(وَ) كإدخالِ (غَسْلِ مِرْفَقٍ) في وضوءٍ، بعدما نَزَلَتْ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١).
: (فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ) ﷺ الإعلامُ به؛ لوجوبِ التَّبليغِ عليه.
(٥) (وَ) أَمَّا (غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ) ﷺ يَعني لا مُختصًّا به، ولا جِبِلِّيًّا، ولا مُتَرَدِّدًا، ولا بيانًا فهو قسمانِ؛ لأنَّه (إِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ مِنْ وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ) فأُمَّتُه مِثْلُه.
والثَّاني: ما لم نَعلَمْ صفةَ فِعلِه، وهو نوعانِ:
(١) ما يُقصَدُ به القُربةُ.
والثَّاني: ما لم يُقصَدْ به القُربةُ، كما يَأتي توضيحُه.
وتُعرَفُ صفةُ فِعلِه ﷺ هل هو واجبٌ، أو مندوبٌ، أو مباحٌ:
- إمَّا (بِنَصِّهِ) على ذلك، بأنْ يَقولَ: هذا واجبٌ، أو مُستحبٌّ، أو مباحٌ، أو مَعنى ذلك بذِكْرِ خاصَّةٍ مِن خَوَاصِّه، أو نحوِ ذلك.
- (أَوْ) أي: وإمَّا بـ (تَسْوِيَتِهِ) الفعلَ الَّذِي لم تُعلَمْ صِفةُ حُكمِه (بِمَعْلُومِهَا) أي: بفِعلٍ معلومٍ صفةُ حُكمِه، بأنْ يَقولَ: هذا مِثْلُه، أو مساوٍ له، ونحوُه.
- (أَوْ) أي: وإمَّا (بِقَرِينَةٍ تُبَيِّنُ) تلك القَرينةَ (أَحَدَهَا (٢) أي: صِفَةَ أحدِ (٣) الثَّلاثةِ،
- أمَّا الوجوبُ: فكالأذانِ للصَّلاةِ، فقد تَقَرَّرَ في الشَّرعِ أنَّ الأذانَ والإقامةَ
стр. 282
مِن أماراتِ الوجوبِ، ولهذا لا يُطلَبَانِ في صلاةِ عيدٍ وكسوفٍ واستسقاءٍ، فيَدُلَّانِ على وجوبِ الصَّلاةِ؛ لأنَّها شعارٌ مُختَصٌّ بالفرائضِ.
- وأمَّا النَّدبُ: فكقصدِ القُربةِ مُجَرَّدًا عن دليلِ وجوبٍ وقرينتِه، والدَّليلُ على ذلك كثيرٌ. وزادَ البيضاويُّ: أنْ يُعلَمَ كونُه قضاءً لفعلٍ مندوبٍ؛ لأنَّ القضاءَ يَحكي الأداءَ (١).
- وأمَّا الإباحةُ: فكالفعلِ الَّذِي ظَهَرَ بالقَرينةِ أنَّه لم يَقصِدْ به القُربةَ.
- (أَوْ) أي: وإمَّا أن تُعرَفَ صفةُ فِعلِه ﷺ (بِوُقُوعِهِ) أي: الفعلِ، (بَيَانًا لِمُجْمَلٍ) كالصَّلاةِ بيانًا بعدَ قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وكالقطعِ مِن الكُوعِ بيانًا لآيةِ السَّرقةِ، ونحوِ ذلك.
(أَوْ) بوقوعِ الفِعلِ (امْتِثَالًا لِنَصٍّ يَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ) يَعني امْتثالًا لأمْرٍ عُلِمَ أنَّه أمرُ إيجابٍ، أو ندبٍ، فيَكُونُ هذا الفعلُ تابعًا لأصلِه في حُكمِه، فكلُّ فعلٍ مِن ذلك عُلِمَتْ صفةُ حُكمِه في حَقِّه ﷺ ،
(فَـ) قالَ أصحابُنا وأكثرُ العلماءِ: (أُمَّتُهُ مِثْلُهُ) في ذلك؛ لأنَّ الأصلَ مشاركةُ أُمَّتِه له حَتَّى يَدُلَّ دليلٌ على غيرِ ذلك، نعمْ، في الواردِ بيانًا لفعلِ أمْرٍ آخَرَ، وهو: أنَّه ﷺ يَجِبُ عليه بيانُ الشَّرعِ للأُمَّةِ بقولِه أو فِعلِه، فإذا أتى بالفعلِ بيانًا أتى بواجبٍ، وإنْ كانَ الفعلُ بيانًا لأمْرِ ندبٍ أو إباحةٍ بالنِّسبةِ للأُمَّةِ فللفعلِ حينئذٍ جهتانِ: جهةُ التَّشريعِ وصفتُه الوجوبُ، وجهةُ ما يَتَعَلَّقُ بفعلِ الأُمَّةِ تابعٌ لأصلِه مِن ندبٍ، أو إباحةٍ.
стр. 283
(وَإِلَّا) أي: والقسمُ الثَّاني مِن فِعلِه ﷺ : ما لم يَكُنْ مُختَصًّا به، ولا جِبليًّا، ولا مُتَرَدِّدًا، ولا بيانًا، ولم تُعلَمْ صفةُ حُكْمِ فِعلِه، وهو نوعانِ:
(١) (فَإِنْ تَقَرَّبَ) أي: قَصَدَ النَّبيُّ ﷺ (بِهِ) أي: بالفعلِ القُربةَ؛ (فَـ) هو (وَاجِبٌ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ) عندَ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (١)، وقولِه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٢)، والفعلُ أمرٌ، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٣)، وقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) أي: تَأَسَّوْا به، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٥)، ومَحَبَّتُه واجبةٌ، فيَجِبُ لازمُها، وهو اتِّباعُه، ولَمَّا خَلَعَ ﷺ نَعلَه في الصَّلاةِ خَلَعُوا نِعالَهم (٦)، ولَمَّا أَمَرَهم بالتَّحلُّلِ في صُلْحِ الحُدَيْبيةِ تَمَسَّكوا (٧).
(٢) (وَإِلَّا) أي: والنَّوعُ الثَّاني مِمَّا لم تُعلَمْ صِفتُه إن لم يَقصِدْ به القُربَةَ (فَـ) هو (مُبَاحٌ) اختارَه الأكثرُ.
(وَلَمْ يَفْعَلِ) النَّبِيُّ ﷺ الفعلَ (المَكْرُوهَ لِيُبَيِّنَ بِهِ الجَوَازَ، بَلْ) إذا فَعَلَ ﷺ فعلًا، فـ (فِعْلُهُ يَنْفِي) به (الكَرَاهَةَ) لأنَّه يَحصُلُ فيه التَّأسِّي، والمُرادُ (حَيْثُ لَا مُعَارِضَ لَهُ) أي: لذلك الفعلِ، وإلَّا فقد يَفعَلُ غالبًا شيئًا ثمَّ يَفعَلُ خلافَه؛ لبيانِ الجوازِ، وهو كثيرٌ، كقولِهم في تركِ الوضوءِ مع الجنابةِ لنومٍ، أو أكلٍ، أو معاودةِ وطءٍ: «تَرَكَه لبيانِ الجوازِ، وفَعلَه غالبًا للفضيلةِ».
стр. 284
(وَتَشْبِيكُهُ) ﷺ بينَ أصابعِه في حديثِ ذي اليدينِ في المسجدِ (١) (بَعْدَ سَهْوِهِ لَا يَنْفِيهَا) أي: الكراهةَ، (لِأَنَّهُ نَادِرٌ) ثمَّ التَّأسِّي والوجوبُ بالسَّمعِ لا بالعقلِ.
وقالَ البِرْمَاوِيُّ، وغيرُه: لا يَقَعُ المكروهُ مِن الأنبياءِ ﵈؛ لأنَّ التَّأسِّيَ (٢) مطلوبٌ، فيَلْزَمُ أنْ يُتَأَسَّى بهم فيه، فيَكُونَ جائزًا، وأيضًا فإنَّهم أكملُ الخلْقِ، ولهم أعلى الدَّرجاتِ، فلا يُلائِمُ ما يَقَعُ منهم ما نَهَى اللهُ عنه ولو نَهْيَ تَنزيهٍ، فإنَّ الشَّيْءَ الحَقيرَ مِن الكبيرِ أمرٌ عظيمٌ، ويُقَرَّرُ ذلك بأمرٍ آخَرَ، وهو: أنَّه لا يُتَصَوَّرُ أن يَقَعَ منهم مع كونِه مَكروهًا (٣).
قالَ ابنُ الرِّفْعَةِ: الشَّيْءُ قد يَكُونُ مَكروهًا ويَفعَلُه النَّبِيُّ ﷺ لبيانِ الجوازِ، ويَكُونُ أفضلَ في حَقِّه (٤).
تنبيهٌ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ أفعالَه ﷺ محصورةٌ في: الواجبِ، والمندوبِ، والمُباحِ، وأمَّا المُحَرَّمُ فلا يَفعَلُه البتَّةَ، واختُلِفَ في المكروهِ، والصَّحيحُ أنَّه لا يَفعَلُه، أو يَفعَلُه لبيانِ الجوازِ، أو يَفعَلُه نادرًا كما تَقَدَّمَ ذلك كلُّه.
(وَإِذَا سَكَتَ) النَّبيُّ ﷺ (عَنْ إِنْكَارِ (٥) فعلٍ، أو قولٍ يُفعَلُ، أو يُقالُ (بِحَضْرَتِهِ، أَوْ) في (زَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ كَافِرٍ) وكانَ ﷺ (عَالِمًا بِهِ)
стр. 285
أي: بذلك الفعلِ، (دَلَّ) سُكوتُه (عَلَى جَوَازِهِ) حَتَّى لغيرِ الفاعلِ، أو القائلِ في الأصحِّ؛ لأنَّ الأصلَ استواءُ المُكلَّفِينَ في الأحكامِ، وأمَّا إذا صَدَرَ مِن الكافرِ فِعلٌ يَعتقدُه كذَهابِه إلى كنيسةٍ ونَحوِها، فلا أَثَرَ له اتِّفاقًا ولم تَتَقَيَّدِ المسألةُ بكونِه قادرًا عليه؛ لأنَّ مِن خصائصِه ﷺ أنَّ وجوبَ إنكارِه المُنكَرَ لا يَسقُطُ عنه بالخوفِ على نَفسِه، وإن كانَ ذلك إِنَّمَا هو لعَدمِ تَحَقُّقِ خوفِه بعدَ إخبارِ اللهِ عنه بعِصمَتِه مِن النَّاسِ.
(وَإِنْ) كانَ ذلك الفعلُ، أو القولُ الواقعُ بحَضْرَتِه، أو زَمَنِه، مِن غيرِ كافرٍ، قد (سَبَقَ تَحْرِيمُهُ؛ فَـ) سُكُوتُه ﷺ عن إنكارِه (نَسْخٌ) لذلك التَّحريمِ السَّابقِ؛ لِئلَّا يَكُونَ سُكُوتُه مُحَرَّمًا، ولأنَّ فيه تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، لا سِيَّمَا إنِ اسْتَبْشَرَ به.
(فَائِدَةٌ)
(التَّأَسِّي: فِعْلُكَ كَمَا فَعَلَ) النَّبيُّ ﷺ ، (لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَ) والتَّأسِّي في التَّرْكِ: تَرْكُك له كما تَرَكَ؛ لأجلِ أنَّه تَرَكَ، هذا في الفِعْلِ وتَركِه.
(وَ) أمَّا التَّأسِّي (فِي القَوْلِ) فهو (امْتِثَالُهُ) أي: امتثالُ القولِ (عَلَى الوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ) قولُ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَإِلَّا) بأنْ لم يَكُنْ كذلك في الكلِّ؛ (فَـ) هو (مُوَافَقَةٌ لَا مُتَابَعَةٌ) إذِ المُوافقةُ: المُشارَكَةُ (١) في الأمرِ وإن لم يَكُنْ لأجلِه، فالمُوافقةُ أعمُّ مِن التَّأسِّي، فكلُّ تأسٍّ موافقةٌ، وليس كلُّ موافقةٍ تَأَسِّيًا، فقد يُوافِقُ ولا يَتَأَسَّى، فلا بدَّ مِن اجتماعِهما لحصولِ المقصودِ، وهو المتابعةُ.
стр. 286
(فَصْلٌ)
الصَّادرُ منه ﷺ : إمَّا قولٌ، أو فعلٌ، أو هما، فإذا انْفَرَدَ أحدُهما فلا كلامَ.
وربَّما تعارَضَ دليلانِ مِن ذلك: إمَّا قولانِ، أو فعلانِ، أو قولٌ وفعلٌ.
أمَّا القولانِ فسيَأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى حُكْمُ تَعارُضِهما في بابِ ترتيبِ الأَدِلَّةِ آخِرَ الكتابِ.
وأمَّا تعارُضُ الفعلينِ، أو الفعلِ والقولِ، فمَذكورانِ هنا.
إذا تَقَرَّرَ ذلك فـ (لَا تَعَارُضَ: فِي فِعْلَيْهِ (١) ﷺ - إنْ تَمَاثَلا: كفعلِ صلاةٍ، ثمَّ فِعْلِها مَرَّةً أُخرى في وقتٍ آخَرَ.
- (وَ) كذا (لَوِ اخْتَلَفَا) وأَمْكَنَ اجتماعُهما: كفعلِ صومٍ وفعلِ صلاةٍ.
- (أَوْ لَمْ يُمْكِنِ اجْتِمَاعُهُمَا لَكِنْ لَا يَتَنَاقَضُ حُكْمَاهُمَا) فلا تعارُضَ بينَهما؛ لإمكانِ الجمعِ، وحيثُ أَمْكَنَ الجمعُ امْتَنَعَ التَّعارضُ.
- (وَكَذَا إِنْ تَنَاقَضَ) حُكماهما: (كَصَوْمِـ) ـه ﷺ في (وَقْتٍ) بعَينِه، و (فِطْرِ) ـه في (مِثْلِهِ) فلا تعارضَ أيضًا، لإمكانِ كَوْنِه واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا في ذلك الوقتِ، وفي الوقتِ الآخَرِ بخلافِه مِن غيرِ أنْ يَكُونَ أحدُهما رافعًا، أو مُبطلًا لحُكمِ الآخَرِ؛ إذْ لا عُمومَ للفعلِ، (لَكِنْ إِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَكَرُّرِ) صومِه (الأَوَّلِ لَهُ) أي: عليه، (أَوْ) دَلَّ دليلٌ (لِأُمَّتِهِ) على وجوبِ التَّأسِّي به في مِثلِ ذلك الوقتِ، (فَتَلَبَّسَ بِضِدِّهِ) كالأكلِ مع قدرتِه على الصَّومِ، دَلَّ أكلُه على نسخِ تَكرارِ الصَّومِ في حَقِّه، لا نسخِ
стр. 287
حُكْمِ الصَّومِ السَّابقِ؛ لعدمِ اقتضائِه للتَّكرارِ، ورَفْعُ حُكْمٍ وُجِدَ مُحالٌ، أو (أَقَرَّ آكِلًا) مِنَ الأُمَّةِ (فِي مِثْلِهِ) أي: مِثْلِ ذلك الوقتِ (فَـ) إقرارُه (نَسْخٌ) لدليلِ تعميمِ الصَّومِ على الأُمَّةِ في حقِّ ذلك الشَّخصِ، أو تخصيصِه.
وقد يُطلَقُ النَّسخُ والتَّخصيصُ على الفعلِ بمَعنى زوالِ التَّعبُّدِ مجازًا.
وإذا صَدَرَ منه ﷺ قولٌ وفعلٌ [كلٌّ مِنهما] (١) يَقتضي خلافَ ما يَقتضيه الآخَرُ، ففيه اثنانِ وسبعونَ مسألةً.
ووجهُ الحصرِ في ذلك: أنَّه لا يَخلو إمَّا: ألَّا يَدُلَّ دليلٌ على التَّكرارِ والتَّأسِّي، أو يَدُلَّ على كلٍّ منهما، أو يَدُلَّ على التَّكرارِ دونَ التَّأسِّي، أو بالعكسِ: بأن يَدُلَّ على التَّأسِّي دونَ التَّكرارِ.
وكلُّ واحدٍ مِن هذه الأقسامِ الأربعةِ لا يَخلُو: إمَّا أن يَكُونَ القولُ خاصًّا به، أو بنا، أو عامًّا له ولنا.
وعلى كلِّ تقديرٍ مِن هذه الأنواعِ الثَّلاثةِ، لا يَخلُو: إمَّا أن يَكُونَ القولُ مُقَدَّمًا على الفعلِ، أو مُتَأَخِّرًا عنه، أو مجهولَ التَّاريخِ، فهذه تسعةُ أنواعٍ مِن ضربِ ثلاثةٍ في ثلاثةٍ.
وعلى كلِّ تقديرٍ منها لا يَخلُو: إمَّا أن يَظهَرَ أثرُه في حَقِّه، أو في حقِّنا، صارَتْ ثمانيةَ عَشَرَ، مضروبةً في الأربعةِ الأقسامِ.
القسمُ الأوَّلُ: الَّذِي لا يَدُلُّ على التَّكرارِ والتَّأسِّي المُشارِ إليه بقولِه: (وَلَا) تعارُضَ (فِي فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ) ﷺ (حَيْثُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ (٢) في حقِّه، (وَلَا) على (تَأَسٍّ) به.
стр. 288
- (وَالقَوْلُ) أي: والحالُ أنَّ القولَ (خَاصٌّ بِهِ، وَتَأَخَّرَ) عنِ الفعلِ، كفِعلِه شيئًا في وقتٍ، ثمَّ يَقُولُ بعدَ ذلك: لا يَجُوزُ لي مِثْلُ هذا الفعلِ في مِثْلِ هذا الوقتِ، فلا تعارُضَ بينَهما أصلًا في حَقِّه، ولا في حقِّ أُمَّتِه، لإمكانِ الجمعِ لعَدمِ تَكرارِ الفعلِ، ولم يَكُنْ رافعًا لحُكْمٍ في الماضي ولا المستقبلِ.
أمَّا في حقِّه: فلأنَّ القولَ لم يَتناوَلِ الزَّمانَ الَّذِي وَقَعَ فيه الفعلُ، والفعلُ أيضًا لم يَتَناوَلِ الزَّمانَ الَّذِي تَعَلَّقَ به القولُ، فلا يَكُونُ أَحدُهما رافعًا لحُكمِ الآخَرِ، وأمَّا في حقِّ الأُمَّةِ فظاهرٌ؛ لأنَّه لَيْسَ لواحدٍ مِن الفعلِ والقولِ تَعَلُّقٌ بالأُمَّةِ.
(لَكِنْ إِنْ تَقَدَّمَ) القولُ على الفعلِ كقولِه ﷺ : يَجِبُ عليَّ كذا، ويَتَلَبَّسُ بضِدِّه فيه، (فَالفِعْلُ) الَّذِي تَلَبَّسَ به (نَاسِخٌ) لحُكْمِ قولِه السَّابقِ؛ لجوازِ النَّسخِ قَبْلَ التَّمكُّنِ مِن الفعلِ على الصَّحيحِ.
(وَإِنْ جُهِلَ) هل تَقَدَّمَ القولُ على الفعلِ، أو عَكْسُه فلا تعارُضَ في حَقِّنا؛ لأنَّ القولَ لم يَعُمَّنا، وفي حَقِّه: (وَجَبَ العَمَلُ بِالقَوْلِ) لأنَّ الفعلَ يَحتاجُ إلى القولِ في بيانِ وجهِ وُقوعِه، قدَّمَه في «شرحِ الأصلِ» (١).
- (وَلَا) تعارُضَ أيضًا في قولِه وفعلِه (إِنِ اخْتَصَّ القَوْلُ بِنَا) لعدمِ اجتماعِ القولِ والفعلِ في مَحَلٍّ واحدٍ؛ لأنَّ الفعلَ خاصٌّ به؛ إذْ لا دليلَ على وُجوبِ التَّأسِّي به، والقولُ خاصٌّ بنا فلم يتَّحِدْ مَحَلُّهما.
وقولُه: (مُطْلَقًا) سواءٌ تَقَدَّمَ الفعلُ، أو تَأَخَّرَ، أو جُهِلَ السَّابقُ.
- (أَوْ) أي: ولا تعارُضَ أيضًا إنْ (عَمَّ) القولُ لنا وله، (وَتَقَدَّمَ الفِعْلُ) على
стр. 289
القولِ، فلا تَعارُضَ في حَقِّه؛ لِمَا سَبَقَ، ولا في حَقِّنا؛ لأنَّ فِعلَه لم يَتَعَلَّقْ بنا.
(وَلَا) تعارُضَ في (حَقِّنَا إِنْ تَقَدَّمَ القَوْلُ) على الفعلِ؛ لأنَّهما لم يَتَوارَدَا علينا، (وَهُوَ) أي: وحُكْمُ ذلك (كَـ) قولٍ (خَاصٍّ بِهِ) كما سَبَقَ في المسألةِ الثَّانيةِ، فيَكُونُ الفعلُ ناسخًا في حَقِّه؛ لجوازِ النَّسخِ قَبْلَ التَّمكُّنِ مِن الفعلِ كما هو الصَّحيحُ، (لَكِنْ إِنْ كَانَ العَامُّ) أي: العُمومُ، (ظَاهِرًا فِيهِ) أي: بأنْ يَكُونَ العُمومُ يَتَناوَلُ القولَ ظاهرًا، (فَالفِعْلُ) المُتأخِّرُ (تَخْصِيصٌ) للقولِ في حقِّه وفي حقِّ الأُمَّةِ، إنْ كانَ الدَّليلُ على وُجوبِ التَّأسِّي مَخصوصًا بذلك الفعلِ فنَسخٌ، وإلَّا فتخصيصٌ.
والقسمُ الثَّاني مِن الأربعةِ: وهو الَّذِي يَدُلُّ على التَّكرارِ والتَّأسِّي عَكسُ الأوَّلِ المُشارِ إليه بقولِه: (وَلَا) تعارُضَ (فِينَا) أي: في حقِّ الأُمَّةِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ تَقَدَّمَ القولُ أو الفعلُ، (مَعَ دَلِيلٍ عَلَيْهِمَا) أي: على التَّكرارِ والتَّأسِّي، (وَالقَوْلُ) أي: والحالُ أنَّ القولَ (خَاصٌّ بِهِ)؛ لأنَّ القولَ لم يَتناوَلِ الأُمَّةَ.
(وَ) أمَّا (فِيهِ) أي: في حقِّه ﷺ ، فـ (المُتَأَخِّرُ) مِن القولِ أو (١) الفعلِ (نَاسِخٌ) للمُتَقَدِّمِ مع علمِ التَّاريخِ، (وَمَعَ جَهْلٍ) به (يُعمَلُ بِالقَوْلِ) وُجوبًا؛ لأنَّه أقوى دَلالةً مِن الفعلِ؛ لأنَّ القولَ دَلالتُه على الوجوبِ، وغيرِه بلا واسطةٍ، ويُقبَلُ التَّأكيدُ بالقولِ؛ لأنَّ القولَ وُضِعَ لذلك (٢)، بخلافِ الفِعلِ فإنَّه لم يُوضَعْ لذلك.
(وَلَا) تعارُضَ (فِي حَقِّهِ) ﷺ (مَعَهُ) أي: مع الدَّليلِ (عَلَيْهِمَا) أي: على التَّكرارِ والتَّأسِّي.
стр. 290
(وَالقَوْلُ) أي: والحالُ أنَّ القولَ (مُخْتَصٌّ بِنَا) مطلقًا؛ لعدمِ تناوُلِ القولِ له.
(وَ) أمَّا (فِينَا) أي: في حقِّنا، إنْ عُلِمَ (المُتَأَخِّرُ) مِن القولِ والفعلِ، فهو (نَاسِخٌ) للمُتَقدِّمِ منهما، سواءٌ كانَ القولُ مُتَقَدِّمًا والفعلُ مُتأخِّرًا، أو بالعكسِ، إلَّا أنْ يَتَقَدَّمَ القولُ على الفعلِ بعدَ التَّمكُّنِ مِن مُقتضى القولِ، والقولُ لم يَقتضِ التَّكرارَ، فإنَّه حينئذٍ لا مُعارَضَةَ في حقِّنا أيضًا.
(وَمَعَ جَهْلٍ) بالتَّاريخِ (يُعْمَلُ بِالقَوْلِ) وجوبًا؛ لأنَّ الفعلَ مخصوصٌ بالمحسوسِ؛ لأنَّه لا يُنْبِئُ عنِ المعقولِ، والقولُ يَدُلُّ على المعقولِ والمحسوسِ، فيَكُونُ أعمَّ فائدةً؛ فهو أَوْلَى، وإنْ عَمَّ القولُ: فالمُتأخِّرُ ناسخٌ في حقِّه وحقِّنا؛ لوجوبِ تَكرارِ الفعلِ في حقِّه، ولوجوبِ التَّأسِّي في حقِّنا، فإنْ جُهِلَ التَّاريخُ: عُمِلَ بالقولِ، على المُختارِ؛ لأنَّ القولَ لم يَختلِفْ في كونِه دالًّا، والفعلُ اختُلِفَ فيه، والمتَّفَقُ عليه أَوْلَى مِن المُختَلَفِ فيه.
والقِسْمُ الثَّالثُ: وهو الَّذِي يَدُلُّ على التَّكرارِ دونَ التَّأسِّي به المُشارُ إليه بقولِه: (وَلَا) تعارُضَ (فِينَا) أي: في حقِّ الأُمَّةِ (مَعَ) دَلالةِ (دَلِيلٍ عَلَى تَكَرُّرٍ) فقط في حقِّه ﷺ ؛ أي: (لَا) مع دَلالةِ دليلٍ على (تأسٍّ) في حَقِّ الأُمَّةِ (إِنِ اخْتَصَّ القَوْلُ بِهِ) ﷺ ، (أَوْ عَمَّهُ) وعَمَّ الأُمَّةَ، فلا مُعارضَ في الأُمَّةِ، سواءٌ تَقَدَّمَ الفعلُ، أو القولُ، لعدمِ تناوُلِ الفعلِ لهم.
(وَ) أمَّا (فِيهِ) أي: في حقِّه ﷺ : فـ (المُتَأخِّرُ نَاسِخٌ) للمُتقدِّمِ إنْ عُلِمَ التَّأخيرُ، (فَإِنْ جُهِلَ: عُمِلَ بِالقَوْلِ)؛ لأنَّ العملَ بالفعلِ يُبْطِلُ القولَ بالكُلِّيَّةِ، أمَّا في حقِّه ﵇: فلعدمِ تناوُلِ القولِ له، وأمَّا في حقِّ الأُمَّةِ: فلوجوبِ العملِ بالفعلِ حينئذٍ، والعملُ بالقولِ لا يُبطِلُ الفعلَ بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّه يَنفي العملَ بالفعلِ بالنِّسبةِ إلى الرَّسولِ ﷺ ، فلو عَمِلْنا بالقولِ
стр. 291
أَمْكَن الجمعُ بينَهما مِن وجهٍ، ولو عَمِلْنا بالفعلِ لم يُمكِنْ، والجمعُ بينَ الدَّليلين مِن وجهٍ أَوْلى.
(وَإِنِ اخْتَصَّ) القولُ (بِنَا: فَلَا) مُعارضةَ (مُطْلَقًا) أي: لا في حَقِّه، ولا في حقِّ الأُمَّةِ، سواءٌ تَقَدَّمَ القولُ، أو الفعلُ؛ لعدمِ تَوارُدِهما على مَحَلٍّ واحدٍ، كما تَقَدَّمَ نظيرُه.
والقِسمُ الرَّابعُ: وهو الَّذِي يَدُلُّ على التَّأسِّي به دونَ تَكرارِ الفعلِ في حقِّه، عكسُ الثَّالثِ المشارِ إليه بقولِه: (وَلَا) تعارُضَ (مَعَهُ) أي: مع الدَّليلِ (عَلَى تَأَسٍّ) به (فَقَطْ) أي: دونَ التَّكرُّرِ في حقِّه ﷺ .
(وَالقَوْلُ) أي: والحالُ أنَّ القولَ (خَاصٌّ بِهِ، وَتَأَخَّرَ) عنِ الفعلِ (مُطْلَقًا) أمَّا في حقِّه: فلعدمِ تَكَرُّرِ وجوبِ الفعلِ، وأمَّا في حقِّ الأُمَّةِ: فلعدمِ تَوارُدِ القولِ والفعلِ على مَحَلٍّ واحدٍ.
(وَإِنْ تَقَدَّمَ) القولُ على الفعلِ (فَالفِعْلُ نَاسِخٌ) للقولِ (فِي حَقِّهِ) ﷺ .
(فَإِنْ جُهِلَ: عُمِلَ بِالقَولِ)؛ لِما سَبَقَ.
و (إِنْ اخْتَصَّ) القولُ (بِنَا: فَفِيهِ) أي: في حقِّه ﷺ (لَا) تعارُضَ، تَقَدَّمَ القولُ أو تَأَخَّرَ؛ لعدمِ توارُدِهما على مَحَلٍّ واحدٍ، (وَ) أمَّا (فِينَا) أي: في حقِّ الأُمَّةِ فـ (المُتَأَخِّرُ ناسِخٌ) للمُتَقَدِّمِ، سواءٌ كانَ قولًا، أو فعلًا، فإنْ جُهِلَ: عُمِلَ بالقولِ.
(وَإِنْ عَمَّ) القولُ النَّبِيَّ ﷺ وعَمَّ الأُمَّةَ، (فَإِنْ) تَقَدَّمَ الفعلُ على القولِ، و (تَأَخَّرَ) القولُ عنه (فَفِيهِ) أي: في حَقِّه ﷺ (لَا) مُعارَضَةَ؛ لعدمِ وجوبِ تَكرُّرِ الفعلِ، (وَ) أمَّا (فِينَا) أي: في حقِّ الأُمَّةِ، فـ (القَوْلُ) المُتأخِّرُ
стр. 292
(نَاسِخٌ) للفعلِ قبلَ وُقوعِ التَّأسِّي به، وبعدَه ناسخٌ للتَّكرارِ في حقِّهم، إنْ دلَّ دليلٌ على وجوبِ التَّكرارِ في حقِّه.
(وَإِنْ تَقَدَّمَ) القولُ على الفعلِ (فَالفِعْلُ) المُتأخِّرُ (نَاسِخٌ) للقولِ في حقِّه قبلَ التَّمكُّنِ مِن الإتيانِ بمُقتضى القولِ، إلَّا أنْ يَتناوَلَ العُمومُ له ظاهرًا، فإنَّه يَكُونُ الفعلُ تخصيصًا للقولِ، وفي حقِّ الأُمَّةِ إنْ كانَ الدَّليلُ على وجوبِ التَّأسِّي مَخصوصًا بذلك الفعلِ: فنسخٌ، وإلَّا فتخصيصٌ.
(وَ) إنْ كانَ ذلك (بَعْدَ تَمَكُّنٍ مِنَ العَمَلِ) بمُقتضى القولِ فـ (لَا تَعَارُضَ) في حقِّه ولا في حقِّ الأُمَّةِّ، (إِلَّا أَنْ يَقْتَضِيَ القَوْلُ التَّكْرَارَ) في حقِّه، فإنْ جُهِلَ (فَالفِعْلُ) المُتأخِّرُ (نَاسِخٌ لَهُ) أي: للقولِ، وهي مِن تَتِمَّةِ الَّتي قَبْلَها.
(فَإِنْ جُهِلَ) التَّاريخُ في هذه المسائلِ (عُمِلَ بِالقَوْلِ فِيهِنَّ) لِما سَبَقَ.
(فَائِدَةٌ)
لهذه الفائدةِ تَعَلُّقٌ بما قَبْلَها مِن الأفعالِ.
(فِعْلُ صَحَابِيٍّ) أي: إذا فَعَلَ الصَّحابِيُّ فعلًا، فهو (مَذْهَبٌ لَهُ) في الأصحِّ.
وقالَ القاضي: فعلُ الصَّحابيِّ إذا خَرَجَ مَخْرَجَ القُربةِ يَقتضي الوُجوبَ، كفِعلِه ﵊ (١).
وقد قال قومٌ: لو تُصُوِّرَ اتِّفاقُ أهلِ الإجماعِ على عملٍ لا قولَ منهم فيه، كانَ كفِعلِ الرَّسولِ ﷺ لثبوتِ العصمةِ.
стр. 293
(بَابٌ)
(الإِجْمَاعُ لُغَةً: العَزْمُ وَالِاتِّفَاقُ) قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (١) أي: اعزِمُوه.
ويَصِحُّ إطلاقُه على الواحدِ، يُقالُ: أَجمَعَ فلانٌ على كذا؛ أي: عَزَمَ عليه، ويُقالُ: أَجمَعَ القومُ على كذا؛ أي: اتَّفَقُوا عليه، فكلُّ أمْرٍ من الأمورِ اتَّفَقَتْ عليه طائفةٌ فهو إجماعٌ لُغَةً.
(وَ) الإجماعُ (اصْطِلاحًا: اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي) هذه (الأُمَّةِ).
فقولُه: «اتِّفاقُ» احتِرازٌ مِن الاختلافِ، فلا يَكُونُ إجماعًا مع الاختلافِ، والمرادُ بالاتِّفاقِ: اتِّحادُ الاعتقادِ، فيَعُمُّ الأقوالَ، والأفعالَ، والسُّكوتَ، والتَّقريرَ.
وقولُه: «مُجتهدي الأُمَّةِ» احتِرازٌ مِن غيرِ أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ ؛ لأنَّ إطلاقَ لفظِ الأمَّةِ يَنصرفُ إليها دونَ سائرِ الأُممِ.
وقولُه: (فِي عَصْرٍ) يَشمَلُ أيَّ عصرٍ كانَ، احتِرازٌ عن قولِ مَن قال: إنَّ الإجماعَ مخصوصٌ بالصَّحابةِ.
وقولُه: (عَلَى أَمْرٍ) يَعُمُّ جميعَ الأمورِ مِن: الفعلِ، والأمرِ الدُّنيويِّ، واللُّغويِّ، وغيرِهما، وإنَّما أُبْرِزَ قولُه: (وَلَوْ فِعْلًا) مع دُخولِه في قولِه: «على أمرٍ»؛ للإيضاحِ والبيانِ والتَّأكيدِ، والاجتهادُ إِنَّمَا يَكُونُ (بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)، والمشروطُ عُدِمَ عندَ عدمِ شَرطِه، فاتِّفاقُهم كافٍ.
стр. 294
وقد اختلفَ العلماءُ فيما إذا اتَّفقوا على فِعلٍ فَعَلوه، أو فَعَلَ البعضُ وسَكَتَ البعضُ مع عِلمِهم: هل يَكونُ إجماعًا أم لا؟ والأرجحُ أنَّه يَنعقِدُ به الإجماعُ؛ لعصمةِ الأُمَّةِ، فيَكُونُ كالقولِ المُجمَعِ عليه، وكفعلِ الرَّسولِ ﷺ .
قال بعضُ أصحابِنا: هذا قولُ الجمهورِ، حَتَّى أحالوا الخطأَ مِنهم إذا لم يَشتَرطوا انقراضَ العصرِ.
ويَتَفَرَّعُ على هذه المسألةِ: إذا فَعَلُوا فِعلًا قُربَةً، ولكنْ لا يُعلَمُ هل فَعَلُوه واجبًا، أو مندوبًا، فمُقتضى القياسِ: أنَّه كفعلِ الرَّسولِ ﷺ ؛ لأنَّا أُمِرْنا باتِّباعِهم كما أُمِرْنا باتِّباعِه ﷺ .
(وَهُوَ) أي: الإجماعُ (حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ) عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم، ودَلالَةُ كَوْنِ الإجماعِ حُجَّةً قاطعةً (بِالشَّرْعِ) فقطْ عندَ أكثرِ العلماءِ، وذلك للأدِلَّةِ الواردةِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ في ذلك:
منها: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١)، وخلافُ الإجماعِ تَفَرُّقٌ، والنَّهيُ عنِ التَّفرُّقِ لَيْسَ في الاعتصامِ؛ للتَّأكيدِ ومخالفةِ الظَّاهرِ، وتخصيصُه بها قبلَ الإجماعِ لا يَمنَعُ الاحتجاجَ به، ولا يَختَصُّ الخطابُ بالموجودينَ زَمَنَه ﷺ ؛ لأنَّ التَّكْلِيفَ لكلِّ مَن وُجِدَ مُكَلَّفًا كما سَبَقَ.
ومنها: قولُه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، فلو اجتمعوا على باطلٍ، كانوا قد اجتمعوا على مُنكَرٍ لم يَنْهَوا عنه، ومعروفٍ لم يَأْمُروا به، وهو خلافُ ما وَصَفَهم اللهُ تعالى به، ولأنَّه جَعَلَهم أُمَّةً وسطًا؛ أي: عُدولًا ورَضِيَ
بشهادتِهم مطلقًا
стр. 295
ومنها: قولُه ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللهَ تعالى لَمْ يَجْمَعَ أُمَّتِي إِلاَّ عَلَى هُدًى» رَوَاه أحمدُ عنْ أبي ذَرٍّ (١).
وعن أبي مالكٍ الأَشْعَرِيِّ مرفوعًا: «إِنَّ اللَّهَ تعالى أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: ألَّا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلِكُوا جَمِيعًا، وَألَّا يَظْهَرَ أَهْلُ البَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الحَقِّ، وَألَّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ» رَوَاه أبو داود (٢).
وروى التِّرمذيُّ عن ابنِ عُمَرَ مرفوعًا: «لَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ضَلَالَةٍ أَبَدًا» (٣).
وعن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» مُتَّفقٌ عليه (٤).
وأَجمَعُوا على القَطعِ بتَخطئةِ المُخالِفِ، والعادةُ تُحِيلُ إجماعَ عددٍ كثيرٍ مِن المُحقِّقينَ على قطعٍ في شرعيٍّ مِن غيرِ قاطعٍ، فوَجَبَ تقديرُ نصٍّ فيه.
وأجمعوا أيضًا على تَقديمِه على الدَّليلِ القاطعِ، فكانَ قاطعًا، وإلَّا تَعارَضَ الإجماعانِ لتقديمِ القاطعِ على غيرِه إجماعًا.
وهذانِ الإجماعانِ لا يَلْزَمُ أنَّ عَدَدَهما عددُ التَّواتُرِ، وإنْ لَزِمَ فيهما فلا يَلْزَمُ في كلِّ إجماعٍ.
стр. 296
(وَيَثْبُتُ) الإجماعُ (بِخَبَرِ الوَاحِدِ) عندَ أكثرِ العلماءِ؛ لأنَّ نَقْلَ الواحدِ للخبَرِ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ للعملِ به قطعًا، فنقلُ الواحدِ للدَّليلِ القَطعيِّ الَّذِي هو الإجماعُ أَوْلَى بوجوبِ العملِ؛ لأنَّ احتمالَ الضَّررِ في مخالفةِ المقطوعِ أكثرُ مِن احتمالِه في مخالفةِ المَظنونِ، واحتمالُ الغلطِ لا يَقدَحُ في وجوبِ العملِ قطعًا، كخبَرِ الواحدِ.
(وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ) أي: في انعقادِ الإجماعِ عندَ العلماءِ (وِفَاقُ:
(١) العَامَّةِ) للمُجتهدينَ على الصَّحيحِ، سواءٌ كانَتْ مَسائلُه مشهورةً أو خَفِيَّةً، وإنَّما يُعتبَرُ قولُ المُجتهدينَ فقطْ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، فرَدَّ العَوَامَّ إلى قولِ المُجتهدينَ.
(٢) (وَلَا) يُعتبَرُ أيضًا في انعقادِ الإجماعِ وِفاقُ (مَنْ عَرَفَ الحَدِيثَ) فقطْ، (أَوِ اللُّغَةَ، أَوْ) عِلْمَ (الكَلَامِ، وَنَحْوَهِ) كالعَربيَّةِ، والمعاني، والبيانِ، والتَّصريفِ؛ لأنَّه مِن جُملَةِ المُقلِّدينَ، فلا يُعتبَرُ مُخالَفَتُهم.
(أَوْ) أي: ولا يُعتبَرُ وِفاقُ مَن عَرَفَ (الفِقْهَ) فقطْ في مسألةٍ في أُصولِه (أَوْ) عَرَفَ (أُصُولَهُ) أي: أصولَ الفقهِ في مسألةٍ في الفقهِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ مِن شرطِ الإجماعِ اتِّفاقَ المُجتهدينَ، فمَن لم يَكُنْ مِن المُجتهدينَ فهو مِن المُقلِّدِينَ؛ لأنَّه لا واسطةَ بينَهما، فعلى هذا لا يُعتَدُّ بقولِه ولا بخلافِه.
(٣) (أَوْ) أي: وكذا مَن (فاتَه بَعْضُ شُرُوطِهِ) أي: شروطِ الاجتهادِ يَعني لا اعتبارَ بقولِه في الإجماعِ؛ لأنَّه لَيْسَ مِن المُجتهدينَ.
стр. 297
قالَ المجدُ (١): مَن أَحكَمَ أَكْثَرَ أَدواتِ الاجتهادِ، ولم يَبْقَ له إلَّا خَصْلةٌ، أو خَصْلتانِ، اتَّفَقَ الفقهاءُ والمُتكلِّمونَ على أنَّه لا يُعتَدُّ بخلافِه، خلافًا للبِاقِلَّانِيِّ.
(٤) (وَلَا) يُعتبَرُ أيضًا في الإجماعِ: قولُ (كَافِرٍ) مُطلقًا، سواءٌ كانَ مُتَأَوِّلًا: وهو المُخطِئُ في الأصولِ، أو غيرَه: كالمُرتدِّ؛ لخروجِ الكلِّ عنِ المِلَّةِ، فلا يَتَنَاوَلُهم مُسَمَّى الأُمَّةِ المشهودِ لهم بالعِصمةِ.
أمَّا الكافرُ الأصليُّ والمُرتدُّ: فلا نِزاعَ بينَ الأُمَّةِ أنَّ قولَهم لا يُعتبَرُ في الإجماعِ، ولوِ انتهى إلى رُتبَةِ الاجتهادِ؛ لِما عُلِمَ مِن اختصاصِ الأُمَّةِ بأُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ .
ومَحَلُّ الخلافِ في المُبتدِعِ إذا كَفَّرْناه (بِبِدْعَتِـ) ـه، وتحريرُ القولِ في ذلك: أنَّ عندَ مَن كَفَّرَه ببدعةٍ لا يُعتَدُّ بقولِه في الإجماعِ (عِنْدَ مُكَفِّرِهِ) بارتكابِ تلك البدعةِ، ومَن لا يُكَفِّرُه فهو عندَه مِن المُبتدعةِ الَّذين يُحكَمُ بفِسقِهم، وهمُ القِسْمُ الآتي بعدَ هذه المسألةِ.
قالَ المُوَفَّقُ (٢) في «الرَّوضةِ»: لا يُعتَدُّ بقولِ كافرٍ، سواءٌ كانَ بتأويلٍ أو بغيرِ تأويلٍ (٣).
وقالَه الطُّوفِيُّ في «مُختَصَرِه» وزادَ: وقيلَ: المُتَأَوِّلُ كالكافرِ عندَ المُكَفِّرِ دونَ غيرِه (٤).
стр. 298
قالَ في «شرحِ الأصلِ»: ولا فائدةَ في هذا القولِ، ولا ثمرةَ؛ إذْ مَحَلُّ الخلافِ (١) في المَحكومِ بكُفْرِه (٢).
(٥) (وَلَا) يُعتبَرُ فيه أيضًا: قولُ مجتهدٍ (فَاسِقٍ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ فِسقُه مِن جهةِ الاعتقادِ: كالرَّفضِ والاعتزالِ، أو مِن جهةِ الأفعالِ: كشُربِ الخمرِ، والزِّنا، والرِّبا، ونَحوِها، وهذا هو الصَّحيحُ.
قالَ الأستاذُ أبو منصورٍ: قال أهلُ السُّنَّةِ: لا يُعتبَرُ في الإجماعِ وفاقُ القَدَرِيَّةِ والخَوارجِ والرَّافضةِ (٣). انتهى.
وذلك لأنَّه لا يُقبَلُ قولُه، ولا يُقَلَّدُ في فتوى، كالكافرِ والصَّبِيِّ، لكنْ قال ابنُ السَّمْعَانِيِّ: هذا في الفاسقِ بلا تأويلٍ، أمَّا الفاسقُ بتأويلٍ فمُعتبَرٌ في الإجماعِ كالعدلِ.
(وَلَا يَنْعَقِدُ) الإجماعُ عندَ الإمامِ أحمدَ والأكثرِ (مَعَ مُخَالِفَةِ) مجتهدٍ (وَاحِدٍ)؛ لأنَّه لا يُسَمَّى إجماعًا مع المُخالفةِ؛ لأنَّ الدَّليلَ لم ينهضْ إلَّا في كلِّ الأمَّةِ (٤) لأنَّ المُؤمنَ لفظٌ عامٌّ، والأُمَّةُ موضوعةٌ للكُلِّ.
قالوا: يُطلَقُ الكلُّ على الأكثرِ.
قُلْنا: معارَضٌ بما دَلَّ على قلَّةِ أهلِ الحقِّ، مِن نحوِ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ (٥)، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (٦)، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٧)
стр. 299
وعكسُه كثرةُ أهلِ الباطلِ، نَحوُ: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١)، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ (٣)، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)، وإذًا: مِن الجائزِ إصابةُ الأقلِّ وخطأُ الأكثرِ، كما كَشَفَ الوحيُ عن إصابةِ عمرَ في (٥) أَسرى بدرٍ (٦).
فائدةٌ: فُهم مِمَّا تَقَدَّمَ وممَّا يَأتي: أنَّ الإجماعَ لا يَختَصُّ بالصَّحابةِ، وهذا عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ للأدلَّةِ الواردةِ في قَبولِ الإجماعِ مِن غيرِ تفريقٍ بينَ عصرٍ وعصرٍ، فشَمِلَتْهم الأدِلَّةُ، ولأنَّ معقولَ السَّمعيِّ إثباتُ الحُجَّةِ الإجماعيَّةِ مُدَّةَ التَّكْلِيفِ وليسَ مُختصًّا بعصرِ الصَّحابةِ.
(وَتُعْتبَرُ) لارتفاعِ الإجماعِ: (مُخَالَفَةُ مَنْ) أي: مجتهدٍ (صَارَ أَهْلًا) للاجتهادِ، (قَبْلَ انْقِرَاضِ العَصْرِ) يَعني: إذا اجتمعَ أهلُ العصرِ على حُكْمٍ، فنَشَأَ مجتهدٌ قبْلَ انقراضِهم، فخالَفَهُمْ: ارتفعَ الإجماعُ على الأصحِّ، (وَلَوْ) كانَ المُخالِفُ لهم (تَابِعِيًّا مَعَ) إجماعِ (الصَّحَابَةِ) لِما يَأتي مِن أنَّ انقراضَ العصرِ مُعتبَرٌ لانعقادِ الإجماعِ، فلا إجماعَ للصَّحابةِ مع مخالفةِ تابعيٍّ مجتهدٍ عندَ أحمدَ والأكثرِ؛ لأنَّه مجتهدٌ مِن الأُمَّةِ، فلا يَنهَضُ الدَّليلُ بدونِه، ولأنَّ الصَّحابةَ سَوَّغُوا اجتهادَهم وفتواهم مَعَهم في الوقائعِ الحادثةِ في زمانِهم، وإذا اعتُبِرَ قولُهم في الاجتهادِ فلْيُعتبَرْ في الإجماعِ؛ إذ لا يَجُوزُ مع تسويغِ الاجتهادِ تركُ الاعتدادِ بقولِهم وِفاقًا، واختصاصُ الصَّحابةِ
стр. 300
بالأوصافِ الشَّريفةِ لا يَمنَعُ مِن الاعتدادِ بذلك، وإلَّا لَزِمَ ألَّا تُقبَلَ الأنصارُ مع خلافِ المهاجرينَ، والمهاجرون مع العَشَرةِ، ولا قولُهم مع الخلفاءِ الأربعةِ وهَلُمَّ جَرًّا؛ لظهورِ التَّفاوُتِ والتَّفاضُلِ، ولم يَقُلْ به أحدٌ.
إذا عَلِمْتَ ذلك: فلا فرقَ بينَ أن يَكُونَ المُخالِفُ للمُجتهدِ تابعيًّا مع الصَّحابةِ، (أَوْ) يَكُونَ (تَابِعُهُ) أي: تابعُ التَّابعيِّ (مَعَ التَّابِعِينَ) كما سبقَ.
تنبيهٌ: إذا انعقدَ الإجماعُ، ثمَّ حَدَثَ مجتهدٌ (١)، فإنْ وافَقَهم: فلا كلامَ، وإنْ سَكَتَ: لم يَقدَحْ في الإجماعِ؛ لأنَّ سُكوتَه لا يَدُلُّ على المُخالفةِ، فـ (لَا) تُعتبَرُ (مُوَافَقَتُهُ) لِما أجمعوا عليه، بل يُعتبَرُ عدمُ خلافِه على الأصحِّ.
(وَلَيْسَ إِجْمَاعُ الأُمَمِ الخَالِيَةِ) حُجَّةً عندَ المَجدِ والأكثرِ.
وقالَ بعضُهم: إنْ كانَ سَنَدُهم قطعيًّا: فحُجَّةٌ، أو ظَنِّيًّا: فالوقفُ.
(وَلَا) إجماعُ (أَهْلِ المَدِينَةِ حُجَّةً) عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ لأنَّ العصمةَ مِن الخطأِ إِنَّمَا تُنسَبُ للأُمَّةِ كلِّها، وهم بعضُ الأُمَّةِ لا كلُّها، ولا مَدخَلَ للمكانِ في الإجماعِ؛ إذْ لا أثرَ لفضيلتِه (٢) في عصمةِ أهلِه بدليلِ مَكَّةَ المُشرَّفةِ.
(وَلَا) أي: وليسَ (قَوْلُ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ) وهم: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، ﵃ بإجماعٍ، ولا حُجَّةَ مع مخالفةِ مجتهدٍ، وهو الصَّحيحُ عندَ الأئمَّةِ؛ لأنَّهم ليسوا كلَّ الأمَّةِ الَّذين جُعِلَتِ الحُجَّةُ في قَولِهم، ولأنَّ ابنَ عبَّاسٍ خالَفَ جميعَ الصَّحابةِ في خمسِ مسائلَ في الفرائضِ انْفَرَدَ بها، وابنَ مسعودٍ في أربعٍ، وغيرَهما في غيرِ ذلك، ولم يَحتَجَّ عليهم أحدٌ بإجماعِ
стр. 301
الخلفاءِ الأربعةِ، وأمَّا حديثُ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١) فسياقُه فيما يَكُونُ حُجَّةً مِن حُجَجِ الشَّرعِ، وإنَّما الجوابُ: أنَّ المُرادَ ألَّا يَبتدِعَ الإنسانُ بما لم يَكُنْ في السُّنَّةِ ولا فيما عليه الصَّحابةُ في زَمَنِ الخلفاءِ الأربعةِ؛ لقُربِ عهدِهم بتَلَقِّي الشَّرعِ.
فَرْعٌ: لا يَلْزَمُ الأَخْذُ بِقَوْلِ أَفْضَلِهِمْ (وَلَا) يَعني: وليسَ قَوْلُ (أَهْلِ البَيْتِ) بإجماعٍ ولا حُجَّةٍ عندَ الأربعةِ وغيرِهم؛ للأدلَّةِ السَّابقةِ العامَّةِ في ذلك وغيرِه.
(وَ) أهلُ البيتِ (هُمْ: عَلِيٌّ، وَ) زوجتُه (فَاطِمَةُ) بنتُ رسولِ ﷺ (وَنَجْلَاهَا (٢) -بنونٍ وجيمٍ- وهما: حسنٌ وحُسَيْنٌ، في الأصحِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٣) لروايةِ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن أُمِّ سَلَمَةَ: أنَّ هذه الآيةَ لمَّا نزلتْ جَلَّلَ عَليهمْ بِكِسَاءٍ وقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وَخَاصَّتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، فقالت أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَكُمْ. فقَالَ: «إِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ». رَوَاه أحمدُ والتِّرمذيُّ وصحَّحَه (٤).
стр. 302
وقيلَ: أهلُ البيتِ: أزواجُه، وقيلَ: أهلُه وأزواجُه.
وعلى الصَّحيحِ: ليسَ قولُهم (بِإِجْمَاعٍ، وَلَا حُجَّةٍ، مَعَ مُخَالَفَةِ مُجْتَهِدٍ) واحدٍ؛ لِما تَقَدَّمَ.
(وَمَا عَقَدَهُ أَحَدُ) الخلفاءِ (الأَرْبَعَةِ) رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم أجمعينَ (مِنْ صُلْحٍ) كعقدِ عمرَ صُلحَ بني تَغْلِبَ (١)، (وَ) عقدِ (خَرَاجِ) السَّوادِ (٢)، (وَ) مِن (جِزْيَةٍ) وما جَرى مَجْرى ذلك: (لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ) عندَ أكثرِ أصحابِنا.
وقيلَ: يَجُوزُ نَقضُه إذا رأى الإمامُ ذلك، فيَكُونُ حُكْمُه (٣) حُكْمَ رأيِه في جميعِ المَسائلِ؛ لأنَّ المصالحَ تَختلِفُ باختلافِ الأزمنةِ، قال في «شرحِه»: وهذا الصَّحيحُ عندَ أصحابِنا المُتأخِّرينَ (٤)، واللهُ أعلمُ.
стр. 303
(فَصْلٌ)
(يُعْتَبَرُ) لصِحَّةِ انعقادِ الإجماعِ عندَ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه: (انْقِرَاضُ العَصْرِ)، وظاهرُه: لا فرقَ بينَ إجماعِ الصَّحابةِ وغيرِهم على الصَّحيحِ، ولا بينَ الإجماعِ السُّكوتِيِّ وغيرِه، خلافًا للآمِدِيِّ وغيرِه، ولا بينَ القياسِ وغيرِه، خلافًا لإمامِ الحرمينِ، وسواءٌ كانَ فيه مهلةٌ، أو لا مُهلَةَ فيه، مِمَّا لا يُمكِنُ استدراكُه: مِن قتلِ نفسٍ، أو استباحةِ فَرجٍ، خلافًا لبعضِ أصحابِ الشَّافعيِّ، وسواءٌ بَقِيَ منهم عددُ التَّواتُرِ ورَجَعوا، أو أقلُّ، خلافًا للبَاقِلَّانِيِّ وغيرِه، والَّذي عليه الأكثرُ: لا يُشتَرَطُ الانقراضُ.
واستُدِلَّ لأحمدَ ومَن تابَعَه بقولِه تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (١)، ومَنْعُهم مِنَ الرُّجوعِ مُفضٍ (٢) كونَهم شهداءَ على أنفُسِهم.
(وَهُوَ) أي: الانقراضُ: (مَوْتُ مَنِ اعْتُبِرَ فِيهِ) أي: في الإجماعِ، مِن المُجتهدينَ لا غيرِهم على الصَّحيحِ.
(فَيَسُوغُ لَهُمْ) أي: لمُجتهدي العصرِ كلِّهم، (وَلِبَعْضِهِمْ الرُّجُوعُ) عن إجماعِهم (لِدَلِيلٍ) يَقتضيه، (وَلَوْ) كانَ رُجُوعُهم (عَقِبَهُ) أي: عَقِبَ إجماعِهم على الحُكْمِ؛ لأنَّ الإجماعَ لم يَستقرَّ؛ لأنَّه إِنَّمَا يَستقرُّ بعدَ موتِ مَنِ اعتُبِرَ فيه.
تنبيهٌ: المُشتَرطونَ للانقراضِ لا يَمنَعُون كَوْنَ الإجماعِ حُجَّةً قبلَ الانقِراضِ، بل يَقولون: يُحتَجُّ به، لكن لو رَجَعَ راجعٌ: قَدَحَ، أو حَدَثَ مُخالِفٌ: قَدَحَ.
стр. 304
ونظيرُه أنَّ ما يَقولُه الرَّسولُ ﷺ ، أو يَفعَلُه: حُجَّةٌ في حياتِه، وإنِ احتُملَ أن يَتَبَدَّلَ بنسخٍ؛ عملًا بالأصلِ في الموضعَينِ، فإذا رَجَعَ تَبَيَّنَ أنَّهم كانوا على خطأٍ لا يُقرُّون عليه، بخلافِه ﷺ ، فإنَّ قولَه وفعلَه حقٌّ في الحالَينِ.
و (لَا) يُعتبَرُ (عَدَدُ تَوَاتُرٍ (١) في الإجماعِ عندَ أصحابِنا والأكثرِ، كدليلِ السَّمعِ؛ لأنَّ المقصودَ اتِّفاقُ مُجتهدي الأمَّةِ وقد حَصَلَ، (فَـ) على هذا (لَوْ لَمْ يَكُنْ) أي: لم يُوجَدْ في ذلك العصرِ (إِلَّا) مجتهدٌ (وَاحِدٌ) ولم يَصِرْ مُخالِفٌ أهلًا (٢) حَتَّى ماتَ ذلك الواحدُ، أو قلَّ عددُ الاجتهادِ، فلم يَبْقَ إلَّا الواحدُ والاثنانِ لفتنةٍ أو غيرِها اسْتَوْعَبَتْهم والعياذُ باللهِ، كما قلَّ القرَّاءُ في قتالِ أهلِ الرِّدَّةِ بكثرةِ مَن قُتِلَ مِن المسلمينَ: (فَإِجْمَاعٌ) يَعني كانَ مَن بَقِيَ مِن المسلمينَ مُستَقِلًّا بالإجماعِ ولم يَنْخَرِمِ الإجماعُ لعدمِ الكثرةِ.
تنبيهٌ: قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا كانَ هذا العددُ القليلُ يَصلُحُ لإثباتِ أصلِ الإجماعِ المقطوعِ به، فأَوْلَى أن يَصلُحَ لفكِّ الإجماعِ واختلالِه بمخالفتِه (٣).
(وَقَوْلُ مُجْتَهِدٍ) واحدٍ: إجماعٌ ظَنِّيٌّ، وحيثُ قُلْنا: إنَّه إجماعٌ أو حُجَّةٌ، يُشتَرَطُ له شروطٌ:
أحدُها: أنْ يَكُونَ قولُه: (فِي) مسألةٍ (اجْتِهَادِيَّةٍ تَكْلِيفِيَّةٍ) فخَرَجَ ما ليسَ مِن مسائلِ التَّكْلِيفِ، كقولِ القائلِ مَثَلًا: عمَّار (٤) أفضلُ مِن حُذيفةَ، وبالعكسِ.
стр. 305
والثَّاني: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الاجتهادِ لا في غيرِه.
والثَّالثُ: أنْ يَطَّلِعوا عليه، وهو المُرادُ بقولِه: (إِنِ انْتَشَرَ) فخَرَجَ ما لم يَطَّلِعْ عليه السَّاكتون، فإنَّه لا يَكُونُ حُجَّةً قطعًا، وهل المُرادُ القطعُ باطِّلاعِهم، أو غلبةُ الظَّنِّ؟
قُلْتُ: ظاهرُ قواعدِ المذهبِ أنَّه يَكفي غلبةُ الظَّنِّ بذلك لانتشارِه وشهرتِه؛ لأنَّ ذلك الإجماعَ ظَنِّيٌّ.
(وَ) الرَّابعُ: إنْ (مَضَتْ مُدَّةٌ يُنْظَرُ فِيهَا) ذلك القولُ عادةً في تلك الحالةِ، فخَرَجَ ما إذا لم يَمْضِ مُدَّةُ النَّظرِ، لاحتمالِ أنْ يَكُونَ السَّاكتُ في مهلةِ النَّظرِ.
(وَ) الخامسُ: إنْ (تَجَرَّدَ) قولُ المُجتهدِ (عَنْ قَرِينَةِ رِضًا وَسَخَطٍ) وإنْ لم يُصَرِّحوا به، فخَرَجَ ما كانَ هناك أمارةُ سخطٍ، فإنَّه ليسَ بحُجَّةٍ بلا خلافٍ، كما أنَّه إذا كانَ معه أمارةُ رِضًا يَكُونُ إجماعًا بلا خلافٍ، كما (١) قال بعضُهم.
(وَ) السَّادسُ: إنْ (لَمْ يُنْكَرْ) ذلك مع طولِ الزَّمانِ.
والسَّابعُ: أنْ يَكُونَ (قَبْلَ اسْتِقْرَارِ المَذَاهِبِ) فأمَّا بعدَ استقرارِها فلا أَثَرَ للسُّكُوتِ قطعًا، كإفتاءِ مُقَلِّدٍ سَكَتَ عنه المُخالفونَ للعِلْمِ بمَذهَبِهم ومذهبِه، كحنبليٍّ يُفتي بنقضِ الوضوءِ بمسِّ الذَّكَرِ، فلا يَدُلُّ سُكُوتُ مَن يُخالِفُه كالحَنفيَّةِ على موافقتِه، وحيثُ تَوَفَّرَتْ هذه الشُّروطُ للمُجتهدِ، فقولُه: (إِجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ)؛ لأنَّ الظَّاهرَ المُوافقةُ، لبُعدِ سُكُوتِهم عادةً.
و (لَا) يَكُونُ (الأخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ) إجماعًا (كَدِيَةِ الكِتَابِيِّ) كاليهوديِّ (الثُّلُثُ) مِثْلُ قولِ الشَّافعيِّ ﵀: إنَّ دِيَةَ اليهوديِّ ثُلُثُ دِيَةِ المسلمِ، فإنَّه لا
стр. 306
يَصِحُّ أنْ يَتَمَسَّكَ في إثباتِه بالإجماعِ، ويَقولَ: إنَّ الأمَّةَ لا تَخرُجُ عنِ القائلِ بالكلِّ وبالنِّصفِ وبالثُّلُثِ، والكلُّ قائلون بالثُّلُثِ، وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ قولَه يَشتملُ على وجوبِ الثُّلُثِ ونَفيِ الزَّائدِ. والإجماعُ لم يَدُلَّ على نفيِ الزَّائدِ، بل على وجوبِ الثُّلُثِ فقطْ، وهو بعضُ المُدَّعَى، فالثُّلُثُ وإنْ كانَ مُجمَعًا عليه لكنَّ نَفيَ الزِّيادةِ لم يَكُنْ مُجمَعًا عليه، فالمجموعُ لا يَكُونُ مُجمَعًا عليه، والقائلُ بالثُّلُثِ مطلوبُه مُرَكَّبٌ مِن أمرينِ: الثُّلُثُ، ونفيُ الزِّيادةِ، فلا يَكُونُ مَذهبُه مُتَّفَقًا عليه، فإنْ أَبْدَى نفيَ الزِّيادةِ بوجودِ المانعِ مِن الزِّيادةِ، أو بنفيِ شَرطِ الزِّيادةِ، أو أَبْدَى نَفْيَ الزِّيادةِ بالاستصحابِ: لم يَكُنْ حينئذٍ نفيُ الزِّيادةِ ثابتًا بالإجماعِ، وتَمَسُّكُ الشَّافعيِّ وأتباعِه بذلك إِنَّمَا هو للبَراءةِ الأصليَّةِ، ولذلك كانَ فَرضُ المسألةِ فيما إذا كانَ فيه الأصلُ براءةَ الذِّمَّةِ، فإنَّ الأصلَ في مسألةِ الدِّيةِ مثلًا براءةُ ذِمَّةِ القاتلِ مِن الزَّائدِ على الأقلِّ.
(وَلَا يُضَادُّ إِجْمَاعٌ) إجماعًا (آخَرَ) عندَ الجمهورِ، يَعني إذا انعقدَ الإجماعُ في مسألةٍ على حكمٍ لا يَجوزُ أنْ يَنعَقِدَ بعدَه إجماعٌ يُضَادُّه؛ لاستلزامِه تعارضَ دَليلينِ قَطعيَّينِ.
(وَلَا) إجماعَ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم (عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ)؛ لأنَّ الإجماعَ لا يَكُونُ إلَّا مِن المُجتهدينَ، والمُجتهدُ لا يَقولُ في الدِّينِ بغيرِ دليلٍ، فإنَّ القولَ بغيرِ دليلٍ خطأٌ، وأيضًا فكانَ يَقتضي إثباتَ شرعٍ مُستأْنَفٍ بعدَ النَّبيِّ ﷺ وهو باطلٌ، ولأنَّه مُحالٌ عادَةً، وكالواحدِ مِن الأُمَّةِ، والدَّليلُ:
إمَّا كتابٌ: كإجماعِهم على حدِّ الزِّنا، والسَّرقةِ، وغيرِهما مِمَّا لا يَنحَصِرُ.
أو سُنَّةٌ: كإجماعِهم على توريثِ كلٍّ مِن الجدَّاتِ السُّدُسَ ونحوِه، ويَأتي القياسُ بعدَ ذلك،
стр. 307
وفائدتُه: سقوطُ البحثِ عنَّا عن دليلِه.
(وَيَجُوزُ) أنْ يَكُونَ الإجماعُ (عَنِ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ) عندَ جماهيرِ العُلَمَاءِ، (وَوَقَعَ) الإجماعُ عنِ اجتهادٍ وقياسٍ، كإجماعِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم أجمعينَ على خلافةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه، وعلى قتالِ مانعي الزَّكاةِ، وتحريمِ شَحمِ الخِنزيرِ، والأصلُ عدمُ النَّصِّ، ثمَّ لو كانَ لظَهَرَ واحتُجَّ به.
(وتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ) أي: مُخالفةُ الإجماعِ الواقعِ عن اجتهادٍ وقياسٍ عندَ الأربعةِ وغيرِهم.
(وَفِي قَوْلٍ) لابنِ حامِدٍ (١) وجمعٍ: (يَكْفُرُ مُنْكِرُ حُكْمِ) إجماعٍ (قَطْعِيٍّ).
قالَ في «شرحِ الأصلِ» (٢): والحقُّ أنَّ مُنكِرَ المُجمَعِ عليه الضَّروريِّ والمشهورِ المنصوصِ عليه: كافرٌ قطعًا، وكذا المشهورُ فقط، لا الخفيُّ في الأصحِّ فيهما، فهنا أربعةُ أقسامٍ:
الأوَّلُ: المُجمَعُ عليه الضَّروريُّ، ولا شكَّ في تكفيرِ مُنكِرِ ذلك، وقد قالَ (٣) الإمامُ أحمدُ والأصحابُ بكفرِ جاحدِ الصَّلاةِ، وكذا لو أَنْكَرَ رُكنًا مِن أركانِ الإسلامِ، لكنْ ليسَ كغيرِه مِن حَيْثُ كَوْنُ ما جَحَدَه مُجمَعًا عليه فقط، بل مع كونِه مِمَّا اشتَركَ النَّاسُ في معرفتِه، فإنَّه يَصِيرُ بذلك كأنَّه جاحِدٌ لصِدقِ الرَّسولِ ﷺ .
стр. 308
ومَعنى كونِه مَعلومًا بالضَّرورةِ: أنْ (١) يَستوِيَ خاصَّةُ أهلِ الدِّينِ وعامَّتُه في معرفتِه، حَتَّى يَصِيرَ كالمعلومِ بالعِلمِ الضَّروريِّ في عدمِ تَطَرُّقِ الشَّكِّ إليه، لا أنَّه يَستقِلُّ إدراكُ العقلِ به فيَكُونُ عِلمًا ضروريًّا، كأعدادِ الصَّلواتِ ورَكعاتِها، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحَجِّ، وزمانِها، وتحريمِ الزِّنى، والخمرِ، والسَّرقةِ، ونَحوِها.
وإنْ لم يَكُنْ مَعلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ، ولكنَّه منصوصٌ عليه مشهورٌ عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، فيُشارِكُ القِسْمَ الَّذِي قَبْلَه في كَوْنِه مَنصوصًا ومشهورًا، ويُخالِفُه مِن حَيْثُ إنَّه لم يَنْتَهِ إلى كونِه ضروريًّا في الدِّينِ؛ فيَكْفُرُ به جاحِدُه أيضًا.
وإنْ لم يَكُنْ مَنصوصًا عليه، لكنَّه بَلَغَ مع كَوْنِه مُجمَعًا عليه في الشُّهرةِ مَبْلَغَ المنصوصِ بحَيثُ يَعرِفُه الخاصَّةُ والعامَّةُ، فهذا أيضًا يَكفُرُ مُنكِرُه في أصحِّ قوليِ العلماءِ؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ تكذيبُهم تكذيبَ الصَّادقِ.
وقيلَ: لا يَكفُرُ لعدمِ التَّصريحِ بالتَّكذيبِ.
وإنْ لم يَكُنْ مَنصوصًا عليه، ولا بَلَغَ في الشُّهرةِ مَبلَغَ المنصوصِ، بل هو خَفِيٌّ لا يَعرِفُه إلَّا الخَوَاصُّ، كإنكارِ استحقاقِ بنتِ الابنِ السُّدُسَ مع البنتِ، وإفسادِ الحجِّ بالوطءِ قبلَ الوقوفِ بعَرفةَ: فهذا لا يَكفُرُ جاحِدُه، ولا مُنكِرُه؛ لعُذرِ الخفاءِ، خلافًا لبعضِ الفقهاءِ في قولِه: «إنَّه يَكفُرُ»؛ لتكذيبِه الأُمَّةَ.
وَرُدَّ: بأنَّه لم يُكَذِّبْهم صريحًا، إذا فُرِضَ أنَّه لم يَكُنْ مَشهورًا، فهو مِمَّا يَخفى عليه مِثْلُه، فهذا تحقيقُ هذه المسألةِ وتحريرُها.
стр. 309
(وَإِذَا اخْتَلَفُوا) أي: مجتهدو العصرِ في مسألةٍ (عَلَى قَوْلَيْنِ: حَرُمَ إِحْدَاثُ) قولٍ (ثَالِثٍ) عندَ الجمهورِ، كما لو أَجمَعُوا على قولٍ واحدٍ، فإنَّه يَحرُمُ إحداثُ قولٍ ثانٍ.
وقالَ جمعٌ: إنْ رَفَعَ القولُ الثَّالثُ المُجمَعَ عليه: حَرُمَ إحداثُه، وإن لم يَرفَعِ المُجمَعَ عليه: جازَ، فالَّذي يَرفَعُ المُجمَعَ عليه إذا رَدَّ بِكرًا بعَيبٍ بعدَ وَطْئِها مَجَّانًا، فهذا القولُ يَحرُمُ إحداثُه، فإنَّهم اختلفوا في البِكرِ إذا وَطِئَها المُشتَري ثمَّ وَجَدَ بها عَيبًا، قيلَ: تُرَدُّ مع الأرْشِ. وقيلَ: لا تُرَدُّ بوجهٍ، فالقولُ بأنَّها تُرَدُّ مجَّانًا رافعٌ لإجماعِ القولينِ على مَنعِ الرَّدِّ قهرًا مَجَّانًا.
والصَّحيحُ مِن مَذهبِنا: أنَّ المُشتَريَ مُخَيَّرٌ بينَ الإمساكِ وأخذِ الأرشِ، وبينَ الرَّدِّ وإعطاءِ الأرشِ، إن لم يَكُنْ دَلَّسَ البائعُ، فإنْ دَلَّسَ لم يَلْزَمِ المُشتَريَ أرشٌ.
وكذا إخوةٌ مع جدٍّ، قِيلَ: بالمُقاسمةِ، وقيلَ: يُسقِطُهم، فالقولُ بأنَّهم يُسقِطُونه رافعٌ المُجمَعَ عليه.
ومثالُ ما لا يَرفَعُ مُجمَعًا: الفسخُ في النِّكاحِ بالعيوبِ الخمسةِ: الجنونُ، والجُذامُ، والبَرَصُ، والجَبُّ، والعُنَّةُ ونحوُها إن كانَ في الزَّوجِ، والرَّتقُ، والفتقُ، ونحوُهما إنْ كانَ في الزَّوجةِ، فقيلَ: لكلٍّ مِنهما أن يَفسَخَ بها، وقيلَ: لا، فما نُقِلَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يُفْسَخُ ببعضٍ دونَ بعضٍ.
وعن الحسنِ البصريِّ قولٌ ثالثٌ: أنَّ المرأةَ تَفسَخُ دونَ الرَّجلِ، لتَمَكُّنِه مِن الخلاصِ بالطَّلاقِ، لكنَّ هذا القولَ لم يَرفَعْ مُجمَعًا عليه، بل وافَقَ في كلِّ مسألةٍ قولًا، وإنْ خالَفَه في أُخرى، واختارَه كثيرٌ مِن العلماءِ وصَحَّحُوه.
стр. 310
و (لَا) يَحرُمُ على مَن بَعدَ مُجتهدي العصرِ: إحداثُ (تَفْصِيلٍ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ) حالَ كَوْنِ أحدِهما (إِثْبَاتًا، و) الآخَرِ (نَفْيًا) وحُكِيَ عن الأكثرِ.
وقالَ أبو الخَطَّابِ (١): إنْ صَرَّحوا بالتَّسويةِ: لم يَجُزْ؛ لاشتِراكِهما في المُقتضِي للحُكْمِ ظاهرًا، وإن لم يُصَرِّحوا فإنِ اختلفَ طريقُ الحكمِ فيهما كالنِّيَّةِ في الوضوءِ، والصَّومِ في الاعتكافِ: جازَ، وإلَّا: لَزِمَ مَن وافَقَ إمامًا في مسألةٍ موافقتُه في جميعِ مَذهبِه، وإجماعُ الأُمَّةِ خلافُه، وإنِ اتَّفَقَ الطَّريقُ كزوجٍ وأَبَوَينِ، وامرأةٍ وأَبَوَينِ، وكإيجابِ نِيَّةٍ في وضوءٍ وتَيَمُّمٍ، وعكسُه: لم يَجُزْ، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ.
وقالَ ابنُ العِرَاقِيِّ الشَّافِعِيِّ: إذا لم يَفْصِلْ أهلُ العصرِ بينَ مَسألتَينِ، بل أجابوا فيهما بجوابٍ واحدٍ، فليسَ لمَن بَعدَهم التَّفصيلُ بينَهما، وجَعْلُ حُكْمِهما مُختلِفًا إنْ لَزِمَ منه خَرْقُ الإجماعِ، وذلك في صُورتَينِ:
الأُولى: أنْ يُصَرِّحُوا بعدمِ الفرقِ بينَهما.
الثَّانيةُ: أنْ يَتَّحِدَ الجامعُ بينَهما، كتوريثِ العمَّةِ والخالةِ، فإنَّ العلماءَ بينَ مُورِّثٍ لهما ومانعٍ، والجامعُ بينَهما عندَ الطَّائفتينِ كونُهما مِن ذوي الأرحامِ؛ فلا يَجوزُ مَنْعُ واحدةٍ وتوريثُ أُخرى، فإنَّ التَّفصيلَ بينَهما خارقٌ لإجماعِهم في الأُولى: نصًّا، وفي الثَّانيةِ: تَضَمُّنًا، ويَجُوزُ التَّفصيلُ فيما عدا هاتينِ الصُّورتينِ (٢).
стр. 311
(وَلَا) يَحرُمُ إحداثُ (دَلِيلٍ، أَوْ عِلَّةٍ آخَرَيْنِ) فيَجوزُ إحداثُ دليلٍ آخَرَ عندَ أصحابِنا والأكثرِ، زادَ القاضي: مِن غيرِ أنْ يَقصِدَ بيانَ الحُكمِ به بعدَ ثُبوتِه (١)؛ لأنَّه قولٌ عنِ اجتهادٍ غيرِ مخالِفٍ إجماعًا؛ لأنَّهم لم يَنُصُّوا على فسادِ غيرِ ما ذَكَروه، وأيضًا وَقَعَ كثيرًا ولم يُنْكَرْ، ولأن الشَّيْءَ قد يَكُونُ عليه أدلَّةٌ كثيرةٌ.
ويَجوزُ إحداثُ علَّةٍ أُخرى عندَ الأكثرِ، بِناءً على جوازِ تعليلِ الحُكْمِ الواحدِ بعِلَّتَينِ على ما يَأتي، وهو الصَّحيحُ في بابِ القياسِ.
(أَوْ) أي: ولا يَحرُمُ إحداثُ (تَأْوِيلٍ) آخَرَ (لَا يُبْطِلُ) التَّأْويلَ (الأَوَّلَ) ذَكَرَه بعضُهم عنِ الجمهورِ، وقيلَ: لا يَجُوزُ إحداثُه، واختارَه القاضي عبدُ الوَهَّابِ المالكيُّ، قال: لأنَّ الآيةَ مَثَلًا إذا احتملَتْ معانيَ، وأجمعوا على تأويلِها بأحدِها: صارَ كالإفتاءِ في حادثةٍ تَحتمِلُ أحكامًا بحُكْمٍ، فلا يَجُوزُ أن يُؤَوَّلَ بغيرِه، كما لا يُفتَى بغيرِ ما أَفْتَوْا به (٢).
(وَاتِّفَاقُ) مُجتهدي (عَصْرٍ ثَانٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ) أهلِ العَصْرِ (الأَوَّلِ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ الخِلَافُ) في العصرِ الأوَّلِ (لَا يَرفَعُهُ) أي: لا يَرفَعُ خلافَ أهلِ العصرِ الأوَّلِ عندَ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه، ولا يَكُونُ إجماعًا؛ لأنَّ موتَ المُخالِفِ في العصرِ الأوَّلِ لا يَكُونُ مُسْقِطًا لقولِه، فيَبْقى، ولا يَكُونُ حُجَّةً؛ لأنَّه لو كانَ حُجَّةً لتَعارَضَ الإجماعانِ.
وأيضًا: لم يَحصُلِ اتِّفاقُ الأُمَّةِ؛ لأنَّ فيه قولًا مخالفًا؛ لأنَّ القولَ لا يَمُوتُ بموتِ صاحبِه.
стр. 312
(وَإِلَّا) بأنْ لم يَكُنِ اسْتَقَرَّ الخلافُ في العصرِ الأوَّلِ (فَإِجْمَاعٌ) قطعًا، فإذا وَقَعَ الاتِّفاقُ بعدَ الاختلافِ وكانَ اتِّفاقُ أهلِ عصرٍ بعدَه على أحدِ القولَينِ، وكانَ قبلَ استقرارِ خِلافِ الأوَّلين؛ أي: قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ على ذلك الخلافِ يُعلَمُ بها أنَّ كلَّ قائلٍ مُصمِّمٌ على قولِه لا يَنْثَني عنه، فهذا اتَّفقوا على جوازِه، وذلك كخلافِ الصَّحابةِ لأبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم في قتالِ مانعي الزَّكاةِ، وإجماعِهم بعدَ ذلك على قتالِهم، وإجماعِ العصرِ الثَّاني عليه أيضًا؛ إذِ الخلافُ لم يَكُنِ استقرَّ.
(وَلَوْ مَاتَ) أربابُ أحدِ القولَينِ (أَوِ ارْتَدَّ أَرْبَابُ أَحَدِ القَوْلَيْنِ: لَمْ يَصِرْ قَوْلُ البَاقِي) منهم (إِجْمَاعًا)؛ لأنَّ حُكْمَ الميِّتِ في حُكمِ الباقي الموجودِ، وهو قولُ الأكثرِ.
تنبيهٌ: لو ماتَ أربابُ أحدِ القولينِ، ورَجَعَ مَن بَقِيَ مِنهم إلى قولِ الآخَرِينَ.
قالَ ابنُ كَجٍّ (١): فيها وجهانِ:
أحدُهما: أنَّه إجماعٌ؛ لأنَّهم أهلُ العصرِ.
والثَّاني: المنعُ؛ لأنَّ الصِّدِّيقَ جَلَدَ في حدِّ الخمرِ أربعينَ (٢)، وقد أَجمَعَ الصَّحابةُ على ثمانينَ في زمنِ عمرَ، فلم يَجعلوا المسألةَ إجماعًا؛ لأنَّ الخلافَ كانَ قد تَقَدَّمَ، وقد ماتَ ممَّن قال بذلك بعضٌ (٣) ورَجَعَ بعضٌ إلى قولِ عمرَ.
стр. 313
(وَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي عَصْرٍ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ) وقبلَ استقرارِ الخلافِ: إجماعٌ، وكذا هو حُجَّةٌ في الأصحِّ، ويُمَثَّلُ له بما وَقَعَ لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ في قتالِ أهلِ الرِّدَّةِ، وفي اختلافِهم في أيِّ موضعٍ يُدفَنُ ﷺ ، ثمَّ اتِّفاقِهم سريعًا فيهما.
(وَ) كذا إنْ كانَ (قَدِ (١) اسْتَقَرَّ) اختلافُهم، فاتِّفاقُهم بعدَ ذلك: (إِجْمَاعٌ) عندَنا، وعندَ الأكثرِ، وكلُّ مَنِ اشتَرطَ انقراضَ العصرِ قال: إجماعٌ.
(وَلَا يَصِحُّ تَمَسُّكٌ بِإِجْمَاعٍ فِيمَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ) أي: صِحَّةُ الإجماعِ (عَلَيْهِ) اتِّفاقًا، (كَوُجُودِهِ) تَبارَكَ و (تعالى، وَصِحَّةِ الرِّسَالَةِ) ودَلالةِ المُعجزةِ، فيَتَوَقَّفُ الإجماعُ على ذلك، فلا يَصِحُّ التَّمسُّكُ به؛ لاستلزامِه عليه لُزومَ الدَّوْرِ، ولعَدمِ إمكانِ تَأخُّرِ معرفتِها عنِ الإجماعِ.
(وَيَصِحُّ) التَّمسُّكُ بالإجماعِ (فِي غَيْرِهِ) وهو ما لا تَتوَقَّفُ صِحَّةُ الإجماعِ عليه، مِن أمْرٍ:
(١) (دِينِيٍّ، كَنَفْيِ الشَّريكِ)، ووجوبِ العباداتِ، ونَحوِها، فإنَّ الإجماعَ لا يَتَوَقَّفُ على ذلك؛ لإمكانِ تأخُّرِ مَعرِفَتِها عنِ الإجماعِ، وسواءٌ كانَ الدِّينيُّ: عقليًّا: كرُؤيةِ الباري، ونفيِ الشَّريكِ، أو شرعيًّا: كوجوبِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، وغيرِها.
(٢) (أَو) مِن أمْرٍ (عَقْلِيٍّ: كَحُدُوثِ (٢) العَالَمِ) فيُمكِنُ إثباتُه؛ لأنَّه يُمْكِنُنا إثباتُ الصَّانعِ بحدوثِ الأعراضِ، ثمَّ نَعرِفُ صِحَّةَ النُّبُوَّةِ، ثمَّ يُعرَفُ به الإجماعُ، ثمَّ يُعرَفُ به حُدوثُ الأجسامِ، وهذا الصَّحيحُ الَّذِي عليه الأكثرُ.
стр. 314
(٣) (أَوْ) مِن أمرٍ (دُنْيَوِيٍّ: كَرَأْيٍ فِي حَرْبٍ) وتدبيرِ أمرِ الجيوشِ والرَّعِيَّةِ.
قالَ البِرْمَاوِيُّ: فيه مذهبانِ مشهورانِ، المُرَجَّحُ منهما: وجوبُ العملِ فيه بالإجماعِ (١).
قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهو أظهرُ؛ لأنَّ الدَّليلَ السَّمعيَّ دَلَّ على التَّمسُّكِ به مطلقًا مِن غيرِ تقييدٍ، فوَجَبَ المَصيرُ إليه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التَّقييدِ (٢).
(٤) (أَو) مِن أمرٍ (لُغَوِيٍّ) فيُعتَدُّ بالإجماعِ في أمرٍ لُغوِيٍّ، ككونِ الفاءِ للتَّعقيبِ، قَطَعَ به البِرْمَاوِيُّ (٣).
وقيلَ: يُعتَدُّ بالإجماعِ فيه إنْ تَعَلَّقَ بالدِّينِ، وإلَّا فلا.
стр. 315
(فَصْلٌ)
(ارْتِدَادُ الأُمَّةِ) الإسلاميَّةِ في بعضِ الأعصارِ (جَائِزٌ عَقْلًا) أي: في تَصَوُّرِ العقلِ قطعًا؛ لأنَّه ليسَ بمُحالٍ، ولا يَلْزَمُ منه مُحالٌ، و (لَا) يَجُوزُ ارتدادُها (سَمْعًا) في الأصحِّ، لأدلَّةِ الإجماعِ، وقولِه ﵊: «أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ» (١)، وانعقاد (٢) الإجماعِ.
(وَيَجُوزُ اتِّفَاقُهَا على جَهْلِ مَا) أي: شيءٍ (لَمْ تُكَلَّفْ بِهِ) في الأصحِّ، لعدمِ الخطأِ بعدمِ التَّكْلِيفِ: كتفضيلِ عمَّارٍ على حذيفةَ، وعكسِه، ولأنَّ ذلك لا يَقدَحُ في أصلٍ منَ الأصولِ، أمَّا ما كُلِّفوا به: فيَمتَنِعُ جهلُ جميعِهم، ككونِ الوترِ واجبًا أم لا، ونحوِه.
و (لَا) يَجوزُ (انْقِسَامُهَا) أي: الأُمَّةِ (فِرْقَتَيْنِ كُلُّ فِرْقَةٍ) منها (مُخْطِئَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ مُخَالِفَةٍ) للمَسألةِ (الأُخْرَى) مِثْلُ أن يَقولَ البعضُ بأنَّ العبدَ يَرِث، ويَقولُ الباقي بأنَّ القاتلَ يَرِثُ؛ [فلا يَجُوزُ] (٣) لأنَّه إجماعٌ على الخطأِ.
ومَثَّلُوا أيضًا باتِّفاقِ شَطرِ الأُمَّةِ على أنَّ التَّرتيبَ في الوضوءِ واجبٌ، وفي الصَّلاةِ الفائتةِ غيرُ واجبٍ، والفرقةُ الأُخرى على عكسِ ذلك في الصُّورتَينِ، فذَهَبَ الأكثرُ إلى المنعِ؛ لأنَّ خَطَأَهم في المسألتينِ لا يُخرِجُهم عن أنْ يَكُونوا قدِ اتَّفقوا على الخطأِ ولو في المسألتينِ، وهو منفيٌّ عنهم، أمَّا إنْ أَخطَأَ كلُّ فريقٍ في مسألةٍ أجنبيَّةٍ عنِ المسألةِ الأخرى: جازَ، فإنَّا نَقطَعُ أنَّ كلَّ مجتهدٍ يَجُوزُ أنْ يُخطِئَ، وما مِن مذهبٍ مِن المذاهبِ إلَّا وقد وَقَعَ فيه ما يُنْكَرُ ولو قَلَّ، فهذا لا بدَّ للبشرِ منه.
стр. 316
(وَلَا) يَجُوزُ أيضًا: (عَدَمُ عِلْمِهَا) أيِ: الأُمَّةِ (بِدَلِيلٍ) إذا (اقْتَضَى) ذلك الدَّليلُ (حُكْمًا) على المُكَلَّفِينَ (لَا دَلِيلَ لَهُ) أي: لذلك الحُكْمِ (غَيْرُهُ) أي: غيرُ ذلك الدَّليلِ؛ لأنَّه إنْ عُمِلَ بذلك الحُكْمِ كانَ عملًا به عن (١) غيرِ دليلٍ، بل عن تَشَهٍّ، والعملُ بالحُكْمِ عنِ التَّشَهِّي لا يَجُوزُ، وإنْ لم يُعمَلْ به كانَ تركًا للحُكْمِ المُتَّجِهِ على المُكَلَّفِ، أما إذا كانَ في الواقعةِ دليلٌ، أو خبَرٌ راجحٌ؛ أي: بلا مُعارِضٍ قد عُمِلَ على وَفْقِ ذلك الدَّليلِ، أو الخبَرِ بدليلٍ آخَرَ: جازَ عدمُ عِلْمِ الأُمَّةِ به، وهذا ظاهرُ كلامِ أصحابِنا؛ لأنَّ عَدَمَ العِلمِ ليسَ مِن فِعلِهم، وخطؤُهم مِن أوصافِ عدمِ العِلمِ، فلا يَكُونُ خطأً، فلا إجماعَ منهم، ولأنَّ اشتِراكَ جَميعِهم في عدمِ العِلْمِ بذلك الخبَرِ أو الدَّليلِ الرَّاجحِ لم يُوجِبْ مَحذورًا؛ إذْ ليسَ اشتِراكُ جميعِهم في عدمِ العِلْمِ إجماعًا حَتَّى يَجِبَ مُتابَعَتُهم فيه، بل عدمُ عِلمِهم بذلك الدَّليلِ، أو الخبَرِ كعَدمِ حُكْمِهم في واقعةٍ لم يَحكُموا فيها بشيءٍ، فجازَ لغيرِهم أنْ يَسعى في طلبِ ذلك الدَّليلِ أو الخبَرِ ليَعلَمَ.
стр. 317
(فَصْلٌ)
لَمَّا فَرَغَ منَ الأبحاثِ المخصوصةِ بكلِّ واحدٍ منَ الأَدِلَّةِ الثَّلاثةِ، وهي: الكتابُ، والسُّنَّةُ والإجماعُ، شَرَعَ في الأبحاثِ المُشتَركةِ بينَ الثَّلاثةِ.
واعلَمْ أنَّ الكلامَ في الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بعدَ ثُبُوتِه، ثمَّ يَتْلُوه ما يَتَوَقَّفُ عليه مِن حَيْثُ دَلالةُ الألفاظِ؛ لأنَّه بعدَ الصِّحَّةِ يَتَوَجَّهُ النَّظرُ إلى ما دلَّ عليه (١) ذلك الثَّابتُ، ثمَّ يَتْلُوه: ما يَتَوَقَّفُ عليه مِن حَيْثُ استمرارُ الحُكمِ وبقاؤُه فلم يُنْسَخْ، ثمَّ يَتلوه: ما يَتَوَقَّفُ عليه الدَّليلُ الرَّابعُ وهو القياسُ مِن بيانِ أركانِه وشروطِه وأحكامِه؛ لأنَّه مُفَرَّعٌ على الثَّلاثةِ الأُوَلِ.
قالَ العَضُدُ: لا شَكَّ أنَّ الطَّريقَ إلى الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عليه طبعًا، فقُدِّمَ عليه وَضعًا (٢).
وقولُه: (يَشْتَرِكُ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ فِي:
(١) سَنَدٍ) إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ بالثُّبُوتِ صِحَّةُ وُصولِها إلينا لا ثُبُوتُها في نَفْسِها، وكونُها حقًّا، (وَيُسَمَّى) السَّنَدُ (إِسْنَادًا).
وأصلُ السَّنَدِ في اللُّغةِ: ما يُستنَدُ (٣) إليه، أو: ما ارتفعَ مِن الأرضِ.
(وَ) اصطلاحًا (هُوَ: إِخْبَارٌ عَنْ طَرِيقِ المَتْنِ) قولًا أو فعلًا، تواترًا أو آحادًا، ولو كانَ الإخبارُ بواسطةِ مُخبِرٍ آخَرَ فأكثرَ، عمَّن يُنسَبُ المتنُ إليه، وأَخْذُ المعنى الاصطلاحيِّ مِن الارتفاعِ أكثرُ مُناسَبَةً، فلذلك قال ابنُ
стр. 318
طريفٍ (١): أَسْنَدْتُ الحديثَ رَفَعْتُه إلى المُحَدِّثِ، فيَحتملُ أنَّه اسمُ مصدرٍ مِن أَسْنَدَ يُسْنِدُ، أُطلِقَ على المُسْنَدِ إليه، وأن يَكُونَ مَوضوعًا لِما يُسنَدُ إليه.
والمُسنِدُ بكسْرِ النُّونِ: مَن يَروي الحديثَ بإسنادِه، سواءٌ كانَ عندَه عِلْمٌ به، أو ليسَ له إلَّا مُجَرَّدُ روايتِه.
(٢) (وَ) يَشتَرِكُ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ في (مَتْنٍ، وَ) المتنُ: (هُوَ المُخْبَرُ بِهِ) ومادَّةُ المتنِ في الأصلِ راجعةٌ إلى مَعنى الصَّلابةِ، ويُقالُ لِما صَلُبَ مِن الأرضِ: متنٌ، والجمعُ مِتَانٌ، ويُسَمَّى أسفلُ الظَّهْر مِن الإنسانِ والبهيمةِ مَتنًا، والجمعُ: مُتُونٌ، فالمَتنُ ما تَضَمَّنَه الثَّلاثةُ المذكورةُ مِن أمرٍ ونهيٍ، وعامٍّ وخاصٍّ، ونحوِها.
(وَالخَبَرُ) يُحَدُّ عندَ أصحابِنا والأكثرِ، ولهم فيه حدودٌ كثيرةٌ، قلَّ أنْ يَسلَمَ منها حدٌّ مِن خدشٍ.
قالَ في «شَرحِه»: وأَسْلَمُها قَولُهم: (مَا) يَعني أنَّه في اللُّغةِ كلامٌ (يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَكَذِبٌ) (٢). ونُقِضَ بمِثلِ: مُحَمَّدٌ، ومُسَيْلِمَةُ صادقانِ، وبقولِ مَن يَكذِبُ دائمًا: «كُلُّ أخباري كَذِبٌ»، فخبَرُ هذا لا يَدخُلُه صدقٌ، وإلَّا كُذِّبَتْ أخبارُه وهو منها، ولا كَذِبَ، وإلَّا كُذِّبَتْ أخبارُه مع هذا، وصَدَقَ في قولِه: «كُلُّ أَخباري كَذِبٌ» فيَتنَاقَضُ، ويَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لتَوَقُّفِ مَعرفتِهما على معرفةِ الخبَرِ؛ لأنَّ الصِّدقَ: الخبَرُ المطابِقُ، والكذبَ: ضِدُّه. وبأنَّهما مُتقابِلانِ، فلا يَجتمعانِ في خبَرٍ واحدٍ، فيَلْزَمُ امتناعُ الخبَرِ، أو وُجودُه مع عدمِ صِدقِ الحدِّ، وبخبَرِ الباري.
стр. 319
وأُجيبَ عنِ الأوَّلِ: أنَّه في مَعنى خبرينِ لإفادتِه حُكمًا لشخصينِ، ولا يُوصَفان بهما، بل يُوصَفُ بهما الخبَرُ الواحدُ مِن حَيْثُ هو خبَرٌ.
ورُدَّ: لا يَمنَعُ ذلك مِن وصفِه بهما، بدليلِ الكذبِ في قولِ القائلِ: «كُلُّ موجودٍ حادثٌ»، وإنْ أفادَ حُكمًا لأشخاصٍ.
وأُجِيبَ: بأنَّه كذبٌ؛ لأنَّه أضافَ الكذبَ إليهما معًا، وهو لأحدِهما.
وسَلَّمَه بعضُهم، ولكنْ لم يَدخُلْه الصِّدقُ.
وأُجِيبَ: بأنَّ مَعنى الحدِّ بأنَّ اللُّغةَ لا تَمنَعُ القولَ للمُتكلِّمِ به صَدَقْتَ أو كَذَبْتَ.
ورُدَّ: برجوعِه إلى التَّصديقِ والتَّكذيبِ، وهو غيرُ الصِّدقِ والكذبِ في الخبَرِ، وقولُه: «كلُّ أخباري كَذِبٌ» إنْ طابَقَ: فصِدقٌ، وإلَّا: فكَذِبٌ، ولا يَخلو عنهما.
وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَتَناوَلُ قولُه ما سِوى هذا الخبَرِ؛ إذِ الخبَرُ لا يَكُونُ بعضَ المُخبَرِ.
قالَ: ونَصَّ أحمدُ على مِثْلِه، ولا جوابَ عنِ الدَّوْرِ، وقد قيلَ: لا تَتوَقَّفُ معرفةُ الصِّدقِ والكذبِ على الخبَرِ لعِلمِهما ضرورةً.
وأُجيبَ عن الأخيرِ وما قَبْلَه: بأنَّ المحدودَ جنسُ الخبَرِ، وهو قابلٌ لهما، كالسَّوادِ والبياضِ في جِنسِ اللَّونِ.
ورُدَّ: لا بدَّ مِن وجودِ الحدِّ في كلِّ خبَرٍ، وإلَّا لَزِمَ وجودُ الخبَرِ دونَ حَدِّه.
وأُجيبَ: بأنَّ الواوَ وإنْ كانَتْ للجمعِ لكنَّ المُرادَ التَّرديدُ بينَ القِسمَينِ تَجوُّزًا، لكنْ يُصانُ الحدُّ عن مِثلِه.
стр. 320
(وَ) الخبَرُ (يُطْلَقُ:
(١) مَجَازًا) مِن جهةِ اللُّغةِ (عَلَى دَلَالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ، وَإِشَارَةٍ حَالِيَّةٍ) كقولِهم: عيناك تُخبِرُني بكذا، والغُرابُ يُخبِرُ بكذا،
(٢) (وَ) يُطلَقُ (حَقِيقَةً على الصِّيغَةِ) وهي: قولٌ مخصوصٌ لتَبادُرِ الفهمِ عندَ الإطلاقِ إلى ذلك.
(وَ) الصِّيغةُ (تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا) أي: بلا قرينةٍ (عَلَيْهِ) أي: على كونِه خبَرًا عندَ القاضي أبي يَعلى (١) وغيرِه، واختارَه كثيرٌ مِن أصحابِنا، وقالوا: لأنَّ الخبَرَ هو اللَّفظُ والمعنى، لا اللَّفظُ فقط، فتقديرُه لهذا المُرَكَّبِ جزءٌ يَدُلُّ بنفسِه على المُرَكَّبِ.
وإذا قِيلَ: الخبَرُ: الصِّيغةُ فقطْ؛ بَقِيَ الدَّليلُ هو المدلولُ عليه، وعندَ ابنِ عَقِيلٍ: الصِّيغةُ: هي الخبَرُ، فلا يُقالُ له صيغةٌ، ولا هي دالَّةٌ عليه.
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أي: الخبَرِ (إِرَادَةُ) الإخبارِ، فهو ما يُفيدُ بذاتِه احتِرازًا عمَّا يُفيدُ باللَّازمِ أو بالقرينةِ، نحوُ: أنا أَطلُبُ مِنك أنْ تُخبِرَني بكذا، أو أن تَسْقِيَني ماءً، أو تَتْركَ الأذى ونحوَه، فإنَّه وإنْ كانَ دالًّا على الطَّلبِ لكنْ لا بذاتِه، بل هذه إخباراتٌ لازِمُها الطَّلَبُ، ولا يُسَمَّى الأوَّلُ اسْتِفْهامًا، ولا الثَّاني أمرًا، ولا الثَّالثُ نهيًا، وكذا قولُه: أنا عطشانُ، كأنَّه قال: اسْقِني، فإنَّ هذا طلبٌ بالقَرينةِ لا بذاتِه، وربَّما عُبِّرَ عن هذا القيدِ بكونِه بالوضعِ، وربَّما عُبِّرَ عنه بما يُفِيدُه إفادةً أوَّلِيَّةً، والكلُّ صحيحٌ.
إذا عَرَفْت ذلك (فَإِتْيَانُهُ) أي: مجيءُ الخبَرِ: