← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- أَوْ) بمَعْنى (الإِذْنِ) وليسَتِ الإباحةُ بتكليفٍ، لكنْ قَالَ المجدُ في «المُسَوَّدَةُ»: والتَّحقيقُ في ذلك عِندي أنَّ المباحَ مِن أحكامِ التَّكْلِيفِ، بمَعنى أنَّه يَختَصُّ بالمُكَلَّفين؛ أي: إنَّ الإباحةَ والتخييرَ لا يَصِحُّ إلَّا لمَن يَصِحُّ إلزامُه الفعلَ أو التَّركَ، فأمَّا النَّاسي والنَّائمُ والمجنونُ، فلا إباحةَ في حَقِّهم، كما لا حَظْرَ ولا إيجابَ، فهذا مَعنى جَعْلِها مِن أحكامِ التَّكْلِيفِ، لا بمَعنى أنَّ المباحَ مُكَلَّفٌ به (١). (وَالجَائِزُ لُغَةً: العَابِرُ) يُقالُ: جازَ المكانَ يَجُوزُه جَوزًا وجَوَازًا: سَارَ فيه، وأجازَه بالألِفِ: قَطَعَه، وأَجَازَه: أَنْفَذَه. (وَ) الجائزُ (اصْطِلَاحًا): يَعني (يُطْلَقُ) الجائزُ في اصطلاحِ الفقهاءِ (١) (عَلَى: مَا لَا يَمْتَنِعُ: - شَرْعًا) مُباحًا كانَ، أو واجبًا، أو مَندوبًا، أو مَكْروهًا، (فَيَعُمُّ غَيْرَ الحَرَامِ) مِن الأحكامِ، - (وَ) يُطلَقُ الجائزُ في اصطلاحِ المَنطقيِّينَ: على ما لا يَمتنِعُ (عَقْلًا) واجبًا كانَ، أو راجحًا، أو مُتساويَ الطَّرفَينِ، أو مَرجوحًا، وهو المُسَمَّى بالمُمكِنِ العَامِّ، (فَيَعُمُّ كُلَّ مُمْكِنٍ، و) المُمكِنُ: (هُوَ مَا جَازَ وُقُوعُهُ، حِسًّا أَوْ وَهْمًا، أَوْ شَرْعًا) إذا قُلْتَ: «هذا مُمكِنٌ» صَحَّ حَيْثُ أَمْكَنَ وقوعُه في الحسِّ، أو الوَهْمِ، أو في الشَّرعِ، فمتى أَمْكَنَ وُقوعُه في الوجودِ قِيلَ له: مُمكِنٌ. (٢) (وَ) يُطلَقُ الجائزُ أيضًا (عَلَى: مَا اسْتَوَى فِيهِ الأَمْرَانِ: - شَرْعًا؛ كَمُبَاحٍ، - وَ) يُطلَقُ على ما اسْتَوى فيه الأمرانِ (عَقْلًا؛ كَفِعْلِ صَغِيرٍ).

стр. 212

(٣) (وَ) يُطلَقُ (عَلَى مَشْكُوكٍ فِيهِ فِيهِمَا) أي: في الشَّرعِ والعَقلِ (بِالِاعْتِبَارَيْنِ) وهو استواءُ الطَّرَفَينِ وعدمُ الامتناعِ، يَعني أنَّه كما يُقالُ: المشكوكُ فيه في الشَّرعِ، أو العقلِ لِما يَستوي طَرَفاه في النَّفْسِ، يُقالُ لِما لا يَمتنِعُ في النَّفسِ؛ أي: لا يُجزَمُ بِعَدَمِه، كما يُقالُ في النَّقلياتِ، وإنْ غَلَبَتْ على الظَّنِّ بَعدُ: فيه شكٌّ؛ أي: احتمالٌ، ولا يُرادُ به تساوي الطَّرفَينِ، لذلك يُقالُ: هو جائزٌ، والمُرادُ أَحدُهما. فائدةٌ: الأحكامُ الشَّرعيَّةُ الخمسةُ لها نظائرُ مِنَ الأحكامِ العَقليَّةِ، فنظيرُ الواجبِ الشَّرعيِّ: ضروريُّ الوجودِ، وهو الواجبُ عَقلًا، ونظيرُ المُحَرَّمِ: المُمتنعُ، ونظيرُ المَندوبِ: المُمكِنُ الأكثريُّ، ونظيرُ المكروهِ: المُمكِنُ الأَقَلِّيُّ، ونظيرُ المُباحِ: المُمكنُ المُتساوي الطَّرفَينِ. (وَلَوْ نُسِخَ وُجُوبُ) فِعْلٍ: (بَقِيَ الجَوَازُ) في الجُملةِ، فيَبْقَى الفعلُ (مُشْتَرَكًا بَيْنَ نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ) لأنَّ الماهيَّةَ الحاصلةَ بعدَ النَّسخِ مُرَكَّبَةٌ مِن قَيدَينِ: أحدُهما: زوالُ الحَرجِ عنِ الفِعلِ، وهو مُستفادٌ مِنَ الأمرِ. والثَّاني: زَوالُ الحَرَجِ عنِ التَّركِ، وهو مستفادٌ مِنَ النَّسخِ، وهذه الماهيَّةُ صادقةٌ على المَندوبِ والمُباحِ، فلا يَتَعَيَّنُ أحدُهما بخصوصِه. (وَلَوْ صُرِفَ نَهْيٌ عَنْ تَحْرِيمِ) شيءٍ: (بَقِيَتِ الكَرَاهَةُ) فيه (حَقِيقَةً) لا مجازًا؛ لأنَّ النَّهيَ لم يَنتقلْ عن جميعِ مُوجِبِه، وإنَّما انتقلَ عن بعضِ مُوجِبِه، كالعُمومِ الَّذِي خَرَجَ بعضُه بَقِيَ حقيقةً فيما بَقِيَ. ولَمَّا فَرَغَ من أحكامِ خطابِ التَّكْلِيفِ، وَيُعَبَّرُ عنه أيضًا بخطابِ الشَّرعِ، وبخطابِ اللَّفظِ: شَرَعَ في الكلامِ على خِطابِ الوضعِ والإخبارِ، فقال:

стр. 213

(فَصْلٌ) (خِطَابُ الوَضْعِ) أي: حَدُّه في اصطلاحِ الأُصُولِيِّينَ (خَبَرٌ) لا إنشاءٌ، بخلافِ خِطابِ الشَّرعِ، (اسْتُفِيدَ) ذلك الخبرُ بواسطةٍ (مِنْ نَصْبِ الشَّارِعِ عَلَمًا مُعَرِّفًا لِحُكْمِهِ) وإنَّما قِيلَ ذلك لتَعَذُّرِ معرفةِ خِطابِه في كلِّ حالٍ، وفي كلِّ واقعةٍ بعدَ انقطاعِ الوحيِ؛ حذرًا مِن تعطيلِ أكثرِ الوقائعِ مِن (١) الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وسُمِّيَ هذا النَّوعُ خطابَ الوَضعِ والإخبارِ. أمَّا مَعنى الوضعِ فهو أنَّ الشَّرعَ وَضَعَ؛ أي: شَرَعَ أُمورًا سُمِّيَتْ: أسبابًا، وشروطًا، وموانعَ، يُعرَفُ عندَ وُجودِها أحكامُ الشَّرعِ، مِن: إثباتٍ، أو نفيٍ، فالأحكامُ تُوجَدُ بوجودِ الأسبابِ والشُّروطِ، وتَنتفي بوجودِ الموانعِ (٢) وانتفاءِ الأسبابِ والشُّروطِ. وأمَّا مَعنى الإخبارِ: فهو أنَّ الشَّرعَ -بوِضْعِ هذه الأمورِ- أَخبَرَنا بوجوبِ أحكامِه وانتفائِها عندَ وجودِ تلك الأمورِ أو انتفائِها، كأنَّه قَالَ مثلًا: إذا وُجِدَ النِّصابُ الَّذِي هو سببُ وجوبِ الزَّكاةِ، والحَوْلُ الَّذِي هو شَرطُه، فاعلَمُوا أنِّي قد أَوْجَبْتُ عليكم أداءَ الزَّكاةِ، وإنْ وُجِدَ الدَّينُ الَّذِي هو مانعٌ مِن وُجُوبِها، أو انتفى السَّوْمُ الَّذِي هو شَرطٌ لوُجُوبها في السَّائمةِ، فاعلموا أَنِّي لم أُوجِبْ عليكم الزَّكاةَ، وكذا الكلامُ في القِصاصِ والسَّرقةِ والزِّنا وغيرِها بالنَّظرِ إلى وجودِ أسبابِها وشروطِها وانتفاءِ موانِعِها، وعكسِه. تنبيهٌ: الفرقُ بينَ خطابِ الوَضعِ، وخطابِ التَّكْلِيفِ، مِن حَيْثُ الحقيقةُ: أنَّ الحُكمَ في خطابِ الوضعِ هو قضاءُ الشَّرعِ على الوصفِ بكَوْنِه سببًا، أو

стр. 214

شرطًا، أو مانعًا، وخطابُ التَّكْلِيفِ، لِطلَبِ ما تَقَرَّرَ بالأسبابِ والشُّروطِ والموانعِ. والفرقُ بينَهما من حَيْثُ الحُكمُ: أنَّ خطابَ الشَّرعِ يُشتَرطُ فيه عِلْمُ المُكَلَّفِ وقدرتُه على الفِعلِ، وكونُه مِن كَسْبِه، كالصَّلاةِ، والحَجِّ، والصَّومِ، ونَحوِها. (وَ) أَمَّا خطابُ الوضعِ فـ (لَا يُشْتَرَطُ لَهُ) شيءٌ مِن ذلك؛ أي: لا (تَكْلِيفٌ، وَلَا كَسْبٌ، وَلَا عِلْمٌ، وَلَا قُدْرَةٌ) إلَّا ما اسْتَثْنى. أمَّا عدمُ اشتِراط العِلْمِ، فكالنَّائِمِ يُتْلِفُ شيئًا حالَ نَوْمِه، والرَّامي إلى صيدٍ في ظُلْمَةٍ، أو مِن وراءِ حائلٍ، فيَقتُلُ إنسانًا، فإنَّهما يَضْمَنانِ، وإنْ لم يَعْلَمَا. وأمَّا عدمُ اشتِراطِ القُدرةِ والكَسبِ فكالدَّابَّةِ تُتلِفُ شيئًا، والصَّبيِّ أو البالغِ يَقتُلُ خَطَأً، فيَضمَنُ صاحبُ الدَّابَّةِ والعاقلةِ وإن لم يَكُنِ القتلُ والإتلافُ مَقدورًا ولا مُكتسبًا لهم. وأمَّا المُستثنى مِن عَدَمِ اشتِراطِ العِلْمِ والقُدرةِ فقاعدتانِ، أشارَ إلى الأُولى بقولِه: (١) (إِلَّا سَبَبَ عُقُوبَةٍ) كحَدِّ الزِّنا، فلا يَجِبُ على مَن وَطِئَ أجنبيَّةً يَظُنُّها زوجتَه لعدمِ العِلْمِ، ولا على مَن أُكْرِهَتْ على الزِّنا لعدمِ القُدرةِ على الامتناعِ؛ إذِ العُقوباتُ تَستدعي وُجودَ الجناياتِ الَّتي يُنتَهَكُ بها حُرمَةُ الشَّرعِ زجرًا عنها ورَدعًا. والانتهاكُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مع العِلْمِ والقُدرةِ والاختيارِ، والمُختارُ هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ تَرَكَ، والجاهِلُ والمُكرَهُ قد انتفى ذلك فيه، وهو شرطُ تَحَقُّقِ الانتهاكِ لانتفاءِ شَرطِه، فتَنتفي العقوبةُ لانتفاءِ سَبَبِها.

стр. 215

(٢) وأشارَ إلى الثَّانيةِ بقولِه: (أَوْ) إلَّا (نَقْلَ مِلْكٍ) كالبيعِ، والهبةِ، والوصيَّةِ، ونحوِها، فيُشتَرَطُ فيها العِلْمُ والقدرةُ، فلو تَلَفَّظَ بلفظٍ ناقلٍ للمِلْكِ وهو لا يَعلَمُ مُقتضاه لكونِه أعجميًّا بينَ العَربِ، أو عربيًّا بينَ العجمِ، أو أُكْرِهَ على ذلك لَم يَلْزَمْه مُقتضاه، والحِكمَةُ في استثناءِ هاتينِ القَاعِدتَينِ: التزامُ الشَّرعِ قانونَ العدلِ في الخَلْقِ والرِّفقِ بهم، وإعفائِهم عن تكليفِ المَشَاقِّ، أو التَّكْلِيفِ بما لا يُطاقُ، وهو حليمٌ. (وَأَقْسَامُهُ) أي: أقسامُ خطابِ الوَضْعِ: (عِلَّةٌ) في قولِ المُوَفَّقِ (١) وغيرِه، (وَسَبَبٌ، وَشَرْطٌ، وَمَانِعٌ) وكذا صِحَّةٌ وفسادٌ على الصَّحيحِ. وقيل: وعزيمةٌ ورُخصةٌ. (وَالعِلَّةُ أَصْلًا) أي: في أصلِ الوضعِ اللُّغويِّ أو الاصطلاحيِّ: مَرَضٌ، وهو (عَرَضٌ) والعَرَضُ في اللُّغةِ: الظَّاهِرُ بعدَ أنْ لم يَكُنْ. وفي اصطلاحِ المُتَكَلِّمينَ: ما لا يَقُومُ بنَفْسِه، كالألوانِ، والطُّعومِ، والحَرَكَاتِ، والأصواتِ، وهو كذلك عندَ الأطبَّاءِ؛ لأنَّه عندَهم عبارةٌ عن حادثٍ ما إذا قَامَ بالبدنِ أَخرَجَه عنِ الاعتدالِ. وقولُه: (مُوجِبٌ لِخُرُوجِ البَدَنِ) هو إيجابٌ حِسِّيٌّ كإيجابِ الكسرِ للانكسارِ، والتَّسويدِ للِاسْوِدادِ، فكذلك الأمراضُ البَدنيَّةُ، مُوجِبَةٌ لاضطِرابِ البدنِ إيجابًا مَحسوسًا. وقولُه: (الحَيَوَانِيِّ عَنِ الِاعْتِدَالِ) احتِرازٌ عَنِ النَّباتِيِّ والجَماديِّ، فإنَّ الأعراضَ المُخرِجَةَ لها عن حالِ الاعتدالِ ما مِن شأنِه الاعتدالُ منها، لا يُسَمَّى في الاصطلاحِ عليلًا.

стр. 216

وقولُه: (الطَّبيعيُّ) هو إشارةٌ إلى حقيقةِ المزاجِ، وهو الحالُ المُتوَسِّطَةُ الحاصلةُ عن تفاعُلِ كيفيَّاتِ العناصرِ (١) بعضِها في بعضٍ، فتلك الحالُ هي الاعتدالُ الطَّبيعيُّ، فإذا انْحَرَفَتْ عنِ التَّوسُّطِ لغَلبةِ (٢) المرارةِ أو غيرِها، كانَ ذلك هو انحرافَ المزاجِ وهو العِلَّةُ، والمرضُ، والسُّقْمُ. (ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ) العِلَّةُ (عَقْلًا) أي: مِنَ الوضعِ اللُّغويِّ، فجُعِلَتْ في التَّصرُّفاتِ العقليَّةِ (لِمَا أَوْجَبَ حُكْمًا عَقْلِيًّا لِذَاتِهِ، كَكَسْرٍ لِانْكِسَارٍ) أي: لكونِه كَسرًا لا لأمرٍ خارجٍ مِن وضعيٍّ، أو اصطلاحيٍّ، وهكذا العِلَلُ العقليَّةُ هي مُؤثِّرةٌ لذواتِها بهذا المعنى، كالتَّحرُّكِ المُوجِبِ للحَرَكَةِ، والتَّسكينِ المُوجِبِ للسُّكونِ. (ثُمَّ) اسْتُعِيرَتِ العلَّةُ (شَرْعًا) أي: مِن التَّصرُّفِ العَقليِّ إلى التَّصرُّفِ الشَّرعيِّ، فجُعِلَتْ فيه لثلاثةِ معانٍ: أحدُها: استعارتُها (لِمَا أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا مَحَالَةَ) أي: ما وُجِدَ عندَه الحُكمُ قطعًا، (وَ) المُوجِبُ لا مَحالَةَ: (هُوَ) المجموعُ (المُرَكَّبُ مِنْ: مُقْتَضِيهِ) أي: مُقتضي الحُكْمِ، (وَشَرْطِهِ، وَمَحَلِّهِ، وَأَهْلِهِ). مِثالُه: وجوبُ الصَّلاةِ حُكمٌ شرعيٌّ، ومُقتَضِيه: أمرُ الشَّارعِ بالصَّلاةِ، وشرطُه: أَهلِيَّةُ المُصَلِّي لتَوَجُّهِ الخطابِ إليه، بأنْ يَكُونَ: عاقلًا، بالغًا، ومَحَلُّه: الصَّلاةُ، وأَهلُه: المُصَلِّي. وكذلك حُصُولُ المِلْكِ في البيعِ والنِّكاحِ، حُكْمٌ شرعيٌّ، ومُقتَضِيه: حُكْمُ الحاجةِ إليهما، والإيجابُ والقَبولُ فيهما، وشَرطُه: ما ذُكِرَ مِن شُروطِ

стр. 217

صِحَّةِ البيعِ والنِّكاحِ في كُتُبِ الفقهِ، ومَحَلُّه: هو العينُ المَبيعةُ، والمَرأَةُ المَعقودُ عليها، وأهلُه: كَوْنُ العاقدِ صحيحَ العِبادةِ والتَّصرُّفِ، وافرضْ ذلك في غيرِه، وهذا تَشبيهًا بالعِلَّةِ العقليَّةِ؛ لأنَّ المُتَكَلِّمينَ وغيرَهم قالُوا: كلُّ حادثٍ لا بدَّ له مِن عِلَّةٍ، لكنَّ العِلَّةَ: إمَّا ماديَّةٌ كالفِضَّةِ للخَاتَمِ، أو صُوريَّةٌ كاستدارتِه، أو فاعليَّةٌ كالصَّانِعِ له، أو غائيَّةٌ: كالتَّحَلِّي به. فهذه أجزاءُ العلَّةِ العَقليَّةِ، ومَجمُوعُها المُرَكَّبُ مِن أجزائِها هو العِلَّةُ التَّامَّةُ، فلذلك استعملَ الفقهاءُ لفظَ (١) العِلَّةِ بإزاءِ المُوجِبِ للحُكْمِ الشَّرعيِّ. (و) المَعنى الثَّاني: استعارةُ العلَّةِ (لِمُقْتَضِيهِ) أي: مُقتضِي الحُكْمِ الشَّرعيِّ وهو المعنى الطَّالبُ له. مثالُه: اليمينُ هي المُقتضِيَةُ لوجوبِ الكفَّارةِ، فتُسَمَّى عِلَّةً للحُكْمِ، وإنْ كانَ وجوبُ الكفَّارةِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بوجودِ أَمرَينِ: الحلِفُ الَّذِي هو اليمينُ، والحِنثُ فيها، لكنَّ الحِنْثَ شرطٌ في الوُجُوبِ، والحَلِفُ هو السَّببُ المُقتضي له، فقالوا: إنَّه عِلَّةٌ، فإذا حَلَفَ الإنسانُ على فِعلِ شيءٍ أو تَرْكِه قيلَ: قد وُجِدَتْ منه عِلَّةُ وجوبِ الكفَّارةِ، وإنْ كانَ الوُجوبُ لا يُوجَدُ حَتَّى يَحنَثَ، وإنَّما هو بمُجرَّدِ الحنثِ انعقدَ سَبَبُه، وكذلك الكلامُ في مُجَرَّدِ مِلكِ النِّصابِ ونَحوِه، ولهذا لمَّا انْعَقَدَتْ أسبابُ الوجوبِ بمُجَرَّدِ هذه المُقتضِياتِ: جازَ فِعلُ الواجبِ بعدَ وُجودِها، [وقبلَ وُجودِ] (٢) شَرْطُها عندَنا، كالتَّكفيرِ قبلَ الحنثِ، وإخراجِ الزَّكاةِ قبلَ الحَوْلِ، (وَإِنْ تَخَلَّفَ)

стр. 218

الحُكْمُ عنْ مُقتضيه (لِـ) وجودِ (مَانِعٍ) مِن الحُكمِ، كالقتلِ العمْدِ العدوانِ، يُسَمَّى عِلَّةً لوُجُوبِ القصاصِ، وإنْ تَخَلَّفَ وُجوبُه لمانعٍ، مِثلُ: أن يَكُونَ القاتلُ أبًا، فإنَّ الإيلادَ مانعٌ مِن وُجُوبِ القصاصِ، (أَوْ) تَخَلَّفَ الحُكْمُ لـ (فَوَاتِ شَرْطِهِ (١) كأنْ يَكُونَ المقتولُ عَبدًا، أو كافرًا، والقاتلُ حُرًّا، أو مُسلمًا، لفواتِ المُكافأةِ، وهي شرطٌ له. (وَ) المَعنى الثَّالثُ: استعارةُ العِلَّةِ (لِلْحِكْمَةِ) أي: حِكْمَةِ الحُكْمِ، (وَ) الحِكْمَةُ: (هِيَ المَعْنَى المُنَاسِبُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الحُكْمُ، كَمَشَقَّةِ سَفَرٍ لِقَصْرٍ وَفِطْرٍ) وبيانُ المُناسبةِ: أنَّ حُصولَ المَشَقَّةِ على المُسَافِرِ مَعنًى مُناسبٌ لتخفيفِ الصَّلاةِ عنه بقَصْرِها، والتَّخفيفُ عنه بالفطرِ، (وَكَـ) ـوُجودِ (دَيْنٍ) على مالكِ النِّصابِ، (وَ) وجودِ (أُبُوَّةٍ) لقاتلٍ عَمْدًا، وبيانُ المُناسبةِ: أنَّ انْقِهارَ مالكِ النِّصابِ بالدَّيْنِ الَّذِي عليه مَعنًى مناسبٌ (لِمَنْعِ وُجُوبِ زَكَاةٍ) عنه، (وَ) كَوْنُ الأبِ سببًا لوجودِ الابنِ مَعنًى مناسبٌ لسُقوطِ (قَصَاصٍ) عنه؛ لأنَّه لمَّا كانَ سببًا لإيجادِه لم تَقتضِ الحِكْمَةُ أنْ يَكُونَ الولدُ سببًا لإعدامِه وهلاكِه لمحضِ (٢) حَقِّه، واحتُرِزَ بقيدِ القصاصِ عنْ وُجُوبِ رجْمِه إذا زَنى بابنتِه، فهي إذًا سببُ إعدامِه مَعَ كونِه سببَ إيجادِها، لكنَّ ذلك لمحضِ حقِّ اللهِ تَعالى، حَتَّى لو قَتَلَها لم يَجِبْ قَتلُه بها؛ لأنَّ الحُكْمَ لها. (وَالسَّبَبُ لُغَةً: مَا) يَعني يُطلَقُ السَّببُ في اللُّغةِ على كلِّ شيءٍ (تُوُصِّلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ) كالطَّريقِ ونَحوِها. قالَ في «المصباح»: السَّببُ: الحَبْلُ، وهو ما يُتَوَصَّلُ به إلى الاستعلاءِ،

стр. 219

ثمَّ استُعِيرَ لكلِّ شيءٍ يُتَوَصَّلُ به إلى أمْرٍ مِنَ الأمورِ، فقيلَ: هذا سببٌ، وهذا مُسَبَّبٌ عن هذا (١). (وَ) السَّببُ (شَرْعًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الوُجُودُ) وهذا احتِرازٌ مِن الشَّرطِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن وجودِه الوجودُ. وقولُه: (وَ) يَلْزَمُ (مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ) احتِرازٌ مِنَ المانعِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن عدمِه وجودٌ وَلَا عدمٌ. وقولُه: (لِذَاتِهِ): احتِرازٌ مِمَّا لو قارَنَ السَّببَ فقدانُ الشَّرطِ، أو وجودُ المانعِ، كالنِّصابِ قبلَ تمامِ الحَولِ، أو مع وجودِ الدَّينِ، فإنَّه لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِهِ الوجودُ، لكنْ لا لذاتِه بل لأمرٍ خارجٍ منه وهو انتفاءُ الشَّرطِ ووجودُ المانعِ، فالتَّقييدُ بكَوْنِ ذلك لذاتِه للاستظهارِ على ما لو تَخَلَّفَ وجودُ المُسبَّبِ مع وُجدانِ السَّببِ لفقدِ شرطٍ، أو مانعٍ، كالنِّصابِ قبلَ الحَوْلِ كما تَقَدَّمَ، وعلى ما لو وُجِدَ المُسبَّبُ مع فُقدانِ السَّبَبِ، لكنْ لوجودِ سببٍ آخَرَ، كالرِّدَّةِ المُقتضيَةِ للقتلِ إذا فُقِدَتْ ووُجِدَ قتلٌ يُوجِبُ القصاصَ، فتَخَلَّفَ هذا التَّرتيبُ عنِ السَّببِ (٢) لا لذاتِه، بل لمعنًى خارجٍ كما تَقَدَّمَ. إذا عَلِمْتَ ذلك، فالسَّببُ: هو الَّذِي يُضافُ إليه الحُكْمُ، (فَيُوجَدُ الحُكْمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ) كقولِه تَعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ﴾ (٣) إذ للهِ تَعالى في الزَّاني حُكمانِ: أحدُهما: وجوبُ الرَّجمِ.

стр. 220

والثَّاني: كونُ الزِّنا سببًا. ولا شَكَّ أنَّ الأسبابَ مُعَرَّفاتٌ؛ إذِ المُمكِناتُ مُسنَدةٌ (١) إلى اللهِ تَعالى ابتداءً عندَ أهلِ الحقِّ، وبينَ المُعَرِّفِ الَّذِي هو السَّببُ، والحُكمِ الَّذِي نِيطَ به ارتباطٌ ظاهرٌ، فالإضافةُ إليه واضحةٌ. (وَيُرَادُ بِهِ) يَعني أنَّ السَّبَبَ استُعيرَ لمعانٍ: أحدُها: (مَا يُقَابِلُ المُبَاشَرَةَ، كَحَفْرِ بِئْرٍ مَعَ تَرْدِيَةٍ) فيها، فإذا حَفَرَ شخصٌ بئرًا ودَفَعَ آخَرُ إنسانًا فتَرَدَّى فيها فهَلَكَ، (فَأَوَّلُ) وهو الحافرُ (سَبَبٌ) أي: مُتَسَبِّبٌ إلى هلاكِه (٢) (وَثَانٍ) وهو الدَّافعُ مُباشِرٌ فهو (عِلَّةٌ) فأَطْلَقَ الفقهاءُ السَّبَبَ على ما يُقابِلُ المباشرةَ، [فقالوا: إذا اجتمعَ المُتَسَبِّبُ والمُباشرُ غَلَبَتِ المُباشرةُ ووَجَبَ] (٣) ووَجَبَ الضَّمَانُ على المُباشِر وانقطعَ حُكمُ التَّسَبُّبِ. (وَ) المعنى الثَّاني: (عِلَّةُ العِلَّةِ، كَرَمْيٍ هُوَ سَبَبٌ لِقَتْلٍ، و) هي (عِلَّةٌ لِلْإِصَابَةِ الَّتي هِيَ عِلَّةُ الزُّهُوقِ) أي: زهوقِ النَّفسِ الَّذِي هو القتلُ، فالرَّميُ هو عِلَّةُ عِلَّةِ القتلِ، وقد سَمَّوْه سببًا له. (وَ) المعنى الثَّالثُ: (العِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ بِدُونِ شَرْطِهَا، كَنِصَابٍ بِدُونِ) حَوَلَانِ (حَوْلٍ) سُمِّي سببًا لوجوبِ الزَّكاةِ كما تَقَدَّمَ في تسميةِ السَّببِ عِلَّةً، فاسْتُعِيرَتِ العلَّةُ وسُمِّيَتْ سببًا. (وَ) المعنى الرَّابعُ: العِلَّةُ الشَّرعيَّةُ (كَامِلَةً) كَالكَسْرِ للانكسارِ، والعِلَّةُ

стр. 221

الشَّرعيَّةُ الكاملةُ: هي المجموعُ المُرَكَّبُ مِن مُقتَضى الحُكمِ، وشرطِه، وانتفاءِ المانعِ، ووجودِ الأهلِ، والمَحَلِّ، سُمِّيَ ذلك سببًا (١) استعارةً؛ لأنَّه لم يَتَخَلَّفْ عنه في حالٍ مِن الأحوالِ، وسُمِّيَتْ هي سببًا؛ لأنَّ عِلِّيَّتَها ليسَتْ لذاتِها، بل بنصبِ الشَّارعِ لها أمارةً على الحُكْمِ به، بدليلِ وُجُودِها دونَه، كالإسكارِ قَبْلَ التَّحريمِ، ولو كانَ الإسكارُ عِلَّةً للتَّحريمِ لذاتِه لم يَتَخَلَّفْ عنه في حالٍ، كالكسرِ للانكسارِ في العَقليَّةِ، والحالُ أنَّ التَّحريمَ ووُجوبَ الحدِّ مَوجودانِ بدونِ ما لا يُسْكِرُ، فأَشْبَهَتْ لذلك السَّبَبَ، وهو ما يَحْصُلُ الحُكمُ عندَه لا به، فهو مُعرِّفٌ للحُكْمِ لا مُوجِبٌ له، وإلَّا لوَجَبَ قبْلَ الشَّرعِ. (وَهُوَ) أي: السَّبَبُ قِسمانِ: (١) (وَقْتِيٌّ): وهو ما لا يَسْتَلْزِمُ في تعريفِه للحُكْمِ حِكمةً باعِثَةً، (كَزَوَالِ) الشَّمْسِ (لـ) معرفةِ وقتِ وجوبِ (ظُهْرٍ)، وَلَا يَكُونُ مُستلْزِمًا لحِكمةٍ باعثةٍ. (وَ) الثَّاني: (مَعْنَوِيٌّ): وهو ما (يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً بَاعِثَةً) في تعريفِه للحُكْمِ الشَّرعيِّ، (كَإِسْكَارٍ) فإنَّه أمرٌ معنويٌّ جُعِلَ عِلَّةً (لِتَحْرِيمِ) كُلِّ مُسْكِرٍ، وكالعُقوباتِ، فإنَّها جُعِلَتْ لوُجُوبِ القصاصِ أو الدِّيَةِ. (وَ الشَّرْطُ لُغَةً: العَلَامَةُ) لأنَّها علامةٌ على المَشْرُوطِ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٢) أي: عَلاماتُها، قال في «المُطْلِعُ»: الشَّرْطُ بسُكُونِ الرَّاءِ: يُجمَعُ على شُرُوطٍ وعلى شَرَائِطَ، والأشراطُ: واحدُها شَرَطٌ بِفتحِ الرَّاءِ والشِّينِ (٣). انتهى.

стр. 222

فائدةٌ: للشَّرطِ ثلاثُ إطلاقاتٍ: الأوَّلُ: ما يُذْكَرُ في الأُصولِ هنا مُقابلًا للسَّبَبِ والمانعِ، وفي نحوِ قولِ المُتَكَلِّمينَ: شرطُ العِلْمِ الحياةُ، وقولِ الفقهاءِ: شرطُ الصَّلاةِ الطَّهارةُ، ونحوِ ذلك. الثَّاني: الشَّرطُ اللُّغويُّ، والمرادُ صِيَغُ التَّعليقِ بـ «إنْ» ونَحوِها مِن أدواتِ الشَّرطِ، وهو ما يُذكَرُ في أصولِ الفقهِ في المُخَصِّصاتِ للعُمومِ، نحوُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (١)، ومنه قولُهم في الفقهِ: الطَّلاقُ والعتقُ المُعلَّقُ بشرطٍ ونَحوُهما، نحوُ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ أو حُرَّةٌ، فإنَّ دُخولَ الدَّارِ لَيْسَ شرطًا لوقوعِ الطَّلاقِ شرعًا ولا عقلًا، بل مِن الشُّروطِ الَّتي وَضَعَها أهلُ اللُّغةِ. الثَّالث: جَعلُ شيءٍ قيدًا في شيءٍ، كشراءِ الدَّابَّةِ بشرطِ كَونِها حاملًا، وهذا يَحتملُ أنْ يُعادَ إلى الأَوَّلِ بسببِ مُواضَعَةِ المُتعاقدَينِ، كأنَّهما قالا: جَعَلْناه مُعتَبَرًا في عَقدِنا يُعدَمُ بعَدَمِه، وإنْ أَلْغاه الشَّرعُ: لُغِيَ العقدُ، وإنِ اعتَبَرَه لا يُلغى العقدُ، بل يَثْبُتُ الخيارُ إنْ أُخلِفَ كما فُصِّلَ ذلك في الفقهِ، ويُحتَمَلُ أنْ يُعادَ إلى الثَّاني، كأنَّهما قالا: إنْ كانَ كذا فالعقدُ صحيحٌ، وإلَّا فلا. إذا عَلِمْتَ ذلك فالمقصودُ هنا هو القِسْمُ الأوَّلُ، وهو المُرادُ بقولِه: (وَشَرْعًا: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ) وهذا احتِرازٌ مِنَ المانِعِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِه وجودٌ ولا عَدَمٌ. وقولُه: (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ): احتِرازٌ مِنَ السَّببِ، وتَقَدَّمَ حَدُّه، ومِن المانعِ أيضًا؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن وُجودِه العدمُ.

стр. 223

وقولُه: (لِذَاتِهِ) احتِرازٌ مِن مُقارَنةِ الشَّرطِ وجودَ السَّببِ، فيَلْزَمُ الوجودُ، أو قيامَ المانعِ، فيَلْزَمُ العَدَمُ، لكنْ لا لذاتِه، وهو كونُه شرطًا، بل لأمْرٍ خارجٍ وهو مقارنةُ السَّببِ أو قيامُ المانعِ. إذا عَرَفْت ذلك، فالشَّرطُ المذكورُ على ضَربَينِ: (١) (فَإِنْ أَخَلَّ عَدَمُهُ) يَعني إنْ كانَ عدمُ الشَّرطِ مُخِلًّا (بِحِكْمَةِ السَّبَبِ: فَـ) هو (شَرْطُ السَّبَبِ)، وذلك (كَقُدْرَةٍ عَلَى تَسْلِيمِ مَبِيعٍ) فإنَّها شرطُ البيعِ الَّذِي هو سببُ ثُبُوتِ المِلْكِ المُشتمِلِ على المَصلحةِ، وهي حاجةُ الانتفاعِ بالمَبيعِ، وهي مُتوَقِّفةٌ على التَّسليمِ، فكانَ عَدَمُه مُخِلًّا بحكمةِ المصلحةِ الَّتي شُرِعَ لها البيعُ. (وَ) الثَّاني: (إِنِ اسْتَلْزَمَ عَدَمُهُ حِكْمَةً تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ) يَعني إنِ اشتملَ عَدَمُ الشَّرطِ على حُكمٍ يَقتضي نقيضَ حِكمةِ السَّببِ مَعَ بقاءِ حِكمةِ السَّببِ؛ (فَـ) ذلك (شَرْطُ الْحُكْمِ) وذلك كالطَّهارةِ في بابِ الصَّلاةِ، فإنَّ عَدَمَ الطَّهارةِ حالَ القُدرةِ عليها مع الإتيانِ بالصَّلاةِ، يَقتضي نقيضَ حِكمةِ الصَّلاةِ، وهو العقابُ، فإنَّه نقيضُ وصولِ الثَّوابِ. (وَهُوَ) أي: مُطلَقُ الشَّرطِ تَقَدَّمَ في الفائدةِ أنَّ له إطلاقاتٍ: (١) منها (عَقْلِيٌّ) وهو للمُتَكَلِّمينَ: (كَحَيَاةٍ لِعِلْمٍ)؛ لأنَّ مِن شرطِ العِلْمِ الحياةَ، فإذا انْتَفَتِ الحياةُ انْتَفَى العِلْمُ، ولا يَلْزَمُ مِن وُجودِ الحياةِ وُجودُ العِلْمِ. (٢) (وَ) مِنها (شَرْعِيٌّ: كَطَهَارَةٍ لِصَلَاةٍ). (٣) (وَ) مِنها (لُغَوِيٌّ: كَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ قُمْتِ، وَهَذَا) الشَّرطُ اللُّغويُّ، (كَالسَّبَبِ) أي: يَرجِعُ إلى كَوْنِه سَببًا يُوضَعُ للمُعَلَّقِ حَتَّى يَلْزَمَ مِن وُجودِه

стр. 224

الوجودُ ومِن عَدَمِه العدمُ لذاتِه، وَوَهِمَ مَن فَسَّرَه بتفسيرِ الشَّرطِ المُقابِلِ للسَّببِ والمانعِ، فإنَّ وجودَ القيامِ لَيْسَ شرطًا لوقوعِ الطَّلاقِ شرعًا ولا عقلًا، بل مِن الشُّروطِ الَّتي وَضَعَها أهلُ اللُّغةِ كما تَقَدَّمَ. (٤) وزادوا رابعًا (وَ) هو: (عَادِيٌّ، كَغِذَاءِ الحَيَوَانِ) إذِ الغالبُ فيه أنَّه يَلْزَمُ مِنِ انتفاءِ الغِذاءِ انتفاءُ الحياةِ، ومِن وجودِه وجودُها؛ إذْ لا يَتَغَذَّى إلَّا حيٌّ، وكالسُّلَّمِ للصُّعودِ، فعلى هذا يكُونُ الشَّرطُ العاديُّ كالشَّرطِ اللُّغويِّ في أنَّه مُطَّرِدٌ مُنعَكِسٌ، ويَكُونان مِن قَبيلِ الأسبابِ، لا مِن قبيلِ الشُّروطِ. (وَ) أَمَّا (مَا جُعِلَ قَيْدًا فِي شَيْءٍ لِمَعْنًى) في ذلك الشَّيءِ، (كَشَرْطِ) كَوْنِ الدَّابَّةِ حاملًا (فِي عَقْدِ) بيعٍ، (فَـ) هو (كَـ) شرطٍ (شَرْعِيٍّ) لا لُغَوِيٍّ في الأصحِّ، وتَقَدَّمَ الكلامُ عليه في الفائدةِ. (وَ) الشَّرطُ (اللُّغَوِيُّ أَغْلَبُ اسْتِعْمَالِهِ فِي) أُمورٍ: - (سَبَبِيَّةٍ عَقْلِيَّةٍ) نحوُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمسُ فالعالَمُ مُضِيءٌ، فإنَّ طُلُوعَ الشَّمسِ سببٌ لضَوءِ العالَمِ عقلًا، - (وَ) في سببيَّةٍ (شَرْعِيَّةٍ) كقولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١) فإنَّ الجَنَابَةَ سببٌ لوُجُوبِ التَّطهيرِ شَرعًا. (وَاسْتُعْمِلَ) الشَّرطُ اللُّغوِيُّ (لُغَةً فِي شَرْطٍ لَمْ يَبْقَ لِمُسَبَّبٍ شَرْطٌ سِوَاهُ) كقولِك: إنْ تَأْتِني أُكْرِمْك، فإنَّ الإتيانَ شرطٌ لم يَبْقَ للإكرامِ (٢) سِواهُ؛ لأنَّه إذا دخل الشَّرطُ اللُّغويُّ عليه عُلِمَ أنَّ أسبابَ الإكرامِ حاصلةٌ، لكنْ مُتَوَقِّفةٌ على حُصولِ الإتيانِ.

стр. 225

(وَالمَانِعُ) اسمُ فاعلٍ مِن المنعِ، وهو في الاصطلاحِ: (مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ العَدَمُ) وهذا احتِرازٌ مِن السَّببِ، وتَقَدَّمَ. وقولُه: (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ) احتِرازٌ مِن الشَّرطِ، وتَقَدَّمَ أيضًا. وقولُه: (لِذَاتِهِ) احتِرازٌ مِن مقارنةِ المانعِ وُجودَ سببٍ آخَرَ، فإنَّه يَلْزَمُ الوجودُ لا لعدمِ المانعِ، بل لوجودِ السَّببِ الآخَرِ، كالمُرتدِّ القاتلِ لوَلَدِه، فإنَّه يُقتَلُ بالرِّدَّةِ، وإن لم يُقتَلْ قصاصًا؛ لأنَّ المانعَ إِنَّمَا هو لأحدِ السَّببينِ. (وَهُوَ) أي: المنْعُ المدلولُ عليه بالمانِعِ (إِمَّا) أن يكُونَ: - (لِحُكْمٍ) فهو وصفٌ وجوديٌّ ظاهرٌ مُنضبطٌ مُستلزمٌ لِحكمةٍ تَقتضي نقيضَ حُكْمِ السَّبَبِ مع بقاءِ حُكْمِ المُسَبَّبِ، (كَأُبُوَّةٍ فِي قِصَاصٍ) مع القتلِ العَمدِ العُدوانِ، وهو كونُ الأبِ سَبَبًا لوجودِ الوَلَدِ، فلا يَحسُنُ كونُه سببًا لعدمِه، فيَنتفي الحُكمُ مع وجودِ مُقتضاه وهو القتلُ، وسُمِّيَ مانعَ الحُكْمِ لأنَّ سَبَبَه مع بقاءِ حِكمتِه لم يُؤَثِّرْ. - (أَوْ) أي: وإمَّا أنْ يَكُونَ المنعُ (لِسَبَبِهِ) أي: سببِ الحُكمِ، فهو وصفٌ يُخِلُّ وُجودُه بحِكمةِ السَّببِ، (كَدَيْنٍ) في زكاةٍ (مَعَ مِلْكِ نِصَابٍ)، ووجه ذلك: أنَّ حكمةَ وُجوبِ الزَّكاةِ في النِّصابِ الَّذِي هو السَّببُ: كثرتُه كثرةً تَحتمِلُ المُواساةُ مِنه شُكرًا على نعمةِ ذلك، لكنْ لمَّا كانَ المَدينُ مُطالَبًا بصرفِ الَّذِي يَملِكُه بالدَّينِ صارَ كالعَدمِ، وسُمِّيَ مانعَ السَّببِ؛ لأنَّ حِكمتَه فُقِدَتْ مع وجودِ صُورتِه فقطْ، فالمانعُ يَنتفي الحُكمُ لوجودِه، والشَّرطُ يَنتفي الحُكمُ لانتفائِه.

стр. 226

(وَنَصْبُ هَذِهِ) الأشياءِ وهي: العِلَّةُ، والسَّببُ، والشَّرطُ، والمانعُ، حالَ كونِها (مُفِيدَةً مُقْتَضِيَاتِهَا) أي: لتُفِيدَ ما اقْتَضَتْه مِن الأحكامِ (حُكْمًا شَرْعِيًّا)، ومُقتضِيَاتُها أيضًا: حُكْمٌ شَرعِيٌّ؛ أي: قضاءٌ مِن الشَّارعِ بذلك، فجَعلُ الزِّنا سببًا لوُجُوبِ الحدِّ حُكمٌ شرعيٌّ، ووُجُوبُ الحدِّ حُكْمٌ آخَرُ؛ وذلك أنَّ للهِ تَعالى في الزَّاني حُكمَينِ: وجوبُ الحدِّ وهو حُكْمٌ لفظيٌّ، وسببُه الزِّنا أي: كونُ الزِّنا سببًا لوجوبِ الحدِّ حُكمٌ آخَرُ، وكذلك وجوبُ حَدِّ القذفِ، مع جَعلِ القَذفِ سببًا له، ونظائرُه كثيرةٌ. (وَمِنْهُ) أي: مِن خطابِ الوَضْعِ: (فَسَادٌ، وَصِحَّةٌ) اختَارَه أصحابُنا وغيرُهم؛ لأنَّهما مِن الأحكامِ، وليسا داخلَينِ في الاقتضاءِ والتَّخييرِ؛ لأنَّ الحُكمَ بصِحَّةِ العِبادةِ وبطلانِها لا يُفهَمُ مِنه اقتضاءٌ ولا تخييرٌ، فكانا مِن خطابِ الوَضعِ. (وَهِيَ) أي: الصِّحَّةُ (فِي عِبَادَةٍ: سُقُوطُ القَضَاءِ) للعِبادةِ (بِالفِعْلِ) أي: بفِعلِها عندَ الفقهاءِ؛ لأنَّ وجوبَ القضاءِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بعدَ خروجِ الوقتِ، لا سِيَّمَا إذا قُلْنَا بأمرٍ جديدٍ لا بالأمرِ الأوَّلِ، وإذا لم يَجِبْ فكيف يَسقُطُ؟! والصِّحَّةُ عندَ المُتكلِّمِينَ وغيرِهم: موافقةُ الأمرِ، وَجَبَ القضاءُ أم لا، ورُدَّ ذلك بما تَقَدَّمَ. قال في «شرحِ الأصلِ»: ثمَّ إنَّ هذا قامَ (١) على مُؤَقَّتٍ يَدخُلُه القضاءُ، والبحثُ في صِحَّةِ العبادةِ مُطلقًا (٢).

стр. 227

فصلاةُ مَن ظَنَّ الطَّهارةَ صحيحةٌ على قولِ الُمتكلِّمينَ فقطْ. فكأنَّهم نَظَرُوا لظنِّ المُكلَّفِ، والفقهاءُ لِما في نَفْسِ الأمرِ، والقضاءُ واجبٌ على القولينِ، وهو الصَّحيحُ، والخلافُ بينَ الفريقينِ لفظيٌّ. (وَ) الصِّحَّةُ (فِي مُعَامَلَةٍ: تَرَتُّبُ أَحْكَامِهَا) أي: أحكامِ المُعاملةِ (المَقْصُودَةِ بِهَا) أي: بالمُعاملةِ (عَلَيْهَا) لأنَّ العقدَ لم يُوضَعْ إلَّا لإفادةِ مقصودِ كمالِ النَّفعِ في البيعِ، ومِلْكِ البُضعِ في النِّكاحِ، فإذا أفادَ مقصودًا فهو صحيحٌ، وحصولُ مَقصودِه هو تَرَتُّبُ حُكمِه عليه؛ لأنَّ العقدَ مُؤثِّرٌ لحُكمِه، ومُوجِبٌ له. تنبيهٌ: أكثرُ الأُصُوليِّينَ يُفرِدُ كلَّ واحدٍ مِن الصِّحَّةِ في العباداتِ، والصِّحَّةِ في المُعاملاتِ بحَدٍّ؛ لأنَّ جَمْعَ الحقائقِ المختلفةِ في حدٍّ واحدٍ لا يُمكِنُ، لكنَّ ذلك مخصوصٌ بما إذا أُريدَ تَمييزُ الحقيقةِ عنِ الأُخرى بالذَّاتيَّاتِ، وأمَّا غيرُه فيَجُوزُ، فلذلك جَمَعَ بينَهما في تعريفٍ واحدٍ لصِدقِه عليهما، فقال: (وَيَجْمَعُهُمَا: تَرَتُّبُ أَثَرٍ مَطْلُوبٍ) يَعني يَجمَعُ العِبادةَ والمُعاملةَ في الحدِّ: تَرتُّبُ الأثرِ المطلوبِ (مِنْ فِعْلِ) العِبادةِ والمعاملةِ (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الفِعلِ. قالَ الكُورَانِيُّ: لو قِيلَ: الصِّحَّةُ مُطلقًا عبارةٌ عن تَرَتُّبِ الأثرِ المطلوبِ مِن الفعلِ عليه، لِشَمْلِ العباداتِ مِن غيرِ تطويلٍ؛ لكانَ أَوْلَى، غايتُه: أنَّ ذلك الأثرَ عندَ المُتكلِّمينَ: موافقةُ الشَّرعِ، وعندَ الفقهاءِ: إسقاطُ القضاءِ (١). انتهى.

стр. 228

فصورةُ الصَّلاةِ، والصَّومِ، والبيعِ، والإجارةِ، ونحوِها تَقَعُ على وجهينِ: ما اجتمعتْ فيه الشُّروطُ وانْتَفَتْ عنه الموانعُ يَكُونُ صحيحًا، وما اختلَّ فيه شيءٌ مِن ذلك يَكُونُ فاسدًا (١). تنبيهٌ: إِنَّمَا قُلْنا: صورةُ الصَّلاةِ إلى آخِرِه؛ لأنَّ الإطلاقَ الشَّرعيَّ على المُختلِّ برُكنٍ أو شرطٍ مَنفيٌّ بالحقيقةِ؛ لأنَّ المُرَكَّبَ يَنتفي بانتفاءِ جُزئِه، ولذلك قال ﵇ للمُسيءِ في صلاتِه: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (٢). (فَبِصِحَّةِ: عَقْدٍ يَتَرَتَّبُ أَثَرُهُ) أي: أثرُ العَقدِ، وهو التَّمكُّنُ مِن التَّصرُّفِ فيما هو له، كالبيعِ إذا صَحَّ العقدُ تَرَتَّبَ أثرُه مِن مِلكٍ وجوازِ التَّصرُّفِ فيه، وكذلك إذا صَحَّ عقدُ النِّكاحِ، والإجارةِ، والوقفِ، وغيرُها مِن العقودِ، تَرَتَّبَ عليها أثَرُها مِمَّا أباحَه الشَّارعُ له به، فيَنشَأُ ذلك عنِ العَقدِ، وأمَّا الكتابةُ، والمُضاربةُ، والوكالةُ الفاسدةُ، وإنْ تَرَتَّبَ عليها أثَرُها مِنَ العِتقِ وصِحَّةِ التَّصرُّفِ فإنَّ تَرَتُّبَ الأثرِ عليها لَيْسَ مِن جهةِ العَقدِ، بل للتَّعليقِ، وهو صحيحٌ لا خَلَلَ فيه، ولوجودِ الإذنِ في التَّصرُّفِ، وإن لم يَصِحَّ العقدُ. (وَ) بصِحَّةِ (عِبَادَةٍ) يَتَرَتَّبُ (إِجْزَاؤُهَا) أي: يَنْشَأُ إجزاءُ العِبادةِ عنْ صِحَّتِها، فيُقالُ: صَحَّتِ العبادةُ، فأَجْزَأَتْ. (وَ) قد قِيلَ في مَعنى الإجزاءِ، فقيلَ: (هُوَ: كِفَايَتُهَا) أي: العِبادةِ (فِي إِسْقَاطِ التَّعَبُّدِ) وهو الأظهرُ، فإذا صَحَّتِ العِبادةُ تَرَتَّبَ الإجزاءُ، وهو إسقاطُ التَّعبُّدِ، ويُنقَلُ عنِ المتكلِّمينَ، فعليه فِعلُ المأمورِ به بشروطِه يَستلزمُ الإجزاءَ إجماعًا.

стр. 229

وقد قيلَ: الإجزاءُ: هو الكفايةُ في إسقاطِ القضاءِ، ويُنقَلُ عنِ الفُقهاءِ، وعليه يَستلزمُ الإجزاءَ أيضًا عندَ الأكثرِ، والفرقُ بينَهما مِن وجهينِ: أحدُهما: أنَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ أعمُّ مِن مَحَلِّ الإجزاءِ، فإنَّ الصِّحَّةَ مَوْرِدُها: العِبادةُ وغيرُها، ومَورِدُ الإجزاءِ: العبادةُ فقط. الثَّاني: أنَّ مَعنى الإجزاءِ عَدَمِيٌّ، ومَعنى الصِّحَّةِ وُجوديٌّ؛ وذلك أنَّ العِبادةَ المأتيَّ بها على وجهِ الشَّرعِ لازِمُها وصفانِ: - وُجوديٌّ: وهو موافقةُ الشَّرعِ، وهذا هو الصِّحَّةُ. - والآخَرُ عَدَمِيٌّ: وهو سُقُوطُ التَّعبُّدِ به، أو سُقوطُ القضاءِ على الخلافِ فيه، وهذا هو الإجزاءُ. (وَ) الإجزاءُ (يَخْتَصُّ بِهَا) أي: بالعِبادةِ، سواءٌ كانَتْ واجبةً، أو مُستَحَبَّةً، وهذا هو الصَّحيحُ، فيُقالُ: قراءةُ الفاتحةِ فقطْ تُجزِئُ في النَّافلةِ، كما يُقالُ ذلك في الواجبِ، ولا يُقالُ لغيرِ العِبادةِ، فلا يُقالُ في المُعاملاتِ: تُجزِئُ، بل مَوْرِدُها العِبادةُ فقط، بخلافِ الصِّحَّةِ. (وَكَصِحَّةٍ: قَبُولٌ) فهما مُتلازمانِ، فإذا انْتَفَى أحدُهما انتفى الآخَرُ، وإذا وُجِدَ أحدُهما وُجِدَ الآخَرُ، وَقِيلَ: إنَّ الصِّحَّةَ تَنْفَكُّ عنِ القَبولِ؛ لأنَّ القَبولَ أخصُّ مِنَ الصِّحَّةِ؛ إذ كُلُّ مقبولٍ صحيحٌ، وليس كلُّ صحيحٍ مقبولًا، لكنْ قد أتى نفيُ القبولِ في الشَّرعِ تارةً بمَعنى نفيِ الصِّحَّةِ، كما في حديثِ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ» (١)، وتارةً بمَعنى نفيِ

стр. 230

القبولِ، كما في حديثِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» (١) ونحوِ ذلك. فعلى الثَّاني يَكُونُ القَبولُ هو الَّذِي يَحصُلُ به الثَّوابُ، والصِّحَّةُ قد تُوجَدُ في الفعلِ ولا ثوابَ فيه، فأثرُ القَبولِ: الثَّوابُ، وأثرُ الصِّحَّةِ: عَدَمُ القضاءِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وقد حَكى القولينِ ابنُ عَقِيلٍ في «الوَاضح» (٢)، ورَجَّحَ أنَّ الصَّحيحَ لا يَكُونُ إلَّا مقبولًا، ولا يَكُونُ مَردودًا إلَّا وهو باطلٌ. ويَرِدُ عليه مَجِيءُ الأمرينِ مِن الشَّارعِ (٣). (وَنَفْيُهُ) أي: نفيُ القبولِ فيما ذُكِرَ (كَنَفْيِ إِجْزَاءٍ) فكلُّ ما لا يُجزِئُ يُقالُ فيه: لا يُقبَلُ، وكلُّ ما يُقالُ فيه: يُجزِئُ، يُقالُ فيه: يُقبَلُ. مثالُ نفيِ الإجزاءِ: قولُه ﷺ : «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ» رَوَاه الدَّارَقُطْنِيُّ (٤). وَقِيلَ: نفيُ الصِّحَّةِ أَوْلَى بالفسادِ؛ لأنَّ الصِّحَّةَ قد تُوجَدُ حَيْثُ لا قبولَ، بخلافِ الإجزاءِ مع الصِّحَّةِ، وسَبَقَ الفرقُ بينَ الصِّحَّةِ والإجزاءِ بما يَخدِشُ ما هنا. (وَالصِّحَّةُ) لها ثلاثةُ معانٍ: أحدُها: (شَرْعِيَّةٌ كَمَا) أي: كالمذكورةِ (هُنَا) وهي الإذنُ الشَّرعيُّ في

стр. 231

جوازِ الإقدامِ على الفعلِ، وهو يَشمَلُ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ، إلَّا التَّحريمَ، فلا إذنَ فيه. (وَ) الثَّاني: صِحَّةٌ (عَقْلِيَّةٌ، كَإِمْكَانِ الشَّيْءِ وُجُودًا وَعَدَمًا) يَعني إمكانَ الشَّيءِ، وقبولَه للوُجودِ والعَدمِ. (وَ) الثَّالثُ: صِحَّةٌ (عَادِيَّةٌ: كَمَشْيٍ) يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا، دونَ الصُّعودِ في الهواءِ (وَنَحْوِه) كالجلوسِ، وقدِ اتَّفَقَ النَّاسُ على أنَّه لَيْسَ في الشَّريعةِ منهيٌّ عنه، ولا مأمورٌ به، ولا مشروعٌ على الإطلاقِ، إلَّا وفيه الصِّحَّةُ العاديَّةُ، ولذلك حَصَلَ الاتِّفاقُ أيضًا على أنَّ اللُّغةَ لم يَقَعْ فيها طلبُ وجودٍ ولا عدمٍ، إلَّا فيما يَصِحُّ عادةً، وإنْ جَوَّزْنا تكليفَ ما لا يُطاقُ بذلك، بحَسَبِ ما يَجُوزُ على اللهِ، لا بحَسَبِ ما يَجوزُ في اللُّغاتِ، فاللُّغاتُ موضعُ إجماعٍ. (وَبُطْلَانٌ، وَفَسَادٌ) لفظانِ (مُتَرَادِفَانِ، يُقَابِلَانِ الصِّحَّةَ الشَّرْعِيَّةَ) سواءٌ كانَ في العباداتِ، أو في المعاملاتِ، - فهُما في العبادةِ عبارةٌ عن: عدمِ تَرَتُّبِ الأثرِ عليها، أو عدمِ سُقُوطِ القَضاءِ، أو عدمِ موافقةِ الأمرِ. - وفي المعاملاتِ: عبارةٌ عن عَدَمِ تَرَتُّبِ الأثرِ عليها. وفَرَّقَ أصحابُنا بينَ الفاسدِ والباطلِ في الفقهِ في مسائلَ كثيرةٍ، قال بعضُهم: الفاسدُ مِن النِّكاحِ ما يَسُوغُ فيه الاجتهادُ، والباطلُ: ما كانَ مُجمَعًا على بطلانِه. وَذَكَرَ أصحابِنا مسائلَ الفاسدِ غيرَ مسائلِ الباطلِ في أبوابٍ: مِنها بابُ الكتابةِ، والنِّكاحِ، والحجِّ، وغيرِها.

стр. 232

(فَوَائِدُ) الأُولى: (النُّفُوذُ: تَصَرُّفٌ لَا يَقْدِرُ فَاعِلُهُ عَلَى رَفْعِهِ) كالعُقودِ اللَّازمةِ مِنَ البيعِ والوقفِ والنِّكاحِ ونحوِها، إذا اجتمعَتْ شُروطُها وانتفَتْ موانعُها، وكذلك العِتقُ، والطَّلاقُ، والفَسخُ، ونَحوُها. قالَ في «البدر المُنير»: نَفَذَ السَّهمُ نُفُوذًا كقَعَدَ، ونَفَاذًا: خَرَقَ الرَّمِيَّةَ وخَرَجَ منها، وأَنْفَذْتُهُ بالألفِ، ونَفَذَ في الأمرِ يَنْفُذُ نَفَاذًا: مَهَرَ فيه، ونَفَذَ -قولًا- نُفوذًا، قيلَ: ومَضَى، ونَفَذَ العتقُ، كأنَّه مستعارٌ مِن نُفوذِ السَّهمِ، فإنَّه لا مَرَدَّ له، ونَفَذَ المنزلُ إلى الطَّريقِ: اتَّصَلَ به، ونَفَذَ الطَّريقُ: عمَّ مَسْلَكُهُ لكلِّ أحدٍ، فهو نافذٌ؛ أي: عامٌّ، والمَنْفِذُ مثلُ مَسْجِدٍ: مَوْضِعُ النُّفُوذِ، والجمعُ مَنَافِذُ (١). انتهى. فقولُه: «نَفَذَ العتقُ، كأنَّه مستعارٌ مِن نفوذِ السَّهمِ» هي مَسألَتُنا، فكأنَّ العُقودَ اللَّازمةَ المُتقدِّمةَ مُستعارٌ لها النُّفوذُ، مِن نفوذِ السَّهمِ، كما قالَ. وَقِيلَ: النُّفوذُ، كالصِّحَّةِ، فعليه يُقالُ في صحيحِ الشَّركةِ وغيرِها (٢): نَفُذَ؛ أي: صَحَّ. (وَ) الفائدةُ الثَّانيةُ: (العَزِيمَةُ) وهي (لُغَةً): مِن العَزمِ، وهو (القَصْدُ المُؤَكَّدُ) ﴿أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣). قالَ في «المصباحُ»: عَزَمَ على الشَّيْءِ وَعَزَمَهُ عَزْمًا مِن بابِ ضَرَبَ: عَقَدَ ضَمِيرَهُ عَلَى فِعْلِهِ، وَعَزَمَ عَزِيمَةً (٤) وَعَزْمَةً: اجْتَهَدَ وَجَدَّ فِي أَمْرٍ، وعزيمةُ اللهِ:

стр. 233

فريضتُه الَّتي افْتَرَضَهَا، والجمعُ عزائمُ، وعزائمُ السُّجودِ: ما أُمِرَ بالسُّجودِ فيها (١). انتهى. وأولو العَزمِ مِن الرُّسُلِ: الَّذين عَزَموا على أمْرِ اللهِ فيما عَهِدَ إليهم، وهم: نوحٌ، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى، ومحمَّدٌ صَلَوَاتُ اللهِ وسلامُه عليهم أجمعينَ. والعِزمُ: الجِدُّ والثَّباتُ والصَّبْرُ. (وَ) العزيمةُ (شَرْعًا: حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ) لا بدليلٍ عقليٍّ، فإنَّ ذلك لا يُستعمَلُ فيه العَزيمةُ والرُّخصةُ، (خَالٍ) ذلك الدَّليلُ (عَنْ مُعَارِضٍ (٢)، فَشَمِلَ) الأحكامَ (الخَمْسَةَ) فالعَزيمةُ على هذا القولِ واقعةٌ في جميعِ الأحكامِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنها حُكْمٌ ثابتٌ بدليلٍ شرعيٍّ، فيَكُونُ في الحرامِ والمكروهِ على مَعنى التَّركِ، فيَعودُ المَعنى في تركِ الحرامِ إلى الوجوبِ. تنبيهٌ: قولُه: «خالٍ عن مُعارض»: احتِرازٌ ممَّا (٣) ثَبَتَ بدليلٍ، لكنْ لذلك الدَّليلِ معارضٌ مُساوٍ أو راجحٌ؛ لأنَّه إذا كانَ المُعارِضُ مُساويًا: لَزِمَ الوقفُ وانتفَتِ العَزيمةُ، ووَجَبَ طلبُ المُرَجِّحِ الخارجيِّ، وإنْ كانَ راجحًا: لَزِمَ العملُ بمُقتضاه وانتَفَتِ العَزيمةُ، وثَبَتَتِ الرُّخصةُ، كتحريمِ المَيتةِ عندَ عدمِ المَخْمَصَةِ، فالتَّحريمُ فيها عزيمةٌ؛ لأنَّه حُكْمٌ ثابتٌ بدليلٍ شرعيٍّ خالٍ عن معارِضٍ، فإذا وُجِدَتِ المخمصةُ حَصَلَ المُعارضُ لدليلِ التَّحريمِ، وهو راجحٌ عليه حِفظًا للنَّفْسِ، فجازَ الأكلُ، وحَصَلَتِ الرُّخصةُ. (وَ) الفائدةُ الثَّالثةُ: (الرُّخْصَةُ) وهي (لُغَةً: السُّهُولَةُ) والتَّيسيرُ؛ أي:

стр. 234

خلافُ التَّشديدِ، ومنه رَخُصَ السِّعْرُ إذا سَهُلَ، والرَّخْصُ: النَّاعمُ، وهو راجعٌ إلى مَعنى اليُسْرِ والسُّهولةِ. قال في «القاموس» (١): الرُّخْصُ بالضَّمِّ: ضِدُّ الغَلاءِ، وقد رَخُصَ، ككَرُمَ، وبالفَتحِ: الشَّيْءُ النَّاعمُ، والرُّخْصَةُ، بضمَّةٍ وبضمَّتينِ: تَرْخيصُ اللهِ للعَبْدِ فيما يُخَفِّفُهُ عليه، والتَّرخِيصُ بالتَّسْهيلِ. (وَ) الرُّخْصَةُ (شَرْعًا: مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ) وأمَّا ما ثَبَتَ على وَفْقِ الدَّليلِ الشَّرعيِّ فإنَّه لا يَكُونُ رخصةً بل عزيمةً، كالصَّومِ في الحَضَرِ. وقولُه: (لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ) احتِرازًا (٢) مِمَّا كانَ لمُعارِضٍ غيرِ راجحٍ، بل: إمَّا مساوٍ؛ فيَلْزَمُ الوقفُ على حصولِ المُرَجِّحِ، أو: قاصرٌ عن مساواةِ الدَّليلِ الشَّرعيِّ؛ فلا يُؤَثِّرُ وتَبقى العَزيمةُ بحالِها. وقيلَ: الرُّخصةُ: هي استباحةُ المَحظورِ مع قيامِ السَّببِ الحاضرِ، وهو قريبٌ مِن الأوَّلِ، غيرَ أنَّ الاستباحةَ قد يكُونُ مُستنَدُها الشَّرعَ، فيَلْزَمُ أن تكُونَ لمُعارضةِ دليلٍ راجحٍ، كأكلِ الميتةِ في المَخمَصَةِ فإنَّه استباحةٌ للمَيْتَةِ المُحَرَّمَةِ شرعًا مع قيامِ السَّببِ المُحَرِّمِ، وهو قوله تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) لدليلٍ راجحٍ على هذا السَّببِ، وهو قولُه تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فإنَّ هذا خاصٌّ، وسببُ التَّحريمِ عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ، هذا مع النُّصوصِ والإجماعِ الخاصِّ على حِفظِ النُّفوسِ واستبقائِها، وقد لا تكُونُ الاستباحةُ مُستنِدَةً إلى الشَّرعِ، فتَكُونُ معصيةً محضةً لا رُخصةً.

стр. 235

(وَ) الرُّخصةُ (مِنْهَا: (١) وَاجِبٌ) كأكلِ مُضطَرٍّ مَيْتَةً، فإنَّه واجبٌ لأنَّه سببٌ لإحياءِ النَّفسِ، وما كانَ كذلك فهو واجبٌ، وذلك لأنَّ النُّفوسَ حقٌّ للهِ، وهي أمانةٌ عندَ المُكلَّفِينَ، فيَجِبُ حِفظُها ليَستوفيَ اللهُ حَقَّه منها بالعِباداتِ والتَّكاليفِ، وقد قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). فائدةٌ: قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وممَّا يَجِبُ مِنَ الرُّخصةِ: إساغةُ اللُّقمةِ بالخَمْرِ لمن غُصَّ بها، فهي كالميتةِ للمُضطرِّ. قالَ ابنُ حَمْدَانَ: ويَجِبُ فطرُ المريضِ في رمضانَ إذا خافَ الموتَ بعَدَمِه (٢). (٢) (وَ) الرُّخصةُ: منها ما هو (مَنْدُوبٌ) كقَصرِ الصَّلاةِ للمُسافرِ إذا اجتَمَعَتِ الشُّروطُ وانتفَتِ الموانعُ. (٣) (وَ) منها ما هو (مُبَاحٌ) كالجمعِ بينَ الصَّلاتينِ في غيرِ عَرَفَةَ ومُزدلفةَ. والحاصلُ مِن تقريرِ مُجامعةِ الرُّخصةِ للوُجوبِ ونحوِه: أنَّ الرُّخصةَ في الحقيقةِ إحلالُ الشَّيءِ؛ لأنَّها التَّيسيرُ والتَّسهيلُ، ثمَّ قد يَعرِضُ له وصفٌ آخرُ من الأحكامِ غيرُ الحِلِّ لدليلٍ، كحِلِّ أكلِ الميتةِ، نَشَأَ وُجوبُه مِن وجوبِ حفظِ النَّفسِ، فلذلك انْقَسَمَتْ هذه الرُّخصةُ إلى هذه الأقسامِ، والصَّحيحُ أنَّ أكلَها واجبٌ، فتَغَيَّرَ حُكمُها مِن صعوبةِ التَّحريمِ إلى سهولةِ الوجوبِ؛ لمُوافقتِه لغرضِ النَّفسِ لعُذرِ الاضطرارِ مع قيامِ سببِ التَّحريمِ حالَ الحِلِّ وهو الخَبَثُ.

стр. 236

وفُهِمَ مِن المتنِ: أنَّ ما لم يُخالِفْ دليلًا، كاستباحةِ المُباحاتِ، وعدمِ وجوبِ صومِ شوَّالٍ، لا يُسَمَّى رخصةً، وفُهِمَ منه أيضًا: أنَّ الرُّخصةَ لا تكُونُ مُحَرَّمَةً وَلَا مكروهةً، وهو ظاهرُ قولِه ﵊: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» (١). (وَالِاثْنَتَانِ) وهما العَزيمةُ والرُّخصةُ قال جَمْعٌ: (وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ الوَضْعِيِّ) لا للفِعليِّ على الصَّحيحِ، فتَكُونُ الرُّخصةُ بمَعنى التَّرخيصِ، والعَزيمةُ بمعنى التَّأكيدِ في طَلَبِ الشَّيءِ، ومنه قولُ أمِّ عطيَّةَ: «نُهِينا عن اتِّباعِ الجنائزِ ولم يُعزَمْ علينا» (٢). وقال جمعٌ: وَصفٌ للحُكْمِ التَّكْلِيفيِّ، لِما فيهما مِن مَعنى الاقتضاءِ، ولذلك قَسَّموهما إلى: واجبةٍ، ومندوبةٍ، ونحوِهما، ولكنَّ ذلك لأمرٍ خارجيٍّ عنْ أصلِ التَّرخيصِ.

стр. 237

(فَصْلٌ) قالَ في «شرحِ الأصلِ»: ما تَقَدَّمَ مِن الأحكامِ هو المحكومُ به، وما يُذكَرُ هنا هو المحكومُ فيه وهي الأفعالُ (١). فـ (التَّكْلِيفُ) له معنيانِ: مَعنًى في اللُّغةِ، ومعنًى في الاصطلاحِ، - فمَعناه (لُغَةً: إِلْزَامُ مَا) أي: شيءٍ (فِيهِ مَشَقَّةٌ) فإلزامُ الشَّيْءِ والإلزامُ به: هو تَصْيِيرُه لازمًا لغيرِه لا يَنْفَكُّ عنه مُطلقًا، أو وقتًا ما. قَالَ الجَوْهَرِيُّ (٢): والكُلْفَةُ ما يُتَكَلَّفُ مِن نائبةٍ أو حقٍّ، وكَلَّفَه تكليفًا إذا أَمَرَه بما يَشُقُّ، والمَشَقَّةُ: لُحُوقُ ما يُستصعَبُ، قال اللهُ تَعالى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٣). - (وَ) مَعنى التَّكْلِيفِ (شَرْعًا: إِلْزَامُ مُقْتَضَى خِطَابِ الشَّرْعِ) فيَتَنَاوَلُ الأحكامَ الخمسةَ: الوجوبَ، والنَّدبَ الحاصلَينِ عن الأمرِ، والحظرَ، والكراهةَ الحاصلَينِ عن النَّهيِ، والإباحةَ الحاصلةَ عنِ التَّخييرِ إذا قُلْنَا إنَّها مِن خطابِ الشَّرعِ، ويَكُونُ مَعنى التَّكْلِيفِ في المباحِ: اعتقادَ كونِه مباحًا، أو اختصاصَ فعلِ المُكَلَّفِ بها دونَ فعلِ الصَّبيِّ والمجنونِ. (وَالمَحْكُومُ بِهِ) على المُكَلَّفِ: (فِعْلٌ بِشَرْطِ إِمْكَانِهِ) أي: إمكانِ ذلك الفعلِ في الجملةِ، وقبلَ الشُّروعِ في المقصودِ، ونَذكُرُ شيئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ به. قالَ ابنُ قاضى الجبلِ (٤): اختلَفَ النَّاسُ في تكليفِ ما لا يُطاقُ، للمسألةِ تَعلُّقٌ بالأصلينِ:

стр. 238

أمَّا أُصولُ الدِّينِ: فلأنَّ المُحقِّقينَ إذا حَقَّقوا وجوبَ إسنادِ جميعِ المُمكِناتِ إلى اللهِ تَعالى خَلقًا وتدبيرًا: لَزِمَهم التَّكلُّفُ بما لا يُطاقُ. وأمَّا أصولُ الفقهِ: فلأنَّ البحثَ في الحُكمِ الشَّرعيِّ يَتَعَلَّقُ بالنَّظرِ في الحاكمِ وهو اللهُ تَعالى، والنَّظرِ في المحكومِ عليه وهو العبدُ، والنَّظرِ في المحكومِ به وهو الفعلُ والتَّركُ، وشرطُه: أنْ يَكُونَ فعلًا ممكنًا، ويَستدعي ذلك: أنَّ الفعلَ الغيرَ مقدورٍ عليه هل يَصِحُّ التَّكْلِيفُ به أم لا؟ ويُسَمَّى أيضًا التَّكْلِيفَ بالمُحالِ، وهو أقسامٌ: أحدُها: أن يَكُونَ مُمتنِعًا لذاتِه، كجمعِ الضِّدَينِ ونحوِه مِمَّا يَمتنِعُ تَصوُّرُه، فإنَّه لا يَتَعَلَّقُ به قدرةٌ مطلقًا. الثَّاني: ما يَكُونُ مَقدورًا للهِ تَعالى فقطْ، كخلقِ الأجسامِ. الثَّالثُ: ما لم تَجرِ عادةٌ بخلْقِ القُدرةِ على مِثلِه للعبدِ مع جوازِه، كالمشيِ على الماءِ. الرَّابعُ: ما لا قُدرةَ للعبدِ عليه بحالِ توجُّهِ الأمرِ، وله قُدرةٌ عليه عندَ الامتثالِ، كبعضِ الحركاتِ. الخامسُ: ما في امتثالِه مَشَقَّةٌ عظيمةٌ، كالتَّوبةِ بقتلِ النَّفسِ. انتهى مُلَخَّصًا. ثمَّ ما لا يُطاقُ قد يَكُونُ: - عاديًّا فقطْ: كالطَّيرانِ. - أو عقليًّا فقطْ: كإيمانِ الكافرِ الَّذِي عَلِمَ اللهُ أنَّه لا يُؤمِنُ. - أو عاديًّا وعقليًّا: كالجمعِ بينَ الضِّدَّينِ.

стр. 239

إذا عَلِمْتَ ذلك (فَيَصِحُّ) التَّكْلِيفُ (بِمُحَالٍ لِغَيْرِهِ) إجماعًا، كإيمانِ مَن عَلِمَ اللهُ أنَّه لا يُؤمِنُ، وذلك لأنَّ اللهَ تَعالى أَنْزَلَ الكتبَ (١) وبَعَثَ الرُّسُلَ بطلبِ الإيمانِ والإسلامِ مِن كلِّ واحدٍ وكَلَّفَهم بذلك، وعَلِمَ أنَّ بعضَهم لا يُؤمِنُ. (١) و (لَا) يَصِحُّ عندَ الأكثرِ التَّكْلِيفُ بالمُحالِ (لِذَاتِهِ) كجمعٍ بينَ (٢) ضِدَّينِ وهو المُستحيلُ العَقليُّ. (وَ) لا بالمُحالِ (عَادَةً) كالطَّيرانِ، وصعودِ السَّماءِ عندَ الأكثرِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣). (إِلَّا) المُحالَ (عَقْلًا) يَعني لذاتِه، فيَجوزُ التَّكْلِيفُ به (فِي وَجْهٍ) وعليه لم يَصِحَّ عندَ الأكثرِ. (٢) (وَلَا) يَصِحُّ التَّكْلِيفُ (بِغَيْرِ فِعْلٍ) فإذا كُلِّفَ بغيرِ نهيٍ كالأمرِ كانَ مُكَلَّفًا بفعلٍ بلا نزاعٍ بينَ العلماءِ، وإنَّما تَرَكُوه لوضوحِه وعدمِ الخلافِ فيه؛ لأنَّ مُقتضاه إيجادُ فعلٍ مأمورٍ به، كالصَّلاةِ ونَحوِها، وذَكَروا ما هو مَحَلُّ الخلافِ وهو النَّهيُ الآتي ذِكرُه. (وَشُرِطَ) لصِحَّةِ التَّكْلِيفِ بالفعلِ: (عِلْمُ مُكَلَّفٍ: (١) حَقِيقَتَهُ) بأنْ يَكُونَ الفعلُ معلومَ الحقيقةِ للمُكَلَّفِ فيَعلَمُ حقيقتَه، وإلَّا لم يَتَوَجَّهْ قصدُه إليه؛ لعَدمِ تَصوُّرِ قصدِ ما لا يُعلَمُ حقيقتُه، وإذا لم يَتَوَجَّهْ قصدُه إليه: لم يَصِحَّ وجودُه منه؛ لأنَّ تَوجُّهَ القصدِ إلى الفعلِ مِن لوازمِ إيجادِه، فإذا انْتَفَى اللَّازمُ وهو القصدُ، انتفى المَلزومُ وهو الإيجادُ.

стр. 240

(٢) (وَ) شُرِطَ أيضًا عِلْمُ مُكَلَّفٍ (أَنَّهُ) أي: الفعلَ، (مَأْمُورٌ بِهِ، (٣) وَ) أنَّه (مِنَ اللهِ تَعَالَى) وإلَّا لم يُتَصَوَّرْ منه قصدُ الطَّاعةِ والامتثالِ بفِعلِه. (فَـ) لهذا (لَا يَكْفِي مُجَرَّدُهُ) أي: مُجَرَّدُ الفعلِ، لقولِه ﵇: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ (١)» (٢). (وَمُتَعَلَّقُهُ) أي: مُتَعَلَّقُ الفعلِ المأمورِ به (فِي نَهْيٍ) نحوُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (٣): (كَفُّ النَّفْسِ) عن ذلك عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه لو كُلِّفَ بنفيِ الفعلِ لكانَ مُسْتَدْعًى حُصُولُه منه ولا يُتَصَوَّرُ؛ لأنَّه غيرُ مقدورٍ له؛ لأنَّه نفيٌ محضٌ. (وَيَصِحُّ) التَّكْلِيفُ (بِهِ) أي: بالفعلِ، (حَقِيقَةً) عندَ الأكثرِ (قَبْلَ حُدُوثِهِ) قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا تَقَدَّمَ الأمرُ على الفعلِ كانَ أمرًا عندَنا على الحقيقةِ أيضًا، وإنْ كانَ في طيِّه إيذانٌ وإعلامٌ (٤). قالَ المُحَقِّقونَ: الإجماعُ على أنَّ أمرَ الرَّسولِ ﷺ يَتَنَاوَلُنا وهو مُقَدَّمٌ، وهي أوامرُ، فالقولُ بالإعلامِ باطلٌ، ولم يَفْتَقِرْ إلى أمرٍ آخَرَ (٥). وقيل: إعلامٌ وأمرُ إيذانٍ لا حقيقةٌ. (و) يَستمرُّ التَّكْلِيفُ حالَ حدوثِ الفعلِ فـ (لَا يَنْقَطِعُ بِهِ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ الفعلَ في هذه الحالةِ مَقدورٌ، وكلُّ مقدورٍ يَجوزُ التَّكْلِيفُ به:

стр. 241

أمَّا الأُولى فلأنَّ القدرةَ: إمَّا حالَ الفعلِ، أو قَبْلَه مستمرةٌ إلى حينِ صُدُورِ الفعلِ، وعلى التَّقديرينِ فالقدرةُ عندَ الفعلِ حاصلةٌ، فيَصِحُّ به. وأمَّا الثَّانيةُ: فلأنَّ المقدورَ يَصِحُّ إيجادُه، والتَّكْلِيفُ إِنَّمَا هو الأمرُ بالإيجادِ، والتَّكْلِيفُ هنا تَعَلَّقَ بمَجموعِ الفعلِ مِن حَيْثُ هو مجموعٌ، لا بأوَّلِ جزءٍ منه، فلا يَنقطِعُ التَّكْلِيفُ إلَّا بتمامِ الفعلِ، ويَكُونُ التَّكْلِيفُ بإيجادِ ما لم يُوجَدْ منه، لا بإيجادِ ما قد وُجِدَ، فلا تكليفَ بإيجادِ موجودٍ، فلا مُحالَ. (وَ) يَصِحُّ التَّكْلِيفُ (بِغَيْرِ مَا عَلِمَ آمِرٌ وَمَأْمُورٌ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ) في وقتِه عندَ الأكثرِ. واعلمْ أنَّ الآمِرَ تارةً يَعلَمُ انتفاءَ شرطِ وقوعِ المأمورِ به في وقتِه، وتارةً يَجهَلُ هو والمأمورُ ذلك، وتارةً يَعلَمُ الآمِرُ والمأمورُ ذلك، وتارةً يَجهَلُ الآمرُ ويَعلَمُ المأمورُ. إذا عَلِمْتَ ذلك: فيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بما عَلِمَ الآمرُ وَحدَه انتفاءَ شرطِ وقوعِه في وقتِه: مثالُه: لو أَمَرَ اللهُ رجلًا بصومِ يومٍ وقد عَلِمَ اللهُ سُبحانَه مَوتَه قَبْلَه، وشَرطُ الصَّومِ: الحياةُ، فلا يُمكِنُ وقوعُه؛ لانتفاءِ شَرطِه. ويَصِحُّ أيضًا مَعَ جهلِ الآمِرِ والمأمورِ اتِّفاقًا، كأمْرِ السَّيِّدِ عبدَه بخياطةِ ثوبٍ غدًا، وإن عَلِمَ الآمرُ والمأمورُ ذلك، فهذا لا يَصِحُّ. قَطَعَ به الأصوليُّونَ؛ لامتناعِ امتثالِه فلا يُعزَمُ، فلا يُطِيعُ ولا يَعصي ولا ابتلاءَ، بخلافِ المسألةِ الَّتي قَبْلَها.

стр. 242

وأمَّا إذا جَهِلَ الآمِرُ ذلك، وعَلِمَه المأمورُ: فلم أرَ مَن صَرَّحَ به، لكنْ يُفهَمُ مِن كلامِهم أنَّه لا يَصِحُّ كالَّتي قبْلَها، كما لو أَمَرَه سيِّدُه بخياطةِ ثوبٍ غدًا، وقد أَخبَرَه الصَّادقُ أنَّه سيَمرَضُ، أو يَموتُ فيه. (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ أَمْرٍ بِاخْتِيَارِ مُكَلَّفٍ فِي وُجُوبٍ وَعَدَمِهِ) قال ابنُ عَقِيلٍ: يَجوزُ أنْ يَرِدَ الأمرُ مِن اللهِ تَعالى مُعَلَّقًا على اختيارِ المُكَلَّفِ، بفعلٍ أو تركٍ مُفَوَّضًا إلى اختيارِه، بناءً على أنَّ المندوبَ مأمورٌ به، مَعَ كونِه مُخَيَّرًا بينَ فِعلِه وتركِه. وبناءً على أنَّ المندوبَ مأمورٌ به (١). قالَ الشَّيخُ: يُشْبِهُ أنْ يُقالَ للمُجتهدِ: احْكُمْ بما شِئْتَ (٢). و (لَا) يَصِحُّ (أَمْرٌ بِمَوْجُودٍ) عندَ أصحابِنا والجمهورِ، فالأمرُ بالموجودِ باطلٌ؛ لأنَّه تحصيلُ الحاصلِ. ولَمَّا فَرَغَ مِن أحكامِ المحكومِ به، وأحكامِ المحكومِ فيه وهي الأفعالُ، شَرَعَ في أحكامِ المحكومِ عليه وهو الآدميُّ، فقال: (وَشُرِطَ فِي مَحْكُومٍ عَلَيْهِ: عَقْلٌ، وَفَهْمُ خِطَابٍ) فلا بدَّ مِنهما جميعًا؛ إذ لا يَلْزَمُ مِن العقلِ الفهمُ، لجوازِ أنْ يَكُونَ عاقلًا لا يَفهَمُ، كالصَّبيِّ، والنَّاسي. وأمَّا السَّكرانُ والمُغمَى عليه، فإنَّهما في حُكمِ العُقلاءِ مُطلقًا، أو مِن بعضِ الوجوهِ، وهما لا يَفهَمانِ، وذلك لأنَّ التَّكْلِيفَ خطابٌ، وخطابُ مَن لا عَقلَ له ولا فَهمَ محالٌ، كالجَمادِ والبهيمةِ، وأنَّ المُكلَّفَ به مطلوبٌ حُصُولُه مِن المُكَلَّفِ طاعةً وامتثالًا؛ لأنَّه مأمورٌ، والمأمورُ يَجِبُ أنْ يَقصِدَ

стр. 243

إيقاعَ المأمورِ به على سبيلِ الطَّاعةِ والامتثالِ. والقصدُ إلى ذلك إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بعدَ الفهمِ؛ لأنَّ مَن لا يَفهَمُ لا يُقالُ له: افهمْ، فلا يُكَلَّفُ مراهقٌ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لم يَكْمُلْ فَهمُه فيما يَتَعَلَّقُ بالمقصودِ، فنَصَبَ الشَّارعُ له علامةً ظاهرةً وهو البلوغُ، فجُعِلَ أمارةً لظهورِ العقلِ وكمالِه. و (لَا) يُشتَرَطُ في مَحكومٍ عليه (حُصُولُ شَرْطٍ شَرْعِيٍّ) لصحَّةِ الفعلِ، كاشتِراطِ الإسلامِ لصِحَّةِ العباداتِ. إذا عَلِمْتَ ذلك: (فَالكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِالفُرُوعِ) عندَ أكثرِ الأصحابِ، لوُرودِ الآياتِ الشَّاملةِ لهم، مثلُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢)، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٣)، ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ (٤)، ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٥)، وغيرِ ذلك مِمَّا لا يُحصَى، (كـ) ما أنَّهم مُخاطَبون بـ (الإِيمَانِ) وَالإِسْلَامِ إجماعًا، والكفرُ غيرُ مانعٍ لإمكانِ إزالتِه، كالآمِرِ بالكتابةِ والقلمُ حاضرٌ يُمكِنُه تناولُه. وأيضًا فقد وَرَدَ الوعيدُ على ذلك، أو ما يَتَضَمَّنُه، نحوُ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآيةَ (٦)، وأَوْضَحُ منه قولُه تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (٧) أي: فوقَ عذابِ الكُفرِ.

стр. 244

واحتجَّ في «العدة» (١) و «التَّمهيد» (٢) بأنَّه مُخاطَبٌ بالإيمانِ، وهو شرطُ العبادةِ، كالطَّهارةِ للصَّلاةِ. والمرادُ بالإيمانِ: العقائدُ الأوائلُ، الَّتي لا تَتَوَقَّفُ على سَبْقِ شيءٍ، ويُلْحَقُ بها: تصديقُ الرُّسُلِ، والكَفُّ عن أذاهم بقتلٍ، أو قتالٍ، أو غيرِ ذلك، وإنْ كانَ ذلك مِن الفروعِ. (وَالفَائِدَةُ) في خطابِ الكُفَّارِ بفروعِ الإسلامِ: (كَثْرَةُ عِقَابِهِمْ فِي الآخِرَةِ) لا المُطالبةُ بفِعلِها في الدُّنيا، ولا قضاءُ ما فاتَ مِنها [في الآخرةِ] (٣)، لكنْ قَالَ الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ في «أصولِه»: لا خلافَ بينَ المسلمينَ أنَّ خطابَ الزَّواجرِ مِن الزِّنا والقذفِ مُتَوَجِّهَةٌ عليهم كالمسلمينَ (٤). انتهى. لأنَّ الكفَّ ممكنٌ حالَ (٥) الكفرِ، بخلافِ فِعلِ الطَّاعاتِ، وأيضًا: فإنَّهم يُعاقَبون على تَركِ الإيمانِ بالقتلِ، والسَّبْيِ، وأخذِ الجزيةِ، والحدِّ في الزِّنا، والقذفِ، وقطعِ السَّرقةِ، ولا يُؤمَرون بقضاءِ شيءٍ مِن العباداتِ. (وَمُلْتَزِمُهُمْ) أي: والملتزمُ مِنهم أحكامَ المسلمينَ (فِي إِتْلَافٍ) لمالِ غيرِه، (وَ) في (جِنَايَةٍ) على نحوِ بهيمةٍ، (وَ) في (تَرَتُّبِ أَثَرِ عَقْدِ) مُعَاوَضَةٍ وغيرِه (كَمُسْلِمٍ) إجماعًا، فهُم مُؤاخَذون بالإتلافاتِ والجناياتِ، وما يَتَرَتَّبُ على العقدِ مِن الآثارِ مِن غيرِ نزاعٍ، لكنَّ هذه الأحكامَ مِن خطابِ

стр. 245

الوضعِ، لا مِن خطابِ التَّكْلِيفِ، فلا مَدخَلَ لهذه المسألةِ فيما تَقَدَّمَ حَتَّى يَخرُجَ، بل هم أَوْلَى مِن الصَّبيِّ والمجنونِ في الضَّمانِ بالإتلافِ والجنايةِ، ولا بدَّ مِن وجودِ الشُّروطِ في مُعاملاتِهم وانتفاءِ الموانعِ، والحُكْمِ بصِحَّتِها وفسادِها، وتَرَتُّبِ آثارِ كلٍّ عليه مِن: بيعٍ، ونكاحٍ، وطلاقٍ، وغيرِها. (وَيُكَلَّفُ) سَكرانُ (مَعَ سُكْرٍ لَمْ يُعْذَرْ بِهِ) بأنِ اسْتَعْمَلَ ما يُسْكِرُه مُختارًا عالمًا بأنَّه يُسكِرُ، إنْ مَيَّزَ قَطعًا، وكذا مَن لم يُمَيِّزْ عندَ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه، نَصَّ عليه في راويةِ حنبلٍ: لَيْسَ السَّكرانُ بمَنزلةِ المجنونِ المرفوعِ عنه القلمُ، هذا جنايتُه مِن نفسِه. وحَدُّ السَّكرانِ الَّذِي وَقَعَ فيه الخلافُ: هو الَّذِي يَخلِطُ في كلامِه، وقراءتِه، وسَقَطَ تَمْيِيزُه بينَ الأعيانِ، ولا يُشتَرطُ فيه أنْ يَكُونَ بحَيثُ لا يُمَيِّزُ بينَ السَّماءِ والأرضِ، وبينَ الذَّكرِ والأُنثى، وأَوْمَأَ إليه أحمدُ في روايةِ حنبلٍ، قال: هو إذا وُضِعَ ثيابُه في ثيابِ غيرِه فلم يَعرِفْها، أو وُضِعَ نَعلُه في نِعالِهم فلم يَعرِفْه، وإذا هَذَى أكثرَ في كلامِه، وكانَ معروفًا بغيرِ ذلك. (وَ) يُكَلَّفُ العاقلُ مَعَ (إِكْرَاهٍ) بحقٍّ، كإكراهِ الحربيِّ والمُرتدِّ على الإسلامِ، فإنَّه يَصِحُ مِنهما وهما مُكَلَّفانِ بذلك، وإكراهِ الحاكمِ المديونَ بالوفاءِ مع القدرةِ. (وَيُبِيحُ) الإكراهُ: (مَا قَبُحَ) فِعلُه (ابْتِدَاءً) واستدلَّ الجماعةُ لذلك بإباحةِ كلمةِ الكفرِ بالإكراهِ: بقولِه تَعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١) وبالإجماعِ، وفيهما كفايةٌ.

стр. 246

ويُكَلَّفُ العاقلُ (بِضَرْبٍ، أَوْ تَهْدِيدٍ) عندَنا وعندَ الأكثرِ، سواءٌ كانَ الإكراهُ (بِحَقٍّ) كما تَقَدَّمَ، (أَوْ غَيْرِهِ) أي: بغيرِ حقٍ، لصِحَّةِ الفعلِ منه، وتَركِه، ونسبةُ الفعلِ إليه حقيقةٌ، ولهذا يَأْثَمُ المُكرَهُ بالقتلِ. تنبيهٌ: ضابطُ المذهبِ أنَّ الإكراهَ لا يُبِيحُ الأفعالَ، وإنَّما يُبِيحُ الأقوالَ، وإنِ اختلفَ في بعضِ الأفعالِ، واختلفَ التَّرجيحُ. و (لَا) يُكَلَّفُ: (١) (مَنِ) انْتَهى الإكراهُ إلى سَلْبِ قُدرتِه واختيارِه، حَتَّى صَارَ (كَآلَةٍ تُحْمَلُ (١). قال البِرْمَاوِيُّ: المُكْرَهُ كالآلةِ يَمتنعُ تَكليفُه، قِيلَ: باتِّفاقٍ، لكن (٢) الآمِدِيّ أشارَ إلى أنَّ تَطَرُّقَه الخلافُ مِن التَّكْلِيفِ بالمُحالِ، لتَصوُّرِ الابتلاءِ منه، بخلافِ الغافلِ (٣). (٢) (أَوْ) أي: ولا يُكَلَّفُ مِن (عُذِرَ بِسُكْرٍ) على الصَّحيحِ، فمَن أُكْرِهَ على شربِ مُسكِرٍ فهو غيرُ مُكَلَّفٍ في حالِ سُكْرِه المعذورِ به، فحُكمُه حُكْمُ المُغمى عليه والمجنونِ في تكليفِه وعدمِه. (٣) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا مَن (أَكَلَ بَنْجًا) على الصَّحيحِ، ولو لغيرِ حاجةٍ إذا زالَ العقلُ، ولا يَقَعُ طلاقُ مَن تَنَاوَلَه؛ لأنَّه لا لَذَّةَ فيه، وفَرَّقَ الإمامُ أحمدُ بينَ آكلِه وبينَ شاربِ الخمرِ، فأَلْحَقَه بالمجنونِ.

стр. 247

(٤) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا (مُغْمًى عَلَيْهِ) فهو غيرُ مُكَلَّفٍ حالَ إغمائِه على الصَّحيحِ، بل هو أَوْلَى مِن السَّكرانِ المُكْرَهِ في عدمِ التَّكْلِيفِ نصًّا. (٥) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا (نَائِمٌ، (٦) وَنَاسٍ) حالَ النَّومِ والنِّسيانِ على الصَّحيحِ؛ لقولِه (١) ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (٢)، و «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ» (٣). (٧) (وَ) وَلَا يُكلَّفُ أيضًا (مُخْطِئٌ) بما هو مُخطِئٌ فيه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ (٤) فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٥). (٨) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا (مَجْنُونٌ، (٩) وَغَيْرُ بَالِغٍ) لقولِه ﵇: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ»، وفي روايةٍ: «حَتَّى يَحْتَلِمَ»، وفي روايةٍ: «حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٦)، ولأنَّ غيرَ البالغِ ضعيفُ العَقلِ والبُنيةِ، ولا بدَّ مِن ضابطٍ يَضبِطُ الحدَّ الَّذِي يَتكامَلُ فيه بُنيتُه وعقلُه، فإنَّه يَتَزايَدُ تَزايُدًا خفيَّ التَّدريجِ، فلا يَعلَمُ بنَفْسِه، والبلوغُ ضابطٌ لذلك، ولهذا يَتَعَلَّقُ به أكثرُ الأحكامِ، فكذلك الصَّلَاةُ.

стр. 248

(وَوُجُوبُ زَكَاةٍ) على غيرِ مُكَلَّفٍ، (وَ) وجوبُ (نَفَقَةٍ) على قريبِه، (وَ) وُجوبُ (ضَمَانٍ) بإِتلافٍ (مِنْ رَبْطِ الحُكْمِ بِالسَّبَبِ) لتَعَلُّقِ هذه الأشياءِ بمَالِه، أو ذِمَّتِه الإنسانيَّةِ الَّتي يَستعِدُّ بها لقُوَّةِ الفهمِ في ثاني الحالِ كالمجنونِ، بخلافِ البهيمةِ: فيكُونُ ربطُ الحُكمِ بالأسبابِ مِن خطابِ الوضعِ. (١٠) (وَلَا) يُكَلَّفُ (مَعْدُومٌ حَالَ عَدَمِهِ) إجماعًا. (وَيَعُمُّهُ) أي: يَعُمُّ (الخِطَابُ) المعدومَ، (إِذَا) وُجِدَ و (كُلِّفَ كَغَيْرِهِ) مِن صغيرٍ ومجنونٍ على الصَّحيحِ، ولا يَحتاجُ خطابًا آخَرَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١)، إلى قولِه تعالى (٢): ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣)، قَالَ السَّلفُ: مَن بَلَغَه القُرآنُ فقد أُنْذِرَ بإنذارِ النَّبيِّ ﷺ (٤). وحُكْمُ الصَّبيِّ والمجنونِ في التَّناوُلِ بشرطٍ كالمعدومِ، بل أَوْلَى. (وَلَا يَجِبُ عَلَى اللهِ) سُبحانَه و (تَعَالَى شَيْءٌ) قالَه الإمامُ أحمدُ وغيرُه مِن الأئمَّةِ وأتباعِهم، بل يُثيبُ المُطيعَ بفَضلِه وكرمِه ورَحمتِه، حَتَّى قَالَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه مِن العلماءِ: لَا (عَقْلًا وَلَا شَرْعًا). قال الشَّيخُ بعدَ ذِكْرِ الخلافِ: وعندَنا وعندَ الأكثرِ لا يَقِفُ الأمرُ على المصلحةِ، بل يَجُوزُ أنْ يَأمُرَ بما لا مَصلَحَةَ فيه للمأمورِ، ولكنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا وَقَعَ على وجهِ المصلحةِ، بناءً على أنَّه قد يَأمُرُ بما لا يُريدُ كَوْنَه، وأنَّه لا يَجِبُ عليه رعايةُ الصَّلاحِ والأصلحِ، وأنَّه سُبحانَه لا يَقبُحُ منه شيءٌ، بل يَفعَلُ ما يَشاءُ.

стр. 249

(تنبيهٌ): لمَّا فَرَغَ مِن أحكامِ المُقدِّمةِ، ومَسائِلِها، وما يَتَعَلَّقُ بها، شَرَعَ في بيانِ موضوعِ علمِ أصولِ الفقهِ، وهو «أدلَّةُ الفقهِ». و (الأَدِلَّةُ) المُتَّفَقُ عليها في الجملةِ أربعةٌ: (١) (الكِتَابُ): وهو القرآنُ (وَهُوَ الأَصْلُ) أي: أصلُ الأَدِلَّةِ كلِّها، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) ففيه البيانُ لجميعِ الأحكامِ. (وَ) الثَّاني: (السُّنَّةُ: وَهِيَ مُخْبِرَةٌ (٢) عَنْ حُكْمِ اللهِ) سُبحانَه و (تَعَالَى) لقولِه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣). (وَ) الثَّالثُ: (الإِجْمَاعُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيْهِمَا) أي: إلى الكتابِ والسُّنَّةِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وإلى القياسِ؛ لأنَّ أصلَه: إمَّا الكتابُ، أو السُّنَّةُ، ويَأتي: أنَّ الإجماعَ لا يكُونُ إلَّا عن مستنَدٍ، وأنَّه يَكُونُ عن قياسٍ واجتهادٍ (٤). فائدةٌ: المُرادُ بالإجماعِ: اتِّفاقُ الأئمَّةِ الأربعةِ، ومَن نَحَا نَحوَهم، ولا اعتبارَ بخلافِ مَن لا يُعتَدُّ بقولِه، كالنَّظَّامِ (٥) في مخالفتِه في الإجماعِ على اختلافِ النَّقلِ عنه هل مَذهبُه: أنَّ الإجماعَ لا يُتَصَوَّرُ، أو يُتَصَوَّرُ ولكنْ يَتَعَذَّرُ نَقلُه على وجهِه، أو لا يَتَعَذَّرُ ولكنْ لا حُجَّةَ فيه، وهذا الثَّالثُ هو المُحَقَّقُ عنه.

стр. 250

(وَ) الرَّابعُ: (القِيَاسُ): فهو مِن جملةِ أصولِ الفقهِ على الصَّحيحِ، خلافًا لأبي المعالي وجَمْعٍ، وتَعَلَّقُوا بأنَّه لا يُفيدُ إلَّا الظَّنَّ، والحقُّ هو الأوَّلُ، والثَّاني ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ القياسَ قد يُفِيدُ القطعَ كما سيَأتي، وإنْ قُلْنا إنَّه لا يُفيدُ إلَّا الظَّنَّ، فخبَرُ الواحدِ ونَحوُه لا يُفيدُ إلَّا الظَّنَّ. (وَهُوَ) أي: القياسُ (مُسْتَنْبَطٌ مِنَ) الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ؛ لأنَّ القياسَ يَنْشَأُ عن هذه (الثَّلَاثَةِ). فائدةٌ: الأصولُ الَّتي اشتهرَ الخلافُ فيها خمسةٌ: الاستصحابُ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا، والاستقراءُ، ومَذهَبُ الصَّحابيِّ، والاستحسانُ.
следующие страницы →