← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بخلافِ الرِّوايةِ، وأمَّا الذُّكُورَةُ حَيْثُ اشْتُرِطَتْ، فإنَّ إلزامَ المُعَيَّنِ فيه نوعُ سَلْطَنَةٍ وقَهْرٍ، والنُّفُوسُ تَأْبَاه، ولا سِيَّما مِنَ النِّساءِ؛ لنَقْصِ عَقْلِهِنَّ ودِينِهِنَّ، بخلافِ الرِّوايةِ؛ لأنَّها عامَّةٌ تَتَأَسَّى فيها النُّفوسُ فيَخِفُّ الألمُ، وأيضًا فلِنَقْصِ النِّساءِ بكثرةِ غَلَطِهِنَّ، ولا يَنْكَشِفُ ذلك غالبًا في الشَّهادةِ لانْقِضائِها بانقضاءِ زَمانِها (١) بخلافِ الرِّوايةِ، فإنَّ مُتَعَلَّقَها بالعُمومِ يَقَعُ الكشفُ عنها، فيَتَبيَّنُ ما عَساه وَقَعَ مِن البَراءةِ مِن غلطٍ ونَحوِه. (وَمِنْ شُرُوطِ رَاوٍ: (١) عَقْلٌ) إجماعًا؛ إذ لا وَازِعَ لغيرِ عاقلٍ يَمْنَعُه مِن الكذبِ، ولا عبادةَ أيضًا، كالطِّفلِ. (٢) (وَ) مِنها (إِسْلَامٌ) إجماعًا؛ لتُهمةِ عداوةِ الكافرِ للرَّسولِ ﷺ ولشَرعِه. (٣) (وَ) مِنها (بُلُوغٌ) عندَ الأربعةِ وغيرِهم؛ لاحتمالِ كَذِبِ مَن لم يَبْلُغْ، كالفاسقِ بل أَوْلَى؛ لأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ فلا يَخافُ العقابَ، ولا يُقبَلُ إقرارُه على نَفْسِه، فهنا أَوْلى. (٤) (وَ) مِنها (ضَبْطٌ) لِئلَّا يُغَيِّرَ اللَّفظَ والمعنى، فلا يُوثَقُ به، والشَّرطُ: غَلَبَةُ ضَبْطِه، وذِكْرُه على سَهْوِه لحصولِ الظَّنِّ إذًا، وفي «الواضح» (٢) لابنِ عَقِيلٍ قولُ أحمدَ وقيلَ له: متى يُتْرَكُ حديثُ الرَّجُلِ؟ قال: إذا غَلَبَ عليه الخطأُ، فإنْ جُهِلَ حالُ الرَّاوي لم تُقْبَلْ روايتُه، ذَكَرَه المُوَفَّقُ (٣) وغيرُه؛ لأنَّه لا غالبَ لحالِ الرُّواةِ.

стр. 352

(٥) (وَ) مِنها (عَدَالَةٌ) إجماعًا؛ لِما سَبَقَ مِن الأدلَّةِ، وهو كافٍ (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) كالشَّهادةِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ العلماءِ (١). (وَمَنْ رَوَى) حَالَ كَوْنِه (بَالِغًا مُسْلِمًا عَدْلًا، وَقَدْ تَحَمَّلَ) حالَ كونِه (صَغِيرًا) عاقلًا (ضَابِطًا): قُبِلَ عندَ الإمامِ أحمدَ، وأكثرِ العلماءِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم على قبولِ مِثْلِ ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ الزُّبيرِ وأشباهِهما، ولإسماعِ (٢) الصَّغيرِ. (أَوْ) تَحَمَّلَ حالَ كَونِه (كَافِرًا) ضابطًا، (أَوْ فَاسِقًا) ضابطًا، وأَدَّى مُسلمًا عدلًا: (قُبِلَ) ما أَدَّاه لاجتماعِ الشُّروطِ فيه حالَ أدائِه. والعدالةُ لغةً: التَّوسُّطُ في الأمرِ مِن غيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ. (وَ) العدالةُ اصْطِلاحًا: (هِيَ صِفَةٌ رَاسِخَةٌ) والصِّفةُ: هي المَلَكَةُ؛ لأنَّهم فَسَّرُوها بها، فالمَلَكَةُ: هي الصِّفَةُ الرَّاسخةُ (فِي النَّفْسِ) أمَّا الكَيفيَّةُ النَّفسانيَّةُ في أوَّلِ حُدوثِها قَبْلَ أنْ تَرْسَخَ، فتُسَمَّى: حالًا، وهذه الصِّفةُ الرَّاسخةُ في النَّفْسِ (تَحْمِلُ) صاحِبَها (عَلَى: (١) مُلَازَمَةِ التَّقْوَى) ومُلازمةِ (المُرُوءَةِ، (٢) وَ) على (تَرْكِ الكَبَائِرِ)، فلا يَأتي كبيرةً؛ للآيةِ الكريمةِ في القاذفِ، وقِسْ عليه الباقيَ مِن الكبائرِ، ويَأتي حَدُّ الكبيرةِ.

стр. 353

(وَمِنْهَا) أي: الكبائرِ: (غِيبَةٌ، ونَمِيمَةٌ) على الأصحِّ، (وَ) تَحمِلُه على تَرْكِ (الرَّذَائِلِ) المُباحةِ؛ أي: تَرْكِ ما فيه دناءةٌ، وتَركِه مروءةً، كأَكلِه في السُّوقِ بينَ النَّاسِ الكثيرِ، ومَدِّ رِجلَيْه، وكشفِ رأسِه بينَهم، واللَّعِبِ بالحَمَّامِ، وصُحبَةِ الأراذلِ، والإفراطِ في المَزحِ؛ لحديثِ ابنِ مَسعودٍ: «إِذَا لَمْ تَسْتَحِي (١) فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» رَوَاه البخاريُّ (٢) أي: اصنَعْ ما تَشاءُ، فلا يُوثَقُ به، لكنْ يُعتَبَرُ تكرارُ ذلك كالصَّغائرِ. (٣) ويُشتَرَطُ مع ذلك كَوْنُه (بِلَا بِدْعَةٍ مُغَلَّظَةٍ) كالتَّجهُّمِ. (وَيُقْبَلُ قَاذِفٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) أي: تُقبَلُ روايتُه؛ لأنَّ نقصَ العددِ ليسَ مِن جِهَتِه، واتَّفقَ النَّاسُ على الرِّوايةِ عن أبي بَكْرَةَ، (وَ) المذهبُ عندَهم (يُحَدُّ) القاذفُ بلَفْظِ الشَّهادةِ مع قبولِ روايتِه. قالَ الشِّيرَازِيُّ في «اللُّمعُ»: وأبو بَكْرَةَ ومَن شَهِدَ مَعَه تُقْبَلُ روايتُهم؛ لأنَّهم أَخرَجُوا ألفاظَهم مُخرَجَ الإخبارِ، لا مُخرَجَ القذفِ، وجَلَدَهم عمرُ باجتهادِه (٣). (وَ) أمَّا (الصَّغَائِرُ) فإنَّها لم تَدخُلْ في حدِّ العَدالةِ؛ لِما فيها مِن التَّفصيلِ، فلذلك ذَكرها (٤) على حِدَةٍ، (وَهُنَّ) أي: الصَّغائرُ مع كثرةِ صُورِهِنَّ (سَوَاءٌ حُكْمًا) ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا وغيرُهم فيها، بل أَطلَقُوا، فظاهرُه أنَّه لا فَرقَ، بل ذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في «التَّمهيد» (٥) التَّطْفِيفَ مِنها واعتبَرَ التَّكرارَ، والأصحُّ

стр. 354

أنَّ الذُّنوبَ تَنقَسِمُ إلى: كبائرَ، وصغائرَ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١). ولقولِه ﵊ في تكفيرِ الصَّلواتِ الخمسِ والجُمُعَةِ ما بينهما (٢) إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ (٣)؛ إذْ لو كانَ الكلُّ كبائرَ (٤) لم يَبْقَ بعدَ ذلك ما يُكفَّرُ، وفي الحديثِ: «الكَبَائِرُ سَبْعٌ» (٥)، وفي روايةٍ: «تِسْعٌ» (٦) وعدَّها، فلو كانَتِ الذُّنوبُ كلُّها كبائرَ لَمَا سَاغَ ذلك. وقالَ الأستاذُ والبَاقِلَّانِيُّ وجمْعٌ: إنَّ جميعَ الذُّنوبِ كبائرُ، واختارَه ابنُ فُورَكَ نظرًا إلى مَن عُصي اللهُ (٧). قالَ القَرَافِيُّ (٨): كأنَّهم كَرِهُوا تسميةَ مَعصيةِ اللهِ صغيرةً؛ إجلالًا له مع مُوافَقَتِهم في الجرحِ أنَّه ليسَ بمُطلَقِ المعصيةِ، بل منه ما يَقدَحُ ومنه ما لا يَقدَحُ، وإنَّما الخلافُ في التَّسميةِ فقطْ. وما أحسنَ ما قال الكُورَانِيُّ في «شرحِ جَمْعِ الجوامعِ»: إنْ أَرادُوا إسقاطَ

стр. 355

العَدالةِ: فقد خالفوا الإجماعَ، وإنْ أرادوا قُبْحَ المعصيةِ نظرًا (١) إلى كبْريائِه تعالى، وأنَّ مُخالَفَتَه لا تُعَدُّ أمرًا صغيرًا: فنِعْمَ القولُ (٢). انتهى. إذا عَلِمْتَ ذلك، فإذا تَكَرَّرَتِ الصَّغائرُ تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بصِدْقِه: قَدَحَتْ، ومُنِعَتِ الرِّوايةُ عن صاحِبِها على الصَّحيحِ؛ لِما روى التِّرمذيُّ مَرفوعًا: «لَا صَغِيرَةَ مع إِصْرَارٍ، ولا كَبِيرَةَ مع اسْتِغْفَارٍ» (٣). قالَ في: «التَّرغيب» وغيرِه: يَقدَحُ: كثرةُ الصَّغائرِ، وإدمانُ واحدةٍ (٤). انتهى. فالإدمانُ هنا: أنْ يَتَكَرَّرَ منه تَكرارًا (٥) يُخِلُّ الثِّقةَ بصِدقِه؛ كمُلابَسَةِ الكبيرةِ. فـ (إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرِ) الصَّغائرُ مِن الرَّاوي (تَكَرُّرًا يُخِلُّ الثِّقَةَ بِصِدْقِهِ: لَمْ يَقْدَحْ) فِعْلُها في العدالةِ، ولا في الرِّوايةِ؛ (لِتَكْفِيرِهَا بِاجْتِنَابِ الكَبَائِرِ وَبِمَصَائِبِ الدُّنْيَا) في الأصحِّ، وهو ظاهرُ الآيةِ، ودَلَّ على ذلك السُّنَّةُ. قالَ الشَّيخُ في «الرَّدّ على الرَّافضيِّ»: ولو لم يَتُبْ مِنه فالصَّغائرُ تُكَفَّرُ باجتنابِ الكبائرِ عندَ جماهيرِ أهلِ السُّنَّةِ، بل وعندَ الأكثرينَ: أنَّ الكبائرَ

стр. 356

تُمْحَى بالحَسَنَاتِ الَّتي هي أعظمُ، وبالمصائبِ المُكَفِّرَةِ، وغيرِ ذلك (١). (وَيُرَدُّ كَاذِبٌ) أي: تُرَدُّ روايتُه بالكذبِ، ولو في غيرِ حديثِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى (وَلَوْ تَدَيَّنَ) أي: تَحَرَّزَ عنِ الكَذِبِ (فِي الحَدِيثِ) عندَ أكثرِ العلماءِ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ عليه أنْ يَكْذِبَ فيه، ولا تقدحُ الكَذْبَةُ الواحدةُ على الصَّحيحِ؛ للمَشَقَّةِ، وعدمِ دليلِه. (وَتَقْدَحُ كَذْبَةٌ) واحدةٌ (فِيهِ) أي: في الحديثِ، فلا تُقبَلُ روايتُه حَتَّى (وَلَوْ تَابَ) منها نصًّا. قالَ القاضي: لأنَّه زنديقٌ، فتُخَرَّجُ توبتُه على توبتِه، وفارقَ الشَّهادةَ؛ لأنَّه قد يَكْذِبُ فيها لرِشوةٍ، أو يَتَقَرَّبُ إلى أربابِ الدُّنيا (٢). وقالَ ابنُ عَقِيلٍ: هذا فرقٌ بعيدٌ؛ لأنَّ الرَّغبةَ إليهم بأخبارِ الرَّجاءِ أو الوعيدِ غايتُه الفِسقُ (٣). وظاهرُ كلامِ جماعةٍ مِن أصحابِنا أنَّ توبتَه تُقبَلُ، وقالَ كثيرٌ مِن العلماءِ: لكنْ في غيرِ ما كَذَبَ فيه، كتوبتِه فيما أَقَرَّ بتزويرِه. (وَالكَبِيرَةُ) ضابطُها معروفٌ عندَ الأكثرينَ، قال الإمامُ أحمدُ: الكبيرةُ: (مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ وَعِيدٌ (٤) فِي الآخِرَةِ) لوعدِ اللهِ مُجْتَنِبَها بتكفيرِ الصَّغائرِ. (وَزِيدَ) أي: وزادَ الشَّيخُ وأتباعُه، (أَوْ) ما فيه (لَعْنَةٌ، أَوْ غَضَبٌ، أَوْ نَفْيُ إِيمَانٍ) قال: ولا يَجُوزُ أن يَقَعَ نفيُ الإيمانِ لأمرٍ مُستَحَبٍّ، بل لكمالٍ واجبٍ.

стр. 357

قال: وليسَ لأحدٍ أنْ يَحمِلَ كلامَ أحمدَ، إلَّا على مَعنًى يَتبَيَّنُ مِن كلامِه ما يَدُلُّ على أنَّه مُرادُه، لا على ما يَحتمِلُه اللَّفظُ مِن كلامِ كلِّ أحدٍ (١). وقيلَ: لا يُعرَفُ ضابطُ الكبيرةِ. قال القاضي في «المعتمد»: مَعنى الكبيرةِ أنَّ عقابَها أكثرُ، والصَّغيرةُ أقلُّ، ولا يُعلَمانِ إلَّا بتوقيفٍ (٢). قال الواحِدِيُّ: الصَّحيحُ أنَّ الكبائرَ ليسَ لها حَدٌّ تُعرَفُ به، وإلَّا لاقْتَحَمَ النَّاسُ الصَّغائرَ واسْتَبَاحُوها، ولكنَّ اللهَ تعالى أَخْفَى ذلك على العبادِ ليَجْتَهِدوا في اجتنابِ المَنهيِّ عنه رجاءَ أن تُجْتَنَبَ الكبائرُ، نظيرَ إخفاءِ الصَّلَاةِ الوُسطى، وليلةِ القدرِ، وساعةِ الإجابةِ في الجمعةِ، ونحوِ ذلك (٣). قالَ العَلائيُّ في «قواعدِه»: المَنصوصُ عليه في الكبائرِ في مجموعِ أحاديثَ كثيرةٍ، وأنَّه كَتَبَها في مُصنَّفٍ مُفرَدٍ: الشِّركُ باللهِ، وقتلُ النَّفسِ بغيرِ حَقٍّ، والزِّنا، وأفحشُه في حَلِيلَةِ الجارِ، والفِرارُ مِن الزَّحْفِ، والسِّحرُ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وقذفُ المُحصَنَاتِ، والاستطالةُ في عِرضِ المُسلِمِ بغيرِ حَقٍّ، وشهادةُ الزُّورِ، واليمينُ الغَمُوسُ، والنَّميمةُ، والسَّرقةُ، وشُربُ الخمرِ، واستحلالُ بيتِ اللهِ الحرامِ، ونَكْثُ الصَّفقةِ، وتَركُ السُّنَّةِ، وَالتَّعَرُّبُ (٤) بعدَ الهجرةِ، واليأسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ مِن مَكْرِ اللهِ، ومَنْعُ

стр. 358

ابنِ السَّبيلِ مِن فضلِ الماءِ، وعدمُ التَّنزُّهِ مِن البولِ، وعقوقُ الوالدَينِ، والتَّسبُّبُ إلى شَتْمِهما، والإضرارُ في الوَصِيَّةِ. (وَيُرَدُّ: مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ) أي: تُرَدُّ روايةُ مُبتدِعٍ يَدعو النَّاسَ إلى بِدعتِه، كالقولِ بتفضيلِ عليٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه على سائرِ الصَّحابةِ، وعَلَّلوا ذلك بخوفِ الكذبِ لمُوافقتِه هواه، سواءٌ كانَتْ بِدعتُه غيرَ مُكَفِّرةٍ كما مَرَّ، (أَوْ مَعَ مُكَفِّرَةٍ) كقولِ أبي الخَطَّابِ بإلهيَّةِ جعفرٍ الصَّادقِ، وهو مِن مشايخِ الرَّافضةِ، ثمَّ ادَّعى الإلهيَّةَ لنَفْسِه، عليه لعائنُ اللهِ والملائكةِ والنَّاسِ أجمعينَ، وهو وأتباعُه يَسْتَحِلُّون الكَذِبَ لنصرةِ مَذهَبِهم، فيَرَوْنَ الشَّهادةَ بالزُّورِ لمُوافِقِهم على مُخالِفِهم. وقالَ الشَّيخُ: كلامُ أحمدَ يُفَرِّقُ بينَ أنواعِ البدعِ وبينَ الحاجةِ إلى الرِّوايةِ عنهم وعَدَمِها (١). قالَ الإمامُ أحمدُ: احمِلُوا عنِ المُرجئةِ الحديثَ، ويُكتَبُ عنِ القَدَرِيِّ إذا لم يَكُنْ داعِيَةً، واستعظمَ الرِّوايةَ عن رجلٍ وهو سعدٌ العَوْفِيُّ، وقَالَ: ذلك جهميٌّ امْتُحِنَ فأجابَ (٢)، وأرادَ: بلا إكراهٍ. وقالَ القاضي علاءُ الدِّينِ البَعْلِيُّ: إنْ كانَتْ بِدعةُ أحدِهم مُغَلَّظَةً، كالتَّجَهُّمِ: رُدَّتْ روايتُه، وإنْ كانَتْ مُتوسِّطَةً، كالقَدَرِ: رُدَّتْ إنْ كانَ (٣) داعيةً، وإنْ كانَتْ خفيفةً كالإرجاءِ، فهل تُقبَلُ معها مُطلقًا أم تُرَدُّ غيرُ (٤) الدَّاعيةِ؟

стр. 359

روايتانِ، هذا تحقيقُ مذهبِنا (١). انتهى. فائدةٌ: إذا أَطْلَقَ (٢) العلماءُ لفظةَ «المُبتدعةِ» فالمُرادُ به: أهلُ الأهواءِ مِن: الجَهميَّةِ، والقَدَريَّةِ، والمُعتزلةِ، والخَوارجِ، والرَّوافضِ، ومَن نَحَا نَحوَهم، (وَلَيْسَ الفُقَهَاءُ) المُختلِفُونَ في الفروعِ (مِنْهُمْ) على الصَّحيحِ، وعليه الأكثرُ. (فَـ) على هذا: (مَنْ شَرِبَ نَبِيذًا مُخْتَلَفًا فِيهِ: حُدَّ) عندَنا على الأشهرِ، ولا يُفَسَّقُ. قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الحدَّ أَضيقُ، ورَدُّ الشَّهادةِ أوسعُ؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن الحدِّ التَّحريمُ فيُفَسَّقُ به، أو إنْ تَكَرَّرَ (٣). فلهذا قال: (وَيُفَسَّقُ، غَيْرُ مُجْتَهِدٍ) أدَّاه اجتهادُه إلى إباحتِه، (أَوْ) غيرُ (مُقَلِّدٍ) لذلك المُجتهدِ، وأمَّا الحدُّ فمَفهومُه أنَّه يُحَدُّ ولو كانَ مجتهدًا، أو مُقلِّدًا. (وَحَرُمَ إِجْمَاعًا: إِقْدَامُ) مُكَلَّفٍ (عَلَى مَا) أي: شيءٍ (لَمْ يَعْلَمْ جَوَازَهُ) مِن قولٍ، أو فعلٍ؛ لأنَّ إقدامَه على ما لم يَعلَمْ جوازَه (٤) جرأةٌ على اللهِ تعالى وعلى رسولِه وعلى العلماءِ؛ لكونِه لم يَسْأَلْ، وفَسَّقَه البَاقِلَّانِيُّ، وقال: ضَمَّ جَهْلًا إلى فِسقٍ (٥). وفسَّقَ ابنُ عَقِيلٍ (٦) عامِّيًّا شَرِبَ نبيذًا.

стр. 360

(وَيُرَدُّ) ما رواه: (١) (مُتَسَاهِلٌ فِي رِوَايَةٍ) سماعًا وإسماعًا: كالنَّومِ وقتَ السَّماعِ، وقبولِ التَّلقينِ، أو يُحَدِّثُ لا مِن أصلٍ مُصَحَّحٍ، ونحوِه في قياسِ قولِ أصحابِنا، وغيرِهم (١): يَحرُمُ التَّساهلُ في الفُتيا، واستفتاءُ معروفٍ به. وقبولُ الحديثِ ممَّن هو على هذه الصِّفةِ أَوْلَى بالتَّحريمِ. (٢) (وَ) يُرَدُّ ما رَوَاه (مَجْهُولُ عَيْنٍ) عندَ الأكثرِ مِنَ المُحدِّثينَ وغيرِهم، وتَزُولُ الجهالةُ بواحدٍ في الأصحِّ، ويَأتي، وعَزَاه بعضُ الشَّافعيَّةِ إلى صاحبيِ الصَّحيحِ؛ لأنَّ فيهما مِن ذلك جماعةً. قالَ ابنُ رجبٍ في «شرح التِّرمذيِّ»: والنُّصوصُ عنْ أحمدَ تَدُلُّ أنَّه إنْ عُرِفَ مِنه أنَّه لا يَروي إلَّا عنْ ثقةٍ، فرِوايتُه عنْ إنسانٍ تَعديلٌ له، ومَن لم يُعرَفْ منه ذلك فليسَ بتعديلٍ. (أَوْ) مَجْهُولُ (عَدَالَةٍ) أي: تُرَدُّ روايتُه عندَ الإمامِ أحمدَ وأصحابِه والأكثرِ، وإنَّما عُمِلَ بخبَرِ الواحدِ للإجماعِ، ولا إجماعَ ولا دليلَ على العملِ، ولأنَّ الفِسقَ مانعٌ كجهالةِ الصَّبيِّ، والكُفرِ. قالوا: الفسقُ سببُ التَّثبُّتِ، فإذا انْتَفَى يَنْتفي، وعملًا بالظَّاهرِ وقبولِ الصَّحابةِ. رُدَّ: يَنتفي بالخبْرةِ، والتَّزكيةِ، وبمنعِ الظَّاهرِ والقبولِ، ويُقبَلُ الخبَرُ بالمِلْكِ والزَّكاةِ، ولو مِن فاسقٍ وكافرٍ للنُّصوصِ وللحاجةِ.

стр. 361

والأشهرُ لنا: في المجهولِ، وأنَّه مُتَطَهِّرٌ، فيَصِحُّ الائتمامُ به، لا أنَّ الماءَ طاهرٌ أو نجسٌ في ظاهِرِ مَذهبِنا. (أَوْ) مجهولُ (ضَبْطٍ) أي: تُرَدُّ روايتُه أيضًا، وتَقَدَّمَ في شروطِ الرَّاوي، ولأنَّ أئمَّةَ الحديثِ ترَكوا روايةَ كثيرٍ ممَّن ضَعُفَ ضبطُه ممَّن سَمِعَ كبيرًا ضابطًا. و (لَا) يُرَدُّ ما رَوَاه: (١) (رَقِيقٌ) لظاهرِ الأَدِلَّةِ، فإنَّها تَشمَلُه. (٢) (وَأُنْثَى) أي: فلا تُرَدُّ روايتُها؛ لقَبولِهم خبَرَ عائشةَ، وأسماءَ، وأمِّ سَلَمَةَ، وأمِّ سُلَيْمٍ، وغيرِهن رَضِيَ اللهُ تعالى عنهنَّ أجمعينَ، سواءٌ كنَّ أحرارًا أو أرِقَّاءَ. (٣) (وَ) لا ما رَوَاه (قَرِيبٌ) عن قريبِه، (٤) (وَ) لا (ضَرِيرٌ، (٥) وَ) لا (عَدُوٌّ) عن عَدُوِّه؛ لأنَّ حُكْمَ الرِّوايةِ عامٌّ للمُخبِرِ والمُخبَرِ، [ولا يَختَصُّ بشخصٍ، فلا تُهمةَ في ذلك، بخلافِ الشَّهادةِ، وهذا واضحٌ جَلِيٌّ] (١). (٦) (وَ) لا يُرَدُّ ما رَوَاه (قَلِيلُ سَمَاعِ الحَدِيثِ) فلا يُعتَبَرُ كثرةُ سماعِه، بل متى سَمِعَ ولو حديثًا واحدًا: صَحَّتْ روايتُه؛ لأنَّ الصَّحابةَ ﵃ كانَتْ تَقبَلُ روايةَ الأعرابيِّ بحديثٍ واحدٍ، وعلى ذلك عَمَلُ المُحدِّثِينَ. (٧) (وَ) لا يُرَدُّ ما رَوَاه (جَاهِلٌ بِمَعْنَاهُ) أي: بمَعنى الحديثِ الَّذِي يَرويه.

стр. 362

(وَ) لا ما رَوَاه جاهلٌ بـ (فِقْهٍ وَعَرَبِيَّةٍ) فلا يُعتَبَرُ علمُ الرَّاوي بمعنى الحديثِ والفقهِ والعربيَّةِ على الصَّحيحِ الَّذِي عليه أكثرُ العلماءِ؛ لحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ وليسَ بِفَقِيهٍ» رَوَاه الشَّافعيُّ (١) وأحمدُ (٢) بإسنادٍ جيِّدٍ، وحسَّنَهُ التِّرمذيُّ (٣). وقولُه ﷺ : «نَضَّرَ اللهُ» رَوَاه الأَصْمَعِيُّ بتشديدِ الضَّادِ المُعجَمَةِ، وأبو عُبيدٍ بتخفيفِه؛ أي: نَعَّمَ (٤) اللهُ، وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ: «فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» صَحَّحَه التِّرمذيُّ (٥). تنبيهٌ: إِنَّمَا تُعتَبَرُ روايةُ الفقيهِ إذا رَوى باللَّفظِ والمعنى المُطابِقِ، وكانَ يَعرِفُ مُقتَضياتِ الألفاظِ، والعدالةُ تَمنَعُه مِن تحريفٍ لا يَجُوزُ. (٨) (وَ) لا يُرَدُّ ما رَوَاه (عَدِيمُ نَسَبٍ وَمَجْهُولُهُ) فلا يُعتَبَرُ معرفةُ نَسَبِ الرَّاوي، كالعبدِ وغيرِه ممَّن لا يُعرَفُ نَسَبُه، وإنْ كانَ في الأصلِ له نَسَبٌ كعَدمِ نَسَبِه بالكُلِّيَّةِ، كوَلَدِ الزِّنا، والمَنْفِيِّ بلِعانٍ إذا كانوا عدولًا، ولأنَّهم داخلون في عُمومِ الأَدِلَّةِ، فصَحَّتْ روايتُهم كغيرِهم.

стр. 363

(فَصْلٌ) (شُرِطَ) في جارحٍ (ذِكْرُ سَبَبِ: (١) جَرْحٍ) على الصَّحيحِ، فلا يُقبَلُ الجرحُ المُطلَقُ، بل لا بدَّ مِن ذِكْرِ السَّببِ المُطلَقِ، فيَقولُ مَثَلًا: هذا فاسقٌ؛ لأنَّه يَشرَبُ الخمرَ، ونَحوَه؛ لاختلافِ النَّاسِ في سببِ الجَرحِ، واعتقادِ بَعضِهم ما لا يَصلُحُ أنْ يَكُونَ سببًا للجَرحِ جارحًا، كشُربِ النَّبيذِ مُتَأَوِّلًا، فإنَّه يَقدَحُ في العَدالةِ عندَ مالكٍ دونَ غيرِه، وكمَن رأى إنسانًا يَبُولُ قائمًا فيُبادِرُ بجَرحِه لذلك، ولم يَنظُرْ في أنَّه مُتَأَوِّلٌ مُخطِئٌ، أو معذورٌ، كما رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه بالَ قائمًا لعُذرٍ كانَ به (١)، فلهذا وشِبْهِه يَنبغي بيانُ سببِ الجَرحِ؛ ليَكُونَ على ثقةٍ واحتِرازٍ مِن الخطأِ والغُلُوِّ فيه. قالَ الطُّوفِيُّ في «شرحِه»: ولقد رَأَيْتُ بعضَ العامَّةِ يَضرِبُ يدًا على يدٍ، ويُشِيرُ إلى رجلٍ، ويَقُولُ: ما هذا إلَّا زِنْدِيقٌ، ليتني قَدَرْتُ عليه، فأفعلَ به وأفعلَ، فقُلْتُ: ما رأيْتَ منه؟ فقال: رَأَيْتُه وهو يَجهَرُ بالبسملةِ في الصَّلَاةِ (٢). انتهى.

стр. 364

وللنَّاسِ في هذا حكاياتٌ غريبةٌ عجيبةٌ. (٢) (وَ) شُرِطَ أيضًا ذِكْرُ سببِ (تَضْعِيفٍ) على الصَّحيحِ، فيُقبَلُ الحديثُ إذا قال المُحَدِّثُ: هذا الحديثُ ضعيفٌ، مِن غيرِ أنْ يَعْزُوَه إلى مُستنَدٍ يُرجَعُ إليه؛ لأنَّه قد يُضَعِّفُه بشيءٍ لو ذَكَرَه لم يَكُنْ قادحًا. (وَ) إذا لم يُقبَلِ الجرحُ المُطلَقُ ولا التَّضعيفُ المُطلَقُ فـ (لَا يَلْزَمُ تَوَقُّفٌ) عنِ (١) العملِ بذلك الحديثِ (إِلَى تَبْيِينِ) سببِ الجَرحِ، أو التَّضعيفِ، بخلافِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ الخبَرَ يَلْزَمُ العملُ به ما لم يَثبُتِ القدحُ، والشَّهادةُ آكَدُ، فإذا انْتَفَى القدحُ: عُمِلَ به. وقيلَ: يَلْزَمُ التَّوقُّفُ حَتَّى يُبَيِّنَ سَبَبَ الجَرحِ الَّذِي أَطْلَقَه. قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: ويَتَوَجَّهُ التَّوقُّفُ؛ لأنَّه أوجبَ رِيبَةً، وإلَّا لَانْسَدَّ بابُ الجرحِ غالبًا (٢). قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهو الأحوطُ (٣). و (لَا) يُشتَرَطُ ذِكْرُ سببِ: (١) (تَعْدِيلٍ) عندَ الإمامِ أحمدَ والأكثرِ، بأنْ يَقُولَ مَثَلًا: هذا عَدْلٌ؛ لأنَّه يُواظِبُ على فِعلِ العِباداتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ، بل يَكفي قَوْلُه: هو عَدْلٌ، أو مَأْمونٌ، أو رَوَوْا عنه، ونحوَ ذلك، استصحابًا لحالِ العدالةِ.

стр. 365

(٢) (وَ) لا يُشتَرَطُ أيضًا ذِكْرُ سَبَبِ (تَصْحِيحٍ) فإذا أَطْلَقَ تصحيحَ الخبَرِ بأنْ يَقُولَ: هذا الخبَرُ صحيحٌ، فهو كالتَّعديلِ المُطلَقِ، فإنَّ إطلاقَ تصحيحِه يَستلزمُ تعديلَ رُواتِه، فتَلَخَّصَ أنَّ الجَرحَ والتَّضعيفَ لا بدَّ فيهما مِن ذِكْرِ السَّببِ، وأمَّا التَّعديلُ والتَّصحيحُ فلا يُشتَرَطُ ذِكْرُ سَبَبِهما، بل يَكْفي إطلاقُهما. (وَيَكْفِي فِيهِنَّ) أي: في مَسائِلِ الجَرحِ والتَّعديلِ والتَّضعيفِ والتَّصحيحِ واحدٌ عندَ الأكثرِ، فيَكفي جَرحُ واحدٍ وتعديلُه، كما يَكفي تصحيحُه وتضعيفُه؛ لأنَّ الشَّرطَ لا يَزيدُ على مَشروطِه، فتَعديلُ الرَّاوي تَبَعٌ للرِّوايةِ وفَرعٌ لها؛ لأنَّه إِنَّمَا يُراد لأجلِها، والرِّوايةُ لا يُعتبَرُ فيها العددُ، بل يَكفي فيها راوٍ واحدٌ وتعديلُه، فكذا ما هو تَبَعٌ وفرعٌ لها، فلو قُلْنا: «تكفي روايةُ الواحدِ، ولا يَكفي في تعديلِه إلَّا اثنانِ» لزادَ الفرعُ على أصلِه، وزيادةُ الفُروعِ على أُصُولِها غيرُ معهودةٍ عقلًا ولا شرعًا. (وَ) يَكفي في (تَعْرِيفِ) مَجهولٍ: (وَاحِدٌ) عدلٌ في الأصحِّ، وتَقَدَّمَ، ويُشتَرَطُ في ذلك الواحدِ أنْ يَكُونَ (ليسَ مِنْ عَادَتِهِ تَسَاهُلٌ) في التَّعديلِ، (أَوْ مُبَالَغَةٌ) في الجَرحِ، فلا أثَرَ لمَن عادتُه التَّساهُلُ في التَّعديلِ، أو المُبالغةُ: فيَجرَحُ بلا سببٍ شرعيٍّ، أو يُعطِيه فوقَ حقِّه، وهذا غيرُ جائزٍ. (وَمَنِ اشْتَبَهَ اسْمُهُ) مِنَ الثِّقاتِ (بـ) اسمِ (مَجْرُوحٍ: وُقِفَ خَبَرُهُ) الَّذِي وَقَعَ فيه الاشتباهُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ أَمْرُه، وذلك لاحتمالِ أنْ يَكُونَ الرَّاوي ذلك المجروحُ؛ فلا تُقبَلُ روايتُه، بل يُتَوَقَّفُ حَتَّى يُعلَمَ هل هو المجروحُ أو غيرُه، وكثيرٌ ما يَفعلُ المُدلِّسونَ مِثْلَ هذا؛ يَذكُرون الرَّاويَ الضَّعيفَ باسمٍ يُشارِكُه فيه راوٍ عدلٌ؛ ليُظَنَّ أنَّه ذلك العدلُ تَرويجًا لروايتِهم.

стр. 366

(وَلَا شَيْءَ لِجَرْحٍ: بِاسْتِقْرَاءٍ) يَعني بأنْ يَقُولَ تَتَبَّعْنا كذا، فوَجَدْناه كذا مِرارًا كثيرةً لم يَنْخَرِمْ، فلو قيلَ: مَن وَجَدْناه يَفعَلُ كذا فهو مجروحٌ، واسْتَقْرَيْنا ذلك في أشخاصٍ كثيرةٍ، فوَجَدْناه كذلك، فهذا ليسَ بجَرحٍ، وليسَ مِن طُرُقِ الجَرحِ حَتَّى يُحكَمَ به. (وَلَهُ) أي: للجَارِحِ (جَرْحُ) الرَّاوي (بِاسْتِفَاضَةٍ) على الصَّحيحِ، فإذا شَاعَ عن مُحَدِّثٍ أنَّ فيه صِفةً تُوجِبُ رَدَّ الحديثِ، وجَرَحَه (١) بها: جازَ الجَرحُ بها، كما تَجُوزُ الشَّهادةُ بالاستفاضةِ في مسائلَ مخصوصةٍ معلومةٍ ذَكرَها الفقهاءُ في كُتُبِهم، فكذلك هذا. و (لَا) تَجُوزُ (تَزْكِيَةُ) مَن شاعَتْ عَدالَتُه بمُجَرَّدِ الاستفاضةِ، قَدَّمَه ابنُ مُفْلِحٍ (٢) وغيرُه. (وقيلَ: بَلَى). قالَ بعضُ أصحابِنا: تَجُوزُ التَّزكيةُ بالاستفاضةِ. واحتجَّ لذلك كثيرٌ مِن العلماءِ: (إِذَا شَاعَتْ عَدَالَتُهُ)، وأمانَتُه، (كَأَحَدِ الأَئِمَّةِ) فإنَّه يُزَكَّى بالاستفاضةِ بلا نِزاعٍ (وَجَعَلَهُ) أي: جَعَلَ هذا القولَ الثَّانيَ (٣) القاضي علاءُ الدِّينِ المَرْدَاوِيُّ (المَذْهَبَ فِي أَصْلِهِ) أي: أصلِ هذا الكتابِ وهو «التَّحريرُ»، قال فيه: قُلْتُ: وهذا المذهبُ وهو مَعنى قولِ الإمامِ أحمدَ وجماعةٍ مِن العلماءِ (٤). انتهى.

стр. 367

كما لو سُئِلَ عنِ الإمامِ مالكٍ، والأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، ونَحوِهم. وقد سُئِلَ ابنُ مَعِينٍ عن أبي عُبَيْدٍ، فقال: مِثلي يُسأَلُ عن أبي عُبَيْدٍ! أبو عُبَيْدٍ يُسأَلُ عنِ النَّاسِ. وسُئِلَ أحمدُ عن إسحاقَ بنِ رَاهَوَيْه، فقال: مِثْلُ إسحاقَ يُسْأَلُ عنه! (وَ يُقَدَّمُ جَرْحٌ) على تعديلٍ على الصَّحيحِ عندَ الأكثرِ، سواءٌ كَثُرَ الجارحُ، أو قلَّ، أو ساوى؛ لأنَّ معَه زيادةَ عِلمٍ لم يَطَّلِعْ عليها المُعدِّلُ، فهو موافقٌ له على أنَّ ظاهرَه كذلك، وهو مُخبِرٌ بما خَفِيَ عنِ المُعَدِّلِ، فلذلك قُدِّمَ. تنبيهٌ: يَحصُلُ التَّعديلُ بأربعةِ أشياءَ: الحُكمُ، والقولُ، والعملُ، والرِّوايةُ. (وَأَقْوَى) أي: أَعلَى مراتبِ (تَعْدِيلٍ) مِن هذه الأربعةِ: (١) (حُكْمُ مُشْتَرِطِ العَدَالَةِ بِهَا) أي: بالعَدالةِ؛ أي: حاكمٌ يَشتَرِطُ العدالةَ: وهو تَعديلٌ مُتَّفَقٌ عليه، وإلَّا كانَ الحاكمُ فاسقًا لقبولِه شهادةَ مَن ليسَ عدلًا عندَه، وهو أقوى مِن القوليِّ بالسَّببِ (١) الآتي ذِكْرُه؛ لأنَّ ذلك قولٌ مُجَرَّدٌ، والحُكمُ برِوايَتِه فعلٌ تَضَمَّنَ القَولَ، أوِ اسْتَلْزَمَه؛ إذْ تعديلُه القوليُّ تقديرًا مِن لوازمِ الحُكمِ بروايتِه، وإلَّا كانَ هذا الحاكمُ حاكمًا بالباطلِ، وهذا اختيارُ المُوَفَّقِ (٢) وغيرِه. (٢) (فَقَوْلٌ) وهذا الثَّاني مِن الأربعةِ الَّتي يَحصُلُ بها التَّعديلُ، واختارَ الآمِدِيُّ وغيرُه التَّسويةَ بينَهما.

стр. 368

والقولُ في الرَّاوي له صِفتانِ: أحدُهما: (وَ) هي (أَعْلَاهُ) أي: أعلى مراتبِ التَّعديلِ بالقولِ قولُ المُعَدِّلِ: هو (عَدْلٌ رَضِيٌّ، مَعَ ذِكْرِ سَبَبِهِ) أي: يُبَيِّنُ سببَ التَّعديلِ مع هذا القولِ، بأنْ يُثنِيَ عليه بذِكْرِ محاسنِ عَمَلِه مِمَّا يُعلَمُ مِنه مِمَّا يَنبغي شرعًا مِن أداءِ الواجباتِ واجتنابِ المُحرَّماتِ، واستعمالِ وظائفِ المُروءةِ، وهو أعلى مراتبِ التَّعديلِ للاتِّفاقِ عليه (١). (٢) (فَـ) يَلِي هذه المرتبةَ قولُه: هو عدلٌ رَضِيٌّ، (بِدُونِهِ) أي: بدونِ بيانِ سببِ التَّعديلِ، وهذه الصِّفةُ الثَّانيةُ، فهي أَدنَى مِن الَّتي قَبْلَها. وقد ذَكَرَ أربابُ فنِّ الجَرحِ والتَّعديلِ أنَّ مراتبَ التَّعديلِ أربعةٌ: الأُولى: العُليا مِنها تَكرارُ اللَّفظِ، بأنْ يقولَ: ثِقَةٌ ثِقَةٌ، أو ثقةٌ عدلٌ، أو ثقةٌ مُتقِنٌ، ونحوَ ذلك. الثَّانيةُ: ذِكرُ (٢) ذلك مِن غيرِ تَكرارٍ، كقولِه: ثقةٌ، أو عدلٌ، أو مُتقنٌ، أو ثَبْتٌ، أو حُجَّةٌ، أو حافظٌ، أو ضابطٌ. الثَّالثةُ: قَولُهم: لا بأسَ به، أو صدوقٌ، أو مأمونٌ، أو خِيَارٌ. الرَّابعةُ: قولُهم: مَحَلُّه الصِّدقُ، أو رَوَوْا عنه، أو صالحُ الحديثِ، أو مُقارِبُ الحديثِ، أو حَسَنُ الحديثِ، أو صُوَيْلِحٌ، أو صَدوقٌ إنْ شاءَ اللهُ، أو أرجو أنَّه ليسَ به بأسٌ، ونحوُ ذلك.

стр. 369

(٣) (فَعَمَلُ) الرَّاوي (بِرِوَايَتِهِ) أي: بروايةِ المُعَدَّلِ (إِنِ) اعتُدَّ بتعديلِه، و (عُلِمَ) بالبناءِ للمجهولِ (أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ) أي: للعاملِ برِوايَتِه [في عَمَلِه] (١) (غَيْرُهَا) أي: غيرُ هذه الرِّوايةِ، وهذا الثَّالثُ مِمَّا يَحصُلُ به التَّعديلُ، فإنْ لم يُعلَمْ ذلك منه لم يَكُنْ تعديلًا؛ لاحتمالِ (٢) أن يَكُونَ عَمِلَ بدليلٍ آخَرَ وافَقَ رِوايَتَه، قالَه المُوَفَّقُ وأبو المَعالي (٣) إلَّا فيما العملُ به احتياطًا لفِسْقِه لو عَمِلَ بفاسقٍ، وهذا عندَ الأكثرِ. (وَلَيْسَ تَرْكُ عَمَلٍ بِهَا) أي: بروايةِ راوٍ، (وَ) لا تَرْكُ عملٍ (بِشَهَادَةِ) شاهِدٍ (جَرْحًا) لذلك الرَّاوي والشَّاهدِ، لاحتمالِ سببٍ سِوى تركِ العملِ، فلا يُحكَمُ على الرَّاوي والشَّاهدِ إذا تُرِكَ العملُ بهما بجَرحِهما عندَ الجمهورِ؛ لأنَّ تركَ العملِ قد يَكُونُ لمعنًى فيهما مِن تُهمةِ قرابةٍ، أو عداوةٍ، أو غيرِ ذلك، وقد يَكُونُ لغيرِ ذلك، فإذا احتمل واحتملَ فلا نَحكُمُ عليه بالجرحِ بذلك مع الاحتمالِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُه، وليسَ تَرْكُ الحُكْمِ بها مُنحَصِرًا في الفسقِ، ولأنَّ عَمَلَه قد يَكُونُ مُتَوَقِّفًا على أمْرٍ آخَرَ زائدٍ على العدالةِ، فيَكُونُ التَّركُ لعدمِ ذلك، لا لانتفاءِ العدالةِ. (٤) (ثُمَّ) الرَّابعُ مِمَّا يَحصُلُ به التَّعديلُ: (رِوَايَةُ عَدْلٍ عَادَتُهُ) أي: إنْ (٤) عُرِفَ مِن مَذهَبِه، أو عادتِه، أو صريحِ قَوْلِه، أنَّه لا يَرى (٥) الرِّوايةَ، و (لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ): كانَ تعديلًا عندَ الإمامِ أحمدَ والمُوَفَّقِ (٦) والشَّيخِ وغيرِهم، وإنْ لم يُعرَفْ منه ذلك: فليسَ بتعديلٍ؛ إذ قد يَروي الشَّخصُ عمَّن لو سُئِلَ عنه لسَكَتَ.

стр. 370

قالَ أحمدُ في روايةِ أبي زُرْعَةَ: مالكُ بنُ أنسٍ إذا رَوَى عن رجلٍ لا يُعرَفُ فهو حُجَّةٌ. (وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ) مُعَدِّلٍ لراوٍ (مُبْهَمٍ، كَـ) قوله: (حَدَّثَنِي ثِقَةٌ، أَوْ) رَجُلٌ (عَدْلٌ) أو الثِّقةُ، أو العَدلُ (أَوْ مَنْ لَا أَتَّهِمُـ) ـه؛ لاحتمالِ كَوْنِه مَجروحًا عندَ غيرِه، وقَبِلَه المجدُ وغيرُه، وإنْ رُدَّ المُرسَلُ والمجهولُ، قال: لأنَّ ذلك تعديلٌ صريحٌ عندَنا. انتهى. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وقيلَ: وهو الظَّاهرُ الَّذِي قَطَعَ به إمامُ الحَرَمَينِ (١)، ونَقَلَه ابنُ الصَّلاحِ (٢) عنِ اختيارِ بعضِ المُحقِّقينَ أنَّه إذا كانَ القائلُ لذلك مِن أئمَّةِ الشَّأنِ العارفينَ بما يَشتَرِطُه هو وخصومُه في العدلِ، وقد ذَكَرَه في مَقامِ الاحتجاجِ، [فيُقبَلُ؛ لأنَّ مِثلَ هؤلاءِ لا يُطلِقُ في مَقامِ الاحتجاجِ] (٣) إلَّا في موضعٍ يَأمَنُ أنْ يُخالَفَ فيمَن أَطْلَقَ أنَّه ثقةٌ (٤). فائدةٌ: إذا قال الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «حَدَّثَني الثِّقةُ، فتارةً يُريدُ به أحمدَ، وتارةً يُريدُ به يَحيى بنَ حسَّانَ، وتارةً يُريدُ به سعيدَ بنَ سالمٍ القَدَّاحَ، وتارةً يُريدُ به إبراهيمَ بنَ إسماعيلَ، واشتُهِرَ عنه ذلك فيه، وتارةً يُريدُ به مالكًا، وقيلَ: مُسلمَ بنَ خالدٍ الزَّنْجِيَّ، إلَّا أنَّه كانَ يَرى القَدَرَ، واحتَرَزَ عنِ التَّصريحِ باسمِه لهذا المَعنى.

стр. 371

(وَالجَرْحُ) أي: حَدُّه: (أَنْ يُنْسَبَ) بالبناءِ للمفعولِ (إِلَى قَائِلٍ مَا) أي: شيءٌ (يُرَدُّ لِأَجْلِهِ) أي: لأجلِ ذلك الشَّيْءِ (قَوْلُهُ) أي: قولُ ذلك القائلِ مِن خَبَرٍ، أو شهادةٍ مِن فِعلِ معصيةٍ، أو ارتكابِ ذنبٍ، أو ما يُخِلُّ بالعدالةِ. (وَالتَّعْدِيلُ) بخلافِ الجَرحِ، فهو (ضِدُّهُ) وهو أن يُنْسَبَ إلى القائلِ ما يُقبَلُ لأجلِه قولُه مِن: فعلِ الخيرِ، والعِفَّةِ، والمُروءةِ، والدِّينِ بفعلِ الواجباتِ، وتَرْكِ المُحَرَّماتِ، ونحوِه.

стр. 372

فَصْلٌ التَّدليسُ له مَعنيانِ: مَعنًى في اللُّغةِ، ومعنًى في الاصطلاحِ. فمَعناه في اللُّغةِ: كِتمانُ العَيبِ في مَبيعٍ أو غيرِه، ويُقالُ: دَالَسَه: خَادَعَه، كأنَّه مِن الدَّلَسِ، وهو الظُّلْمَةُ؛ لأنَّه إذا غَطَّى عليه الأمْرَ أَظْلَمَه عليه. وأمَّا في الاصطلاحِ فهو قِسمانِ: قِسْمٌ مُضِرٌّ يَمنَعُ القبولَ، وقِسْمٌ غيرُ مُضِرٍّ. (وَ) الأوَّلُ: هو (تَدْلِيسُ المَتْنِ) ويُسَمَّى المُدْرَجَ، اسمُ فاعلٍ، فالرَّاوي للحديثِ إذا أَدْخَلَ فيه شيئًا مِن كلامِه أوَّلًا أو آخِرًا على وجهٍ يُوهِمُ أنَّه مِن جُملَةِ الحديثِ الَّذِي رَوَاه، وفَعَلَه (عَمْدًا: مُحَرَّمٌ، وَجَرْحٌ) لِمُتَعَمِّدِه؛ لِما فيه مِن الغشِّ، أمَّا لو اتَّفَقَ ذلك مِن غيرِ قصدٍ مِن صحابيٍّ أو غيرِه، فلا يَكُونُ ذلك مُحَرَّمًا، ومِن ذلك كثيرٌ أَفْرَدَه الخطيبُ البغداديُّ بالتَّصنيفِ (١). ومِن أمثلتِه حديثُ ابنِ مَسعودٍ في التَّشَهُّدِ، قال في آخِرِه: وإذا قُلْتُ هذا، فإنْ شِئْتَ أن تَقُومَ فقُمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَقْعُدَ فاقْعُدْ. وهو مِن كلامِه لا مِن الحديثِ المرفوعِ (٢). وهذا مِن المُدْرَجِ أخيرًا. ومثالُ المُدرَجِ وَسَطًا: ما رَوَاه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣): عن بُسْرَةَ بنتِ صَفْوَانَ ﵂ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ، أَوْ رُفْغَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٤).

стр. 373

قالَ: فذِكْرُ الأُنْثَيَيْنِ والرُّفْغِ مُدْرَجٌ، إِنَّمَا هو مِن قولِ عُرْوَةَ الرَّاوي عن بُسْرَةَ. ومِثالُ المُدرَجِ الأوَّلِ: ما رَوَاه الخَطيبُ (١) بسندِه، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» فإنَّ «أَسْبِغُوا الوُضُوءِ» من كلامِ أبي هُرَيْرَةَ، ومَرجِعُ ذلك إلى المُحَدِّثينَ. ويُعرَفُ ذلك: بأنْ يَرِدَ مِن طريقٍ أُخرى التَّصريحُ بأنَّ ذلك مِن كلامِ الرَّاوي، وهو طريقٌ ظَنِّيٌّ قد يَقْوَى، وقد يَضعُفُ، وعلى كلِّ حالٍ حَيْثُ فَعَلَ ذلك المُحَدِّثُ عَمْدًا، بأنْ قَصَدَ إدراجَ كلامٍ في حديثِ النَّبيِّ ﷺ مِن غيرِ تَبْيِينٍ، بل دَلَّسَ ذلك: كانَ فِعلُه حرامًا، وهو مجروحٌ عندَ العلماءِ غيرُ مقبولِ الحديثِ. (وَ) القِسْمُ الثَّاني: (غَيْرُهُ) أي: غيرُ تدليسِ المتنِ المُضِرِّ، وله صورٌ: إحداها: أنْ يُسَمِّيَ شيخَه في روايتِه باسمٍ له غيرِ مشهورٍ؛ مِن: كُنيةٍ، أو لقبٍ، أو اسمٍ، أو نحوِه، كقولِ أبي بكرِ بنِ مجاهدٍ المُقْرِئِ: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى، يُريدُ به عبدَ اللهِ بنَ أبي داودَ السِّجِسْتَانِيَّ، ويُسَمَّى هذا تدليسَ الشُّيوخِ. وأمَّا تدليسُ الإسنادِ: وهو أنْ يَروِيَ عمَّن لَقِيَه، أو عاصَرَه، ما لم يَسْمَعْه منه، مُوهِمًا سماعَه منه، قائلًا: قال فلانٌ، أو: عن فلانٍ، ونحوَه، وربَّما لم يُسقِطْ شيخَه وأَسْقَطَ غيرَه. ومَثَّلَه بعضُهم بما في التِّرمذيِّ: عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن عائشةَ ﵂ مرفوعًا: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٢)، ثمَّ قال:

стр. 374

هذا حديثٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الزُّهريَّ لم يَسمَعْه مِن أبي سَلَمَةَ، ثمَّ ذَكَرَ أنَّ بينَهما سليمانَ بنَ أَرقَمَ، عن يحيى بنِ كثيرٍ، وأنَّ هذا وجهُ الحديثِ. الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يُسَمِّيَ شيخَه باسمِ شيخٍ آخَرَ لا يُمكِنُ أنْ يَكُونَ رَوَاه عنه، كما يَقُولُ تلامذةُ (١) الحافظِ أبي عبدِ اللهِ الذَّهبيِّ: «حدثنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ» تَشبيهًا بقولِ البيهقيِّ فيما يَرويه عن شيخِه أبي عبدِ اللهِ الحاكمِ: «حدثنا أبو عبدِ اللهِ الحافظُ»، وهذا لا يَقدَحُ؛ لظهورِ المقصودِ. الثَّالثةُ: أن يَأتِيَ في التَّحديثِ بلفظٍ يُوهِمُ أمرًا لا قَدحَ (٢) في إيهامِه، كقولِه: «حَدَّثَنَا وراءَ النهر»، مُوهِمًا نهرَ جَيْحُونَ، وهو نهرُ عيسى ببغدادَ، والحِيرةِ ونحوِها بمِصرَ، فلا قَدحَ في ذلك؛ لأنَّه مِن بابِ الإغرابِ، وإنْ كانَ فيه إيهامُ الرِّحلةِ، إلَّا أنَّه صِدقٌ في نَفْسِه. إذا عُلِمَ ذلك فالمُرادُ بذلك الأوَّلِ، وأكثرُ العلماءِ على أنَّ ذلك كلَّه (مَكْرُوهٌ). وقولُه: (مُطْلَقًا (٣) ظاهرُه: سواءٌ تَعَمَّدَ التَّدليسَ، أو لا. وقالَ في «الأصلِ وشرحِه»: ومَن فَعَلَه مُتَأَوِّلًا قُبِلَ عندَ الأكثرِ، ولم يُفَسَّقْ؛ لأنَّه صَدَرَ مِن الأعيانِ المُقتَدَى بهم، وقلَّ مَن سَلِمَ منه، قِيلَ للإمامِ أحمدَ: شُعبَةُ يَقولُ: التَّدليسُ كَذِبٌ، قال: لا، قد دَلَّسَ قومٌ، ونَحنُ نَروي عنهم (٤).

стр. 375

(وَمَنْ عُرِفَ بِهِ) أي: بالتَّدليسِ (عَنِ الضُّعَفَاءِ) مُوهِمًا أنَّ سماعَه عنْ غيرِهم، (لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ) عندَ المُحدِّثينَ وغيرِهم، (حَتَّى يُبَيِّنَ السَّمَاعَ) بأنْ يُفْصِحَ بتَعيِينِ الَّذِي سَمِعَ منه، وسَألَ مُهَنَّا أحمدَ عن هُشَيْمٍ، قال: ثقةٌ، إذا لم يُدَلِّسْ. قُلْتُ: التَّدليسُ عيبٌ؟ قال: نعمْ. (وَ) قال المجدُ ابنُ تَيميَّةَ: (مَنْ كَثُرَ مِنْهُ) التَّدليسُ: (لَمْ تُقْبَلْ عَنْعَنَتُهُ) (١) وما في البُخاريِّ ومسلمٍ مِن ذلك محمولٌ على السَّماعِ مِن طريقٍ أُخرى. قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: كذا قيلَ، وقد قِيلَ لأحمدَ في روايةِ أبي داودَ (٢): الرَّجلُ يُعرَفُ بالتَّدليسِ يُحتَجُّ بما لم يَقُلْ فيه: حَدَّثَني، أو سَمِعْتُ؟ قال: لا أدري، قُلْتُ: الأَعمشُ متى تُصَابُ (٣) له (٤)؟ قال: يَضِيقُ هذا إن لم (٥) يُحتَجَّ به (٦). (وَ) الإسنادُ (المُعَنْعَنُ بِلَا تَدْلِيسٍ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ) فيَشمَلُ: «عنْ»، و «أنَّ»، و «قالَ»، و «أَقَرَّ»، ونَحوَه: (مُتَّصِلٌ) عندَ الجمهورِ، عملًا بالظَّاهرِ، والأصلُ عدمُ التَّدليسِ، وحَكَاه ابنُ عبدِ البَرِّ (٧) وغيرُه إجماعًا، وشَرَطَ ثلاثةَ شروطٍ: العدالةُ، واللِّقاءُ، وعَدَمُ التَّدليسِ.

стр. 376

قالَ الإمامُ أحمدُ: ما رواه الأعمشُ عن إبراهيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ اللهِ عنِ (١) النَّبِيِّ ﷺ ، أو رَوَاه الزُّهْرِيُّ عن سالمٍ عن أبيه، وداودَ عنِ الشَّعبيِّ، عن عَلْقَمَةَ عن عبدِ اللهِ عن النَّبِيِّ ﷺ ، كلُّ ذلك ثابتٌ. (وَيَكْفِي) في الإسنادِ: (إِمْكَانُ لُقِيٍّ فِي قَوْلِ) كثيرٍ مِنَ المُتأخِّرينَ، وذَكَرَ مُسلمٌ (٢) أنَّه الَّذِي عليه أهلُ العِلمِ بالأخبارِ قديمًا وحديثًا. (وَظَاهِرُهُ) أي: ظاهرُ هذا القولِ أنَّ الثِّقةَ (لَوْ رَوَى عَمَّنْ) أي: عن شخصٍ (لَمْ يُعْرَفُ بِصُحْبَتِهِ، وَ) لا بـ (رِوَايَتِهِ عَنْهُ) أنَّه (يُقْبَلُ) ما رَوَاه عنه (مُطْلَقًا) يَعني ولو أَجمَعَ أصحابُ الشَّيخِ على أنَّه ليسَ منهم؛ لأنَّه ثقةٌ، ويَدُلُّ على هذا القولِ كلامُ الإمامِ أحمدَ في اعتذارِه لجابرٍ الجُعفِيِّ في قِصَّةِ هشامِ بنِ عروةَ مع زوجتِه (٣). والقولُ الثَّاني: وهو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أيضًا في مواضعَ، وعليه جمهورُ المُتقدِّمينَ: أنَّه يُشتَرَطُ العِلْمُ باللُّقِيِّ. قالَ في «شرحِ الأصلِ» (٤): وهو أظهرُ، بل كلامُ الإمامِ أحمدَ، وأبي زُرْعَةَ، وأبي حاتمٍ، وغيرِهم مِن أعيانِ الحُفَّاظِ، يَدُلُّ على اشتِراط ثبوتِ السَّماعِ، قال أحمدُ في يَحيى بنِ كثيرٍ: قد رأى أنسًا، فلا أدري أَسَمِعَ منه أو لا؟ وكذلك كثيرٌ مِن (٥) الصَّحابةِ رَأَوُا النَّبيَّ ﷺ ولم يَصِحَّ لهم سماعٌ منه، فرِوايَاتُهم عنه مُرسَلَةٌ، كطارقِ بنِ شهابٍ وغيرِه، وكذلك مَن

стр. 377

عُلِمَ منه أنَّه مع اللُّقِيِّ لم يَسمَعْ ممَّن لَقِيَه إلَّا شيئًا يسيرًا، فروايتُه عنه زيادةً على ذلك مُرسَلةٌ، كسَماعِ الحَسنِ مِن عثمانَ، وهو على المِنبَرِ يَأْمُرُ (١) بقتلِ الكلابِ وذبْحِ الحمامِ (٢)، ورواياتُه عنه غيرَ ذلك مُرسلةٌ. قالَ أحمدُ: أبانُ بنُ عثمانَ لم يَسمَعْ مِن أبيه، مِن أين سَمِعَ منه؟! ومُرادُه: مِن (٣) أين صَحَّتِ الرِّوايةُ بسَماعه منه، وإلَّا فإمكانُ ذلك واحتمالُه غيرُ مُستَبْعَدٍ. فدَلَّ كلامُ الإمامِ أحمدَ وغيرِه على أنَّ الاتِّصالَ لا يَثْبُتُ إلَّا بثبوتِ التَّصريحِ بالسَّماعِ، وهذا أضيقُ مِن قولِ ابنِ المَدينيِّ، والبخاريِّ، فإنَّ المَحكِيَّ عنهما أنَّه يُعتبَرُ أحدُ أمرينِ: إمَّا السَّماعُ، وإمَّا اللُّقِيُّ. وأحمدُ ومَن مَعَه (٤) عندَهم لا بدَّ مِن ثُبُوتِ السَّماعِ، ويَدُلُّ على أنَّ هذا مُرادُهم أنَّ أحمدَ قال: ابنُ سيرينَ لم يَجِئْ عنه سماعٌ مِن ابنِ عبَّاسٍ. وقالَ أبو حاتمٍ (٥): الزُّهرِيُّ أَدرَكَ أبانَ بنَ عثمانَ ومَن هو أكبَرُ منه، ولكنْ لا يَثْبُتُ له السَّماعُ، كما أنَّ حَبيبَ بنَ أبي (٦) ثابتٍ لا يَثْبُتُ له السَّماعُ مِن عُروةَ، وقد سَمِعَ ممَّن هو أكبَرُ منه، غيرَ أنَّ أهلَ هذا الحديثِ قدِ اتَّفَقُوا على ذلك، واتِّفاقُهم على شيءٍ يَكُونُ حُجَّةً. انتهى مِن «شرحِ الأصل» (٧) مُلَخَّصًا.

стр. 378

(وَلَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ خَبَرِ) الثِّقَةِ: (ألَّا يُنْكَرَ) فلو رَوَى الثِّقةُ حديثًا، وأَنْكَرَه غيرُه: لم يُرَدَّ عندَنا، وأَوْمَأَ إليه الإمامُ أحمدُ. قالَ ابنُ عَقِيلٍ: جوابُ من قال: «رَدَّه السَّلَفُ» أنَّ الثِّقَةَ لا يُرَدُّ حديثُه بإنكارِ غيرِه؛ لأنَّ معَه زيادةً (١).

стр. 379

(فَصْلٌ) في ذِكْرِ بيانِ الصَّحابيِّ، وما الطَّريقُ في معرفةِ كونِه صحابيًّا وقد اختُلِفَ في تفسيرِه على أقوالٍ مُنتشرةٍ، المُختارُ منها ما ذَهَبَ إليه الإمامُ أحمدُ وأصحابُه وغيرُهم، وهو قولُه: (الصَّحَابِيُّ: مَنْ لَقِيَهُ ﷺ مِن صغيرٍ، أو كبيرٍ، ذكرٍ أو أُنثى. فدَخَلَ: مَن جِيءَ به إلى النَّبيِّ ﷺ وهو غيرُ مُميِّزٍ، فحَنَّكَه النَّبِيُّ ﷺ ، كعبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نَوْفَلٍ (١)، أو تَفَلَ في فيه كمحمودِ بنِ الرَّبيعِ، بل مَجَّه بالماءِ، كما في البُخاريِّ (٢) وهو ابنُ خمسِ سِنينَ، أو أربعٍ، أو مَسَحَ وجهَه (٣) كعَبدِ اللهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيرٍ، بالصَّادِ وفتحِ العينِ المُهمَلَتينِ، (٤) ونحوِ ذلك، فهؤلاءِ صحابةٌ (٥). وقولُه: (أَوْ رَآهُ يَقَظَةً) احتِرازٌ ممَّن رَآهُ مَنامًا، فإنَّه لا يُسَمَّى صحابيًّا إجماعًا. وقولُه: (حَيًّا) احتِرازٌ ممَّن رآه بعدَ مَوْتِه، كأبي ذُؤَيْبٍ الشَّاعرِ خالدِ بنِ خُوَيْلِدٍ الهُذَلِيِّ؛ لأنَّه لَمَّا أَسْلَمَ وأُخبِرَ بمرضِ النَّبِيِّ ﷺ سافَرَ ليَراه، فوَجَدَه مَيِّتًا مُسَجًّى، فحَضَرَ الصَّلَاةَ عليه والدَّفنَ، فلم يُعَدَّ صحابيًّا.

стр. 380

وقالَ البُلْقِينِيُّ: الظَّاهرُ أنَّه يُعَدُّ صحابيًّا، ولكنَّ مُرادَهم كلِّهم؛ أي: مَن عَدَّه صحابيًّا، الصُّحبَةُ الحُكْمِيَّةُ لا حقيقةُ الصُّحبةِ. ذَكَرَه في «شرحِ الأصلِ» (١). وقولُه: (مُسْلِمًا) ليَخرُجَ: مَن رآه وهو كافرٌ، ثمَّ أَسْلَمَ بعدَ موتِه، ويَخرُجَ أيضًا: مَن رآه واجتمعَ به قبلَ النُّبُوَّةِ ولم يَرَه بعدَ ذلك، كما في زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ، فإنَّه ماتَ قبلَ المَبعثِ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ» كما (٢) رَوَاه النَّسائيُّ (٣). وقولُه: (وَلَوِ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَلَمْ يَرَهُ) أي: بعدَ إسلامِه، (وَمَاتَ مُسْلِمًا) له مفهومٌ، ومنطوقٌ: فمَفهومُه: أنَّه إذا ارتدَّ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أو بعدَ مَوْتِه، وقُتِلَ على الرِّدَّةِ، كابنِ خَطَلٍ وغيرِه؛ فإنَّه لا يُعَدُّ مِن الصَّحابةِ قطعًا. ومَنطوقُه: لوِ ارتَدَّ، ثمَّ رَجَعَ إلى الإسلامِ، كالأَشعثِ بنِ قيسٍ، فقد تَبَيَّنَ أنَّه لم يَزَلْ مُؤمِنًا، فإنْ كانَ قد رآه مُؤمنًا، ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ رآه ثانيًا مُؤمنًا: فأَوْلَى وأوضَحُ أنْ يَكُونَ صحابيًّا، فإنَّ الصُّحبةَ قد صَحَّتْ بالاجتماعِ الثَّاني قطعًا. وخَرَجَ: مَنِ اجتمعَ به قبلَ النُّبُوَّةِ، ثمَّ أَسلمَ بعدَ المَبْعَثِ ولم يَلْقَه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لا يَكُونُ صحابيًّا بذلك الاجتماعِ؛ لأنَّه لا يَكُونُ حينئذٍ مؤمنًا، كما رَوَاه أبو داودَ عن (٤) عبدِ اللهِ بنِ أبي الحَمْسَاءِ (٥) قال: بايَعْتُ النَّبيَّ ﷺ

стр. 381

قبلَ أنْ يُبْعَثَ، فوَعَدْتُه أنْ آتِيَه في مكانِه، فقال: يا فتى! لقد شَقَقْتَ عليَّ، أنا في انتظارِك منذُ ثلاثٍ (١). ثمَّ لم يُنقَلْ أنَّه اجتمعَ به بعدَ المبعثِ. تنبيهٌ: قولُه: «مَنْ لَقِيَهُ» يَعُمُّ البصيرَ، والأعمى، فهو أحسنُ مِن قولِ مَن رَآه. (قَالَ) القاضي علاءُ الدِّينِ المَرْدَاوِيُّ (فِي الأَصْلِ) الَّذِي هو «التَّحريرُ»: (وَلَوْ جِنِّيًّا فِي الأَظْهَرِ) (٢) لاختلافِ العلماءِ في الجنِّ الَّذين قَدِمُوا على النَّبِيِّ ﷺ مِن نَصِيبِينَ، وهم ثمانيةٌ مِن اليهودِ، أو سبعةٌ، ولهذا قال تعالى: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ (٣)، وذَكَرَ في أسمائِهم شاصَ، وماصَ، وناشي، ومنشي، والأحقبَ، وزوبعةَ، وسُرَّقَ، وعمرَو بنَ جابِرٍ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: والأَوْلَى أنَّهم مِن الصَّحابةِ، وأنَّهم لَقُوُا النَّبِيَّ ﷺ ، وآمَنوا به، وأَسْلَموا، وذَهَبوا إلى قومِهم مُنْذِرِين (٤). تنبيهٌ: قال بعضُ العلماءِ: خَرَجَ مِن الصَّحابةِ: مَن رآهم النَّبيُّ ﷺ حينَ كُشِفَ له عنهم ليلةَ الإسراءِ، أو غيرِها، ومَن رَآه في غيرِ عالَمِ الشَّهادةِ كالمنامِ، وكذا مَنِ اجتمعَ به من الأنبياءِ، والملائكةِ في السَّمواتِ؛ لأنَّ مَقامَهم أجلُّ مِن رتبةِ الصُّحبةِ، وكذا مَنِ اجتمعَ به في الأرضِ: كعيسى، والخَضِرِ

стр. 382

عليهما مِن اللهِ الصَّلَاةُ والسَّلامُ، إن صَحَّ، فإنَّ المُرادَ اللِّقاءُ المعروفُ على الوجهِ المُعتادِ، لا خوارقُ العاداتِ، واللهُ أعلمُ. (وَالصَّحَابَةُ) جميعُهم (عُدُولٌ) بتعديلِ اللهِ تعالى لهم عندَ أصحابِنا والمُعْظَمِ، ولا يُعتَدُّ بخلافِ مَن خالَفَهم. قال اللهُ تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١)، وقالَ تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢) الآيةَ. وقد تَوَاتَرَ امْتِثالُهم للأوامرِ والنَّواهي. وقالَ ﷺ : «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقالَ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي، وَاخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا» (٤)، «لَا تُؤْذُونِي فِي أَصْحَابِي» (٥). فأيُّ تعديلٍ أصحُّ مِن تعديلِ عَلَّامِ الغيوبِ وتعديلِ رسولِه ﷺ . وإذا كانَ التَّعديلُ يَثْبُتُ بقولِ اثنينِ مِن النَّاسِ، قُلْتُ: بل يَثْبُتُ بواحدٍ في الرِّوايةِ كما تَقَدَّمَ، فكيف لا تَثْبُتُ العَدالةُ بهذا الثَّناءِ العظيمِ مِن اللهِ تعالى ورسولِه ﷺ .

стр. 383

(وَالمُرَادُ) أي: مرادُ العلماءِ بتعديلِ الصَّحابةِ ﵃: (مَنْ) جُهِلَ حالُه منهم فـ (لَمْ يُعْرَفْ بِقَدْحٍ) وليسَ المُرادُ بكونِهم عدولًا: العِصمةَ لهم واستحالةَ المعصيةِ عليهم، وإنَّما المُرادُ: ألَّا يُتَكَلَّفَ البحثُ عن عدالتِهم، ولا طَلَبُ التَّزكيةِ فيهم، وأمَّا ما وَقَعَ بينَهم رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم، فمَحمولٌ على الاجتهادِ، ولا قَدْحَ على مجتهدٍ عندَ المُصَوِّبةِ وغيرِهم، وهذا مُتَأَوِّلٌ. ومِن الفوائدِ ما قالَه الحافظُ المِزِّيُّ: أنَّه لم يُوجَدْ قطُّ روايةٌ عمَّن لُمِزَ بالنِّفاقِ مِن الصَّحابةِ ﵃ (١). ومِن فوائدِ القولِ بعدالتِهم مطلقًا: إذا قِيلَ: عن رجلٍ مِن الصَّحابةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: كذا؛ كانَ ذلك كتَصريحِه باسمِه؛ لاستواءِ الكلِّ في العدالةِ. (وَتَابِعِيٌّ مَعَ صَحَابِيٍّ كَهُوَ) أي: كالصَّحابيِّ (مَعَهُ ﷺ قياسًا على الصَّحابةِ، واشْتَرَطَ جماعةٌ في التَّابعيِّ الصُّحبةَ، فلا يُكتَفَى بمُجرَّدِ الرِّوايةِ ولا اللُّقِيِّ، بخلافِ الصَّحابةِ، فإنَّ لهم مَزِيَّةً على سائرِ النَّاسِ، وشرفًا برُؤيتِه ﷺ . (وَلَا يُعْتَبَرُ: عِلْمٌ بِثُبُوتِ الصُّحْبَةِ) عندَ الأربعةِ وغيرِهم، وطريقُ معرفةِ الصَّحابةِ: تارةً تَكُونُ ظاهرةً، وتارةً تَكُونُ خَفِيَّةً. فالظَّاهرةُ معلومةٌ: فمِنها التَّواتُرُ، ومنها الاستفاضةُ بكونِه صحابيًّا، أو بكونِه مِن المُهاجرينَ، أو مِن الأنصارِ، وقولُ الصَّحابيِّ ثابتِ الصُّحبةِ: هذا

стр. 384

صحابيٌّ، أو ذِكْرُ ما يَلْزَمُ مِنه أنْ يَكُونَ صحابيًّا، نحوُ: كُنْتُ أنا وفلانٌ عندَ النَّبِيِّ ﷺ ، أو: دَخَلْنا عليه، ونحوِه، لكنْ بشرطِ أنْ يُعرَفَ إسلامُه في تلك الحالِ، واستمرارُه عليه. وأمَّا الخَفيَّةُ (فَـ) كما (لَوْ قَالَ مُعِاصِرٌ) للنَّبيِّ ﷺ أنَّه صحابيٌّ، فلو قال وهو (عَدْلٌ: «أَنَا صَحَابِيٌّ»؛ قُبِلَ) عندَ أصحابِنا والجمهورِ. و (لَا) يُقبَلُ في الأصحِّ، لو قال (تَابِعِيٌّ عَدْلٌ: فُلَانٌ صَحَابِيٌّ) في ظاهرِ كلامِهم؛ لأنَّهم خَصُّوا ذلك بالصَّحابيِّ. (وَ) لو قال: (أَنَا تَابِعِيٌّ) أَدرَكْتُ الصَّحابةَ، (قَالَ فِي «الأَصْلِ») أي: «التَّحريرِ»: (فَالظَّاهِرُ) أنَّه (كَصَحَابِيٍّ (١) في قولِه: أنا صحابيٌّ؛ لأنَّه ثقةٌ مقبولُ القولِ، فقُبِلَ كالصَّحابيِّ.

стр. 385

(فَصْلٌ) في مُستَنَدِ الصَّحابيِّ المُختَلِفِ اعلَمْ أنَّ مُستَنَدَ الصَّحابيِّ عنِ النَّبيِّ ﷺ نوعانِ: أحدُهما: لا خلافَ فيه؛ إذْ هو صريحٌ في ذلك لا يَحتمِلُ شيئًا، وهو قولُه: (أَعْلَى مُسْتَنَدِ صَحَابِيٍّ) قولُه: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ، أو يَفعَلُ كذا، أو: (حَدَّثَنِي) رسولُ اللهِ ﷺ بكذا، وأَخبَرَني بكذا، (وَ) كذا (رَأَيْتُهُ) يَقولُ، أو (يَفْعَلُ) كذا، (وَنَحْوُهُمَا) كـ: شَافَهْتُه، أو: حَضَرْتُه يَقولُ، أو يَفعَلُ كذا، وهذا أرفعُ الدَّرجاتِ؛ لكونِه يَدُلُّ على عدمِ الواسطةِ بينَهما قطعًا. النَّوعُ الثَّاني: ما هو مُختَلَفٌ فيه لكونِه غيرَ صريحٍ، بل مُحتملَ الواسطةِ (وَ) الصَّحيحُ أنَّه (يُحْمَلُ) على الاتِّصالِ قولُ الصَّحابيِّ: (قَالَ) رسولُ اللهِ ﷺ كذا، (وَفَعَلَ) ﷺ كذا (وَنَحْوُهُمَا) كـ: أَقَرَّ ﷺ على كذا، وأنَّه لا واسطةَ بينَهما، (وَ) كذا قولُ الصَّحابيِّ: أقولُ ذلك (عَنْهُ) ﷺ ، (وَأَنَّهُ) ﷺ قال أو فَعَلَ كذا، فيُحمَلُ ذلك كلُّه (عَلَى الِاتِّصَالِ) ويَكُونُ ذلك حُكمًا شَرعيًّا يَجِبُ العملُ به؛ لأنَّه الظَّاهرُ مِن حالِ الصَّحابيِّ القائلِ ذلك. (وَ) قولُ الصَّحابِيِّ: (أَمَرَ) الرَّسولُ ﷺ بكذا، (وَنَهَى) عن كذا، (وَأَمَرَنَا) ﷺ بكذا، (وَنَهَانَا) عن كذا، فحُكْمُه حُكْمُ: قال النَّبيُّ ﷺ ، لكنْ في الدَّلالةِ دونَ ذلك؛ لاحتمالِ الواسطةِ واعتقادِ ما ليسَ بأمرٍ ولا نهيٍ أمرًا أو نهيًا، لكنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يُصَرِّحْ بنقلِ الأمرِ إلَّا بعدَ جَزمِه بوجودِ حقيقتِه. ومعرفةُ الأمرِ مستفادةٌ مِن اللُّغةِ وهم أهلُها، فلا يَخفَى

стр. 386

عليهم. ثمَّ إنَّهم لم يَكُنْ بينَهم في صيغةِ الأمرِ ونحوِها خلافٌ، وخلافُنا فيه لا يَستلْزِمُه، فعلى هذا يَكُونُ حُجَّةً، ورَجَعَتْ إليه الصَّحابةُ وهو الصَّحيحُ. وقولُ الصَّحابيِّ: أُبِيحَ لنا كذا، (وأُمِرْنَا) بكذا، (وَنُهِينَا) عن كذا، (وَرُخِّصَ لَنا) في كذا، (وَحُرِّمَ) بالبناءِ للمفعولِ فيهنَّ (عَلَيْنَا) كذا: حُجَّةٌ عندَ الأكثرِ، ونُقِلَ عن أهلِ الحديثِ؛ إذْ مرادُ الصَّحابيِّ الاحتجاجُ به، فيُحمَلُ على صُدورِه ممَّن يُحتَجُّ بقولِه، وهو الرَّسولُ ﷺ ، هو الَّذِي أباحَ لهم، وأَمَرَهم ونَهَاهم، ورَخَّصَ لهم، وحَرَّمَ عليهم تبليغًا عنِ اللهِ تعالى، وإنْ كانَ يُحتَمَلُ أنَّه مِن بعضِ الخلفاءِ، لكنَّه بعيدٌ، فإنَّ المُشَرِّعَ لذلك هو صاحبُ الشَّرعِ. (وَ) مِثْلُه قولُه: (مِنَ السُّنَّةِ) كذا على الصَّحيحِ. وقد يَكُونُ قولُه (١): مِن السُّنَّةِ مُسْتَحَبًّا، كقولِ عليٍّ ﵁: مِن السُّنَّةِ وَضْعُ الكفِّ على الكفِّ في الصَّلَاةِ تحتَ السُّرَّةِ (٢). وقد يَكُونُ واجبًا كقولِ أنسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إذا تَزَوَّجَ البِكْرُ على الثَّيِّبِ أقامَ عندَها سَبْعًا (٣). فليسَ في الصِّيغةِ تَعيينُ حُكْمٍ مِن (٤) وجوبٍ أو غيرِه. (وَ) قَوْلُ الصَّحابيِّ: (كُنَّا نَفْعَلُ) كذا، أو نَقُولُ، أو نَرَى كذا على عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ : كلُّ ذلك حُجَّةٌ؛ لأنَّه في مَعرضِ (٥) الحُجِّيَّةِ، فالظَّاهرُ بُلُوغُه وتقريرُه.

стр. 387

فَائِدَتَانِ: الأُولى: قولُ الصَّحابيِّ: «كُنَّا نَفعَلُ» لم يَذْكُرِ الأُصوليُّونَ وغيرُهم أنَّه حُجَّةٌ لتقريرِ اللهِ تعالى، وذَكَرَه الشَّيخُ مُحتجًّا بقولِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄: كُنَّا نَعزِلُ والقرآنُ يَنزِلُ، ولو كانَ شيءٌ يُنهى عنه، لَنَهانا عنه القرآنُ، مُتَّفَقٌ عليه (١). وهو ظاهرُ الأدِلَّةِ. الثَّانيةُ: لو قال الصَّحابيُّ: «نَزَلَتْ هذه الآيةُ في كذا»، هل هو مِن بابِ الرِّوايةِ، أو الاجتهادِ؟ وطريقةُ البخاريِّ في «صحيحِه» تَقتضي أنَّه مِن بابِ المرفوعِ، ولم يَذكُرْ أحمدُ في «المسندُ» مِثْلَ هذا. (وَ) قولُ الصَّحابيِّ: (كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ) كقولِه: كانَ الأمرُ على ذلك في زَمَنِه ﷺ : (حُجَّةٌ) عندَ الأكثرِ، لقولِ عائشةَ ﵂: كانُوا لا يَقطَعُون في الشَّيْءِ التَّافهِ (٢). (وَقَوْلُ غَيْرِ صَحَابِيٍّ (٣) مِن تابعيٍّ وغيرِه إذا رَوَى حديثًا (عَنْهُ) أي: عنِ الصَّحابيِّ (يَرْفَعُهُ) إلى النَّبِيِّ ﷺ ، كمرفوعٍ صريحًا، كقولِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: الشِّفاءُ في ثلاثٍ: شربةُ عَسَلٍ، وشَرْطَةُ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةٌ بنارٍ. ثمَّ قال: رُفِعَ الحديثُ. رَوَاه البخاريُّ (٤). (أَوْ) قال غيرُ الصَّحابيِّ حديثًا عنِ الصَّحابيِّ (يَنْمِيهِ) إلى النَّبِيِّ ﷺ ، كروايةِ مالكٍ، عن أبي حازمٍ، عن سَهلِ بنِ سعدٍ: كانَ النَّاسُ يُؤمَرُونَ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَه اليُمنَى على ذِراعِه اليُسرَى في الصَّلَاةِ (٥).

стр. 388

قال أبو حازمٍ: لا أَعلَمُ إلَّا أنَّه يَنْمِي ذلك. قال مالكٌ: يَرْفَعُ ذلك. هذا لفظُ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ، ورَوَاه البخاريُّ (١) مِن طريقِ القَعْنَبِيِّ عن مالكٍ، فقال: يَنْمِي ذلك إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فصَرَّحَ برَفْعِه. (أَو) قال غيرُ الصَّحابيِّ حديثًا عن الصَّحابيِّ (يَبْلُغُ بِهِ) النَّبِيَّ ﷺ ، كحديثِ أبي الزِّنادِ، عنِ الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ به قال: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ» (٢)، وغيرُه كثيرٌ. (أَوْ) قال (رِوَايَةً) عنِ النَّبِيِّ ﷺ كما في الصَّحيحينِ عن أبي هُرَيْرَةَ روايةً: «تُقَاتِلُونَ قَوْمًا» (٣) الحديثَ، كلُّ ذلك حُكْمُه: (كَمَرْفُوعٍ صَرِيحًا) عندَ أهلِ العِلمِ. (وَ) قَوْلُ (تَابِعِيٍّ: أُمِرْنَا) بكذا، (وَنُهِينَا) عن كذا، كقولِ صحابيٍّ ذلك عندَ أصحابِنا، (وَ) كذا قولُه: (مِنَ السُّنَّةِ) كذا، وأَوْمَأَ إليه أحمدُ. قالَ الطُّوفِيُّ (٤): وقولُ التَّابعيِّ والصَّحابيِّ في حياةِ رسولِ اللهِ ﷺ وبعدَ مماتِه سواءٌ (٥)، إلَّا أنَّ الحُجَّةَ في قولِ الصَّحابيِّ أظهرُ (٦).

стр. 389

(وَ) قولُ تابعيٍّ: (كَانُوا يَفْعَلُونَ) كذا (كَـ) قولِ (صَحَابِيٍّ) ذلك (حُجَّةٌ) أي: في الاحتجاجِ به، لا في الاتِّصالِ، فهو كالمُرسَلِ. وقالَ الشَّيخُ: ليسَ بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد يَعني مَن أَدرَكَه، كقولِ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ: كانوا يَفعلون، يُريدُ به أصحابَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ. فَائِدَةٌ: مُسْتَنَدُ غيرِ الصَّحابيِّ في الرِّوايةِ له مَرَاتِبُ، وإنْ كانَ بعضُها يَكُونُ في الصَّحابيِّ مِثْلُه كعَكْسِه، وهو أنَّ ألفاظَ الصَّحابيِّ قد يَكُونُ منها ما هو في غيرِ الصَّحابيِّ، لكنَّ الضَّرورةَ داعيةٌ إلى بيانِ (١) مُستنَدِ غيرِ الصَّحابيِّ والاصطلاحِ في ذلك، ولو كانَ الحُكْمُ فيها سواءً، فلهذا قال: (وَأَعْلَى مُسْتَنَدِ غَيْرِ صَحَابِيٍّ: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ) والرَّاوي عنه يَسمَعُ، سواءٌ كانَ إملاءً أو تحديثًا مِن حِفظِه، أو مِن كتابِه. (فَإِنْ قَصَدَ) الشَّيخُ بقراءتِه على الرَّاوي (إِسْمَاعَهُ وَحْدَهُ، أَوْ) قَصَدَ إسماعَه (وَ) إسماعَ (غَيْرِهِ، قَالَ) الرَّاوي: (أَسْمَعَنَا، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) وقالَ فلانٌ، وسَمِعْتُ فلانًا يَقُولُ. (وَقَلَّ) عندَهم قولُ الرِّاوي في مِثلِ هذا: (أَنْبَأَنَا، وَنَبَّأَنَا) فلانٌ؛ لأنَّ استعمالَهما اشتهرَ في الإجازةِ. (وَهِيَ) أي: هذه العبارةُ (رُتْبَةً) أي: في الرُّتبةِ (كَمَا ذُكِرتْ) يَعني أَرْفَعُها: سَمِعْتُ، فحَدَّثَنا، وحَدَّثَني؛ إذْ في ذلك احتِرازٌ مِن الإجازةِ، فأَخْبَرَنا، وهو كثيرٌ في الاستعمالِ، فأَنْبَأَنَا، ونَبَّأَنَا، وهو قليلٌ في الاستعمالِ. (وَلَهُ) أي: للرَّاوي إذا سَمِعَ مع غيرِه (إِفْرَادُ الضَّمِيرِ) فيَقُولُ: سَمِعْتُ،

стр. 390

حَتَّى (وَ) لو سَمِعَ (مَعَهُ غَيْرُهُ) على الصَّحيحِ، (وَ) كذا يَجُوزُ للرَّاوي (جَمْعُهُ) أي: الضَّميرِ إذا سَمِعَ وَحدَه، فيَقُولُ: حَدَّثَنَا ولو كانَ (مُنْفَرِدًا) بالتَّحديثِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: ولم أرَ فيه خِلافًا (١). (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَقصِدِ الشَّيخُ الإسماعَ (قَالَ) الرَّاوي عنه: (سَمِعْتُـ) ـه (وَحَدَّثَ، وَأَخْبَرَ، وَأَنْبَأَ، وَنَبَّأَ). (ثُمَّ) المرتبةُ الثَّانيةُ: (قِرَاءَتُهُ) أي: قراءةُ الرَّاوي على الشَّيخِ وهو يَسمَعُ هذا الصَّحيحَ عندَ أكثرِ العُلَمَاءِ؛ لأنَّ تجويزَ الخطأِ والنِّسيانِ في هذه الصُّورةِ أقربُ مِن تَجويزِه في صورةِ قراءةِ الشَّيخِ والرَّاوي عنه يَسْمَعُ. (أَوْ) أي: والمرتبةُ الثَّالثةُ: قراءةُ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الرَّاوي، وهو أنْ يَقْرَأَ أحدٌ (عَلَى الشَّيْخِ) وغيرُ القارئِ يَسمَعُ، ويُسَمَّى هذا عَرْضًا، كالَّذي قَبْلَه وإنْ كانَ أنزلَ، وفي الرِّوايةِ به خلافٌ، والَّذي عليه أكثرُ أهلِ العِلمِ أنَّه صحيحٌ، وعليه العملُ. (وَيَقُولُ) الرَّاوي (فِيهِمَا) أي: في قراءتِه على الشَّيخِ، وفي سماعِه منه بقراءةِ غيرِه: (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فلانٌ (قِرَاءَةً عَلَيْهِ) بلا نزاعٍ؛ لأنَّه الأصلُ. (وَيَجُوزُ الإِطْلَاقُ (٢) فيَقُولُ: حَدَّثَنا، وأَخْبَرَنا، مِن غيرِ ذكرِ قراءةٍ عليه، عندَ الإمامِ أحمدَ وأبي حنيفةَ ومالكٍ وغيرِهم؛ لأنَّه مَعناه. (وَسُكُوتُ الشَّيْخِ عِنْدَ قِرَاءَةِ) الرَّاوي (عَلَيْهِ بِلَا مُوجِبٍ) يَعني إنْ عُدِمَ إنكارُه ولا حاملَ له على ذلك مِن إكراهٍ، أو نومٍ، أو غفلةٍ، أو نحوِ ذلك
следующие страницы →