← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(وَ) التَّاسعُ: لـ (جَزَاءٍ) كقولِه تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١). (وَ) العاشرُ: لـ (وَعْدٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٢)، وقد يُقالُ بدُخُولِ ذلك في الامتنانِ، فإنَّ بُشرى العَبدِ مِنَّةٌ عليه. (وَ) الحَادِيَ عَشَرَ: لـ (تَهْدِيدٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٣) الآيةَ. (وَ) الثَّانِيَ عَشَرَ: لـ (إِنْذَارٍ) كقولِه تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ (٤)، وقد جَعَلَه قومٌ قسمًا مِن التَّهديدِ، والصَّوابُ: المغايرةُ، والفرقُ أنَّ التَّهديدَ: هو التَّخويفُ، والإنذارَ: إبلاغُ المخوفِ، كما فَسَّرَه الجَوْهَرِيُّ (٥) بهما. (وَ) الثَّالثَ عَشَرَ: لـ (تَحْسِيرٍ) وتلهيفٍ، كقولِه تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (٦). (وَ) الرَّابعَ عَشَرَ: لـ (تَسْخِيرٍ) كقولِه تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٧)، قال بعضُهم: المُرادُ بالتَّسخيرِ هنا: السُّخريَّةُ بالمُخاطَبِ به، لا بمَعنى التَّكوينِ. (وَ) الخامسَ عَشَرَ: لـ (تَعْجِيزٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (٨)، والعلاقةُ بينَه وبينَ الوجوبِ: المُضادَّةُ؛ لأنَّ التَّعجيزَ إِنَّمَا هو في المُمتنعاتِ، والإيجابَ في المُمكناتِ، والفرقُ بينَ التَّعجيزِ والتَّسخيرِ: أنَّ التَّسخيرَ نوعٌ مِن التَّكوينِ، فمَعنى ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ (٩) انْقَلِبوا إليها، وأمَّا التَّعجيزُ: فإلزامُهم أنْ يَنْقَلِبُوا وهم لا يَقدِرون أنْ يَنْقَلِبوا.

стр. 422

(وَ) السَّادسَ عَشَرَ: لـ (إِهَانَةٍ) كقولِه تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (١)، ومِنهم مَن يُسَمِّيه التَّهكُّمَ، وضابطُه: أنْ يُؤتى بلفظٍ (٢) ظاهرُه الخيرُ والكرامةُ والمُرادُ ضِدُّه، والعلاقةُ أيضًا المُضَادَّةُ. (وَ) السَّابعَ عَشَرَ: لـ (احْتِقَارٍ) كقولِه تعالى في قصَّةِ مُوسى ﵇[يُخاطِبُ السَّحَرَةَ] (٣): ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٤) إذْ أمرُهم في مُقابلةِ المُعجزةِ حقيرٌ، والفرقُ بينَه وبينَ الإهانةِ: أنَّها إمَّا بقولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، كتَركِ إجابتِه ونحوِ ذلك، لا بمُجَرَّدِ اعتقادٍ، والاحتقارُ قد يَكُونُ مُجَرَّدَ الاعتقادِ. والثَّامِنَ عَشَرَ: لـ (تَسْوِيَةٍ) كقولِه: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (٥) بعدَ قولِه: ﴿اصْلَوْهَا﴾ (٦) أي: هذه التَّصليةُ لكم، سواءٌ صَبَرْتُم أو لا، فالحالتانِ سواءٌ، والعلاقةُ المُضادَّةُ؛ لأنَّ التَّسويةَ بينَ الفعلِ مضادَّةٌ لوجوبِ الفعلِ. (وَ) التَّاسِعَ عَشَرَ: لـ (دُعَاءٍ) كقولِه تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (٧) وذلك طَلَبٌ أَنْ يُعطِيَهم ذلك على وجهِ التَّفضُّلِ والإحسانِ، والعلاقةُ بينَه وبينَ الإيجابِ: طلبُ أنْ يَقَعَ ذلك لا مَحالةَ. (وَ) العشرون: لـ (تَمَنٍّ) كقولِ امْرِئِ القيسِ (٨): أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي … .......................... وإنَّما حُمِلَ على التَّمَنِّي دونَ التَّرجِّي؛ لأنَّه أبلغُ؛ لأنَّه نَزَّلَ لَيْلَه لطُولِه منزلةَ المُستحيلِ انجلاؤُه، وكقولِك لشخصٍ تراه: كُنْ فلانًا.

стр. 423

وفي الحديثِ قولُ النَّبِيِ ﷺ وهو على تَبُوكَ ورأى شخصًا: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ» (١)، ورأى آخَرَ، فقال: «كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ» (٢). (وَ) الحادي والعشرون: لـ (كَمَالِ القُدْرَةِ) كقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، وبعضُهم عَبَّرَ عنه بالتَّكوينِ، وسَمَّاه أبو المعالي وغيرُه التَّسخيرَ، فهو تفعيلٌ مِن «كانَ» بمَعنى «وَجَدَ» فتكوينُ الشَّيْءِ: إيجادُه مِنَ العَدمِ. (وَ) الثَّاني والعشرون: [أنْ يَكُونَ الأمرُ] (٤) بمعنى (خَبَرٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ (٥). فائدةٌ: كما جاءَ الأمرُ بمَعنى الخبَرِ، جاءَ الخبَرُ بمَعنى الأمرِ، كقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٦). وكذا يَجيءُ بمعنى النَّهي، كما في حديثٍ رَوَاه ابنُ ماجه بسندٍ جيِّدٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «لَا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، ولا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا» (٧) بالرَّفعِ؛ إذْ لو كانَ نهيًا لجُزِمَ، فيُكْسَرُ لالتقاءِ السَّاكنَينِ، وهو أبلغُ مِن صريحِ الأمرِ والنَّهيِ، كما قال أربابُ المعاني؛ لأنَّ المُتَكَلِّمَ لشِدَّةِ طَلَبِه نَزَّلَ المطلوبَ بمنزلةِ الواقعِ لا مَحالَةَ، ومِن هنا تُعرَفُ العَلاقةُ في إطلاقِ الخبَرِ بمعنى الأمرِ والنَّهيِ.

стр. 424

(وَ) الثَّالثُ والعشرونَ: أنَّ صيغةَ الأمْرِ تَرِدُ لـ (تَفْوِيضٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (١)، ويُسَمَّى أيضًا: التَّحَكُمَ، وسَمَّاه بعضُهم: التَّسليمَ، وسَمَّاه نصرُ بنُ محمَّدٍ (٢) المَرْوَزِيُّ: الاستبسالَ. قال: أَعْلَمُوه أنَّهم اسْتَعَدُّوا له بالصَّبْرِ، وأنَّهم غيرُ تاركينَ لدِينِهم، وأنَّهم يَستقِلُّون (٣) ما هو فاعلٌ في جَنْبِ ما يَتَوَقَّعُونَه مِن ثوابِ اللهِ تعالى. (وَ) الرَّابعُ والعشرونَ: لـ (تَكْذِيبٍ) كقولِه تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤). (وَ) الخامسُ والعشرونَ: لـ (مَشُورَةٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٥) في قولِ إبراهيمَ لابنِه إسماعيلَ ﵉ إشارةٌ إلى مُشاوَرَتِه في قولِه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٦). (وَ) السَّادسُ والعشرونَ: لـ (اعْتِبَارٍ) كقولِه تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ (٧)، فإنَّ في ذلك عبْرةً لمن يَعتَبِرُ.

стр. 425

(وَ) السَّابعُ والعِشرون: لـ (تَعَجُّبٍ) كقولِه تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ (١). (وَ) الثَّامنُ والعشرونَ: لـ (إِرَادَةِ امْتِثَالِ أَمْرٍ آخَرَ) كقولِ النَّبيِّ ﷺ : «كُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، ولا تَكُنْ عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ» (٢). فإنَّما المقصودُ: الاستسلامُ، والكفُّ عنِ الفِتنِ. والتَّاسعُ والعشرونَ: لتخييرٍ، كقولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٣)، وقد يُقالُ: نَفْسُ صيغةِ «افعلْ» ليسَ فيها تخييرٌ بانضمامِ أمْرٍ آخَرَ بضِدِّه، لكنَّ مِثْلَ ذلك يَأتي في التَّسويةِ. والثَّلاثونَ: لاحتياطٍ، كقولِه ﷺ : «فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»، بدليلِ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» (٤)، وليسَ في هذا صيغةُ أمرٍ، إِنَّمَا هو صيغةُ نهيٍ كما تَرى. والحادي والثَّلاثون: لالتماسٍ، كقولِك لنظيرِك: «افعلْ»، وهذا وشِبْهُه مِمَّا يَقِلُّ جَدواه في دَلائلِ الأحكامِ. والثَّاني والثَّلاثونَ: لوعيدٍ، كقولِه تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ (٥) الآيةَ، ولكنَّ هذا مِن التَّهديدِ، [وقالَ بعضُهم: إنَّه أبلغُ مِنَ الوَعيدِ] (٦).

стр. 426

والثَّالثُ والثَّلاثونَ: لتَصَبُّرٍ، كقولِه تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١). والرَّابعُ والثَّلاثونَ: لقُرْبِ المَنزلةِ، كقولِه تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ (٢). والخامسُ والثَّلاثونَ: لتحذيرٍ وإخبارٍ بما (٣) يَؤُولُ الأمرُ إليه، كقولِه تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (٤). تنبيهٌ: لَمَّا كانَ بعضٌ مِن أبعاضِ «افْعَلْ» ما يَدُلُّ على الكفِّ عنِ الفعلِ: احتيجَ إلى التَّنبيهِ على إخراجِها، فلهذا قال: (وَكَنَهْيٍ: دَعْ، وَاتْرُكْ) ونحوُهما، فإنَّهما أمرانِ اقْتَضَيَا فعلًا هو كَفٌّ، و «لَا تَدَعْ»، «لا تَتْرُكْ» نهيانِ اقْتَضَيَا فعلًا غيرَ كفٍّ بجهةِ الاستعلاءِ، فلهذا قَيَّدَ جماعةٌ الفعلَ في حدِّ الأمرِ بغيرِ كفٍّ؛ ليَخرُجَ النَّهيُ. قالَ في «جمْع الجوامعِ»: اقتضاءُ فِعلٍ غيرِ كفٍّ مدلولٍ عليه بغيرِ: «كُفَّ» (٥). [فقولُه: «اقتضاءُ فِعلٍ»؛ أي: طلبُ فعلٍ، وهو جنسٌ يَشمَلُ الأمرَ والنَّهيَ، ويُخرِجُ الإباحةَ وغيرَها مِمَّا يُستَعمَلُ منه صيغةُ الأمرِ، وليسَ] (٦) أمرًا. وقولُه: «غيرِ كفٍّ» فَصْلٌ خَرَجَ به النَّهيُ، فإنَّه طَلَبُ فعلٍ هو (٧) كفٌّ.

стр. 427

وقولُه: «مدلولٌ عليه بغيرِ: كُفَّ» صفةٌ لقولِه: «كفٍّ»، وهو قيدٌ زادَه على ابنِ الحاجبِ لإدخالِ قولِنا: كُفَّ نَفْسَك عن كذا، أو أَمْسِكْ عن كذا، فإنَّه أمرٌ مع أنَّه يَخرُجُ بقولِنا: «غيرِ كفٍّ»، فبَيَّنَ أنَّ الكفَّ الَّذِي أُريدَ إخراجُه ما دَلَّ عليه غيرُ كفٍّ إمَّا طلبُ فعلٍ هو كُفّ، دَلَّ عليه كفٌّ، فإنَّه ليسَ نهيًا (١) بل أمرٌ. انتهى. تنبيهٌ: قولُه: «كَفٍّ» الأُولى مصدرٌ مجرورٌ بالإضافةِ، والأخيرةُ فعلُ أمرٍ، وهذا التَّعريفُ على الكلامِ النَّفسيِّ، وأمَّا مَن نَفَاه عَرَّفَ الأمرَ: بأنَّه القولُ الطَّالبُ للفعلِ.

стр. 428

(فَصْلٌ) إذا وَرَدَ (الأَمْرُ مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةٍ) تَصْرِفُه لمَعنًى، كالنَّدبِ، والإباحةِ، والإرشادِ، وغيرِهما؛ فهو: (١) (حَقِيقَةٌ فِي الوُجُوبِ) عندَ الإمامِ أحمدَ وأصحابِه والأكثرِ، ثمَّ اختَلَفَ القائلونَ بهذا المذهبِ، هل اقتضاءُ الوُجوبِ بالشَّرعِ أم باللُّغةِ أم بالعقلِ؟ ثلاثةُ مذاهبَ، اختارَ ابنُ حَمدانَ وغيرُه أنَّه اقتضاه (شَرْعًا) واستدلَّ للجمهورِ بقولِه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (١)، وبقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٢) ذَمَّهم وذَمَّ إبليسَ على مُخالفةِ الأمرِ المُجَرَّدِ ، ودعوى قرينةِ الوجوبِ واقتضاءِ تلك اللُّغةِ لغةً له دونَ هذه غيرُ مسموعةٍ، ولأنَّ السَّيِّدَ لا يُلامُ على عقابِ عَبدِه على مُخالفةِ مُجَرَّدِ أمْرِه باتِّفاقِ العُقلاءِ. (٢) (وَ) الأمرُ المُطلَقُ الَّذِي ليسَ مُقَيَّدًا بمرَّةٍ ولا تَكرارٍ يَكُونُ (لِتَكْرَارٍ حَسَبَ الإِمْكَانِ) عندَ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه، فعلى هذا يَجِبُ استيعابُ العُمرِ به دونَ أزمنةِ قضاءِ الحاجةِ والنَّومِ وضروريَّاتِ الإنسانِ، واحتجَّ له بأنَّ النَّهيَ يَقتضي تَكرارَ التَّركِ، والأمرَ نقيضُه فيَقتضي تَكرارَ (٣) الفعلِ. والأمرُ بالشَّيءِ نهيٌ عن ضِدِّه، فيَقتضي تَكرارَ تَرْكِ الضِّدِّ. وعنه روايةٌ ثانيةٌ: لا يَقتضي التَّكرارَ إلَّا بقَرينةٍ، وبلا قرينةٍ لا يَقتضيه، فعلى هذا يُفيدُ الأمرُ طَلَبَ الماهيَّةِ مِن غيرِ إشعارٍ بوحدةٍ ولا بكثرةٍ، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ الماهيَّةُ في الوجودِ بأقلَّ مِن مَرَّةٍ.

стр. 429

(٣) (وَ) صارَ (فِعْلُ المَرَّةِ) الواحدةِ مِن ضرورةِ الإتيانِ بالمأمورِ به، لا أنَّ الأمرَ يَدُلُّ عليها بذاتِه بل (بِـ) طريقِ (الِالتِزَامِ. وَ) أمْرٌ (مُعَلَّقٌ: - بِـ) فعلٍ (مُسْتَحِيلٍ: ليسَ أَمْرًا) نحوُ: صلِّ، إذا كانَ زيدٌ مُتَحَرِّكًا ساكنًا فهو كقولِه: كُنِ الآنَ مُتَحرِّكًا ساكنًا، - (وَ) لو عُلِّقَ أمرٌ (بِشَرْطٍ، أَوْ صِفَةٍ) فإنْ كانَ علَّةً ثابتةً: تَكَرَّرَ بتَكَرُّرِها اتِّفاقًا؛ لاتِّباعِ العِلَّةِ، لا للأمْرِ، فمعنى هذا التَّكرارِ: أنَّه كُلَّما وُجِدَتِ العلَّةُ وُجِدَ الحُكْمُ، لا أنَّه إذا وُجِدَتِ العلَّةِ يَتكَرَّرُ الفعلُ. مثالُ ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (٢)، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٣)، ونحوُها، فالجنابةُ عِلَّةٌ للطُّهْرِ (٤) والسَّرِقَةُ علَّةٌ للقطعِ، والزِّنا علَّةٌ للجلْدِ، وإنْ كانَ الشَّرطُ أو الصِّفَةُ (لَيْسَا بِعِلَّةٍ) للمأمورِ به بأنْ عُلِّقَ الأمرُ على غيرِ عِلَّةٍ؛ أي: على أمْرٍ لم تَثْبُتْ عِلَّتُه، مثلُ أنْ يَقولَ: إذا دَخَلَ الشَّهرُ فأعتقْ عبدًا مِن عبيدي (لَمْ يَتَكَرَّرِ) الأمرُ (بتَكَرُّرِهِ) ويُمتَثلُ بمَرَّةٍ. (٤) (وَ) مَن قال: الأمرُ للتَّكرارِ قال: هو (لِلْفَوْرِ) أيضًا، وكذا إنْ كانَ الأمرُ لا يَقتضي التَّكرارَ، فيَقتضي الفورَ أيضًا عندَ أحمدَ والأكثرِ؛ لأنَّا نَقطَعُ بالفَورِ إذا قال: اسْقِني، رُدَّ ذلك لقَرينةِ حاجةِ طالبِ الماءِ سريعًا عادةً، وأيضًا كلُّ مُخبِرٍ أو مُنْشِئٍ، فالظَّاهرُ قَصدُ الزَّمَنِ الحاضرِ، كـ: قامَ زيدٌ، و: أنتِ طالقٌ أو حُرَّةٌ، رُدَّ ذلك بأنَّه قياسٌ في اللُّغةِ، ويَتبَيَّنُ بذلك أنَّ اللَّفظَ

стр. 430

وُضِعَ للتَّعجيلِ، وأيضًا الأمرُ نهيٌ عن ضِدِّه، والأمرُ طلبٌ كالنَّهيِ، وأيضًا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (١) ذَمَّه إذْ لم يُبادِرْ، رُدَّ بقولِه: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ﴾ (٢)، وأيضًا مُستلزِمٌ للأمرِ لاستلزامِ الوجوبِ إيَّاه؛ لأنَّ وجوبَ الفعلِ مستلزِمٌ لوجوبِ اعتقادِه على الفورِ، ولأنَّه أحوطُ لخُروجِه عنِ العُهدةِ إجماعًا ولإثمِه بموتِه، رُدَّ: لو صُرِّحَ بالتَّأخيرِ، وَجَبَ تعجيلُ الاعتقادِ لا تعجيلُ الفعلِ، فلا ملازمةَ. (وَفِعْلُ عِبَادَةٍ: (١) لَمْ يُقَيَّدْ) فِعلُها (بِوَقْتٍ)، وقُلْنا بالفَوريَّةِ حالَ كونِ الفعلِ (مُتَرَاخِيًا) عنها: قضاءٌ بالأمرِ الأوَّلِ عندَ أصحابِنا والجمهورِ، وإنْ قُلْنا: الأمرُ للتَّراخي فليسَ بقضاءٍ قطعًا. (٢) (أَوْ) أي: وفعلُ عبادةٍ (مُقَيَّدٌ) فِعلُها (بِهِ) أي: بالوقتِ (بَعْدَهُ) أي: إذا فَعَلَهَا بعدَ الوقتِ؛ فهو (قَضَاءٌ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ) فيَمنَعُ الحيضُ الصَّومَ إجماعًا، وتَقضيه إجماعًا هي وكلُّ معذورٍ بالأمرِ السَّابقِ، لا بأمرٍ جديدٍ في الأشهَرِ، اختارَه الأكثرُ. (وَالأَمْرُ بِـ) شيءٍ (مُعَيَّنٍ: نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مَعْنًى) لا لفظًا، فالحركةُ نهيٌ عن نفسِ السُّكونِ الَّذِي هو ضِدٌّ لها، بناءً على أصلِنا أنَّ مُطلَقَ الأمرِ للفَورِ؛ لأنَّ أمرَ الإيجابِ: طلبُ فعلٍ يُذَمُّ تاركُه إجماعًا، ولا ذَمَّ إلَّا على فعلٍ، وهو الكفُّ عنه، أو الضِّدُّ، فيَستلزمُ النَّهيَ عن ضِدِّه أوِ النَّهيَ عنِ الكفِّ عنه، ولأنَّه لا يَتِمُّ الواجبُ إلَّا بتَركِ ضدِّه، فيَكُونُ مطلوبًا وهو مَعنى النَّهيِ،

стр. 431

(وَكَذَا العَكْسُ) وهو أنَّ النَّهيَ عن شيءٍ مُعَيَّنٍ أمْرٌ بضِدِّه مِن جهةِ المعنى لا اللَّفظِ، كالنَّهي عن صومِ يومِ العيدِ أمْرٌ بفِطرِه. تنبيهٌ: النَّهيُ إنْ كانَ له ضدٌّ واحدٌ فمأمورٌ به قطعًا، كالنَّهيِ عنِ الكُفرِ، فإنَّه أمرٌ بالإيمانِ، وإنْ كانَ له أضدادٌ كالنَّهيِ عنِ القيامِ، فإنَّ له أضدادًا مِن ركوعٍ وسجودٍ وقعودٍ ونَحوِها، ففي الأمْرِ بها إذا قُلْنَا أمرٌ بأضدادِه، أو يَستلْزِمُه، هل المُرادُ جميعُ الأضدادِ أو واحدٌ منها لا بعينِه؟ فيه خلافٌ، الصَّحيحُ أنَّه أمرٌ بجميعِ الأضدادِ، كما يَظْهَرُ مِن عباراتهم، ولهذا قال: (وَلَوْ تَعَدَّدَ ضِدٌّ) لكنْ قالوا في تمثيلِهم: كالأمرِ (١) بالقيامِ فإنَّ له أضدادًا، [إلى آخِرِه] (٢)، وقاسُوا النَّهيَ عليه. (وَنَدْبٌ) أي: وأمْرُ نَدْبٍ، (كَـ) أمْرِ (إِيجَابٍ) عندَ الأكثرِ إنْ قيلَ: مأمورٌ به حقيقةً. (وَالأَمْرُ بَعْدَ: (١) حَظْرٍ) للإباحةِ على الصَّحيحِ الَّذِي عليه الجُمهورُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣)، وقولُه ﵊: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ؛ فَادَّخِرُوهَا» (٤). تنبيهٌ: مَحَلُّ ذلك إذا فَرَّعْنا على أنَّ اقتضاءَ الأمرِ: الوجوبُ، فوَرَدَ بعدَ حظرٍ، ففيه هذا الخلافُ، والصَّحيحُ أنَّه للإباحةِ حقيقةً؛ لتَبادُرِها إلى الذِّهنِ في ذلك، لغلبةِ استعمالِه فيها حينئذٍ، والتَّبادُرُ علامةُ الحقيقةِ، وأيضًا

стр. 432

فإنَّ النَّهيَ يَدُلُّ على التَّحريمِ، فوُرودُ الأمرِ بعدَه يَكُونُ لرفعِ التَّحريمِ وهو المُتبادرُ، فالوجوبُ أو النَّدبُ زيادةٌ لا بدَّ لها مِن دليلٍ، والأصلُ عدمُ دليلٍ سِوى الحظرِ، والإجماعُ حادثٌ بعدَه ﷺ ، وأمَّا عندَ وجودِ القَرينةِ فيُحمَلُ على ما يُناسِبُ المقامَ بلا خلافٍ. (٢) (أَوْ) أي: وكذا الحُكْمُ فيما إذا فَرَّعْنا على أنَّ الأمرَ المُجرَّدَ للوجوبِ، فوُجِدَ أمْرٌ بعدَ (اسْتِئْذَانٍ) فإنَّه لا يَقتضي الوُجوبَ، بلِ الإباحةَ، ذَكَرَه القاضي (١) مَحَلَّ وفاقٍ، وكذا ابنُ عَقِيلٍ (٢). قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: لا فرقَ بينَ الأمرِ بعدَ الحظرِ وبينَ الأمرِ بعدَ الاستئذانِ (٣). وقالَ في «القواعد الأصوليَّة» (٤): وإطلاقُ جماعةٍ ظاهِرُه الوجوبُ مِنهم الرَّازيُّ في «المحصول» (٥) فإنَّه جَعَلَ الأمرَ بعدَ الحظرِ والاستئذانِ، الحُكْمُ فيهما واحدٌ، واختارَ أنَّ الأمرَ بعدَ الحظرِ للوجوبِ، فكذا بعدَ الاستئذانِ عندَه. انتهى. إذا عَلِمْتَ ذلك، فلا يَستقيمُ قولُ القاضي وابنِ عَقِيل لِما اسْتَدَلَّا على نقضِ الوضوءِ بلحمِ الإبلِ بالحديثِ الَّذِي في «صحيح (٦) مسلمٍ» لمَّا سُئِلَ عن التَّوَضُّؤِ مِن لحومِ الإبلِ، فقال: «نَعَمْ؛ تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» (٧).

стр. 433

وممَّا يُقَوِّي الإشكالَ أنَّ في الحديثِ الأمرَ بالصَّلاةِ في مرابضِ الغَنَمِ، وهو بعدَ سؤالٍ، ولا يَجِبُ بلا خلافٍ، بل ولا يُستَحَبُّ. فإنْ قُلْتَ: فإذا كانَ كذلك فلِم يَسْتَحِبُّون الوضوءَ منه، والاستحبابُ حُكْمٌ شرعيٌّ يَفتقرُ إلى دليلٍ، وعندَهم هذا الأمرُ يَقتضي الإباحةَ؟ قُلْتُ: إذا قِيلَ باستحبابِه؛ فلدليلٍ غيرِ هذا، وهو أنَّ أكلَ لحمِ الإبلِ يُورِثُ قُوَّةً ناريَّةً يُناسِبُ أنْ تُطْفَأَ بالماءِ، كالوضوءِ عندَ الغضبِ، ولو كانَ الوضوءُ مِن أكلِ لحمِ الإبلِ واجبًا على الأُمَّةِ -وكلُّهم كانوا يَأكلُونَ لحمَ الإبلِ- لم يُؤَخِّرْ بيانَ وقتِ وجوبِه حَتَّى يَسْأَلَه سائلٌ فيُجيبَه، فعُلِمَ أنَّ مَقصودَه أنَّ الوضوءَ مِن لحومِها مشروعٌ، وهو حقُّ اللهِ، واللهُ أعلمُ. وقد يُقالُ: الحديثُ إِنَّمَا ذُكِرَ فيه بيانُ وجوبِ ما يُتَوَضَّأُ منه بدليلِ أنَّه لَمَّا سُئِلَ عنِ الوضوءِ مِن لحومِ الغنمِ، قال: «إِنْ شِئْتَ تَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ» (١) مع أنَّ التَّوَضُّؤَ مِن لحومِ الغَنمِ مباحٌ، فلَمَّا خَيَّرَ في لحمِ الغَنمِ وأَمَرَ بالوضوءِ مِن لحمِ الإبلِ، دَلَّ على أنَّ الأمرَ ليسَ هو لمُجرَّدِ الإذنِ، بل للطَّلبِ الجازمِ. (٣) (أَوْ) أي: ومثلُ ما تَقَدَّمَ: الأمرُ (بِمَاهِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ سُؤَالِ تَعْلِيمٍ)؛ فيَكُونُ (لِلْإِبَاحَةِ) كالأمْرِ بعدَ الاستئذانِ في الأحكامِ والمَعنَى، وحينئذٍ فلا يَستقيمُ استدلالُ الأصحابِ على وجوبِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في التَّشهُّدِ الأخيرِ بما ثَبَتَ عنه ﷺ أنَّه قِيلَ له: يا رسولَ اللهِ! قد عَلِمْنا كيف نُسَلِّمُ عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ

стр. 434

عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ … » (١) الحديثَ، نعمْ، إنْ ثَبَتَ الوجوبُ مِن خارجٍ، فيَكُونُ هذا الأمرُ للوجوبِ؛ لأنَّه بيانٌ لكيفيَّةٍ واجبةٍ، واللهُ أعلمُ. (وَنَهْيٌ) عن شيءٍ (بَعْدَ أَمْرٍ) به: (للتَّحْرِيمِ)؛ لأنَّه آكَدُ، وهو قولُ الأكثرِ، وفُرِّقَ بينَه وبينَ الأمرِ بأوجهٍ: أحدُها: أنَّ مُقتضى النَّهيِ -وهو التُّركُ- موافِقٌ للأصلِ، بخلافِ مُقتضى الأمرِ، وهو الفعلُ. الثَّاني: أنَّ النَّهيَ: لدفعِ مَفسدَةِ المَنهيِّ عنه، والأمرَ: لتحصيلِ مصلحةِ المأمورِ به، واعتناءُ الشَّارعِ بدَفعِ المفاسدِ أشدُّ مِن جلبِ المصالحِ. الثَّالثُ: أنَّ القولَ بالإباحةِ في الأمرِ بعدَ التَّحريمِ سَبَبُه وُرُودُه [في القُرآنِ] (٢) والسُّنَّةِ كثيرًا للإباحةِ، وهذا غيرُ موجودٍ في النَّهيِ بعدَ وجوبٍ. (وَكَأَمْرٍ: خَبَرٌ بِمَعْنَاهُ) قالَ الشَّيخُ (٣) وغيرُه: الخبَرُ بمَعنى الأمرِ كالأمرِ، وكذا الأمرُ بمَعنى النَّهيِ، فهو كالنَّهيِ، نحوُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ (٤)، ونحوُ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٥)، ومِن الدَّليلِ على أنَّ ذلك مَعناه، وأنَّ ذلك كالأمرِ والنَّهيِ: دُخولُ النَّسخِ فيه؛ إذِ الأخبارُ المَحضَةُ لا يَدخُلُها النَّسخُ، ولأنَّه لو كانَ خبَرًا لم يُوجَدْ خلافُه، واستندَ بعضُهم في ذلك لقولِ البيانِيِّينَ وغيرِهم إنَّ ذلك أبلغُ مِن صريحِ الأمرِ والنَّهيِ.

стр. 435

(وَأَمْرٌ بِأَمْرٍ) لآخَرَ (بِشَيْءٍ: ليسَ أَمْرًا بِهِ) عندَ الأكثرِ، كقولِه تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ (١)، وقولِه ﵊: «مُرُوهُمْ بِهَا لِسَبْعٍ» (٢) لأنَّه لو كانَ أمرًا لكانَ قولُ القائلِ: «مُرْ عبدَك» تَعَدِّيًا وتناقضًا لقولِه للعبدِ: لا تَفعَلْ، والرَّسولُ مُبَلِّغٌ لا آمِرٌ. (و) ممَّا يَلْحَقُ بهذه المسألةِ ويُشْبِهُها: قولُه تعالى: (﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣) فإنَّ الأمرَ بالأخذِ يَتَوَقَّفُ على إعطائِهم ذلك، إذا تَقَرَّرَ ذلك فـ (ليسَ) ذلك (أَمْرًا لَهُمْ بِإِعْطَاءٍ) على الصَّحيحِ. وقالَ أبو بكرٍ البَاقِلَّانِيُّ: يَجِبُ الإعطاءُ لا بهذا الطَّريقِ بل بالإجماعِ؛ لأنَّه إذا وَجَبَ عليه الأخذُ قِيلَ له: مُرْ بالإعطاءِ، وامتثالُ أمْرِه واجبٌ (٤). (وَ) إذا وَرَدَ (أَمْرٌ بِصِفَةٍ) أو هيئةٍ لفِعلٍ، ودَلَّ الدَّليلُ على استحبابِها: ساغَ التَّمسُّكُ به على وجوبِ أصلِ الفعلِ، لتَضَمُّنِه الأمرَ به؛ لأنَّ مُقتضاه وجوبُهما، فإذا خُولِفَ في الصَّريحِ: بَقِيَ المُتضمَّنُ على أصلِ الاقتضاءِ، ذَكَرَه أصحابُنا. قال أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ: الأمرُ بالصِّفةِ (أَمْرٌ بِالمَوْصُوفِ) كالأمرِ (٥) بالطُّمأنينةِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ يَكُونُ أمرًا بهما (٦). انتهى.

стр. 436

ونَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، حَيْثُ تَمَسَّكَ على وجوبِ الاستنشاقِ بالأمْرِ بالمُبالغةِ. (وَأَمْرٌ مُطْلَقٌ بِبَيْعٍ) أي: غيرِ مُقَيَّدٍ بثَمنِ مِثْلٍ أو غيرِه، كقولِه لوكيلِه: «بِعْ كذا»، فعندَ أصحابِنا (يَتَنَاوَلُهُ) أي: يَتَنَاوَلُ البيعَ حَتَّى (وَلَوْ) وَقَعَ (بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَيَصِحُّ) العَقدُ معَه (وَيَضْمَنُ) الوكيلُ (النَّقْصَ) قال بعضُ أصحابِنا: الأمرُ بالماهيَّةِ الكُلِّيَّةِ إذا أَتَى بمُسَمَّاها: امْتُثِلَ، ولم يَتَنَاوَلِ اللَّفظُ للجُزئيَّاتِ، ولم يَنْفِها، فهي مِمَّا لا يَتِمُّ الواجبُ إلَّا به. (وَ الأَمْرَانِ المُتَعَاقِبَانِ (١): (١) بِلَا عَطْفٍ - إِنِ اخْتَلَفَا: عُمِلَ بِهِمَا) إجماعًا كقولِك: صُمْ، صلِّ، زكِّ، حُجَّ، ونحوَها. - (وَإِلَّا) أي: وإن لم يَختلِفِ الأمرانِ، بل تَمَاثَلَا (وَلَمْ يَقْبَلِ) الأمرُ (التَّكْرَارَ) كـ: صُمْ يومَ الجمعةِ، صُمْ يومَ الجُمعةِ، (أَوْ قَبِلَ) الأمرُ التَّكرارَ (وَمَنَعَتْهُ (٢) العَادَةُ) كـ: اسْقِني ماءً، اسْقِني ماءً، (أَوْ) قَبِلَ الأمرُ التَّكرارَ و (عُرِّفَ ثَانِـ) ـي الأمرينِ بالألِفِ واللَّامِ، كـ: صلِّ ركعتينِ، صلِّ الرَّكعتينِ، (أَو) قَبِلَ الأمرُ التَّكرارَ، ولكنْ (بَيْنَ آمِرٍ وَمَأْمُورٍ عَهْدٌ ذِهْنِيٌّ) يَمنَعُ التَّكرارَ، كمَن له على آخَرَ درهمٌ، فقالَ له (٣): أحضرْ لي درهمًا، أحضرْ لي درهمًا؛ (فَـ) الثَّاني (تَأْكِيدٌ) للأوَّلِ إجماعًا في الصُّورِ الأربعِ، (وَإِلَّا) أي: وإن لم تَمْنَعِ العادةُ التَّكرارَ، ولم يُعَرَّفْ ثاني الأمرين، ولا كانَ بينَ الآمِرِ والمأمورِ عهدٌ ذهنيٌّ،

стр. 437

كـ: صُمْ صُمْ، صلِّ صلِّ، أعطِ زيدًا درهمًا، أعط زيدًا درهمًا، ونحوِ ذلك؛ (فَـ) الثَّاني (تَأْسِيسٌ) أي: تَكْرِيرٌ لا تأكيدٌ (كَبَعْدَ امْتِثَالِ) الأمرِ الأوَّلِ، كقولِنا فيمَن قال لزوجتِه: «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ»: يَلْزَمُه طلقتانِ، الأصلُ التَّأسيسُ. (٢) (وَ) الأمرانِ المُتعاقبانِ (بِهِ) أي: بالعَطفِ بأنْ كانَ الثَّاني معطوفًا على الأوَّلِ، - فـ (إِنِ اخْتَلَفَا: عُمِلَ بِهِمَا) كـ: أقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاةَ، - (وَإِلَّا) بأنْ تَمَاثَلَا، فتارةً يَقبَلُ العَطفُ التَّكرارَ (وَ) تارةً لا يَقبَلُ، فإنْ (لَمْ يَقْبَلِ التَّكْرَارَ) فتارةً لا يَقبَلُه حِسًّا، كـ: اقتلْ زيدًا، واقتلْ زيدًا، وتارةً لا يَقبَلُه حُكمًا، كـ: أعتقْ سالمًا، وأعتقْ سالمًا؛ (فَـ) الثَّاني (تَأْكِيدٌ) بلا خلافٍ. (وَإِنْ قَبِلَ) التَّكرارَ مع كونِه معطوفًا على الأوَّلِ، (وَلَمْ تَمْنَعْ عَادَةٌ) مِن التَّكرارِ، (ولا عُرِّف ثَانِـ) ـي الأمرينِ بـ: «الـ»؛ (فَـ) الثَّاني (تَأْسِيسٌ) كـ: صُمْ يومًا وصُمْ يومًا. (وَإِنْ مَنَعَتْ عَادَةٌ) مِن التَّكرارِ (تَعَارَضَا (١) أي: العَطفُ ومَنْعُ العادةِ، كـ: اسْقِني ماءً، واسْقِني ماءً، وجَزَمَ الشَّيخُ هنا بالتَّكرارِ. (وَإِلَّا) أي: وإن لم تَمنَعِ العادةُ مِن التَّكرارِ، (وَعُرِّفَ ثَانِـ) ـي الأمرينِ؛ (فَـ) الثَّاني (تَأْكِيدٌ) كـ: صلِّ ركعتينِ، وصلِّ الصَّلاةَ، واختارَ الآمِدِيُّ (٢) وغيرُه الوقفَ لتعارُضِ العَطفِ والتَّأسيسِ مع منْعِ العادةِ والتَّعريفِ.

стр. 438

(بَابٌ) (النَّهْيُ: مُقَابِلٌ لِلْأَمْرِ فِي كُلِّ حَالِهِ) يَعني فكلُّ ما قِيلَ في حدِّ الأمرِ، مِن كونِه مِن المَتنِ الَّذِي يَشتَرِكُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ، وكونِه نوعًا مِن الكلامِ، وأنَّ له صيغةً، وما في مسائلِه مِن مُختارٍ ومُزَيَّفٍ؛ يَكُونُ مِثْلُه في النَّهيِ. (وَصِيغَتُهُ: «لَا تَفْعَلْ»، وَتَرِدُ) لمَعانٍ، قال في «شرحِ الأصلِ» (١): ذَكَرْنا هنا غالِبَها: أحدُها: وُرودُها (لِتَحْرِيمٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢) فهي حقيقةٌ فيه، وما عَدَاه مجازٌ. (وَ) الثَّاني: لـ (كَرَاهَةٍ) كقولِه ﷺ : «لَا يَمَسَّنَّ (٣) أَحَدٌ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ (٤) وَهُوَ يَبُولُ» (٥). (وَ) الثَّالثُ: لـ (تَحْقِيرٍ (٦) كقولِه تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٧). (وَ) الرَّابعُ: لـ (بَيَانِ العَاقِبَةِ) كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (٨).

стр. 439

(وَ) الخامسُ: لـ (دُعَاءٍ) كقولِه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ (١) الآيةَ. (وَ) السَّادسُ: لـ (يَأْسٍ) كقولِه تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). (وَ) السَّابعُ: لـ (إِرْشَادٍ) كقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣)، والمُرادُ أنَّ الدَّلالةَ على الأحوطِ تَرْكُ ذلك. (وَ) الثَّامنُ: لـ (أَدَبٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٤)، ولكنَّ هذا راجعٌ للكراهةِ؛ إذِ المُرادُ لا تتعاطوا أسبابَ النِّسيانِ، فإنَّ نَفْسَ النِّسيانِ لا يَدخُلُ تحتَ القُدرةِ حَتَّى يُنهى عنه. (وَ) التَّاسعُ: لـ (تَهْدِيدٍ) كقولِ السَّيِّدِ لعبدِه وقد أَمَرَه بفعلِ شيءٍ، فلَمْ يَفعَلْه: لا تَفعَلْه؛ فإنَّ عادتَك ألَّا تَفعَلَه بدونِ المُعاقبةِ. (وَ) العاشرُ: لـ (إِبَاحَةِ التَّركِ) كالنَّهيِ بعدَ الإيجابِ، كقولِه ﷺ : «ولا تَتَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ» (٥)، وهذا على قولِ أنَّ النَّهيَ بعدَ الإيجابِ للإباحةِ، والصَّحيحُ خلافُه. (وَ) الحاديَ عَشَرَ: لـ (التِمَاسٍ) كقولِك لنَظيرِك: «لا تفعلْ» عندَ مَن يَقُولُ: إنَّ صيغةَ الأمرِ لها ثلاثُ صفاتٍ: أعلى، ونظيرٌ، وأدوَنُ، وكذلك النَّهيُ.

стр. 440

(وَ) الثَّانيَ عَشَرَ: لـ (تَصَبُّرٍ) كقولِه تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١). (وَ) الثَّالثَ عَشَرَ: لـ (إِيقَاعِ أَمْنٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٢). (وَ) الرَّابعَ عَشَرَ: لـ (تَسْوِيَةٍ) كقولِه تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (٣). (وَ) الخامسَ عَشَرَ: لـ (تَحْذِيرٍ) كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤). (فَإِنْ تَجَرَّدَتْ) صيغةُ النَّهيِ عنِ المعاني المذكورةِ والقَرائنِ: (فَـ) هِيَ (لِتَحْرِيمٍ) يعني اقْتَضَتِ التَّحريمَ، على الصَّحيحِ عندَ العلماءِ مِن المذاهبِ الأربعةِ وغيرِهم. تنبيهٌ: المنهيُّ عنه أقسامٌ: أحدُها: أنْ يَكُونَ النَّهيُ عنه لذاتِه، كالكفرِ، والكذبِ، والجَورِ. الثَّاني: أنْ يَكُونَ النَّهيُ عنه لخارجٍ عنه، لكنَّه لوصفِه اللَّازمِ، كالنَّهيِ عن نكاحِ الكافرِ للمُسلمةِ، وعن بيعِ العبدِ المسلمِ للكافرِ، فإنَّ ذلك يَلْزَمُ منه إثباتُ القيامِ والاستيلاءِ، والسَّبيلِ للكافرِ على المسلمِ. الثَّالثُ: أنْ يَكُونَ النَّهيُ عنه لأمرٍ خارجٍ غيرِ لازمٍ، كبيعٍ بعدَ نداءِ الجمعةِ. (وَ) إذا عَرَفْتَ ذلك، فورودُ صيغةِ النَّهيِ (مُطْلَقَةً) أي: مِن غيرِ أن يَقتَرنَ بها ما يَدُلُّ على الفسادِ أوِ الصِّحَّةِ (عَنْ شَيْءٍ:

стр. 441

(١) لِعَيْنِهِ) أي: لذاتِ ذلك الشَّيْءِ كالظُّلمِ ونحوِه منَ المُستَقبحِ لذاتِه عقلًا يَقتضي فسادَه مِن جهةِ الشَّرعِ على الصَّحيحِ، وعليه الأكثرُ، واحتُجَّ لذلك: بالكتابِ، والسُّنَّةِ، والاعتبارِ، ومُناقضةِ الخصومِ. أمَّا الأوَّلُ فلم يَزَلِ العلماءُ يَستدلُّون على الفسادِ بالنَّهيِ، كاحتجاجِ ابنِ عمرَ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (١) وشاعَ وذاعَ مِن غيرِ نكيرٍ. فإنْ قُلْتَ: احتجاجُهم إِنَّمَا هو على التَّحريمِ لا على الفسادِ. قُلْتُ: بل على كِلَيْهِما، ألا تَرى إلى حديثِ بيعِ الصَّاعينِ بالصَّاعِ، وقولِه ﷺ : «أَوَّهْ! عَيْنُ الرِّبَا» (٢) وذلك بعدَ القَبضِ، فأَمَرَ برَدِّه. وأمَّا الثَّاني ففي «صحيحِ مسلمٍ» أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٣)، والرَّدُّ إذا أُضيفَ إلى العِباداتِ اقْتَضَى عدمَ الاعتدادِ بها، وإنْ أُضِيفَ إلى العُقودِ اقتضى الفسادَ. فَإِنْ قِيلَ: مَعناه ليسَ بمقبولٍ ولا طاعةٍ. قُلْنا: الحديثُ يَقتضي رَدَّ ذاتِه، فإنْ لم يُمْكِنِ: اقْتضى رَدَّ مُتَعَلَّقِه. وأمَّا الثَّالثُ وهو الاعتبارُ، فلأنَّ النَّهيَ يَدُلُّ على تَعَلُّقِ مفسدةٍ بالمَنهيِّ عنه أو بما يُلازِمُه؛ لأنَّ الشَّارعَ حكيمٌ لا يَنهى عنِ المصالحِ، وفي القضاءِ بإفسادِها إعدامٌ لها بأبلغِ الطَّريقِ، ولأنَّ النَّهيَ عنها مع ربطِ الحُكْمِ بها

стр. 442

مُفضٍ إلى التَّناقُضِ في الحِكمةِ؛ لأنَّ نَصْبَها سببًا يُمَكِّنٌ (١) مِن التَّوسُّلِ، والنَّهيُ مَنعٌ (٢) مِن التَّوسُّلِ، ولأنَّ حُكمَها مقصودُ الآدميِّ ومُتَعَلَّقُ غرضِه، فتَمكينُه منه حَثٌّ على تعاطيه، والنَّهيُ مَنْعٌ مِن التَّعاطي، ولأنَّه لو لم يَفْسُدِ المنهيُّ عنه لَزِمَ مِن نَفيِه؛ لكونِه مَطلوبَ التَّركِ بالنَّهيِ حكمةٌ للنَّهيِ، ومِن ثُبوتِه لكونِ الغَرضِ جوازَ التَّصرُّفِ وصِحَّتَه حِكمةٌ للصِّحَّةِ، واللَّازمُ باطلٌ؛ لأنَّ الصِّحَّةَ والنَّهيَ إنْ تَسَاويا أو رَجَحَتْ حكمةُ الصِّحَّةِ: امتنعَ النَّهيُ؛ لخُلُوِّه عنِ الحكمةِ، وإلَّا امتنعَتِ الصِّحَّةُ لعدمِ حِكْمَتِها. وأمَّا المُناقضةُ، وهو الرَّابعُ: فلأنَّ المُخالفينَ أَبْطَلُوا النِّكاحَ في العِدَّةِ، ونكاحَ المُحْرِمِ، والمُحاقلةَ، والمُزابنةَ، والمُنابذةَ، والمُلامسةَ، والعقدَ على منكوحةِ الأبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣) الآيةَ، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٤)، والصلاةَ في المكانِ النَّجِسِ والثَّوبِ النَّجِسِ، وحالةَ كشفِ العَورةِ إلى غيرِ ذلك، ولا مُستندَ إلَّا النَّهيُ. (٢) (أَوْ) أي: وهذا القِسْمُ الثَّاني المَنهيُّ عنه لـ (وَصْفِهِ) اللَّازمِ له كالنَّهيِ عن صومِ يومِ العيدِ (٥)، وأيَّامِ التَّشريقِ (٦)؛ فإنَّ ذلك (يَقْتَضِي فَسَادَهُ شَرْعًا)؛ لكونِ العيدِ وأيَّامِ التَّشريقِ أيَّامَ ضيافةِ اللهِ ، وهذا مَعنًى لازمٌ لها، ومِثْلُه النَّهيُ عنِ الرِّبا لوصفِ الزِّيادةِ المُقارِنِ للعقدِ اللَّازمِ،

стр. 443

(٣) (وَكَذَا) لو كانَ النَّهيُ عن عقدٍ (لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ) وهو القسمُ الثَّالثُ؛ أي: لأمرٍ خارجٍ غيرِ لازمٍ، (كَـ) النَّهيِ عن (بَيْعٍ بَعْدَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ (١) فالصَّحيحُ أنَّه يَقتضي فسادَه، كالوضوءِ بماءٍ مغصوبٍ، فإنَّ النَّهيَ عنه لأمرٍ خارجٍ عنه، وهو الغصبُ، يَنْفَكُّ بالإذنِ مِن صاحبِه، أو المِلكِ، ونَحوِه. و (لَا) يَقتضي النَّهيُ فسادَ المنهيِّ عنه إنْ كانَ النَّهيُ (عَنْ غَيْرِهِ) أي: إنْ كانَ النَّهيُ عن غيرِ عقدٍ (لِحَقِّ آدَمِيٍّ) فحيثُ قال أصحابُنا باقتضاءِ (٢) النَّهيِ الفسادَ، فمُرادُهم: ما لم يَكُنْ لحقِّ آدميٍّ يُمكِنُ استدراكُه، فإنْ كانَ ولا مانعَ (كَتَلَقِّـ) ـي الرُّكبانِ، وكـ (نَجْشٍ): وهو أنْ يَزيدَ في السِّلعةِ مَن لا يُريدُ شراءَها، (وَ) كـ: (سَوْمٍ) على سومِ مسلمٍ (وَخِطْبَةٍ) على خِطبتِه (وَتَدْلِيسٍ) لِمَبِيعٍ: (فيَصِحُّ) العقدُ عندَ الأكثرِ؛ لإثباتِ الشَّرعِ الخيارَ في التَّلقِّي. (وَ النَّهْيُ يَقْتَضِي: (١) الفَوْرَ، (٢) وَالدَّوَامَ) عندَ أصحابِنا وعامَّةِ العلماءِ، لأنَّ مَن نهى عن فِعلٍ بلا قرينةٍ، عُدَّ مخالفًا لغةً وعرفًا؛ أي: وقتَ فِعلِه، ولهذا لم تَزلِ العلماءُ تَستدلُّ به مِن غيرِ نكيرٍ، والنَّهيُ يَقتضي قُبحَ المَنهيِّ عنه، والفرقُ بينَه وبينَ الأمْرِ: أنَّ الأمرَ له حَدٌّ يَنتهي إليه، فيَقَعُ الامتثالُ فيه بالمرَّةِ، وأمَّا الانتهاءُ عنِ المَنهيِّ عنه فلا يَتَحَقَّقُ إلَّا باستيعابِه في العُمرِ، فلا يُتَصَوَّرُ فيه تكرارٌ، بل الاستمرارُ به يَتَحَقَّقُ الكفُّ،

стр. 444

(و) قولُ النَّاهي عن شيءٍ: (لَا تَفْعَلْهُ مَرَّةً، يَقْتَضِي تَكْرَارَ التَّرْكِ) فلا يَسقُطُ النَّهيُ بتَركِه مَرَّةً، وعندَ القاضي (١) والأكثرِ: يَسقُطُ بمرَّةٍ ولا يَعُمُّ؛ لقُبحِ المَنهيِّ عنه في وقتٍ وحُسْنِه في آخَرَ. (وَيَكُونُ) النَّهيُ: (١) (عَنْ وَاحِدٍ) وهو كثيرٌ واضحٌ، (٢) (و) قد يَكُونُ عن (مُتَعَدِّدٍ) أي: عن شيئينِ فصاعدًا، وهو ثلاثةُ أنواعٍ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ نهيًا عنِ المُتعدِّدِ (جَمْعًا) أي: عن الهيئةِ الاجتماعيَّةِ، فله فِعلُ أيِّها شاءَ على انفرادِه، كالجمعِ بينَ الأختينِ، فيَجُوزُ النَّهيُ عن واحدةٍ لا بعَينِها. الثَّاني: عَكْسُ الأوَّلِ (وَ) هو أنْ يَكُونَ النَّهيُ (فَرْقًا) وهو النَّهيُ عن الافتِراقِ دونَ الجمعِ، كالنَّهيِ عنِ الاقتصارِ على أحدِ الشَّيئينِ، كقولِه ﷺ : «لَا تَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدةٍ» فإنَّه منهيٌّ عنه، لا عن لُبْسِهما ولا عن نَزعِهما، ولذلك قال: «وَلْيُلْبِسْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا» (٢). (وَ) الثَّالثُ: أنْ يَكُونَ نهيًا (٣) عن مُتَعَدِّدٍ (جَمِيعًا) أي: عن كلِّ واحدٍ، سواءٌ (٤) أتى به مُنفردًا، أو مع الآخَرِ، كالنَّهيِ عنِ الزِّنا، والرِّبا، والسَّرقةِ، وغيرِها.

стр. 445

تنبيهٌ: إذا تَعَلَّقَ النَّهيُ بأشياءَ: فإمَّا على الجميعِ، كالميتةِ والدَّمِ ولحمِ الخنزيرِ، وإمَّا على الجمعِ، كالجمعِ بينَ الأختينِ، أو على البدلِ، كجعلِ الصَّلاةِ بدلًا عنِ الصَّومِ، ونظيرُه: «لا تَأكلِ السَّمكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ» (١)، إنْ جَزَمْتَ الفِعلينِ كانَ كلٌّ مِنهما مُتَعَلَّقَ النَّهيِ، وإنْ نَصَبْتَ الثَّانيَ مع جزمِ الأوَّلِ كانَ مُتَعَلَّقُ النَّهيِ الجمعَ بينَهما، وكانَ واحدٌ منهما غيرَ منهيٍّ عنه بانفرادِه، وإنْ جَزَمْتَ الأوَّلَ ورَفَعْتَ الثَّانيَ كانَ الأوَّلُ مُتَعَلَّقَ النَّهيِ فقطْ، مع مُلابَسَةِ الثَّاني.

стр. 446

(بَابٌ) (العَامُّ) والخاصُّ يَتَعَلَّقانِ بمدلولِ الخِطابِ، باعتبارِ المُخاطَبِ به، ولهذا أَخَّرَهما عنِ الأمرِ والنَّهيِ؛ لتَعَلُّقِهما بنفسِ الخِطابِ الشَّرعيِّ. وذَكَرَ الطُّوفِيُّ للعامِّ حُدودًا كلُّها مُعتَرَضَةٌ (١)، وقالَ بعدَها: وقيلَ: اللَّفظُ إنْ دَلَّ على الماهيَّةِ من حَيْثُ هيَ هِيَ؛ فهو المُطلَقُ كالإنسانِ، أو على وَحدةٍ مُعيَّنةٍ، كزيدٍ؛ فهو العَلَمُ، أو غيرَ مُعَيَّنةٍ، كرجلٍ؛ فهو النَّكرةُ، أو على وَحداتٍ مُتعدِّدةٍ، فهي: إمَّا بعضُ وحداتِ الماهيَّةِ، فهو اسمُ العددِ كعشرينَ رجلًا، أو جميعُها فهو العامُّ (٢). فإذنْ هو: (لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاهِيَّةِ مَدْلُولِهِ) أي: مدلولِ اللَّفظِ وهو أجودُ الحدودِ، فهو مستفادٌ مِن التَّقسيمِ المذكورِ؛ لأنَّ التَّقسيمَ الصَّحيحَ يَرِدُ على جنسِ الأقسامِ، ثمَّ يُمَيِّزُ بعضَها عن بعضٍ بذِكْرِ خواصِّها الَّتي تَتَمَيَّزُ بها، فيَتَرَكَّبُ كلُّ واحدٍ مِن أقسامِه مِن جنسِه المُشتَركِ، ويُمَيَّزُ الخاصَّ وهو الفصلُ، ولا مَعنى للحدِّ إلَّا اللَّفظُ المُركَّبُ مِن الجنسِ والفصلِ. (وَ) قد (يَكُونُ) العامُّ (مَجَازًا) في الأصحِّ كقولِه: «رَأَيْتُ الأُسُودَ على الخيولِ»، فالمجازُ هنا كالحقيقةِ في أنَّه يَكُونُ عامًّا، واسْتُدِلَّ على أنَّ العامَّ قد يَكُونُ مجازًا بقولِه ﷺ : «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيهِ الكَلَامَ» (٣) فإنَّ الاستثناءَ معيارُ العُمومِ، فدَلَّ على تعميمِ كَونِ الطَّوافِ صلاةً، وكونُ الطَّوافِ صلاةً مجازٌ.

стр. 447

(وَالخَاصُّ) بخلافِ العامِّ؛ أي: (مَا دَلَّ وَلَيْسَ بِعَامٍ) فلا يَرِدُ المُهمَلُ. تنبيهٌ: المُرادُ مِن الخلافِ: أنَّ الخاصَّ هو ما دَلَّ لا على مُسَمَّياتٍ (١) على الوجهِ المذكورِ، وليسَ المُرادُ مِنه أنَّ الخاصَّ ما ليسَ بعامٍّ على ما يُوهِمُ، وأُورِدَ عليه: أنَّه لا يَطَّرِدُ لدخولِ اللَّفظِ المهمَلِ فيه؛ لأنَّه ليسَ بعامٍّ لعدمِ دَلالتِه، وأنَّ فيه تعريفَ الخاصِّ بسَلْبِ العامِّ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّه إنْ كانَ بينَهما واسطةٌ، فلا يَلْزَمُ مِن سلبِ العامِّ تَعيينُ الخاصِّ، وإلَّا فليسَ تعريفُ أحدِهما بسلبِ حقيقةِ الآخَرِ عنه أَوْلَى مِنَ العكسِ، وأيضًا فإنَّ اللَّفظَ قد يَكُونُ خاصًّا كالإنسانِ بالنِّسبةِ إلى الحيوانِ، ولا يَخرُجُ عن كونِه عامًّا بالنِّسبةِ إلى ما تَحتَه، والأوَّلُ والثَّاني إِنَّمَا يَرِدُ على ما تُوُهِّمَ أنَّه مرادُه، لا على ما هو مرادُه، وأمَّا الثَّالثُ فلا يَرِدُ على ما تُوُهِّمَ أيضًا؛ لأنَّ الإنسانَ ليسَ خاصًّا بالمعنى المُقابلِ للعامِّ بل باعتبارٍ آخَرَ؛ لأنَّ الخاصَّ كما يُطلَقُ على مقابِلِ العامِّ كزيدٍ مثلًا، كذلك يُطلَقُ على ما خُصوصيَّتِه بالنِّسبةِ إلى ما هو أعمُّ منه كالإنسانِ (٢) بالنِّسبةِ إلى الحيوانِ، ويُحَدُّ بأنَّه اللَّفظُ الَّذِي يُقالُ على مدلولِه وعلى غيرِ مدلولِه لفظٌ آخَرُ مِن جهةٍ واحدةٍ، قالَه القُطبُ الشِّيرازيُّ (٣). (وَلَا) شيءَ: (١) (أَعَمُّ: مِنْ مُتَصَوَّرٍ) في الذِّهنِ لتناوُلِه الموجودَ والمعلومَ والمسلوبَ وضِدَّها، ولهذا قال صاحبُ «الأصلِ» (٤) عن قولِ ابنِ حَمْدانَ: ولا أعمَّ

стр. 448

مِن معلومٍ ومُسَمًّى ومذكورٍ: «هذا القولُ ضَرَبْنا عليه؛ لأنَّه إِنَّمَا حُكِيَ بعدَ قولِهم: لا أعمَّ مِن المعلومِ، فوَرَدَ المجهولُ، أو الشَّيْءُ، فوَرَدَ المعدومُ» (١). (٢) (وَلَا) شيءَ (أَخَصُّ: مِنْ عَلَمِ الشَّخْصِ) كزيدٍ مثلًا وهذا الرَّجلُ؛ إذْ لا أخصَّ مِنِ اسمِ رجلٍ يُعرَفُ به، (٣) (وَكَحَيَوَانٍ) وإنسانٍ (عَامٌّ) نِسْبِيٌّ (خَاصٌّ: نِسْبِيٌّ)، ومِثْلُه الموجودُ والجوهرُ والجسمُ والنَّامي، فكلُّ واحدٍ مِن هذه الألفاظِ عامٌّ بالنِّسبةِ إلى ما تحتَه، خاصٌّ بالنِّسبةِ إلى ما فوقَه؛ لأنَّ المعلومَ أحدُ مَدلولَيْه الموجودُ، والثَّاني المجهولُ، فهو بالنِّسبةِ إلى الموجودِ عامٌّ، وبالنِّسبةِ إلى المجهولِ خاصٌّ، وكالموجودِ أحدُ مدلولَيْه: الجوهرُ، والآخَرُ العَرَضُ، وكالجوهرِ أحدُ مدلولَيْه: الجسمُ وهو المُرَكَّبُ، والآخَرُ الفردُ الَّذِي لا تَركيبَ فيه، وكالجسمِ أحدُ مَدلوليه: النَّامي، والآخَرُ الجمادُ، وكالنَّامي أحدُ مَدلُولَيْه: الحيوانُ، والآخَرُ النَّباتُ، وكالحيوانِ أحدُ مَدلُولَيه: الإنسانُ، والآخَرُ ما دَبُّ غيرَ النَّاطقِ، وكالإنسانِ أحدُ مدلوليْه: المؤمنُ، والآخَرُ الكافرُ، ولهذا قال: عامٌّ خاصٌّ نسبيٌّ؛ أي: بالنِّسبةِ إلى ما فَوقَه خاصٌّ، وبالنِّسبةِ إلى ما دُونَه عامٌّ. (وَيُقَالُ لِلَّفْظِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ، وَ) يُقالُ (لِلْمَعْنَى: أَعَمُّ، وَأَخَصُّ) وهذا مُجرَّدُ اصطلاحٍ لا يُدرَكُ له وجهٌ سوى التَّمييزِ بينَ صفةِ اللَّفظِ وصفةِ المَعنى، وما وَقَعَ مِن أنَّ صيغةَ التَّفضيلِ اختصَّتْ بالمعنى لكونِه أعمَّ مِن اللَّفظِ: فسهوٌ؛ إذِ الأعمُّ لم يُرَدْ به مَعنى

стр. 449

التَّفضيلِ بلِ الشُّمولِ مُطلقًا، ولو كانَ الأمرُ على ما تُوُهِّمَ لكانَ اعتبارُه في الألفاظِ أيضًا واجبًا، حَيْثُ كانَتِ الزِّيادةُ مقصودةً. قالَه الكُورَانِيُّ (١). وقالَ القَرَافِيُّ: وجهُ المناسبةِ: أنَّ صيغةَ «أفعل» تَدُلُّ على الزِّيادةِ والرُّجحانِ، والمعاني أعمُّ مِن الألفاظِ، فخُصَّتْ بصيغةِ «أفعل» التَّفضيلِ، ومنهم مَن يَقُولُ في المعاني: عامٌّ وخاصٌّ أيضًا، واعتمدَه في «شرحِ الأصلِ» (٢). (وَالعُمُومُ بِمَعْنَى الشَّرِكَةِ فِي المَفْهُومِ) لا بمَعنى الشَّركةِ في اللَّفظِ، بمعنى أنَّ كلَّ لفظٍ عامٍّ (٣) يَصِحُّ شركةُ الكثيرين في مَعناه، لا أنَّه يُسَمَّى عامًّا حقيقةً؛ إذْ لو كانَتِ الشَّركةُ في مُجَرَّدِ الاسمِ لا في مفهومِه لكانَ مُشتَركًا لا عامًّا، فيَكُونُ العُمومُ (مِنْ عَوَارِضِ الأَلْفَاظِ حَقِيقَةً) إجماعًا، (وَكَذَا) يَكُونُ مِن عوارضِ (المَعَانِي) حقيقةً (فِي قَوْلٍ) للقاضي ومَن وافَقَه، فعلى هذا يَكُونُ العُمومُ موضوعًا للقَدرِ المُشتَركِ بينَهما بالتَّواطؤِ على الأصحِّ، قالَه في «شرحِ الأصلِ» (٤)؛ لأنَّ حقيقةَ العامِّ لغةً: شمولُ أمرٍ لمتعدِّدٍ، وهو في المعاني كـ: عَمَّ المطرُ والخصبُ، وفي المعنى الكُلِّيِّ؛ لشمولِه لمعاني الجُزئيَّاتِ. وعندَ المُوَفَّقِ (٥) والأكثرِ: العُمومُ مِن عوارضِ المعاني مجازًا لا حقيقةً، وفي المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ: أنَّه موضوعٌ لكلٍّ مِنهما حقيقةً، فهو مشتَركٌ لفظيٌّ، أو

стр. 450

لا يَكُونُ في المعاني لا حقيقةً ولا مجازًا، فيَكونُ مِن عوارضِ المَعنى الذِّهنيِّ، أو غيرَ ذلك، وليسَ المُرادُ المعانيَ التَّابعةَ للألفاظِ، فإنَّه لا خلافَ في عمومِها؛ لأنَّ لفظَها عامٌّ، وإنَّما المُرادُ المعاني المُستقلَّةُ كالمقتَضَى والمفهومِ. (وَلِلْعُمُومِ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ) أي: موضوعةٌ له خاصَّةً به عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم وهو الصَّحيحُ، فعلى هذا هي: (حَقِيقَةٌ فِيهِ) أي: في العُمومِ، (مَجَازٌ فِي الخُصُوصِ) على الأصحِّ؛ لأنَّ العُمومَ أحوطُ، فكانَ أَوْلى، واستُدِلَّ لذلك بقولِ الإنسانِ: «لا تَضرِبْ أحدًا، وكلُّ مَن قال: كذا، فقلْ له: كذا» عامٌّ قطعًا، ولأحمدَ (١) وأبي داودَ (٢) على شرطِ الشَّيخينِ: أنَّ عمرَو بنَ العاصي أَجْنَبَ في غزوةِ ذاتِ السَّلاسلِ، فصَلَّى بأصحابِه ولم يَغتسِلْ لخَوفِه، وتَأَوَّلَ قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)، فذُكِرَ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ فضَحِكَ ولم يَقُلْ شيئًا. ولأنَّ إبراهيمَ فَهِمَ العُمومَ مِن ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ (٤)، فقالَ للملائكةِ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ (٥)، وأجابُوه ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ (٦). (وَمَدْلُولُهُ) أي: العُمومِ (كُلِّيَّةٌ؛ أَيْ: مَحْكُومٌ فِيهِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ) فَرْدٍ، بحَيثُ لا يَبْقَى فردُ (مُطَابَقَةٍ) أي: دَلالةِ مطابقةٍ (إِثْبَاتًا وَسَلْبًا). إذا عَلِمْتَ ذلك، فقولُه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) بمَنزلةِ قولِه: اقتلْ

стр. 451

زيدًا المُشركَ وعَمرًا المُشركَ إلى آخِره، وهو مِثْلُ قولِنا: كلُّ رجلٍ يُشْبِعُه رغيفان؛ أي: كلُّ واحدٍ على انفرادِه. (لَا كُلِّيٌّ) يَعني أنَّ دلالةَ العُمومِ ليسَتْ (١) مِن بابِ الكُلِّيِّ، وهو: ما اشتَركَ في مفهومِه كثيرون، كالحيوانِ والإنسانِ، فإنَّه صادقٌ على جميعِ أفرادِه. (وَلَا كُلٌّ) أي: ولا مِن بابِ الكلِّ، فهو الحُكمُ على المجموعِ مِن حَيْثُ هو كأسماءِ العددِ، ومنه: كلُّ رجلٍ يَحمِلُ الصَّخرةَ؛ أي: المجموعُ لا كلُّ واحدٍ. فائدةٌ: يُقالُ: الكُلِّيَّةُ والجُزئيَّةُ، والكُلِّيُّ والجُزئيُّ، والكلُّ والجزءُ، فصيغةُ العُمومِ للكُلِّيَّةِ، وبعضُ العددِ زوجٌ للجُزئيَّةِ، والنَّكراتُ للكُلِّيِّ، والأعلامُ للجُزْئِيِّ، وأسماءُ الأعدادِ للكلِّ، وما تَرَكَّبَ مِن الزَّوجِ والفردِ كالخمسةِ للجزءِ، و الفرقُ بينَ الكُلِّيِّ والكلِّ مِن أوجهٍ: منها: الكُلِّيُّ مُتَقَوِّمٌ بجُزئيَّاتِه والكلُّ بأجزائِه، ومنها: الكُلِّيُّ في الذِّهنِ، والكلُّ في الخارجِ، ومنها: الجُزئيَّاتُ غيرُ متناهيةٍ، والأجزاءُ متناهيةٌ، ومنها: الكُلِّيُّ مَحمولٌ على جزئيَّاتِه، والكلُّ على أجزائِه. فائدةٌ أُخرى: اعلمْ أنَّ لفظَ العامِّ له دَلالتانِ: - دَلالةٌ على أصلِ المعنى الَّذِي اشتَركَتْ في أفرادِه، وهي الَّتي بَيَّنَّا أنَّ الحُكْمَ فيها على الكُلِّيِّ، وليسَ للعامِّ بها اختصاصٌ، فإنَّها تَتَعَلَّقُ بالكُلِّيِّ، سواءٌ كانَ فيه عمومٌ أو لا. - والثَّانيةُ دَلالتُه على كلِّ فردٍ مِن أفرادِه مِن خصوصٍ، وهي الَّتي لها خصوصيَّةٌ بالعامِّ، ويُعَبَّرُ عنها بالكُلِّيَّةِ.

стр. 452

(وَ) إذا تَقَرَّرَ ذلك فـ (دَلَالَتُهُ عَلَى أَصْلِ المَعْنَى) دَلَالةٌ (قَطْعِيَّةٌ) وهو مَحَلُّ وفاقٍ، ومعنى القطعِ فيه دَلالةُ النُّصوصيَّةِ؛ أي: هو نصٌّ، فالقطعُ فيه مِن هذه الحَيثيَّةِ، فيَكُونُ كدَلالةِ الخاصِّ. (وَ) دَلالةُ العُمومِ (عَلَى كُلِّ فَرْدٍ بِخُصُوصِهِ بِلَا قَرِينَةٍ) دَلالةٌ (ظَنِّيَّةٌ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ التَّخصيصَ بالمُتَراخي لا يَكُونُ نسخًا، ولو كانَ العامُّ نصًّا على أفرادِه لكانَ نسخًا، وذلك أنَّ صِيَغَ العُمومِ تَرِدُ تارةً باقيةً على عمومِها وتارةً يُرادُ بها بعضُ الأفرادِ، وتارةً يَقَعُ فيها التَّخصيصُ، ومعَ الاحتمالِ لا قطعَ، بل لمَّا كانَ الأصلُ بقاءَ العُمومِ فيها كانَ هو الظَّاهرَ المُعتمدَ للظَّنِّ، ويَخرُجُ بذلك عن الإجمالِ. تنبيهٌ: قولُه: «بلا قرينةٍ» (١) تَقتضي كلَّ فردٍ فردٍ كالعُموماتِ الَّتي يُقطَعُ بعمومِها، ولا يَدخُلُها تخصيصٌ، كقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣)، وإنِ اقترنَ به ما يَدُلُّ على أنَّ المَحلَّ غيرُ قابلٍ للتَّعميمِ، فهو كالمُجمَلِ يَجِبُ التَّوقُّفُ فيه إلى ظهورِ المُرادِ منه، كقولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤). (وَعُمُومُ الأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ: عُمُومَ الأَحْوَالِ، وَالأَزْمِنَةِ، وَالبِقَاعِ، وَالمُتَعَلِّقَاتِ) عندَ الأكثرِ، قال الإمامُ أحمدُ في قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٥) ظاهرُها على العُمومِ أنَّ مَن وَقَعَ عليه اسمُ ولدِه فله ما فَرَضَ اللهُ تعالى، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ هو المُعبِّرَ عنِ الكتابِ، أنَّ الآيةَ إِنَّمَا قُصِدَتْ للمسلمِ لا للكافرِ.

стр. 453

وخالفَ الشَّيْخُ وَجَمْعٌ في ذلك، قال ابنُ قاضي الجبلِ تَبعًا للقَرَافِيِّ (١): صِيَغُ العمومِ وإنْ كانَتْ عامَّةً في الأشخاصِ، فهي مطلقةٌ في الأزمنةِ والبقاعِ والأحوالِ والمُتعلِّقاتِ، فهذه الأربعُ لا عمومَ فيها مِن جهةِ ثبوتِ العُمومِ في غيرها حَتَّى يُوجَدُ لفظٌ يَقتضي العمومَ، نحوُ: لأَصُومَنَّ الأيَّامَ، ولأُصَلِّيَنَّ في جميعِ البقاعِ، ولا عَصَيْتُ اللهَ في جميعِ الأحوالِ، ولأَشْتَغِلَنَّ بتحصيلِ جميعِ المعلوماتِ، فإذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) فهو عامٌّ في جميعِ أفرادِ المشركينَ، مُطْلَقٌ في الأزمنةِ والبقاعِ والأحوالِ والمُتعلِّقاتِ (٣)؛ فيَقتضي النَّصُّ قتلَ كلِّ مشركٍ في زمنٍ ما، في مكانٍ ما، في حالةٍ ما، وقد أَشركَ بشيءٍ ما، ولا يَدُلُّ اللَّفظُ على خصوصِ يومِ السَّبتِ، ولا مدينةٍ مُعَيَّنةٍ مِن مدائنِ المُشركين، ولا أنَّ ذلك المُشْرِكَ طويلٌ أو قصيرٌ، ولا أنَّ شِركَه وَقَعَ بالصَّنمِ أو بالكوكبِ، بل اللَّفظُ مُطلَقٌ في هذه الأربعِ (٤). ورَدَّه ابنُ دقيقِ العِيدِ وقَالَ: بلِ الواجبُ [أنَّ ما دلَّ على العمومِ] (٥) في الذَّواتِ مثلًا يَكُونُ دالًّا على ثبوتِ الحُكمِ في كلِّ ذاتٍ تَناوَلَها اللَّفظُ، ولا تَخرُجُ عنها ذاتٌ إلَّا بدليلٍ يَخُصُّها، فمَن أَخرَجَ شيئًا مِن تلك الذَّواتِ فقد خالَفَ مُقتضى العُمومِ (٦).

стр. 454

(وَصِيغَتُهُ (١) أي: صيغةُ العُمومِ عندَ القائلِ بها: (١) (اسْمُ شَرْطٍ، وَاسْتِفْهَامٍ كَـ - «مَنْ» فِي عَاقِلٍ) تَقُولُ في الشَّرطِ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (٢) ونحوِه، وفي الاستفهامِ: مَن عندك؟ - (وَ «مَا» فِي غَيْرِهِ) أي: غيرِ العاقلِ، كقولِك في الشَّرطِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٣) الآيةَ، وفي الاستفهامِ: ما عندَك؟ وهذا هو الصَّحيحُ، وهو استعمالٌ كثيرٌ شائعٌ، وقد وَرَدَ في الكتابِ والسُّنَّةِ وكلامِ العربِ. وقالَ البِرْمَاوِيُّ: كلٌّ مِن: «مَن»، و «ما» قد يُستعمَلُ في الآخَرِ كثيرًا في مواضعَ مشهورةٍ في النَّحوِ، والعُمومُ موجودٌ؛ فلا حاجةَ لذِكْرِ اختصاصٍ ولا غيرِه فيهما (٤). - (وَ «أَيْنَ»، وَ «أَنَّى»، وَ «حَيْثُ») كلٌّ مِنها صيغةُ عمومٍ (لِلْمَكَانِ) تَقولُ في الجزاءِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٥)، وفي الاستفهامِ: أين زيدٌ؟ - (وَ «مَتَى»، لِزَمَانٍ مُبْهَمٍ) تَقولُ في الجزاءِ (٦): مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ … تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ

стр. 455

أي: أيَّ وقتٍ أَتَيْتَه، ولا تَقُولُ: متى طَلَعَتِ الشَّمسُ؟ بل تَقولُ: إذا طَلَعَتِ الشَّمسُ، وتَقولُ مُستفهِمًا: متى جاءَ زيدٌ؟ (وَ «أَيُّ») المُضافةُ (لِلْكُلِّ) أي: للعاقلِ وغيرِه، كقولِه تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (١)، وكقولِه تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ (٢) في الجزاءِ، وفي الاستفهامِ: أيَّ وقتٍ تَخرُجُ؟ (وَتَعُمُّ «مَنْ» وَ «أَيٌّ» المُضَافَةُ إِلَى الشَّخْصِ ضَمِيرَهُمَا، فَاعِلًا كَانَ أَوْ مَفْعُولًا) فلو قال: مَن قامَ مِنكم -أو: أيُّكم قام- فهو حُرٌّ، فقاموا: عَتَقُوا، ومِثْلُه: أيُّ عبيدي ضَربْتُه، أو مَن ضَرَبْتُه مِن عبيدي فهو حرٌّ، فضَرَبَهم: عَتَقُوا. ويَنبغي تقييدُ أيٍّ بالاستفهاميَّةِ أو الشَّرطيَّةِ أو الموصولةِ لتَخرُجَ الصِّفةُ كمررت برجلٍ؛ أيْ: رجلٍ، والحالُ نحوُ: مَرَرْتُ بزيدٍ أي: رجلٍ. ذَكَرَه ابنُ العِرَاقِيِّ (٣). (٢) (وَ) يَعُمُّ (مَوْصُولُ) الاسميِّ، سواءٌ كانَ مُفردًا أو مُثَنًّى أو مجموعًا، كـ الَّذي، والَّتي ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ (٤)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (٥)، ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (٦)، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ (٧)، والرَّاجحُ عمومُ الموصولاتِ كلِّها، إلَّا «أيٌّ» فلا عمومَ فيها في قولٍ، نحوُ: يُعجبني أيُّهم قائمٌ، بخلافِ الشَّرطيَّةِ، نحوُ: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٨)، والاستفهاميَّةِ، نحوُ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٩).

стр. 456

(٣) (وَ) أقوى صِيَغِ العُمومِ (كُلٌّ) فتُفيدُ مُبتدَأَةً، نحوُ: كلُّ النَّاسِ على وجلٍ إلَّا مَن أمَّنَه اللهُ، وتابعةٌ لتأكيدِ العامِّ، نحوُ: جاءَ القومُ كلُّهم (١). ولها بالنِّسبةِ إلى إضافتِها معانٍ: منها: أنَّها إذا أُضيفَتْ إلى نكرةٍ؛ فهي لشمولِ أفرادِه، نحوُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢). ومِنها: إذا أُضيفَتْ إلى مَعرفةٍ، وهي جمعٌ أو ما في مَعناه؛ فهي لاستغراقِ أفرادِه أيضًا، نحوُ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٣). ومِنها: إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ مُفرَدٍ، فهي لاستغراقِ أجزائِه أيضًا، نحوُ: كلُّ الجاريةِ حسنٌ، أو: كلُّ زيدٍ جميلٌ. إذا عَلِمْتَ ذلك فمادَّتُها تَقتضي الاستغراقَ والشُّمولَ، كالإكليلِ لإحاطتِه بالرَّأسِ، والكلالةِ لإحاطتِها بالوالدِ والولدِ، فلهذا كانَتْ أصرحَ صيغِ العُمومِ لشُمولِها العاقلَ وغيرَه، المُذكَّرَ والمُؤنَّثَ، المُفردَ والمُثنَّى والجمعَ، وسواءٌ بَقِيَتْ على إضافتِها كما في الأمثلةِ، أو حُذِفَ (٤)، نحوُ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٥). (٤) (وَ) مثلُ كلٍّ: (جَمِيعٌ) إلَّا أنَّها لا تُضافُ إلَّا إلى معرفةٍ، فلا تقولُ: جميعُ رجلٍ، وتقولُ: جميعُ النَّاسِ وجميعُ العبيدِ، ودَلالتُها على كلِّ فردٍ فردٍ بطريقِ الظُّهورِ بخلافِ «كلٍّ»؛ فإنَّها بطريقِ النُّصوصيَّةِ.

стр. 457

فائدةٌ: قال بعضُهم: إذا كانَتْ «جميعُ» إِنَّمَا تُضافُ لمعرفةٍ، فهو إمَّا باللَّامِ أو بكونِه مُضافًا لمعرفةٍ، وكلٌّ مِنهما يُفيدُ العُمومَ، فلم تُفِدْه «جميعٌ». وجوابُه: أنَّ ما فيه الألفُ واللَّامُ يُقَدَّرُ حينئذٍ للجنسِ، والعُمومُ مستفادٌ مِن «جميعٍ»، وأمَّا المُضافُ نحوُ: جميعُ (١) غلامِ زيدٍ، فليسَتْ فيه لعُمومِ كلِّ فردٍ، بل لعُمومِ الأجزاءِ. - (وَ) مِن مادَّة «كلٍّ» و «جميعٍ»: (نَحْوُهُمَا) كـ «أجمعَ» و «أجمعينَ»، قال اللهُ: ﴿حم خج﴾ (٢). واختُلِفَ في «أجمعَ» ونَحوِها إذا وَقَعَ بعدَ «كلٍّ»، هل التَّأكيدُ بالأوَّلِ والثَّاني زيادةٌ فيه، أو بكلٍّ منهما، أو بهما معًا؟ الأرجحُ الأوَّلُ كما في سائرِ التَّوابعِ، ومِن مادَّة «جميعٍ» أيضًا: جاءَ القومُ بأجمُعِهم، وهو بضمِّ الميمِ: جَمْعُ «جَمعٍ» بفتحِ الجيمِ، وسكونِ ثانيه كعبْدٍ وأَعبُدٍ، ولا يُقالُ بفتحِ الميمِ؛ لِئلَّا يُتَوَهَّمَ أنَّه «أجمَعُ» الَّذِي يُؤَكَّدُ به؛ لأنَّ ذلك لا يُضافُ إلى الضَّميرِ، ولا يَدخُلُ عليه حرفُ الجرِّ. - (وَ) مِن صيغِ العُمومِ أيضًا (مَعْشَرٌ) نحوُ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٣). - (وَمَعَاشِرُ) نحوُ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» (٤). - (وَعَامَّةٌ، وَكَافَّةٌ، وَقَاطِبَةٌ) نحوُ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٥).

стр. 458

وقالَتْ عائشةُ ﵂: لَمَّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ ارتدَّتِ العربُ قاطبةً (١) أي: جميعُهم، لكنَّ «معشرَ» و «معاشرَ» لا يَكُونانِ إلَّا مُضافَينِ، بخلافِ «عامَّةً»، و «كافَّةً»، و «قاطبةً»، فإنَّها تُضافُ وتُفْرَدُ. (٥) ومِن صيغِ العُمومِ (جَمْعٌ مُطْلَقًا) ويُوصَفُ ذلك الجمعُ بأنَّه (مُعَرَّفٌ) تعريفَ جنسٍ (بِلَامٍ، أَوْ إِضَافَةٍ) سواءٌ كانَ لمُذكَّرٍ أو مؤنَّثٍ سالمٍ أو مُكَسَّرٍ جمْعِ قلَّةٍ أو كثرةٍ، فلهذا قال: «وجمعٌ مطلقًا»؛ ليَشمَلَ هذا كلَّه. فمِن أمثلةِ السَّالمِ المُعرَّفُ باللَّامِ مِن المذكَّرِ: «المسلمونَ»، والمُؤنَّثِ «المُسلماتُ»، ومِن المُكَسَّرَ المجموعِ جمعَ كثرةٍ: «الرِّجالُ» و «الصَّواحبُ»، والقِلَّةُ: «الأفلُسُ» و «الأكبادُ»، وهي مِن ثلاثةٍ إلى أحدَ (٢) عَشَرَ، ومِن بعدِها للكثرةِ، ومِن أمثلةِ الجمعِ المُعرَّفِ بالإضافةِ: «عبيدي أحرارٌ»، وقولُه تعالى: ﴿ي يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣)، وهذا هو الصَّحيحُ عندَ أكثرِ العلماءِ، ولم يَزالوا يَستدلُّون بآيةِ الأمرِ بقتالِ المشركينَ ونحوِها، وأصرحُها قولُ النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ في: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» رَوَاه البخاريُّ ومسلمٌ (٤). فائدةٌ: الأصحُّ أنَّ أفرادَ العُمومِ آحادٌ في الإثباتِ وغيره لا جموعٌ،

стр. 459

فقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) أي: كلُّ محسنٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) أي: كلًّا منهم بأنْ يُعاقِبَهم، ويُؤَيِّدُه: صِحَّةُ استثناءِ الواحدِ مِنه نحو: جاءَ الرِّجالُ إلَّا زيدًا، ولو كانَ معناه كلُّ جمعٍ مِن جموعِ الرِّجالِ: لم يَصِحَّ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُنقطعًا. (٦) (وَ) يَعُمُّ أيضًا (اسْمُ جِنْسٍ مُعَرَّفٌ تَعْرِيفَ جِنْسٍ) وهو ما لا واحدَ له مِن لفظِه كالحيوانِ والماءِ والتُّرابِ، حمْلًا للتَّعريفِ على فائدةٍ لم تَكُنْ، وهو تعريفُ جميعِ الجنسِ؛ لأنَّه الظَّاهرُ، كالجمعِ والاستثناءِ منه (٣)، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). و (لَا) يَعُمُّ اسمُ الجنسِ المُعَرَّفُ تعريفَ جنسٍ (مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ) اتِّفاقًا؛ أي: إذا عُرِفَ إرادةُ العهدِ، كسَبْقِ تنكيرٍ؛ لأنَّه يَصرِفُه إلى العهدِ كقولِه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ﴾ (٥). (وَيَعُمُّ) اسمُ الجنسِ المذكورُ (مَعَ جَهْلِهَا) أي: جهلِ القَرينةِ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ تقييدَ العُمومِ [عندَ الأكثرِ] (٦) بانتفاءِ العهدِ يَقتضي أنَّ الأصلَ فيه الاستغراقُ، ولهذا احتاجَ العهدُ إلى قرينةٍ، فما احتملَ العهدَ والاستغراقَ لانتفاءِ القَرينةِ محمولٌ على الأصلِ، وهو الاستغراقُ؛ لعُمومِ فائدتِه. (وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ: عُرْفٌ، أَوِ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ) كقولِه: عليَّ الطَّلاقُ، أو (٧) الطَّلاقُ يَلْزَمُني؛ (لَمْ يَعُمَّ) على الأصحِّ، فلا تُطَلَّقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه يَحتملُ أنْ تَعُودَ الألِفُ واللَّامُ إلى معهودٍ يُريدُ الطَّلاقَ الَّذِي أَوْقَعْتُه، ولأنَّ الألفَ واللَّامَ في أسماءِ الأجناسِ تُستعمَلُ لغيرِ الاستغراقِ كثيرًا

стр. 460

كقولِه: ومَن أُكْرِهَ على الطَّلاقِ، وإذا عَقَلَ الصَّبيُّ الطلاقَ، وأشباهِ هذا مِمَّا يُرادُ به ذلك الجنسُ، ولا يُفهَمُ منه الاستغراقُ، فعندَ ذلك لا يُحمَلُ على التَّعميمِ إلَّا بنِيَّةٍ صارفةٍ إليه، فالأشبهُ في هذا جميعِه أنَّه يَكُونُ واحدةً في حالِ الإطلاقِ؛ لأنَّ أهلَ العُرفِ لا يَعتقدونه (١) ثلاثًا ولا يَعلَمون أنَّ الألفَ واللَّامَ للاستغراقِ. ولهذا يُنْكِرُ أحدُهم أنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثلاثًا، ولا يَعتقدُ أنَّه طَلَّقَ إلَّا واحدةً، فمُقتضى اللَّفظِ في ظنِّهم واحدةٌ، فلا يُريدونَ إلَّا ما يَعتقدونه مُقتَضى لفظِهم، فيَصيرُ كأنَّهم نَوَوْا واحدةً. (٧) ويَعُمُّ اسمٌ (مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِلَامٍ غَيْرِ عَهْدِيَّةٍ لَفْظًا) بأنْ دَخَلَه آلةُ التَّعريفِ، ولم يَسبِقْ تنكيرُه عند الأكثرِ، كالرَّجلِ (٢) والسَّارقِ والمُؤمنِ والفاجرِ؛ لأنَّ الأصلَ فيه الاستغراقُ، ولم تَزَلِ العلماءُ تَستدلُّ بآيةِ السَّرقةِ وآيةِ الزِّنا من غيرِ نكيرٍ، ولوقوعِ الاستثناءِ منه، نحوُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣) الآيةَ، وأيضًا فيُوصَفُ بصيغةِ العُمومِ، كما قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٤)، فعلى هذا يَكُونُ عمومُه مِن جهةِ اللَّفظِ على الأصحِّ لا مِن جهةِ المعنى؛ لأنَّ عمومَ المُفردِ الَّذِي دَخَلَتْ عليه «الـ» غيرُ عمومِ الجمعِ الَّذِي دَخَلَتْ عليه «الـ»، فالأوَّلُ يَعُمُّ المُفرداتِ والثَّاني يَعُمُّ الجموعَ؛ لأنَّ «الـ» تَعُمُّ أفرادَ ما دَخَلَتْ عليه، وقد دَخَلَتْ على جمعٍ. (٨) ويَعُمُّ أيضًا (مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ) عندَ أحمدَ وأصحابِه، وحُكِيَ عن الأكثرِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٥).
следующие страницы →