدُوبُ لُغَةً: المَدْعُوُّ لِمُهِمٍّ، مِنَ النَّدْبِ وَهُوَ الدُّعَاءُ) لأمْرٍ مُهِمٍّ، ومنه الحديثُ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ يَخْرُجُ فِي سَبِيلِهِ» (١) أي: أجابَ له طلبَ مغفرةِ ذُنوبِه، يُقالُ: نَدَبْتُه فانْتَدَبَ.
ويُطلَقُ أيضًا على التَّأثيرِ، ومنه حديثُ مُوسى ﵇: «وَإِنَّ بِالحَجَرِ نَدَبًا -بفتحِ المُهمَلةِ- سِتَّةً، أَوْ سَبْعَةً، ضَرْبُ مُوسَى» (٢) وأصلُه الجرحُ.
وقال الطُّوفِيُّ: النَّدْبُ في الأصلِ مَصدرُ نَدَبْتُه (٣) نَدْبًا، والمفعولُ مندوبٌ، وهو المرادُ؛ لأنَّه المقابلُ للواجبِ، ويقالُ له: «نَدْبٌ» إطلاقًا للمصدرِ على المفعولِ مَجازًا (٤).
وقالَ في «القاموسُ»: نَدَبَهُ (٥) إلى الأَمْرِ، كَنَصَرَهُ: دَعاه، وحَثَّهُ (٦).
(وَ) المندوبُ (شَرْعًا: مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ) كسننِ الأفعالِ في الصَّلاةِ، والحَجِّ، وغيرِهما، فخَرَجَ (٧) الحرامُ، والمكروهُ، وخلافُ الأَوْلَى، والمباحُ، (وَلَوْ) كانَ (قَوْلًا) كسُنَنِ الأقوالِ في الصَّلاةِ، والصَّومِ والحَجِّ، وغيرِها، (وَ) لو كانَ (عَمَلَ قَلْبٍ) كالخُشوعِ في الصَّلاةِ، والنِّيَّةِ لفِعلِ الخيرِ، والذِّكرِ.
ثمَّ قَالَ: وما واظَبَ على فِعلِه غيرَ مُظهِرٍ له؛ ففيه وجهانِ:
أحدُهما: تسميتُه سُنَّةً، نظرًا إلى المواظبةِ.
والثَّاني: تسميتُه فضيلةً، نظرًا إلى تَركِ إظهاره، وهذا كرَكْعتَيِ الفجرِ (١).
(وَهُوَ) أي: المندوبُ:
(١) (تَكْلِيفٌ) إذ مَعناه: طلبُ ما فيه كُلفةٌ، وقد يَكُونُ أشقَّ مِن الواجبِ، وليسَتِ المشقَّةُ مُنحَصِرةً في الممنوعِ عن نقيضِه حَتَّى يَلْزَمَ أن يكون منه.
(٢) (وَ) المندوبُ (مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً) عندَ أكثرِ أصحابِنا، لدُخُولِه في حدِّ الأمرِ، وانقسامِ الأمرِ إلى: حقيقةٍ، ومجازٍ، وهو مُسْتَدْعًى ومطلوبٌ، قال اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٢)، وإطلاقُ الأمرِ عليه في الكتابِ والسُّنَّةِ، والأصلُ الحقيقةُ، ولأنَّه طاعةٌ لامتثالِ الأمرِ، (فَـ) على هذا (يَكُونُ لِلْفَوْرِ) قياسًا على الواجبِ.
قالَ في «شرحِ الأصلِ»: لكنْ لو لم يَفعَلْه على الفورِ، ماذا يَكُونُ؟ يَحتملُ: ما أَتَى به على وجهِه (٣).
(٣) (وَ) ذَهَبَ الأكثرُ أنَّ المندوبَ (لَا يَلْزَمُ بِشُرُوعٍ) فيه، بل هو مُخَيَّرٌ فيه بينَ إتمامِه وقطعِه، والأفضلُ إتمامُه بلا نزاعٍ؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَنوي صومَ التَّطوُّعِ ثمَّ يُفطِرُ. رواه مسلمٌ (٤) وغيرُه.
стр. 204
وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) يحملُ على التَّنزيهِ جمعًا بينَ الدَّليلينِ، هذا إنْ لم يُفسَّرْ بُطلانُها بالرِّدَّةِ، بدليلِ الآيةِ الَّتي قَبْلَها، أو أنَّ المُرادَ: فلا تُبْطِلوها بالرِّياءِ، ولا فرقَ بينَ الصَّلاةِ، والصَّومِ، والاعتكافِ، وغيرِها على المذهبِ، (غَيْرُ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ) فيَلْزَمُ إتمامُها لمن شَرَعَ فيهما لوَجهينِ:
أحدُهما: (لِوُجُوبِ مُضِيٍّ فِي فَاسِدِهِمَا) أي: فاسدِ التَّطوُّعِ مِنهما كواجبِه، فإتمامُ صحيحِ التَّطوُّعِ أَوْلَى؛ لأنَّ نَفْلَ الحجِّ كواجبِه في الكفَّارةِ، وتقريرُ المَهْرِ بالخَلوةِ معه، بخلافِ الصَّومِ.
(وَ) الثَّاني: (لِمُسَاوَاةِ (٢) نَفْلِهِمَا فَرْضَهُمَا، نِيَّةً وَكَفَّارَةً وَغَيْرَهُمَا) كانعقادِ الإحرامِ لازمًا في فَرضِهما ونَفلِهما، فوَجَبَ أنْ يَتَساوَيَا في الإتمامِ واللُّزومِ.
(فَرْعٌ)
(الزَّائِدُ عَلَى قَدْرٍ وَاجِبٍ فِي) قيامٍ، و (رُكُوعٍ) وسُجُودٍ، (وَنَحْوِهِ) كقعودٍ: (نَفْلٌ)؛ لجوازِ تَرْكِه مُطلقًا، وهذا شأنُ النَّفلِ.
واسْتَظهرَ القاضي مِن كلامِ أحمدَ الوجوبَ، وأَخَذَه مِن نَصِّه على أنَّ الإمامَ إذا أطالَ الرُّكوعَ، فأَدْرَكَه فيه مسبوقٌ: أَدرَكَ الرَّكعةَ، ولو لم يَكُنِ الكلُّ واجبًا لَمَا صَحَّ ذلك؛ لأنَّه يَكُونُ اقتداءَ مُفتَرضٍ بمُتَنَفِّلٍ.
وقالَ ابنُ عَقِيلٍ (٣): نصُّ أحمدَ لا يَدُلُّ عندي على هذا المذهبِ، بل يُعطي أحدَ أَمرَينِ: إمَّا جوازُ ائتمامِ مُفتَرضٍ بمُتَنَفِّلٍ، ويَحتمِلُ أن يَجْرِيَ
стр. 205
مَجْرَى الواجبِ في بابِ الاتِّباعِ خاصَّةً؛ إذِ الاتباعُ قد يُسْقِطُ الواجبَ، كما في المسبوقِ، ومُصَلِّي الجُمُعةِ مِنِ امرأةٍ وعبدٍ، ومسافرٍ، وقد يُوجِبُ ما لَيْسَ بواجبٍ، كالمسافرِ المُؤْتَمِّ بمُقيمٍ. وقياسُ الزِّيادةِ المُنْفَصِلَةِ -وهو فِعلُ المِثْلِ- على الزِّيادةِ المُتَّصِلةِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ إِمَامٍ) ولو بعدَ طُمأنينةٍ (١) منه: (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ)؛ لِما تَقَدَّمَ.
стр. 206
(فَصْلٌ)
(المَكْرُوهُ ضِدُّ المَنْدُوبِ) قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: المَكْرُوهُ لغةً ضدُّ المَحبُوبِ، أخذًا من الكراهةِ، وَقِيلَ: مِن الكريهةِ، وهي الشِّدَّةُ في الحربِ (١). انتهى.
وأصلُ الكراهةِ لُغَةً خلافُ الإرادةِ، فمَعنى كراهةِ الشَّرعِ لشيءٍ: إمَّا عدمُ إرادتِه، أو إرادةُ ضِدِّه، كما في قولِه تَعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ (٢).
(وَ) المَكروهُ شرعًا: (هُوَ مَا مُدِحَ تَارِكُهُ) فخَرَجَ بما مُدِحَ: المباحُ، فإنَّه لا مَدْحَ فيه وَلَا ذَمَّ، وبقولِه: «تاركُه»: الواجبُ والمندوبُ؛ فإنَّ فاعلَهما يُمدَحُ لا تارِكُهما.
وخرجَ بقولِه: (وَلَمْ يُذَمَّ فَاعِلُهُ): الحرامُ، فإنَّه يُذَمُّ فاعلُه، فإنَّه وإنْ شارَك المكروهَ في المدحِ بالتَّركِ، فإنَّه يُفارِقُه في ذمِّ فاعلِه.
(وَ) المكروهُ (لَا ثَوَابَ فِي فِعْلِهِ) إذا قُلْنا إنَّه لا يُثابُ على فعلِ عبادةٍ على وجهٍ مُحَرَّمٍ، وهو الأصحُّ، وأمَّا إذا قُلْنا: إنَّه يُثابُ عليها؛ فيُثابُ هنا قطعًا.
(وَهُوَ) أي: المكروهُ:
(١) (تَكْلِيفٌ،
(٢) وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ حَقِيقَةً) لا مجازًا على الصَّحيحِ، كما أنَّ المندوبَ مأمورٌ به على الصَّحيحِ؛ لأنَّه يُقابِلُه، فهو على وِزانِه.
стр. 207
(وَمُطْلَقُ الأَمْرِ لَا يَتَنَاوَلُهُ) أي: لا يَتناوَلُ المكروهَ؛ لأنَّ المكروهَ مَطلوبُ التَّركِ، والمأمورُ مطلوبُ الفِعلِ، فيَتنافيانِ.
ولا يَصِحُّ الاستدلالُ لصِحَّةِ طوافِ المُحْدِثِ بقولِه تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، ولا لعَدمِ التَّرتيبِ والمُوالاةِ بقولِه تَعالى في آيةِ الوُضوءِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٢).
(وَهُوَ) أي: المكروهُ (فِي عُرْفِ) أي: في اصطلاحِ (المُتَأَخِّرِينَ: لِلتَّنْزِيهِ) لا للتَّحريمِ، وإنْ كانَ عندَهم لا يَمتنِعُ أن يُطلَقَ على الحرامِ، لكنْ قد جَرَتْ عادتُهم وعُرفُهم أنَّهم إذا أَطلَقُوه أرادوا التَّنزيهَ، وهذا اصطلاحٌ لا مُشَاحَّةَ فيه.
(وَيُطْلَقُ) المكروهُ (عَلَى:
(١) الحَرَامِ) وهو كثيرٌ في كلامِ الإمامِ أحمدَ وغيرِه مِنَ المُتَقدِّمينَ، لكنْ لو وَرَدَ عنه الكراهةُ في شيءٍ مِن غيرِ أنْ يَدُلَّ دليلٌ مِن (٣) خارجٍ على التَّحريمِ، ولا على التَّنزيهِ، فللأصحابِ فيه وجهانِ:
أحدُهما: المرادُ: التَّحريمُ.
قال الخِرَقِيُّ: «ويُكْرَهُ أنْ يُتَوَضَّأَ في آنيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ» (٤). وهو مُحَرَّمٌ، لكنْ قالوا عن كلامِه: إِنَّمَا كانَ مُحَرَّمًا بدليلٍ، وهو قولُه: «وَالمُتَّخِذُ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ عَاصٍ وَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ» (٥). فهذه قرينةٌ تَدُلُّ على التَّحريمِ.
стр. 208
والوجهُ الثَّاني: المُرادُ التَّنزيهُ.
وفيه وجهٌ ثالثٌ: يَرجعُ إلى القرائنِ، وهو أظهرُ الأوجهِ.
وقد قَالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: أَكرَهُ النَّفخَ في الطَّعامِ، وإدمانَ اللَّحمِ، والخُبزَ الكبارَ (١). ومرادُه: كراهةُ التَّنزيهِ هنا.
(٢) (وَ) يُطلَقُ المكروهُ على (تَرْكِ الأَوْلَى،
وَ) تَرْكُ الأَوْلَى: (هُوَ تَرْكُ مَا فِعْلُهُ رَاجِحٌ) على تَرْكِهِ (أَوْ عَكْسُهُ) أي: فِعلُ ما تَركُه راجحٌ على فِعلِه، (وَلَوْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ) أي: عن تركِه، (كَتَرْكِ مَنْدُوبٍ) ومنه قولُ الخِرَقِيِّ: «ومَن صَلَّى بلا أذانٍ وَلَا إقامةٍ كَرِهْنا له ذلك وَلَا يُعيدُ» (٢). أي: الأَوْلَى أن يُصَلِّيَ بأذانٍ وإقامةٍ أو بأحدِهما، وإنْ أَخَلَّ بهما: تَرَكَ الأَوْلَى، فتَرْكُ الأَوْلَى مُشارِكٌ للمَكروهِ في حَدِّه، إلَّا أنَّه مَنهيٌّ عنه غيرُ مقصودٍ، والمكروهُ بنَهيٍ مقصودٌ، والمنعُ مِن المكروهِ أَقوى مِن المنعِ مِن خلافِ الأَوْلَى.
(وَيُقَالُ لِفَاعِلِهِ) أي: لفاعلِ المكروهِ: (مُخَالِفٌ، وَمُسِيءٌ، وَغَيْرُ مُمْتَثِلٍ) مع أنَّه لا يَأثَمُ فاعلُه على الأصحِّ.
قالَ الإمامُ أحمدُ فيمَن زادَ على التَّشهُّدِ: أساءَ.
وقالَ ابنُ عَقِيلٍ فيمَن أُمِرَ بحَجَّةٍ أو عمرةٍ في شهرٍ، ففَعَلَه في غيرِه: أساءَ لمُخالفتِه (٣).
стр. 209
(فَصْلٌ)
قالَ ابنُ قاضي الجَبلِ: (المُبَاحُ لُغَةً: المُعْلَنُ، وَالمَأْذُونُ) أخذًا مِنَ الإباحةِ وهي: الإظهارُ، والإعلانُ، ومنه باحَ بِسِرِّه (١). انتهى، ومنه: أَبَحْتُ له الشَّيءَ؛ أي: أَحْلَلْتُه له.
(وَ) المُباحُ (شَرْعًا): هو (مَا) أي: كلُّ فعلٍ مأذونٍ فيه مِنَ الشَّارع (٢) (خَلَا مِنْ مَدْحٍ وَذَمٍّ) يَعني لا ثوابَ له على فِعلِه، ولا عقابَ في تَركِه، أَخْرَجَ به الواجبَ، والمندوبَ، والحرامَ، والمكروهَ؛ لأنَّ كلًّا مِنَ الأربعةِ لا يَخلو مِن مدحٍ أو ذمٍّ، إمَّا في الفعلِ وإمَّا في التَّركِ.
وقولُه: (لِذَاتِهِ) ليَخرُجَ ما تَرَكَ به حرامًا، فإنَّه يُثابُ عليه مِن تلك الجِهَةِ، ويَخْرُجَ أيضًا ما تَرَكَ به واجبًا، فإنَّه يُذَمُّ مِن تلك الجهةِ.
تنبيهٌ: المُرادُ بالمَدحِ والذَّمِّ: أن يَرِدَ ما يَدُلُّ على ذلك بطريقٍ مِن الطُّرقِ، كمدحِ الفاعلِ، أو ذَمِّه، أو وَعدِه، أو وعيدِه، أو غيرِ ذلك.
(وَ) لَيْسَ المُباحُ جِنسًا للواجبِ في الأصحِّ، بل (هُوَ، وَوَاجِبٌ: نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ) أي: نوعانِ مُنْدَرِجانِ تحتَ جنسٍ، وهو فِعلُ المُكَلَّفِ الَّذِي تَعَلَّقَ به الحُكمُ الشَّرعيُّ، وتسميتُه بالحُكمِ مجازًا، ودليلُه أنَّه لو كانَ المُباحُ جِنسًا للواجبِ لَاسْتلْزَمَ النَّوعُ -أعني الواجبَ- التَّخييرَ بينَ فِعلِه وتَركِه، والثَّاني ظاهرُ الفسادِ، فالمُقَدَّمُ مِثْلُه.
(وَلَيْسَ) المُباحُ (مَأْمُورًا بِهِ) لأنَّ الأمْرَ يَستلزِمُ ترجيحَ الفعلِ، ولا ترجيحَ في المُباحِ، ولأنَّ في الشَّريعةِ مُباحًا غيرَ مأمورٍ به إجماعًا.
стр. 210
(وَلَا مِنْهُ) أي: وليسَ مِنَ المُباحِ (فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) قَالَ القاضي: هو كلُّ فعلٍ مأذونٍ فيه لفاعلِه، لا ثوابَ له على فِعلِه، ولا عقابَ في تَركِه (١).
قالَ الشَّيخُ: فيه احتِرازٌ مِن فعلِ الصِّبيانِ، والمجانينِ، والبهائمِ.
(وَيُسَمَّى) المُباحُ (طِلْقًا، وَحَلَالًا).
قالَ في «القاموس»: الطِّلْقُ: الحَلالُ (٢).
(وَيُطْلَقُ) مُباحٌ على: واجبٍ، ومندوبٍ، ومكروهٍ.
(وَ) يُطلَقُ (حَلَالٌ عَلَى غَيْرِ الحَرَامِ) فيَعُمُّ الأحكامَ الأربعةَ، وهي: الواجبُ، والمندوبُ، والمكروهُ، والمباحُ، فيُقالُ للواجبِ، والمندوبِ، والمكروهِ: مباحٌ، ويُقالُ لهذه الثَّلاثةِ وللمُباحِ: حلالٌ، لكنَّ إطلاقَ المُباحِ على ما اسْتَوَى طَرَفاه هو الأصلُ، قال اللهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ (٣).
(وَالإِبَاحَةُ): شرعيَّةٌ، وعقليَّةٌ،
(١) فـ (ـإِنْ أُرِيدَ بِهَا خِطَابُ) الشَّرعِ؛ أي: الخطابُ الواردُ مِنَ الشَّرعِ بانتفاءِ الحرجِ مِن الطَّرفينِ؛ (فَـ) هي (شَرْعِيَّةٌ،
(٢) وَإِلَّا) بأنْ أُريدَ بها عدمُ الحرجِ عن الفعلِ؛ فهي (عَقْلِيَّةٌ)؛ لأنَّ الفعلَ قبلَ الشَّرعِ مُتَحَقِّقٌ وَلَا حُكْمَ قَبْلَه.
(وَتُسَمَّى) الإباحةُ (شَرْعِيَّةً بِمَعْنَى:
- التَّقْرِيرِ،
стр. 211
- أَوْ) بمَعْنى (الإِذْنِ) وليسَتِ الإباحةُ بتكليفٍ، لكنْ قَالَ المجدُ في «المُسَوَّدَةُ»: والتَّحقيقُ في ذلك عِندي أنَّ المباحَ مِن أحكامِ التَّكْلِيفِ، بمَعنى أنَّه يَختَصُّ بالمُكَلَّفين؛ أي: إنَّ الإباحةَ والتخييرَ لا يَصِحُّ إلَّا لمَن يَصِحُّ إلزامُه الفعلَ أو التَّركَ، فأمَّا النَّاسي والنَّائمُ والمجنونُ، فلا إباحةَ في حَقِّهم، كما لا حَظْرَ ولا إيجابَ، فهذا مَعنى جَعْلِها مِن أحكامِ التَّكْلِيفِ، لا بمَعنى أنَّ المباحَ مُكَلَّفٌ به (١).
(وَالجَائِزُ لُغَةً: العَابِرُ) يُقالُ: جازَ المكانَ يَجُوزُه جَوزًا وجَوَازًا: سَارَ فيه، وأجازَه بالألِفِ: قَطَعَه، وأَجَازَه: أَنْفَذَه.
(وَ) الجائزُ (اصْطِلَاحًا): يَعني (يُطْلَقُ) الجائزُ في اصطلاحِ الفقهاءِ
(١) (عَلَى: مَا لَا يَمْتَنِعُ:
- شَرْعًا) مُباحًا كانَ، أو واجبًا، أو مَندوبًا، أو مَكْروهًا، (فَيَعُمُّ غَيْرَ الحَرَامِ) مِن الأحكامِ،
- (وَ) يُطلَقُ الجائزُ في اصطلاحِ المَنطقيِّينَ: على ما لا يَمتنِعُ (عَقْلًا) واجبًا كانَ، أو راجحًا، أو مُتساويَ الطَّرفَينِ، أو مَرجوحًا، وهو المُسَمَّى بالمُمكِنِ العَامِّ، (فَيَعُمُّ كُلَّ مُمْكِنٍ، و) المُمكِنُ: (هُوَ مَا جَازَ وُقُوعُهُ، حِسًّا أَوْ وَهْمًا، أَوْ شَرْعًا) إذا قُلْتَ: «هذا مُمكِنٌ» صَحَّ حَيْثُ أَمْكَنَ وقوعُه في الحسِّ، أو الوَهْمِ، أو في الشَّرعِ، فمتى أَمْكَنَ وُقوعُه في الوجودِ قِيلَ له: مُمكِنٌ.
(٢) (وَ) يُطلَقُ الجائزُ أيضًا (عَلَى: مَا اسْتَوَى فِيهِ الأَمْرَانِ:
- شَرْعًا؛ كَمُبَاحٍ،
- وَ) يُطلَقُ على ما اسْتَوى فيه الأمرانِ (عَقْلًا؛ كَفِعْلِ صَغِيرٍ).
стр. 212
(٣) (وَ) يُطلَقُ (عَلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ فِيهِمَا) أي: في الشَّرعِ والعَقلِ (بِالِاعْتِبَارَيْنِ) وهو استواءُ الطَّرَفَينِ وعدمُ الامتناعِ، يَعني أنَّه كما يُقالُ: المشكوكُ فيه في الشَّرعِ، أو العقلِ لِما يَستوي طَرَفاه في النَّفْسِ، يُقالُ لِما لا يَمتنِعُ في النَّفسِ؛ أي: لا يُجزَمُ بِعَدَمِه، كما يُقالُ في النَّقلياتِ، وإنْ غَلَبَتْ على الظَّنِّ بَعدُ: فيه شكٌّ؛ أي: احتمالٌ، ولا يُرادُ به تساوي الطَّرفَينِ، لذلك يُقالُ: هو جائزٌ، والمُرادُ أَحدُهما.
فائدةٌ: الأحكامُ الشَّرعيَّةُ الخمسةُ لها نظائرُ مِنَ الأحكامِ العَقليَّةِ، فنظيرُ الواجبِ الشَّرعيِّ: ضروريُّ الوجودِ، وهو الواجبُ عَقلًا، ونظيرُ المُحَرَّمِ: المُمتنعُ، ونظيرُ المَندوبِ: المُمكِنُ الأكثريُّ، ونظيرُ المكروهِ: المُمكِنُ الأَقَلِّيُّ، ونظيرُ المُباحِ: المُمكنُ المُتساوي الطَّرفَينِ.
(وَلَوْ نُسِخَ وُجُوبُ) فِعْلٍ: (بَقِيَ الجَوَازُ) في الجُملةِ، فيَبْقَى الفعلُ (مُشْتَرَكًا بَيْنَ نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ) لأنَّ الماهيَّةَ الحاصلةَ بعدَ النَّسخِ مُرَكَّبَةٌ مِن قَيدَينِ:
أحدُهما: زوالُ الحَرجِ عنِ الفِعلِ، وهو مُستفادٌ مِنَ الأمرِ.
والثَّاني: زَوالُ الحَرَجِ عنِ التَّركِ، وهو مستفادٌ مِنَ النَّسخِ، وهذه الماهيَّةُ صادقةٌ على المَندوبِ والمُباحِ، فلا يَتَعَيَّنُ أحدُهما بخصوصِه.
(وَلَوْ صُرِفَ نَهْيٌ عَنْ تَحْرِيمِ) شيءٍ: (بَقِيَتِ الكَرَاهَةُ) فيه (حَقِيقَةً) لا مجازًا؛ لأنَّ النَّهيَ لم يَنتقلْ عن جميعِ مُوجِبِه، وإنَّما انتقلَ عن بعضِ مُوجِبِه، كالعُمومِ الَّذِي خَرَجَ بعضُه بَقِيَ حقيقةً فيما بَقِيَ.
ولَمَّا فَرَغَ من أحكامِ خطابِ التَّكْلِيفِ، وَيُعَبَّرُ عنه أيضًا بخطابِ الشَّرعِ، وبخطابِ اللَّفظِ: شَرَعَ في الكلامِ على خِطابِ الوضعِ والإخبارِ، فقال:
стр. 213
(فَصْلٌ)
(خِطَابُ الوَضْعِ) أي: حَدُّه في اصطلاحِ الأُصُولِيِّينَ (خَبَرٌ) لا إنشاءٌ، بخلافِ خِطابِ الشَّرعِ، (اسْتُفِيدَ) ذلك الخبرُ بواسطةٍ (مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) وإنَّما قِيلَ ذلك لتَعَذُّرِ معرفةِ خِطابِه في كلِّ حالٍ، وفي كلِّ واقعةٍ بعدَ انقطاعِ الوحيِ؛ حذرًا مِن تعطيلِ أكثرِ الوقائعِ مِن (١) الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وسُمِّيَ هذا النَّوعُ خطابَ الوَضعِ والإخبارِ.
أمَّا مَعنى الوضعِ فهو أنَّ الشَّرعَ وَضَعَ؛ أي: شَرَعَ أُمورًا سُمِّيَتْ: أسبابًا، وشروطًا، وموانعَ، يُعرَفُ عندَ وُجودِها أحكامُ الشَّرعِ، مِن: إثباتٍ، أو نفيٍ، فالأحكامُ تُوجَدُ بوجودِ الأسبابِ والشُّروطِ، وتَنتفي بوجودِ الموانعِ (٢) وانتفاءِ الأسبابِ والشُّروطِ.
وأمَّا مَعنى الإخبارِ: فهو أنَّ الشَّرعَ -بوِضْعِ هذه الأمورِ- أَخبَرَنا بوجوبِ أحكامِه وانتفائِها عندَ وجودِ تلك الأمورِ أو انتفائِها، كأنَّه قَالَ مثلًا: إذا وُجِدَ النِّصابُ الَّذِي هو سببُ وجوبِ الزَّكاةِ، والحَوْلُ الَّذِي هو شَرطُه، فاعلَمُوا أنِّي قد أَوْجَبْتُ عليكم أداءَ الزَّكاةِ، وإنْ وُجِدَ الدَّينُ الَّذِي هو مانعٌ مِن وُجُوبِها، أو انتفى السَّوْمُ الَّذِي هو شَرطٌ لوُجُوبها في السَّائمةِ، فاعلموا أَنِّي لم أُوجِبْ عليكم الزَّكاةَ، وكذا الكلامُ في القِصاصِ والسَّرقةِ والزِّنا وغيرِها بالنَّظرِ إلى وجودِ أسبابِها وشروطِها وانتفاءِ موانِعِها، وعكسِه.
تنبيهٌ: الفرقُ بينَ خطابِ الوَضعِ، وخطابِ التَّكْلِيفِ، مِن حَيْثُ الحقيقةُ: أنَّ الحُكمَ في خطابِ الوضعِ هو قضاءُ الشَّرعِ على الوصفِ بكَوْنِه سببًا، أو
стр. 214
شرطًا، أو مانعًا، وخطابُ التَّكْلِيفِ، لِطلَبِ ما تَقَرَّرَ بالأسبابِ والشُّروطِ والموانعِ.
والفرقُ بينَهما من حَيْثُ الحُكمُ: أنَّ خطابَ الشَّرعِ يُشتَرطُ فيه عِلْمُ المُكَلَّفِ وقدرتُه على الفِعلِ، وكونُه مِن كَسْبِه، كالصَّلاةِ، والحَجِّ، والصَّومِ، ونَحوِها.
(وَ) أَمَّا خطابُ الوضعِ فـ (لَا يُشْتَرَطُ لَهُ) شيءٌ مِن ذلك؛ أي: لا (تَكْلِيفٌ، وَلَا كَسْبٌ، وَلَا عِلْمٌ، وَلَا قُدْرَةٌ) إلَّا ما اسْتَثْنى. أمَّا عدمُ اشتِراط العِلْمِ، فكالنَّائِمِ يُتْلِفُ شيئًا حالَ نَوْمِه، والرَّامي إلى صيدٍ في ظُلْمَةٍ، أو مِن وراءِ حائلٍ، فيَقتُلُ إنسانًا، فإنَّهما يَضْمَنانِ، وإنْ لم يَعْلَمَا.
وأمَّا عدمُ اشتِراطِ القُدرةِ والكَسبِ فكالدَّابَّةِ تُتلِفُ شيئًا، والصَّبيِّ أو البالغِ يَقتُلُ خَطَأً، فيَضمَنُ صاحبُ الدَّابَّةِ والعاقلةِ وإن لم يَكُنِ القتلُ والإتلافُ مَقدورًا ولا مُكتسبًا لهم.
وأمَّا المُستثنى مِن عَدَمِ اشتِراطِ العِلْمِ والقُدرةِ فقاعدتانِ، أشارَ إلى الأُولى بقولِه:
(١) (إِلَّا سَبَبَ عُقُوبَةٍ) كحَدِّ الزِّنا، فلا يَجِبُ على مَن وَطِئَ أجنبيَّةً يَظُنُّها زوجتَه لعدمِ العِلْمِ، ولا على مَن أُكْرِهَتْ على الزِّنا لعدمِ القُدرةِ على الامتناعِ؛ إذِ العُقوباتُ تَستدعي وُجودَ الجناياتِ الَّتي يُنتَهَكُ بها حُرمَةُ الشَّرعِ زجرًا عنها ورَدعًا. والانتهاكُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مع العِلْمِ والقُدرةِ والاختيارِ، والمُختارُ هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ تَرَكَ، والجاهِلُ والمُكرَهُ قد انتفى ذلك فيه، وهو شرطُ تَحَقُّقِ الانتهاكِ لانتفاءِ شَرطِه، فتَنتفي العقوبةُ لانتفاءِ سَبَبِها.
стр. 215
(٢) وأشارَ إلى الثَّانيةِ بقولِه: (أَوْ) إلَّا (نَقْلَ مِلْكٍ) كالبيعِ، والهبةِ، والوصيَّةِ، ونحوِها، فيُشتَرَطُ فيها العِلْمُ والقدرةُ، فلو تَلَفَّظَ بلفظٍ ناقلٍ للمِلْكِ وهو لا يَعلَمُ مُقتضاه لكونِه أعجميًّا بينَ العَربِ، أو عربيًّا بينَ العجمِ، أو أُكْرِهَ على ذلك لَم يَلْزَمْه مُقتضاه، والحِكمَةُ في استثناءِ هاتينِ القَاعِدتَينِ: التزامُ الشَّرعِ قانونَ العدلِ في الخَلْقِ والرِّفقِ بهم، وإعفائِهم عن تكليفِ المَشَاقِّ، أو التَّكْلِيفِ بما لا يُطاقُ، وهو حليمٌ.
(وَأَقْسَامُهُ) أي: أقسامُ خطابِ الوَضْعِ: (عِلَّةٌ) في قولِ المُوَفَّقِ (١) وغيرِه، (وَسَبَبٌ، وَشَرْطٌ، وَمَانِعٌ) وكذا صِحَّةٌ وفسادٌ على الصَّحيحِ. وقيل: وعزيمةٌ ورُخصةٌ.
(وَالعِلَّةُ أَصْلًا) أي: في أصلِ الوضعِ اللُّغويِّ أو الاصطلاحيِّ: مَرَضٌ، وهو (عَرَضٌ) والعَرَضُ في اللُّغةِ: الظَّاهِرُ بعدَ أنْ لم يَكُنْ.
وفي اصطلاحِ المُتَكَلِّمينَ: ما لا يَقُومُ بنَفْسِه، كالألوانِ، والطُّعومِ، والحَرَكَاتِ، والأصواتِ، وهو كذلك عندَ الأطبَّاءِ؛ لأنَّه عندَهم عبارةٌ عن حادثٍ ما إذا قَامَ بالبدنِ أَخرَجَه عنِ الاعتدالِ.
وقولُه: (مُوجِبٌ لِخُرُوجِ البَدَنِ) هو إيجابٌ حِسِّيٌّ كإيجابِ الكسرِ للانكسارِ، والتَّسويدِ للِاسْوِدادِ، فكذلك الأمراضُ البَدنيَّةُ، مُوجِبَةٌ لاضطِرابِ البدنِ إيجابًا مَحسوسًا.
وقولُه: (الحَيَوَانِيِّ عَنِ الِاعْتِدَالِ) احتِرازٌ عَنِ النَّباتِيِّ والجَماديِّ، فإنَّ الأعراضَ المُخرِجَةَ لها عن حالِ الاعتدالِ ما مِن شأنِه الاعتدالُ منها، لا يُسَمَّى في الاصطلاحِ عليلًا.