← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويُكَلَّفُ العاقلُ (بِضَرْبٍ، أَوْ تَهْدِيدٍ) عندَنا وعندَ الأكثرِ، سواءٌ كانَ الإكراهُ (بِحَقٍّ) كما تَقَدَّمَ، (أَوْ غَيْرِهِ) أي: بغيرِ حقٍ، لصِحَّةِ الفعلِ منه، وتَركِه، ونسبةُ الفعلِ إليه حقيقةٌ، ولهذا يَأْثَمُ المُكرَهُ بالقتلِ. تنبيهٌ: ضابطُ المذهبِ أنَّ الإكراهَ لا يُبِيحُ الأفعالَ، وإنَّما يُبِيحُ الأقوالَ، وإنِ اختلفَ في بعضِ الأفعالِ، واختلفَ التَّرجيحُ. و (لَا) يُكَلَّفُ: (١) (مَنِ) انْتَهى الإكراهُ إلى سَلْبِ قُدرتِه واختيارِه، حَتَّى صَارَ (كَآلَةٍ تُحْمَلُ (١). قال البِرْمَاوِيُّ: المُكْرَهُ كالآلةِ يَمتنعُ تَكليفُه، قِيلَ: باتِّفاقٍ، لكن (٢) الآمِدِيّ أشارَ إلى أنَّ تَطَرُّقَه الخلافُ مِن التَّكْلِيفِ بالمُحالِ، لتَصوُّرِ الابتلاءِ منه، بخلافِ الغافلِ (٣). (٢) (أَوْ) أي: ولا يُكَلَّفُ مِن (عُذِرَ بِسُكْرٍ) على الصَّحيحِ، فمَن أُكْرِهَ على شربِ مُسكِرٍ فهو غيرُ مُكَلَّفٍ في حالِ سُكْرِه المعذورِ به، فحُكمُه حُكْمُ المُغمى عليه والمجنونِ في تكليفِه وعدمِه. (٣) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا مَن (أَكَلَ بَنْجًا) على الصَّحيحِ، ولو لغيرِ حاجةٍ إذا زالَ العقلُ، ولا يَقَعُ طلاقُ مَن تَنَاوَلَه؛ لأنَّه لا لَذَّةَ فيه، وفَرَّقَ الإمامُ أحمدُ بينَ آكلِه وبينَ شاربِ الخمرِ، فأَلْحَقَه بالمجنونِ.

стр. 247

(٤) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا (مُغْمًى عَلَيْهِ) فهو غيرُ مُكَلَّفٍ حالَ إغمائِه على الصَّحيحِ، بل هو أَوْلَى مِن السَّكرانِ المُكْرَهِ في عدمِ التَّكْلِيفِ نصًّا. (٥) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا (نَائِمٌ، (٦) وَنَاسٍ) حالَ النَّومِ والنِّسيانِ على الصَّحيحِ؛ لقولِه (١) ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (٢)، و «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ» (٣). (٧) (وَ) وَلَا يُكلَّفُ أيضًا (مُخْطِئٌ) بما هو مُخطِئٌ فيه؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ (٤) فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٥). (٨) (وَ) لا يُكَلَّفُ أيضًا (مَجْنُونٌ، (٩) وَغَيْرُ بَالِغٍ) لقولِه ﵇: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ»، وفي روايةٍ: «حَتَّى يَحْتَلِمَ»، وفي روايةٍ: «حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٦)، ولأنَّ غيرَ البالغِ ضعيفُ العَقلِ والبُنيةِ، ولا بدَّ مِن ضابطٍ يَضبِطُ الحدَّ الَّذِي يَتكامَلُ فيه بُنيتُه وعقلُه، فإنَّه يَتَزايَدُ تَزايُدًا خفيَّ التَّدريجِ، فلا يَعلَمُ بنَفْسِه، والبلوغُ ضابطٌ لذلك، ولهذا يَتَعَلَّقُ به أكثرُ الأحكامِ، فكذلك الصَّلَاةُ.

стр. 248

(وَوُجُوبُ زَكَاةٍ) على غيرِ مُكَلَّفٍ، (وَ) وجوبُ (نَفَقَةٍ) على قريبِه، (وَ) وُجوبُ (ضَمَانٍ) بإِتلافٍ (مِنْ رَبْطِ الحُكْمِ بِالسَّبَبِ) لتَعَلُّقِ هذه الأشياءِ بمَالِه، أو ذِمَّتِه الإنسانيَّةِ الَّتي يَستعِدُّ بها لقُوَّةِ الفهمِ في ثاني الحالِ كالمجنونِ، بخلافِ البهيمةِ: فيكُونُ ربطُ الحُكمِ بالأسبابِ مِن خطابِ الوضعِ. (١٠) (وَلَا) يُكَلَّفُ (مَعْدُومٌ حَالَ عَدَمِهِ) إجماعًا. (وَيَعُمُّهُ) أي: يَعُمُّ (الخِطَابُ) المعدومَ، (إِذَا) وُجِدَ و (كُلِّفَ كَغَيْرِهِ) مِن صغيرٍ ومجنونٍ على الصَّحيحِ، ولا يَحتاجُ خطابًا آخَرَ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (١)، إلى قولِه تعالى (٢): ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٣)، قَالَ السَّلفُ: مَن بَلَغَه القُرآنُ فقد أُنْذِرَ بإنذارِ النَّبيِّ ﷺ (٤). وحُكْمُ الصَّبيِّ والمجنونِ في التَّناوُلِ بشرطٍ كالمعدومِ، بل أَوْلَى. (وَلَا يَجِبُ عَلَى اللهِ) سُبحانَه و (تَعَالَى شَيْءٌ) قالَه الإمامُ أحمدُ وغيرُه مِن الأئمَّةِ وأتباعِهم، بل يُثيبُ المُطيعَ بفَضلِه وكرمِه ورَحمتِه، حَتَّى قَالَ ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه مِن العلماءِ: لَا (عَقْلًا وَلَا شَرْعًا). قال الشَّيخُ بعدَ ذِكْرِ الخلافِ: وعندَنا وعندَ الأكثرِ لا يَقِفُ الأمرُ على المصلحةِ، بل يَجُوزُ أنْ يَأمُرَ بما لا مَصلَحَةَ فيه للمأمورِ، ولكنَّ التَّكْلِيفَ إِنَّمَا وَقَعَ على وجهِ المصلحةِ، بناءً على أنَّه قد يَأمُرُ بما لا يُريدُ كَوْنَه، وأنَّه لا يَجِبُ عليه رعايةُ الصَّلاحِ والأصلحِ، وأنَّه سُبحانَه لا يَقبُحُ منه شيءٌ، بل يَفعَلُ ما يَشاءُ.

стр. 249

(تنبيهٌ): لمَّا فَرَغَ مِن أحكامِ المُقدِّمةِ، ومَسائِلِها، وما يَتَعَلَّقُ بها، شَرَعَ في بيانِ موضوعِ علمِ أصولِ الفقهِ، وهو «أدلَّةُ الفقهِ». و (الأَدِلَّةُ) المُتَّفَقُ عليها في الجملةِ أربعةٌ: (١) (الكِتَابُ): وهو القرآنُ (وَهُوَ الأَصْلُ) أي: أصلُ الأَدِلَّةِ كلِّها، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) ففيه البيانُ لجميعِ الأحكامِ. (وَ) الثَّاني: (السُّنَّةُ: وَهِيَ مُخْبِرَةٌ (٢) عَنْ حُكْمِ اللهِ) سُبحانَه و (تَعَالَى) لقولِه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣). (وَ) الثَّالثُ: (الإِجْمَاعُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيْهِمَا) أي: إلى الكتابِ والسُّنَّةِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وإلى القياسِ؛ لأنَّ أصلَه: إمَّا الكتابُ، أو السُّنَّةُ، ويَأتي: أنَّ الإجماعَ لا يكُونُ إلَّا عن مستنَدٍ، وأنَّه يَكُونُ عن قياسٍ واجتهادٍ (٤). فائدةٌ: المُرادُ بالإجماعِ: اتِّفاقُ الأئمَّةِ الأربعةِ، ومَن نَحَا نَحوَهم، ولا اعتبارَ بخلافِ مَن لا يُعتَدُّ بقولِه، كالنَّظَّامِ (٥) في مخالفتِه في الإجماعِ على اختلافِ النَّقلِ عنه هل مَذهبُه: أنَّ الإجماعَ لا يُتَصَوَّرُ، أو يُتَصَوَّرُ ولكنْ يَتَعَذَّرُ نَقلُه على وجهِه، أو لا يَتَعَذَّرُ ولكنْ لا حُجَّةَ فيه، وهذا الثَّالثُ هو المُحَقَّقُ عنه.

стр. 250

(وَ) الرَّابعُ: (القِيَاسُ): فهو مِن جملةِ أصولِ الفقهِ على الصَّحيحِ، خلافًا لأبي المعالي وجَمْعٍ، وتَعَلَّقُوا بأنَّه لا يُفيدُ إلَّا الظَّنَّ، والحقُّ هو الأوَّلُ، والثَّاني ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ القياسَ قد يُفِيدُ القطعَ كما سيَأتي، وإنْ قُلْنا إنَّه لا يُفيدُ إلَّا الظَّنَّ، فخبَرُ الواحدِ ونَحوُه لا يُفيدُ إلَّا الظَّنَّ. (وَهُوَ) أي: القياسُ (مُسْتَنْبَطٌ مِنَ) الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ؛ لأنَّ القياسَ يَنْشَأُ عن هذه (الثَّلَاثَةِ). فائدةٌ: الأصولُ الَّتي اشتهرَ الخلافُ فيها خمسةٌ: الاستصحابُ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا، والاستقراءُ، ومَذهَبُ الصَّحابيِّ، والاستحسانُ.

стр. 251

(بَابٌ) (الكِتَابِ) في الأصلِ: جِنْسٌ، وهو في عُرْفِ أهلِ الشَّرعِ: (القُرْآنُ) بدليلِ قولِه تَعالى: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (١)، بعدَ قولِه: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)، والمسموعُ واحدٌ، والإجماعُ مُنعقِدٌ على اتِّحادِ اللَّفظينِ، فلا عِبْرةَ بمَن خالَفَ، فإنَّه خطأٌ. (وَهُوَ) أي: القرآنُ: (كَلَامٌ) وهو أَوْلَى مِن اللَّفظِ؛ لأنَّ الكلامَ أَخَصُّ مِن اللَّفظِ، فهو جنسٌ قريبٌ، وأَوْلَى مِن القولِ، لمُوافقتِه القُرآنَ في قولِه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٣)، ولم يَقُلِ: «الكلامَ» بالألفِ واللَّامِ؛ لأنَّ الحقيقةَ لا يُؤتَى فيها بِدَالٍّ (٤) على كَمِّيَّةٍ، وما بَعدَه الفصلُ المُخرِجُ لغيرِه، فخَرَجَ بقولِه: (مُنَزَّلٌ) ما يُقالُ مِن الكلامِ النَّفسيِّ. وخَرَجَ بقولِه: (عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ما نَزَلَ على غيرِه مِن الأنبياءِ، كصُحُفِ إبراهيمَ وشِيثٍ، وفي الحديثِ: «إِنَّ اللهَ تَعالى أَنْزَلَ مِئَةً وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ» (٥). وخَرَجَ بقولِه: (مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ) السُّنَّةُ؛ فإنَّها وإنْ كانَتْ مُنَزَّلَةً وربَّما كانَتْ مُعجِزَةً أيضًا لكنْ لم يُقصَدْ بإنزالِها الإعجازُ، وإنَّما كانَتِ السُّنَّةُ مُنَزَّلَةً لقولِه تَعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٦).

стр. 252

والمُرادُ بالإعجازِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُمِرَ أن يَتَحَدَّاهم بما جاءَ به فيَقولُ: هل تَقْدِرون أنْ تَأتوا بمِثْلِ ما قُلْتُه؟ فيَعجِزوا عن ذلك، فقد أَعْجَزَهم ذلك القولُ فهو مُعجِزٌ، فالسُّنَّةُ مُعجِزَةٌ بالقُوَّةِ، لكنَّه لم يُطْلَبْ منهم أن يَأْتُوا بمِثْلِها، والقُرآنُ مُعجِزٌ بالفعلِ لكَوْنِه تَحَدَّاهم أنْ يَأْتُوا بمِثْلِه بأمْرِ اللهِ له بالتَّحدِّي به، ولم يَأمُرْه أنْ يَتَحَدَّى بالسُّنَّةِ، فهذا الفرقُ بينَ الإعجازينِ. قال الإمامُ أحمدُ: مَن قَالَ القرآنُ مَقْدورٌ على مِثْلِه ولكنْ مَنَعَ اللهُ قُدرَتَهم كَفَرَ، بل هو مُعجِزٌ بنَفْسِه، والعجزُ يَشْمَلُ الخَلْقَ (١). وزادَ بَعضُهم: (مُتَعَبَّدٌ بِتِلَاوَتِهِ) ليُخرِجَ الآياتِ المنسوخةَ لَفْظُها، سواءٌ بَقِيَ الحُكْمُ أم لا؛ لأنَّها بعدَ النَّسخِ صارَتْ غيرَ قرآنٍ؛ لسُقُوطِ التَّعبُّدِ بتلاوتِها، ولذلك لا تُعطَى حُكْمَ القُرآنِ. (وَالكَلَامُ: حَقِيقَةً) عندَ أحمدَ، والبخاريِّ، وابنِ المُباركِ، وأهلِ السُّنَّةِ وجمهورِ العلماءِ لَيْسَ مشتَركًا بينَ العبارةِ ومَدلولِها، بل الكلامُ هو: (الأَصْوَاتُ وَالحُرُوفُ) المسموعةُ، فيَكُونُ الكلامُ حقيقةً في العبارةِ، مجازًا في مَدلولِها. قالَ الشَّيخُ: وَلَيْسَ مِن طوائفِ المسلمينَ مَن أَنْكَرَ أنَّ اللهَ تَعالى يَتَكَلَّمُ بصوتٍ إلَّا ابنُ كُلَّابٍ ومَنِ اتَّبَعَه، كما أنَّ لَيْسَ في طوائفِ المسلمينَ مَن قال: إنَّ الكلامَ مَعنًى واحدٌ قائمٌ بالمُتَكَلِّمِ، إلَّا هو ومَنِ اتَّبَعَه (٢). انتهى. قالَ المُوَفَّقُ: أَجمَعْنا على أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ تَعالى، وقد أَخْبَرَ اللهُ تَعالى

стр. 253

بذلك بقولِه: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١)، وقولِه تَعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (٣). وقالَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: ما هذا كَلَامِي ولا كَلَامُ صَاحِبِي، وَلَكِنْ كَلَامُ اللهِ تعالى (٤). والكلامُ: هو الحروفُ المنظومةُ، والكلماتُ المفهومةُ، والأصواتُ المفهومةُ. (وَإِنْ سُمِّيَ بِهِ) أي: سُمِّيَ بالكلامِ (المَعْنَى النَّفْسِيُّ) فمَجازٌ. (وَ) المعنى النَّفسيُّ: (هُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ) أي: بينَ المَعنيينِ المُفردينِ، تَعَلَّقُ أحدِهما بالآخَرِ، وإضافتُه إليه على وجهِ الإسنادِ الإفاديِّ؛ أي: بحَيثُ إذا عُبِّرَ عن تلك النِّسبةِ [بلفظٍ يُطابِقُها ويُؤَدِّي مَعناها كانَ ذلك اللَّفظُ إسنادًا إفاديًّا (قَائِمَةٌ) تلك النِّسبةُ] (٥) (بِالمُتَكَلِّمِ) ومعنى قيامِها به ما قالَه الفخرُ الرَّازيُّ (٦): وهو أنَّ الشَّخصَ إذا قَالَ لغيرِه: اسْقِني ماءً، فَقَبْلَ أن يَتَلَفَّظَ بهذه الصِّيغةِ قامَ بنَفْسِه تصوُّرُ حقيقةِ السَّقْيِ، وحقيقةِ الماءِ، والنِّسبةُ الطَّلبيَّةُ

стр. 254

بينَهما، فهذا هو الكلامُ النَّفسيُّ، والمعنى القائمُ بالنَّفْسِ، وصيغةُ قولِه: «اسْقِني ماءً»، عبارةٌ عنه ودليلٌ عليه. إذا عَلِمْتَ ذلك (فَـ) إطلاقُ المعنى النَّفسيِّ على الكلامِ (مَجَازٌ) لا حقيقةٌ. تنبيهٌ: هذه المسألةُ مِن أعظمِ مسائلِ أصولِ الدِّينِ، وهي مسألةٌ طويلةُ الذَّيلِ، حَتَّى قِيلَ: إنَّه لم يُسَمَّ علمُ الكلامِ إلَّا لأجلِها، ولذلك اختلفَ أئمَّةُ الإسلامِ فيها اختلافًا كثيرًا مُتباينًا. قال الطُّوفِيُّ (١): إِنَّمَا كانَ حقيقةً في العبارةِ مجازًا في مَدلولِها لوجهينِ: أحدُهما: أنَّ المُتبادِرَ إلى فهمِ أهلِ اللُّغةِ مِن إطلاقِ الكلامِ إِنَّمَا هو العباراتُ، والمُبادرَة دليلُ الحقيقةِ. الثَّاني: أنَّ الكلامَ مُشتَقٌّ مِن الكَلْمِ، لتَأْثِيرِه في نفسِ السَّامِعِ، وَالمُؤَثِّرُ في نفسِ السَّامعِ إِنَّمَا هو العباراتُ لا المعاني النَّفسيَّةُ بالفِعلِ، نعمْ، هي مُؤثِّرةٌ للفائدةِ بالقُوَّةِ، والعبارةُ مُؤثِّرةٌ بالفعلِ؛ فكانَتْ أَوْلَى بأنْ تَكُونَ حقيقةً، وما يَكُونُ مُؤَثِّرًا بالقوَّةِ: مجازٌ. قولُهم: استعملَ لغةً وعُرفًا فيهما. قُلْنا: نعمْ، بالاشتِراكِ، أو بالحقيقةِ فيما ذَكَرْنَاه، والمجازُ فيما ذَكَرْتُموه، والأوَّلُ ممنوعٌ. قولُهم: الأصلُ في الإطلاقِ الحقيقةُ.

стр. 255

قُلْنا: والأصلُ عدمُ الاشتِراكِ، ثمَّ قد تَعارَضَ المجازُ والاشتِراكُ المُجَرَّدُ، والمجازُ أَوْلَى، ثمَّ إنَّ لفظَ الكلامِ أكثرُ ما اسْتُعمِلَ في العباراتِ، وكثرةُ مواردِ الاستعمالِ تَدُلُّ على الحقيقةِ، فأمَّا قولُه تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) فمجازٌ؛ لأنَّه إِنَّمَا دَلَّ على المعنى النَّفسيِّ بالقَرينةِ، وهي قولُه: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) ولو أُطلِقَ لَمَا فُهِمَ إلَّا العبارةُ، وكذلك كلُّ ما جاءَ مِن هذا البابِ إِنَّمَا يُفيدُ مع القَرينةِ، ومنه قولُ عمرَ ﵁: «زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي كلامًا» إِنَّمَا أفادَ ذلك بقَرينةِ قولِه: «فِي نَفْسِي»، وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (٣) فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الإسرارَ نَقيضُ الجهرِ، وكلاهما عبارةٌ إحداهما أرفعُ صوتًا من الأُخرى. وأمَّا الشِّعرُ يَعني قَولَ الشَّاعرِ (٤): إِنَّ الكَلَامَ لَفِي الفُؤَادِ وَإِنَّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الفُؤَادِ دَلِيلَا فهو للأخطلِ، ويُقالُ: إنَّ المشهورَ فيه: «إِنَّ البَيَانَ لَفِي الفُؤَادِ»، وبتقديرِ أنْ يَكُونَ كما ذَكَرْتُم فهو مجازٌ عن مادَّةِ الكلامِ، وهو التَّصوُّراتُ المُصَحِّحَةُ له؛ إذ مَن لا يَتَصَوَّرُ مَعنى ما يَقولُ لا يُوجدُ منه (٥) كلامٌ، ثمَّ هو مبالغةٌ مِن هذا الشَّاعرِ في ترجيحِ الفُؤادِ على اللِّسانِ (٦). انتهى.

стр. 256

(وَالكِتَابَةُ: كَلَامٌ حَقِيقَةً) قالَتْ عائشةُ ﵂: ما بينَ دَفَّتَيِ المصحفِ كلامُ اللهِ. وأجمعَ السَّلَفُ على أنَّ الَّذِي بينَ الدَّفتَينِ كلامُ اللهِ. وقالَ ابنُ قُتَيْبَةَ: لسْنا نَشُكُّ أنَّ القُرآنَ في المُصحفِ على الحقيقةِ لا على المجازِ، كما يَقولُه بعضُ أهلِ الكلامِ: أنَّ الَّذِي في المُصحفِ دليلٌ على القُرآنِ (١). وَقِيلَ: إنَّ الكتابةَ لا تكُونُ كلامًا حقيقةً. قالَ صاحبُ «الأصلِ»: وهو أظهرُ وأصحُّ (٢). (وَ) قَالَ الإمامُ أحمدُ، وعبدُ اللهِ بنُ المباركِ، والبُخاريُّ وأئمةُ الحديثِ: (لَمْ يَزَلِ اللهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا كَيْفَ شَاءَ وَإِذَا شَاءَ بِلَا كَيْفٍ). قالَ القاضي: إذا أرادَ أنْ يُسمِعَنا (٣). وقالَ الإمامُ أحمدُ أيضًا: لم يَزَلِ اللهُ (يَأْمُرُ بِمَا شَاءَ (٤) وَيَحْكُمُ). قالَ السَّلفُ والأئمَّةُ: إنَّ اللهَ تَعالى يَتَكَلَّمُ بمشيئتِه وقدرتِه، وإنْ كانَ مع ذلك قديمَ النَّوعِ، بمَعنى أنَّه لم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، فإنَّ الكلامَ صفةُ كمالٍ، [ومَن يَتَكَلَّمُ أكملُ ممَّن لا يَتَكَلَّمُ] (٥)، ومَن يَتَكَلَّمُ بمشيئتِه وقدرتِه أكملُ

стр. 257

ممَّن لا يَكُونُ مُتكَلِّمًا بمشيئتِه وقدرتِه، ومَن لا يَزالُ مُتَكَلِّمًا بمشيئتِه وقدرتِه أكملُ ممَّن يَكُونُ الكلامُ مُمْكِنًا له بعدَ أنْ يَكُونَ مُمتنِعًا منه، أو قُدِّرَ أنَّ ذلك ممكنٌ، فكيف إذا كانَ مُمتنِعًا لامتناعِ أن يَصِيرَ الرَّبُّ قادرًا بعدَ أنْ لم يَكُنْ، وأنْ يَكُونَ التَّكلُّمُ والفعلُ مُمْكِنًا بعدَ أنْ كانَ غيرَ ممكنٍ. قالَ ابنُ قاضي الجبلِ (١): احتجَّ الجمهورُ بالكتابِ، والسُّنَّةِ، واللُّغةِ، والعُرفِ، أمَّا الكتابُ فقولُه تَعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ (٢)، فلم يُسَمِّ الإشارةَ كلامًا، وقالَ لمريمَ: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٣). وفي الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعالى عَفَا لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَأِ وَالنِّسْيَانَ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» (٤). وقَسَّمَ أهلُ اللِّسانِ الكلامَ إلى: اسمٍ، وفعلٍ، وحرفٍ. واتَّفَقَ الفقهاءُ كافَّةً على أنَّ مَن حَلَفَ لا يَتكَلَّمُ لا يَحنَثُ بدونِ النُّطقِ وإنْ حَدَّثَتْه نَفْسُه. فَإِنْ قِيلَ: الأيمانُ مَبناها على العُرفِ.

стр. 258

قيلَ: الأصلُ عدمُ التَّغييرِ، وأهلُ العُرفِ يُسَمُّون النَّاطقَ مُتَكَلِّمًا، ومَن عَدَاه ساكتًا أو أَخرَسَ. قالُوا: قولُه تَعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (١) أَكْذَبَهم اللهُ في شهادَتِهم، ومعلومٌ صِدقُهم في النُّطقِ اللِّسانيِّ، فلا بدَّ مِن إثباتِ كلامٍ في النَّفْسِ لكونِ الكذبِ عائدًا إليه. قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: الشَّهادةُ: الإخبارُ (٢) عن الشَّيْءِ مع اعتقادِه، فلَمَّا لم يَكُونوا مُعتقِدينَ أَكْذَبَهم اللهُ تَعالى (٣). وذَكَرَ أبو نصرٍ السِّجِسْتَانِيُّ في كتابِه «الرَّدّ على مَن أَنْكَرَ الحرفَ (٤) والصَّوتَ» (٥): عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ، عن جريرِ بنِ جابرٍ، عن كعبٍ أنَّه قَالَ: «لَمَّا كَلَّمَ اللهُ مُوسَى ﵊ كَلَّمَهُ بِالأَلْسِنَةِ كُلِّهَا قَبْلَ لِسَانِهِ، فَطَفِقَ مُوسَى يَقُولُ: وَاللهِ يَا رَبِّ! مَا أَفْقَهُ هَذَا، حَتَّى كَلَّمَهُ بِلِسَانِهِ آخِرَ الأَلْسِنَةِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ». قال: وهو محفوظٌ عنِ الزُّهريِّ، رَوَاه عنه (٦) ابنُ أبي عتيقٍ، والزّبيديُّ، ومَعمَرٌ، ويونُسُ بنُ يزيدَ، وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ، وهم كلُّهم أئمَّةٌ، ولم يُنْكِرْه أحدٌ (٧) منهم.

стр. 259

وقولُه: «بمِثلِ صوتِه» معناه أنَّ موسى ﵊ حَسِبَه مِثْلَ صوتِه في تَمَكُّنِه مِن سماعِه وبيانِه عندَه، ويُوضِّحُه قولُه تَعالى: «لَوْلَا كَلَّمْتُكَ بِكَلَامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا وَلَمْ تَسْتَقِمْ لَهُ». انتهى. ونَقَلَ الطُّوفِيُّ عن الحافظِ ابنِ شُكْرٍ (١) أنَّه قَالَ: صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أربعةَ عَشَرَ حديثًا في الصَّوتِ (٢). وقد ذَكَرَ البخاريُّ في «صحيحِه» وفي «خلقُ أَفْعَالِ العِبَادِ» جملةً مِن ذلك، وجَمَعَ الحافظُ الضِّياءُ المَقدِسِيُّ جزءًا، وذَكَرَ مِن ذلك في «شرحِ الأصلِ» (٣) خمسةَ عَشَرَ حديثًا حَتَّى قَالَ: الحديثُ الخامسَ عَشَرَ ما رَوَاه أبو (٤) شُرَيْحٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فقَالَ: «أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ ألَّا إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «فَإِنَّ هَذَا القُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا» رَوَاه ابنُ أبي شَيبةَ (٥)، وروى معناه أبو داودَ الطَّيَالِسِيُّ (٦).

стр. 260

وفي «الصحيح»: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ» (١). هذا آخِرُ الأحاديثِ الَّتي نَقَلْناها مِن جزءِ الحافظِ ضياءِ الدِّينِ وغيرِه المشتملِ على الأحاديثِ الواردةِ في الحرفِ والصَّوتِ، وهي قريبٌ مِن ثلاثينَ حديثًا، بعضُها صحاحٌ وبعضها حِسَانٌ مُحتَجٌّ بها، وقد أَخْرَجَ غالبَها الحافظُ ابنُ حجرٍ في «شرحِ البخاريِّ»، وغالبُها احتجَّ بها الإمامُ أحمدُ، والإمامُ محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، وغيرُهما مِن أئمَّةِ الحديثِ (٢) على أنَّ اللهَ تَعالى تَكَلَّمَ بصوتٍ، وهُم أئمَّةُ هذا الشَّأنِ، والمُقْتَدَى بهم فيه، والمرجعُ إليهم، وقد صَحَّحُوا هذه الأحاديثَ واعتَمَدُوا عليها، واعتقدوا ما فيها، مُنَزِّهِينَ للهِ تَعالى عمَّا لا يَلِيقُ بجلالِه مِن سماتِ الحُدوثِ وغيرِها، كما قالوا في سائرِ الصِّفاتِ، فإذا رَأَيْنا أحدًا مِن النَّاسِ ما يَقْدِرُ عُشْرَ مِعشارِ أحدِ هؤلاءِ، يَقُولُ: لم يَصِحَّ عن النَّبيِّ ﷺ حديثٌ واحدٌ أنَّه تَكَلَّمَ بصوتٍ، ورَأَيْنا هؤلاءِ الأئمَّةَ أئمةَ الإسلامِ، الَّذين اعتمدَ أهلُ الإسلامِ على أقوالِهم، وعَمِلُوا بها، ودَوَّنُوها، ودانو لله تعالى بها، صَرَّحُوا بأنَّ اللهَ تَعالى تَكَلَّمَ بصوتٍ لا يُشبِهُ صوتَ مخلوقٍ بوجهٍ من الوجوهِ البتَّةَ، مُعتَمِدِينَ على ما صَحَّ عندَهم عن (٣) صاحبِ الشَّريعةِ المعصومِ في أقوالِه وأفعالِه، الَّذِي لا يَنطِقُ عنِ الهوى، إنْ هو إلَّا وحيٌ يُوحَى، مع اعتقادِهم -الجازمينَ به، الَّذِي لا يَعتَريه شَكٌّ ولا وَهْمٌ ولا خيالٌ- نَفْيَ التَّشبيهِ والتَّمثيلِ والتَّكييفِ، وأنَّهم قائلونَ في صفةِ الكلامِ كما يَقُولون في جميعِ صفاتِ اللهِ تَعالى، مِن

стр. 261

النُّزولِ، والمجيءِ، والاستواءِ، والسَّمْعِ، والبصرِ، واليدِ وغيرِها، كما قالَه سَلَفُ هذه الأُمَّةِ الصَّالحُ مع إثباتِهم لها: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢). قالَ المُوَفَّقُ: فإذا كانَ حقيقةُ التَّكلُّمِ والمُناداةِ شيئًا واحدًا، وتَواتَرَتِ الأخبارُ والآثارُ به، فما إنكارُه إلَّا عنادٌ واتباعٌ للهوى المُجرَّدِ، وصروفٌ عنِ الحقِّ، وتركُ الصِّراطِ المستقيمِ. انتهى. و حدُّ الصَّوتِ: ما يُتَحَقَّقُ سماعُه، فكلُّ مُتَحَقَّقٍ سَمَاعُه صوتٌ، وكلُّ ما لا يَتَأَتَّى سماعُه البتَّةَ لَيْسَ بصوتٍ، وحُجَّةُ الحدِّ كونُه مُطَّرِدًا مُنعكسًا. وقولُ مَن قال: إنَّ الصَّوتَ هو الخارجُ مِن هواء بينَ جِرمينِ: فغيرُ صحيحٍ؛ لأنَّه يُوجَدُ سماعُ الصَّوتِ مِن غيرِ ذلك، كتسليمِ الأحجارِ، وتسبيحِ الطَّعامِ والجبالِ، وشهادةِ الأيدي والأرجُلِ، وحنينِ الجذعِ، وقد قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٣)، وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٤)، وما لشيءٍ مِن ذلك منخرقٌ بينَ جِرمينِ. وقد أَقَرَّ الأشعريُّ (٥) أنَّ السَّمواتِ والأرضَ ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٦) حقيقةً لا مجازًا، واللهُ أعلمُ. وقالَ الشَّيخُ: ولا نزاعَ بينَ العلماءِ أنَّ كلامَ اللهِ لا يُفارِقُ ذاتَ اللهِ سبحانَه، وأنَّه لا يُبايِنُه كلامُه وَلَا شيءٌ مِن صفاتِه، بل لَيْسَ شيءٌ مِن صفةِ موصوفٍ

стр. 262

تُبايِنُ مَوصوفَها وتَنتقِلُ إلى غيرِه، فكيف يَتَوَهَّمُ عاقلٌ أنَّ كلامَ اللهِ يُبايِنُه ويَنتقِلُ إلى غيرِه (١). (وَفِي بَعْضِ آيَةٍ) مِن القرآنِ (إِعْجَازٌ) ذَكَرَه القاضي؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٢)، والظَّاهرُ: أنَّه أرادَ ما فيه الإعجازُ، وإلَّا فلا يَقُولُ في مِثلِ قولِه تَعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٣) أنَّ في بعضِها إعجازًا، أو فيها أيضًا، وهو واضحٌ. وقالَ أبو المعالي: إِنَّمَا يُتَحَدَّى بالآيةِ إذا كانَتْ مُشتمِلةً على ما به التَّعجيزُ، لا في نحوِ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٤) فيَكُونُ المعنى في قولِه تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٥) أي: مِثْلِه في الاشتمالِ على ما به يَقَعُ الإعجازُ لا مُطلقًا. (وَيَتَفَاضَلُ) القُرآنُ؛ لقولِه ﵊: «يس قَلْبُ القُرْآنِ» (٦)، و «فَاتِحَةُ الكِتَابِ أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ» (٧)، و «آيَةُ الكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ» (٨)، و «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» (٩).

стр. 263

(و) يَتَفَاضَلُ أيضًا (ثَوَابُهُ) للخبَرِ، والأخبارُ الواردةُ في فضائلِ القرآنِ وتَخصيصِ بعضِ السُّورِ والآياتِ بالفضلِ، وكثرةِ الثَّوابِ في تلاوتِها: لا يُحصى. وقالَ الشَّيخُ عزُّ الدِّينِ بنُ عبدِ السَّلامِ: كلامُ اللهِ في اللهِ أفضلُ مِن كلامِه في غيرِه. فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (١) أفضلُ مِن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢). (وَيَتَفَاوَتُ إِعْجَازُهُ) يَعني أنَّ في بعضِه إعجازًا أكثرَ مِن بعضٍ. (وَالبَسْمَلَةُ: (١) مِنْهُ) أي: مِن القُرآنِ، لإجماعِ الصَّحابةِ ألَّا يَكُونَ في المصحفِ غيرُ قرآنٍ، وأنَّ ما بينَ دَفَّتَيِ المصحفِ كلامُ اللهِ، فإنَّ في ذلك دليلًا واضحًا على ثبوتِها، وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ، (٢) و (لَا) تَكُونُ (مِنَ الفَاتِحَةِ) على أصحِّ الرِّوايتَينِ عنِ الإمامِ أحمدَ، وعليها مُعظَمُ أصحابِه. والرِّوايةُ الثَّانيةُ: أنَّها مِن الفاتحةِ، ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّها ليسَتْ بقرآنٍ بالكُلِّيَّةِ، فعليها تَكُونُ ذِكْرًا كالاستعاذةِ. (٣) (وَلَا تَكْفِيرَ بِاخْتِلَافٍ فِيهَا) أي: البسملةِ مِن الجانبينِ، وذلك أنَّها ليسَتْ مِن القُرآنِ القطعيِّ، بل مِن الحُكْمِيِّ، بناءً على أنَّها هل هي قرآنٌ على سبيلِ القطعِ، كسائرِ القُرآنِ، أو على سبيلِ الحُكْمِ، لاختلافِ العلماءِ فيها.

стр. 264

وقد حَكَى النَّوويُّ (١) أنَّه لا يُكَفَّرُ النَّافي بأنَّها قرآنٌ إجماعًا. (٤) (وَهِيَ) أي: البسملةُ، (آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ). قالَ أبو بكرٍ الرَّازيُّ الحنفيُّ: هي آيةٌ مُفرَدَةٌ، أُنْزِلَتْ للفَصلِ بينَ السُّورِ (٢). انتهى، وهي منصوصُ الإمامِ أحمدَ، وعليه أصحابُه. (سِوَى) يَعني ليسَتِ البسملةُ في أوَّلِ (بَرَاءَةَ) لكَوْنِها أمانًا، وهذه السُّورةُ نَزَلَتْ بالسَّيفِ، وقد كَشَفَتْ أسرارَ المنافقينَ، ولذلك تُسَمَّى الفاضحةَ، أو لأنَّها مُتَّصِلَةٌ بالأنفالِ سورةً واحدةً، أو لغيرِ ذلك على أقوالٍ. (٥) (وَ) البسملةُ (بَعْضُهَا) أي: بعضُ آيةٍ في قولِه تَعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٣) (مِنْ) سُورَةِ (النَّمْلِ) إجماعًا، فهي فيها قرآنٌ قطعًا. (وَ) القِراءاتُ (السَّبْعُ: مُتَوَاتِرَةٌ) عندَ العلماءِ إذا تَواتَرَتْ عن قارئِها. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: لا يَشُكُّ أحدٌ أنَّ القِراءاتِ السَّبعَ متواترةٌ مِن الصَّحابةِ إليهم، وإنْ لم يَكُنْ مذكورًا منها إلَّا طريقينِ أو ثلاثةً، لكنْ لو سُئِلَ كلُّ واحدٍ مِن القُرَّاءِ السَّبعةِ لبَيَّنَ له طُرُقًا تَبلُغُ التَّواتُرَ. وأيضًا فالَّذي نَتَحَقَّقُه وَلَا نَشُكُّ فيه: أنَّ الجمَّ الغفيرَ أخذَتِ القُرآنَ عنِ الصَّحابةِ، بحَيثُ إنَّه لا يُمكِنُ حصرُ مَن أَخَذَ منهم ولا عنهم، وكذلك

стр. 265

مَن بعدهم، وما أَحسَنَ ما قال بعضُهم: انحصارُ الأسانيدِ في طائفةٍ لا يَمنَعُ انحصارَ القُرآنِ (١) عن غيرِهم، فقد كانَ يَتَلَقَّاه مِن كلِّ أهلِ بلدٍ بقراءةِ إمامِهم الجمُّ الغفيرُ عن مِثلِهم، وكذلك دائمًا، فالتَّواتُر حاصلٌ لهم، ولكنَّ الأئمَّةَ الَّذين قَصَدوا ضبطَ الحروفِ، وحَفِظوا شيوخَهم فيها، جاءَ السَّنَدُ مِن جِهَتِهم (٢). تنبيهٌ: إطلاقُ الجمهورِ مِن تواترِ القراءاتِ السَّبعِ لَيْسَ على إطلاقِه، بل يُستثنى منه ما قالَه ابنُ الحاجبِ (٣) وغيرُه: وهو ما كانَ مِن قَبِيلِ صفةِ الأداءِ كالمدِّ، والإمالةِ، وتخفيفِ الهمزةِ، ونحوِه، ومرادُه بالتَّمثيلِ بالإمالةِ والمدِّ: مقاديرُ المدِّ، وكيفيَّةُ الإمالةِ، لا أصلُ المدِّ والإمالةِ، فإنَّ ذلك متواترٌ قطعًا، فالمقاديرُ كمدِّ حمزةَ ووَرَشٍ، فإنَّه قَدْرُ سِتِّ أَلِفَاتٍ، وقيلِ: خمسٌ، وقيلَ: أربعٌ، ورَجَّحُوه، ومدُّ عاصمٍ قَدْرُ ثلاثِ أَلِفَاتٍ، والكسائيِّ قدرُ أَلِفَيْنِ ونصفٌ، وقالونَ: قدرُ أَلِفَين، والسُّوسِيِّ قَدْرُ ألِفٍ ونصفٍ، ونحوِ ذلك. وكذلك الإمالةُ تَنقَسِمُ إلى: - محضةٍ، وهي: أنْ يُنْحَى بالألفِ إلى الياءِ، وبالفتحةِ إلى الكسرةِ، - وإلى بينَ بينَ، وهي كذلك، إلَّا أنَّها تَكُونُ إلى الألفِ والفتحةِ أقربَ، وهي المختارةُ عندَ الأئمَّةِ. أمَّا أصلُ الإمالةِ فمتواترٌ قطعًا، وكذلك التَّخفيفُ في الهمزِ، والتَّسهيلُ منه: منهم مَن يُسَهِّلُ، ومنهم مَن يُبْدِلُه، ونحوُ ذلك.

стр. 266

فهذه الكيفيَّةُ هي الَّتي ليسَتْ متواترةً، ولهذا كَرِهَ الإمامُ أحمدُ وجماعةٌ مِن السَّلفِ قراءةَ حمزةَ؛ لِما فيها مِن طولِ المدِّ، والكسرِ، والإدغامِ، ونحوِ ذلك؛ لأنَّ الأُمَّةَ إذا أجمعَتْ على فِعلِ شيءٍ لم يُكْرَهْ فِعلُه، وهل يُظَنُّ على أنَّ الصِّفةَ الَّتي فَعَلَها النَّبِيُّ ﷺ وتواتَرَتْ إلينا يَكْرَهُها أحدٌ مِن العلماءِ، أو مِن المسلمينَ؛ فعَلِمْنا بهذا أنَّ هذه الصِّفاتِ ليسَتْ مُتواتِرَةً، وهو واضحٌ. وكذلك قراءةُ الكسائيِّ لأنَّها كقراءةِ حمزةَ في الإمالةِ والإدغامِ، كما نَقلَه السَّرْخَسِيُّ مِن أصحابِ الشَّافعيِّ في «شرح الغايةِ». (وَمُصْحَفُ عُثْمَانَ) بنِ عفَّانَ ﵁ الَّذِي كَتَبَه وأَرسَلَه إلى الآفاقِ (أَحَدُ الحُرُوفِ السَّبْعَةِ) والشَّاذُّ: ما خالَفَه على الصَّحيحِ، فالقراءةُ الَّتي بأيدي النَّاسِ مِن السَّبعةِ، والعشرةِ، وغيرِهم: هي حرفٌ مِن قولِ النَّبِيِّ ﷺ : «أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» (١). إذا عَلِمْتَ ذلك: (فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ: - بِـ) قِراءةِ (مَا وَافَقَهُ) أي: وافَقَ مصحفَ عثمانَ ولو احتمالًا، ووافَقَ العَربيَّةَ ولو بوجهٍ واحدٍ - (وَصَحَّ) سندُه، (وإنْ لَمْ يَكُنْ) ما قَرَأَ به (مِنَ) القِراءاتِ (العَشَرَةِ) نصًّا. ومتى اختلَّ ركنٌ مِن هذه الأركانِ الثَّلاثةِ، أُطلِقَ على القِراءةِ ضعيفةٌ، أو شاذَّةٌ، أو باطلةٌ، سواءٌ كانَتْ عنِ السَّبعةِ، أو عمَّن هو أكبَرُ منهم، هذا هو الصَّحيحُ عن أئمَّةِ التَّحقيقِ مِنَ السَّلفِ والخَلَفِ.

стр. 267

(وَ) ما وَرَدَ (غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ) كقولِه تَعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ (١). (وَهُوَ) أي: وغيرَ المُتواترِ: (مَا خَالَفَهُ) أي: خالَفَ مصحفَ عثمانَ بنِ عفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنه: (١) (لَيْسَ بِقُرْآنٍ) لأنَّ القُرآنَ لا يكُونُ إلَّا مُتَواترًا، وما خالَفَ مصحفَ عثمانَ غيرُ مُتواترٍ، فلا يَكُونُ قُرآنًا، (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلاةُ (بِهِ) عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم. (٢) (وَمَا صَحَّ مِنْهُ) أي: مِن غيرِ المُتواتِر (حُجَّةٌ) عندَ الأكثرِ، واحتجُّوا على قطعِ يُمْنى (٢) السَّارقِ بقِراءةِ ابنِ مسعودٍ: «وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ» (٣)، واحتَجُّوا أيضًا بما نُقِلَ عن مصحفِ ابنِ مسعودٍ: «فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ» (٤)، وقالوا: لأنَّه إمَّا قرآنٌ أو خبَرٌ، وكلاهما مُوجِبٌ للعملِ. (٣) (وَ) ما صَحَّ مِن غيرِ المُتواتِرِ (تُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ) نصًّا. (وَمَا اتَّضَحَ مَعْنَاهُ) مِن الكتابِ، كالنُّصوصِ والظَّواهِرِ فهو (مُحْكَمٌ)؛ لأنَّه مِن البيانِ في غايةِ الإحكامِ والإتقانِ. واختلفَ العلماءُ رَحِمَهم اللهُ تَعالى في المُحكَمِ والمُتشابِه في قولِه تَعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٥) على أقوالٍ كثيرةٍ.

стр. 268

ولفظُ المُحكَمِ مُفعَلٌ مِن أَحكَمْتُ الشَّيْءَ أُحْكِمُه إحكامًا فهو مُحْكَمٌ، إذا أَتْقَنْتَه فكانَ في غايةِ ما يَنبغي مِن الحكمةِ، ومنه: بناءٌ مُحكَمٌ؛ أي: ثابتٌ مُتقَنٌ يَبْعُدُ انهدامُه. (وَعَكْسُهُ مُتَشَابِهٌ) مُتَفَاعِلٌ مِن الشَّبَهِ، والشِّبْهِ، والشَّبيهِ (١): وهو ما بَينَه وبينَ غيرِه أمرٌ مُشتَرَكٌ يَشتَبِهُ ويَلْتَبِسُ به، فهو غيرُ مُتَّضِحِ المَعنى فيَشتَبِهُ بعضُ مُحتملاتِه ببعضٍ: (١) (لِاشْتِرَاكٍ) كالعَينِ والقُرءِ [ونَحوِهما مِنَ المُشتَركاتِ] (٢). (٢) (أَو) يَشتبهُ لـ (إِجْمَالٍ) كإطلاقِ اللَّفظِ بدونِ بيانِ المرادِ منه، كالمُتواطِئِ، كقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٣)، وكقولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤) ولم يُبَيِّنْ مِقدارَ الحقِّ. (٣) (أَو) يَشتبِهُ لـ (ظُهُورِ تَشْبِيهٍ، كَصِفَاتِ اللهِ تَعَالَى) أي: كآياتِ الصِّفاتِ وأخبارِها، فاشْتَبهَ المرادُ مِنه على النَّاسِ، فلذلك قال قومٌ بظاهِرِه؛ فشَبَّهُوا وجَسَّمُوا، وفَرَّ قومٌ مِن التَّشبيهِ؛ فتَأَوَّلُوا وحَرَّفُوا فعَطَّلُوا. وتَوَسَّطَ قومٌ فسَلَّمُوا: فأَمَرُّوه كما جاءَ مع اعتقادِ التَّنزيهِ، فسَلِموا، وهم أهلُ السُّنَّةِ وأئمَّةُ السَّلفِ الصَّالحِ. وقيل: المُحكَمُ: ما عُرِفَ المرادُ به: إمَّا بالظُّهورِ، وإمَّا بالتَّأويلِ، والمُتشابِهُ: ما اسْتَأْثَرَ اللهُ بعِلمِه، كقيامِ السَّاعةِ، وخروجِ الدَّجَّالِ، والدَّابَّةِ، والحروفِ المُقَطَّعَةِ في أوائلِ السُّورِ.

стр. 269

وقيل: المُحكَمُ: ما لا يَحتمِلُ مِن التَّأويلِ إلَّا وجهًا واحدًا، والمُتشابِهُ: ما احتملَ أوجهًا، وقيلَ غيرُ ذلك. تنبيهٌ: الحِكمةُ في إنزالِ المُتشابِهِ: ابتلاءُ العقلاءِ. (وَلَيْسَ فِيهِ) أي: الكتابِ: (١) (مَا لَا مَعْنَى لَهُ). قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهذا مِمَّا يَقطَعُ به كلُّ عاقلٍ، ممَّن شَمَّ رائحةَ العِلْمِ، ولا يُخالِفُ في ذلك إلَّا جاهلٌ أو مُعانِدٌ؛ لأنَّ ما لا مَعنى له: هذيانٌ، ولا يَلِيقُ النُّطقُ به مِن عاقلٍ، فكيف بالباري (١). انتهى. وقال الرَّازِيُّ في «المحصول»: لا يَجُوزُ أن يَتَكَلَّمَ اللهُ ورسولُه بشيءٍ ولا يَعني به شيئًا (٢). (٢) (وَلَا) أي: وليسَ في القرآنِ شيءٌ (مَعْنِيٌّ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرِهِ)؛ لأنَّه يَرجِعُ في ذلك إلى مَدلولِ اللُّغةِ فيما اقْتَضَاه نظامُ الكلامِ، ولأنَّ اللَّفظَ بالنِّسبةِ إلى غيرِ الظَّاهرِ كالمُهمَلِ. وقولُه: (إِلَّا بِدَلِيلٍ): احتِرازٌ (٣) مِن وُرُودِ العامِّ وتأخُّرِ المُخَصِّصِ له، وهذا قولُ أئمَّةِ المذاهبِ وأتباعِهم وغيرِهم. (وَفِيهِ) أي: القُرآنِ (مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ (٤) إِلَّا اللهُ تَعَالَى) وتأويلُه بما يُوجِبُ

стр. 270

تناقضًا، أو تشبيهًا زيغٌ، وليسَ يَندفِعُ أنْ يَكُونَ فيه ما يَتَشَابَهُ؛ لنُؤمِنَ بمُتشابِهِه ونَقِفَ عندَه، فيَكُونُ التَّكْلِيفُ به هو الإيمانَ به جملةً، وتَرْكَ البحثِ عن تفصيلِه، كما كَتَمَ الرُّوحَ، والسَّاعةَ، والآجالَ، وغيرَ ذلك مِن الغُيُوبِ، وكَلَّفَنا التَّصديقَ به دونَ أنْ يُطْلِعَنا على عِلْمِه، قالَه ابنُ عَقِيلٍ (١). وهذا مذهبُ سلفِ هذه الأُمَّةِ، واختارَه في «المحصول» (٢) بناءً على تكليفِ ما لا يُطاقُ. (وَيَمْتَنِعُ دَوَامُ إِجْمَالِ مَا فِيهِ تَكْلِيفٌ) قال البِرْمَاوِيُّ: وحَكَى ابنُ برهانٍ وجهينِ في أنَّ كلامَ اللهِ هل يَشتمِلُ على ما لا يُفهَمُ مَعناه؟ ثمَّ قال: والحقُّ التَّفصيلُ بينَ الخطابِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ به تكليفٌ، فلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غيرَ مفهومِ المعنى، أو لا يَتَعَلَّقُ به، فيَجُوزُ (٣). (وَيُوقَفُ (٤) في الأصحِّ (عَلَى) قولِه تَعالى: (﴿إِلَّا اللهُ﴾) و (لَا) يُوقَفُ على (﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٥) وهو المُختارُ، واستُدلَّ له بسياقِ الآيةِ مِن ذمِّ مُبتغي التَّأويلِ، وقولِه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٥)، ولأنَّ واوَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للابتداءِ، و ﴿يَقُولُونَ﴾ (٥) خبَرُه؛ لأنَّها لو كانَتْ عاطفةً عادَ ضميرُ ﴿يَقُولُونَ﴾ إلى المجموعِ، ويَستحيلُ على اللهِ تَعالى، وكانَ موضعُ ﴿يَقُولُونَ﴾ نَصْبًا حالًا، ففيه اختصاصُ المعطوفِ بالحالِ.

стр. 271

وقولُ مَن قال: مَعناه: والرَّاسخون في العلمِ يَعلَمُونه قائلينَ: آمَنَّا به، وزَعْمُ: أنَّ موضعَ ﴿يَقُولُونَ﴾ نصبٌ على الحالِ، فعامَّةُ أهلِ اللُّغةِ يُنكِرُونه ويَسْتَبْعِدُونه؛ لأنَّ العربَ لا تُضمِرُ الفعلَ والمفعولَ معًا، وتَذكُرُ حالًا إلَّا مع ظهورِ الفعلِ، فإذا لم يَظهَرْ فعلٌ: فلا يَكُونُ حالًا. (وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهُ) أي: القُرآنِ: - (بِرَأْيٍ)؛ لقولِه ﵊: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ، وَبِمَا لَا يَعْلَمُ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» رَوَاه أبو داودَ (١)، والتِّرمذيُّ (٢)، والنَّسائيُّ (٣) عنِ ابنِ عبَّاسٍ. - (وَ) يَحرُمُ أيضًا تفسيرُ القُرآنِ بـ (اجْتِهَادٍ بِلَا أَصْلٍ) أي: بلا مُستنَدٍ؛ للآثارِ الواردةِ في ذلك، واحتجَّ القاضي (٤) بقولِه تَعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، وبقولِه تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٦)، فأضافَ التَّبْيِينَ إليه. و (لَا) يَحرُمُ تفسيرُه (بمُقْتَضَى اللُّغَةِ) عندَ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه؛ لأنَّ القُرآنَ عربيٌّ، والمنقولُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: الاحتجاجُ في التَّفسيرِ بمُقتضى اللُّغةِ كثيرٌ (٧).

стр. 272

فائدةٌ: قالَ الإمامُ أحمدُ: ثلاثةُ كُتُبٍ لَيْسَ فيها أصولٌ: المغازي، والملاحمُ، والتَّفسيرُ. يَعني لَيْسَ غالبُها الصِّحَّةَ (١)، واللهُ أعلمُ.

стр. 273

(بَابٌ) (السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ) والعادةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١) أي: طُرُقٌ. (وَ) تُطلَقُ السُّنَّةُ (شَرْعًا) على ما يُقابِلُ الفَرضَ ونحوِه مِن الأحكامِ، وربَّما لا يُرادُ بها إلَّا ما يُقابِلُ الفَرضَ، كفُروضِ الوُضوءِ وسُنَنِه، وتُطلَقُ على ما يُقابِلُ البدعةَ، فيُقالُ: أهلُ السُّنَّةِ، وأهلُ البدعةِ. وتُطلَقُ على ما يُقابِلُ القُرآنَ (اصْطِلَاحًا) كما هنا، ومنه أحاديثُ وَرَدَتْ كثيرةٌ: منها ما في «صحيحِ مسلمٍ» (٢): «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي القِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» الحديثَ. إذا عَلِمْتَ ذلك: فالسُّنَّةُ في اصطلاحِ علماءِ الأُصولِ مَحصورةٌ عندَ أكثرِهم في ثلاثةِ أشياءَ: أحدُها: (قَوْلُ النَّبِيِّ) محمَّدٍ (٣) ﷺ غَيْرُ الوَحْيِ) كالقُرآنِ، والأحاديثِ الإلهيَّةِ، فإنَّه لا يُقالُ فيه إنَّه مِن السُّنَّةِ، (وَلَوْ) كانَ قولُه أمرًا (بِكِتَابَةٍ) كما أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عليًّا بالكِتابةِ يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وأَمَرَ بالكِتابةِ إلى الملوكِ، وقال ﵇: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاةٍ» (٤) يَعني الخُطبةَ الَّتي خَطَبَها، وغيرِ ذلك. (وَ) الثَّاني: (فِعْلُهُ) ﷺ ، (وَلَوْ) كانَ الفِعلُ (بِإِشَارَةٍ) على

стр. 274

الصَّحيحِ، كإشارتِه ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ. مُتَّفقٌ عليه (١). وأشارَ النَّبيُّ ﷺ بيدِه نحوَ اليَمَنِ، وقال: «الإِيمَانُ هَا هُنَا» (٢) الحديثَ. تنبيهٌ: القولُ وإنْ كانَ فعلًا لأنَّه عملٌ بجارحةِ اللِّسانِ، لكنَّ الغالبَ استعمالُه في مقابلةِ الفعلِ كما هنا. تنبيهٌ آخَرُ: مِن الفِعلِ أيضًا: عَمَلُ القلبِ، والتَّركُ،؛ فإنَّه كَفُّ النَّفْسِ، ولا تكليفَ إلَّا بفِعلٍ كما تَقَدَّمَ: - فإذا نُقِلَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أرادَ ذلك: فهو مِنَ السُّنَّةِ الفعليَّةِ، كما في حديثِ أنسٍ: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى رَهْطٍ وَأُنَاسٍ مِنَ العَجَمِ، فقيل: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). - وإذا نُقِلَ عنه ﷺ أنَّه تَرَكَ كذا: كانَ أيضًا مِن السُّنَّةِ الفعليَّةِ، كما وَرَدَ أنَّه ﷺ لمَّا قُدِّمَ إليه الضَّبُّ فأَمْسَكَ عنه وتَرَكَ أَكْلَه؛ أَمْسَكَ الصَّحابةُ ﵃ وتَرَكُوه، حَتَّى بيَّن لهم أنَّه حلالٌ، ولكنْ يَعَافُه (٤). (وَ) الثَّالثُ: (إِقْرَارُهُ) ﷺ على الشَّيءِ: يُقالُ، أو يُفعَلُ بحضرتِه، أو زَمَنِه؛ فهو مِن السُّنَّةِ قَطعًا، إذا كانَ عالمًا به، وكانَ مِن غيرِ كافرٍ، كما يَأتي آخِرَ الفصْلِ الآتي.

стр. 275

(٤) (وَزِيدَ) على الثَّلاثةِ: (الهَمُّ) بفعلٍ، ومثَّلَه الشَّافعيَّةُ بما إذا همَّ النَّبِيُّ ﷺ بفعلٍ وعاقَه عنه عائِقٌ، وكانَ ذلك الفعلُ مَطلوبًا شرعًا؛ لأنَّه لا يَهُمُّ إلَّا بحقٍّ محبوبٍ مطلوبٍ شرعًا؛ لأنَّه مبعوثٌ لبيانِ الشَّرعيَّاتِ، وذلك كما في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ: استسقى (١) رسولُ الله ﷺ وعليه خَمِيصَةٌ سوداءُ، فأرادَ رسولُ الله ﷺ أنْ يَأْخُذَ بأسفلِها فيَجعَلَه أعلاها، فلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَها على عاتِقِه (٢). فالمرادُ: لولا ثِقَلُ الخَميصةِ، فاسْتَحَبَّ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى لأجلِ هذا الحديثِ للخطيبِ في الاستسقاءِ مع تحويلِ الرِّداءِ: تَنْكِيسَه بجَعْلِ أعلاه أَسْفَلَه. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: مذهبُ أحمدَ وأصحابِه لا يَزيدُ على التَّحويلِ (٣). (وَهِيَ) أي: أنواعُ السُّنَّةِ كُلِّها (حُجَّةٌ) على ثُبُوتِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ (لِـ) ثبوتِ (العِصْمَةِ) لأنَّه ﷺ معصومٌ، والعِصمةُ ثابتةٌ له ولسائرِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ تعالى وسلامُه عليهم أجمعينَ: (الَّتِي هِيَ: سَلْبُ القُدْرَةِ) مِن المعصومِ (عَلَى المَعْصِيَةِ) فلا يُمْكِنُه فِعْلُها؛ لأنَّ الله تعالى سَلَبَه القُدرةَ عليها كما سَلَبَه معرفةَ الكتابةِ والشِّعرِ وغَيرِهما. قالَ في «القاموسُ»: العِصْمَةُ، بالكسرِ: المَنْعُ، واعْتَصَمَ باللهِ: امْتَنَعَ بلُطْفِهِ من المَعْصِيَةِ (٤).

стр. 276

قالَ ابنُ البَاقِلَّانِيِّ: لا تُطلَقُ العصمةُ في غيرِ الأنبياءِ والملائكةِ إلَّا بقرينةِ إرادةِ معناها اللُّغويِّ، وهو السَّلامةُ مِنَ الشَّيءِ (١). فامتناعُ المعصيَةِ مِنه ﷺ قَبْلَ البعثةِ عَقلًا مبنيٌّ على التَّقبيحِ العقليِّ، فمَن أَثْبَتَه كالرَّوافضِ مَنَعَها للتَّنفيرِ، فتُنافي الحكمةَ، وقاله (٢) المُعتَزلةُ في الكبائرِ، ومَن نَفَى التَّقبيحَ العَقليَّ لم يَمْنَعْها. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: إِنَّمَا قَدَّمْنا هذه المسألةَ لأجلِ ما بَعدَها؛ لأنَّ الاستدلالَ بأقوالِهم وأفعالِهم مُتَوَقِّفٌ (٣) على عِصمَتِهم (٤). (وَ) قد ذَهَبَ أكثرُ العلماءِ إلى أنَّه (لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا) مِن الأنبياءِ (مَعْصِيَةٌ) أي: صدورُ معصيةٍ مِنهم صغيرةٍ، أو كبيرةٍ (قَبْلَ البَعْثَةِ، و) كلُّ نبيٍّ مُرسَلٍ فهو (مَعْصُومٌ بَعْدَهَا) أي: بعدَ البعثةِ: (١) (مِنْ تَعَمُّدِ مَا) أي: كذبِ قولٍ أو فعلٍ (يُخِلُّ بِصِدْقِهِ فِيمَا) أي: في حُكْمٍ وما يَتَعَلَّقُ به، (دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ) فيه (مِنْ رِسَالَةٍ وَتَبْلِيغٍ) إجماعًا، فالإجماعُ مُنعقِدٌ على عِصمةِ المُرسَلِينَ مِن تَعمُّدِ الكذبِ في الأحكامِ، وما يَتَعَلَّقُ بها؛ لأنَّ المُعجزةَ قد دَلَّتْ على صِدقِهم فيها، فلو جازَ كذبُهم فيها لبَطَلَتْ دَلالةُ المُعجزةِ. (وَلَا يَقَعُ) منهم ما يُخِلُّ بصِدْقِهم لا (غَلَطًا، وَ) لا (سَهْوًا) عندَ الأكثرِ؛ لِما مَرَّ مِن دَلالةِ المُعجزةِ على الصِّدقِ.

стр. 277

وتَأَوَّلَ مَن مَنَعَ الوقوعَ الأحاديثَ الواردةَ في سَهْوِ النَّبِيِّ ﷺ بأنَّه قَصَدَ بذلك التَّشريعَ، كما في حديثِ: «أُنَسَّى» (١) بالبناءِ للمفعولِ. ومِنهم مَن يُعَبِّرُ في هذا بأنَّه تَعَمَّدَ ذلك ليقعَ النِّسيانُ فيه بالفعلِ، وهو خطأٌ؛ لتصريحِه ﷺ بالنِّسيانِ في قوله: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» (٢)، ولأنَّ الأفعالَ العَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلاةَ، والبيانُ كافٍ بالقولِ؛ فلا ضرورةَ إلى الفعلِ. وذَكَرَ القاضي عِياضٌ (٣) وغيرُه الخلافَ في الأفعالِ، وأنَّه لا يَجُوزُ في الأقوالِ البلاغيَّةِ إجماعًا، ومَعناه لابنِ عَقِيلٍ في «الإرشاد»، فإنَّه قال: الأنبياءُ لم يُعصَمُوا مِن الأفعالِ، بل في نفسِ الأداءِ، فلا يَجُوزُ عليهم الكذبُ في الأقوالِ فيما يُؤَدُّونَه عنِ اللهِ، ولا فيما شَرَعَه مِن الأحكامِ، عمدًا ولا سهوًا ولا نسيانًا (٤). انتهى. ثمَّ إذا قُلْنا: يَقَعُ ذلك مِنهم غلطًا ونسيانًا، فإذا وَقَعَ لم يُقَرَّ عليه إجماعًا، بل يُعْلَمُ به، قال الأكثرُ: على الفورِ. (٢) (وَ) أمَّا (مَا لَا يُخِلُّ) بصِدقِه فيما دَلَّتِ المُعجزةُ على صِدقِه فيه: - (فَـ) هو معصومٌ (مِنْ) وُقوعِ (كَبِيرَةٍ) عمدًا، إجماعًا، - (وَ) كذا هو معصومٌ مِن فِعلِ (مَا يُوجِبُ خِسَّةً، أَوْ إِسْقَاطَ مُرُوءَةٍ عَمْدًا). قالَ جماعةٌ: إجماعًا.

стр. 278

وقد قَطَعَ بعضُ أصحابِنا بأنَّ ما يُسقِطُ العَدالةَ لا يَجُوزُ عليه. (وَفِي وَجْهٍ) لابنِ أبي موسى: - (وَ) معصومٌ أيضًا مِن وُقُوعِ ذلك (سَهْوًا)، وعند القاضي والأكثرِ: يَجُوزُ ذلك. - (وَ) معصومٌ (مِنْ) وُقوعِ (صَغِيرَةٍ) عَمْدًا على قولٍ. وأمَّا سَهوًا: فذَهَبَ الأكثرُ إلى الجوازِ، ومَنَعَ الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ وجماعةٌ مِن أصحابِنا وغيرِهم مِن الذَّنبِ (مُطْلَقًا) يَعني سواءٌ كانَ صغيرًا أو كبيرًا، عمدًا، أو (١) سهوًا، ما يُخِلُّ بصِدقِه أو لا. قالَ القاضي حسينٌ: هو الصَّحيحُ مِن مذهبِ أصحابِنا (٢). فالعصمةُ ثابتةٌ له ولسائرِ الأنبياءِ ﵈ مِن كلِّ ذنبٍ صغيرًا كانَ أو كبيرًا، عمدًا كانَ أو سهوًا في الأحكامِ وغيرِها، مُبَرَّؤُونَ مِن جميعِ ذلك لقيامِ الحُجَّةِ على ذلك، ولأنَّا أُمِرْنا باتِّباعِهم في أفعالِهم وآثارِهم وسِيَرِهم على الإطلاقِ مِن غيرِ التزامِ قرينةٍ، وسواءٌ في ذلك قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبعدَها، تَعاضَدَتِ الأخبارُ بتَنْزِيهِهم عن هذه النَّقيصةِ مُنذ وُلِدوا، ونَشْأَتُهم على كمالِ أوصافِهم في تَوحيدِهم وإيمانِهم عقلًا وشرعًا على الخلافِ في ذلك، ولا سِيَّمَا فيما بعدَ البَعثةِ فيما يُنافي المعجزةَ (٣).

стр. 279

(فَصْلٌ) (١) (مَا اخْتَصَّ) أي: ما كانَ (مِنْ أَفْعَالِهِ ﷺ مُخْتَصًّا (بِهِ) من: واجبٍ، ومحظورٍ، ومباحٍ، وكراهةٍ (١) مخصوصٌ (٢) به (وَاضِحٌ) لأنَّ له ﷺ خصائصَ كثيرةً أُفْرِدَتْ بالتَّصنيفِ (٣). (٢) (وَمَا كَانَ) مِن أفعالِه ﷺ (جِبِلِّيًّا) واضحًا، (كَنَوْمٍ) وأكلٍ، وذهابٍ، ونحوِها، فمباحٌ؛ لأنَّه لَيْسَ مقصودًا به التَّشريعُ، ولا تَعَبَّدَنا به، ولذلك نُسِبَ إلى الجِبِلَّةِ: وهي الخِلْقَةُ، لكنْ لو تَأَسَّى به مُتأسٍّ فلا بأسَ، كما فَعَلَ ابنُ عمرَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما: فإنَّه كانَ إذا حَجَّ يَجُرُّ بخطامِ ناقتِه حَتَّى إنَّه بَرَّكَها حَيْثُ بَرَكَتْ نَاقتُه ﷺ تَبَرُّكًا بآثارِه، وإنْ تَرَكَه لا رغبةً عنه، ولا استكبارًا: فلا بأسَ. (٣) (أَوْ) أي: وما كانَ مِن أفعالِه ﷺ (يَحْتَمِلُهُ) أي: يَحتملُ الجِبلِّيَّ وغيرَه، من حَيْثُ إنَّه واظَبَ عليه: (كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) وركوبِه في الحجِّ، ودُخولِه في مكَّةَ مِن كَدَاءٍ، (وَلُبْسِهِ) النَّعلَ (السِّبْتِيَّ) والخاتَمَ، (فَمُبَاحٌ) عندَ الأكثرِ، وقيل: مندوبٌ، وهو أظهرُ وأصحُّ، وهو ظاهرُ فِعلِ الإمامِ أحمدَ، فإنَّه تَسَرَّى واختفى في الغارِ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ انتقلَ إلى موضعٍ آخرَ اقتداءً بفِعلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وقال: ما بَلَغَني حديثٌ إلَّا عَمِلْتُ به، حَتَّى أَعطى الحَجَّامَ دينارًا.

стр. 280

ومَنْشَأُ الخلافِ في ذلك: تَعارُضُ الأصلِ والظَّاهرِ، فإنَّ الأصلَ عدمُ التَّشريعِ، والظَّاهرُ في أفعالِه التَّشريعُ؛ لأنَّه مبعوثٌ لبيانِ الشَّرعيَّاتِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: أكثرُ ما حَكَيْناه منَ الأمثلةِ مندوبٌ، نَصَّ عليه إمامُنا وأصحابُه: كذهابِه من طريقٍ، ورجوعِه في أُخرى في العيدِ (١)، حَتَّى نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ في الجمعةِ أيضًا، ودخولِه مَكَّةَ من كَدَاءٍ، وتَطْيِيبِه عندَ الإحرامِ، وغسلِه بذي طُوًى، واضطجاعٍ بعدَ سُنَّةِ الفجرِ، واختلفَتِ الرِّوايةُ عن الإمامِ أحمدَ في جَلسةِ الاستراحةِ هل هي مُستحَبَّةٌ أو لا؟ والمذهبُ أنَّها ليسَتْ مُستحَبَّةً، قالَ (٢): أكثرُ الأحاديثِ على هذا (٣). (٤) (وَبَيَانُهُ) أي: وما كانَ بيانًا: - (بِقَوْلِـ) ـه ﷺ : («كَـ: صَلُّوا (٤) كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٥) و «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٦) فواجبٌ عليه. - (أَو) كانَ بيانًا بـ (فِعْلِـ) ـه (عِنْدَ حَاجَةٍ) مِثْلُ أنْ يَقَعَ الفعلُ بعدَ إجمالٍ، (كَقَطْعِ) يَدِ السَّارِقِ (مِنْ كُوعِـ) ـه دونَ المِرفقِ والعَضدِ بعدَما نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٧).

стр. 281

(وَ) كإدخالِ (غَسْلِ مِرْفَقٍ) في وضوءٍ، بعدما نَزَلَتْ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١). : (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ) ﷺ الإعلامُ به؛ لوجوبِ التَّبليغِ عليه. (٥) (وَ) أَمَّا (غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ) ﷺ يَعني لا مُختصًّا به، ولا جِبِلِّيًّا، ولا مُتَرَدِّدًا، ولا بيانًا فهو قسمانِ؛ لأنَّه (إِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ مِنْ وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ) فأُمَّتُه مِثْلُه. والثَّاني: ما لم نَعلَمْ صفةَ فِعلِه، وهو نوعانِ: (١) ما يُقصَدُ به القُربةُ. والثَّاني: ما لم يُقصَدْ به القُربةُ، كما يَأتي توضيحُه. وتُعرَفُ صفةُ فِعلِه ﷺ هل هو واجبٌ، أو مندوبٌ، أو مباحٌ: - إمَّا (بِنَصِّهِ) على ذلك، بأنْ يَقولَ: هذا واجبٌ، أو مُستحبٌّ، أو مباحٌ، أو مَعنى ذلك بذِكْرِ خاصَّةٍ مِن خَوَاصِّه، أو نحوِ ذلك. - (أَوْ) أي: وإمَّا بـ (تَسْوِيَتِهِ) الفعلَ الَّذِي لم تُعلَمْ صِفةُ حُكمِه (بِمَعْلُومِهَا) أي: بفِعلٍ معلومٍ صفةُ حُكمِه، بأنْ يَقولَ: هذا مِثْلُه، أو مساوٍ له، ونحوُه. - (أَوْ) أي: وإمَّا (بِقَرِينَةٍ تُبَيِّنُ) تلك القَرينةَ (أَحَدَهَا (٢) أي: صِفَةَ أحدِ (٣) الثَّلاثةِ، - أمَّا الوجوبُ: فكالأذانِ للصَّلاةِ، فقد تَقَرَّرَ في الشَّرعِ أنَّ الأذانَ والإقامةَ

стр. 282

مِن أماراتِ الوجوبِ، ولهذا لا يُطلَبَانِ في صلاةِ عيدٍ وكسوفٍ واستسقاءٍ، فيَدُلَّانِ على وجوبِ الصَّلاةِ؛ لأنَّها شعارٌ مُختَصٌّ بالفرائضِ. - وأمَّا النَّدبُ: فكقصدِ القُربةِ مُجَرَّدًا عن دليلِ وجوبٍ وقرينتِه، والدَّليلُ على ذلك كثيرٌ. وزادَ البيضاويُّ: أنْ يُعلَمَ كونُه قضاءً لفعلٍ مندوبٍ؛ لأنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ (١). - وأمَّا الإباحةُ: فكالفعلِ الَّذِي ظَهَرَ بالقَرينةِ أنَّه لم يَقصِدْ به القُربةَ. - (أَوْ) أي: وإمَّا أن تُعرَفَ صفةُ فِعلِه ﷺ (بِوُقُوعِهِ) أي: الفعلِ، (بَيَانًا لِمُجْمَلٍ) كالصَّلاةِ بيانًا بعدَ قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وكالقطعِ مِن الكُوعِ بيانًا لآيةِ السَّرقةِ، ونحوِ ذلك. (أَوْ) بوقوعِ الفِعلِ (امْتِثَالًا لِنَصٍّ يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ) يَعني امْتثالًا لأمْرٍ عُلِمَ أنَّه أمرُ إيجابٍ، أو ندبٍ، فيَكُونُ هذا الفعلُ تابعًا لأصلِه في حُكمِه، فكلُّ فعلٍ مِن ذلك عُلِمَتْ صفةُ حُكمِه في حَقِّه ﷺ ، (فَـ) قالَ أصحابُنا وأكثرُ العلماءِ: (أُمَّتُهُ مِثْلُهُ) في ذلك؛ لأنَّ الأصلَ مشاركةُ أُمَّتِه له حَتَّى يَدُلَّ دليلٌ على غيرِ ذلك، نعمْ، في الواردِ بيانًا لفعلِ أمْرٍ آخَرَ، وهو: أنَّه ﷺ يَجِبُ عليه بيانُ الشَّرعِ للأُمَّةِ بقولِه أو فِعلِه، فإذا أتى بالفعلِ بيانًا أتى بواجبٍ، وإنْ كانَ الفعلُ بيانًا لأمْرِ ندبٍ أو إباحةٍ بالنِّسبةِ للأُمَّةِ فللفعلِ حينئذٍ جهتانِ: جهةُ التَّشريعِ وصفتُه الوجوبُ، وجهةُ ما يَتَعَلَّقُ بفعلِ الأُمَّةِ تابعٌ لأصلِه مِن ندبٍ، أو إباحةٍ.

стр. 283

(وَإِلَّا) أي: والقسمُ الثَّاني مِن فِعلِه ﷺ : ما لم يَكُنْ مُختَصًّا به، ولا جِبليًّا، ولا مُتَرَدِّدًا، ولا بيانًا، ولم تُعلَمْ صفةُ حُكْمِ فِعلِه، وهو نوعانِ: (١) (فَإِنْ تَقَرَّبَ) أي: قَصَدَ النَّبيُّ ﷺ (بِهِ) أي: بالفعلِ القُربةَ؛ (فَـ) هو (وَاجِبٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ) عندَ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (١)، وقولِه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢)، والفعلُ أمرٌ، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣)، وقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) أي: تَأَسَّوْا به، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٥)، ومَحَبَّتُه واجبةٌ، فيَجِبُ لازمُها، وهو اتِّباعُه، ولَمَّا خَلَعَ ﷺ نَعلَه في الصَّلاةِ خَلَعُوا نِعالَهم (٦)، ولَمَّا أَمَرَهم بالتَّحلُّلِ في صُلْحِ الحُدَيْبيةِ تَمَسَّكوا (٧). (٢) (وَإِلَّا) أي: والنَّوعُ الثَّاني مِمَّا لم تُعلَمْ صِفتُه إن لم يَقصِدْ به القُربَةَ (فَـ) هو (مُبَاحٌ) اختارَه الأكثرُ. (وَلَمْ يَفْعَلِ) النَّبِيُّ ﷺ الفعلَ (المَكْرُوهَ لِيُبَيِّنَ بِهِ الجَوَازَ، بَلْ) إذا فَعَلَ ﷺ فعلًا، فـ (فِعْلُهُ يَنْفِي) به (الكَرَاهَةَ) لأنَّه يَحصُلُ فيه التَّأسِّي، والمُرادُ (حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ) أي: لذلك الفعلِ، وإلَّا فقد يَفعَلُ غالبًا شيئًا ثمَّ يَفعَلُ خلافَه؛ لبيانِ الجوازِ، وهو كثيرٌ، كقولِهم في تركِ الوضوءِ مع الجنابةِ لنومٍ، أو أكلٍ، أو معاودةِ وطءٍ: «تَرَكَه لبيانِ الجوازِ، وفَعلَه غالبًا للفضيلةِ».

стр. 284

(وَتَشْبِيكُهُ) ﷺ بينَ أصابعِه في حديثِ ذي اليدينِ في المسجدِ (١) (بَعْدَ سَهْوِهِ لَا يَنْفِيهَا) أي: الكراهةَ، (لِأَنَّهُ نَادِرٌ) ثمَّ التَّأسِّي والوجوبُ بالسَّمعِ لا بالعقلِ. وقالَ البِرْمَاوِيُّ، وغيرُه: لا يَقَعُ المكروهُ مِن الأنبياءِ ﵈؛ لأنَّ التَّأسِّيَ (٢) مطلوبٌ، فيَلْزَمُ أنْ يُتَأَسَّى بهم فيه، فيَكُونَ جائزًا، وأيضًا فإنَّهم أكملُ الخلْقِ، ولهم أعلى الدَّرجاتِ، فلا يُلائِمُ ما يَقَعُ منهم ما نَهَى اللهُ عنه ولو نَهْيَ تَنزيهٍ، فإنَّ الشَّيْءَ الحَقيرَ مِن الكبيرِ أمرٌ عظيمٌ، ويُقَرَّرُ ذلك بأمرٍ آخَرَ، وهو: أنَّه لا يُتَصَوَّرُ أن يَقَعَ منهم مع كونِه مَكروهًا (٣). قالَ ابنُ الرِّفْعَةِ: الشَّيْءُ قد يَكُونُ مَكروهًا ويَفعَلُه النَّبِيُّ ﷺ لبيانِ الجوازِ، ويَكُونُ أفضلَ في حَقِّه (٤). تنبيهٌ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ أفعالَه ﷺ محصورةٌ في: الواجبِ، والمندوبِ، والمُباحِ، وأمَّا المُحَرَّمُ فلا يَفعَلُه البتَّةَ، واختُلِفَ في المكروهِ، والصَّحيحُ أنَّه لا يَفعَلُه، أو يَفعَلُه لبيانِ الجوازِ، أو يَفعَلُه نادرًا كما تَقَدَّمَ ذلك كلُّه. (وَإِذَا سَكَتَ) النَّبيُّ ﷺ (عَنْ إِنْكَارِ (٥) فعلٍ، أو قولٍ يُفعَلُ، أو يُقالُ (بِحَضْرَتِهِ، أَوْ) في (زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) وكانَ ﷺ (عَالِمًا بِهِ)

стр. 285

أي: بذلك الفعلِ، (دَلَّ) سُكوتُه (عَلَى جَوَازِهِ) حَتَّى لغيرِ الفاعلِ، أو القائلِ في الأصحِّ؛ لأنَّ الأصلَ استواءُ المُكلَّفِينَ في الأحكامِ، وأمَّا إذا صَدَرَ مِن الكافرِ فِعلٌ يَعتقدُه كذَهابِه إلى كنيسةٍ ونَحوِها، فلا أَثَرَ له اتِّفاقًا ولم تَتَقَيَّدِ المسألةُ بكونِه قادرًا عليه؛ لأنَّ مِن خصائصِه ﷺ أنَّ وجوبَ إنكارِه المُنكَرَ لا يَسقُطُ عنه بالخوفِ على نَفسِه، وإن كانَ ذلك إِنَّمَا هو لعَدمِ تَحَقُّقِ خوفِه بعدَ إخبارِ اللهِ عنه بعِصمَتِه مِن النَّاسِ. (وَإِنْ) كانَ ذلك الفعلُ، أو القولُ الواقعُ بحَضْرَتِه، أو زَمَنِه، مِن غيرِ كافرٍ، قد (سَبَقَ تَحْرِيمُهُ؛ فَـ) سُكُوتُه ﷺ عن إنكارِه (نَسْخٌ) لذلك التَّحريمِ السَّابقِ؛ لِئلَّا يَكُونَ سُكُوتُه مُحَرَّمًا، ولأنَّ فيه تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، لا سِيَّمَا إنِ اسْتَبْشَرَ به. (فَائِدَةٌ) (التَّأَسِّي: فِعْلُكَ كَمَا فَعَلَ) النَّبيُّ ﷺ ، (لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ) والتَّأسِّي في التَّرْكِ: تَرْكُك له كما تَرَكَ؛ لأجلِ أنَّه تَرَكَ، هذا في الفِعْلِ وتَركِه. (وَ) أمَّا التَّأسِّي (فِي القَوْلِ) فهو (امْتِثَالُهُ) أي: امتثالُ القولِ (عَلَى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ) قولُ النَّبِيِّ ﷺ . (وَإِلَّا) بأنْ لم يَكُنْ كذلك في الكلِّ؛ (فَـ) هو (مُوَافَقَةٌ لَا مُتَابَعَةٌ) إذِ المُوافقةُ: المُشارَكَةُ (١) في الأمرِ وإن لم يَكُنْ لأجلِه، فالمُوافقةُ أعمُّ مِن التَّأسِّي، فكلُّ تأسٍّ موافقةٌ، وليس كلُّ موافقةٍ تَأَسِّيًا، فقد يُوافِقُ ولا يَتَأَسَّى، فلا بدَّ مِن اجتماعِهما لحصولِ المقصودِ، وهو المتابعةُ.
следующие страницы →