← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(وَلَا) يَجُوزُ أيضًا: (عَدَمُ عِلْمِهَا) أيِ: الأُمَّةِ (بِدَلِيلٍ) إذا (اقْتَضَى) ذلك الدَّليلُ (حُكْمًا) على المُكَلَّفِينَ (لَا دَلِيلَ لَهُ) أي: لذلك الحُكْمِ (غَيْرُهُ) أي: غيرُ ذلك الدَّليلِ؛ لأنَّه إنْ عُمِلَ بذلك الحُكْمِ كانَ عملًا به عن (١) غيرِ دليلٍ، بل عن تَشَهٍّ، والعملُ بالحُكْمِ عنِ التَّشَهِّي لا يَجُوزُ، وإنْ لم يُعمَلْ به كانَ تركًا للحُكْمِ المُتَّجِهِ على المُكَلَّفِ، أما إذا كانَ في الواقعةِ دليلٌ، أو خبَرٌ راجحٌ؛ أي: بلا مُعارِضٍ قد عُمِلَ على وَفْقِ ذلك الدَّليلِ، أو الخبَرِ بدليلٍ آخَرَ: جازَ عدمُ عِلْمِ الأُمَّةِ به، وهذا ظاهرُ كلامِ أصحابِنا؛ لأنَّ عَدَمَ العِلمِ ليسَ مِن فِعلِهم، وخطؤُهم مِن أوصافِ عدمِ العِلمِ، فلا يَكُونُ خطأً، فلا إجماعَ منهم، ولأنَّ اشتِراكَ جَميعِهم في عدمِ العِلْمِ بذلك الخبَرِ أو الدَّليلِ الرَّاجحِ لم يُوجِبْ مَحذورًا؛ إذْ ليسَ اشتِراكُ جميعِهم في عدمِ العِلْمِ إجماعًا حَتَّى يَجِبَ مُتابَعَتُهم فيه، بل عدمُ عِلمِهم بذلك الدَّليلِ، أو الخبَرِ كعَدمِ حُكْمِهم في واقعةٍ لم يَحكُموا فيها بشيءٍ، فجازَ لغيرِهم أنْ يَسعى في طلبِ ذلك الدَّليلِ أو الخبَرِ ليَعلَمَ.

стр. 317

(فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ منَ الأبحاثِ المخصوصةِ بكلِّ واحدٍ منَ الأَدِلَّةِ الثَّلاثةِ، وهي: الكتابُ، والسُّنَّةُ والإجماعُ، شَرَعَ في الأبحاثِ المُشتَركةِ بينَ الثَّلاثةِ. واعلَمْ أنَّ الكلامَ في الشَّيْءِ إِنَّمَا يَكُونُ بعدَ ثُبُوتِه، ثمَّ يَتْلُوه ما يَتَوَقَّفُ عليه مِن حَيْثُ دَلالةُ الألفاظِ؛ لأنَّه بعدَ الصِّحَّةِ يَتَوَجَّهُ النَّظرُ إلى ما دلَّ عليه (١) ذلك الثَّابتُ، ثمَّ يَتْلُوه: ما يَتَوَقَّفُ عليه مِن حَيْثُ استمرارُ الحُكمِ وبقاؤُه فلم يُنْسَخْ، ثمَّ يَتلوه: ما يَتَوَقَّفُ عليه الدَّليلُ الرَّابعُ وهو القياسُ مِن بيانِ أركانِه وشروطِه وأحكامِه؛ لأنَّه مُفَرَّعٌ على الثَّلاثةِ الأُوَلِ. قالَ العَضُدُ: لا شَكَّ أنَّ الطَّريقَ إلى الشَّيْءِ مُقَدَّمٌ عليه طبعًا، فقُدِّمَ عليه وَضعًا (٢). وقولُه: (يَشْتَرِكُ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ فِي: (١) سَنَدٍ) إشارةٌ إلى أنَّ المرادَ بالثُّبُوتِ صِحَّةُ وُصولِها إلينا لا ثُبُوتُها في نَفْسِها، وكونُها حقًّا، (وَيُسَمَّى) السَّنَدُ (إِسْنَادًا). وأصلُ السَّنَدِ في اللُّغةِ: ما يُستنَدُ (٣) إليه، أو: ما ارتفعَ مِن الأرضِ. (وَ) اصطلاحًا (هُوَ: إِخْبَارٌ عَنْ طَرِيقِ المَتْنِ) قولًا أو فعلًا، تواترًا أو آحادًا، ولو كانَ الإخبارُ بواسطةِ مُخبِرٍ آخَرَ فأكثرَ، عمَّن يُنسَبُ المتنُ إليه، وأَخْذُ المعنى الاصطلاحيِّ مِن الارتفاعِ أكثرُ مُناسَبَةً، فلذلك قال ابنُ

стр. 318

طريفٍ (١): أَسْنَدْتُ الحديثَ رَفَعْتُه إلى المُحَدِّثِ، فيَحتملُ أنَّه اسمُ مصدرٍ مِن أَسْنَدَ يُسْنِدُ، أُطلِقَ على المُسْنَدِ إليه، وأن يَكُونَ مَوضوعًا لِما يُسنَدُ إليه. والمُسنِدُ بكسْرِ النُّونِ: مَن يَروي الحديثَ بإسنادِه، سواءٌ كانَ عندَه عِلْمٌ به، أو ليسَ له إلَّا مُجَرَّدُ روايتِه. (٢) (وَ) يَشتَرِكُ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ في (مَتْنٍ، وَ) المتنُ: (هُوَ المُخْبَرُ بِهِ) ومادَّةُ المتنِ في الأصلِ راجعةٌ إلى مَعنى الصَّلابةِ، ويُقالُ لِما صَلُبَ مِن الأرضِ: متنٌ، والجمعُ مِتَانٌ، ويُسَمَّى أسفلُ الظَّهْر مِن الإنسانِ والبهيمةِ مَتنًا، والجمعُ: مُتُونٌ، فالمَتنُ ما تَضَمَّنَه الثَّلاثةُ المذكورةُ مِن أمرٍ ونهيٍ، وعامٍّ وخاصٍّ، ونحوِها. (وَالخَبَرُ) يُحَدُّ عندَ أصحابِنا والأكثرِ، ولهم فيه حدودٌ كثيرةٌ، قلَّ أنْ يَسلَمَ منها حدٌّ مِن خدشٍ. قالَ في «شَرحِه»: وأَسْلَمُها قَولُهم: (مَا) يَعني أنَّه في اللُّغةِ كلامٌ (يَدْخُلُهُ صِدْقٌ وَكَذِبٌ) (٢). ونُقِضَ بمِثلِ: مُحَمَّدٌ، ومُسَيْلِمَةُ صادقانِ، وبقولِ مَن يَكذِبُ دائمًا: «كُلُّ أخباري كَذِبٌ»، فخبَرُ هذا لا يَدخُلُه صدقٌ، وإلَّا كُذِّبَتْ أخبارُه وهو منها، ولا كَذِبَ، وإلَّا كُذِّبَتْ أخبارُه مع هذا، وصَدَقَ في قولِه: «كُلُّ أَخباري كَذِبٌ» فيَتنَاقَضُ، ويَلْزَمُ الدَّوْرُ؛ لتَوَقُّفِ مَعرفتِهما على معرفةِ الخبَرِ؛ لأنَّ الصِّدقَ: الخبَرُ المطابِقُ، والكذبَ: ضِدُّه. وبأنَّهما مُتقابِلانِ، فلا يَجتمعانِ في خبَرٍ واحدٍ، فيَلْزَمُ امتناعُ الخبَرِ، أو وُجودُه مع عدمِ صِدقِ الحدِّ، وبخبَرِ الباري.

стр. 319

وأُجيبَ عنِ الأوَّلِ: أنَّه في مَعنى خبرينِ لإفادتِه حُكمًا لشخصينِ، ولا يُوصَفان بهما، بل يُوصَفُ بهما الخبَرُ الواحدُ مِن حَيْثُ هو خبَرٌ. ورُدَّ: لا يَمنَعُ ذلك مِن وصفِه بهما، بدليلِ الكذبِ في قولِ القائلِ: «كُلُّ موجودٍ حادثٌ»، وإنْ أفادَ حُكمًا لأشخاصٍ. وأُجِيبَ: بأنَّه كذبٌ؛ لأنَّه أضافَ الكذبَ إليهما معًا، وهو لأحدِهما. وسَلَّمَه بعضُهم، ولكنْ لم يَدخُلْه الصِّدقُ. وأُجِيبَ: بأنَّ مَعنى الحدِّ بأنَّ اللُّغةَ لا تَمنَعُ القولَ للمُتكلِّمِ به صَدَقْتَ أو كَذَبْتَ. ورُدَّ: برجوعِه إلى التَّصديقِ والتَّكذيبِ، وهو غيرُ الصِّدقِ والكذبِ في الخبَرِ، وقولُه: «كلُّ أخباري كَذِبٌ» إنْ طابَقَ: فصِدقٌ، وإلَّا: فكَذِبٌ، ولا يَخلو عنهما. وقالَ بعضُ أصحابِنا: يَتَناوَلُ قولُه ما سِوى هذا الخبَرِ؛ إذِ الخبَرُ لا يَكُونُ بعضَ المُخبَرِ. قالَ: ونَصَّ أحمدُ على مِثْلِه، ولا جوابَ عنِ الدَّوْرِ، وقد قيلَ: لا تَتوَقَّفُ معرفةُ الصِّدقِ والكذبِ على الخبَرِ لعِلمِهما ضرورةً. وأُجيبَ عن الأخيرِ وما قَبْلَه: بأنَّ المحدودَ جنسُ الخبَرِ، وهو قابلٌ لهما، كالسَّوادِ والبياضِ في جِنسِ اللَّونِ. ورُدَّ: لا بدَّ مِن وجودِ الحدِّ في كلِّ خبَرٍ، وإلَّا لَزِمَ وجودُ الخبَرِ دونَ حَدِّه. وأُجيبَ: بأنَّ الواوَ وإنْ كانَتْ للجمعِ لكنَّ المُرادَ التَّرديدُ بينَ القِسمَينِ تَجوُّزًا، لكنْ يُصانُ الحدُّ عن مِثلِه.

стр. 320

(وَ) الخبَرُ (يُطْلَقُ: (١) مَجَازًا) مِن جهةِ اللُّغةِ (عَلَى دَلَالَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ، وَإِشَارَةٍ حَالِيَّةٍ) كقولِهم: عيناك تُخبِرُني بكذا، والغُرابُ يُخبِرُ بكذا، (٢) (وَ) يُطلَقُ (حَقِيقَةً على الصِّيغَةِ) وهي: قولٌ مخصوصٌ لتَبادُرِ الفهمِ عندَ الإطلاقِ إلى ذلك. (وَ) الصِّيغةُ (تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا) أي: بلا قرينةٍ (عَلَيْهِ) أي: على كونِه خبَرًا عندَ القاضي أبي يَعلى (١) وغيرِه، واختارَه كثيرٌ مِن أصحابِنا، وقالوا: لأنَّ الخبَرَ هو اللَّفظُ والمعنى، لا اللَّفظُ فقط، فتقديرُه لهذا المُرَكَّبِ جزءٌ يَدُلُّ بنفسِه على المُرَكَّبِ. وإذا قِيلَ: الخبَرُ: الصِّيغةُ فقطْ؛ بَقِيَ الدَّليلُ هو المدلولُ عليه، وعندَ ابنِ عَقِيلٍ: الصِّيغةُ: هي الخبَرُ، فلا يُقالُ له صيغةٌ، ولا هي دالَّةٌ عليه. (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) أي: الخبَرِ (إِرَادَةُ) الإخبارِ، فهو ما يُفيدُ بذاتِه احتِرازًا عمَّا يُفيدُ باللَّازمِ أو بالقرينةِ، نحوُ: أنا أَطلُبُ مِنك أنْ تُخبِرَني بكذا، أو أن تَسْقِيَني ماءً، أو تَتْركَ الأذى ونحوَه، فإنَّه وإنْ كانَ دالًّا على الطَّلبِ لكنْ لا بذاتِه، بل هذه إخباراتٌ لازِمُها الطَّلَبُ، ولا يُسَمَّى الأوَّلُ اسْتِفْهامًا، ولا الثَّاني أمرًا، ولا الثَّالثُ نهيًا، وكذا قولُه: أنا عطشانُ، كأنَّه قال: اسْقِني، فإنَّ هذا طلبٌ بالقَرينةِ لا بذاتِه، وربَّما عُبِّرَ عن هذا القيدِ بكونِه بالوضعِ، وربَّما عُبِّرَ عنه بما يُفِيدُه إفادةً أوَّلِيَّةً، والكلُّ صحيحٌ. إذا عَرَفْت ذلك (فَإِتْيَانُهُ) أي: مجيءُ الخبَرِ:

стр. 321

(١) (دُعَاءً) نحوُ: غَفَرَ اللهُ له ورَحِمَه، (٢) (وَتَهْدِيدًا) نحوُ قولِ السَّيِّدِ لعبدِه: قد عَلِمْتُ أنَّك لا تَنْتَهي عن سوءِ فِعلِك بدونِ المعاقبةِ. (٣) (وَأَمْرًا) نَحوُ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (١). : (مَجَازٌ)؛ لأنَّ ذلك لا يَدخُلُه صِدقٌ ولا كَذِبٌ. فائدتانِ: إحداهما: الخبَرُ مُشتمِلٌ على مَحكُومٍ عليه، ومحكومٍ به، ويُعَبَّرُ عنه البيانيُّونَ: بمُسنَدٍ إليه، ومُسنَدٍ، ويَعُدُّونه إلى مطلقِ الكلامِ، والمناطقة يُسَمُّونَ الخبَرَ: قضيَّةً؛ لِما فيها منَ القضاءِ بشيءٍ على شيءٍ، ويُسَمُّون المقضيَّ عليه: موضوعًا، والمقضيَّ به مَحمولًا؛ لأنَّك تَضَعُ الشَّيْءَ وتَحمِلُ عليه حُكمًا. ويُقَسِّمون القضيَّةَ إلى: (١) طبيعيَّةٍ: وهي ما حُكِمَ فيها بأحدِ أمرينِ مِن حَيْثُ هو على الآخَرِ من حَيْثُ هو، لا بالنَّظرِ إلى أفرادِه، نحوُ: الرَّجُلُ خيرٌ مِن المرأةِ، (٢) وغيرِ الطَّبيعيَّةِ: وهي الَّتي قُصِدَ الحُكْمُ فيها على مُشَخَّصٍ في الخارجِ لا على الحقيقةِ من حَيْثُ هي، ثمَّ يُنْظَرُ: فإنْ حُكِمَ فيها على جزءٍ مُعَيَّنٍ: سُمِّيَتْ «شخصيَّةً»، نحوُ (٢): زيدٌ قائمٌ، أو لا على مُعَيَّنٍ،

стр. 322

فإنْ ذُكِرَ فيها سورُ الكلِّ أو البعضِ في نفيٍ أو إثباتٍ، سُمِّيَتْ «مَحصورةً»، نحوُ: كلُّ إنسانٍ كاتبٌ بالقوَّةِ، وبعضُ الإنسانِ كاتبٌ بالفعلِ، ونحوُ: لا شيءَ، أو لا واحدَ مِن الإنسانِ بجمادٍ، وليسَ بعضُ الإنسانِ بكاتبٍ بالفعلِ، أو بعضُ الإنسانِ ليسَ كذلك. وإن لم يَكُنْ للقضيَّةِ سورٌ، والمرادُ الحُكْمُ فيها على الأفرادِ لا على الحقيقةِ مِن حَيْثُ هي، سُمِّيَتْ «مُهملةً»، نحوُ: الإنسانُ في خُسْرٍ، والحكمُ فيها على بعضٍ ضروريٌّ فهو المُتَحَقِّقُ، ولا يَصدُقُ عليها كُلِّيَّةً، لكنْ إذا كانَ فيها «الـ» كما في: «الإنسانُ كاتبٌ» يُطلِقُ عليها ابنُ الحاجبِ (١) وغيرُه كثيرًا أنَّها «كُلِّيَّةٌ»، نظرًا إلى إفادةِ «الـ» العمومَ، فهي مثلُ «كلٍّ» وإن لم يَكُنْ ذلك من اصطلاحِ المناطقةِ. الفائدةُ الثَّانيةُ: سَأَلَ بعضُهم: إنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فيها الأمرُ والنَّهيُ والاستفهامُ وأنواعُ التَّنبيهِ، وغيرُ ذلك، فلِمَ (٢) كلُّها تُسَمَّى أخبارًا، فيُقالُ: أخبارُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ وأجابَ البَاقِلَّانِيُّ (٣) بجوابينِ: أحدُهما: أنَّ الكلَّ أخبَر به النَّبِيُّ ﷺ عن حُكْمِ اللهِ تعالى. الثَّاني: أنَّها إنَّما (٤) سُمِّيَتْ أخبارًا لنقلِ المُتَوَسِّطِينَ، فهم يُخبِرون (٥) به

стр. 323

عمَّن أَخبَرَهم، إلى أنْ يَنتهيَ إلى مَن أَمَرَه النَّبيُّ ﷺ أو نَهاه، فإنَّ ذلك يَقولُ: أُمِرْنا ونُهِينا، والَّذي بعدَه يَقُولُ: أَخبَرَنا فلانٌ عن فلانٍ بأنَّه ﷺ أَمَرَ ونَهَى (١). تنبيهٌ: قد عُلِمَ أنَّ للكلامِ أنواعًا فلا بدَّ مِن بيانِها، والفرقِ بينَها ليَحصُلَ الاستدلالُ بها على المرادِ، وللنَّاسِ في تقسيمِه طُرُقٌ: فمنهم مَن يُقسِّمُه إلى: خبَرٍ، وإنشاءٍ، وهو الَّذِي مَشَى عليه المُصَنِّفُ؛ لأنَّه إن احتملَ الصِّدقَ والكذبَ فهو الخبَرُ. (وَغَيْرُهُ) وهو ما لا يَحتملُ الصِّدقَ والكذبَ: (إِنْشَاءٌ، وَتَنْبِيهٌ، وَمِنْهُ: (١) أَمْرٌ، (٢) وَنَهْيٌ، (٣) وَاسْتِفْهَامٌ) وذلك الإنشاءُ: إمَّا طلبٌ أو غيرُه، وهو المشهورُ باسمِ الإنشاءِ. والطَّلبُ: إمَّا أمرٌ، أو نهيٌّ، أو استفهامٌ، نحوُ: قُمْ ولا تَقعُدْ، وهل عندَكَ أحدٌ؟ وقد ذُكِرَ مِن الإنشاءِ مع ذلك: التَّمنِّيَ، والتَّرَجِّيَ، والقَسَمَ، والنِّداءَ، فظاهرُه أنَّ الإنشاءَ: هو التَّنبيهُ. وقالَ بعضُهم: الكلامُ الَّذِي لا يَحتمِلُ الصِّدقَ والكذبَ يُسَمَّى: إنشاءً، فإنْ دَلَّ بالوضعِ على طلبِ الفعلِ يُسَمَّى: أمرًا، وإنْ دَلَّ على طلبِ الكفِّ يُسَمَّى: نهيًا، وإنْ دلَّ على طلبِ الإفهامِ يُسَمَّى: استفهامًا، وإنْ لم يَدُلَّ بالوضعِ على طلبٍ يُسَمَّى: تنبيهًا. (٤) (وَ) يَندَرِجُ فيه (تَمَنٍّ،

стр. 324

(٥) وَتَرَجٍّ) والفرقُ بينَ التَّمنِّي والتَّرجِّي: أنَّ التَّرجِّيَ لا يُستعمَلُ إلَّا في المُمكِنِ، بخلافِ التَّمَنِّي، فإنَّه يُستعمَلُ في المُمكنِ والمُستحيلِ، تَقولُ: لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يومًا. واسْتُغْنِي بذكرِ التَّرجِّي عنِ الإشفاقِ، وهو ما يَكُونُ في المكروهِ، وربَّما تُوُسِّعَ بإطلاقِ التَّرجِّي على الأعمِّ، وقد اجْتَمَعَا في قولِه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (١)، (٦) [(وَ) يَندَرِجُ في الإنشاءِ أيضًا: (قَسَمٌ)، نحوُ: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (٢)، (٧) (وَنِدَاءٌ) نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٣) (٤). (وَ) مِن الإنشاءِ (صِيغَةُ عَقْدٍ وَفَسْخٍ) ونحوِها: وهو الَّذِي يَقتَرِنُ مَعناه بوجودِ لفظِه، نحوُ: بِعْتُ، واشتَريْتُ، وأعتقْتُ، وطَلَّقْتُ، وفَسَخْتُ، ونحوِها مِمَّا يُشابِهُ ذلك، مِمَّا يُستَحْدَثُ به الأحكامُ، فهي أخبارٌ في الأصلِ بلا شكٍّ، ولكنْ لَمَّا اسْتُعمِلَتْ في الشَّرعِ في مَعنى الإنشاءِ اختُلِفَ فيها هل هي باقيةٌ على أصلِها من الإخبارِ أو نُقِلَتْ؟ فأصحابُنا والأكثرُ على الثَّاني؛ لأنَّه لو كانَ خبَرًا لكانَ إمَّا: عن ماضٍ، أو حالٍ، أو مستقبلٍ، والأوَّلانِ باطلانِ؛ لِئلَّا يَلْزَمَ ألَّا يَقبَلَ الطَّلاقُ ونحوُه التَّعليقَ؛ لأنَّه يَقتضي تَوَقُّفَ شيءٍ لم يُوجَدْ على ما لم يُوجَدْ، والماضي والحالُ قد وُجِدَا، لكنَّ قَبولَه التَّعليقَ إجماعٌ، والمُستقبلُ يَلْزَمُ منه ألَّا يَقَعَ به شيءٌ؛ لأنَّه بمَنزلةِ: سأُطَلِّقُ، والغرضُ خلافُه إلى غيرِ ذلك مِن أدِلَّتِه.

стр. 325

وأيضًا: لا خارجَ لها، ولا تَقبَلُ صدقًا، ولا كذبًا، ولو كانَتْ خبَرًا لَمَا قَبِلَتْ تعليقًا لكونِه ماضيًا، ولأنَّ العِلْمَ الضَّروريَّ قاطعٌ بالفرقِ بينَ: طَلَّقْتُ إذا قَصَدَ به الوقوعَ، وطَلَّقْتُ إذا قَصَدَ به الإخبارَ. تنبيهٌ: قالَ الشَّيخُ: هذه الصِّيَغُ إنشاءٌ مِن حَيْثُ إنَّها أَثْبَتَتِ الحُكْمَ، وبها تَمَّ، وهي إخبارٌ لدَلالتها على المَعنى الَّذِي في النَّفسِ (١). (وَلَوْ قَالَ لِرَجْعِيَّةٍ: طَلَّقْتُكِ؛ طَلَقَتْ) في الأصحِّ؛ أي: على القولِ الَّذِي عليه الأكثرُ؛ لأنَّه إنشاءٌ للطَّلاقِ، فعلى هذا لا يُقبَلُ قولُه أنَّه أرادَ الإخبارَ. (وَفِي وَجْهٍ) لنا: أنَّها تَطْلُقُ أيضًا (وَإِنِ (٢) ادَّعَى) طلاقًا (مَاضِيًا). قُلْتُ: قالَ في «شرحِ الأصلِ»: الظَّاهرُ أنَّه إنشاءٌ، وهو المُتعارفُ بينَ النَّاسِ، وهذا المَشهورُ في المذهبِ (٣). لكنَّ ظاهرَ صنيعِ المُصنِّفِ يُخالِفُه؛ لِمَا تَقَدَّمَ في خطبتِه أنَّه قال: «متى قُلْتُ: في وجهٍ؛ فالمُقَدَّمُ غيره»، فظاهرُه أنَّ المُعتمَدَ أنَّه لو قال لها: طَلَّقْتُك، وادَّعى طلاقًا ماضيًا فلا تَطلُقُ، فإنَّ قولَه: «طَلَّقْتُكِ»، يَحتمِلُ أنَّه إخبارٌ عنِ الطَّلاقِ الماضي (٤) الَّذِي كانَ أَوْقَعَه، فلم يَقَعْ عليها غيرُه، فلْيُتَأَمَّلْ. (وَ) قولُ الشَّاهدِ (أَشْهَدُ) قيلَ: إخبارٌ، وقيلَ: إنشاءٌ، والمُختارُ أنَّه (إِنْشَاءٌ تَضَمَّنَ إِخْبَارًا) عمَّا في نَفْسِه، وإنَّما اختيرَ هذا القولُ؛ لاضطرابِ النَّاسِ في

стр. 326

ذلك، فقائلٌ بأنَّها إخبارٌ كما في كُتُبِ اللُّغةِ، وقائلٌ بأنَّها إنشاءٌ؛ لأنَّه لا يَدخُلُه تكذيبٌ شرعًا، فالقائلُ بالثَّالثِ: رَأَى كُلًّا مِن القولينِ له وجهٌ، فجَمَعَ بينَهما بأنْ قال: هو إنشاءٌ تَضَمَّنَ إخبارًا. تنبيهانِ: ذَكَرَ القَرَافِيُّ فروقًا بين الخبَرِ والإنشاءِ: أحدُها: قبولُ الخبَرِ (١) الصِّدقَ والكذبَ، بخلافِ الإنشاءِ. الثَّاني: الخبَرُ تابعٌ لمُخبِرِه في أيِّ زمانٍ كانَ، ماضيًا كانَ، أو حالًا، أو مستقبلًا، والإنشاءُ مَتبوعٌ لمُتَعَلَّقِه، فيَتَرَتَّبُ عليه بعدَه. الثَّالثُ: أنَّ الإنشاءَ سببٌ لوجودِ مُتَعَلَّقِه، فيَعقبُ آخِرَ حرفٍ منه على الخلافِ في ذلك، إلَّا أنْ يَمنَعَ مانعٌ، وليسَ الخبَرُ سببًا، ولا مُعَلَّقًا عليه، بل مُظْهِرٌ فقط (٢). انتهى. إذا عَلِمْتَ ذلك: فهذه الفروقُ راجعةٌ إلى أنَّ الخبَرَ له خارجٌ يَصدُقُ أو يَكْذِبُ. التَّنبيهُ الثَّاني: مِمَّا يَنبني على الفرقِ بينَهما أنَّ الظِّهارَ هل هو خبَرٌ أو إنشاءٌ ؟ قالَ القَرَافِيُّ: قد يُتَوَهَّمُ أنَّه إنشاءٌ، وليسَ كذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أشارَ إلى تكذيبِ المُظاهِرِ ثلاثَ مَرَّاتٍ بقولِه تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٣) قال: ولأنَّه حرامٌ ولا سببَ لتحريمِه إلَّا كونُه كذبًا.

стр. 327

وأجابَ عمَّن قال: سببُ التَّحريمِ أنَّه قائمٌ مَقامَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ، وذلك حرامٌ على رأيٍ، وأطالَ في ذلك. لكنْ قال البِرْمَاوِيُّ: الظَّاهرُ أنَّه إنشاءٌ، خلافًا له، أعني: القَرَافِيَّ؛ لأنَّ مقصودَ النَّاطقِ به تحقيقُ معناه الخبَريِّ بإنشاءِ التَّحريمِ، فالتَّكذيبُ وَرَدَ على معناه الخبَريِّ، لا ما قَصَدَه مِن إنشاءِ التَّحريمِ، وهذا مِثْلُ قولِه: «أنتِ عليَّ حرامٌ»، فإنَّ قَصْدَه إنشاءَ التَّحريمِ، فلذلك وَجَبَتِ الكفَّارةُ حَيْثُ لم يَقصِدْ به طلاقًا، ولا ظهارًا، إلَّا من حَيْثُ الإخبارُ. ف الإنشاءُ ضربانِ: (١) ضربٌ أَذِنَ الشَّارعُ فيه، كما أَرادَه المُنشِئُ، كالطَّلاقِ. (٢) وضربٌ لم يَأْذَنْ فيه الشَّرعُ، ولكنْ رَتَّبَ عليه حُكمًا، وهو الظِّهارُ، رَتَّبَ فيه تحريمَ المرأةِ إذا عادَ حَتَّى يُكَفِّرَ. وقولُه: «إنَّها حرامٌ» لا بقصدِ طلاقٍ أو ظهارٍ رَتَّبَ فيه التَّحريمَ حَتَّى يُكفِّرَ (١). (وَ يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ) اثْنَتَا عَشْرَةَ حقيقةً: (أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَدُعَاءٌ، وَتَرَجٍّ، وَتَمَنٍّ) ووجهُ اختصاصِها بالمُستقبلِ: أنَّ هذه الخمسةَ طَلَبٌ، وطلَبُ الماضي مُتَعَذِّرٌ، والحالُ موجودٌ، وطلبُ تحصيلِ الحاصلِ مُحالٌ، فتَعَيَّنَ المُستقبلُ. (وَشَرْطٌ، وَجَزَاءٌ) لأنَّهما رَبْطُ أمرٍ، وتوقيفُ دخولِه في الوجودِ على وجودِ أمْرٍ آخَرَ، والتَّوقُّفُ في الوجودِ إِنَّمَا يَكُونُ في المستقبلِ.

стр. 328

(وَوَعْدٌ، وَوَعِيدٌ) لأنَّه حَثٌّ على مستقبلٍ، أو زجرٌ عن مستقبلٍ بما تَتَوَقَّعُه النَّفْسُ مِن خيرٍ في الوعدِ وشرٍّ في الوعيدِ، والتَّوقُّعُ لا يَكُونُ إلَّا في المستقبلِ. (وَإِبَاحَةٌ) لأنَّها تخييرٌ بينَ الفعلِ والتَّركِ، والتَّخييرُ إِنَّمَا يَكُونُ في معدومٍ مستقبلٍ. (وَعَرْضٌ وَتَحْضِيضٌ) لأنَّهما مُختَصَّانِ بالمُستقبلِ، فإنَّ قولَ القائلِ: «ألَا تَنْزِلُ عندَنا فنُكْرِمَكَ»، لمُستقبلٍ معدومٍ، وكذا قولُه: «هلَّا تَنزِلُ عندَنا فنُكْرِمَك»، لكنَّ هذا أشدُّ مِنَ العرضِ وأبلغُ.

стр. 329

(فَصْلٌ) (الخَبَرُ) محصورٌ في قِسمَينِ لا يَخرُجُ عنهما مِن غيرِ واسطةٍ بينَهما على الصَّحيحِ: صدقٌ، وكذبٌ، وعليه الأكثرُ؛ لأنَّ الحُكمَ الَّذِي هو مدلولُ الخبَرِ: إمَّا مطابقٌ للخارجِ الواقعِ، أو غيرُ مطابقٍ، (١) فـ (إِنْ طَابَقَ) ما في الخارجِ: (فَـ) هو (صِدْقٌ) سواءٌ كانَ مع اعتقادِ مطابقةٍ أو لا. (٢) (وَإِلَّا) بأنْ لم يَكُنْ مُطابِقًا: (فَـ) هو (كَذِبٌ). قال الكُورَانِيُّ: الإنشاءُ: كلامٌ يَحصُلُ مَدلولُه من اللَّفظِ في الخارجِ، مثلُ: اضْرِبْ، ولا تَضْرِبْ؛ إذْ مَدلولُهما إِنَّمَا يَحصُلُ مِن لفظِهما، والخبَرُ بخلافِه؛ أي: ما له مَدلولٌ ربَّما طَابَقَتْه النِّسبةُ الذِّهنيَّةُ، وربَّما لا تُطابِقُه، فإذا تَصَوَّرتَ قيامَ زيدٍ، وحَكَمْتَ على زيدٍ بأنَّه قائمٌ، فإنْ كانَ قائمًا فقد طابَقَ حُكمُك لِما في الخارجِ، وهو قيامُ زيدٍ فكلامُك صِدقٌ، وإن لم يُطابِقْ فكَذِبٌ، فتَحَرَّرَ أنَّ صِدقَ الخبَرِ: مُطابقةُ حُكمِ المُتَكَلِّمِ للواقعِ، وكذبُه: عَدَمُها (١). (وَ) الصِّدقُ والكَذِبُ (يَكُونَانِ فِي) زَمَنٍ (مُسْتَقْبَلٍ كَـ) ـما يكونانِ في (مَاضٍ). قالَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى فيمَن قال: «لا آكُلُ»، فأَكَلَ: هذا كذبٌ، لا يَنبغي أنْ يُفعَلَ (٢).

стр. 330

ولقولِه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (١)، وقولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ (٢) إلى آخِرِ الآيةِ، فقالَ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣) فأَكْذَبَهم اللهُ تعالى. وفي الأحاديثِ ما يَدُلُّ على ذلك (٤). ورَدَّ أبو جعفرٍ النَّحَّاسُ على مَن أَنْكَرَ ذلك بقولِه تعالى: ﴿خم سج سح سخ سم صح﴾ (٥). (وَمَوْرِدُهُمَا) أي: الصِّدقِ والكذبِ (النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا) الخبَرُ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: هذه قاعدةٌ مُهِمَّةٌ (٦) أَهْمَلَها الأُصُوليُّونَ، وأُخِذَتْ مِن البَيانِيِّينَ كالسَّكَّاكِيِّ وغيرِه، وتقريرُها: أنَّ مَوْرِدَ الصِّدقِ والكذبِ: النِّسبةُ الَّتي تَضَمَّنَها الخبَرُ، لا واحدَ مِن طَرَفَيْها، وهو المسنَدُ والمسنَدُ (٧) إليه، فإذا قِيلَ: زيدُ بنُ عمرٍو قائمٌ، فقيل: صَدَقْتَ أو كَذَبْتَ، فالصِّدقُ والكذبُ

стр. 331

راجعانِ إلى القيامِ، لا إلى البُنُوَّةِ الواقعةِ في المسنَدِ إليه، ولهذا قال مالكٌ وبعضُ الشَّافعيَّةِ: إذا شَهِدَ شاهدانِ أنَّ فلانَ بنَ فلانٍ وَكَّلَ فلانًا فهي شهادةٌ بالوكالةِ فقط، ولا تُنسَبُ إليهما الشَّهادةُ بالنَّسَبِ البتَّةَ. قُلْتُ: وقواعدُ مَذهبِنا تَقتضي ذلك (١). انتهى. قالَ الكُورَانِيُّ: لكنْ جَعَلَ الفقهاءُ هنا المقصودَ تَبَعًا كالمقصودِ أصالةً؛ لأنَّ تلك النِّسبةَ الإضافيَّةَ في قُوَّةِ الخبَريَّةِ (٢). (وَمِنْهُ) أي: ومِن الخبَرِ ما هُوَ: (مَعْلُومٌ صِدْقُهُ، و) ما هو معلومٌ (كَذِبُهُ، وَ) ما هو (مُحْتَمِلٌ) للصِّدقِ والكذبِ، وقد تَقَدَّمَ أنَّه مُحتمِلٌ لهما؛ أي: مِن حَيْثُ ذاتُه، لكنْ قد يَعرِضُ له ما يَقتضي القطعَ بصِدقِه أو كذبِه. (فَالأَوَّلُ) وهو الَّذِي يَقتضي القطعَ بصِدقِه أنواعٌ: أحدُها: ما هو (ضَرُورِيٌّ بِنَفْسِهِ) أي: بنَفْسِ الخبَرِ، بتَكَرُّرِ الخبَرِ مِن غيرِ نظرٍ (كَمُتَوَاتِرٍ): وهو الَّذِي بَلَغَتْ رُواتُه حدَّ التَّواتُرِ سواءٌ كان لفظيًّا، أو معنويًّا، على ما يَأتي تفسيرُهما. (وَ) الثَّاني: مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ (بِغَيْرِهِ) أي: بغيرِ نَفْسِ الخَبَرِ، (كَمُوَافِقٍ لِضَرُورِيٍّ) ويَعني به: ما يَكُونُ مُتَعَلَّقُه مَعلومًا لكلِّ أحدٍ مِن غيرِ كسبٍ وتَكَرَّرَ، نحوُ: الواحدُ نِصفُ الاثنينِ. (وَ) الثَّالثُ: ما يَكُونُ غيرَ ضروريٍّ وهو (نَظَرِيٌّ كَخَبَرِ اللهِ تعالى، وَ) خبَرِ

стр. 332

(رَسُولِهِ) ﷺ ، (وَ) خبَرِ كلِّ الأُمَّةِ؛ أي: (الإِجْمَاعِ) لأنَّه حُجَّةٌ، فكلُّ واحدٍ مِن هذه الثَّلاثةِ عِلْمٌ بالنَّظرِ والاستدلالِ. والرَّابعُ: ما يَكُونُ غيرَ ضروريٍ وغيرَ نظريٍ، وهو: خبَرٌ مُوافِقٌ للنَّظَرِيِّ، (وَ) هو خبَرُ (مَنْ وَافَقَ أَحَدَهَا) أي: أحدَ الثَّلاثةِ وهي خبَرُ اللهِ، وخبَرُ رسولِه، وخبَرُ الإجماعِ، كقولِنا: العالمُ حَادِثٌ، (أَوْ ثَبَتَ بِهِ) أي: بخبَرِ أحدِ هذه الثَّلاثةِ (صِدْقُهُ) يَعني إذا صَدَّقَه اللهُ أو (١) رسولُه أو (٢) الإجماعُ وثَبَتَ ذلك. (وَ) القِسْمُ (الثَّانِي) مِن الخبَرِ الَّذِي يَقتضي القطعَ بكَذِبِه: هو (مَا خَالَفَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ) وهو أنواعٌ أيضًا: أحدُها: ما عُلِمَ خلافُه بالضَّرورةِ، كقولِ القائلِ: النَّارُ باردةٌ. الثَّاني: ما عُلِمَ خلافُه بالاستدلالِ، كقولِ الفيلسوفِ: العالَمُ قديمٌ. الثَّالثُ: أن يُوهِمَ أمرًا باطلًا مِن غيرِ أن يَقبَلَ التَّأويلَ لمُعارضتِه للدَّليلِ العقليِّ، كما لو اختلقَ بعضُ الزَّنادقةِ حَديثًا كذبًا على اللهِ، أو على رسولِه، يَتَحَقَّقُ أنَّه كذبٌ. الرَّابعُ: أن يَدَّعِيَ شخصٌ الرِّسالةَ بغيرِ مُعجِزَةٍ. (وَ) القِسْمُ (الثَّالثُ) مِن الخبَرِ: الَّذِي لا يُعلَمُ صدقُه ولا كَذِبُه ثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: (مَا ظُنَّ صِدْقُهُ، كَـ) خبَرِ (عَدْلٍ) لرُجْحانِ صِدقِه على كذبِه، وخبَرُ العدلِ يَتفاوَتُ في الظَّنِّ.

стр. 333

(وَ) الثَّاني: ما ظُنَّ (كَذِبُه، كَـ) خبَرِ (كَذَّابٍ) لرُجْحَانِ كَذِبِه على صِدقِه، وهو مُتفاوِتٌ أيضًا. (وَ) الثَّالثُ: (مَا شُكَّ فِيهِ) فيَستوي فيه الأمرانِ لعدمِ المُرَجِّحِ، (كَـ) خبرِ (مَجْهُولِ) الحالِ، (وَلَيْسَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ كَذِبًا). وقالَ قومٌ: كلُّ خبَرٍ لم يُعلَمْ صِدقُه: كذبٌ، وقولُهم ذلك باطلٌ، واستدلُّوا لقولِهم بأنَّه لو كانَ صدقًا لنُصِبَ عليه دليلٌ، كخبَرِ مُدَّعِي الرِّسالةِ، فإنَّه إذا كانَ صدقًا دلَّ عليه بالمُعجزةِ، وهذا الاستدلالُ فاسدٌ لجَرَيانِ مِثْلِه في نقيضِ ما أَخْبَرَ به إذا أَخْبَرَ به آخَرُ، فيَلْزَمُ اجتماعُ النَّقيضينِ، ويُعلَمُ بالضَّرورةِ وقوعُ الخبَرِ بهما؛ أي: بالإخبارِ بشيءٍ وبنقيضِه؛ أي: ليسَ هذا مُحالًا أن يَقَعَ، بل هو معلومُ الوقوعِ. وأيضًا فإنَّه يَلزَمُ العلمُ بكذبِ كلِّ شاهدٍ؛ إذْ لا يُعلَمُ صدقُه بدليلٍ، والعِلمُ بكَذِبِ كلِّ مسلمٍ في دَعوى إسلامِه؛ إذْ لا دليلَ على ما في باطنِه، وذلك باطلٌ بالإجماعِ والضَّرورةِ. وأمَّا القياسُ على خبَرِ مُدَّعي الرِّسالةِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يُكَذَّبُ لعدمِ العِلمِ بصِدقِه بل للعِلمِ بكذبِه؛ لأنَّه بخلافِ العادةِ، فإنَّ العادةَ فيما يُخالِفُها أن يُصدَّقَ بالمُعجزةِ. (وَمَدْلُولُهُ) أي: الخبَرِ: (الحُكْمُ بِـ) ثُبوتِ (النِّسْبَةِ، لَا ثُبُوتُهَا) أي: لا نَفْسُ الثُّبوتِ، فإذا قُلْتَ: زيدٌ قائمٌ، فمَدلولُه: الحُكْمُ بقيامِه، لا نفسُ ثُبُوتِ قيامِه؛ إذْ لو كانَ الثَّاني لَزِمَ منه ألَّا يَكُونَ شيءٌ مِن الخبَرِ كَذِبًا، بل يَكُونُ كُلُّه صدقًا، قالَه الرَّازيُّ (١) وجمعٌ.

стр. 334

(وَمِنْهُ) أي: الخبَرِ: (تَوَاتُرٌ) وآحَادٌ، وهذا التَّقسيمُ للسَّنَدِ وهو الأكثرُ، وربَّما أُطلِقَ على المتنِ ذلك، فيُقالُ: حديثٌ متواترٌ وآحادٌ، على مَعنى تواترِ أو آحادِ سَنَدِه. (وَهُوَ) أي: التَّواتُرُ (لُغَةً: تَتَابُعُ) شيئينِ فأكثرَ، (بِمُهْلَةٍ) أي: شيءٍ بعدَ شيءٍ، ومنه قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (١) أصلُها: وِترًا، أُبْدِلَتِ التَّاءُ مِن الواوِ، وهو تَفاعُلٌ مِن الوترِ، وهو العَوْدُ. قال في: «البدر المنير»: التَّواتُرُ: التَّتابُعُ، يُقالُ: تَوَاتَرَتِ الخَيْلُ إذا جاءَتْ تَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ومنه: جاؤُوا تَتْرَى؛ أي: مُتَتَابِعِينَ وِترًا بعدَ وترٍ، والوِتْرُ: الفَرْدُ (٢). (وَ) التَّواتُرُ (اصْطِلَاحًا: خَبَرُ عَدَدٍ) فالخبَرُ: كالجنسِ يَشمَلُ المُتواترَ وغيرَه، وبإضافتِه إلى عددٍ يَخرُجُ عنه خبَرُ الواحدِ. وقولُه: (يَمْتَنِعُ مَعَهُ) أي: مع ذلك العددِ (لِـ) أجلِ (كَثْرَتِهِ: تَوَاطُؤٌ) فاعلُ «يَمْتَنِعُ» (عَلَى كَذِبٍ) مُتَعَلِّقٌ بـ: «تَوَاطُؤٌ»، يَخرُجُ بهذا القيدِ خبَرُ عددٍ لم يَتَّصِفْ بالوصفِ المذكورِ. وقولُه: (عَنْ مَحْسُوسٍ) أي: معلومٍ بأحدِ الحواسِّ الخمسِ، كمشاهدةٍ، أو سماعٍ مُتَعَلِّقٍ بـ: «خَبَرُ» فخَرَجَ ما كانَ عن معلومٍ بدليلٍ عقليٍّ: كإخبارِ أهلِ السُّنَّةِ دَهْرِيًّا بحدوثِ العالَمِ، فإنَّه لا يُوجِبُ له عِلْمًا لتَجْوِيزِه غَلَطَهم في الاعتقادِ، بل هو مُعتَقِدٌ ذلك، وأيضًا فعِلْمُ المُخبِرينَ به نظريٌّ.

стр. 335

(أَوْ) خَبَرُ عَدَدٍ (عَنْ عَدَدٍ كَذَلِكَ) أي: يَمتَنِعُ معَه لكثرتِه تَواطُؤٌ على كذبٍ (إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَحْسُوسٍ). والمُتواترُ (مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ) فخرجَ خبَرُ عددٍ لا يُفِيدُ العِلمَ، بَلِ الظَّنَّ، وإنَّما قِيلَ: (بِنَفْسِهِ) ليَخرُجَ الخبَرُ الَّذِي صِدْقُ المُخبِرينَ فيه بسببِ القرائنِ الزَّائدةِ على ما لا يَنْفَكُّ عنِ المُتواترِ عادةً وغيرِها، وما لا يَنْفَكُّ عنِ المُتواترِ الشَّرائطُ المُعتَبَرَةُ في المُتواترِ: - منها: بلوغُهم عَدَدًا يَمتنِعُ معَه التَّواطُؤُ على الكذبِ لكَثْرَتِهم، - وأنْ يَكُونوا مُسْتَنِدِينَ في أخبارِهم إلى الحسِّ، لا إلى دليلٍ عقليٍّ كما تَقَدَّمَ، - وأنْ يَكُونُوا مُسْتَوِينَ في طَرَفَيِ الخَبَرِ ووَسَطِه إنْ وُجِدَ. والقرائنُ الزَّائدةُ المُفيدةُ للعِلْمِ: - قد تَكُونُ عاديَّةً، كالقرائنِ الَّتي تَكُونُ على مَن يُخبِرُ بموتِ وَلَدِه مِن شقِّ الجيوبِ، والتَّفَجُّعِ. - وقد تَكُونُ عقليَّةً: كخبَرِ جماعةٍ تَقتضي البديهةُ والاستدلالُ صِدقَه. - وقد تَكُونُ حِسِّيَّةً: كالقرائنِ الَّتي تكُونُ على مَن يُخبِرُ عن عَطَشِه. (وَ) العِلْمُ (الحَاصِلُ) بخبَرِ التَّواتُرِ (ضَرُورِيٌّ) عندَ أصحابِنا والأكثرِ؛ إذ لو كانَ نَظَريًّا لافْتَقَرَ إلى تَوَسُّطِ المُقَدِّمَتَينِ، ولمَا حَصَلَ لِمن ليسَ مِن أهلِ النَّظرِ، كالنِّساءِ، والصِّبيانِ، ولأنَّ الضَّروريَّ ما اضْطُرَّ العقلُ إلى التَّصديقِ به، وهذا كذلك، ولسَاغَ الخلافُ فيه عقلًا كسائرِ النَّظريَّاتِ.

стр. 336

(فَائِدَةٌ) خبَرُ التَّواتُرِ لا يُولِّدُ العِلْمَ، بلِ العِلْمُ (يَقَعُ عِنْدَهُ بِفِعْلِ اللهِ تعالى) عندَ الفقهاءِ وغيرِهم؛ لأنَّ ما ثَبَتَ منَ الأصولِ أنَّه لا مُوجِدَ إلَّا اللهُ، وهو بمَنزِلَةِ إجراءِ العادةِ بخلْقِ الولَدِ مِن المَنِيِّ، وهو قادرٌ على خلْقِه بدونِ ذلك. (وَهُوَ) أي: المُتواترُ قِسمانِ: (١) (لَفْظِيٌّ) وهو اشتِراكُهم في لفظٍ بعَينِه، ويَكُونُ في الكتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ. فأمَّا الكتابُ: فقد تَقَدَّمَ أنَّ القِراءاتِ السَّبعَ متواترةٌ، وكذلك العشرُ على الأصحِّ. وأمَّا الإجماعُ: فالمُتواترُ فيه كثيرٌ. وأمَّا السُّنَّةُ: فالمُتواترُ فيها قليلٌ جدًّا، حَتَّى إنَّ بَعضَهم نَفاه إذا كانَ لفظيًّا، (كَحَدِيثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١). قال الأكثرُ: إنَّه متواترٌ، فإنَّه قد نَقَلَه مِن الصَّحابةِ الجَمُّ الغفيرُ، رُوِيَ عن ثلاثينَ صحابيًّا بأسانيدَ صِحَاحٍ وحِسَانٍ، وعن خمسينَ صحابيًّا غيرِهم بأسانيدَ ضِعافٍ، وعن نحوِ عشرينَ آخرينَ بأسانيدَ ساقطةٍ، وقد اعتنى جماعةٌ بجَمعِ طُرُقِه (٢). (٢) (وَ) قسمٌ (مَعْنَوِيٌّ: وَهُوَ تَغَايُرُ الأَلْفَاظِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنًى كُلِّيٍّ) ولو كانَ المَعنى المُشتَركُ فيه بطريقِ اللُّزُومِ (كَحَدِيثِ الحَوْضِ) أي: حوضِ

стр. 337

النَّبِيِّ ﷺ أَوْرَدَه البيهقيُّ في كتابِ «البعث والنُّشور» (١)، روايتُه عن أزيدَ مِن ثلاثينَ صحابيًّا، وأَفْرَدَه المَقْدِسيُّ (٢) بالجمعِ، فإنَّه متواترٌ مَعنًى؛ لفُقدانِ شرطِ التَّواتُرِ في بعضِ طبقاتِه، وكالعِلْمِ بشجاعةِ عليٍّ (وَسَخَاءِ حَاتِمٍ) مع اختلافِ المُخبِرِينَ في الوقائعِ الدَّالَّةِ على ذلك، لاشتِراكِها في المدلولِ، وإنْ كانَتْ جِهةُ دَلالتِها: تارةً بالتَّضمُّنِ، وتارةً بالالتزامِ، وكثيرٌ مِن الوقائعِ على هذا الوجهِ، كقضايا (٣) عليٍّ رَضِيَ اللهُ تعالى عنه في حُروبِه مِن أنَّه هَزَمَ في خيبَرَ كذا، وفَعَلَ في أُحُدٍ كذا، إلى غيرِ ذلك، فإنَّه يَدُلُّ بالالتزامِ على شجاعتِه، وقد تَوَاتَرَ ذلك منه، وإنْ كانَ شيءٌ مِن تلك الجُزئيَّاتِ لم يَبْلُغْ درجةَ القطعِ، وكوقائعِ حاتِمٍ فيما يُحكى مِن عطاياه مِن فَرَسٍ وإبلٍ وعينٍ وثوبٍ ونحوِها، فإنَّها تَتضَمَّنُ جُودَه، فيُعلَمُ، وإنْ لم يُعلَمْ شيءٌ مِن تلك القضايا بعَينِه. (وَلَا يَنْحَصِرُ) عددُ التَّواتُرِ عندَ أصحابِنا والمُحقِّقينَ (فِي عَدَدٍ، وَ) الضَّابطُ حُصُولُ العِلْمِ في الخبَرِ، فـ (يُعْلَمُ) حُصُولُ العددِ (إِذَا حَصَلَ العِلْمُ) بالخبَرِ، (وَلَا دَوْرَ) إذْ حُصُولُ العِلْمِ معلولُ الإخبارِ، ودليلُه -كالشِّبَعِ، والرِّيِّ- معلولُ المُشْبَعِ والمَرْوِيِّ ودليلُهما، وإنْ لم يُعلَمْ ابتداءً ذلك القدرُ الكافي مِنهما، وما ذُكِرَ مِن التَّقديراتِ تَحَكُّمٌ لا دليلَ عليه. نعمْ، لو أَمْكَنَ الوقوفُ على حقيقةِ اللَّحظةِ الَّتي يَحصُلُ بها (٤) لنا العِلْمُ بالمُخبَرِ عنه فيها، أَمْكَنَ معرفةُ أقلِّ عددٍ يَحصُلُ العِلْمُ بخبَرِه، لكنَّ ذلك

стр. 338

مُتَعَذِّرٌ؛ إذِ الظَّنُّ يَتَزَايَدُ بتزايُدِ المُخبِرِينَ تَزايُدًا خَفِيًّا تدريجًا، كتزايُدِ النَّباتِ، وعقلِ الصَّبِيِّ، ونموِّ بدنِه، وضوءِ الصُّبْحِ، وحَرَكَةِ الفَيْءِ، فلا يُدرَكُ. قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: وضابطُه: ما حَصَلَ العِلْمُ عندَه للقَطعِ به مِن غيرِ عِلمٍ بعددٍ خاصٍّ، والعادةُ تَقطَعُ بأنَّه لا سبيلَ إلى وِجدانِه لحصولِه بتزايُدِ الظُّنُونِ على تَدريجِ خَفِيٍّ، كحصولِ (١) كمالِ العقلِ به ولا دليلَ للحصرِ (٢). (وَ) العددُ الَّذِي يَحصُلُ العِلمُ بصِدقِ الخبَرِ عندَه (يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ القَرَائِنِ) أي: قرائنِ التَّعريفِ، مثلُ: الهيئاتِ المُقارِنةِ للخبَرِ المُوجِبَةِ لتعريفِ مُتَعَلَّقِه، ولاختلافِ أحوالِ المُخبِرينَ في اطِّلاعِهم على قرائنِ التَّعريفِ، ولاختلافِ إدراكِ المُسْتَمِعِينَ لتفاوُتِ الأذهانِ والقرائحِ، ولاختلافِ الوقائعِ على عِظَمِها وحقارَتِها. (وَيَتَفاوَتُ المَعْلُومُ) على الأصحِّ عندَ أحمدَ والمُحقِّقينَ، فإنَّا نَجِدُ بالضَّرورةِ الفرقَ بينَ كونِ الواحدِ نِصفَ الاثنينِ، وبينَ ما عَلِمْناه مِن جهةِ التَّواتُرِ مع كونِ اليقينِ حاصلًا فيهما، وكيف يُنفَى التَّفاوُتُ مع قولِه ﵇: «ليسَ المُخْبَرُ كَالمُعَايِنِ» (٣). (وَيَمْتَنِعُ: اسْتِدْلَالٌ بِهِ) أي: بالتَّواتُرِ (عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ) أي: لو حَصَلَ التَّواتُرُ عندَ جماعةٍ، ولم يَحصُلْ عندَ آخرينَ، امْتَنَعَ الاستدلالُ به عندَ مَن

стр. 339

حَصَلَ له على مَن لم يَحصُلْ له العِلْمُ به؛ لأنَّه يَقُولُ: ما تَدَّعِيه مِنَ التَّواتُرِ غيرُ مُسَلَّمٍ، فلا أَسمَعُه؛ لأنَّه ليسَ بمُتواترٍ عندي. (وَ) يَمتنِعُ (كِتْمَانُ أَهْلِهِ) أي: أهلِ التَّواتُرِ (مَا) أي: شيئًا (يُحْتَاجُ إِلَى نَقْلِهِ) خلافًا للرَّافضةِ، حَيْثُ قالوا: لا يَمتنِعُ ذلك؛ لاعتقادِهم كتمانَ النَّصِّ على إمامةِ عليٍّ ﵁، واسْتَدَلُّوا بأنَّ النَّصارى وهم أكثرُ أُمَّةٍ تَرَكوا نقلَ كلامِ المسيحِ ﵇ في المهدِ، مع أنَّه مِن أعجبِ حادثٍ حَدَثَ في الأرضِ. قُلْنا: لأنَّه كانَ قبلَ نُبُوَّتِه، واتِّباعِهم له، وظهورِ أمْرِه، ولم يُعْنَ بذلك أحدٌ، والدَّواعي إِنَّمَا تَتَوَفَّرُ على نقلِ كلامِ النُّبُوَّةِ، وقد نُقِلَ أنَّ حاضري كلامِه لم يَكُونوا كثيرينَ، فاختلَّ شرطُ التَّواتُرِ في الطَّرفِ الأوَّلِ، (كَـ) امتناعِ (كَذِبٍ عَلَى عَدَدِهِمْ عَادَةً) يَعني أنَّ الكذبَ ممنوعٌ على عددِ التَّواتُرِ في العادةِ على الأصحِّ، وإنْ كانَ لا يُحيلُه العقلُ، لا لذاتِه، ولا يَلْزَمُ مِن فرضِ وقوعِه محالٌ، وهذا مأخذُ المسألةِ المُتقدِّمةِ في جوازِ ما يُحتاجُ إلى نَقلِه؛ لأنَّه إذا جازَ الكذبُ، فالكتمانُ أَوْلَى. (وَلَا يُشْتَرَطُ: (١) إِسْلَامُهُمْ) أي: إسلامُ أهلِ التَّواتُرِ، واشْتَرَطَ بعضُ العلماءِ: الإسلامَ، والعدالةَ أيضًا، وإلَّا فقدَ أَخْبَرَ النَّصارى مع كَثْرَتِهم بقتلِ عيسى ﵊، ولم يَصِحَّ ذلك لكفرِهم، وأَخْبَرَ الإماميَّةُ بالنَّصِّ على إمامةِ عليٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَه ولم تُقبَلْ أخبارُهم. وجوابُه فيهما: أنَّ عددَ التَّواتُرِ فيما ذُكِرَ ليسَ في كلِّ طبقةٍ، فقد قَتَلَ بُخْتُ نَصَّرُ النَّصارى ولم يَبْقَ منهم إلَّا دونَ عددِ التَّواتُرِ.

стр. 340

إذا عَرَفْتَ ذلك، فلا يُشتَرَطُ الإسلامُ ولا العدالةُ، (وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ) بينَ وُقُوعِ المُخبَرِ به وبينَ الخبَرِ. (٢) (وَلَا) يُشتَرَطُ أيضًا (ألَّا يَحْوِيَهُمْ) أي: أهلَ التَّواتُرِ (بَلَدٌ، وَلَا) ألَّا (يُحْصِيَهُمْ عَدَدٌ)؛ لأنَّ أهلَ الجامعِ لو أَخبَرُوا عن سقوطِ المُؤَذِّنِ عنِ المَنارةِ، أو الخطيبِ عنِ المِنْبَرِ، لكانَ إخبارُهم مُفيدًا للعِلْمِ فضلًا عن أهلِ بلدٍ. (٣) (وَلَا) يُشتَرَطُ أيضًا في عددِ التَّواتُرِ (اخْتِلَافُ: نَسَبٍ، وَدِينٍ، وَوَطَنٍ) وشَرَطَ قومٌ الاختلافَ في ذلك؛ لتَنْدَفِعَ التُّهمةُ وهو باطلٌ؛ لأنَّ التُّهمةَ لو حَصَلَتْ لم يَحصُلِ العِلمُ سواءٌ كانوا على دينٍ واحدٍ، ومِن نَسَبٍ واحدٍ، في وطنٍ واحدٍ، أو لم يَكُونوا كذلك، وإنِ ارتَفَعَتْ حَصَلَ العلمُ كيف كانوا. (٤) (وَلَا) يُشتَرَطُ أيضًا في أهلِ التَّواتُرِ (إِخْبَارُهُمْ طَوْعًا) فإنَّ الصِّدقَ لا يَمتنِعُ حصولُ العِلمِ به، وإلَّا فاتَ الشَّرطُ. (٥) (وَلَا) يُشتَرَطُ أيضًا (ألَّا يَعْتَقِدَ) المُخبِرُ (خِلَافَهُ) أي: خلافَ ما أَخْبَرَ به، بل يَحصُلُ العِلمُ سواءٌ كانَ السَّامعُ يَعتقِدُ نقيضَ المُخبَرِ به، أم لا، فلا يَتَوَقَّفُ العلمُ على ذلك. (وَمَنَ حَصَلَ بِخَبَرِهِ عِلْمٌ بِوَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ: حَصَلَ) العِلْمُ (بِمِثْلِهِ) أي: بمِثْلِ ذلك الخبَرِ (بِغَيْرِهَا) أي: بغيرِ تلك الواقعةِ (لِـ) شخصٍ (آخَرَ). قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: كلُّ عددٍ أفادَ العِلمَ لشخصٍ في واقعةٍ مفيدٌ للعِلمِ لغيرِه في غيرِها، وإطلاقُه باطلٌ؛ إذ قد يَمْتَازُ الشَّخصُ بفَرْطِ ذكائِه في تلك الواقعةِ دونَ غيرِها، لكنْ هو صحيحٌ (مَعَ تَسَاوٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) وهو بعيدٌ عادةً (١).

стр. 341

(فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ مِن أحكامِ الخبَرِ المُتواتِرِ شَرَعَ يُبَيِّنُ أحكامَ الآحادِ، فقال: (وَمِنَ الخَبَرِ: آحَادٌ) فالآحادُ: جمْعُ أحدٍ، كبَطَلٍ وأبطالٍ، وهمزةُ أَحَدٍ مُبْدَلَةٌ مِن الواحدِ، وأصلُ آحادٍ أَأْحَادٍ بهَمْزَتَينِ أُبْدِلَتِ الثَّانيةُ أَلِفًا كآدمَ. (وَهُوَ) أي: خبَرُ الآحادِ: (مَا عَدَا التَّوَاتُرَ) فالأخبارُ قِسمانِ: تواترٌ، وآحادٌ، لا غيرُ، فلا واسطةَ بينَهما، فالآحادُ قسيمُ التَّواتُرِ، فخبَرُ الواحدِ ما لم يَنْتَهِ إلى رُتبةِ التَّواتُرِ: إمَّا بأنْ يَروِيَه مَن هو دونَ العددِ الَّذِي لا بدَّ مِنه في التَّواتُرِ على الخلافِ فيه، أو يَروِيَه عددُ التَّواتُرِ، ولكنْ لم يَنْتَهوا إلى إفادةِ العِلْمِ باستحالةِ تَواطُئِهم على الكذبِ، أو لم يَكُنْ ذلك في كلِّ الطَّبقاتِ، أو كانَ ولكنْ لم يُخبِروا عن محسوسٍ على القولِ باشتِراطِه في المُتواترِ، أو غيرِ ذلك مِمَّا يُعتبَرُ في المُتواترِ. فالآحادُ: هو الَّذِي لا يُفِيدُ العِلْمَ واليقينَ، يَعني أنَّه لا يُفيدُ العلمَ الضَّروريَّ، فلا يَقْصُرُونَ اسمَ الآحادِ على ما يَرويه الواحدُ كما هو حقيقةٌ فيه، بل يُريدُون به ما لا يُفيدُ العِلْمَ ولو كانَ مِن عددٍ كثيرٍ، ولو أفادَ خبَرُ الواحدِ العِلمَ بانضمامِ قرائنَ، أو بالمُعجزةِ، فليسَ منه اصطلاحًا، فاصطلاحُهم مُخالِفٌ للُّغةِ طردًا وعكسًا. (فَدَخَلَ) في الآحادِ مِن الأحاديثِ: خبَرٌ (مُسْتَفِيضٌ مَشْهُورٌ). قالَ البِرْمَاوِيُّ: أرجحُ الأقوالِ وأقواها أنَّ المشهورَ قِسْمٌ مِن الآحادِ، ويُسَمَّى أيضًا: المُستفيضَ (١).

стр. 342

(وَهُوَ) أي: المُستفيضُ: الأصحُّ أنَّه (مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ) عدولٍ، فلا بدَّ أنْ يَكُونوا أربعةً فصاعدًا، ما لم يَتَوَاتَرْ. (وَيُفِيدُ) الحديثُ المُستفيضُ المشهورُ (عِلْمًا نَظَرِيًّا)، وقالَ ابنُ فُورَكَ: «المُسْتَفِيضُ يُفِيدُ القَطْعَ» (١) فجَعَلَه مِن أقسامِ المتواترِ. (وَغَيْرُهُ) أي: غيرُ المُستفيضِ مِن الأحاديثِ كخبَرِ الواحدِ العَدلِ (يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ) هذا هو الصَّحيحُ عندَ الإمامِ أحمدَ، والأكثرِ؛ لاحتمالِ السَّهْوِ والغلطِ ونَحوِهما، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ في روايةِ الأَثرمِ، وأنَّه يُعمَلُ به، ولا يُشْهَدُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَه. وأَطلَقَ ابنُ عبدِ البَرِّ (٢) وجماعةٌ أنَّه قولُ جمهورِ أهلِ الفقهِ والأثرِ والنَّصِّ؛ لأنَّه لو أَفادَ العِلْمَ لتَنَاقَضَ معلومانِ عندَ إخبارِ عَدلَينِ بمُتناقِضَينِ، فلا يَتَعَارَضُ خَبَرانِ، ولَثَبَتَتْ نُبُوَّةُ (٣) مُدَّعِي النُّبُوَّةِ بقولِه بلا مُعجزةٍ، ولكانَ كالمُتواترِ فيُعارَضُ به المُتواترُ، ويَمتنِعُ التَّشكيكُ بما يُعارِضُه، وكَذِبُهُ وسَهْوُه وغَلَطُه، ولا يَتَزايَدُ بخبَرٍ ثانٍ وثالثٍ، ويُخطِئُ مَن خالَفَه باجتهادٍ، وذلك خلافُ الإجماعِ، فظاهِرُه أنَّه لا يُفيدُ العِلْمَ (وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ) تَدُلُّ على صِدقِه. وقيلَ: يُفيدُ العِلمَ بالقرائنِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهذا أظهرُ وأصحُّ، لكنْ قال المَاوَرْدِيُّ (٤): القرائنُ

стр. 343

لا يُمكِنُ أنْ تُضبَطَ بعبارةٍ. وقالَ غيرُه: يُمكِنُ أنْ تُضبَطَ بما تَسْكُنُ إليه النَّفسُ، كسُكُونِها إلى المتواترِ، أو قريبٍ منه، بحَيثُ لا يَبقى فيه احتمالٌ عندَه. ومِن القرائنِ المُفيدةِ للقَطعِ: الإخبارُ بحَضْرَتِه ﷺ ولا يُنْكِرُه، أو بحَضرَةِ جَمْعٍ يَستحيلُ تَواطُؤُهم على الكذبِ ونَحْوِه (١). انتهى. (إِلَّا إِذَا نَقَلَهُ) أي: نَقَلَ غيرَ المستفيضِ (آحَادُ الأَئِمَّةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ) أي: على عَدَالَتِهِمْ ودِينِهم، (مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَتُلُقِّيَ) المنقولُ (بَالقَبُولِ؛ فَـ) ـإنَّه يُفِيدُ (العِلْمَ فِي قَوْلِ) المُحَقِّقينَ مِن أصحابِنا وغيرِهم. قالَ القاضي مِنهم: هذا المذهبُ. وقالَ أبو الخَطَّابِ (٢): هذا ظاهرُ كلامِ أصحابِنا. ولم يَحْكِ فيه خلافًا. قالَ ابنُ الصَّلَاحِ: ما أَسْنَدَه البخاريُّ ومسلمٌ (٣) العِلْمُ اليقينيُّ النَّظريُّ واقعٌ به، خلافًا لمَن نَفَى ذلك مُحتَجًّا بأنَّه لا يُفيدُ في أصلِه إلَّا الظَّنَّ، وإنَّما تَلَقَّتْه الأُمَّةُ بالقَبولِ؛ لأنَّه يَجِبُ عليهم العملُ بالظَّنِّ، والظَّنُّ قد يُخطِئُ. قالَ: وقد كُنْتُ أَمِيلُ إلى هذا وأَحْسَبُه قويًّا، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ المذهبَ الَّذِي اختَرْناه أوَّلًا هو الصَّحيحُ؛ لأنَّ ظَنَّ مَنْ هو معصومٌ مِنَ الخطأِ لا يُخطِئُ، والأُمَّةُ في إجماعِها معصومةٌ مِن الخطأِ (٤). قالَ النَّوويُّ: وخالفَ ابنَ الصَّلاحِ المُحَقِّقُونَ وَالأَكْثَرُونَ، وقَالُوا: يُفِيدُ الظَّنَّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ (٥).

стр. 344

(وَيُعْمَلُ بِآحَادِ) الأحاديثِ عندَ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه وغيرِهم، وحُكِيَ إجماعًا (فِي أُصُولِ) الدِّينِ. قالَ الإمامُ أحمدُ: لا نَتَعَدَّى القرآنَ والحديثَ (١). وقالَ القاضي: يُعمَلُ به فيها فيما تَلَقَّتْه الأُمَّةُ بالقبولِ (٢). وقالَ أبو الخَطَّابِ (٣)، وابنُ عَقِيلٍ (٤)، وغيرُهما: لا يُعمَلُ به فيها. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وقد تَقَدَّمَ قريبًا أنَّه لا يُفيدُ العِلْمَ، وإنَّما يُفيدُ الظَّنَّ، ولأنَّ طريقَها العِلْمُ ولا يُفيدُها خبَرُ الآحادِ. وبنى البِرْمَاوِيُّ (٥) المسألةَ على أنَّه يُفيدُ العِلْمَ أو لا؟ إنْ قُلْنا: يُفيدُ العِلْمَ: عُمِلَ به فيها، وإلَّا: فلا (٦). فائدةٌ: لنا في تكفيرِ مُنْكِرِ خَبَرِ الآحادِ وجهانِ، (وَ) الأصحُّ: (لَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ) والخلافُ مَبنيٌّ على القولينِ بأنَّه يُفيدُ العِلْمَ، أو لا؟ فإنْ قُلْنا: إنَّه يُفيدُ العِلْمَ: كَفَرَ مُنكِرُه، وإلَّا: فلا. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهو الظَّاهِرُ، لكنَّ التَّكفيرَ بمُخالفةِ المُجمَعِ عليه لا بدَّ أنْ يَكُونَ مَعلومًا مِن الدِّينِ بالضَّرورةِ كما سَبَقَ آخِرَ الإجماعِ، فهذا أَوْلَى؛ إذ لا يَلْزَمُ مِن القطعِ أنْ يُكَفَّرَ مُنْكِرُه (٧).

стр. 345

(وَمَنْ أَخْبَرَ) عن شيءٍ (بِحَضْرَتِهِ) أي: حضرةِ الرَّسولِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ) ـه النَّبِيُّ ﷺ ، دَلَّ على صِدقِه ظنًّا لا قطعًا، في ظاهرِ كلامِ أصحابِنا وغيرِهم، لتَطَرُّقِ الاحتمالِ؛ لاحتمالِ أنَّه ما سَمِعَه، أو ما فَهِمَه، أو أخَّرَه لأمرٍ يَعلَمُه، أو بَيَّنَه قبلَ ذلك الوقتِ ونحوِه، وظاهرُه: سواءٌ كانَ الأمرُ دينيًّا أو دُنيويًّا. وقيلَ: يَدُلُّ على صِدقِه قطعًا؛ لأنَّه ﷺ لا يُقَرِّرُ (١) الباطلَ، وتَقَدَّمَ قريبًا كلامُ صاحبِ «الأصلِ» في الشَّرحِ. (أَو) أَخْبَرَ عن شيءٍ بحضرةِ (جَمْعٍ عَظِيمٍ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ) فيما أَخْبَرَ به؛ (دَلَّ عَلَى صِدْقِهِ ظَنًّا) لا قطعًا، اختارَه الآمِدِيُّ (٢) والرَّازِيُّ (٣)؛ إذْ ربَّما خَفِيَ عليهم حالُ ذلك الخبَرِ، والقولُ بأنَّه يَبعُدُ خفاؤُه لا يُفيدُ القطعَ وهو ظاهرٌ، وقَدَّمَه ابنُ مُفْلِحٍ (٤) ونَصَرَه. (وَكَذَا) في الدَّلالةِ على صدقِ الخبَرِ ظنًّا: (مَا) أي: خبَرٌ (تَلَقَّاهُ) الرَّسولُ ﷺ بِالقَبُولِ، كَإِخْبَارِهِ ﷺ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ) في قِصَّةِ الجَسَّاسَةِ وهو في «صحيحِ مسلمٍ» (٥)، فإنَّه صَدَّقَه ووافَقَ ما كانَ يُخبِرُ به ﷺ عنِ الدَّجَّالِ. (وَ) مِمَّا يَدُلُّ على صِدْقِ الخبَرِ ظنًّا: (إِخْبَارُ شَخْصَيْنِ عَنْ قَضِيَّةٍ يَتَعَذَّرُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمَا عَلَيْهَا) يَعني على الكذبِ فيها، (أَوْ عَلَى كَذِبٍ وَخَطَأٍ) قالَه ابنُ مُفْلِحٍ في «أصولِه» (٦) مُقتَصِرًا عليه مِن غيرِ خلافٍ.

стр. 346

(وَلَوِ انْفَرَدَ مُخْبِرٌ فِيمَا) أي: خبَرٍ (تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ) أي: نَقْلِ ذلك الخبَرِ، (وَقَدْ شَارَكَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَكَاذِبٌ قَطْعًا). مثالُ ذلك: أنْ يَنْفَرِدَ مُخبِرٌ بأنَّ مَلِكَ المدينةِ قُتِلَ عقبِ الجُمُعةِ في وَسَطِ الجامعِ، أو قُتِلَ خطيبُها على المِنبَرِ، فإنَّه يُقطَعُ بكذبِه عندَ الجميعِ مِن العلماءِ المُعتبرينَ، وخالَفَ في ذلك الشِّيعةُ. لنا: الكذبُ بمِثْلِ هذا عادةٌ، فإنَّ العادةَ تُحِيلُ السُّكوتَ عنه، ولو جازَ كِتمانُه لجازَ الإخبارُ بالكذبِ، وكتمانُ مِثْلِ مَكَّةَ وبغدادَ، وبمِثْلِه نَقطَعُ بكَذِبِ مُدَّعِي مُعارضةِ القُرآنِ، والنَّصِّ على إمامةِ عليٍّ ﵁[كما تَدَّعِيه الشِّيعةُ] (١). (وَيُعْمَلُ بِخَبَرِ الوَاحِدِ فِي: فَتْوَى، وَ) في (حُكْمٍ)؛ لأنَّه في المَعنى فَتوى، وزيادةُ التَّنفيذِ بشُروطِه المعروفةِ، (وَ) في (شَهَادَةٍ) إجماعًا، سواءٌ شُرِطَ العددُ أو لا؛ لأنَّه لم يَخرُجْ عنِ الآحادِ، (وَ) في (أُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ (٢) على الصَّحيحِ؛ أي: في الرِّوايةِ في الأُمورِ الدُّنيويَّةِ، كالمُعاملاتِ ونَحوِها، لكنْ قالَ في «التَّمهيدُ»: مَذهَبُ كثيرٍ ممَّن قال: لا يُقبَلُ خبَرُ الواحدِ، لا يَلْزَمُ قبولُ قولِ مُفْتٍ واحدٍ (٣).

стр. 347

(وَالعَمَلُ بِهِ) أي: بخبَرِ الواحدِ (جَائِزٌ عَقْلًا) عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ منه مُحالٌ، وليسَ احتمالُ الكذبِ والخطأِ بمانعٍ، وإلَّا لمُنِعَ في الشَّاهدِ والمُفتي، ولا يَلْزَمُ الوصولُ لِما سَبَقَ في إفادتِهِ العِلْمَ، ولا نُقِلَ القُرآنُ لقضاءِ العادةِ فيه بالتَّواتُرِ، ولا التَّعبُّدُ في الإخبارِ عنِ اللهِ تعالى بلا مُعجزةٍ؛ لأنَّ العادةَ تُحِيلُ صِدقَه بدونِها، ولا التَّناقُضُ بالتَّعارُضِ؛ لأنَّه يَندفِعُ بالتَّرجيحِ، أو التَّمييزِ، أو الوقفِ، ثمَّ قُولُوا بالتَّعبُّدِ ولا تَعارُضَ. إذا تَقَرَّرَ ذلك، فلا يَجِبُ العملُ بخبَرِ الواحدِ عقلًا على الصَّحيحِ، بل هو (وَاجِبٌ سَمْعًا) في الأمورِ الدِّينيَّةِ عندَ أكثرِ العلماءِ. قالَ ابنُ القاصِّ (١): لا خلافَ بينَ أهلِ الفقهِ في قَبولِ (٢) خبَرِ الآحادِ (٣). فأصحابُ هذا القولِ اتَّفقوا على أنَّ الدَّليلَ السَّمعيَّ دَلَّ عليه مِن الكتابِ والسُّنَّةِ وعَمَلِ الصَّحابةِ، ورجوعِهم، كما ثَبَتَ ذلك بالتَّواتُرِ. واسْتَدَلُّوا: بأنَّه قد كَثُرَ جدًّا قبولُه والعملُ به في الصَّحابةِ والتَّابعينَ، شائعًا مِن غيرِ نكيرٍ، يَحصُلُ به إجماعُهم عليه عادةً قطعًا. - فمنه: قول أبي بكر الصديق رَضِيَ اللهُ تعالى عنه لمَّا جاءتهُ الجَدَّةُ تطلبُ مِيرَاثَها: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ المُغِيرَةُ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فقَالَ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟

стр. 348

فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مِثْلَهُ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ. رَوَاه أحمد والأربعة (١)، وقالَ التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. - واستشار عمر ﵁ النَّاسَ فِي الجَنِينِ، فقال المُغيرةُ: قَضَى فيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ بِالغُرَّةِ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، فقَالَ: لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، فَشَهِدَ لهُ مُحمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ. مُتَّفقٌ عليه (٢). - وأخذ عُمرُ بَخَبَرِ (٣) عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ. رَوَاه البُخارِيُّ (٤). وفيه عنِ ابنِ عمرَ: أنَّ سعدًا حدَّثهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، فَسَأَلَ ابنُ عُمرَ أباهُ عنهُ، فقَالَ: نَعَمْ، إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ (٥). وتَحَوَّلَ أهلُ قُباءَ إلى القِبلةِ بِخَبَرِ واحدٍ. رَوَاه أحمدُ، ومسلمٌ، وأبو داودَ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ (٦)، ومعناه في الصَّحيحينِ (٧) مِن حديثِ ابنِ عمرَ. وغيرُ ذلك مِمَّا يَطُولُ.

стр. 349

لا يُقالُ أخبارُ آحادٍ، فيَلْزَمُ الدَّورُ؛ لأنَّها مُتواترةٌ كما سَبَقَ في أخبارِ الإجماعِ. ولا يُقالُ: يُحتَمَلُ أنَّ عملهم بغيرِها؛ لأنَّه محالٌ عادةً، ولم يُنْقَلْ، بل المنقولُ خلافُه، كما سَبَقَ، والسِّياقُ يَدُلُّ عليه. ولا يُقالُ: أَنْكَرَ عمرُ خبَرَ أبي موسى في الاستئذانِ حَتَّى رَوَاه أبو سعيدٍ، مُتَّفَقٌ عليه (١)؛ وكانَ عمرُ يَفعَلُ ذلك سياسةً، ولهذا قال لأبي موسى: «لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَخَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ، أَوْ لِلرِّيبَةِ» (٢). تنبيهٌ: إِنَّمَا يُعمَلُ بخبَرِ الآحادِ حَيْثُ لا طريقَ إلى العِلْمِ، فأمَّا إذا كانَ للعِلْمِ طريقٌ: فاختُلِفَ في ذلك. قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: وذَكَرَ بعضُ أصحابِنا عن أبي الخَطَّابِ (٣): إنْ أَمْكَنَه سؤالُه ﷺ : فكاجتهادِه، واختيارُه (٤): لا يَجُوزُ، وأنَّ بقيَّةَ أصحابِنا القاضي (٥) وابنِ عَقِيلٍ (٦): يَجُوزُ إنْ أَمْكَنَه سؤالُه، أو الرُّجُوعُ إلى التَّواتُرِ مُحْتَجِّينَ به في المسألةِ (٧).

стр. 350

(فَصْلٌ) (الرِّوَايَةُ): هي (إِخْبَارٌ) لا إنشاءٌ (عَنْ) أمْرٍ (عَامٍّ) لا خاصٍّ: مِن قولٍ، أو فعلٍ (لَا يَخْتَصُّ) واحدٌ مِنهما (بِـ) شخصٍ (مُعَيَّنٍ، وَلَا تَرَافُعَ فِيهِ) أي: في هذه الأخبارِ (مُمْكِنٌ عِنْدَ الحُكَّامِ. وعَكْسُهُ) أي: عكسُ ما ذُكِرَ: (الشَّهَادَةُ) وقد خاضَ جماعةٌ غَمرَه، وأكثرُ ما يُفَرِّقُون بينَ الرِّوايةِ والشَّهادةِ باختلافِهما في الأحكامِ، كاشتِراطِ العَددِ في الشَّهادةِ، والحُرِّيَّةِ على قولٍ، والذُّكوريَّةِ في صورٍ، ولا يَخْفَى أنَّ هذه أحكامٌ مُتَرَتِّبَةٌ على معرفةِ الحقيقةِ، فلو عُرِّفَتِ (١) الحقيقةُ بها لَزِمَ الدَّوْرُ. قالَ القَرَافِيُّ (٢): أَقَمْتُ مُدَّةً أَتَطَلَّبُ الفرقَ بينَهما حَتَّى ظَفِرْتُ في «شَرحِ البُرهانِ» للمَازِرِيِّ، فذَكَرَ ما حاصلُه: أنَّ الخبَرَ إنْ كانَ عن عامٍّ لا يَختَصُّ بمُعيَّنٍ ولا تَرافُعَ فيه مُمكِنٌ عندَ الحُكَّامِ فهو الرِّوايةُ، وإنْ كان خاصًّا وفيه تَرافُعٌ مُمكِنٌ فهو الشَّهادةُ. وعُلِمَ مِن هذا الفرقِ المعنى فيما اختَصَّتْ به الشَّهادةُ مِن العددِ، والذُّكوريَّةِ، والحُرِّيَّةِ ونَحوِها، واحتُرِزَ: «بإمكانِ التَّرافُعِ» عنِ «الرِّوايةِ عن خاصٍّ مُعَيَّنٍ»، فإنَّه لا تَرافُعَ فيه مُمكِنٌ. انتهى مُلَخَّصًا، قالَه في «شرحِ الأصلِ» (٣). وفَصَّلَ بعضُهم المَعنى فيما اعتُبِرَ في الشَّهادةِ، أمَّا العددُ فإنَّها لَمَّا تَعَلَّقَتْ بمَعنًى تَطَرَّقَتْ إليها التُّهمةُ باحتمالِ العداوةِ؛ فاحْتِيطَ بإبعادِ التُّهمةِ بالعددِ

стр. 351

بخلافِ الرِّوايةِ، وأمَّا الذُّكُورَةُ حَيْثُ اشْتُرِطَتْ، فإنَّ إلزامَ المُعَيَّنِ فيه نوعُ سَلْطَنَةٍ وقَهْرٍ، والنُّفُوسُ تَأْبَاه، ولا سِيَّما مِنَ النِّساءِ؛ لنَقْصِ عَقْلِهِنَّ ودِينِهِنَّ، بخلافِ الرِّوايةِ؛ لأنَّها عامَّةٌ تَتَأَسَّى فيها النُّفوسُ فيَخِفُّ الألمُ، وأيضًا فلِنَقْصِ النِّساءِ بكثرةِ غَلَطِهِنَّ، ولا يَنْكَشِفُ ذلك غالبًا في الشَّهادةِ لانْقِضائِها بانقضاءِ زَمانِها (١) بخلافِ الرِّوايةِ، فإنَّ مُتَعَلَّقَها بالعُمومِ يَقَعُ الكشفُ عنها، فيَتَبيَّنُ ما عَساه وَقَعَ مِن البَراءةِ مِن غلطٍ ونَحوِه. (وَمِنْ شُرُوطِ رَاوٍ: (١) عَقْلٌ) إجماعًا؛ إذ لا وَازِعَ لغيرِ عاقلٍ يَمْنَعُه مِن الكذبِ، ولا عبادةَ أيضًا، كالطِّفلِ. (٢) (وَ) مِنها (إِسْلَامٌ) إجماعًا؛ لتُهمةِ عداوةِ الكافرِ للرَّسولِ ﷺ ولشَرعِه. (٣) (وَ) مِنها (بُلُوغٌ) عندَ الأربعةِ وغيرِهم؛ لاحتمالِ كَذِبِ مَن لم يَبْلُغْ، كالفاسقِ بل أَوْلَى؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ فلا يَخافُ العقابَ، ولا يُقبَلُ إقرارُه على نَفْسِه، فهنا أَوْلى. (٤) (وَ) مِنها (ضَبْطٌ) لِئلَّا يُغَيِّرَ اللَّفظَ والمعنى، فلا يُوثَقُ به، والشَّرطُ: غَلَبَةُ ضَبْطِه، وذِكْرُه على سَهْوِه لحصولِ الظَّنِّ إذًا، وفي «الواضح» (٢) لابنِ عَقِيلٍ قولُ أحمدَ وقيلَ له: متى يُتْرَكُ حديثُ الرَّجُلِ؟ قال: إذا غَلَبَ عليه الخطأُ، فإنْ جُهِلَ حالُ الرَّاوي لم تُقْبَلْ روايتُه، ذَكَرَه المُوَفَّقُ (٣) وغيرُه؛ لأنَّه لا غالبَ لحالِ الرُّواةِ.

стр. 352

(٥) (وَ) مِنها (عَدَالَةٌ) إجماعًا؛ لِما سَبَقَ مِن الأدلَّةِ، وهو كافٍ (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) كالشَّهادةِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ العلماءِ (١). (وَمَنْ رَوَى) حَالَ كَوْنِه (بَالِغًا مُسْلِمًا عَدْلًا، وَقَدْ تَحَمَّلَ) حالَ كونِه (صَغِيرًا) عاقلًا (ضَابِطًا): قُبِلَ عندَ الإمامِ أحمدَ، وأكثرِ العلماءِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم على قبولِ مِثْلِ ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبيرِ وأشباهِهما، ولإسماعِ (٢) الصَّغيرِ. (أَوْ) تَحَمَّلَ حالَ كَونِه (كَافِرًا) ضابطًا، (أَوْ فَاسِقًا) ضابطًا، وأَدَّى مُسلمًا عدلًا: (قُبِلَ) ما أَدَّاه لاجتماعِ الشُّروطِ فيه حالَ أدائِه. والعدالةُ لغةً: التَّوسُّطُ في الأمرِ مِن غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ. (وَ) العدالةُ اصْطِلاحًا: (هِيَ صِفَةٌ رَاسِخَةٌ) والصِّفةُ: هي المَلَكَةُ؛ لأنَّهم فَسَّرُوها بها، فالمَلَكَةُ: هي الصِّفَةُ الرَّاسخةُ (فِي النَّفْسِ) أمَّا الكَيفيَّةُ النَّفسانيَّةُ في أوَّلِ حُدوثِها قَبْلَ أنْ تَرْسَخَ، فتُسَمَّى: حالًا، وهذه الصِّفةُ الرَّاسخةُ في النَّفْسِ (تَحْمِلُ) صاحِبَها (عَلَى: (١) مُلَازَمَةِ التَّقْوَى) ومُلازمةِ (المُرُوءَةِ، (٢) وَ) على (تَرْكِ الكَبَائِرِ)، فلا يَأتي كبيرةً؛ للآيةِ الكريمةِ في القاذفِ، وقِسْ عليه الباقيَ مِن الكبائرِ، ويَأتي حَدُّ الكبيرةِ.

стр. 353

(وَمِنْهَا) أي: الكبائرِ: (غِيبَةٌ، ونَمِيمَةٌ) على الأصحِّ، (وَ) تَحمِلُه على تَرْكِ (الرَّذَائِلِ) المُباحةِ؛ أي: تَرْكِ ما فيه دناءةٌ، وتَركِه مروءةً، كأَكلِه في السُّوقِ بينَ النَّاسِ الكثيرِ، ومَدِّ رِجلَيْه، وكشفِ رأسِه بينَهم، واللَّعِبِ بالحَمَّامِ، وصُحبَةِ الأراذلِ، والإفراطِ في المَزحِ؛ لحديثِ ابنِ مَسعودٍ: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِي (١) فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» رَوَاه البخاريُّ (٢) أي: اصنَعْ ما تَشاءُ، فلا يُوثَقُ به، لكنْ يُعتَبَرُ تكرارُ ذلك كالصَّغائرِ. (٣) ويُشتَرَطُ مع ذلك كَوْنُه (بِلَا بِدْعَةٍ مُغَلَّظَةٍ) كالتَّجهُّمِ. (وَيُقْبَلُ قَاذِفٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) أي: تُقبَلُ روايتُه؛ لأنَّ نقصَ العددِ ليسَ مِن جِهَتِه، واتَّفقَ النَّاسُ على الرِّوايةِ عن أبي بَكْرَةَ، (وَ) المذهبُ عندَهم (يُحَدُّ) القاذفُ بلَفْظِ الشَّهادةِ مع قبولِ روايتِه. قالَ الشِّيرَازِيُّ في «اللُّمعُ»: وأبو بَكْرَةَ ومَن شَهِدَ مَعَه تُقْبَلُ روايتُهم؛ لأنَّهم أَخرَجُوا ألفاظَهم مُخرَجَ الإخبارِ، لا مُخرَجَ القذفِ، وجَلَدَهم عمرُ باجتهادِه (٣). (وَ) أمَّا (الصَّغَائِرُ) فإنَّها لم تَدخُلْ في حدِّ العَدالةِ؛ لِما فيها مِن التَّفصيلِ، فلذلك ذَكرها (٤) على حِدَةٍ، (وَهُنَّ) أي: الصَّغائرُ مع كثرةِ صُورِهِنَّ (سَوَاءٌ حُكْمًا) ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا وغيرُهم فيها، بل أَطلَقُوا، فظاهرُه أنَّه لا فَرقَ، بل ذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في «التَّمهيد» (٥) التَّطْفِيفَ مِنها واعتبَرَ التَّكرارَ، والأصحُّ

стр. 354

أنَّ الذُّنوبَ تَنقَسِمُ إلى: كبائرَ، وصغائرَ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١). ولقولِه ﵊ في تكفيرِ الصَّلواتِ الخمسِ والجُمُعَةِ ما بينهما (٢) إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ (٣)؛ إذْ لو كانَ الكلُّ كبائرَ (٤) لم يَبْقَ بعدَ ذلك ما يُكفَّرُ، وفي الحديثِ: «الكَبَائِرُ سَبْعٌ» (٥)، وفي روايةٍ: «تِسْعٌ» (٦) وعدَّها، فلو كانَتِ الذُّنوبُ كلُّها كبائرَ لَمَا سَاغَ ذلك. وقالَ الأستاذُ والبَاقِلَّانِيُّ وجمْعٌ: إنَّ جميعَ الذُّنوبِ كبائرُ، واختارَه ابنُ فُورَكَ نظرًا إلى مَن عُصي اللهُ (٧). قالَ القَرَافِيُّ (٨): كأنَّهم كَرِهُوا تسميةَ مَعصيةِ اللهِ صغيرةً؛ إجلالًا له مع مُوافَقَتِهم في الجرحِ أنَّه ليسَ بمُطلَقِ المعصيةِ، بل منه ما يَقدَحُ ومنه ما لا يَقدَحُ، وإنَّما الخلافُ في التَّسميةِ فقطْ. وما أحسنَ ما قال الكُورَانِيُّ في «شرحِ جَمْعِ الجوامعِ»: إنْ أَرادُوا إسقاطَ

стр. 355

العَدالةِ: فقد خالفوا الإجماعَ، وإنْ أرادوا قُبْحَ المعصيةِ نظرًا (١) إلى كبْريائِه تعالى، وأنَّ مُخالَفَتَه لا تُعَدُّ أمرًا صغيرًا: فنِعْمَ القولُ (٢). انتهى. إذا عَلِمْتَ ذلك، فإذا تَكَرَّرَتِ الصَّغائرُ تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بصِدْقِه: قَدَحَتْ، ومُنِعَتِ الرِّوايةُ عن صاحِبِها على الصَّحيحِ؛ لِما روى التِّرمذيُّ مَرفوعًا: «لَا صَغِيرَةَ مع إِصْرَارٍ، ولا كَبِيرَةَ مع اسْتِغْفَارٍ» (٣). قالَ في: «التَّرغيب» وغيرِه: يَقدَحُ: كثرةُ الصَّغائرِ، وإدمانُ واحدةٍ (٤). انتهى. فالإدمانُ هنا: أنْ يَتَكَرَّرَ منه تَكرارًا (٥) يُخِلُّ الثِّقةَ بصِدقِه؛ كمُلابَسَةِ الكبيرةِ. فـ (إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرِ) الصَّغائرُ مِن الرَّاوي (تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بِصِدْقِهِ: لَمْ يَقْدَحْ) فِعْلُها في العدالةِ، ولا في الرِّوايةِ؛ (لِتَكْفِيرِهَا بِاجْتِنَابِ الكَبَائِرِ وَبِمَصَائِبِ الدُّنْيَا) في الأصحِّ، وهو ظاهرُ الآيةِ، ودَلَّ على ذلك السُّنَّةُ. قالَ الشَّيخُ في «الرَّدّ على الرَّافضيِّ»: ولو لم يَتُبْ مِنه فالصَّغائرُ تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ عندَ جماهيرِ أهلِ السُّنَّةِ، بل وعندَ الأكثرينَ: أنَّ الكبائرَ
следующие страницы →