← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عليهم. ثمَّ إنَّهم لم يَكُنْ بينَهم في صيغةِ الأمرِ ونحوِها خلافٌ، وخلافُنا فيه لا يَستلْزِمُه، فعلى هذا يَكُونُ حُجَّةً، ورَجَعَتْ إليه الصَّحابةُ وهو الصَّحيحُ. وقولُ الصَّحابيِّ: أُبِيحَ لنا كذا، (وأُمِرْنَا) بكذا، (وَنُهِينَا) عن كذا، (وَرُخِّصَ لَنا) في كذا، (وَحُرِّمَ) بالبناءِ للمفعولِ فيهنَّ (عَلَيْنَا) كذا: حُجَّةٌ عندَ الأكثرِ، ونُقِلَ عن أهلِ الحديثِ؛ إذْ مرادُ الصَّحابيِّ الاحتجاجُ به، فيُحمَلُ على صُدورِه ممَّن يُحتَجُّ بقولِه، وهو الرَّسولُ ﷺ ، هو الَّذِي أباحَ لهم، وأَمَرَهم ونَهَاهم، ورَخَّصَ لهم، وحَرَّمَ عليهم تبليغًا عنِ اللهِ تعالى، وإنْ كانَ يُحتَمَلُ أنَّه مِن بعضِ الخلفاءِ، لكنَّه بعيدٌ، فإنَّ المُشَرِّعَ لذلك هو صاحبُ الشَّرعِ. (وَ) مِثْلُه قولُه: (مِنَ السُّنَّةِ) كذا على الصَّحيحِ. وقد يَكُونُ قولُه (١): مِن السُّنَّةِ مُسْتَحَبًّا، كقولِ عليٍّ ﵁: مِن السُّنَّةِ وَضْعُ الكفِّ على الكفِّ في الصَّلَاةِ تحتَ السُّرَّةِ (٢). وقد يَكُونُ واجبًا كقولِ أنسٍ: مِنَ السُّنَّةِ إذا تَزَوَّجَ البِكْرُ على الثَّيِّبِ أقامَ عندَها سَبْعًا (٣). فليسَ في الصِّيغةِ تَعيينُ حُكْمٍ مِن (٤) وجوبٍ أو غيرِه. (وَ) قَوْلُ الصَّحابيِّ: (كُنَّا نَفْعَلُ) كذا، أو نَقُولُ، أو نَرَى كذا على عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ : كلُّ ذلك حُجَّةٌ؛ لأنَّه في مَعرضِ (٥) الحُجِّيَّةِ، فالظَّاهرُ بُلُوغُه وتقريرُه.

стр. 387

فَائِدَتَانِ: الأُولى: قولُ الصَّحابيِّ: «كُنَّا نَفعَلُ» لم يَذْكُرِ الأُصوليُّونَ وغيرُهم أنَّه حُجَّةٌ لتقريرِ اللهِ تعالى، وذَكَرَه الشَّيخُ مُحتجًّا بقولِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄: كُنَّا نَعزِلُ والقرآنُ يَنزِلُ، ولو كانَ شيءٌ يُنهى عنه، لَنَهانا عنه القرآنُ، مُتَّفَقٌ عليه (١). وهو ظاهرُ الأدِلَّةِ. الثَّانيةُ: لو قال الصَّحابيُّ: «نَزَلَتْ هذه الآيةُ في كذا»، هل هو مِن بابِ الرِّوايةِ، أو الاجتهادِ؟ وطريقةُ البخاريِّ في «صحيحِه» تَقتضي أنَّه مِن بابِ المرفوعِ، ولم يَذكُرْ أحمدُ في «المسندُ» مِثْلَ هذا. (وَ) قولُ الصَّحابيِّ: (كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا عَلَى عَهْدِهِ ﷺ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ) كقولِه: كانَ الأمرُ على ذلك في زَمَنِه ﷺ : (حُجَّةٌ) عندَ الأكثرِ، لقولِ عائشةَ ﵂: كانُوا لا يَقطَعُون في الشَّيْءِ التَّافهِ (٢). (وَقَوْلُ غَيْرِ صَحَابِيٍّ (٣) مِن تابعيٍّ وغيرِه إذا رَوَى حديثًا (عَنْهُ) أي: عنِ الصَّحابيِّ (يَرْفَعُهُ) إلى النَّبِيِّ ﷺ ، كمرفوعٍ صريحًا، كقولِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: الشِّفاءُ في ثلاثٍ: شربةُ عَسَلٍ، وشَرْطَةُ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةٌ بنارٍ. ثمَّ قال: رُفِعَ الحديثُ. رَوَاه البخاريُّ (٤). (أَوْ) قال غيرُ الصَّحابيِّ حديثًا عنِ الصَّحابيِّ (يَنْمِيهِ) إلى النَّبِيِّ ﷺ ، كروايةِ مالكٍ، عن أبي حازمٍ، عن سَهلِ بنِ سعدٍ: كانَ النَّاسُ يُؤمَرُونَ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَه اليُمنَى على ذِراعِه اليُسرَى في الصَّلَاةِ (٥).

стр. 388

قال أبو حازمٍ: لا أَعلَمُ إلَّا أنَّه يَنْمِي ذلك. قال مالكٌ: يَرْفَعُ ذلك. هذا لفظُ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ يوسفَ، ورَوَاه البخاريُّ (١) مِن طريقِ القَعْنَبِيِّ عن مالكٍ، فقال: يَنْمِي ذلك إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فصَرَّحَ برَفْعِه. (أَو) قال غيرُ الصَّحابيِّ حديثًا عن الصَّحابيِّ (يَبْلُغُ بِهِ) النَّبِيَّ ﷺ ، كحديثِ أبي الزِّنادِ، عنِ الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ به قال: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ» (٢)، وغيرُه كثيرٌ. (أَوْ) قال (رِوَايَةً) عنِ النَّبِيِّ ﷺ كما في الصَّحيحينِ عن أبي هُرَيْرَةَ روايةً: «تُقَاتِلُونَ قَوْمًا» (٣) الحديثَ، كلُّ ذلك حُكْمُه: (كَمَرْفُوعٍ صَرِيحًا) عندَ أهلِ العِلمِ. (وَ) قَوْلُ (تَابِعِيٍّ: أُمِرْنَا) بكذا، (وَنُهِينَا) عن كذا، كقولِ صحابيٍّ ذلك عندَ أصحابِنا، (وَ) كذا قولُه: (مِنَ السُّنَّةِ) كذا، وأَوْمَأَ إليه أحمدُ. قالَ الطُّوفِيُّ (٤): وقولُ التَّابعيِّ والصَّحابيِّ في حياةِ رسولِ اللهِ ﷺ وبعدَ مماتِه سواءٌ (٥)، إلَّا أنَّ الحُجَّةَ في قولِ الصَّحابيِّ أظهرُ (٦).

стр. 389

(وَ) قولُ تابعيٍّ: (كَانُوا يَفْعَلُونَ) كذا (كَـ) قولِ (صَحَابِيٍّ) ذلك (حُجَّةٌ) أي: في الاحتجاجِ به، لا في الاتِّصالِ، فهو كالمُرسَلِ. وقالَ الشَّيخُ: ليسَ بحُجَّةٍ؛ لأنَّه قد يَعني مَن أَدرَكَه، كقولِ إبراهيمَ النَّخَعِيِّ: كانوا يَفعلون، يُريدُ به أصحابَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ. فَائِدَةٌ: مُسْتَنَدُ غيرِ الصَّحابيِّ في الرِّوايةِ له مَرَاتِبُ، وإنْ كانَ بعضُها يَكُونُ في الصَّحابيِّ مِثْلُه كعَكْسِه، وهو أنَّ ألفاظَ الصَّحابيِّ قد يَكُونُ منها ما هو في غيرِ الصَّحابيِّ، لكنَّ الضَّرورةَ داعيةٌ إلى بيانِ (١) مُستنَدِ غيرِ الصَّحابيِّ والاصطلاحِ في ذلك، ولو كانَ الحُكْمُ فيها سواءً، فلهذا قال: (وَأَعْلَى مُسْتَنَدِ غَيْرِ صَحَابِيٍّ: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ) والرَّاوي عنه يَسمَعُ، سواءٌ كانَ إملاءً أو تحديثًا مِن حِفظِه، أو مِن كتابِه. (فَإِنْ قَصَدَ) الشَّيخُ بقراءتِه على الرَّاوي (إِسْمَاعَهُ وَحْدَهُ، أَوْ) قَصَدَ إسماعَه (وَ) إسماعَ (غَيْرِهِ، قَالَ) الرَّاوي: (أَسْمَعَنَا، وَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) وقالَ فلانٌ، وسَمِعْتُ فلانًا يَقُولُ. (وَقَلَّ) عندَهم قولُ الرِّاوي في مِثلِ هذا: (أَنْبَأَنَا، وَنَبَّأَنَا) فلانٌ؛ لأنَّ استعمالَهما اشتهرَ في الإجازةِ. (وَهِيَ) أي: هذه العبارةُ (رُتْبَةً) أي: في الرُّتبةِ (كَمَا ذُكِرتْ) يَعني أَرْفَعُها: سَمِعْتُ، فحَدَّثَنا، وحَدَّثَني؛ إذْ في ذلك احتِرازٌ مِن الإجازةِ، فأَخْبَرَنا، وهو كثيرٌ في الاستعمالِ، فأَنْبَأَنَا، ونَبَّأَنَا، وهو قليلٌ في الاستعمالِ. (وَلَهُ) أي: للرَّاوي إذا سَمِعَ مع غيرِه (إِفْرَادُ الضَّمِيرِ) فيَقُولُ: سَمِعْتُ،

стр. 390

حَتَّى (وَ) لو سَمِعَ (مَعَهُ غَيْرُهُ) على الصَّحيحِ، (وَ) كذا يَجُوزُ للرَّاوي (جَمْعُهُ) أي: الضَّميرِ إذا سَمِعَ وَحدَه، فيَقُولُ: حَدَّثَنَا ولو كانَ (مُنْفَرِدًا) بالتَّحديثِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: ولم أرَ فيه خِلافًا (١). (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَقصِدِ الشَّيخُ الإسماعَ (قَالَ) الرَّاوي عنه: (سَمِعْتُـ) ـه (وَحَدَّثَ، وَأَخْبَرَ، وَأَنْبَأَ، وَنَبَّأَ). (ثُمَّ) المرتبةُ الثَّانيةُ: (قِرَاءَتُهُ) أي: قراءةُ الرَّاوي على الشَّيخِ وهو يَسمَعُ هذا الصَّحيحَ عندَ أكثرِ العُلَمَاءِ؛ لأنَّ تجويزَ الخطأِ والنِّسيانِ في هذه الصُّورةِ أقربُ مِن تَجويزِه في صورةِ قراءةِ الشَّيخِ والرَّاوي عنه يَسْمَعُ. (أَوْ) أي: والمرتبةُ الثَّالثةُ: قراءةُ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ الرَّاوي، وهو أنْ يَقْرَأَ أحدٌ (عَلَى الشَّيْخِ) وغيرُ القارئِ يَسمَعُ، ويُسَمَّى هذا عَرْضًا، كالَّذي قَبْلَه وإنْ كانَ أنزلَ، وفي الرِّوايةِ به خلافٌ، والَّذي عليه أكثرُ أهلِ العِلمِ أنَّه صحيحٌ، وعليه العملُ. (وَيَقُولُ) الرَّاوي (فِيهِمَا) أي: في قراءتِه على الشَّيخِ، وفي سماعِه منه بقراءةِ غيرِه: (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فلانٌ (قِرَاءَةً عَلَيْهِ) بلا نزاعٍ؛ لأنَّه الأصلُ. (وَيَجُوزُ الإِطْلَاقُ (٢) فيَقُولُ: حَدَّثَنا، وأَخْبَرَنا، مِن غيرِ ذكرِ قراءةٍ عليه، عندَ الإمامِ أحمدَ وأبي حنيفةَ ومالكٍ وغيرِهم؛ لأنَّه مَعناه. (وَسُكُوتُ الشَّيْخِ عِنْدَ قِرَاءَةِ) الرَّاوي (عَلَيْهِ بِلَا مُوجِبٍ) يَعني إنْ عُدِمَ إنكارُه ولا حاملَ له على ذلك مِن إكراهٍ، أو نومٍ، أو غفلةٍ، أو نحوِ ذلك

стр. 391

(كَإِقْرَارِهِ) على الصَّحيحِ؛ لأنَّ العُرفَ قاضٍ بأنَّ السُّكوتَ تقريرٌ في مِثْلِ هذا، وإلَّا لكانَ سُكُوتُه لو كانَ غيرَ صحيحٍ قادحًا. (وَيَحْرُمُ) على الرَّاوي: (إِبْدَالُ قَوْلِ الشَّيْخِ: حَدَّثَنَا بـ) قولِ: (أَخْبَرَنَا) لاحتمالِ أنْ يَكُونَ الشَّيخُ لا يَرى التَّسويةَ، فيَكُونُ كَذِبًا عليه، (وَ) كذا (عَكْسُهُ) وهو: إبدالُ قولِ الشَّيخِ: أَخبَرَنا بحَدَّثَنا؛ لِما تَقَدَّمَ، وعنه: لا يَحرُمُ، وبناه الخلَّالُ على الرِّوايةِ بالمَعنى. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وبناؤُه ظاهرٌ (١). (وَ) يَحرُمُ على الرَّاوي (رِوَايَةُ مَا) أي: حديثٍ (شَكَّ فِي سَمَاعِهِ) مع الشَّكِّ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ السَّماعِ، ولأنَّ ذلك شهادةٌ على شيخِه. (وَ) يَحرُمُ [على الرَّاوي] (٢) أيضًا روايةُ حديثٍ (مُشْتَبِهٍ بِـ) حديثِ (غَيْرِهِ) فلا يَروي شيئًا مِمَّا اشْتَبَه به؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منها (٣) يَحتمِلُ أنْ يَكُونَ غيرَ المسموعِ. (وَ) تَحرُمُ أيضًا روايةُ حَدِيثٍ (مُسْتَفْهِمٍ مِنْ غَيْرِ الشَّيْخِ) فلا يَروي إلَّا ما سَمِعَه منه، فلا يَستفْهِمُه ممَّن سَمِعَه معَه ثمَّ يَرويه، وهو ظاهرُ ما سَبَقَ، وقالَه جماعةٌ. قال خلفُ بنُ تَميمٍ: سَمِعْتُ مِن الثَّوريِّ عشرةَ آلافِ حديثٍ أو نحوَها، فكُنْتُ أَستفهِمُ مِن جليسي، فقُلْتُ لزائدةَ، فقال: لا تُحَدِّثْ بها إلَّا ما تَحفَظُ بقَلْبِكَ، وتَسْمَعُ أُذُنُك، قال: فأَلْقَيْتُها (٤).

стр. 392

و (لَا) يَحْرُمُ على الرَّاوي روايةُ: - (مَا) أي: حديثٍ (ظَنَّهُ مَسْمُوعَهُ) مِن غيرِ اشتباهٍ، - (أَو) ظَنَّه أنَّه واحدٌ (مِنْ مُشْتَبِهٍ بِعَيْنِهِ) فيُعمَلُ به عندَ الأكثرِ عَمَلًا بالظَّنِّ. قال صالحٌ: قُلْتُ لأبي: الشَّيخُ يُدغِمُ الحرفَ يُعرَفُ أنَّه كذا وكذا، ولا يُفهَمُ عنه، تَرى أنْ يُروى ذلك عنه؟ قال الإمامُ أحمدُ: أرجو ألَّا يَضِيقَ هذا (١). (وَ) ظاهرُ ما سَبَقَ أيضًا، أنَّه (لَا يُؤَثِّرُ) في صِحَّةِ الرِّوايةِ عنِ الشَّيخِ: (مَنْعُ الشَّيْخِ) للرَّاوي (مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ) أي: عنِ الشَّيخِ (بِلَا قَادِحٍ) كأنْ يُسنِدَ الشَّيخُ ذلك إلى خطأٍ أو شَكٍّ. (ثُمَّ) المرتبةُ الرَّابعةُ: الإجازةُ ، فتَجُوزُ الرِّوايةُ بها عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه إذا جازَ أنْ يَروِيَ عنه مَرويَّاتِه فقد أَخْبَرَه بها جُملةً، فهو كما لو أَخبَرَه تفصيلًا، وإخبارُه بها غيرُ مُتَوَقِّفٍ على التَّصريحِ نُطقًا، كما في القِراءةِ على الشَّيخِ، قالَه ابنُ الصَّلاحِ (٢). فيَجِبُ العملُ بها كالحديثِ المُرسَلِ، و أعلى الرِّوايةِ بها المُناولةُ ، ويُسَمَّى هذا عَرْضَ المُناولةِ، كما أنَّ سَمَاعَ الشَّيخِ يُسَمَّى عَرْضَ القِراءةِ، وهي نوعانِ: أحدهما (٣): (مُنَاوَلَةُ) الشَّيخِ كتابًا للرَّاوي (مَعَ إِجَازَتِـ) ـه (أَوْ إِذْنِـ) ـه له في روايتِه عنه، وصفتُه: أنْ يُجِيزَه بشيءٍ نَاوَله إيَّاه بأنْ يَدفَعَ الشَّيخُ إلى الطَّالبِ

стр. 393

أصلَ مرويِّه، أو فرعًا مُقابَلًا به، ويَقولَ: هذا سَمَاعِي، أو مَرْوِيِّي بطريقِ كذا، فَارْوِهِ عنِّي، أو: أَجَزْتُه لك أنْ تَرْوِيَه عنِّي، ثمَّ يُمَلِّكَه إيَّاه بطريقٍ، أو يُعِيرَه له يَنْقُلُه ويُقابِلُه به. وفي مَعناه أنْ يَجِيءَ الطَّالبُ بذلك إلى الشَّيخِ ابتداءً ويَعْرِضَه عليه فيَتَأَمَّلَه الشَّيخُ العارفُ اليَقِظُ، ويَقولَ: نعمْ، هذا مَسْمُوعي، أو روايتي بطريقِ كذا، فَارْوِهِ عنِّي، أو: أَجَزْتُه لك، أو يُعْطِيَه شيئًا مِن تَصانيفِه فيَقُولَ: ارْوِهِ عنِّي، والرِّوايةُ بذلك جائزةٌ على الصَّحيحِ، وليسَ كالسَّماعِ، بل مُنْحَطٌّ عنه. إذا عَرَفْت ذلك: فالرِّوايةُ بهذا النَّوع أعلى مِن الإجازةِ المُجرَّدةِ في الأصحِّ عندَ المُحدِّثينَ، وإنْ كانَ الأُصُوليُّون خالَفُوهم في ذلك. (وَ) النَّوعُ الثَّاني: مُجَرَّدُ المُناولةِ، فـ (لَا تَجُوزُ) الرِّوايةُ (بِمُجَرَّدِهَا) مِن غيرِ إجازةٍ ولا إذنٍ عندَ الأكثرِ. وأصلُ المُناولةِ لُغَةً: الإعطاءُ باليدِ، ثمَّ اسْتُعمِلَتْ عندَ المُحَدِّثينَ وغيرِهم في إعطاءِ كتابٍ أو ورقةٍ مكتوبةٍ، ونحوِ ذلك، ويَقُولُ المُناولُ: هذا سَمَاعِي مِن قِبَلِ فُلانٍ، أو مَرْوِيِّي عنه بطريقِ كذا، وسواءٌ قال مع ذلك: «خُذْه»، أو نَاوَلَه ساكتًا، فإذا لم يَنْضَمَّ إليها إذنٌ ولا إجازةٌ يُسَمَّى المُناولةَ المُجَرَّدَةَ. (وَ) لا يُشتَرَطُ في المُناولةِ فِعْلُها، بل (يَكْفِي اللَّفْظُ) بِلا مُنَاوَلَةٍ، فلو كانَ الكتابُ بيدِ الُمجَازِ له، أو على الأرضِ ونَحوِه، جازَ؛ لأنَّه لا تأثيرَ للفِعْلِ. (وَمِثْلُهَا) أي: ومِثلُ المُناولةِ: المُكَاتَبَةُ ، بأنْ يَكْتُبَ الشَّيخُ إلى غيرِه شيئًا مِن حَديثِه بخَطِّه، أو يَأْمُرَ غيرَه فيَكْتُبَ عنه بإذنِه، سواءٌ كَتَبَه أو كَتَبَ عنه إلى غائبٍ عنه، أو حاضِرٍ عندَه، وهي نوعانِ:

стр. 394

أحدُهما: (مُكَاتَبَةٌ مَعَ إِجَازَةٍ، أَوْ إِذْنٍ) فتَجُوزُ الرِّوايةُ بذلك في (١) الأصحِّ، إذا عَلِمَ خَطَّه أو ظَنَّه بإخبارِ عدلٍ، أو خَطِّه، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الكتابةَ أحدُ اللِّسانَينِ. النَّوعُ الثَّاني: المُكاتبةُ بدونِ الإجازةِ، ويَأتي قريبًا. (ثُمَّ) يَلي المُناولةَ والمُكاتبةَ: الإجازةُ بدونِهما، وهي أقسامٌ: أحدُها: (إِجَازَةُ خَاصٍّ لِخَاصٍّ) كقولِه: «أَجَزْتُ هذا الكتابَ لفلانٍ»، وهي أصَحُّها، حَتَّى ذَهَبَ بَعضُهم إلى أنَّه لا خلافَ فيها. (فَـ) الثَّاني: إجازةُ (عَامٍّ لِخَاصٍّ) كقولِه: «أَجَزْتُ لفلانٍ جميعَ مَرْوِيَّاتي»، فيَجُوزُ ذلك عندَ الجمهورِ، وهو أَدْنى رُتْبَةً مِن الَّذِي قَبْلَه. (فَـ) الثَّالثُ: (عَكْسُهُ) وهو: إجازةُ خاصٍّ لعامٍّ، كقولِه: «أَجَزْتُ للمُسلمينَ»، أو لمَن أَدْرَكَ حياتي كتابِي الفُلانِيَّ. (فَـ) الرَّابعُ: إجازةُ (عَامٍّ لِعَامٍّ) وهو عكسُ الأوَّلِ، كقولِه: «أَجَزْتُ جميعَ مَرْوِيَّاتي لكلِّ أحدٍ»، وهذا الأخيرُ دونَ الَّذِي قَبْلَه، وجَوَّزَه الخطيبُ وغيرُه، وفَعَلَه ابنُ مَنْدَه وغيرُه، فقال: أَجَزْتُ لمَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. (ثُمَّ) يَلي ما تَقَدَّمَ في المرتبةِ (مُكَاتَبَتُـ) ـه أي: مُكاتبَةُ الشَّيخِ، بأنْ يَكْتُبَ إلى غيرِه: سَمِعْتُ مِن فلانٍ كذا (بِدُونِهَا) أي: بدونِ الإجازةِ، بل كَتَبَ إليه يُخبِرُه بذلك فقط، وهو النَّوعُ الثَّاني مِن نَوعَيِ المُكاتبةِ، وتَجُوزُ الرِّوايةُ بها في ظاهرِ كلامِ الإمامِ أحمدَ والخلَّالِ، فإنَّ أبَا مُسْهِرٍ وأبا تَوْبَةَ كَتَبَا إليه بأحاديثَ وحَدَّثَ بها، وهو الأشهرُ للمُحَدِّثينَ، (وَ) على هذا (يَكْفِي مَعْرِفَةُ خَطِّهِ) بأنْ

стр. 395

يَعلَمَ أو يَظُنَّ المكتوبُ إليه خَطَّ الكاتبِ، سواءٌ كَتَبَه الشَّيخُ أو كَتَبَ عنه، كما تَقَدَّمَ، وهذا هو الصَّحيحُ. (وَتَجُوزُ إِجَازَةٌ: بِمُجَازٍ بِهِ) في الأصحِّ، كـ: أَجَزْتُ لك مُجازَاتي، أو: أَجَزْتُ لك ما أُجِيزَ لي روايتُه، وكانَ نصرٌ المَقْدِسيُّ يَروي بالإجازةِ عنِ الإجازةِ. (وَ) تَجُوزُ إجازةٌ (لِطِفْلٍ) ليَرْوِيَ ما أُجِيزَ به بعدَ بلوغِه. (وَ) تَجُوزُ أيضًا لـ (مَجْنُونٍ) في أصحِّ قوليِ العلماءِ، فيَروي بها إذا عَقَلَ؛ لأنَّها إباحةٌ للرِّوايةِ. (وَ) تَجُوزُ أيضًا لـ (غَائِبٍ) وتَقَدَّمَ أنَّه يَكفي معرفةُ خطِّه بعِلْمٍ، أو ظَنٍّ، أو إخبارِ ثقةٍ. (وَ) تَجُوزُ إجازةٌ لـ (كَافِرٍ) وقد صَحَّحُوا تَحَمُّلَه إذا أَدَّاه بعدَ الإسلامِ، فالقياسُ جوازُ الإجازةِ له، ثمَّ إذا أَسْلَمَ يَرويه بالإجازةِ، وقد وَقَعَتْ هذه المسألةُ في زَمَنِ الحافظِ أبي الحَجَّاجِ المِزِّيِّ بدمشقَ، وكانَ طبيبًا يُسَمَّى مُحَمَّدَ بنَ عبدِ السَّيِّدِ يَسمَعُ الحديثَ وهو يَهودِيٌّ، على أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الصُّوريِّ، وكَتَبَ اسمَه في طبقاتِ السَّماعِ مع النَّاسِ، وأجازَ عبدُ المؤمِنِ لمَن سَمِعَه، وهو مِن جُملَتِهم، وكانَ السَّماعُ والإجازةُ بحضرةِ المِزِّيِّ الحافظِ، وبعضُ السَّماعِ بقراءتِه ولم يُنْكِرْه، ثمَّ هَدَى اللهُ اليهوديَّ للإسلامِ، وحَدَّثَ بما أُجِيزَ له وتَحَمَّلَ الطُّلَّابُ عنه. و (لَا) تَصِحُّ إجازةٌ لـ: - (مِعْدُومٍ مُطْلَقًا) أي: لا أصلًا ولا تَبَعًا لموجودٍ، فالأُولى نَحوُ: أَجَزْتُ

стр. 396

لمَن يُولَدُ لفلانٍ، فلا تَصِحُّ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ الإجازةَ في حُكْمِ الإخبارِ جُملةً بالمجازِ، فكما لا يَصِحُّ الإخبارُ للمعدومِ، لا تَصِحُّ إجازتُه. والثَّانيةُ: كـ: أَجَزْتُ لفلانٍ ولمَن يُولَدُ له، في ظاهرِ كلامِ جماعةٍ مِن أصحابِنا، وقالَه غيرُهم؛ لأنَّها مُحادَثَةٌ، أو إذنٌ في الرِّوايةِ بخلافِ الوَقْفِ، وأَجَازَهَا أبو بكرٍ ابنُ أبي داودَ مِن أصحابِنا، وجماعةٌ. وأمَّا الإجازةُ للمعدومِ على العُمومِ، كـ: أَجَزْتُ لمن يولدُ (١) بعدَ ذلك، فقال البِرْمَاوِيُّ: لا تَصِحُّ، وكأنَّها إجازةٌ مِن معدومٍ لمعدومٍ (٢). - (وَ) لا تَصِحُّ أيضًا إجازةٌ لـ (مَجْهُولٍ) على الصَّحيحِ، كـ: أَجَزْتُ لبعضِ النَّاسِ أو لرَجُلٍ منهم. - (وَ) لا تَصِحُّ أيضًا (بِمَجْهُولٍ) مِن مَروِيَّاتِه، كـ: أَجَزْتُ لك أن تَرْوِيَ عنِّي شيئًا، أو بعضَ مَرويَّاتِي، أو بعضَ الكتابِ الفُلانِيِّ على الصَّحيحِ؛ لِما فيه مِن الجهالةِ والتَّعليقِ، وليسَ مِن هذه (٣) الإجازةُ لمُسَمَّيْنَ مُعَيَّنِينَ بأنْسابِهم، والمُجيزُ جاهلٌ بأعيانِهم، فلا يَقْدَحُ، كما لا يَقْدَحُ عدمُ معرفتِه (٤) بمَن هو حاضرٌ يَسمَعُ بشَخصِه، وكذا لو أجازَ للمسلمينَ في الاستجازةِ ولم يَعرِفْهم بأعيانِهم، ولا بأسمائِهم ولا تَصَفَّحَهم واحدًا واحدًا. - (وَ) لا تَصِحُّ أيضًا بـ (مَا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ) المُجيزُ، بأنْ يُجِيزَ قَبْلَ أن يَتَحَمَّلَ ما أَجَازَ به (لِيَرْوِيَهُ) أي: ليَرْوِيَ المُجازُ له (عَنْهُ) أي: عنِ المُجيزِ (إِذَا تَحَمَّلَهُ) المُجيزُ في الأصحِّ؛ لِما فيه مِن التَّعليقِ.

стр. 397

نُكْتَةٌ: قال عبدُ الملكِ الطُّبُنِيُّ: كُنْتُ عندَ القاضي أبي الوليدِ يُونُسَ بقرطبةَ، فسَألَه إنسانٌ الإجازةَ بما رَوَاه وما لم يَروِه بعدُ فلم يُجِبْه وغَضِبَ، فقُلْتُ: يا هذا! يُعطيكَ (١) ما لم يَأْخُذْ؟ فقال أبو الوليدِ: هذا جوابي (٢). (وَيَقُولُ) مُجازٌ له حَيْثُ صَحَّتِ الإجازةُ: (أَجَازَ لِي) أو: أجازَ لنا فلانٌ باتِّفاقٍ على جوازِ ذلك، قالَه في «شرحِه» (٣)؛ لأنَّه إخبارٌ بالحالِ على وَجهِه. (وَيَجُوزُ) أنْ يَقُولَ مُجازٌ له: (حَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي) وحَدَّثَنا، وأَخْبَرَنَا (إِجَازَةً) عندَ الأكثرِ، و (لَا) يَجُوزُ في حَدَّثَني وأَخْبَرني (إِطْلَاقُهُمَا) ولا إطلاقُ حَدَّثَنَا وأَخْبَرَنا، بل يَقُولُ: كَتَبَ إليَّ، أو أَخْبَرني إجازةً، أو كتابةً (فِيهِنَّ) أي: في جميعِ صورِ الرِّوايةِ بالإجازةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، وهو المختارُ الَّذِي عليه الأكثرُ؛ لِما في ذلك من الإيهامِ بالتَّحديثِ على الحقيقةِ المتبادِرِ الفهمُ إليها. (وَلَا تَجُوزُ رِوَايَةٌ: - بِوَصِيَّةٍ بِكُتُبِهِ) في الأصحِّ، مِثْلُ أن يُوصِيَ قَبْلَ مَوْتِه، أو عندَ سَفَرِه بشيءٍ مِن مرويَّاتِه لشخصٍ. - (وَ) لا تَجُوزُ روايةٌ (بِوِجَادَةٍ، وَهِيَ) أي: الوِجَادَةُ بكسْرِ الواوِ: مصدرٌ مُؤَّكِّدٌ لـ وَجَدَ. قالَ المُعافَى بنُ زَكريَّا النَّهْرَوَانِيُّ: إنَّ المُوَلَّدِينَ وَلَّدُوه وليسَ عربيًّا جَعَلُوه مُبايِنًا لمصادرِ «وَجَدَ» المختلفةِ المعنى، وكما مَيَّزَتِ العربُ بينَ

стр. 398

مَعَانِيها، فَرَّقَ هؤلاءِ بينَ ما قَصَدُوه مِن هذا النَّوعِ وبينَ تلك، فمادَّةُ «وَجَدَ» مُتَّحِدَةُ الماضي والمضارعِ، مُختلفةُ المصادرِ بحَسَبِ اختلافِ المعاني، فيُقالُ في الغَضَبِ: مَوْجِدَةٌ، وفي المطلوبِ: وُجُودًا، وفي الضَّالَّةِ: وِجدانًا، وفي الحُبِّ: وَجْدًا بالفتحِ، وفي المالِ: وُجدانًا بالضَّمِّ، وفي الغِنَى: جِدَةٌ بكسْرِ الجيمِ وتخفيفِ الدَّالِ المفتوحةِ على الأشهرِ في جميعِ ذلك، وقالوا أيضًا في المكتوبِ: وِجادةٌ، وهي مُوَلَّدَةٌ، وزِيدَ في الغضبِ أيضًا: جِدَةٌ، وفي الغِنى: إجدانًا (١). و الوِجادةُ اصطلاحًا: (وِجْدُانُهُ) أي: الرَّاوي (شَيْئًا) حديثًا أو نحوَه، مكتوبًا (بِخَطِّ الشَّيْخِ) الَّذِي يَعرِفُه ويَثِقُ بأنَّه خَطُّه، حيًّا كانَ الشَّيخُ أو مَيِّتًا، (وَ) أمَّا الرِّوايةُ به فـ (يَقُولُ: وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ) كذا، وإذا لم يَثِقْ بذلك يَقُولُ: ذَكَرَ أنَّه خَطُّ فلانٍ، ولا يَقُولُ حَدَّثَنَا وأَخْبَرَنا على الصَّحيحِ. - (وَلَا) تَجُوزُ الرِّوَايَةُ (بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الشَّيْخِ: سَمِعْتُ كَذَا، و) لا بمُجَرَّدِ قَوْلِه: (هذا سَمَاعِي، أَوْ) هذا (رِوَايَتِي، أَوْ) قولِه: (هَذَا خَطِّي) وهو الصَّحيحُ، وأمَّا أن يَقُولَ: «عن فلانٍ»، فتَدليسٌ قبيحٌ إذا كانَ يُوهِمُ سَمَاعَه منه، قالَه ابنُ الصَّلاحِ (٢). (وَيَعْمَلُ) وُجوبًا (بِمَا) أي: بحديثٍ (ظَنَّ) الرَّاوي (صِحَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ) المُتَقَدِّمِ الَّذِي لا تَجُوزُ له روايتُه، فلا يَتَوَقَّفُ وجوبُ العملِ على جوازِ روايتِه عندَ أصحابِنا وغيرِهم، لعملِ الصَّحابةِ على كُتُبِ النِّبِيِّ ﷺ . وقيلَ: لا يَعمَلُ به.

стр. 399

ومَحَلُّ الخلافِ إذا لم يَكُنْ له بما وَجَدَه روايةٌ، أمَّا إذا كانَ له روايةٌ بما وَجَدَه؛ فالاعتمادُ على الرِّوايةِ لا على الوِجادةِ. (وَ مَنْ رَأَى سَمَاعَهُ) بخَطِّه (وَلَمْ يَذْكُرْهُ) أي: السَّماعَ (فَلَهُ رِوَايَتُهُ وَعَمَلٌ بِهِ) أي: بالَّذي رآه إذا عَرَفَ الخَطَّ، على الصَّحيحِ، فيَعمَلُ به (إِذَا ظَنَّهُ خَطَّهُ) ويَكفي الظَّنُّ لِما سَبَقَ. ولهذا قِيلَ لأحمدَ: فإنْ أَعارَه مَن لم يَثِقْ به، قال: كلُّ ذلك أرجو (١)، فإنَّ الزِّيادةَ في الحديثِ لا تَكادُ تَخْفَى؛ لأنَّ الأخبارَ مَبْنِيَّةٌ على حُسْنِ الظَّنِّ وغَلَبَتِه.

стр. 400

(فَصْلٌ) يَجُوزُ عندَ الأكثرِ (لِعَارِفٍ) بما يُحِيلُ المَعنى (نَقْلُ الحَدِيثِ بِالمَعْنَى) وظاهرُه سواءٌ نَسِيَ اللَّفظَ أم لا، وسواءٌ نَقَلَه الصَّحابيُّ أو غيرُه، وسواءٌ كانَ ذلك في الأحاديثِ الطِّوالِ أو القِصارِ، وسواءٌ كانَ مُوجَبُها عِلْمًا أو عَمَلًا، وسواءٌ كانَ بلفظٍ مرادفٍ أو غيرِ مرادفٍ، وسواءٌ كانَ أظهرَ منه مَعنًى أو أخفى، وقد رَوَى ابنُ مَنده في «معرفة الصَّحابةِ» مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ سليمانَ بنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ قال: قلت: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الحَدِيثَ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْوِيَهُ كَمَا سَمِعْتُهُ مِنْكَ، يَزِيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا، قال: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، ولا تُحَرِّمُوا حَلَالًا، وَأَصَبْتُمُ المَعْنَى، فَلَا بَأْسَ». فذُكِرَ ذلك للحَسَنِ فقال: لولا هذا ما حَدَّثْنا (١). ولأحمدَ بإسنادٍ حسنٍ عن وَاثِلَةَ: إذا حَدَّثْنَاكم بالحديثِ على مَعناه فحَسْبُكم (٢). ولم يَزَلِ الحُفَّاظُ يُحَدِّثون بالمعنى، وكذلك الصَّحابةُ. وكانَ أنسٌ إذا حَدَّثَ عنه ﵇ قال: أو كما قالَ (٣). إسنادُه صحيحٌ. وكذلك نُقِلَتْ وقائعُ مُتَّحِدةٌ بألفاظٍ مختلفةٍ، ولأنَّه يَجُوزُ تفسيرُه بعجميَّةٍ إجماعًا، فبِعربيَّةٍ أَوْلى، ولحصولِ المقصودِ وهو المعنى، ولهذا لا تَجِبُ

стр. 401

تلاوةُ اللَّفظِ ولا ترتيبُه بخلافِ القُرآنِ، والأذانِ ونَحوِه، لكنْ إذا قُلْنا تَجُوزُ روايته بالمعنى، فلها شروطٌ: أَحدُها: كَوْنُ الرَّاوي عارفًا بدَلالاتِ الألفاظِ واختلافِ مَوَاقِعِها. والثَّاني: ألَّا يَكُونَ مُتَعَبَّدًا بلَفظِه، كالقُرآنِ قطعًا، وكالتَّشهُّدِ، فلا يَجُوزُ نقلُ ألفاظِه بالمعنى اتِّفاقًا. والثَّالثُ: ألَّا يَكُونَ مِن جوامعِ الكَلِمِ، كقولِه ﷺ : «الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (١)، و «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي» (٢)، و «لَا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ» (٣) ونحوِه مِمَّا لا يَنْحَصِرُ. (فَـ) ـعلى هذا (ليسَ) الحديثُ (بِكَلَامِ اللهِ تعالى، وَهُوَ) أي: الحديثُ (وَحْيٌ) وإن لم يَجُزْ نَقْلُه بالمعنى فهو كلامُه، هذا (إِنْ رُوِيَ مُطْلَقًا) أي: مِن غيرِ تَبْيِينٍ أنَّ الله تعالى أَمَرَ، أو نَهَى، أو كانَ خبَرًا عنِ اللهِ تعالى. (وَإِنْ بَيَّنَ) النَّبِيُّ ﷺ في الحديثِ (أَنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ) به

стр. 402

(أَوْ نَهَى) عنه، (أَوْ كَانَ خَبَرًا عَنِ اللهِ تعالى أَنَّهُ) (قَالَهُ، فَـ) ـحُكْمُه (كَالقُرْآنِ) لا يَجُوزُ تَغييرُ لَفظِه. (وَجَائِزٌ) عندَ الإمامِ أحمدَ وغيرِه (إِبْدَالُ لَفْظِ الرَّسُولِ بِـ) ـلفظِ (النَّبِيِّ وَعَكْسُهُ) وهو إبدالُ لفظِ النَّبِيِّ بلفظِ الرَّسولِ. قالَ صالحٌ: قُلْتُ لأبي: يَكُونُ في الحديثِ: قال رسولُ اللهِ ﷺ فيَجْعَلُ الإنسانُ: قال النَّبِيُّ ﷺ . قال أحمدُ: أرجو ألَّا يَكُونَ به بأسٌ. وأمَّا حديثُ البَراءِ بنِ عازبٍ لَمَّا عَلَّمَه النَّبيُّ ﷺ عندَ النَّومِ: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، قال: وَرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ، قال: «لَا، وَنَبِيِّكَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فالجوابُ عنه: قالَ الشَّيخُ: مِن ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ الرَّسولَ كما يَكُونُ مِن الأنبياءِ يَكُونُ مِن الملائكةِ. الثَّاني: أنَّ تَضَمُّنَ قولِه: «ورسولِك» للنُّبُوَّةِ بطريقِ الالتزامِ، فأرادَ ﵇ أنْ يُصَرِّحَ بذِكْرِ النُّبُوَّةِ. الثَّالثُ: الجمعُ بينَ لَفْظَيِ (٢) النُّبُوَّةِ والرِّسالةِ. تنبيهٌ: (لَا) يَجُوزُ (تَغْيِيرُ) لفظِ شيءٍ مِن (الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ) ويُثْبَتُ فيها بدله شيءٌ آخَرُ بمَعناه، فإنَّ الرِّوايةَ بالمعنى رَخَّصَ فيها مَنْ رَخَّصَ؛ لِما كانَ عليهم في ضَبطِ الألفاظِ والجمودِ عليها مِن الحرجِ والنَّصَبِ، وذلك غيرُ

стр. 403

موجودٍ فيما اشْتَمَلَتْ عليه بطونُ الأوراقِ والكتبِ، ولأنَّه إنْ مَلَكَ تغييرَ اللَّفظِ فليسَ يَمْلِكُ تغييرَ تصنيفِ غيرِه، وتَعَقَّبَه ابنُ دقيقِ العيدِ بأنَّه ضعيفٌ، وأقلُّ ما فيه: أنَّه يَقتضي تجويزَ هذا فيما يُنْقَلُ مِن المُصنَّفاتِ في أجزائِنا وتَخارِيجِنا، وأنَّه ليسَ فيه تغييرُ المُصَنَّفِ. وقال: ليسَ هذا جاريًا على الاصطلاحِ، فإنَّ الاصطلاحَ على ألَّا تُغَيَّرَ الألفاظُ بعدَ الانتهاءِ إلى الكتبِ المُصَنَّفَةِ، سواءٌ رُوِّيناها فيها، أو نَقَلْناها منها (١). (وَلَوْ كَذَّبَ) أصلٌ فرعًا فيما رواه عنه: لم يُعمَلْ به، (أَوْ غَلَّطَ أَصْلٌ فَرْعًا) في حديثٍ: (لَمْ يُعْمَلْ بِهِ) عندَ الأكثرِ؛ لكذبِ أَحدِهما، (وَ) مع ذلك (هُمَا) أي: الأصلُ وفرعُه الرَّاوي عنه (عَلَى عَدَالَتِهِمَا) فلا تَبْطُلُ بالشَّكِّ، فلو شَهِدَا عندَ حاكمٍ في واقعةٍ: قُبِلَا؛ لأنَّ قولَه لا يَقدَحُ في عدالتِه؛ لأنَّه عدلٌ، وتكذيبُه قد يَكُونُ لظَنٍّ منه أو غيرِه. (وَإِنْ) كانَ الأصلُ (أَنْكَرَهُ) أي: أَنْكَرَ الفرعَ بأنْ قال: ما أَعرِفُ هذا الحديثَ (وَلَمْ يُكَذِّبْهُ) في روايتِه عنه (عُمِلَ بِهِ) أي: بذلك الحديثِ الَّذِي أَنْكَرَه الأصلُ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ الفرعَ عَدلٌ جازمٌ غيرُ مُكَذَّبٍ، كمَوْتِ الأصلِ، أو جنونِه. ورَوَى سعيدٌ، عنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عن ربيعةَ، عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى باليمينِ والشَّاهِدِ. ونَسِيَه سُهَيْلٌ، وقَالَ: حَدَّثَني ربيعةُ عَنِّي، ورَوَاه الشَّافعيُّ عنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ فذَكَر ذلك لسُهَيْلٍ، فقال: أَخْبَرَني ربيعةُ وهو عندي ثقةٌ، أنِّي حَدَّثْتُه إيَّاه ولا

стр. 404

أَحْفَظُه، وكانَ سُهَيْلٌ يُحَدِّثُه بعدُ عن ربيعةَ عنه عن أبيه، رَوَاه أبو داودَ (١)، وإسنادُه جيِّدٌ، ولم يُنْكِرْ ذلك. (وَتُقْبَلُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ ضَابِطٍ) في الحديثِ (لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، إِنْ: (١) تَعَدَّدَ المَجْلِسُ، (٢) أَوِ اتَّحَدَ وَتُصُوِّرَتْ غَفْلَةُ مَنْ فِيهِ عَادَةً، (٣) أَوْ جُهِلَ الحَالُ). اعلمْ أنَّه ذُكِرَ فيما إذا زادَ في الحديثِ ثقةٌ ضابطٌ ثلاثُ مسائلَ، سواءٌ كانَتِ الزِّيادةُ في لفظِ الحديثِ أو في مَعناه: إحداها: إذا (٢) تَعَدَّدَ المجلسُ: فتُقْبَلُ، قال ابنُ مُفْلِحٍ: إجماعًا (٣). الثَّانيةُ: إذا اتَّحَدَ المجلسُ، وفيه جماعةٌ تُتَصَوَّرُ غَفْلَتُهم عادةً: فتُقبَلُ على الصَّحيحِ. الثَّالثةُ: إذا جُهِلَ المجلسُ، يَعني هل فيه مَن تُتَصَوَّرُ غفلتُه، أو لا، وهلِ الزِّيادةُ في مجلسٍ أو مجالسَ، وعلى كلِّ حالٍ فالصَّحيحُ القبولُ، هذا إن لم تُخالِفِ الزِّيادةُ المَزيدَ، وكانَتْ مِن راوٍ آخَرَ، وسَكَتَ عنها بقيَّةُ الثِّقاتِ. مِثالُ ذلك: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ عن النَّبيِّ ﷺ في قولِه: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قال العَبْدُ: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، يَقُولُ اللهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبْدِي». حديثٌ صحيحٌ (٤).

стр. 405

ثُمَّ رَوَى عبدُ اللهِ بنُ زيادِ بنِ سَمْعَانَ، عنِ العلاءِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عنْ أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ الخَبَرَ، وذَكَرَ فيه: «فَإِذَا قال العَبْدُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال اللهُ تعالى: ذَكَرَنِي عَبْدِي» (١). تَفَرَّدَ بالزِّيادةِ عبدُ اللهِ بنُ زيادٍ، وفيه مَقالٌ. وحديثُ ابنِ عُمَرَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ: أَمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نُخرِجَ صَدَقَةَ الفطرِ صاعًا مِن شعيرٍ، أو صاعًا من تَمرٍ (٢). انْفَرَدَ سعيدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الجُمَحِيُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ بزيادةِ: «أَوْ صَاع مِنْ قَمْحٍ». وحديثُ ابنِ عمرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ مِنْ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». زادَ فيه يَحيى بنُ محمَّدٍ الجاري (٣)، عن زكريَّا بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مُطيعٍ، عن أبيه، عن جدِّه (٤)، عنِ ابنِ عمرَ: «أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ» (٥). تنبيهٌ: فُهِمَ مِن المَتنِ أنَّ زيادةَ الثِّقةَ لا تُقبَلُ إذا اتَّحَدَ المجلسُ، وكانَ فيه جماعةٌ لا تُتَصَوَّرُ غفلَتُهم عادةً، وعليه الأكثرُ.

стр. 406

(وَإِنْ خَالَفَتْ) زيادةُ الثِّقةِ (المَزِيدَ) عليه في مسألةٍ مِن الثَّلاثِ: (تَعَارَضَا) أي: الزِّيادةُ والمزيدُ، وظاهرُه: سواءٌ غَيَّرَتِ الزيادةُ إعرابَ الكلامِ، أو مَعناه، أو هُما. مثالُه: لو رَوى راوٍ: «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ»، ورَوى آخَرُ: نصفُ شاةٍ، فيَتَعارَضَانِ. ومِثْلُ أنْ يَروِيَ أحدُهما صدقةَ الفطرِ «أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ»، والآخرُ: نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، وكقولِ الآخَرِ: صاعًا مِن بُرٍّ بينَ الاثنينِ. إذا عَلِمْتَ ذلك (فَيُطْلَبُ المُرَجِّحُ) لأحدِهما، (وَإِنْ) كَانَ الرَّاوي للزِّيادةِ (رَوَاهَا مَرَّةً وَتَرَكَهَا) مَرَّةً (أُخْرَى: فَـ) ـالحُكْمُ فيها يَجري (كَتَعَدُّدِ رُوَاةٍ) على ما سَبَقَ حَتَّى يُفْصَلَ فيه بينَ اتِّحادِ سَماعِها مِن الَّذِي رَوَى عنه وتَعَدُّدِه. والمُرادُ: ما أَمْكَنَ جَرَيَانُه مِن الشُّروطِ، لا ما لا يُمكِنُ. مثالُ ذلك: حديثُ سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن طلحةَ بنِ يَحيى بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ بسندِه إلى عائشةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عنها قَالَتْ: دَخَلَ عليَّ (١) رسولُ اللهِ ﷺ ، فقُلْتُ: إنَّا خَبَّأْنا لك حيسًا. فقال: «أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ» (٢). وأَسْنَدَه الشَّافعيُّ (٣) عن سُفيانَ هكذا، ورَوَاه عن سُفيانَ شيخٌ باهليٌّ، وزادَ فيه: «وَأَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ»، ثمَّ عَرَضْتُه عليه قَبْلَ مَوْتِه بسنةٍ، فذَكَرَ هذه (٤) الزِّيادةَ.

стр. 407

(وَإِنْ أَسْنَدَ) الرَّاوي، (أَوْ وَصَلَ، أَوْ رَفَعَ مَا) أي: حديثًا بأنْ أَسْنَدَه تارةً و (أَرْسَلَهُ) أُخرى، (أَوْ) وَصَلَه تارةً و (قَطَعَهُ) أُخرى، (أَو) رَفَعَه تارةً و (وَقَفَهُ) أُخرى: (قُبِلَ) إسنادُه ووَصْلُه ورَفْعُه؛ لأنَّ الرَّاويَ إذا صَحَّ عندَه الخبَرُ أَفْتى به تارةً، ورَوَاه عن النَّبِيِّ ﷺ أُخرى. (وَ) قولُه: (مُطْلَقًا) سواءٌ كانَ الرَّاوي واحدًا أو مُتَعَدِّدًا، وسواءٌ كانَ مِن شأنِه إرسالُ الأخبارِ وأَسْنَدَه، أو قَطَعَهَا ووَصَلَه، أو وَقَفَها ورَفَعَه، أو لا، وقد يَكُونُ تَرْكُ الرَّاوي لنِسيانٍ، أو لإيثارِ الاختصارِ. (وَإِنْ كَانَ) الرَّاوي أَرْسَلَ الحديثَ وأَسْنَدَه (غَيْرُهُ) أو وَصَلَه وقَطَعَه غيرُه، أو وَقَفَه ورَفَعَه غيرُه: (فَكَزِيَادَةٍ) في الحديثِ على ما مَرَّ؛ لأنَّه زيادةٌ، فلم يُمْنَعْ مِن قَبُولِه. مثالُ ما إذا أَسْنَدَ وأَرْسَلَه غيرُه: إسنادُ إسرائيلَ بنِ يُونُسَ، عن جَدِّه أبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبيه، عن النَّبِيِّ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (١). ورَوَاه الثَّوْرِيُّ (٢) وشُعبةُ عن أبي إسحاقَ عن أبي بُرْدَةَ عن النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا، فقَضَى البخاريُّ لِمن وَصَلَه، وقَالَ: زيادةُ الثِّقةِ مقبولةٌ. ومثالُ مَن رَفَعَ، ووَقَفَ غيرُه: حديثُ مالكٍ في «المُوَطَّأُ» عن أبي النَّضْرِ، عن بُسْرِ بنِ سعيدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ موقوفًا عليه: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي

стр. 408

بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». وخالَفَه موسى بنُ عُقْبَةَ، وعبدُ اللهِ بنُ سعيدِ بنِ أبي هندٍ وغيرُهما، فرَوَوْه عن أبي النَّضْرِ مَرفوعًا (١). (وَحَرُمَ) على الرَّاوي: (نَقْصٌ) أي: أن يَنْقُصَ مِن الحديثِ (مَا) أي: شيئًا (تَعَلَّقَ بِبَاقِيـ) ـه، فإذا تَعَلَّقَ الباقي منه بما قَبْلَه: لم يَجُزْ تَركُه؛ لبطلانِ المقصودِ منه، نحوُ الغايةِ، والاستثناءِ، والصِّفةِ، كنَهْيِه ﷺ عن بيعِ الثَّمَرَةِ (٢) حَتَّى تَزْهُوَ (٣). فيَتْرُكُ «حَتَّى تَزْهُوَ». وكقولِه ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ ولا الفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (٤) فيَتْرُكُ: «إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ». ونحوُ: «فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» (٥). فيَتْرُكُ «السَّائِمَةِ». وكذا ما فيه تغييرٌ معنويٌّ كما في النَّسْخِ، نحوُ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا» (٦). فيَتْرُكُ «فَزُورُوهَا». وكذا تَرْكُ بيانِ المُجمَلِ فيه، أو تخصيصُ العامِّ، أو تقييدُ المُطلَقِ، ونحوُ ذلك؛ فلا يَجُوزُ تَرْكُه إجماعًا. (وَيُسَنُّ) للرَّاوي (ألَّا يَنْقُصَ) مِن الحديثِ (غَيْرَه) أي: غيرَ ما تَعَلَّقَ

стр. 409

بباقيه، بأنْ يَنْقُلَه بكمالِه بلا نزاعٍ بينَ العلماءِ، فإنْ تَرَكَ بَعضَه ولم يَتَعَلَّقْ بالباقي: جازَ عندَ الأكثرِ. (وَيَجِبُ عَمَلٌ بِحَمْلِ صَحَابِيٍّ مَا رَوَاهُ) يَعني إذا رَوى الصَّحابيُّ حديثًا مُحتملًا لمَعنيينِ، وحَمَلَه (عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْهِ) كالقُرءِ، ويَحمِلُه الرَّاوي على الأطهارِ مثلًا وَجَبَ الرُّجُوعُ إلى حَمْلِه عندَ الأكثرِ عملًا بالظَّاهرِ، (تَنَافَيَا) أي: سواءٌ كانَ بينَ المحملينِ تنافٍ كما في المثالِ (أَوْ لَا) فعلى هذا لا يُعمَلُ بالاجتهادِ؛ لأنَّ الظَّاهرِ أنَّه لم يَحمِلْه عليه إلَّا بقَرينةٍ. تنبيهٌ: هذه المسألةُ تُعرَفُ بما إذا قال راوي الحديثِ فيه شيئًا هل يَقبَلُ أو يَعمَلُ بالحديثِ؟ ولها أحوالٌ: مِنها أنْ يَكُونَ الخبَرُ عامًّا، فيَحمِلَه الرَّاوي على بعضِ أفرادِه، ويَأتي ذلك في تخصيصِ العامِّ في المتنِ، أو يَدَّعِيَ تقييدًا في مُطلقٍ فكالعامِّ يُخَصِّصُه، أو يَدَّعِيَ نَسخًا، ويَأْتِيَ في النَّسخِ في المتنِ أيضًا، أو يُخالِفَه بتَركِ نصِّ الحديثِ كروايةِ أبي هُرَيْرَةَ في الوُلُوغِ سَبْعًا، وقولِه: يُغْسَلُ ثلاثًا. ومِنها مسألةُ الكتابِ، وهي: أنْ يَروِيَ الصَّحابيُّ خبَرًا مُحتملًا لمعنيينِ، ويَحمِلَه على أحدِهما؛ فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى حَمْلِه، ولذلك رُجِعَ إلى تفسيرِ ابنِ عمرَ ﵄ حَبَلَ الحبلةَ يَبِيعُه إلى نِتاجِ النِّتاجِ، وقولُ عمرَ في: «هَا وَهَا» أنَّه التَّقابُضُ في مجلسِ العقدِ، فيُرجَعُ إلى تفسيرِه. (كَمَا لَوْ أُجْمِعَ) بالبناءِ للمفعولِ (عَلَى جَوَازِهِمَا) أي: جوازِ كلٍّ مِن المَحمَلَينِ، (وَ) على (إِرَادَةِ أَحَدِهِمَا) كما في حديثِ ابنِ عمرَ في التَّفرُّقِ في خيارِ المجلسِ، هل هو التَّفرُّقُ بالأبدانِ أو بالأقوالِ؟

стр. 410

فقد أَجمَعُوا أنَّ المرادَ أحدُهما، فكانَ ما صارَ إليه الرَّاوي يَعني التَّفرُّقَ بالأبدانِ أَوْلى، ولولا أنَّ الإجماعَ مُنعقِدٌ على أن المُرادَ (١) أَحَدُهما؛ لصَحَّ حَمْلُه عليهما معًا، فيُجعَلُ لهما الخيارُ في الحالينِ بالخبَرِ. (أَوْ قَالَهُ) أي: وكما لو قال الصَّحابيُّ أحدَ مَعْنيَيِ (٢) الحديثِ (تَفْسِيرًا) لِلفْظِه، فتَفسيرُه أَوْلَى بلا خلافٍ. تنبيهٌ: مَحَلُّ وجوبِ العملِ بحَملِ الصَّحابيِّ أو تفسيرِه لأحدِ المَحمَلَينِ فيما إذا اسْتَوَيا أو حَمَلَه على الرَّاجحِ، أمَّا إذا حَمَلَه الصَّحابيُّ بتفسيرِه أو عَمَلِه على المرجوحِ، كما إذا حَمَلَ ما ظاهرُه الوجوبُ على النَّدبِ، أو بالعكسِ، أو ما هو حقيقةٌ عَلَى المجازِ، ونحوِ ذلك؛ فـ (لَا) يُقبَلُ حَمْلُه، أو تفسيرٌ (عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، وَعُمِلَ بِالظَّاهِرِ) في الأصحِّ، حَتَّى (وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً) في غيرِ هذه الصُّورةِ، ولهذا قال الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: كيف أَترُكُ الخبَرَ لأقوالِ أقوامٍ لو عاصَرْتُهم لحَجَجْتُهم (٣)؟! (وَ) إنْ كانَ الخبَرُ نصًّا لا يَحتمِلُ تأويلًا، وخالَفَه الصَّحابيُّ؛ فالأصحُّ (لَا يُرَدُّ خَبَرُهُ بِمُخَالَفَةِ مَا) أي: بسببِ مُخالَفَتِه نصًّا (لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا وَلَا يُنْسَخُ) النَّصُّ لاحتمالِ نِسيانِه، ثمَّ لو عُرِفَ ناسخُه لذَكَرَه ورَوَاه ولو مَرَّةً؛ لِئلَّا يَكُونَ كاتمًا للعِلمِ، كروايةِ أبي هُرَيْرَةَ في غسلِ الولوغِ سبعًا، وقولِه: يُغسَلُ ثلاثًا، كما تَقَدَّمَ.

стр. 411

(وَخَبَرُ الوَاحِدِ وَإِنْ (١) خَالَفَ عَمَلَ أَكْثَرِ الأُمَّةِ) مُقَدَّمٌ، يَعني يُعمَلُ بالخبَرِ وإنْ كانَ (٢) عَمَلُ أكثرِ الأُمَّةِ بخلافِ الخبَرِ، وحُكِيَ إجماعًا؛ لأنَّ الخبَرَ أقوى في غَلَبَةِ الظَّنِّ؛ لأنَّه يَجتَهِدُ فيه في العدالةِ والدَّلالةِ، (أَوِ القِياسَ) أي: وخبَرُ الواحدِ وإنْ خالَفَ القياسَ (مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) فهو (مُقَدَّمٌ) على القياسِ، واسْتُدِلَّ له بقولِ عَمر: لولا هذا لقَضَيْنا فيه برأيِنا. ورُجوعِه إلى توريثِ المرأةِ مِن دِيَةِ زَوجِها، وعملِ جماعةٍ مِن الصَّحابةِ. قالَ الإمامُ أحمدُ: أَكثَرُهم يَنهى الرَّجُلَ عنِ الوضوءِ بفضلِ طَهورِ المرأةِ، والقُرعةِ في عتقِ جماعةٍ في مرضِ موتِه، وغيرِ ذلك، وشاعَ ولم يُنْكَرْ (٣). انتهى. ولأنَّ الخطأَ إلى القياسِ أقربُ مِن الخطأِ إلى الخبَرِ؛ لأنَّ الخبَرَ مُستنِدٌ إلى المعصومِ، ويَصِيرُ ضَروريًّا بضمِّ أخبارٍ إليه ولا يَفتَقِرُ إلى قياسٍ ولا إجماعٍ في لبنِ المُصَرَّاةِ وهو أصلٌ بنَفْسِه، أو مُسْتَثْنًى للمصلحةِ وقطعِ النِّزاعِ لاختلاطِه. والقياسُ يُجتَهَدُ فيه في ثُبُوتِ حُكْمِ الأصلِ، وكونِه مُعَلَّلًا، وصلاحيةِ الوصفِ للتَّعليلِ، ووجودِه في الفرعِ، ونَفْيِ المعارِضِ في الأصلِ والفرعِ. (وَيُعْمَلُ بـ) الحديثِ (الضَّعِيفِ فِي): ما ليسَ فيه تحليلٌ ولا تحريمٌ كـ (ـالفَضَائِلِ) عندَ الأكثرِ. قال الإمامُ أحمدُ: إذا رَوَيْنا عنِ النَّبِيِّ ﷺ في الحلالِ والحرامِ شَدَّدْنا في الأسانيدِ، وإذا رَوَيْنا عن النَّبِيِّ ﷺ في فضائلِ الأعمالِ وما لا يُضَيِّعُ حُكْمًا ولا يَرْفَعُه، تَسَاهَلْنا في الأسانيدِ (٤).

стр. 412

تنبيهٌ: قالَ الشَّيخُ عن قولِ أحمدَ وقولِ العلماءِ في العملِ بالحديثِ الضَّعيفِ في فضائلِ الأعمالِ، قال: العملُ به بمَعنى أنَّ النَّفْسَ تَرجُو ذلك الثَّوابَ، أو تَخافُ ذلك العقابَ. ومثالُ ذلك: التَّرغيبُ والتَّرهيبُ بالإسرائيليَّاتِ والمناماتِ، وكلماتِ السَّلَفِ والعلماءِ، ووقائعِ العالمِ، ونحوِ ذلك مِمَّا لا يَجُوزُ بمُجَرَّدِه إثباتُ حُكْمٍ شرعيٍّ لا استحبابٍ، ولا غيرِه، لكنْ يَجُوزُ أن يَدخُلَ في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ فيما عُلِمَ حُسْنُه أو قُبْحُه بأدلَّةِ الشَّرعِ، فإنَّ ذلك يَنفَعُ ولا يَضُرُّ، وسواءٌ كانَ في نَفْسِ الأمرِ حقًّا أو باطلًا .. إلى أنْ قال: والحاصلُ أنَّ هذا البابَ يُروى ويُعمَلُ به في التَّرغيبِ والتَّرهيبِ لا في الاستحبابِ، ثمَّ اعتقادُ موجبِه وهو مقاديرُ الثَّوابِ والعقابِ يَتَوَقَّفُ على الدَّليلِ الشَّرعيِّ (١).

стр. 413

(فَصْلٌ) (المُرْسَلُ) عندَ الأُصُوليِّينَ والفُقهاءِ: (قَوْلُ غَيْرِ صَحَابِيٍّ فِي كُلِّ عَصْرٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وهو ظاهرُ قولِ (١) الإمامِ أحمدَ، وخَصَّه أكثرُ المُحَدِّثينَ وكثيرٌ مِنَ الأُصوليِّينَ بالتَّابعيِّ، سواءٌ كانَ مِن كبارِهم أو مِن صغارِهم. ويَتَفَرَّعُ عليه لو قال تابعُ التَّابعيِّ: «قال رسولُ اللهِ ﷺ »، أو سَقَطَ بينَ الرَّاويَينِ أكثرُ مِن واحدٍ؛ سُمِّيَ مُعْضَلًا في اصطلاحِ أكثرِ المُحَدِّثينَ، والمنقطعُ: سُقُوطُ راوٍ فأكثرَ ممَّن هو دونَ الصَّحابيِّ. (وَهُوَ) أيِ: المُرسَلُ (حُجَّةٌ) في الأصحِّ عن أحمدَ، وعليه الجمهورُ، قال أبو الوليدِ الباجيُّ: إنكارُ كونِه حُجَّةً بدعةٌ حَدَثَتْ بعدَ المئتينِ (٢). انتهى. وذلك لقَبُولِهم مراسيلَ الأئمَّةِ مِن غيرِ نَكيرٍ، فمُرسَلُهم (كَمُرْسَلِ الصَّحَابَةِ (٣) رَضِيَ اللهُ تعالى عنهم، يَعني في الاحتجاجِ، لا مِن كلِّ وجهٍ، حَتَّى قالوا: إنَّ مراسيلَ صِغارِ الصَّحابةِ، كمحمَّدِ بنِ أبي بكرٍ ونحوِه، كمراسيلِ التَّابعينَ، وهذا بلا شكٍّ، فإنَّ أُمَّه أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ وَلَدَتْه في حَجَّةِ الوداعِ قَبْلَ أنْ يَدخُلُوا مَكَّةَ، وذلك في أواخِرِ ذي الحِجَّةِ (٤) سنةَ عَشْرٍ مِن الهجرةِ.

стр. 414

والَّذي استقرَّ عليه رأيُ أهلِ الحديثِ ونُقَّادُ الأَثرِ: أنَّ مُرسَلَ غيرِ الصَّحابيِّ ليسَ بحُجَّةٍ ، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ، واحتَجُّوا بأنَّ فيه جهلًا بعَينِ الرَّاوي وصفتِه، وأمَّا مُرسَلُ الصَّحابةِ فحُجَّةٌ عندَ مُعظَمِ العلماءِ. (وَيَشْمَلُ) اسمُ المُرسَلِ ما سَمَّوْه: (مُعْضَلًا (١)، وَمُنْقَطِعًا) وتَقَدَّمَ تعريفُهما. تنبيهٌ: مَن رَوى عمَّن لم يَلْقَه ووَقَفَه عليه فمُرسَلٌ، ويُسَمَّى موقوفًا. والمُنقطعُ: إمَّا في الحديثِ أو الإسنادِ، على ما يُوجَدُ في كلامِهم من الإطلاقينِ؛ إذ مرَّةً يَقولون في الحديثِ: مُنقطعٌ، ومرَّةً في الإسنادِ: مُنقطعٌ، فالمُنقطعُ بهذا الاعتبارِ أخصُّ مِن مُطلَقِ المُنقطعِ المُقابِلِ للمُتَّصِلِ الَّذِي هو مَوْرِدُ التَّقسيمِ، فإنْ كانَ السَّاقطُ أكثرَ مِن واحدٍ باعتبارِ طَبَقَتَينِ فصاعدًا: إنْ كانَ في موضعٍ واحدٍ يُسَمَّى مُعضَلًا، وإنْ كانَ في مَوضِعَينِ يُسَمَّى مُنقطعًا مِن موضعينِ. إذا عَرَفْت ذلك، فإذا رَوى عمَّن لم يَلْقَه فهو مَرسَلٌ مِن حَيْثُ كونُه انقطَعَ بينَه وبينَ مَن رَوى عنه، ومنقطعٌ على رأيِ المُحَدِّثينَ، وموقوفٌ لكونِه وَقَفَه على شخصٍ، فهو بهذه الاعتباراتِ له ثلاثُ صفاتٍ: يُسَمَّى مُرسلًا باعتبارٍ، ومنقطعًا على رأيِ المُحدِّثينَ، وموقوفًا باعتبارِ كونِه وَقَفَه على شخصٍ. ولَمَّا فَرَغَ مِن السَّنَدِ شَرَعَ في المتنِ مِمَّا يَشتَركُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ، فمِنه: أمرٌ، ونهيٌ، وعامٌّ، وخاصٌّ، ومُطلَقٌ، ومُقَيَّدٌ، ومُجمَلٌ، ومُبَيَّنٌ، وظاهرٌ، ومُؤَوَّلٌ، ومَنطوقٌ، ومفهومٌ. فبَدَأَ بالأمرِ، ثمَّ بالنَّهيِ، لانقسامِ الكلامِ إليها بالذَّاتِ، لا باعتبارِ الدَّلالةِ والمدلولِ، فقولُه:

стр. 415

(بَابٌ) (الأَمْرُ: (١) حَقِيقَةٌ فِي القَوْلِ المَخْصُوصِ) اتِّفاقًا، الأمْرُ لا يُعنَى به مُسَمَّاه كما هو المُتعارَفُ في الإخبارِ عنِ الألفاظِ إنْ تُلُفِّظَ بها، والمُرادُ مُسَمَّياتُها، بل لفظةُ الأمرِ وهو «أمَرَ» كما يُقالُ: زيدٌ مبتدأٌ، وضَرَبَ فعلٌ ماضٍ (١)، و «في» حرفُ جرٍّ حقيقةٌ في القولِ المخصوصِ، ولهذا قال: (وَ) هو (نَوْعٌ مِنْ) أنواعِ (الكَلَامِ)؛ لأنَّ الكلامَ يَكُونُ مِن الأسماءِ فقطْ، ومن الأسماءِ والأفعالِ، ويَكُونُ مِن الفعلِ الماضي وفاعلِه، ومِن الفعلِ المضارعِ وفاعلِه، ومن الفعلِ الأمرِ وفاعلِه. فالكلامُ: الألفاظُ المُتَضَمِّنَةُ لمَعانِيها. تنبيهٌ: اعلمْ أنَّ لَفظَ «الأمرِ» يُطلَقُ بإزاءِ معانٍ لُغَةً وغَيْرَه، منها المعنى الاصطلاحيُّ المُتَقَدِّمُ تعريفُه، وهو المقصودُ في هذا البابِ؛ لأنَّ القولَ يَسبِقُ إلى الفهمِ عندَ الإطلاقِ، ولو كانَ مُتواطِئًا لم يُفهَمْ منه الأخصُّ؛ لأنَّ الأعمَّ لا يَدُلُّ على الأخصِّ، وهو قولُ أهلِ اللُّغةِ. (٢) (وَ) منها أنَّه (مَجَازٌ فِي الفِعْلِ) يُقالُ: زيدٌ في أمْرٍ عظيمٍ مِن سفرٍ أو غيرِه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٢) [أي في الفِعْلِ] (٣)، واسْتُدِلَّ: لو كانَ حقيقةً في الفعلِ لَزِمَ الاشتِراكُ، ولاطَّردَ؛ لأنَّه مِن لَوَازِمِها، ولا يُقالُ

стр. 416

للأكلِ: أمرٌ، ولا يُشتَقُّ له منه «أَمَرَ» ولا مانعَ، ولاتَّحَدَ جَمعاهُما، ولوُصِفَ بكونِه مُطاعًا ومُخالفًا، ولَمَا صَحَّ نفيُه. ومنها الشَّأنُ، كقولِه تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (١) أي: ما شأنُه، والمعنى الَّذِي هو مُباشِرٌ له. ومنها الصِّفةُ، كقولِ الشَّاعرِ: ....................... … لِأَمْرٍ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ (٢) أي: بصفةٍ مِن صفاتِ الكمالِ. ومِنها الشَّيْءُ، كقولِهم: تَحَرَّكَ الجسمُ لأمْرٍ؛ أي: لشيءٍ. ومنها: الطَّريقُ، وقالَ بعضُهم: الطَّريقُ والشَّأنُ بمَعنًى واحدٍ. إذا عُلِمَ ذلك فإطلاقُه على المعنى الاصطلاحيِّ: حقيقةٌ بلا نِزاعٍ، وفي غيرِه: الأصحُّ عندَ العلماءِ أنَّه مجازٌ فيه، وإلَّا لَزِمَ الاشتراكُ. والمجازُ عندَهم خيرٌ مِن الاشتِراكِ؛ لأنَّا إذا حَكَمْنا بأنَّه حقيقةٌ في كلِّ واحدٍ مِن هذه المعاني كانَ مشتَركًا، والمجازُ خيرٌ منه. (وَ) أمَّا (حَدُّهُ): فهو (اقْتِضَاءُ) أي: طلبُ مُسْتَعْلٍ، (أَوِ اسْتِدْعَاءُ مُسْتعْلٍ) أي: بجهةِ الاستِعلاءِ (مِمَّنْ) أي: مِن شخصٍ هو (دُونَهُ) أي: دونَ المُسْتعلي (فِعْلًا بِقَوْلٍ).

стр. 417

وقالَ ابنُ حَمْدَانَ وغيرُه: قولٌ يَطلُبُ به الأعلى مِن الأدنى فِعلًا أو غيرَه (١). قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: كذا قالوا، قال: والأَوْلى على أَصلِنا: قولٌ مع اقتضاءٍ بجهةِ الاستعلاءِ (٢). واعتبَرَ بعضُ أصحابِنا الاستعلاءَ، وصَحَّحَه ابنُ الحاجبِ (٣)، واعتبَرَ أكثرُهم العُلوَّ، ونَسَبَه ابنُ عَقِيلٍ إلى المُحقِّقينَ، فأمْرُ المُسَاوِي لغيرِه يُسَمَّى التماسًا، والأدونِ سُؤالًا. قال المجدُ في «المُسَوَّدَة»: الآمِرُ لا بدَّ أنْ يَكُونَ أعلى رُتبَةً مِن المأمورِ مِن حَيْثُ هو آمِرٌ، وإلَّا كانَ سؤالًا وتَضَرُّعًا، ويُسَمَّى أمرًا: مَجازًا، هذا قولُ أصحابِنا والجمهورِ (٤). وقالَ ابنُ قاضي الجبلِ: مِن النَّاسِ مَن يَشتَرِطُ العلوَّ والاستعلاءَ، كقولِ أصحابِنا وغيرِهم (٥). انتهى. ولم يَعتبِرْهما -ولا واحدًا منهما- أكثرُ الشَّافعيَّةِ. فتَلَخَّصَ في المسألةِ أربعةُ أقوالٍ: أحدُها: اعتبارُ العلوِّ والاستعلاءِ، والثَّاني: عكسُه، والثَّالثُ: اعتبارُ الاستعلاءِ فقطْ، والرَّابعُ: اعتبارُ العلوِّ فقطْ.

стр. 418

(وَتُعْتَبَرُ إِرَادَةُ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ) أي: صيغةِ الأمرِ بلا خلافٍ؛ حَتَّى لا يَرِدَ نحوُ: نائمٌ وساهٍ. قال ابن عَقِيلٍ (١) وغيرُه: اتَّفَقْنا على أنَّ إرادةَ النُّطقِ مُعتبَرةٌ، وإلَّا فليسَ طلبًا واقتضاءً واستدعاءً (٢). (وَ) للأمرِ صيغةٌ (تَدُلُّ بِمُجَرَّدِهَا عَلَيْهِ لُغَةً) عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرهم، قال بعضُ أصحابِنا: قولُهم: «للأمرِ صيغةٌ» صحيحٌ؛ لأنَّ الأمرَ: اللَّفظُ والمعنى، فاللَّفظُ دَلَّ على التَّركيبِ، وليسَ هو عينَ المدلولِ، ولأنَّ اللَّفظَ دَلَّ على صيغتِه الَّتي هي الأمرُ به، كما يُقالُ: يَدُلُّ على كونِه أمرًا، ولم يُقلْ: على الأمرِ. وقال القاضي: الأمرُ يَدُلُّ على طلبِ الفعلِ واستدعائِه (٣). فجَعَلَه مدلولَ، الأمرِ لا عينَ الأمرِ. و (لَا) يُعتَبَرُ في الأمرِ ولا في الخبَرِ: (إِرَادَةُ الفِعْلِ)؛ لإجماعِ أهلِ اللُّغةِ على عَدَمِ اشتِراطِها، ولأنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ إبراهيمَ بذبحِ ولدِه، ولم يُرِدْه منه، ولو أَرادَه لَوَقَعَ؛ لأنَّه فَعَّالٌ لِما يُريدُ، ولأنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ بردِّ الأماناتِ إلى أهلِها، ثمَّ إنَّه لو قال: «واللهِ لأُؤَدِّيَنَّ أمانَتَك إليك غدًا إنْ شاءَ اللهُ»، ولم يفعلْ: لم يَحنَثْ، ولو كانَ مرادُ اللهِ؛ لوَجَبَ أن يَحنَثَ، ولا حنثَ بالإجماعِ. واستعمالُ الصِّيغةِ في غيرِ الأمرِ: مجازٌ، فهي بإطلاقِها له، والأمرُ والإرادةُ يَتَفَاكَّانِ، كمَن يَأمُرُ ولا يُريدُ، أو يُريدُ ولا يَأمُرُ، فلا يَتَلازَمَانِ، وإلَّا اجتمعَ النَّقيضانِ.

стр. 419

(وَالِاسْتِعْلَاءُ: طَلَبٌ بِغِلْظَةٍ) والمُرادُ بالاستعلاءِ: أنْ يَجعَلَ الآمِرُ نَفْسَه عاليًا بكبْريائِه، أو غيرِ ذلك، سواءٌ كانَ في نفسِ الأمرِ كذلك أو لا. (وَالعُلُوُّ: كَوْنُ الطَّالِبِ (١) في نَفْسِه (أَعْلَى رُتْبَةً) مِن المطلوبِ، فالاستعلاءُ مِن صفةِ صيغةِ الآمِرِ وهيئةِ نُطْقِه مثلًا، والعُلوُّ منَ الصِّفاتِ العارضةِ للأمرِ. إذا عَلِمْتَ ذلك فالاستعلاءُ: صفةٌ للكلامِ، والعُلوُّ: صفةٌ للمُتكلِّمِ. (وَتَرِدُ صِيغَةُ افْعِلْ) لمعانٍ كثيرةٍ، اختارَ منها صاحبُ الأصلِ ثمانيةً وعشرينَ، وتَبِعَه المُصَنِّفُ، وذَكَرَ جماعةٌ مِنَ العلماءِ غيرُهما مِمَّا فيه نَظَرٌ: أحدُها: أنَّها تَرِدُ (لِوُجُوبٍ) كقولِه ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٢). ومنه أيضًا: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣)، ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٤). (وَ) الثَّاني: لـ (نَدْبٍ) كقولِه ﷺ : «اسْتَاكُوا» (٥). (وَ) الثَّالثُ: لـ (إِبَاحَةٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٦). تنبيهٌ: إِنَّمَا تُستفادُ الإباحةُ مِن خارجٍ، فلهذه القَرينةِ يُحمَلُ الأمرُ عليها مجازًا بعلاقةِ المُشابهةِ المعنويَّةِ؛ لأنَّ كلًّا مِنهما مأذونٌ فيه.

стр. 420

(وَ) الرَّابعُ: لـ (إِرْشَادٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١)، والضَّابطُ فيه أنْ يُرجَعَ لمصلحةِ الدُّنْيَا بخلافِ النَّدبِ، وأيضًا الإرشادُ لا ثوابَ فيه بخلافِ النَّدبِ. (وَ) الخامسُ: لـ (إِذْنٍ) كقولِك لمُستأذنٍ عليك: «ادخلْ»، ومنهم مَن يُدخِلُ هذا في قِسمِ الإباحةِ، وقد يُقالُ: الإباحةُ إِنَّمَا تَكُونُ مِن صيغِ الشَّرعِ الَّذِي له الإباحةُ والتَّحريمُ، وإنَّما الإذنُ يُعلَمُ بأنَّ الشَّرعَ أَباحَ دُخولَ مِلْكِ ذلك الآذِنِ مثلًا، فتَغَايَرا. (وَ) السَّادسُ: لـ (تَأْدِيبٍ) كقولِه ﷺ لعُمرَ بنِ أبي سَلَمَةَ: «يَا غُلَامُ! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». مُتَّفقٌ عليه (٢). ومنهم مَن يُدخِلُ هذا في قسمِ النَّدبِ، ومنهم مَن قال: يَقْرُبُ مِن النَّدبِ، وهو يَدُلُّ على المُغايرةِ؛ لأنَّ الأدبَ مُتعلِّقٌ بمحاسنِ الأخلاقِ، وعمرُ كانَ صغيرًا، والنَّدبُ يَختَصُّ بالمُكَلَّفينِ. (وَ) السَّابعُ: لـ (امْتِنَانٍ) كقولِه تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، وسَمَّاه أبو المَعالي الإنعامَ، والفرقُ بينَه وبينَ الإباحةِ: أنَّها مُجَرَّدُ إذنٍ، والامتنانُ لا بدَّ فيه مِن اقتِرانِ حاجةِ الخلْقِ لذلك، وعدمِ قُدرتِهم عليه. (وَ) الثَّامنُ: لـ (إِكْرَامٍ) كقولِه تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٤) فإنَّ قَرينةَ ﴿بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ يَدُلُّ على الإكرامِ.

стр. 421

(وَ) التَّاسعُ: لـ (جَزَاءٍ) كقولِه تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١). (وَ) العاشرُ: لـ (وَعْدٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٢)، وقد يُقالُ بدُخُولِ ذلك في الامتنانِ، فإنَّ بُشرى العَبدِ مِنَّةٌ عليه. (وَ) الحَادِيَ عَشَرَ: لـ (تَهْدِيدٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٣) الآيةَ. (وَ) الثَّانِيَ عَشَرَ: لـ (إِنْذَارٍ) كقولِه تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ (٤)، وقد جَعَلَه قومٌ قسمًا مِن التَّهديدِ، والصَّوابُ: المغايرةُ، والفرقُ أنَّ التَّهديدَ: هو التَّخويفُ، والإنذارَ: إبلاغُ المخوفِ، كما فَسَّرَه الجَوْهَرِيُّ (٥) بهما. (وَ) الثَّالثَ عَشَرَ: لـ (تَحْسِيرٍ) وتلهيفٍ، كقولِه تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٦). (وَ) الرَّابعَ عَشَرَ: لـ (تَسْخِيرٍ) كقولِه تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٧)، قال بعضُهم: المُرادُ بالتَّسخيرِ هنا: السُّخريَّةُ بالمُخاطَبِ به، لا بمَعنى التَّكوينِ. (وَ) الخامسَ عَشَرَ: لـ (تَعْجِيزٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، والعلاقةُ بينَه وبينَ الوجوبِ: المُضادَّةُ؛ لأنَّ التَّعجيزَ إِنَّمَا هو في المُمتنعاتِ، والإيجابَ في المُمكناتِ، والفرقُ بينَ التَّعجيزِ والتَّسخيرِ: أنَّ التَّسخيرَ نوعٌ مِن التَّكوينِ، فمَعنى ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ (٩) انْقَلِبوا إليها، وأمَّا التَّعجيزُ: فإلزامُهم أنْ يَنْقَلِبُوا وهم لا يَقدِرون أنْ يَنْقَلِبوا.

стр. 422

(وَ) السَّادسَ عَشَرَ: لـ (إِهَانَةٍ) كقولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (١)، ومِنهم مَن يُسَمِّيه التَّهكُّمَ، وضابطُه: أنْ يُؤتى بلفظٍ (٢) ظاهرُه الخيرُ والكرامةُ والمُرادُ ضِدُّه، والعلاقةُ أيضًا المُضَادَّةُ. (وَ) السَّابعَ عَشَرَ: لـ (احْتِقَارٍ) كقولِه تعالى في قصَّةِ مُوسى ﵇[يُخاطِبُ السَّحَرَةَ] (٣): ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٤) إذْ أمرُهم في مُقابلةِ المُعجزةِ حقيرٌ، والفرقُ بينَه وبينَ الإهانةِ: أنَّها إمَّا بقولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، كتَركِ إجابتِه ونحوِ ذلك، لا بمُجَرَّدِ اعتقادٍ، والاحتقارُ قد يَكُونُ مُجَرَّدَ الاعتقادِ. والثَّامِنَ عَشَرَ: لـ (تَسْوِيَةٍ) كقولِه: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (٥) بعدَ قولِه: ﴿اصْلَوْهَا﴾ (٦) أي: هذه التَّصليةُ لكم، سواءٌ صَبَرْتُم أو لا، فالحالتانِ سواءٌ، والعلاقةُ المُضادَّةُ؛ لأنَّ التَّسويةَ بينَ الفعلِ مضادَّةٌ لوجوبِ الفعلِ. (وَ) التَّاسِعَ عَشَرَ: لـ (دُعَاءٍ) كقولِه تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (٧) وذلك طَلَبٌ أَنْ يُعطِيَهم ذلك على وجهِ التَّفضُّلِ والإحسانِ، والعلاقةُ بينَه وبينَ الإيجابِ: طلبُ أنْ يَقَعَ ذلك لا مَحالةَ. (وَ) العشرون: لـ (تَمَنٍّ) كقولِ امْرِئِ القيسِ (٨): أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي … .......................... وإنَّما حُمِلَ على التَّمَنِّي دونَ التَّرجِّي؛ لأنَّه أبلغُ؛ لأنَّه نَزَّلَ لَيْلَه لطُولِه منزلةَ المُستحيلِ انجلاؤُه، وكقولِك لشخصٍ تراه: كُنْ فلانًا.

стр. 423

وفي الحديثِ قولُ النَّبِيِ ﷺ وهو على تَبُوكَ ورأى شخصًا: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» (١)، ورأى آخَرَ، فقال: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» (٢). (وَ) الحادي والعشرون: لـ (كَمَالِ القُدْرَةِ) كقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، وبعضُهم عَبَّرَ عنه بالتَّكوينِ، وسَمَّاه أبو المعالي وغيرُه التَّسخيرَ، فهو تفعيلٌ مِن «كانَ» بمَعنى «وَجَدَ» فتكوينُ الشَّيْءِ: إيجادُه مِنَ العَدمِ. (وَ) الثَّاني والعشرون: [أنْ يَكُونَ الأمرُ] (٤) بمعنى (خَبَرٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ (٥). فائدةٌ: كما جاءَ الأمرُ بمَعنى الخبَرِ، جاءَ الخبَرُ بمَعنى الأمرِ، كقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٦). وكذا يَجيءُ بمعنى النَّهي، كما في حديثٍ رَوَاه ابنُ ماجه بسندٍ جيِّدٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، ولا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا» (٧) بالرَّفعِ؛ إذْ لو كانَ نهيًا لجُزِمَ، فيُكْسَرُ لالتقاءِ السَّاكنَينِ، وهو أبلغُ مِن صريحِ الأمرِ والنَّهيِ، كما قال أربابُ المعاني؛ لأنَّ المُتَكَلِّمَ لشِدَّةِ طَلَبِه نَزَّلَ المطلوبَ بمنزلةِ الواقعِ لا مَحالَةَ، ومِن هنا تُعرَفُ العَلاقةُ في إطلاقِ الخبَرِ بمعنى الأمرِ والنَّهيِ.

стр. 424

(وَ) الثَّالثُ والعشرونَ: أنَّ صيغةَ الأمْرِ تَرِدُ لـ (تَفْوِيضٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (١)، ويُسَمَّى أيضًا: التَّحَكُمَ، وسَمَّاه بعضُهم: التَّسليمَ، وسَمَّاه نصرُ بنُ محمَّدٍ (٢) المَرْوَزِيُّ: الاستبسالَ. قال: أَعْلَمُوه أنَّهم اسْتَعَدُّوا له بالصَّبْرِ، وأنَّهم غيرُ تاركينَ لدِينِهم، وأنَّهم يَستقِلُّون (٣) ما هو فاعلٌ في جَنْبِ ما يَتَوَقَّعُونَه مِن ثوابِ اللهِ تعالى. (وَ) الرَّابعُ والعشرونَ: لـ (تَكْذِيبٍ) كقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤). (وَ) الخامسُ والعشرونَ: لـ (مَشُورَةٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٥) في قولِ إبراهيمَ لابنِه إسماعيلَ ﵉ إشارةٌ إلى مُشاوَرَتِه في قولِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٦). (وَ) السَّادسُ والعشرونَ: لـ (اعْتِبَارٍ) كقولِه تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (٧)، فإنَّ في ذلك عبْرةً لمن يَعتَبِرُ.

стр. 425

(وَ) السَّابعُ والعِشرون: لـ (تَعَجُّبٍ) كقولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ (١). (وَ) الثَّامنُ والعشرونَ: لـ (إِرَادَةِ امْتِثَالِ أَمْرٍ آخَرَ) كقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، ولا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ» (٢). فإنَّما المقصودُ: الاستسلامُ، والكفُّ عنِ الفِتنِ. والتَّاسعُ والعشرونَ: لتخييرٍ، كقولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣)، وقد يُقالُ: نَفْسُ صيغةِ «افعلْ» ليسَ فيها تخييرٌ بانضمامِ أمْرٍ آخَرَ بضِدِّه، لكنَّ مِثْلَ ذلك يَأتي في التَّسويةِ. والثَّلاثونَ: لاحتياطٍ، كقولِه ﷺ : «فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، بدليلِ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٤)، وليسَ في هذا صيغةُ أمرٍ، إِنَّمَا هو صيغةُ نهيٍ كما تَرى. والحادي والثَّلاثون: لالتماسٍ، كقولِك لنظيرِك: «افعلْ»، وهذا وشِبْهُه مِمَّا يَقِلُّ جَدواه في دَلائلِ الأحكامِ. والثَّاني والثَّلاثونَ: لوعيدٍ، كقولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ (٥) الآيةَ، ولكنَّ هذا مِن التَّهديدِ، [وقالَ بعضُهم: إنَّه أبلغُ مِنَ الوَعيدِ] (٦).
следующие страницы →