← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(٣) (وَ) أقوى صِيَغِ العُمومِ (كُلٌّ) فتُفيدُ مُبتدَأَةً، نحوُ: كلُّ النَّاسِ على وجلٍ إلَّا مَن أمَّنَه اللهُ، وتابعةٌ لتأكيدِ العامِّ، نحوُ: جاءَ القومُ كلُّهم (١). ولها بالنِّسبةِ إلى إضافتِها معانٍ: منها: أنَّها إذا أُضيفَتْ إلى نكرةٍ؛ فهي لشمولِ أفرادِه، نحوُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢). ومِنها: إذا أُضيفَتْ إلى مَعرفةٍ، وهي جمعٌ أو ما في مَعناه؛ فهي لاستغراقِ أفرادِه أيضًا، نحوُ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (٣). ومِنها: إذا أُضِيفَتْ إلى معرفةٍ مُفرَدٍ، فهي لاستغراقِ أجزائِه أيضًا، نحوُ: كلُّ الجاريةِ حسنٌ، أو: كلُّ زيدٍ جميلٌ. إذا عَلِمْتَ ذلك فمادَّتُها تَقتضي الاستغراقَ والشُّمولَ، كالإكليلِ لإحاطتِه بالرَّأسِ، والكلالةِ لإحاطتِها بالوالدِ والولدِ، فلهذا كانَتْ أصرحَ صيغِ العُمومِ لشُمولِها العاقلَ وغيرَه، المُذكَّرَ والمُؤنَّثَ، المُفردَ والمُثنَّى والجمعَ، وسواءٌ بَقِيَتْ على إضافتِها كما في الأمثلةِ، أو حُذِفَ (٤)، نحوُ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٥). (٤) (وَ) مثلُ كلٍّ: (جَمِيعٌ) إلَّا أنَّها لا تُضافُ إلَّا إلى معرفةٍ، فلا تقولُ: جميعُ رجلٍ، وتقولُ: جميعُ النَّاسِ وجميعُ العبيدِ، ودَلالتُها على كلِّ فردٍ فردٍ بطريقِ الظُّهورِ بخلافِ «كلٍّ»؛ فإنَّها بطريقِ النُّصوصيَّةِ.

стр. 457

فائدةٌ: قال بعضُهم: إذا كانَتْ «جميعُ» إِنَّمَا تُضافُ لمعرفةٍ، فهو إمَّا باللَّامِ أو بكونِه مُضافًا لمعرفةٍ، وكلٌّ مِنهما يُفيدُ العُمومَ، فلم تُفِدْه «جميعٌ». وجوابُه: أنَّ ما فيه الألفُ واللَّامُ يُقَدَّرُ حينئذٍ للجنسِ، والعُمومُ مستفادٌ مِن «جميعٍ»، وأمَّا المُضافُ نحوُ: جميعُ (١) غلامِ زيدٍ، فليسَتْ فيه لعُمومِ كلِّ فردٍ، بل لعُمومِ الأجزاءِ. - (وَ) مِن مادَّة «كلٍّ» و «جميعٍ»: (نَحْوُهُمَا) كـ «أجمعَ» و «أجمعينَ»، قال اللهُ: ﴿حم خج﴾ (٢). واختُلِفَ في «أجمعَ» ونَحوِها إذا وَقَعَ بعدَ «كلٍّ»، هل التَّأكيدُ بالأوَّلِ والثَّاني زيادةٌ فيه، أو بكلٍّ منهما، أو بهما معًا؟ الأرجحُ الأوَّلُ كما في سائرِ التَّوابعِ، ومِن مادَّة «جميعٍ» أيضًا: جاءَ القومُ بأجمُعِهم، وهو بضمِّ الميمِ: جَمْعُ «جَمعٍ» بفتحِ الجيمِ، وسكونِ ثانيه كعبْدٍ وأَعبُدٍ، ولا يُقالُ بفتحِ الميمِ؛ لِئلَّا يُتَوَهَّمَ أنَّه «أجمَعُ» الَّذِي يُؤَكَّدُ به؛ لأنَّ ذلك لا يُضافُ إلى الضَّميرِ، ولا يَدخُلُ عليه حرفُ الجرِّ. - (وَ) مِن صيغِ العُمومِ أيضًا (مَعْشَرٌ) نحوُ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٣). - (وَمَعَاشِرُ) نحوُ: «إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» (٤). - (وَعَامَّةٌ، وَكَافَّةٌ، وَقَاطِبَةٌ) نحوُ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٥).

стр. 458

وقالَتْ عائشةُ ﵂: لَمَّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ ارتدَّتِ العربُ قاطبةً (١) أي: جميعُهم، لكنَّ «معشرَ» و «معاشرَ» لا يَكُونانِ إلَّا مُضافَينِ، بخلافِ «عامَّةً»، و «كافَّةً»، و «قاطبةً»، فإنَّها تُضافُ وتُفْرَدُ. (٥) ومِن صيغِ العُمومِ (جَمْعٌ مُطْلَقًا) ويُوصَفُ ذلك الجمعُ بأنَّه (مُعَرَّفٌ) تعريفَ جنسٍ (بِلَامٍ، أَوْ إِضَافَةٍ) سواءٌ كانَ لمُذكَّرٍ أو مؤنَّثٍ سالمٍ أو مُكَسَّرٍ جمْعِ قلَّةٍ أو كثرةٍ، فلهذا قال: «وجمعٌ مطلقًا»؛ ليَشمَلَ هذا كلَّه. فمِن أمثلةِ السَّالمِ المُعرَّفُ باللَّامِ مِن المذكَّرِ: «المسلمونَ»، والمُؤنَّثِ «المُسلماتُ»، ومِن المُكَسَّرَ المجموعِ جمعَ كثرةٍ: «الرِّجالُ» و «الصَّواحبُ»، والقِلَّةُ: «الأفلُسُ» و «الأكبادُ»، وهي مِن ثلاثةٍ إلى أحدَ (٢) عَشَرَ، ومِن بعدِها للكثرةِ، ومِن أمثلةِ الجمعِ المُعرَّفِ بالإضافةِ: «عبيدي أحرارٌ»، وقولُه تعالى: ﴿ي يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣)، وهذا هو الصَّحيحُ عندَ أكثرِ العلماءِ، ولم يَزالوا يَستدلُّون بآيةِ الأمرِ بقتالِ المشركينَ ونحوِها، وأصرحُها قولُ النَّبِيِّ ﷺ في التَّشَهُّدِ في: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» رَوَاه البخاريُّ ومسلمٌ (٤). فائدةٌ: الأصحُّ أنَّ أفرادَ العُمومِ آحادٌ في الإثباتِ وغيره لا جموعٌ،

стр. 459

فقولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) أي: كلُّ محسنٍ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٢) أي: كلًّا منهم بأنْ يُعاقِبَهم، ويُؤَيِّدُه: صِحَّةُ استثناءِ الواحدِ مِنه نحو: جاءَ الرِّجالُ إلَّا زيدًا، ولو كانَ معناه كلُّ جمعٍ مِن جموعِ الرِّجالِ: لم يَصِحَّ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُنقطعًا. (٦) (وَ) يَعُمُّ أيضًا (اسْمُ جِنْسٍ مُعَرَّفٌ تَعْرِيفَ جِنْسٍ) وهو ما لا واحدَ له مِن لفظِه كالحيوانِ والماءِ والتُّرابِ، حمْلًا للتَّعريفِ على فائدةٍ لم تَكُنْ، وهو تعريفُ جميعِ الجنسِ؛ لأنَّه الظَّاهرُ، كالجمعِ والاستثناءِ منه (٣)، كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). و (لَا) يَعُمُّ اسمُ الجنسِ المُعَرَّفُ تعريفَ جنسٍ (مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ) اتِّفاقًا؛ أي: إذا عُرِفَ إرادةُ العهدِ، كسَبْقِ تنكيرٍ؛ لأنَّه يَصرِفُه إلى العهدِ كقولِه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ﴾ (٥). (وَيَعُمُّ) اسمُ الجنسِ المذكورُ (مَعَ جَهْلِهَا) أي: جهلِ القَرينةِ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ تقييدَ العُمومِ [عندَ الأكثرِ] (٦) بانتفاءِ العهدِ يَقتضي أنَّ الأصلَ فيه الاستغراقُ، ولهذا احتاجَ العهدُ إلى قرينةٍ، فما احتملَ العهدَ والاستغراقَ لانتفاءِ القَرينةِ محمولٌ على الأصلِ، وهو الاستغراقُ؛ لعُمومِ فائدتِه. (وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ: عُرْفٌ، أَوِ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ) كقولِه: عليَّ الطَّلاقُ، أو (٧) الطَّلاقُ يَلْزَمُني؛ (لَمْ يَعُمَّ) على الأصحِّ، فلا تُطَلَّقُ إلَّا واحدةً؛ لأنَّه يَحتملُ أنْ تَعُودَ الألِفُ واللَّامُ إلى معهودٍ يُريدُ الطَّلاقَ الَّذِي أَوْقَعْتُه، ولأنَّ الألفَ واللَّامَ في أسماءِ الأجناسِ تُستعمَلُ لغيرِ الاستغراقِ كثيرًا

стр. 460

كقولِه: ومَن أُكْرِهَ على الطَّلاقِ، وإذا عَقَلَ الصَّبيُّ الطلاقَ، وأشباهِ هذا مِمَّا يُرادُ به ذلك الجنسُ، ولا يُفهَمُ منه الاستغراقُ، فعندَ ذلك لا يُحمَلُ على التَّعميمِ إلَّا بنِيَّةٍ صارفةٍ إليه، فالأشبهُ في هذا جميعِه أنَّه يَكُونُ واحدةً في حالِ الإطلاقِ؛ لأنَّ أهلَ العُرفِ لا يَعتقدونه (١) ثلاثًا ولا يَعلَمون أنَّ الألفَ واللَّامَ للاستغراقِ. ولهذا يُنْكِرُ أحدُهم أنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثلاثًا، ولا يَعتقدُ أنَّه طَلَّقَ إلَّا واحدةً، فمُقتضى اللَّفظِ في ظنِّهم واحدةٌ، فلا يُريدونَ إلَّا ما يَعتقدونه مُقتَضى لفظِهم، فيَصيرُ كأنَّهم نَوَوْا واحدةً. (٧) ويَعُمُّ اسمٌ (مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِلَامٍ غَيْرِ عَهْدِيَّةٍ لَفْظًا) بأنْ دَخَلَه آلةُ التَّعريفِ، ولم يَسبِقْ تنكيرُه عند الأكثرِ، كالرَّجلِ (٢) والسَّارقِ والمُؤمنِ والفاجرِ؛ لأنَّ الأصلَ فيه الاستغراقُ، ولم تَزَلِ العلماءُ تَستدلُّ بآيةِ السَّرقةِ وآيةِ الزِّنا من غيرِ نكيرٍ، ولوقوعِ الاستثناءِ منه، نحوُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣) الآيةَ، وأيضًا فيُوصَفُ بصيغةِ العُمومِ، كما قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (٤)، فعلى هذا يَكُونُ عمومُه مِن جهةِ اللَّفظِ على الأصحِّ لا مِن جهةِ المعنى؛ لأنَّ عمومَ المُفردِ الَّذِي دَخَلَتْ عليه «الـ» غيرُ عمومِ الجمعِ الَّذِي دَخَلَتْ عليه «الـ»، فالأوَّلُ يَعُمُّ المُفرداتِ والثَّاني يَعُمُّ الجموعَ؛ لأنَّ «الـ» تَعُمُّ أفرادَ ما دَخَلَتْ عليه، وقد دَخَلَتْ على جمعٍ. (٨) ويَعُمُّ أيضًا (مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ) عندَ أحمدَ وأصحابِه، وحُكِيَ عن الأكثرِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٥).

стр. 461

(٩) (وَ) مِن صيغِ العُمومِ: (نَكِرَةٌ فِي) سِيَاقِ: - (نَفْيٍ) سواءٌ باشَرَها النَّافي، وهو: ما، ولا، ولات، وليسَ، ولم، وإن، والفعلُ فيه أم لا، والمرادُ النَّكرةُ المعنويَّةُ ليَدخُلَ في ذلك المُطلَقُ، وليسَ المُرادُ النَّكرةَ الصِّناعيَّةَ المقابِلةَ للمَعرفةِ، ودَخَلَ في هذه العبارةِ ما باشَرَها النَّفيُ، نحوُ: ما أحدٌ قائمًا، وما باشَرَ عامِلَه، نحوُ: ما قامَ أحدٌ، وهذا هو المشهورُ عندَ العلماءِ. - (وَ) كذا تَعُمُّ نكرةٌ في سياقِ (نَهْيٍ) قَطَعَ به ابنُ مُفْلِحٍ (١) وغيرُه؛ لأنَّه في مَعنى النَّفي، كقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، ويَدخُلُ الفعلُ المنهيُّ عنه، نحوُ: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ (٣)، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٤). فعلى هذا تَعُمُّ النَّكرةُ في سياقِ النَّفيِ والنَّهيِ (وَضْعًا) بمَعنى أنَّ اللَّفظَ وُضِعَ لسلْبِ كلِّ فردٍ مِن الأفرادِ بالمطابقةِ. وقيلَ: تَعُمُّ بطريقِ اللُّزومِ بمعنى أنَّ نفيَ كلِّ فردٍ مُبهَمٍ يَقتضي نفيَ جميعِ الأفرادِ ضرورةً. إذا عَلِمْتَ ذلك، فيُؤثِّرُ التَّخصيصُ بالنِّيَّةِ على الأوَّلِ دونَ الثَّاني، ويُؤَيِّدُه (٥) صِحَّةُ الاستثناءِ في هذه الصِّيغةِ بالاتِّفاقِ، فدَلَّ على تناولِها لكلِّ فردٍ. فائدةٌ: دلالةُ النَّكرةِ في سياقِ النَّفيِ على العُمومِ قسمانِ:

стр. 462

أحدُهما: يَكُونُ (نَصًّا) في ذلك، وهي: ما إذا بُنِيَتْ على الفتحِ لتَرَكُّبِها مع «لا»، نحوُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. - (وَ) الثَّاني: يَكُونُ (ظَاهِرًا) في ذلك، وهي ما إذا لم تُبْنَ مع «لا»، بل أُعرِبَتْ، نحوُ: لا في الدَّارِ رجلٌ بالرفعِ؛ لأنَّه يَصِحُّ أن يُقالَ بعدَه: «بل رجلانِ»، فدَلَّ على أنَّها ليسَتْ نصًّا، فإنْ زِيدَ فيها «مِن» كانت نصًّا أيضًا، ويكونُ تنصيصُ العمومِ النَّفيَ على الأرجحِ، لا «مِن»؛ لأنَّها كانَتْ للعمومِ فيه ظاهرًا فلم تُفِدْ إلَّا جَعْلَه نصًّا. - (وَ) مِن صيغِ العمومِ أيضًا: نكرةٌ (فِي) سياقِ (إِثْبَاتٍ لِامْتِنَانٍ) مأخوذٌ ذلك مِن استدلالِ أصحابِنا إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكهةً، يَحنَثُ بأكلِ التَّمرِ والرُّمَّانِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (١). - (وَ) مثلُه: النَّكرةُ (فِي) سياقِ (اسْتِفْهَامٍ إِنْكَارِيٍّ)؛ لأنَّه في مَعنى النَّفيِ، نحوُ: هل قائمٌ زيدٌ. قال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٢) فإنَّ المرادَ نفيُ ذلك كلِّه؛ لأنَّ الإنكارَ هو حقيقةُ النَّفيِ. - قالَ الشَّيخُ وأبو المَعالي (٣) وغيرُهما: (وَشَرْطٍ) نحوُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ﴾ (٤) الآيةَ، و: «مَن يَأتْنِي بأسيرٍ فله دينارٌ»، يَعُمُّ كلَّ أسيرٍ؛ لأنَّه في مَعنى النَّفيِ؛ لكونِه تعليقَ أمرٍ لم يُوجَدْ على أمرٍ لم يُوجَدْ. (وَلَا يَعُمُّ جَمْعٌ مُنَكَّرٌ غَيْرُ مُضَافٍ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه لو قال: له عندي عبيدٌ، قُبِلَ تفسيرُه بأقلِّ الجمعِ؛ وذلك لأنَّ أهلَ اللُّغةِ يُسَمُّونَه نكرةً، ولو

стр. 463

كانَ عامًّا لم يَكُنْ نكرةً؛ لمغايرةِ مَعنى النَّكرةِ لمعنى العمومِ، كما سَبَقَ في تعريفِ العامِّ، ولأنَّه يَصدُقُ على أقلِّ الجمعِ، وما زادَ مرتبةً بعدَ أُخرى إلى ما لا يَتَناهى. وإذا كانَ مَدلولُ النَّكرةِ أعمَّ مِن هذا ومنَ الصُّورِ السَّابقةِ، فالأعمُّ لا يَدُلُّ على الأخصِّ، وعمومُه في هذه الصُّورِ إِنَّمَا هو مِن عمومِ بدلٍ لا شمولٍ. (وَ) على هذا (يُحْمَلُ) الجمعُ (عَلَى أَقَلِّ جَمْعٍ) لا على مجموعِ الأفرادِ على الصَّحيحِ، (وَهُوَ) أي: أقلُّ الجمعِ (ثَلَاثَةٌ حَقِيقَةً) عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم لسَبْقِ الثَّلاثةِ عندَ الإطلاقِ، ولا يَصِحُّ نفيُ الصِّيغةِ عنها، وهما دليلُ الحقيقةِ، وأمَّا قولُه ﷺ : «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» (١) فهو خبَرٌ ضعيفٌ، ثمَّ المرادُ في الفضيلةِ لتعريفِه، لا اللُّغةِ، ولو كانَ جمعًا لغةً لَمَا بَيَّنَه للتَّسويةِ فيها. قالَ أصحابُنا: يَصِحُّ إطلاقُ الجمعِ في الاثنينِ والواحدِ مَجازًا لقولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٢). (وَالمُرَادُ) بالجمعِ المذكورِ أَبْنِيَتُه، نحوُ: الزَّيدين، والرِّجالِ، ولهذا قال: (غَيْرُ: (١) لَفْظِ جَمْعٍ) أي: غيرُ لفظِ: «جيمٌ، ميمٌ، عينٌ» لُغةً؛ لأنَّه ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ، وهو مُتَحَقِّقٌ في الاثنينِ اتِّفاقًا، وغيرُ ضميرِ المتكلِّم، نحوُ: فَعَلْنا،

стр. 464

(٢) (وَنَحْنُ، وَقُلْنَا، و) غيرُ، (نحوِ (١) قولِه تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ (قُلُوبُكُمَا﴾ (٢) مِمَّا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ) شيءٌ (وَاحِدٌ) قالَ ابنُ قاضي الجبلِ: لاستثنائِه لغةً. انتهى. ولأنَّ قاعدةَ اللُّغةِ أنَّ كلَّ اثنينِ أُضِيفا إلى مُتَضَمَّنِهما يَجُوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: (١) الجمعُ على الأفصحِ، نحوُ: قَطَعْتُ رُؤُوسَ الكبشينِ، (٢) ثمَّ الإفرادُ، كرأسِ الكبشينِ، (٣) ثمَّ التَّثنيةِ، كرأسيِ الكبشينِ، وإنَّما رَجَحَ الجمعُ استثقالًا لتوالي دَالَّينِ على شيءٍ واحدٍ وهو التَّثنية، وتَضَمُّنِ الجمعِ العددَ، بخلافِ ما لو أُفْرِدَ. (وَأَقَلُّ جَمَاعَةٍ (٣) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ: ثَلَاثَةٌ) عندَ أصحابِنا وأقلُّها في الصلاةِ اثنانِ. (وَمِعْيَارُ العُمُومِ: صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ) فيُستَدَلُّ على عمومِ اللَّفظِ بقولِه: «الاستثناء» فإنَّه إخراجُ ما لَوْلاه لوَجَبَ دُخولُه في المُستثْنَى منه، فوَجَبَ أنْ تَكُونَ كلُّ الأفرادِ واجبةَ الاندراجِ، وهذا مَعنى العُمومِ. تنبيهٌ: بَقِيَ معَنا مسائلُ مِمَّا يَدُلُّ على العُمومِ: منها: أنْ يكونَ اللَّفظُ عامًّا: إمَّا بالعُرفِ، أو بالعَقلِ، فعمومُه بالعُرفِ في ثلاثةِ أمورٍ: أحدُها: فَحوَى الخِطَابِ.

стр. 465

والثَّاني: لحنُ الخطابِ، نحوُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١) فيَعُمُّ إحراقَه، ونحوُ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢) فيَعُمُّ الأذى بلسانِه ويدِه. والثَّالثُ: ما نُسِبَ الحُكْمُ فيه لذاتِه، وإنَّما تَعَلَّقَ في المعنى بفعلٍ اقتضاه الكلامُ، نحوُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٣) فإنَّ العُرفَ نَقَلَه إلى تحريمِ الأكلِ على العُمومِ. وعمومُه بالعقلِ في ثلاثةِ أمورٍ: أحدُها: ترتيبُ الحُكمِ على الوصفِ، نحوُ: حُرِّمَتِ الخمرُ للإسكارِ؛ فإنَّ ذلك يَقتضي أنْ يَكُونَ عِلَّةً له، والعقلُ يَحكُمُ بأنَّه كُلَّما وُجِدَتِ العلَّةُ وُجِدَ المعلولُ، وكُلَّما انتفتْ يَنتفي. والثَّاني: مفهومُ المُخالفةِ عندَ القائلِ به، كقولِه ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٤) فإنَّه بمفهومه يَدُلُّ على أنَّ مطلَ غيرِ الغنيِّ عُمومًا لا يَكُونُ ظلمًا. والثَّالثُ: إذا وَقَعَ جوابًا لسؤالٍ، كما لو سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عمَّن أفطرَ، فقال: عليه الكفَّارةُ. فيُعلَمُ أنَّه يَعُمُّ كلَّ مفطرٍ. (فائدةٌ: سَائِرُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى بَاقِيهِ) عندَ الأكثرِ، وعليه الاستعمالُ؛ فإنَّ «سائرَ» بمعنى «أَسْأَرَ»؛ أي: أَبْقَى، فهو مِن السُّؤْرِ، وهو البقيَّةُ، فلا يَعُمُّ.

стр. 466

(فَصْلٌ) قالَ الأكثرُ: (العَامُّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ حَقِيقَةٌ) لا مجازٌ؛ لأنَّ العامَّ في تقديرِ الألفاظِ مطابقةٌ لأفرادِ مدلولِه، فسَقَطَ منها بالتَّخصيصِ طِبْقُ ما خُصِصَّ به من المعنى، فالباقي منها ومنَ المدلولِ مُتطابقانِ تقديرًا، فلا استعمالَ في غيرِ الموضوعِ له، فلا مجازَ، فالتَّناوُلُ باقٍ، وكانَ حقيقةً قبْلَه، فكذا بعدَه. (وَهُوَ) أي: العامُّ المخصوصُ (حُجَّةٌ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ الصَّحابةَ لم تَزَلْ تَستدلُّ بالعُموماتِ مع وجودِ التَّخصيصِ فيها، ولأنَّه كانَ حُجَّةً، والأصلُ بقاؤُه، ولأنَّ دَلالتَه على بعضٍ لا يَتَوَقَّفُ على بعضٍ آخَرَ (١) للدَّوْرِ. قال الدَّبُوسِيُّ: لكنَّه غيرُ مُوجِبٍ للعلمِ قطعًا، بخلافِ ما قَبْلَ التَّخصيصِ (٢). انتهى. وفي المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ أَضْرَبْنا عنها خوفَ الإطالةِ. قالَ ابنُ العِرَاقِيِّ وغيرُه: الخلافُ في هذه المسألةِ مُفَرَّعٌ على القولِ بأنَّ العامَّ بعدَ التَّخصيصِ مجازٌ، فأمَّا إنْ قُلْنا: إنَّه حقيقةٌ؛ فهو حُجَّةٌ قطعًا (٣). قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهو ظاهرُ صَنيعِ ابنُ مُفْلِحٍ (٤). والمُرادُ في هذه المسألةِ (إِنْ خُصَّ) العامُّ (بِمُبَيَّنٍ) يَعني بمعلومٍ، أو خُصَّ باستثناءٍ بمعلومٍ، كـ: أَكْرِمْ بني تميمٍ ولا تُكْرِمْ فلانًا، وكقولِنا: له عليَّ عشرةٌ إلَّا واحدًا، فإنْ خُصَّ بمجهولٍ، كـ: «اقتلوا المشركينَ إلَّا بعضَهم»، لم يَكُنْ حُجَّةً اتفاقًا؛ لأنَّ الآيةَ لا يُستدَلُّ بها على الأمرِ بقتلِ فردٍ مِن الأفرادِ؛ إذْ ما مِن

стр. 467

فردٍ إلَّا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُخرَجَ، ولأنَّ إخراجَ المجهولِ مِن المعلومِ يُصَيِّرُ المعلومَ مَجهولًا. فائدةٌ: قالَ في «شرحِ الأصلِ»: لم يَتَعَرَّضْ كثيرٌ مِن العلماءِ بل أكثرُهم للفرقِ بينَ العامِّ المخصوصِ والعامِ الَّذِي أُريدَ به الخصوصُ، وهو مِن مهمَّاتِ هذا البابِ، وهو عزيزُ الوجودِ (١). وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: يَجِبُ أنْ يُتَنَبَّهَ للفرقِ بينهما؛ فالعامُّ المخصوصُ أعمُّ مِن العامِّ الَّذِي أُرِيدَ به الخصوصُ، ألا تَرى أنَّ المُتَكَلِّمَ إذا أَرادَ باللَّفظِ أوَّلًا ما دَلَّ عليه ظاهرُه منَ العُموم، ثمَّ أَخْرَج بعدَ ذلك بعضَ ما دَلَّ عليه اللَّفظُ كانَ عامًّا مخصوصًا، ولم يَكُنْ عامًّا أُريدَ به الخصوصُ (٢)، فلهذا قال المصنِّفُ: (وَعُمُومُهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا) فإنَّ المرادَ به هو الأكثرُ، وما ليسَ بمرادٍ هو الأقلُّ، ويُقالُ: إنَّه منسوخٌ بالنِّسبةِ إلى البعضِ الَّذِي أُخرِجَ، و (لَا) يَكُونُ عمومُه مرادًا (حُكْمًا) فيَصِحُّ التَّعلُّقُ بظاهرِه اعتبارًا بالأكثرِ. (وَقَرِينَتُهُ لَفْظِيَّةٌ) لا عقليَّةٌ، و (قَدْ تَنْفَكُّ) عنه يَعني أنَّه يَحتاجُ إلى دليلٍ لفظيٍّ غالبًا كالشَّرطِ والغايةِ والاستثناءِ. (وَ) أمَّا (العَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ) فليسَ بمرادٍ لا تناولًا ولا حُكمًا، بل (كُلِّيٌّ اسْتُعْمِلَ فِي جُزْئِيٍّ) يَعني أنَّه ما كانَ المرادُ به أقلَّ، وما ليسَ بمرادٍ هو الأكثرُ، ولا يَصِحُّ الاحتجاجُ بظاهرِه.

стр. 468

(وَمِنْ ثَمَّ كَانَ مَجَازًا (١) قَطعًا، ليُنقَلَ اللَّفظُ عن موضوعِه الأصليِّ بخلافِ العامِّ المخصوصِ، (وَقَرِينَتُهُ عَقْلِيَّةٌ لَا تَنْفَكُّ) عنه يَعني أنَّه يَحتاجُ لدليلٍ معنويٍّ يَمنَعُ إرادةَ الجميعِ، فتَعَيَّنَ له البعضُ. تنبيهٌ: قال البِرْمَاوِيُّ: وحاصلُ ما قَرَّرَه أنَّ العامَّ إذا قُصِرَ على بعضِه له ثلاثُ حالاتٍ: الأُولى: أنْ يُرادَ به في الابتداءِ خاصٌّ، فهذا هو المرادُ به خاصٌّ. والثَّانيةُ: أنْ يُرادَ به عامٌّ، ثمَّ يُخرَجَ منه بعضُه، فهذا نَسخٌ. والثَّالثةُ: ألَّا يُقصَدَ به خاصٌّ ولا عامٌّ في الابتداءِ، ثمَّ يُخرَجَ مِنه أمرٌ يَتَبَيَّنُ بذلك أنَّه لم يُرَدْ به في الابتداءِ عمومُه، فهذا هو العامُّ المخصوصُ. ولهذا كانَ التَّخصيصُ عندَنا بيانًا لا نسخًا، إلَّا إنْ أُخْرِج بعدَ دخولِ وقتِ العملِ على العامِّ فيَكُونُ نَسخًا؛ لأنَّه قد تَبَيَّنَ أنَّ العُمومَ أُرِيدَ في الابتداءِ (٢). (وَالجَوَابُ) مِن الشَّارعِ: (١) (لَا المُسْتَقِلِّ) وهو الَّذِي لو وَرَدَ ابتداءً لم يُفِدِ العُمومَ (تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ (٣) في عُمُومِهِ) اتِّفاقًا، كجوابِه لمن سَأَلَه عن بيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟» قيلَ: نعمْ. قال: «فَلَا إذًا» (٤).

стр. 469

(وَ) الجوابُ لا المُستقِلُّ تابعٌ للسُّؤالِ (فِي قَوْلٍ) للقاضي (١) وأبي الخطَّابِ (٢) والآمِدِيِّ (٣) وغيرِهم: (وَخُصُوصِهِ) أيضًا، كقولِه تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ (٤)، وكقولِه ﵇ لأبي بُردةَ: «تُجْزِئُكَ ولا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» (٥) أي: في الأُضحيَّةِ. فهذا وأمثالُه وإنْ تُرِكَ فيه الاستفصالُ مع تعارُضِ الأحوالِ لا يَدُلُّ على التَّعميمِ في حقِّ غيرِه؛ إذِ اللَّفظُ لا عمومَ له، ولَعَلَّ الحُكْمَ على ذلك الشَّخصِ لمَعنًى يَختَصُّ به كتخصيصِ أبي بُردةَ بقولِه: «ولا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» (٥)، ثمَّ بتقديرِ تعميمِ المعنى فبالعلَّةِ لا بالنَّصِ؛ لاحتمالِ معرفةِ حالِه، فأجابَ على ما عَرَف، وعلى هذا يَجرِي أكثرُ الفتاوى مِن المُفتينَ (٦). والقولُ الثَّاني: أنَّه لا يَتْبَعُ السُّؤالَ في خصوصِه. قالَ ابنُ مُفْلِحٍ: والَّذي عليه أصحابُنا التَّعميمُ، قالوا: لو اختَصَّ به لَما احتِيجَ إلى تخصيصِه، وهذا ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ؛ لأنَّه احتجَّ في مواضعَ كثيرةٍ بمِثلِ ذلك، وكذلك أصحابُنا (٧). قالَ المَجدُ: ما سَبَقَ إِنَّمَا يَمنَعُ قوَّةَ العُمومِ، لا ظُهورَه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ المعرفةِ لِما لم يُذكَرْ، ومَثَّلَه الشَّافعيُّ بقولِه لغَيلانَ وقد أَسْلَمَ على عشرِ نسوةٍ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ أَرْبَعًا» (٨) ولم يَسأَلْه هل وَرَدَ العقدُ عليهنَّ معًا أو مُرَتَّبًا، فدَلَّ على عدمِ الفرقِ.

стр. 470

(٢) (وَ) الجوابُ (المُسْتَقِلُّ) أي: بحَيثُ لو وَرَدَ ابتداءً لأفادَ العُمومَ: إما أنْ يُسَاوِيَ السُّؤالَ في عمومِه وخصوصِه، أو يَكُونَ أخصَّ مِن السُّؤالِ، أو أعمَّ منه، - فـ (إِنْ سَاوَى السُّؤَالَ) في خصوصِه وعمومِه، (تَابَعَهُ) أي: تابَعَ الجوابُ السُّؤالَ (فِيمَا) أي: في جوابٍ (فِيهِ) أي: في السُّؤالِ (مِنْهُمَا) أي: مِن الخصوصِ والعُمومِ عندَ كونِ السُّؤالِ خاصًّا أو عامًّا، كما لو لم يَسْتَقِلَّ بالخصوصِ، كسؤالِ الأعرابيِّ عن وطئِه في نهارِ رمضانَ، فقال: «أَعْتِقْ رَقَبَةً» (١)، والعُمومِ كسُؤالِه عن الوضوءِ بماءِ البحرِ، فقال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٢). - (وَإِنْ كَانَ) الجوابُ (أَخَصَّ) مِن السُّؤالِ (اخْتَصَّ بِهِ) أي: بالجوابِ (السُّؤَالُ) كسُؤالِه عن قتلِ النِّساءِ الكوافرِ، فيَقولُ: اقتلوا المُرتدَّاتِ، فيَختَصُّ بالجوابِ وهو قتلُ المُرتدَّاتِ مِنهنَّ. - (وَإِنْ كَانَ) الجوابُ (أَعَمَّ) مِن السُّؤالِ اعتُبِرَ عمومُ الجوابِ، كسؤالِه ﵇ عن ماءِ بئرِ بُضَاعةَ، فقال: «المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» (٣)، وهذا مندرجٌ في قولِه: (أَوْ وَرَدَ عَامٌّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ بِلَا سُؤَالٍ) كما رُوِيَ

стр. 471

أنَّه ﷺ مَرَّ بشاةٍ مَيِّتةٍ (١) لمَيمُونةَ فقال: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٢)، فـ (اعْتُبِرَ عُمُومُهُ) أي: عمومُ اللَّفظِ الواردِ على سببٍ خاصٍّ، ولم يَقتَصِرْ على سببِه على الصَّحيحِ؛ لأنَّ السَّبَبَ قد يَكُونُ سؤالًا وقد يَكُونُ غيرَه، فالسَّببُ لا يُخَصَّصُ والعمومُ باقٍ على عمومِه؛ لأنَّ عدولَ المُجيبِ عمَّا سُئِلَ عنه أو عمَّا اقْتَضاَه حالَ السَّببِ الَّذِي وَرَدَ العامُّ عليه عن ذِكْرِه بخصوصِه إلى العُمومِ: دليلٌ على إرادتِه؛ لأنَّ الحُجَّةَ في اللَّفظِ، وهو يَقتضي العُمومَ، والسَّببُ لا يَصلُحُ مُعارضًا لجوازِ أن يَكُونَ المقصودُ عندَ وُرُودِ السَّببِ بيانَ القاعدةِ العامَّةِ لهذه الصُّورةِ وغيرِها، واسْتُدِلَّ لذلك بأنَّ الصَّحابةَ ومَن بَعدَهم اسْتَدَلُّوا على التَّعميمِ مع السَّببِ الخاصِّ، ولم يُنْكَرْ، كآيةِ اللِّعانِ، ونَزَلَتْ في هلالِ بنِ أُمَيَّةَ، ولأنَّ اللَّفظَ عامٌّ بوضعِه والاعتبارِ به، بدليلِ لو كانَ أخصَّ، والأصلُ عدمُ مانعٍ، وقاسَ ذلك أصحابُنا وغيرُهم على الزَّمانِ والمكانِ مع أنَّ المصلحةَ قد تَختلِفُ بهما. (وَصُورَةُ السَّببِ: قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ) أي: مقصودةٌ بالعمومِ قطعًا عندَ الأكثرِ، (فَلَا يَخْتَصُّ) السَّببُ (بِاجْتِهَادٍ) والخلافُ إِنَّمَا هو فيما عداها، فيَطرُقُ التَّخصيصُ ذلك العامَّ إلَّا تلك الصُّورةَ، فإنَّه لا يَجُوزُ إخراجُها، فلو سَأَلَتْه امرأةٌ مِن نِسائِه طلاقَها فقال: «نسائي طوالقُ»، طُلِّقَتْ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيل (٣) إجماعًا، وأنَّه لا يَجُوزُ تخصيصُه، والأشهرُ عندَنا ولو اسْتَثْناها بقلبِه، لكنْ يُدَيَّنُ، ولو اسْتَثْنى غيرَها: لم تُطَلَّقْ.

стр. 472

(فَائِدَةٌ: قِيلَ: ليسَ فِي القُرْآنِ عَامٌّ لَمْ يُخَصَّ (١) إِلَّا) قولُه تعالى: (﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ) فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٢). قال البِرْمَاوِيُّ: اعتَرَضَ ابنُ داودَ على الشَّافعيِّ في جَعلِه ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) مِن العامِّ الَّذِي لم يُخصَّ بأنَّ منَ الدَّوابِّ مَن أَفْنَاه اللهُ تعالى قبْلَ أن يَرزُقَه، ورَدَّه الصَّيْرَفِيُّ بأنَّ ذلك خطأٌ؛ لأنَّه لا بدَّ له مِن رزقٍ يَقُومُ به ولو بتَنَفُّسٍ يَأتيه به، وقد جَعَلَ اللهُ تعالى غذاءَ طائفةٍ مِن الطَّيرِ التَّنفُّسَ إلى مُدَّةٍ يَصلُحُ فيها للأكلِ (٤) والشُّربِ (٥). وقالَ الطُّوفِيُّ في «الإشاراتُ» (٦): قولُه تعالى (﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) هذا عامٌّ لم يُخصَّ بشيءٍ أصلًا؛ لتعلُّقِ علمِهِ بالموادِّ الثَّلاثِ: مادَّةُ الواجبِ، والمُمكنِ، والمُمتنعِ، بخلافِ قولِه : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) فإنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بالمُحالات، والواجباتِ الَّتي لا تدخلُ تحت المَقدُوريَّة؛ كالجَمع بين الضدَّيْنِ، وكخَلْقِ ذاتِه وصِفاتِهِ وأَشباهِ ذلك. انتهى.

стр. 473

(فَصْلٌ) جمْعُ المُشتَركِ باعتبارِ مَعانيه مَبنيٌّ على جوازِ استعمالِ المفرَدِ في مَعانيه، ووجهُ البناءِ أنَّ التَّثنيةَ والجمعَ تابعانِ لِما يَسُوغُ المفردُ فيه، فحيثُ جازَ استعمالُ المفردِ في مَعنَيَيْه أو معانيه، جازَ تثنيةُ المُشتَركِ وجَمْعُه، وحيثُ لا، فلا، تَقُولُ: عيونُ زيدٍ، وتُريدُ به العينَ الباصرةَ، والعينَ الجاريةَ، وعينَ الميزانِ والذَّهبِ، وغيرَها، فعندَ الأكثرِ (يَصِحُّ إِطْلَاقُ جَمْعِ المُشْتَرَكِ) على معانيه، (وَ) إطلاقُ (مُثَنَّاهُ) على مَعنَيَيْه بأنْ يُريدَ المُتكلِّمُ بالمُشتَركِ مَعنَيَيْه أو معانيَه معًا (١) فيَصِحُّ (كَـ) ـما يَصِحُّ إطلاقُ (مُفْرَدٍ (٢) عَلَى كُلِّ مَا لَهُ) أي: ما للمفردِ مِن المعاني (مَعًا) فاستعمالُ المُشتَركِ في أحدِ مَعنَيَيْه أو معانيه جائزٌ قطعًا وهو حقيقةٌ؛ لأنَّه فيما وُضِعَ له، وأمَّا إطلاقُه على الكلِّ معًا في حالةٍ واحدةٍ ففيه مذاهبُ: أصحُّها أنَّه يَصِحُّ كقولِنا: العينُ مخلوقةٌ، ونريدُ جميعَ معانيها، وكقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٣) فإنَّ الصَّلاةَ مِن اللهِ: الرَّحمةُ، ومِن الملائكةِ: دعاءٌ، ويَكُونُ إطلاقُه على جميعِها مجازًا لا حقيقةً، وقيلَ: حقيقةٌ لأنَّه يُوجِبُ حُكْمَه على الجمعِ، وفُهِمَ مِن الشَّرحِ أنَّ اللَّفظَ المُشتَركَ إذا لم يُستعمَلْ في وقتٍ واحدٍ بل في وقتينِ مثلًا؛ فإنَّ ذلك جائزٌ قطعًا. (وَ) يَصِحُّ إطلاقُ (اللَّفْظِ) الواحدِ (عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ الرَّاجِحِ) ويُحمَلُ عليهما (مَعًا مَجَازًا) كالمسألةِ الَّتي قَبْلَها لاتِّحادِهما، فيَكُونُ

стр. 474

حَمْلُ اللَّفظِ على الحقيقةِ والمجازِ معًا إذا رَجَحَ بمُرَجِّحٍ مِن الخارجِ، وإلَّا فالحقيقةُ مُقَدَّمَةٌ قطعًا. مثالُ ذلك: إطلاقُ النِّكاحِ للعقدِ والوطءِ معًا، إذا قُلْنَا: حقيقةٌ في أحدِهما مجازٌ في الآخَرِ، ولذلك حُمِلَ قولُه تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) على المسِّ باليدِ، وهو حقيقةٌ، وعلى الوقاعِ وهو مجازٌ. ومِثْلُه قولُه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) فإنَّه حقيقةٌ في وَلَدِ الصُّلْبِ، مجازٌ في وَلَدِ الابنِ. (وَهُوَ) أي: اللَّفظُ إذا صَحَّ إطلاقُه على الحقيقةِ والمجازِ فهو (ظَاهِرٌ فِيهِمَا) جميعًا؛ أي: غيرُ مُجمَلٍ؛ (إِذْ لَا قَرِينَةَ) تَخُصُّ أَحَدَهما، فاللَّمْسُ قُلْنُا حقيقةٌ في اللَّمسِ باليدِ، مجازٌ في الجماعِ (فَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا) وجوبًا على الصَّحيحِ، ويَجِبُ الوضوءُ مِنهما جميعًا؛ لأنَّه لا تَدافُعَ بينَهما، فعلى هذا يَكُونُ حَمْلُ اللَّفظِ على الحقيقةِ والمجازِ (كَعَامٍّ) أي: لكونِه مِن بابِ العمومِ. وتوجيهُ ذلك: أنَّ نِسبةَ المُشتَركِ إلى مَعانيه كنسبةِ العامِّ إلى أفرادِه، وعندَ التَّجرُّدِ يَعُمُّ الأفرادَ، فكذا المُشتَركُ، والجامِعُ صِدقُ اللَّفظِ بالوضعِ على كلِّ فردٍ كما يَصدُقُ العامُّ على كلِّ فردٍ مِن أفرادِه وإنِ افْتَرَقا من حَيْثُ إنَّ العامَّ صِدْقُه بواسطةِ أمرٍ اشْتَرَكَتْ فيه، والمُشتَركُ صِدْقُه بواسطةِ الاشتِراكِ في أنَّ اللَّفظَ وُضِعَ لكلِّ واحدٍ.

стр. 475

ومَحَلُّ صِحَّةِ الإطلاقِ والحملِ على المعنيينِ أو المعاني عندَ القائلِ به حَيْثُ لا يَكُونُ بينَهما أو بينَهم تنافٍ، (فَإِنْ تَنَافَيَا كَـ) استعمالِ لفظِ (افْعَلْ، أَمْرًا وَتَهْدِيدًا: امْتَنَعَ) الإطلاقُ والحملُ. (وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ: المَجَازَانِ المُتَسَاوِيَانِ (١) أي: أَلْحَقَ جمعٌ مِن العلماءِ المَجازَينِ المُتساوِيَينِ بالحقيقةِ والمجازِ، فعلى هذا إذا تَعَذَّرَ حمْلُ اللَّفظِ على مَعناه الحقيقيِّ أو قامَ دليلٌ على أنَّه غيرُ مرادٍ، وعُدِلَ إلى المعنى المجازيِّ إطلاقًا أو حملًا، وكانَ المجازُ مُتَعَدِّدًا جازَ إرادةُ الكلِّ، وساغَ للسَّامِعِ الحملُ على الكلِّ بشرطِ كَوْنِ المجازَينِ مُتساوِيَينِ. مثالُ ذلك: لو حَلَفَ لا يَشتَري دارَ زيدٍ، وقامَتْ قرينةٌ على أنَّ المرادَ لا يَعقِدُ بنَفْسِه، وتَرَدَّدَ الحالُ بينَ السَّوْمِ وشراءِ الوكيلِ؛ فيُحمَلُ عليهما، ويَحنَثُ بكلٍّ منهما. (وَدَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ وَالإِضْمَارِ عَامَّةٌ) أي: غيرُ مُجملَةٍ، ولا لنفيِ الإثمِ على الصَّحيحِ، واستُدلَّ له بما رَوى الطَّبَرانِيُّ (٢) وغيرُه بإسنادٍ جيِّدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ مرفوعًا: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، ورَوَاه ابنُ ماجه ولفظُه: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ» (٣)، ورَوَى ابنُ عَدِيٍّ: «رَفَعَ اللهُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ثَلَاثًا: الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَالأَمْرَ يُكْرَهُونَ عَلَيْهِ» (٤). فمِثْلُ هذا يُقالُ فيه مُقتضى الإضمارِ، ومُقتضاه الإضمارُ، ودَلالتُه على المضمَرِ دَلالةُ إضمارٍ واقتضاءٍ، فالمُضمَرُ عامٌّ.

стр. 476

قالَ البِرْمَاوِيُّ (١): المُقتَضِي بالكسرِ: الكلامُ المحتاجُ للإضمارِ (٢)، وبالفتحِ: هو ذاك المحذوفُ، ويُعَبَّرُ عنه أيضًا بِـ «المُضمَرِ»، فالمُختلَفُ في عمومِه على الصَّحيحِ: «المُقتضَى» بالفتحِ؛ بدليلِ استدلالِ مَن نَفَى عمومَه بكونِ العمومِ مِن عوارضِ الألفاظِ، فلا يَجُوزُ دعواه في المعاني، ويُحتمَلُ أنْ يَكُونَ في المُقتِضي بالكسرِ: وهو المنطوقُ به المحتاجُ في دَلالتِه للإضمارِ. وبالجملةِ فحاصلُ (٣) المسألةِ أنَّ المُحتاجَ إلى تقديرٍ [في نحوِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٤) وغيرِها من الأمثلةِ إنْ دَلَّ دليلٌ على تقديرِ] (٥) شيءٍ مِن المُحتملاتِ بعَينِه فذاك، سواءٌ كانَ المُقدَّرُ عامًّا في أمورٍ كثيرةٍ أو خاصًّا بفَردٍ، وإن لم يَدُلَّ دليلٌ على تعيينِ شيءٍ لا عامٍّ ولا خاصٍّ مع احتمالِ أمورٍ مُتعدِّدةٍ؛ لم يَتَرَجَّحْ بعضُها، فهل تُقَدَّر المُحتملاتُ كلُّها، وهو المُرادُ بالعُمومِ في هذه المسألةِ أو لا؟ فيه مذاهبُ، ووجهُه أنَّه لم يَرِدْ رفعُ الفعلِ الواقعِ بل ما تَعَلَّقَ به، فاللَّفظُ محمولٌ عليه بنفسِه لا بدليلِه. (وَ) الفعلُ المُتَعَدِّي إن لم يُذْكَرْ له مفعولٌ بِه (مِثْلُ: لَا آكُلُ) أو: لا أَضرِبُ، أو: لا أقومُ، أو: ما أَكَلْتُ، (أَوْ «إِنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ» يَعُمُّ مَفْعُولَاتِهِ) على الأصحِّ، (فَيُقْبَلُ) منه (تَخْصِيصُهُ) ببعضِ المفاعيلِ به إذا نَوَاه لعُمومِه.

стр. 477

تنبيهٌ: قُلْتُ: يُفهَمُ منه أنَّ الفعلَ إذا كانَ لازمًا كقولِه: واللهِ! لا أقولُ، أنَّه يَحنَثُ بكلِّ قولٍ ولا يُقبَلُ تخصيصُه. (فَلَوْ نَوَى) بقولِه: «لا آكلُ» مأكولًا (مُعَيَّنًا: قُبِلَ) منه تخصيصُه ولم يَحنَثْ بغيرِه (بَاطِنًا (١) عندَ أصحابِنا وغيرِهم؛ لصِحَّةِ الاستثناءِ فيه، فكذا تخصيصُه، وهل يُقبَلُ حُكمًا أم لا؟ فيه عن أحمدَ روايتانِ. (فَلَوْ (٢) زَادَ) ذِكْرُ المفعولِ به، كـ: لا أَكَلْتُ (لَحْمًا) أو تمرًا مَثلًا (وَنَوَى) لحمًا أو تمرًا (مُعَيَّنًا: قُبِلَ) منه تعيينُه (مُطْلَقًا) أي: باطنًا وظاهرًا مِن غيرِ خلافٍ عندَ بعضِهم. فائدةٌ: هذه المسألةُ مسألةُ تخصيصِ العُمومِ بالنِّيَّةِ ولا يَختَصُّ جوازُ التَّخصيصِ بالنِّيَّةِ بالعامِّ، بل يَجري في تقييدِ المُطلَقِ بالنِّيَّةِ، ولذلك اعتُرِضَ على الحنفيَّةِ في: «لا أَكَلْتُ» أنَّه لا عمومَ فيه (٣) بل مطلقٌ، والتَّخصيصُ فرعُ العُمومِ بأنْ يَصِيرَ بالنِّيَّةِ تقييدًا للمُطلقِ، فلم يَمنَعُوه. (وَالعَامُّ فِي شَيْءٍ: عَامٌّ فِي مُتَعَلَّقَاتِهِ) وتَقَدَّمَ أنَّ عمومَ الأشخاصِ يستلزمُ عمومَ المُتعلَّقاتِ، وكلامُ الإمامِ أحمدَ في قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٤) ظاهرُها على العُمومِ: أنَّ مَن وَقَعَ عليه اسمُ ولدٍ؛ فله ما فَرَضَ اللهُ، فكانَ رسولُ اللهِ ﷺ هو المُعبِّرُ عنِ الكتابِ أنَّ الآيةَ إِنَّمَا قَصَدَتْ للمسلمِ لا للكافرِ.

стр. 478

(وَنَفْيُ المُسَاوَاةِ: لِلْعُمُومِ) عندَ أصحابِنا، نحوُ قولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (١)، وقولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٢)، فمَن نَفَى العُمومَ في الآيتينِ لا يَمنَعُ قصاصَ المُؤمنِ بالذِّمِّيِّ، ولا ولايةَ الفاسقِ عقدَ النِّكاحِ، ولو قُتِلَ المسلمُ بالذِّمِّيِّ لثَبَتَ استواؤُهما، أو قُلْنا: إنَّ الفاسقَ يَلِي عقدَ النِّكاحِ؛ لاستوى مع المؤمنِ الكاملِ، وهو العدلُ. تنبيهٌ: نفيُ المُساواةِ وما في مَعناها مِن الاستواءِ والتَّساوي والتَّماثُلِ والمُماثلةِ ونحوِ ذلك، سواءٌ فيه نفيُه في فعلٍ، نحوُ: لا يَستوي كذا وكذا، أو في اسمٍ، نحوُ (٣): لا مساواةَ بينَ كذا وكذا. (وَالمَفْهُومُ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ مفهومَ موافقةٍ أو مخالفةٍ: (عَامٌّ فِيمَا سِوَى المَنْطُوقِ، يُخَصَّصُ) أي: يَجُوزُ تخصيصُ المفهومِ (بِمَا يُخَصَّصُ بِهِ العَامُّ) عندَ أكثرِ أصحابِنا وغيرِهم. فَإِنْ قِيلَ: لو كانَ المفهومُ حُجَّةً لَما خُصَّ؛ لأنَّه مُستنْبَطٌ من اللَّفظِ كالعِلَّةِ، وأُجِيبَ بالمنعِ، وأنَّ اللَّفظَ بنَفسِه دَلَّ عليه بمُقتضى اللُّغةِ، فخُصَّ كالنُّطقِ. قالَ الآمِدِيُّ: الخلافُ في أنَّ المفهومَ له عمومٌ لفظيٌّ؛ لأنَّ مَفهومَيِ المُوافقةِ والمُخالفةِ عامٌّ فيما سِوى المنطوقِ به بلا خلافٍ، فقولُه ﷺ : «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» (٤) يَقتضي مفهومُه سلبَ الحُكمِ

стр. 479

عن معلوفةِ الغنمِ دونَ غيرِها، على الصَّحيحِ، فمَتى جَعَلْناه حُجَّةً لَزِمَ انتفاءُ الحُكمِ عن جملةِ صورِ المُخالفةِ، وإلَّا لم يَكُنْ للتَّخصيصِ فائدةٌ، وتَأَوَّلُوا ذلك على أنَّ المُخالفينَ أرادوا أنَّه لم يَثْبُتْ بالمنطوقِ ولا يَختلفون فيه. قيلَ: قولُهم: «المفهومُ لا عُمومَ له؛ لأنَّه ليسَ بلفظٍ حَتَّى يَعُمَّ» لا يُريدون به سَلْبَ الحُكْمِ عن جميعِ المعلوفةِ؛ لأنَّه خلافُ مذهبِ القائلينَ بالمفهومِ، ولكنَّهم قد يَذكُرُونه في مَعرِضِ البحثِ، فقد قالوا: دَلالةُ الاقتضاءِ تُجوِّزُ رَفْعُ الخطأِ؛ أي: حُكْمُه لا يَعُمُّ حكمَ الإثمِ والغُرْمِ مثلًا؛ تقليلًا للإضمارِ، فلذلك يُقالُ في المفهومِ: هو حُجَّةٌ؛ لضرورةِ ظُهورِ فائدةِ التَّقييدِ بالصِّفةِ، ويَكفي في الفائدةِ انتفاءُ الحُكمِ عن صورةٍ واحدةٍ؛ لتَوقُّفِ بيانِها على دليلٍ آخَرَ، وإن لم يَقُلْ بذلك أهلُ المفهومِ، لكنَّه بحثٌ مُتَّجِهٌ. (وَرَفْعُ كُلِّهِ) أي: كلِّ المفهومِ، بحَيثُ لا يَبقى سوى المنطوقِ (تَخْصِيصٌ) له (أيضًا) لإفرادِه اللَّفظَ في منطوقِه ومفهومِه، فهو كبعضِ العامِّ.

стр. 480

(فَصْلٌ) (فِعْلُهُ) أي: فعلُ الرَّسولِ ﷺ الواقعُ (لَا يَعُمُّ أَقْسَامَهُ وَجِهَاتِهِ) كصلاتِه ﵇ داخلَ الكعبةِ، لا يَعُمُّ الفَرضَ والنَّفلَ، فلا يُحتَجُّ به على جوازِهما فيها؛ لأنَّ الواقعَ لا يَكُونُ إلَّا بعضَ هذه الأقسامِ، فلا يُتَصَوَّرُ أنَّها فرضٌ ونفلٌ معًا. (وَ) قولُ الرَّاوي: (كَانَ) مِن فِعلِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه (يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ في السَّفَرِ، (١) لَا يَعُمُّ وَقْتَيْهِمَا) لأنَّه يَحتملُ وقوعَ الصَّلاتينِ في وقتِ الأُولى ويَحتملُ وُقوعَهما في وقتِ الثَّانيةِ، والتَّعيينُ مَوقوفٌ على الدَّليلِ، فلا يَعُمُّ الوقتينِ؛ إذ ليسَ في نفسِ وقوعِ الفعلِ المرويِّ ما يَدُلُّ على وقوعِه في وَقتَيْهما. (٢) (وَلَا) يَعُمُّ أيضًا (كُلَّ سَفَرٍ) كسفرِ النُّسُكِ وغيرِه؛ لأنَّه لا يَدُلُّ عليه الفعلُ. (وَ) لفظُ («كَانَ»: لِدَوَامِ الفِعْلِ وَتَكْرَارِهِ) اختارَه البَاقِلَّانِيُّ وغيرُه؛ لأنَّه العُرفُ، كقولِ القائلِ: كانَ فلانٌ يُكرِمُ الضِّيفانَ، وقد قال الله تعالى عن إسماعيلَ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (١) أي: كانَ يُداوِمُ على ذلك. إذا عَلِمْتَ ذلك (فَتُفِيدُ) «كانَ» (تَكْرَارَهُ (٢) أي: تَكَرُّرَ الفعلِ (مِنْهُ) أي: مِن الدَّوامِ، ولهذا قال بعضُهم إنها تَقتضي التَّكرارَ عُرفًا لا لغةً.

стр. 481

قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهو قويٌّ جدًّا (١). قال البِرْمَاوِيُّ: والتَّحقيقُ ما قالَه ابنُ دقيقِ العيدِ (٢) أنَّها تَدُلُّ على التَّكرار كثيرًا، كما يُقالُ: كانَ فلانٌ يَقْرِي الضَّيفَ، ومنه: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ .. الحديثَ (٣). ولمُجرَّدِ الفعلِ قليلًا من غيرِ تكرارٍ (٤) نحوُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ» (٥)، وقولِ عائشةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ لِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ» (٦). ولم يَقَعْ وُقوفُه بعرفةَ وإحرامُه وعائشةُ معَه إلَّا مرَّةً واحدةً (٧). تنبيهٌ: لا يَلْزَمُ مِن التَّكرارِ عدمُ الانقطاعِ، فقد يَتَكَرَّرُ الشَّيْءُ ثمَّ يَنقطِعُ، نعمْ يَلْزَمُ بالضَّرورةِ مِن عدمِ الانقطاعِ التَّكرارُ، لكنْ لا قائلَ به. (وَلَمْ تَدْخُلِ الأُمَّةُ بِفِعْلِهِ ﷺ ؛ لأنَّ فِعلَه لا يَعُمُّ أقسامَه، فكذلك لا يَعُمُّ أُمَّتَه، فهو خاصٌّ به، سواءٌ كانَ واجبًا أو جائزًا، (بَلْ) تَدخُلُ الأُمَّةُ (بِدَلِيلٍ) خارجيٍّ:

стр. 482

(١) مِن (قَوْلٍ) نحوُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١)، (٢) (أَوْ) مِن (قَرِينَةِ تَأَسٍّ) كوُقوعِ فِعلِه بعدَ خطابٍ مُجمَلٍ، كالقطعِ بعدَ آيةِ السَّرقةِ، أو وُقوعِه بعدَ إطلاقٍ أو عمومٍ قُصِدَ بيانُه. (٣) (أَوْ) مِن (قِيَاسٍ عَلَى فِعْلِهِ) وأمَّا نحوُ: «سَهَا فسَجَدَ» فالفاءُ للسَّببيَّةِ. (وَالخِطَابُ: (١) الخَاصُّ به) ﷺ ، نحوُ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (٢) عامُّ للأُمَّةِ، إلَّا بدليلٍ يَخُصُّه، وهذا عندَ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه وغيرِهم، ومنه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣)، فعلى هذا إذا قالوا: يا أيُّها النَّبيُّ للأُمَّةِ، لا يَقولون أنَّه باللُّغةِ، بل للعُرْفِ في مِثْلِه، حَتَّى لو قامَ دليلٌ على خروجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن ذلك كانَ مِن بابِ العامِّ المخصوصِ، ولا يُقالُ: إنَّهم داخلونَ بدليلٍ آخرَ؛ لأنَّه حينئذٍ ليسَ محلًّا للنِّزاعِ، فيَتَّحِدُ القولانِ، واسْتُدِلَّ له بقولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ (٤)، فعَلَّلَ الإباحةَ بنفيِ الحَرجِ عن أُمَّتِه، ولو اختُصَّ به لَما كانَ عِلَّةً لذلك، وأيضًا: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، ولو كانَ اللَّفظُ مختصًّا لم يَحتجْ إلى التَّخصيصِ، هذا إنْ أَمْكَنَ إرادةُ الأُمَّةِ معَه فيه، [وأمَّا ما لا يُمكِنُ إرادةُ الأُمَّةِ معَه فيه] (٦) مِثْلُ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٧) ونحوِه، فلا تَدخُلُ الأُمَّةُ فيه قطعًا،

стр. 483

وأمَّا ما لا يُمكِنُ فيه إرادةُ النَّبيِّ ﷺ بذلك الحُكْمِ المُقتَرنِ بخطابِه، بل يَكُونُ الخطابُ له والمرادُ به الأُمَّةُ، فليسَ ذلك مِن مَحَلِّ النِّزاع أيضًا، وذلك مِثْلُ قولِه تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١)، فخطابُه بذلك مِن مجازِ التَّركيبِ: وهو ما أُسْنِدَ فيه الحُكْمُ لغيرِ مَن هو له، نحوُ: أنبتَ الرَّبيعُ البقلَ، وإن وُجِدَتْ قرينةٌ تَدُلُّ على إرادةِ الأُمَّةِ مَعَه دَخَلوا بلا خلافٍ، وذلك مِثْلُ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) الآيةَ، فإنَّ ضميرَ الجمعِ في ﴿طَلَّقْتُمُ﴾، و ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٣) قرينةٌ لفظيَّةٌ تَدُلُّ على أنَّ الأُمَّةَ مقصودةٌ معَه بالحُكمِ وأنَّ تخصيصَه بالنِّداءِ تشريفًا له ﷺ ؛ لأنَّه إمامُهم وقدوتُهم وسيِّدُهم الَّذِي يَصْدُرُ فِعلُهم عن رأيِه وإرشادِه، فتَلَخَّصَ أنَّ خطابَه ثلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: يَكُونُ مُختصًّا به بلا نزاعٍ. والثَّاني: دخولُ أُمَّتِه معَه بلا نزاعٍ. والثَّالثُ: مَحَلُّ الخلافِ. (٢) (أَوْ) أي: والخطابُ الخاصُّ (بِالأُمَّةِ) كخطابِه تعالى للصَّحابةِ: (لَا يَخْتَصُّ بِالمُخَاطَبِ) وهو الصَّحابةُ (إِلَّا بِدَلِيلٍ) يَخُصُّهم، فيَعُمَّ النَّبيَّ ﷺ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه مُخبِرٌ بأمرِ اللهِ تعالى، وتَبِعَ في «شرحِ الأصلِ» (٤) القاضيَ عبدَ الوَهَّابِ المالكيَّ والهنديَّ (٥) في نحوِ: «يَا أيُّها الأُمَّةُ» أنَّه لا يَدخُلُ قطعًا.

стр. 484

(٣) (وَكَذَا خِطَابُهُ ﷺ لِوَاحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ) فإنَّه عامٌّ مطلقًا على الصَّحيحِ، فيَتَناوَلُ المُخاطَبَ وغيرَه، ولو اختصَّ به المُخاطَبُ لم يَكُنْ ﷺ مَبعوثًا إلى الجميعِ، واسْتُدلَّ له برجوعِ الصَّحابةِ إلى التَّمسُّكِ بقضايا الأعيانِ، كقصَّةِ ماعزٍ (١)، ودِيَةِ الجَنينِ (٢)، والمُفوِّضةِ (٣)، وغيرِ ذلك، وأيضًا قولُه ﷺ لأبي بُرْدَةَ: «تُجْزِئُكَ ولا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» (٤)، فلولا أنَّ الإطلاقَ يَقتضي المُشاركةَ لم يَخُصَّ. وقالَ أبو الخطَّابِ (٥): إنْ وَقَعَ جوابًا لسؤالٍ، كقولِ الأعرابيِّ: واقَعْتُ أهلي. فقال: «أَعْتِقْ» (٦)، كانَ عامًّا، وإلَّا فلا، كقولِه ﷺ : «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (٧) فلا يَدخُلُ فيه غيرُه. تنبيهٌ: مَحَلُّ ذلك إذا لم يُخَصَّ ذلك الواحدُ فلا يَكُونُ غيرُه مِثْلَه في الحُكمِ، كحديثِ أبي بُردةَ بقولِه: «اذْبَحْهَا، وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (٨).

стр. 485

(وَفِعْلُهُ) أي: وحُكْمُ فِعلِ النَّبيِّ ﷺ في تَعَدِّيهِ) أي: تَعَدِّي الفعلِ الواقعِ منه (إِلَيْهَا) أي: إلى أُمَّتِه (كَخِطَابٍ خَاصٍّ بِهِ) وتَقَدَّمَ أنَّ الخطابَ الخاصَّ به يَعُمُّ الأُمَّةَ على الصَّحيحِ، ولا يَختَصُّ به إلَّا بدليلٍ، وهذا مُخَرَّجٌ على الخلافِ في الخِطابِ المُتَوَجِّه إليه عندَ الأكثرِ. (فَائِدَةٌ: نَحْوُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ (١) والمُخابرةِ (٢) (يَعُمُّ كُلَّ غَرَرٍ) ومُخابرةٍ على الصَّحيحِ؛ لإجماعِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ في رجوعِهم إليه وعملِهم به، ولأنَّ الرَّاويَ مِن الصَّحابةِ عدلٌ عارفٌ باللُّغةِ والمعنى، فالظَّاهرُ أنَّه لم يَنقُلِ العُمومَ إلَّا بعدَ ظهورِه، وظَنُّ صِدقِه مُوجِبٌ لاتِّباعِه.

стр. 486

(فَصْلٌ) (لَفْظُ الرِّجَالِ، وَ) لفظُ (الرَّهْطِ: لَا يَعُمُّ النِّسَاءَ، وَلَا العَكْسُ) يَعني أنَّ لفظَ النِّساءِ لا يَعُمُّ الرِّجالَ ولا الرَّهطَ قطعًا، والرَّهطُ: ما دُونَ العشرةِ خاصَّةً لغةً، ولا واحِدَ له مِن لفظِه، وجمعُه: أَرْهُطٌ وَأَرْهَاطٌ وَأَرَاهِطُ. (وَيَعُمُّ نَحْوُ) لفظِ (النَّاسِ) والإنسِ والآدميِّينَ: الرِّجالَ، والنِّساءَ، إجماعًا، (وَ) لفظُ (القَوْمِ) للرِّجالِ، في الأصحِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (١) الآية، والَّذي يَظهَرُ أنَّ القومَ قد يَعُمُّ (الكُلَّ) أي: الرِّجالَ والنِّساءَ، ويُستأْنَسُ له بقولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (٢) فيَدخُلُ النِّساءُ في ذلك، ويُذَكَّرُ القومُ ويُؤَنَّثُ، وكذا كلُّ اسمِ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه، كرهطٍ ونَفَرٍ ونحوِهما. (وَكَالمُسْلِمِينَ) والمُؤمنينَ والمُصَلِّينَ، (وَ «فَعَلُوا») ويَفعلون وفَعَلْتُم ونحوِه، بل ولا يَختصُّ بالضَّمائرِ، بلِ اللَّواحقِ كذلك، نحوُ: ذلكم، وإيَّاكم، مِمَّا يَغلِبُ فيه المُذَكَّرُ، (يَعُمُّ النِّسَاءَ تَبَعًا) عندَ أكثرِ أصحابِنا وغيرِهم، واسْتُدِلَّ له بمشاركةِ الذُّكُورِ في الأحكامِ لظاهرِ اللَّفظِ. فائدةٌ: مِمَّا يُخَرَّجُ على هذه القاعدةِ مسألةُ الواعظِ المشهورةِ، وهو قولُه للحاضرين عندَه: «طَلَّقْتُكم ثلاثًا»، وامرأتُه فيهم وهو لا يَدري، فأفتى أبو المَعالي بالوقوعِ. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: الصَّوابُ عدمُ الوقوعِ (٣).

стр. 487

وقَطَعَ بالوقوعِ في «المنتهى» فيما إذا قال لمن ظَنَّها أجنبيَّةً: أنتِ طالقٌ، كعَكْسِه؛ لأنَّه واجَهَها به. تنبيهٌ: لو جاءَ المُذَكَّرُ بلفظِ الواحدِ كقولِه: إنْ جاءَ مسلمٌ فأَعطِه دِرهمًا، فذَكَرَ الحلوانيُّ وغيرُه احتمالينِ: اختصاصُ المذكَّرِ، والثَّاني: المشاركةُ. تنبيهٌ آخَرُ: سَكَتَ الأُصوليُّون عنِ الخَنَاثَى، هل يَدخُلُون في خطابِ المُذَكَّرِ، أمَّا إنْ قُلْنا بدخولِ النِّساءِ؛ فالخَنَاثَى بطريقٍ أَوْلى، وأمَّا إذا قُلْنا لا يَدخُلُون؛ فالظَّاهرُ مِن تَصرُّفِ الفقهاءِ دُخولُهم في خطابِ النِّساءِ في التَّغليظِ والرِّجالِ في التَّخفيفِ، وربَّما أُخرِجوا منَ القسمينِ، وللقاضي وغيرِه مِن أصحابِنا تصنيفٌ في أحكامِ الخَناثى، واللهُ أعلمُ. (وَإِخُوَّةٌ، وَعُمُومَةٌ) أي: لفظُ الأُخُوَّةِ والعُمومةِ عامٌّ (لِذَكَرٍ وَأُنْثَى) على المذهبِ. (وَتَعُمُّ «مَنِ» الشَّرْطِيَّةُ المُؤَنَّثَ)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (١) فالتَّفسيرُ بالذَّكَرِ والأنثى دالٌّ على تناوُلِ القِسمينِ، ولو قال: «مَن دَخَلَ داري فهو حُرٌّ»، فدَخَلَه الإماءُ: عَتَقْنَ بالإجماعِ، وقولُه ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢) يَتناوَلُ المُرتدَّةَ، وتُقتَلُ على الصَّحيحِ؛ لدُخولِها في الحديثِ. تنبيهٌ: تَقْيِيدُه «مَنْ» بالشَّرطيَّةِ يُخرِجُ «مَنِ» الموصولةَ و «مَنِ» الاستفهاميَّةَ.

стр. 488

وقالَ ابنُ العِرَاقِيِّ: الحقُّ أنَّ الاستفهاميَّةَ مِن صيغِ العُمومِ دُونَ الموصولةِ، نحوُ: «مَرَرْتُ بمَنْ قَامَ»؛ فلا عمومَ لها (١). (وَيَعُمُّ «النَّاسُ» وَ «المُؤْمِنُونَ» وَنَحْوُهُمَا) كـ الَّذين آمنوا (عَبْدًا) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّهم يَدخُلُون في الخبَرِ فكذا في الأمرِ، وباستثناءِ الشَّارعِ لهم في الجمعةِ، (وَ) يَعُمُّ (مُبَعَّضًا) بطريقٍ أَوْلى إذا قُلْنا بدخولِ العَبيدِ. (وَ) يَدخُلُ (كُفَّارٌ فِي) لفظِ (النَّاسِ، وَنَحْوِهِ) كأولي الألبابِ في الأصحِّ؛ إذ لا مانِعَ مِن دُخُولِهم إلَّا مع قرينةٍ تَقتضي عدمَ دُخولِهم، أو أنَّهم هم المُرادُ، لا المؤمنون فيُعمَلُ بها، نحوُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٢) لأنَّ الأوَّلَ للمؤمنينَ فقطْ، إمَّا نُعَيْمُ بنُ مسعودٍ الأشجعيُّ، وهو الَّذِي نَقَلَه المُفسِّرون، أو أربعةٌ كما نَصَّ عليه الإمامُ الشَّافعيُّ في «الرِّسالة» (٣)، والثَّاني لكفَّارِ مَكَّةَ. لكنْ قد يُقالُ بأنَّ اللَّامَ في ذلك للعَهدِ الذِّهنيِّ والكلامُ في الاستغراقيَّةِ. (وَ) قولُه تعالى: (﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ (٤) لَا يَشْمَلُ الأُمَّةَ) أي: أُمَّةَ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ ، قَطَعَ به أكثرُ العلماءِ، كقولِه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ (٥)، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ (٦) فلا يَدخُلُ فيه أُمَّةُ محمَّدٍ ﷺ ، إلَّا أنْ يَدُلَّ دليلٌ على مُشاركتِهم لهم فيما خُوطبوا به؛ وذلك لأنَّ اللَّفظَ قاصرٌ عليهم، فلا يَتَعَدَّاهم، والمرادُ اليهودُ والنَّصارى.

стр. 489

(وَيَعُمُّهُ) أي: يَعُمُّ الرَّسولَ ﷺ : نحوُ قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ) اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (١)، (و ﴿يَاعِبَادِ) لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ (٢)، و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٣) عندَ الأكثرِ؛ لصِدقِ ذلك عليه، فلا يَخرُجُ إلَّا بدليلٍ، ومَحَلُّه (حَيْثُ لَا قَرِينَةَ) تَنفي دخولَه، نحوُ: يا أيُّها الأُمَّةُ، فلا يَدخُلُ بلا خلافٍ، ومِثْلُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤)؛ لأنَّا مأمورونَ بالاستجابةِ. (وَيَعُمُّ) نحوُ (٥): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ موجودًا (غَائِبًا) وقتَ تبليغِ النَّبِيِّ ﷺ (وَمَعْدُومًا) حالةَ الخِطابِ (إِذَا وُجِدَ وَكُلِّفَ لُغَةً) أي: باللُّغةِ عندَ أصحابِنا وغيرِهم، فإذا بَلَغَ الغائبَ والمعدومَ بعدَ وجودِه تَعَلَّقَ به الحكمُ باللُّغةِ، ولأنَّا مأمورونَ بأمرِ النَّبيِّ ﷺ فحَصَلَ ذلك إخبارًا عن أمْرِ اللهِ تعالى عندَ وجودِنا مُقتضى التَّصديقِ والتَّكذيبِ، وقيلَ: ليسَ خطابًا لمَن بعدَ المُواجهينَ، وإنَّما ثَبَتَ الحكمُ بدليلٍ آخَرَ منِ إجماعٍ أو نصٍّ أو قياسٍ. واسْتَدَلُّوا بأنَّه لا يُقالُ للمعدومينَ: يا أيُّها النَّاسُ. وأجابوا عمَّا استدلَّ به الخَصمُ بأنَّه لو لم يَكُنِ المعدومونَ مُخاطَبين بذلك لم يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ مُرسَلًا إليهم بأنَّه لا يَتَعَيَّنُ الخطابُ الشِّفاهيُّ في الإرسالِ، بل مطلقُ الخطابِ كافٍ.

стр. 490

(وَالمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ) أي: كلامِ نَفْسِه عندَ أكثرِ أصحابِنا وغيرِهم، نحوُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) إذا قُلْنا بصحةِ إطلاقِ شيءٍ عليه، ولأنَّ اللَّفظَ عامٌّ، ولا مانعَ مِن الدُّخولِ، والأصلُ عدمُه. وقولُه: (مُطْلَقًا) يَشْمَلُ الخبَرَ والإنشاءَ والأمرَ والنَّهيَ، وقولُه: (إِنْ صَلَحَ) يعني: إنْ كانَ اللَّفظُ صالحًا لدُخولِه فيه، فخَرَجَ ما إذا كانَ بلفظِ المُخاطَبَة، نحوُ: «إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (٢)، ومن المسائلِ المُتعلِّقةِ بهذا الوقفُ على الفقراءِ، ثمَّ صارَ فقيرًا، فالصَّحيحُ جوازُ الأخذِ. فائدةٌ: اختارَ أبو الخَطَّابِ (٣) والأكثرُ أنَّ المتكلِّمَ لا يَدخُلُ في الأمرِ والنَّهيِ، ويَدخُلُ في غيرِهما. قالَ في «شرحِ الأصلِ»: وهو أظهرُ (٤). والفرقُ بينَهما أنَّ (٥) الأمرَ استدعاءُ الفعلِ على جهةِ الاستعلاءِ، فلو دَخَلَ المُتكلِّمُ تحتَ ما يَأمُرُ به غيرَه؛ لكانَ مُستدعيًا مِن نَفْسِه ومُستعليًا، وهو محالٌ، ومِن فروعِ هذه المسألةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ له أنْ يَتَزَوَّجَ بلا وليٍّ ولا شهودٍ وزمنَ حرامٍ (٦)، على المشهورِ في المذهبِ.

стр. 491

قُلْتُ: يَصِحُّ هذا التَّفريعُ إنْ قُلْنا بعَدمِ الخُصوصيَّةِ، وإلَّا، فلا إشكالَ في جوازِ ذلك. (وَتَضَمُّنُ) لفظُ (عَامٍّ) أي: إذا تَضَمَّنَ العامُّ (مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، كَالأَبْرَارِ) في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (١)، (وَالفُجَّارِ) ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٢)، (لَمْ (٣) يَمْنَعْ) أي: لم يُغَيِّرْ (عُمَومَهُ) أي: عمومَ اللَّفظِ المُتَضَمِّنِ مدحًا أو ذمًّا على الصَّحيحِ؛ إذْ لا تنافيَ بينَ قصدِ العُمومِ وبينَ المدحِ أو الذَّمِّ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فيُحمَلُ الذَّهَبُ والفضَّةُ وغيرُهما على العُمومِ؛ إذْ لا صارفَ له عنه. (وَمِثْلُ) قولِه تعالى: (﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٥) عامٌّ فـ (يَقْتَضِي أَخْذَهَا) أي: الصَّدقةِ (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ المَالِ) الَّذِي بأيديهم، لا مِن نوعٍ واحدٍ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ أموالَهم جمعٌ مضافٌ، فكانَ عامًّا في كلِّ نوعٍ نوعٍ وفردٍ فردٍ، إلَّا ما خَرَجَ بالسُّنَّةِ، ولأنَّ المُرادَ عن كلِّ نصابٍ نصابٍ كما بَيَّنَتْه السُّنَّةُ.

стр. 492

(فَصْلٌ) (القِرَان) مِن جهةِ الشَّارِعِ (بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَفْظًا لَا يَقْتَضِي) ذلك القِرانُ (تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا) أي: بينَ الشَّيئينِ المَذكورينِ (حُكْمًا فِي غَيْرِ) الحُكْمِ (المَذْكُورِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ) مِن خارجٍ عندَ أكثرِ أصحابِنا وغيرِهم، وذلك مِثْلُ قولِه ﷺ : «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ولا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ جَنَابَةٍ» (١)، فلا يَلْزَمُ مِن تنجيسِه بالبولِ تَنجيسُه بالاغتسالِ، ومِن الدَّليل أيضًا: قولُه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، فعَطَفَ واجبًا على مباحٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الشَّرِكَةِ ودليلِها (٣)، وقد أَجمَعُوا على أنَّ اللَّفظينِ العامَّينِ إذا عُطِفَ أحدُهما على الآخَرِ وخُصَّ أحدُهما لا يَقتضي تخصيصَ الآخَرِ. (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِضْمَارِ شَيْءٍ فِي مَعْطُوفٍ) على شيءٍ (أَنْ يُضْمَرَ) ذلك الشَّيْءُ (فِي مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ). مثالُه: قولُه ﷺ : «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (٤) فأصحابُنا وغيرُهم يُقَدِّرون في الجملةِ الثَّانيةِ خاصًّا، فيَقولون: ولا ذو عهدٍ [في عهدِه] (٥) بحَربيٍّ؛ لأنَّ التَّقديرَ إِنَّمَا هو بما تَنْدَفِعُ به الحاجةُ بلا زيادةٍ، وفي التَّقديرِ بحَربيٍّ كفايةٌ، ولا يَضُرُّ تخالُفُه مع المعطوفِ عليه في ذلك؛ إذْ لا يُشتَرَطُ إلَّا اشتِراكُهما في أصلِ الحُكْمِ، وهو هنا مَنْعُ القتلِ بما يُذكَرُ، أو

стр. 493

بما يَقُومُ الدَّليلُ عليه، لا في كلِّ الأحوالِ، وهو قولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١) فإنَّه مُختَصٌّ بالرَّجعيَّاتِ، وإنْ تَقَدَّمَ المُطلَّقاتُ بالعُمومِ. وأمَّا الحنفيَّةُ ومَن تابَعَهم، والقاضي أبو يَعلى فيُقَدِّرُون تَتْمِيمًا للجملةِ الثَّانيةِ لفظًا عامًّا تسويةً بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه في مُتَعَلَّقِه فيَكُونُ على حدِّ قولِه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فيُقَدَّرُ: ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ؛ إذْ لو قُدِّرَ خاصًّا وهو: ولا ذو عهدٍ في عهدِه بحربيٍّ؛ لَزِمَ التَّخالُفُ بينَ المُتعاطفَينِ، وأنْ يَكُونَ تقديرًا بلا دليلٍ، بخلافِ ما لو قُدِّرَ عامًّا، فإنَّ الدَّليلَ عليه مِن المُصَرَّحِ به في الجملةِ الَّتي قَبْلَها، وحينئذٍ فيُخَصَّصُ العُمومُ في الثَّانيةِ بالحَربيِّ، بدليلٍ آخَرَ [وهو الاتِّفاقُ على أنَّ المُعاهَدَ لا يُقتَلُ بالحَربيِّ] (٣) ويُقتَلُ بالمُعاهَدِ والذِّمِّيِّ. قالوا: وإذا تَقَرَّرَ هذا وَجَبَ أنْ يُخَصَّصَ العامُّ المذكورُ أوَّلًا ليَتَسَاوَيَا، فيَصيرُ لا يُقتَلُ مسلمٌ بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ حربيٍّ. تنبيهٌ: ترجمةُ هذه المسألةِ (٤) الَّتي في المَتنِ تَبِعَ فيها صاحبَ «الأصلِ»، وأبا الخَطَّابِ (٥)، وتَرجَمَها ابنُ قاضي الجبلِ (٦) وغيرُه بقولِه: عَطفُ الخاصِّ على العامِّ لا يَقتضي تخصيصَ المعطوفِ عليه، ومَثَّلَ الفريقانِ بالحديثِ المتقدِّمِ، والخلافُ في هذه المسألةِ مشهورٌ بينَ العلماءِ مع الاتِّفاقِ على أنَّ النَّكرةَ في سياقِ النَّفيِ للعُمومِ. ولَمَّا أَنْهى الكلامَ في العُمومِ وصِيَغِه شَرَعَ في مقابِلِه، وهو الخصوصُ، فقال:

стр. 494

(بَابُ التَّخْصِيصِ) فالخاصُّ في الابتداءِ أمْرُه ظاهرٌ (١)، وإنَّما النَّظَرُ فيما إذا كانَ عامًّا ثمَّ صارَ خاصًّا بدليلٍ، فهذا تَتَوَقَّفُ مَعرفتُه على بيانِ التَّخصيصِ والمُخصَّصِ بالفتحِ والمُخصِّصِ بالكسرِ. فأمَّا التَّخصيصُ فرَسْمُه: (قَصْرُ العَامِّ) أي: قَصْرُ الشَّارِعِ العامَّ (عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ) والَّذي يَظْهَرُ أنَّه موافقٌ لِما قالَه بعضُهم مِن أنَّه قَصْرُ العامِّ على بعضِ مُسَمَّياتِه؛ فإنَّ مُسَمَّى العامِّ: جميعُ ما يَصْلُحُ له اللَّفظُ لا بعضُه. وقالَ بعضُهم: على بعضِ أفرادِه، فخَرَجَ تقييدُ المُطلَقِ؛ لأنَّه قَصْرٌ مطلقٌ لا عامٌّ كرَقَبَةٍ مُؤمنةٍ، وكذا الإخراجُ مِن العَددِ كعَشْرةٍ إلَّا ثلاثةً، ونحوِ ذلك. ودَخَلَ ما عُمومُه باللَّفظِ، وما عمومُه بالمعنى، فالأوَّلُ: كـ ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) قَصْرٌ بالدَّليلِ على غيرِ الذِّمِّيِّ وغيرِه ممَّن عُصِمَ بأمانٍ، والثَّاني: كقَصْرِ عِلَّةِ الرِّبا في بيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مَثلًا بأنَّه يَنْقُصُ إذا جَفَّ على غيرِ العَرايا، فيَكُونُ مَعنى هذه الحدودِ واحدًا. إذا عَرَفْتَ ذلك فالمُرادُ مِن قَصرِ العامِّ قَصرُ حُكْمِه، وإنْ كانَ لفظُ العامِّ باقيًا على عمومِه كـ ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، لكنْ لفظًا لا حُكمًا، فبذلك يَخرُجُ إطلاقُ العامِّ وإرادةُ الخاصِّ، فإنَّ ذلك قَصْرُ إرادةِ لفظِ العامِّ لا قَصرُ حُكْمِه. (وَيُطْلَقُ) التَّخصيصُ لغةً (عَلَى: قَصْرِ لَفْظٍ غَيْرِ عَامٍّ) اصطلاحًا (عَلَى

стр. 495

بَعْضِ مُسَمَّاهُ) أي: مُسَمَّى ذلك اللَّفظِ، كإطلاقِ العشرةِ على بعضِ آحادِها، يُقالُ له: عامٌّ، باعتبارِ آحادِه، وإنْ لم يَكُنْ عامًّا اصطلاحًا، فإذا قُصِرَ على خمسةٍ بالاستثناءِ منه قِيلَ: قد خُصِّصَ (كَعَامٍّ) أي: كما يُطلَقُ عامٌّ (عَلَى غَيْرِ لَفْظٍ عَامٍّ) كمسلمينَ للمَعهُودِينَ، نحوُ: جاءَني مُسلمونَ إلَّا زيدًا، فإنَّهم يُسَمُّون المُسلمينَ عامًّا والاستثناءَ منه تخصيصًا. (وَيَجُوزُ) التَّخصيصُ: (١) (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ العامُّ أمرًا أو نهيًا أو خبَرًا عندَ الجمهورِ، واسْتُدِلَّ له بأنَّه استُعمِلَ في الكتابِ والسُّنَّةِ، نحوُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢)، وفي الأمْرِ: ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، وفي النَّهيِ: ﴿لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤)، فيَجوزُ التَّخصيصُ (٢) (وَلَوْ لِـ) عامٍ (مُؤَكَّدٍ) فالعامُّ المُؤَكَّدُ إذا أُكِّدَ لا يُمنَعُ تَخصيصُه على الأصحِّ، بدليلِ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٥) إذا قُدِّرَ متصلًا، وفي الحديثِ: «فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ» (٦). (٣) إذا عَلِمْتَ ذلك فيُخَصَّصُ العامُّ (إِلَى أَنْ يَبْقَى) مِن أفرادِه (وَاحِدٌ) فقطْ على الصَّحيحِ، وحَكَى الجُوَيْنِيُّ (٧) إجماعَ أهلِ السُّنَّةِ على ذلك في: «مَن» و «ما» ونحوِهما، واستُدِلَّ لهذا القولِ لو امتنعَ ذلك لكانَ الامتناعُ: إمَّا لأنَّه مجازٌ، أو لاستعمالِه في غيرِ موضوعِه، فيَمتنِعُ تخصيصُه مُطلقًا.
следующие страницы →