← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قُلْتُ: يَصِحُّ هذا التَّفريعُ إنْ قُلْنا بعَدمِ الخُصوصيَّةِ، وإلَّا، فلا إشكالَ في جوازِ ذلك. (وَتَضَمُّنُ) لفظُ (عَامٍّ) أي: إذا تَضَمَّنَ العامُّ (مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، كَالأَبْرَارِ) في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (١)، (وَالفُجَّارِ) ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (٢)، (لَمْ (٣) يَمْنَعْ) أي: لم يُغَيِّرْ (عُمَومَهُ) أي: عمومَ اللَّفظِ المُتَضَمِّنِ مدحًا أو ذمًّا على الصَّحيحِ؛ إذْ لا تنافيَ بينَ قصدِ العُمومِ وبينَ المدحِ أو الذَّمِّ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤) فيُحمَلُ الذَّهَبُ والفضَّةُ وغيرُهما على العُمومِ؛ إذْ لا صارفَ له عنه. (وَمِثْلُ) قولِه تعالى: (﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٥) عامٌّ فـ (يَقْتَضِي أَخْذَهَا) أي: الصَّدقةِ (مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ المَالِ) الَّذِي بأيديهم، لا مِن نوعٍ واحدٍ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ أموالَهم جمعٌ مضافٌ، فكانَ عامًّا في كلِّ نوعٍ نوعٍ وفردٍ فردٍ، إلَّا ما خَرَجَ بالسُّنَّةِ، ولأنَّ المُرادَ عن كلِّ نصابٍ نصابٍ كما بَيَّنَتْه السُّنَّةُ.

стр. 492

(فَصْلٌ) (القِرَان) مِن جهةِ الشَّارِعِ (بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَفْظًا لَا يَقْتَضِي) ذلك القِرانُ (تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا) أي: بينَ الشَّيئينِ المَذكورينِ (حُكْمًا فِي غَيْرِ) الحُكْمِ (المَذْكُورِ، إِلَّا بِدَلِيلٍ) مِن خارجٍ عندَ أكثرِ أصحابِنا وغيرِهم، وذلك مِثْلُ قولِه ﷺ : «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ ولا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ جَنَابَةٍ» (١)، فلا يَلْزَمُ مِن تنجيسِه بالبولِ تَنجيسُه بالاغتسالِ، ومِن الدَّليل أيضًا: قولُه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢)، فعَطَفَ واجبًا على مباحٍ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الشَّرِكَةِ ودليلِها (٣)، وقد أَجمَعُوا على أنَّ اللَّفظينِ العامَّينِ إذا عُطِفَ أحدُهما على الآخَرِ وخُصَّ أحدُهما لا يَقتضي تخصيصَ الآخَرِ. (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِضْمَارِ شَيْءٍ فِي مَعْطُوفٍ) على شيءٍ (أَنْ يُضْمَرَ) ذلك الشَّيْءُ (فِي مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ). مثالُه: قولُه ﷺ : «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (٤) فأصحابُنا وغيرُهم يُقَدِّرون في الجملةِ الثَّانيةِ خاصًّا، فيَقولون: ولا ذو عهدٍ [في عهدِه] (٥) بحَربيٍّ؛ لأنَّ التَّقديرَ إِنَّمَا هو بما تَنْدَفِعُ به الحاجةُ بلا زيادةٍ، وفي التَّقديرِ بحَربيٍّ كفايةٌ، ولا يَضُرُّ تخالُفُه مع المعطوفِ عليه في ذلك؛ إذْ لا يُشتَرَطُ إلَّا اشتِراكُهما في أصلِ الحُكْمِ، وهو هنا مَنْعُ القتلِ بما يُذكَرُ، أو

стр. 493

بما يَقُومُ الدَّليلُ عليه، لا في كلِّ الأحوالِ، وهو قولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١) فإنَّه مُختَصٌّ بالرَّجعيَّاتِ، وإنْ تَقَدَّمَ المُطلَّقاتُ بالعُمومِ. وأمَّا الحنفيَّةُ ومَن تابَعَهم، والقاضي أبو يَعلى فيُقَدِّرُون تَتْمِيمًا للجملةِ الثَّانيةِ لفظًا عامًّا تسويةً بينَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه في مُتَعَلَّقِه فيَكُونُ على حدِّ قولِه تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) فيُقَدَّرُ: ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ؛ إذْ لو قُدِّرَ خاصًّا وهو: ولا ذو عهدٍ في عهدِه بحربيٍّ؛ لَزِمَ التَّخالُفُ بينَ المُتعاطفَينِ، وأنْ يَكُونَ تقديرًا بلا دليلٍ، بخلافِ ما لو قُدِّرَ عامًّا، فإنَّ الدَّليلَ عليه مِن المُصَرَّحِ به في الجملةِ الَّتي قَبْلَها، وحينئذٍ فيُخَصَّصُ العُمومُ في الثَّانيةِ بالحَربيِّ، بدليلٍ آخَرَ [وهو الاتِّفاقُ على أنَّ المُعاهَدَ لا يُقتَلُ بالحَربيِّ] (٣) ويُقتَلُ بالمُعاهَدِ والذِّمِّيِّ. قالوا: وإذا تَقَرَّرَ هذا وَجَبَ أنْ يُخَصَّصَ العامُّ المذكورُ أوَّلًا ليَتَسَاوَيَا، فيَصيرُ لا يُقتَلُ مسلمٌ بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهدِه بكافرٍ حربيٍّ. تنبيهٌ: ترجمةُ هذه المسألةِ (٤) الَّتي في المَتنِ تَبِعَ فيها صاحبَ «الأصلِ»، وأبا الخَطَّابِ (٥)، وتَرجَمَها ابنُ قاضي الجبلِ (٦) وغيرُه بقولِه: عَطفُ الخاصِّ على العامِّ لا يَقتضي تخصيصَ المعطوفِ عليه، ومَثَّلَ الفريقانِ بالحديثِ المتقدِّمِ، والخلافُ في هذه المسألةِ مشهورٌ بينَ العلماءِ مع الاتِّفاقِ على أنَّ النَّكرةَ في سياقِ النَّفيِ للعُمومِ. ولَمَّا أَنْهى الكلامَ في العُمومِ وصِيَغِه شَرَعَ في مقابِلِه، وهو الخصوصُ، فقال:

стр. 494

(بَابُ التَّخْصِيصِ) فالخاصُّ في الابتداءِ أمْرُه ظاهرٌ (١)، وإنَّما النَّظَرُ فيما إذا كانَ عامًّا ثمَّ صارَ خاصًّا بدليلٍ، فهذا تَتَوَقَّفُ مَعرفتُه على بيانِ التَّخصيصِ والمُخصَّصِ بالفتحِ والمُخصِّصِ بالكسرِ. فأمَّا التَّخصيصُ فرَسْمُه: (قَصْرُ العَامِّ) أي: قَصْرُ الشَّارِعِ العامَّ (عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ) والَّذي يَظْهَرُ أنَّه موافقٌ لِما قالَه بعضُهم مِن أنَّه قَصْرُ العامِّ على بعضِ مُسَمَّياتِه؛ فإنَّ مُسَمَّى العامِّ: جميعُ ما يَصْلُحُ له اللَّفظُ لا بعضُه. وقالَ بعضُهم: على بعضِ أفرادِه، فخَرَجَ تقييدُ المُطلَقِ؛ لأنَّه قَصْرٌ مطلقٌ لا عامٌّ كرَقَبَةٍ مُؤمنةٍ، وكذا الإخراجُ مِن العَددِ كعَشْرةٍ إلَّا ثلاثةً، ونحوِ ذلك. ودَخَلَ ما عُمومُه باللَّفظِ، وما عمومُه بالمعنى، فالأوَّلُ: كـ ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) قَصْرٌ بالدَّليلِ على غيرِ الذِّمِّيِّ وغيرِه ممَّن عُصِمَ بأمانٍ، والثَّاني: كقَصْرِ عِلَّةِ الرِّبا في بيعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مَثلًا بأنَّه يَنْقُصُ إذا جَفَّ على غيرِ العَرايا، فيَكُونُ مَعنى هذه الحدودِ واحدًا. إذا عَرَفْتَ ذلك فالمُرادُ مِن قَصرِ العامِّ قَصرُ حُكْمِه، وإنْ كانَ لفظُ العامِّ باقيًا على عمومِه كـ ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، لكنْ لفظًا لا حُكمًا، فبذلك يَخرُجُ إطلاقُ العامِّ وإرادةُ الخاصِّ، فإنَّ ذلك قَصْرُ إرادةِ لفظِ العامِّ لا قَصرُ حُكْمِه. (وَيُطْلَقُ) التَّخصيصُ لغةً (عَلَى: قَصْرِ لَفْظٍ غَيْرِ عَامٍّ) اصطلاحًا (عَلَى

стр. 495

بَعْضِ مُسَمَّاهُ) أي: مُسَمَّى ذلك اللَّفظِ، كإطلاقِ العشرةِ على بعضِ آحادِها، يُقالُ له: عامٌّ، باعتبارِ آحادِه، وإنْ لم يَكُنْ عامًّا اصطلاحًا، فإذا قُصِرَ على خمسةٍ بالاستثناءِ منه قِيلَ: قد خُصِّصَ (كَعَامٍّ) أي: كما يُطلَقُ عامٌّ (عَلَى غَيْرِ لَفْظٍ عَامٍّ) كمسلمينَ للمَعهُودِينَ، نحوُ: جاءَني مُسلمونَ إلَّا زيدًا، فإنَّهم يُسَمُّون المُسلمينَ عامًّا والاستثناءَ منه تخصيصًا. (وَيَجُوزُ) التَّخصيصُ: (١) (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ العامُّ أمرًا أو نهيًا أو خبَرًا عندَ الجمهورِ، واسْتُدِلَّ له بأنَّه استُعمِلَ في الكتابِ والسُّنَّةِ، نحوُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (٢)، وفي الأمْرِ: ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، وفي النَّهيِ: ﴿لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤)، فيَجوزُ التَّخصيصُ (٢) (وَلَوْ لِـ) عامٍ (مُؤَكَّدٍ) فالعامُّ المُؤَكَّدُ إذا أُكِّدَ لا يُمنَعُ تَخصيصُه على الأصحِّ، بدليلِ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٥) إذا قُدِّرَ متصلًا، وفي الحديثِ: «فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ» (٦). (٣) إذا عَلِمْتَ ذلك فيُخَصَّصُ العامُّ (إِلَى أَنْ يَبْقَى) مِن أفرادِه (وَاحِدٌ) فقطْ على الصَّحيحِ، وحَكَى الجُوَيْنِيُّ (٧) إجماعَ أهلِ السُّنَّةِ على ذلك في: «مَن» و «ما» ونحوِهما، واستُدِلَّ لهذا القولِ لو امتنعَ ذلك لكانَ الامتناعُ: إمَّا لأنَّه مجازٌ، أو لاستعمالِه في غيرِ موضوعِه، فيَمتنِعُ تخصيصُه مُطلقًا.

стр. 496

(وَلَا تَخْصِيصَ) أي: لا يَستقيمُ التَّخصيصُ (إِلَّا فِيمَا) يَصِحُّ تَوكيدُه بـ «كُلّ» ليَكُونَ إذا أَجْزَأَ يَصِحُّ افتِراقُها، وهو ما (لَهُ شُمُولٌ): (١) إمَّا (حِسًّا) كـ ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)، (٢) (أَوْ حُكْمًا) كـ: اشْتَرَيْتُ الجاريةَ كُلَّها؛ لإمكانِ افتِراقِ أجزائِها. (وَ) لَمَّا فَرَغَ مِن بيانِ التَّخصيصِ شَرَعَ في المُخصِّصِ بكسرِ الصَّادِ، فـ (المُخَصِّصُ): هو (المُخْرِجُ، وَ) المُخرِجُ: (هُوَ إِرَادَةُ المُتَكَلِّمِ) إخراجَ بعضِ ما تَنَاوَلَه الخطابُ. (وَيُطْلَقُ) المُخَصِّصُ (مَجَازًا عَلَى الدَّلِيلِ) الدَّالِّ على إرادةِ بعضِ ما يَتَناوَلُه الخِطابُ، (وَهُوَ) أي: الدَّليلُ (المُرَادُ هُنَا) في الأصولِ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرفِيَّةً. ورُبَّما أُطلِقَ المُخصِّصُ على المُظْهِرِ كإرادةِ مُريدِ التَّخصيصِ مِن مُجتهدٍ أو غيرِه. إذا عُلِمَ ذلك ف المُخَصِّصُ قِسمانِ: مُنفصِلٌ، ومُتَّصِلٌ ، وقَطَعُوا به، فلذلك قال: (وَهُوَ: (١) مُنْفَصِلٌ) وهو ما يَستَقِلُّ بنَفْسِه بأنْ لم يَكُنْ مُتَعَلِّقًا باللَّفظِ الَّذِي فيه العامُّ، وقَدَّمَه على المُتَّصِلِ لطولِ الكلامِ عليه. (وَمِنْهُ) أي: مِن التَّخصيصِ بالمُنفِصِل:

стр. 497

- (الحِسُّ) أي: المُشاهَدَةُ، كقولِه تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، فنحنُ نُشاهِدُ أشياءَ كثيرةً لم تُؤْتَها بلقيسَ، كمُلْكِ سليمانَ، وغيرِه. تنبيهاتٌ: الأوَّل: أنَّ هذا المثالَ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مِن العامِّ المَخصوصِ بالحِسِّ، فقد (٢) يُدَّعَى أنَّه مِن العامِّ الَّذِي أُريدَ به الخُصوصُ. الثَّاني: أنَّ ما كانَ خارجًا بالحسِّ قد يُدَّعَى أنَّه لم يَدخُلْ حَتَّى يَخْرُجَ كما يَأتي نظيرُه في التَّخصيصِ بالعَقلِ فلْيَكُنْ هذا على الخلافِ الَّذِي هناك. الثَّالثُ: يؤولُ التَّخصيصُ بالحِسِّ إلى أنَّ العقلَ يَحكُمُ بخروجِ بعضِ الأفرادِ بواسطةِ الحسِّ ولم يَخرُجْ عن كَوْنِه خارجًا بالعقلِ، فلْيَكُونَا قِسمًا واحدًا، وإنِ اختَلَفَ طريقُ الحصولِ. - (وَ) مِن المُخَصِّصاتِ المُنفصِلةِ (العَقْلُ) أيضًا ضَروريًّا كانَ أو نَظريًّا؛ فالضَّروريُّ، كقولِه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٣) فإنَّ العَقلَ قاضٍ بالضَّرورةِ أنَّه لم يَخلُقْ نَفْسَه الكريمةَ ولا صفاتِه، والنَّظريُّ، كتَخصيصِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤) فإنَّ العَقلَ بنَظَرِه اقْتَضَى عدمَ دُخولِ الطِّفلِ والمجنونِ بالتَّكْلِيفِ بالحَجِّ؛ لعدمِ فَهمِهما، بل هما مِن جُملةِ الغافِلِينَ الَّذينَ هم غيرُ مُخاطَبِينَ بخطابِ التَّكْلِيفِ. تنبيهٌ: قال البِرْمَاوِيُّ (٥): مَنَعَ كثيرٌ مِن العلماءِ أنَّ ما خَرَجَ مِن الأفرادِ بالعَقلِ مِن بابِ «التَّخصيصِ»، وإنَّما العَقلُ اقْتَضَى عدمَ دُخولِه في لفظِ العامِّ، وفَرْقٌ

стр. 498

بينَ عدمِ دُخولِه في لفظِ العامِّ وبينَ خروجِه بعدَ أنْ دَخَلَ، والخلافُ لفظيٌّ على الأصحِّ، ويَشهَدُ له قولُ الأستاذِ أبي منصورٍ: أَجمَعُوا على صِحَّةِ دَلالةِ العقلِ على خُرُوجِ شيءٍ عن حُكْمِ العُمومِ (١). (٢) (وَ) القِسْمُ الثَّاني مِن المُخصِّصِ: (مُتَّصِلٌ) وهو ما لا يَستَقِلُّ بنَفْسِه بل مُرتَبِطٌ بكلامٍ آخَرَ. (وَهُوَ أَقْسَامٌ) أربعةٌ، أو خمسةٌ: - (اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ) وشرطٌ، وصفةٌ، وغايةٌ، زادَ الآمِدِيُّ ومَن تَبِعَه: بدلُ البعضِ، فالاستثناءُ مأخوذٌ مِن الثَّنْيِ وهو العَطفُ. تَقولُ: ثَنَيْتُ الحَبْلَ أَثْنِيه إذا عَطَفْتَ بَعضَه على بعضٍ، وقيلَ: مِن ثَنَيْتُه عنِ الشَّيْءِ إذا صَرَفْتُه عنه (٢). (وَهُوَ) شيئانِ: استثناءٌ مُتَّصِلٌ، واستثناءٌ مُنقطِعٌ، والمرادُ هنا المُتَّصِلُ، أمَّا المُنفصِلُ فالرَّاجحُ أنَّه لا يُعَدُّ مِن المُخصِّصاتِ، وفي تعريفِ كلٍّ مِنهما عباراتٌ ذَكَرَ منها في المُتَّصِلِ ما قالَه الأصحابُ والأكثرونَ: (إِخْرَاجُ مَا) أي: إخراجُ شيءٍ (لَوْلَاهُ) أي: لولا الاستثناءُ (لَوَجَبَ دُخُولُهُ) أي: دخولُ ذلك الشَّيْءِ في الكلامِ (لُغَةً) فلا يُقَدَّرُ إخراجُ ما لَولاه لجازَ دُخولُه على الصَّحيحِ. إذا عَرَفْتَ ذلك فالإخراجُ يَكُونُ (بِـ «إِلَّا»، أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا) وهي الثَّمانيةُ المشهورةُ الَّتي مِنها ما هو حرفٌ اتِّفاقًا كـ: «إلَّا»، أو على الصَّحيحِ كـ: «حاشا»، ويُقالُ فيها: حاشَ وحَشَا، ومنها ما هو فعلٌ كـ: «لا يَكُونُ»،

стр. 499

أو على الرَّاجحِ كـ: «ليسَ»، ومنها ما هو مُتَرَدِّدٌ بينَ الحَرفيَّةِ والفِعليَّةِ، فإنْ نُصِبَ ما بعدَه كانَ فعلًا، أو جُرَّ كانَ حرفًا وهو «خلا» باتِّفاقٍ، و «عدا» عندَ غيرِ سِيبَويْه، ومنها ما هو اسمٌ وهو «غيرُ» و «سِوَى»، سواءٌ قلنا: [هو ظرفٌ، وإنَّما اسْتثْنِي به، أو قُلْنا: يَتَصَرَّفُ تَصرُّفَ الأسماءِ، ويُقالُ فيه: سُوى بضمِّ السِّينِ] (١) و «سَواءٌ» بفتحِها والمدِّ، وبكسْرِها والمدِّ. إذا عَلِمْتَ ذلك، فالصَّحيحُ أنَّ مِن شَرطِ الاستثناءِ كَوْنَه (مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ) ليَخْرُجَ ما لو قال اللهُ تعالى: ﴿اقتلوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إِلَّا أَهلَ الذِّمَّةِ» (٣) فإنَّ ذلك استثناءٌ مُنفصِلٌ لا مُتَّصِلٌ، ولهذا قال الرَّافعيُّ (٤): لو قال: لي عليك مئةٌ، فقال: إلَّا درهمًا، لم يَكُنْ مُقِرًّا بما عدا المُستثنى على الأصحِّ. واحتِيجَ في قولِ العبَّاسِ ﵁ بعدَ قولِ النَّبيِّ ﷺ : «ولا يُخْتَلَى خَلَاؤُهُ»: يا رسولَ اللهِ! إلَّا الإذخرَ. فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (٥) إلى تأويلِه بأنَّ العبَّاسَ أرادَ أن يُذَكِّرَه ﷺ بالاستثناءِ خَشيَةَ أنْ يَسْكُتَ عنه اتِّكالًا على فَهمِ السَّامعِ ذلك بقَرينةٍ، وفُهِمَ منه أنَّه يُريدُ استثناءَه، ولذلك أعادَ النَّبيُّ ﷺ فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» ولم يَكتَفِ باستثناءِ العبَّاسِ. [تنبيهٌ: لو قَدَّرْنا أنَّ الاستثناءَ إخراجُ ما لَوْلاه لجازَ دُخولُه كـ: أَكْرِمْ رجلًا إلَّا زيدًا وعَمرًا، وصلِّ إلَّا عندَ الزَّوالِ، و ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (٦)؛ صَحَّ الاستثناءُ مِن نكرةٍ كالاستثناءِ مِن المَحَالِّ والأزمانِ والأحوالِ، وسَلَّمَه بعضُهم.

стр. 500

وأمَّا إذا قَدَّرْنا لوَجَبَ دخولُه] (١) (فَلَا يَصِحُّ) الاستثناءُ: - (مِنْ نَكِرَةٍ) فلا يُقالُ: «جاءَني رجالٌ إلَّا زيدًا»؛ لاحتمالِ ألَّا يُريدَ المُتكلِّمُ دُخولَه حَتَّى يُخرِجَه، أمَّا إذا أفادَ الاستثناءُ مِن النَّكرةِ كاستثناءِ جزءٍ مِن مُرَكَّبٍ، فيَجوزُ نحوُ: اشتَرَيْتُ العبدَ إلَّا رُبُعَه ودارًا إلَّا سَقْفَها. - (وَلَا) يَصِحُّ الاستثناءُ (مِنْ غَيْرِ الجِنْسِ) على الصَّحيحِ، كـ: قامَ القومُ إلَّا حمارًا، فلا يَدخُلُ الحمارُ في العُمومِ؛ لسَبْقِ المُتَّصِلِ إلى الفَهْمِ وهو دليلُ الحقيقةِ، ولأنَّ الاستثناءَ صرفُ اللَّفظِ بحَرفِه عمَّا يَقتَضِيه لولاه، أو إخراجٌ لأنَّه مأخوذٌ مِن الثَّنْيِ كما تَقَدَّمَ، ولأنَّ الاستثناءَ إِنَّمَا يَصِحُّ لتَعَلُّقِه بالأوَّلِ لعدمِ استقلالِه، وإلَّا لصَحَّ كلُّ شيءٍ مِن كُلِّ شيءٍ لاشتِراكِهما في مَعنًى عامٍّ، ولأنَّه لو قال: جاءَ النَّاسُ إلَّا الكلابَ وإلَّا الحميرَ، عُدَّ قبيحًا لُغةً وعُرفًا. وقيلَ: يَصِحُّ الاستثناءُ مِن غيرِ الجنسِ، وجِهةُ وُقوعِه كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ (٢)، ﴿مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ (٣)، ورُدَّ بأنْ «إلَّا» في ذلك بمعنَى «لكنْ» عندَ النُّحاةِ، وهو استدراكٌ، ولهذا لم يَأتِ إلَّا بعدَ نفيٍ أو بعدَ إثباتٍ بعدَه جملةٌ. (وَالمُرَادُ) مِن مذهبِنا ومذهبِ الأكثرِ (بِـ «عَشْرَةٍ إِلَّا ثَلَاثَةً» سَبْعَةٌ، وَ «إِلَّا») الَّتي هي أداةُ الاستثناءِ في هذا المثالِ (قَرِينَةٌ مُخَصِّصَةٌ) أي: بَيَّنَتْ أنَّ الكلَّ استُعمِلَ وأُريدَ به الجُزءُ مَجازًا، فعلى هذا (٤) الاستثناءُ مُبَيِّنٌ لغَرضِ المُتكلِّمِ به، بالمُستثنى منه، فإذا قال: «له عليَّ عشرةٌ» كانَ ظاهرًا في الجميعِ، ويَحتملُ إرادةَ بعضِها مَجازًا، فإذا قال: «إلَّا ثلاثةً»، فقد بَيَّنَ أنَّ مُرادَه بالعَشرةِ سبعةٌ

стр. 501

فقطْ، كما في سائرِ التَّخصيصاتِ، ولو أُريدَ عشرةٌ كاملةٌ امْتَنَعَ، مِثلُ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١) لأنَّه يَلْزَمُ كَذِبُ أحدِهما، ولم يَقطَعْ بأنَّه إِنَّمَا أَقَرَّ بسبعةٍ، وقد وَقَعَ الاستثناءُ في القُرآنِ الَّذِي لا يَأتيه الباطلُ مِن بينِ يَديْه ولا مِن خلْفِه. (وَشَرْطُهُ) أي: الاستثناءِ: (١) (اتِّصَالٌ مُعْتَادٌ) بالمُستثنى منه: - إمَّا (لَفْظًا) بأنْ يُذْكَرَ المُستثنى منه (٢) عَقِبَ المُستثنى منه مِن غيرِ فاصلٍ. - (أَوْ حُكْمًا) كانقطاعِه عنه بتَنَفُّسٍ أو عُطاسٍ، فيُشتَرَطُ أنْ يَأتيَ به عَقِبَ ذلك على الصَّحيحِ (كَبَقِيَّةِ التَّوَابِعِ) لقولِه ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (٣)، ولم يَقُلْ: «أو يَسْتَثْنِ»، ولذلك لمَّا أرشدَ اللهُ تعالى أيُّوبَ ﷺ بقولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (٤) جَعَلَ طريقَ برِّه ذلك، ولو كانَ الاستثناءُ المُتَراخي يَحصُلُ به البِرُّ لَمَا جَعَلَ اللهُ تعالى الوسيلةَ إلى البِرِّ ذلك. (٢) (وَ) شَرطُ الاستثناءِ أيضًا (نِيَّتُهُ) بأنْ يَنوِيَ المُستثني الاستثناءَ في الكلامِ (قَبْلَ تَمَامِ مُسْتَثْنًى مِنْهُ) على الصَّحيحِ، فلو لم تَعرِضْ له نِيَّةُ الاستثناءِ إلَّا بعدَ فراغِ المُستثنَى منه: لم يُعتَدَّ به، ولا يُعتَبَرُ وُجودُها في أوَّلِ الكلامِ، بل يُكتَفَى به قبلَ فراغِه على الصَّحيحِ.

стр. 502

(٣) (وَ) شرطُ الاستثناءِ أيضًا (نُطْقٌ بِهِ) أي: بالمُستثنى عندَ الأربعةِ وغيرِهم (إِلَّا فِي يَمِينِ خَائِفٍ بِنُطْقِهِ) أي: فيَتَعَيَّنُ نُطقُه إلَّا مِن مظلومٍ خائفٍ نصًّا؛ لأنَّ يمينَه غيرُ مُنعقدةٍ، أو لأنَّه بمَنزلةِ المُتَأَوِّلِ. و (لَا) يُشتَرطُ في الاستثناءِ (تَأْخِيرُهُ) عنِ المُستثنى منه، فيَجوزُ تقديمُه عليه، كقولِه ﷺ فيما رَوَاه الشَّيخانِ: «وَاللهِ! إِنْ شَاءَ اللهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ .. » الحديثَ (١)، وقولِ الكُمَيتِ (٢): وَمَا لِي إِلَّا آلَ أَحْمَدَ شِيعَةٌ وَمَا لِي إِلَّا مَذْهَبَ الحَقِّ مَذْهَبُ (وَيَصِحُّ: اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ) فأقلَّ مِن الكلِّ، في الأصحِّ، لا استثناءُ الكلِّ، حَكَاه بعضُهم إجماعًا، و (لَا الأَكْثَرُ) أي: أكثرُ مِنَ النَّصفِ مِن عددٍ مُسَمًّى على المذهبِ، نحوُ: «له عليَّ خمسةٌ إلَّا ثلاثةً»، وجهُه: أنَّه لغةٌ، فمَنِ ادَّعاه فعليه البيانُ. فَإِنْ قِيلَ: جَوَّزَه أكثرُ الكُوفِيِّينَ. قيلَ: يَمتنِعُ ثبوتُه عنهم في الأعدادِ، ثمَّ عليهم الدَّليلُ، والبَصرِيُّونَ أَثبَتُ منهم في اللُّغةِ وقد مَنَعوه، وأيضًا الاستثناءُ وُضِعَ للاستدراكِ والاختصارِ، فمَن أَقَرَّ بألفٍ إلَّا تسعَ مئةٍ وتسعةً وتسعينَ فهو خلافُ الوضعِ، ولهذا يُعَدُّ قبيحًا عُرفًا. قالوا: وَقَعَ استثناءُ الأكثرِ في قولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣)،

стр. 503

وقولِه: ﴿خم سج سح سخ﴾ (١)، وأيُّهما كانَ أكثرَ فقد استثناه، أو أنَّ الغاوينَ أكثرُ؛ لقولِه: ﴿بخ بم بى بي تج تح﴾ (٢). رُدَّ ذلك: بأنَّ مَحَلَّ الخلافِ إِنَّمَا هو في الاستثناءِ مِن عددٍ، وأمَّا هذا فتخصيصٌ بصفةٍ، وفَرْقٌ بينَهما لأنَّه كما يَأتي قريبًا يُستثنَى بصفةِ مجهولٍ مِن معلومٍ، ومِن مجهولٍ، والجميعِ أيضًا، فلهذا قال: (إِلَّا إِذَا كَانَتِ الكَثْرَةُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ عَنِ اللَّفْظِ) أي: فيَجوزُ استثناءُ الأكثرِ حينئذٍ كالكلِّ، فلو قال: «اقتلْ مَن في الدَّارِ إلَّا بني تميمٍ»، أو (٣) «إلَّا البِيضَ»، فكانوا كلُّهم بني تميمٍ أو (٤) بِيضًا؛ لم يَجُزْ قتلُهم بخلافِ العددِ. ثمَّ الجنسُ ظاهرٌ، والعددُ صريحٌ، فلهذا فَرَّقَتِ اللُّغةُ بينَهما، ثمَّ هو استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكنَّ قولَه: ﴿خم سج سح﴾ (٥) يَعني وَلَدَ آدمَ، وفي الآيةِ الأُخرى أضافَ العبادَ إليه، والملائكةُ منهم، فاسْتَثْنَى الأقلَّ فيهما، واعتمدَ القاضي وغيرُه على الجوابِ الأوَّلِ، وبه يُجابُ عن قولِه تعالى: «كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ» رَوَاه مسلمٌ (٦) مِن حديثِ أبي ذرٍّ. واتَّفقوا أنَّه لو أَقَرَّ بهذه الدَّارِ إلَّا هذا البيتَ: صَحَّ، ولو كانَ أكثرَها، بخلافِ: «إلا ثُلُثَيها»، فلا يَصِحُّ على المذهبِ. إذا عَلِمْتَ ذلك فالكَثرةُ في ذلك كلِّه مِن دليلٍ خارجٍ لا مِن اللَّفظِ. (وَحَيْثُ) قُلْنا: إنَّ الاستثناءَ (بَطَلَ وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ) أي: مِن المُستثنى (رَجَعَ) الاستثناءُ (إِلَى مَا قَبْلَهُ) وهو المُستثنَى منه أوَّلًا، ويَتَفَرَّعُ عليه لو قال:

стр. 504

«له عليَّ عشرةٌ إِلَّا عشرةً إلَّا ثلاثةً»؛ لَزِمَه سبعةٌ، والاستثناءُ الأوَّلُ لا يَصِحُّ، فيَسقُطُ فيَبقى كأنَّه اسْتثْنَى ثلاثةً مِن عشرةٍ. (وَيُسْتَثْنَى بِصِفَةِ مَجْهُولٍ: مِنْ مَعْلُومٍ، وَ) مجهولٍ (مِنْ مَجْهُولٍ) كقولِه تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١)، وقولِه: ﴿خم سج سح سخ﴾ (٢)، وتَقَدَّمَ آنفًا، (وَ) يُستثْنَى بصفةٍ أيضًا (الجَمِيعُ) أي: جميعُ المُستَثْنى منه (كَـ: «اقْتُلْ مَنْ فِي الدَّارِ إِلَّا البِيضَ»، فَكَانُوا كُلُّهُمْ بِيضًا؛ لَمْ يُقْتَلُوا)؛ لجوازِ الاستثناءِ بالصِّفةِ. (وَإِذَا تَعَقَّبَ) الاستثناءُ (جُمَلًا) مَذكوراتٍ: (١) (بِوَاوِ عَطْفٍ، أَوْ) مُتَعاطِفاتٍ بِـ (مَا فِي مَعْنَاهَا) أي: مَعنى الواوِ (كَالفَاءِ وَ «ثُمَّ») فإنْ لم يَصلُحْ عَوْدُ الاستثناءِ إلى كلِّ واحدةٍ مِن الجُمَلِ لدليلٍ اقْتَضَى عَوْدَه إلى الأُولى فقطْ، أو إلى الأخيرةِ فقطْ، أو كانَ عائدًا إلى كلٍّ منها بالدَّليلِ، فلا خلافَ في العَوْدِ إلى ما قامَ به الدَّليلُ، مثالُ ما دَلَّ دليلٌ على عَوْدِه إلى الأُولى، فيَعُودُ إليها قَطعًا: قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (٣)، فالاستثناءُ ﴿مَنِ اغْتَرَفَ﴾ إِنَّمَا يَعُودُ إلى ﴿مِنْهُ﴾ لا إلى ﴿مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. ومثالُ العائدِ إلى الأخيرةِ جَزمًا للدَّليلِ لا إلى غيرِه: قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٤) الآيةَ، فـ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إِنَّمَا

стр. 505

يَعودُ للدِّيَةِ لا للكفَّارةِ، أو يَعودُ للأخيرةِ جَزمًا، وإنْ كانَ في غيرِه مُحتَمَلًا، فيَجري فيه الخلافُ، كقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (١) الآيةَ، فـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٢) عائدٌ إلى الإخبارِ بأنَّهم فاسقون قطعًا حَتَّى يَزُولَ عنهم بالتَّوبةِ اسمُ الفسقِ، ولا يَعودُ في هذه الآيةِ للجَلْدِ المأمورِ به قطعًا؛ لأنَّ حدَّ القذفِ حقٌّ لآدميٍّ، فلا يَسقُطُ بالتَّوبةِ. ومثالُ العائدِ للجميعِ قطعًا بالدَّليلِ: قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٣) الآيةَ، فـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٤) عائدٌ إلى الكلِّ بالإجماعِ. (٢) (وَ) إنْ (صَلَحَ عَوْدُهُ) أي: الاستثناءِ (إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِن الجُملِ بأنْ تَجَرَّدَ عن قرينةِ شيءٍ مِن ذلك، (٣) (وَلَا مَانِعَ) يَمنَعُ مِن عَوْدِه للجميعِ؛ (فَـ) يَعودُ (لِلْجَمِيعِ) على المُرَجَّحِ، ونَقَلَه الأصحابُ عن نصِّ أحمدَ، حَيْثُ قال في حديثِ: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ ولا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (٥): أرجو أنْ يَكُونَ الاستثناءُ على كلِّه (٦). ووجهُه أنَّ العطفَ يَجعَلُ الجميعَ كواحدٍ، (كَبَعْدِ مُفْرَدَاتٍ) أي: فالواردُ مِن الاستثناءِ بعدَ مفرداتٍ، نحوُ: تَصَدَّقَ على الفقراءِ والمساكينِ وأبناءِ السَّبيلِ، إلَّا الفَسَقَةَ منهم أَوْلَى بعَوْدِه للكلِّ مِن الواردِ بعدَ جُملٍ؛ لعَدمِ استقلالِ المُفرداتِ، والمرادُ بلفظِ الجُملِ هنا ما فيه شمولٌ لا الجُملُ النَّحويَّةُ.

стр. 506

(وَمِثْلُ: بَنِي تَمِيمٍ وَرَبِيعَةَ أَكْرِمْهُمْ إِلَّا الطِّوَالَ) يَعُودُ الاستثناءُ (لِلْكُلِّ) مِن الفريقينِ. (وَ) لو قال: (أَدْخِلْ بَنِي تَمِيمٍ، ثمَّ بَنِي المُطَّلِبِ، ثُمَّ سَائِرَ قُرَيْشٍ، فَأَكْرِمْهُمْ) فـ (الضَّمِيرُ) في «أكْرِمْهم» يَرجِعُ (لِلْكُلِّ)؛ لأنَّه موضوعٌ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُه، وهو صالحٌ للعُمومِ على سبيلِ الجمعِ، فإذا كانَ كذلك وَجَبَ حَمْلُه على العُمومِ إذا لم يَقُمْ مُخَصِّصٌ، وعلى هذا، فحَمْلُ الضَّميرِ على العُمومِ حقيقةٌ، وحمْلُه على الخُصوصِ مِثلُ تخصيصِ اللَّفظِ العامِّ. (وَهُوَ) أي: الاستثناءُ (مِنْ (١) نَفْيٍ إِثْبَاتٌ) للمُسْتَثنَى عندَ الجمهورِ، فقولُ القائلِ: ليسَ له عليَّ شيءٌ إلَّا درهمًا إقرارٌ بدرهمٍ، واستُدلَّ لهذا القولِ باللُّغةِ، وأنَّ قولَ القائلِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ توحيدٌ، وتبادَرَ فهمُ كلِّ مَن سَمِعَ قولَ القائلِ: لا عالمَ إلَّا زيدٌ، وليسَ لك عليَّ شيءٌ إلَّا درهمٌ: إلى عِلْمِه وإقرارِه، ولو لم يَكُنِ الْمُستَثْنى مِن لا إلهَ إلَّا اللهُ مُثبتًا لم يَكُنْ كافيًا في الدُّخولِ في الإيمان، ولكنَّه كافٍ باتِّفاقٍ، وقد قال ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (٢)، فجَعَلَ ذلك غايةَ المُقاتلةِ. (٣)، وهو ظاهرٌ. (وَبِالْعَكْسِ) أي: والاستثناءُ مِن إثباتٍ نفيٌ [للمُستَثْنَى على الصَّحيحِ، وحكى الرَّازيُّ وغيرُه الاتِّفاقَ على أنَّ الاستثناءَ مِن الإثباتِ نفيٌ] (٤)، فلو قال: له عليَّ عشرةٌ إلَّا درهمًا، كانَ إقرارُه بتسعةٍ، ومَحَلُّ الخلافِ في

стр. 507

الاستثناءِ المُتَّصِلِ؛ لأنَّه فيه إخراجٌ، أمَّا المُنقطعُ فالظَّاهرُ أنَّ ما بعدَ «إلَّا» فيه محكومٌ عليه بضدِّ الحُكْمِ السَّابقِ، فإنَّ مَساقَه هو الحُكمْ بذلك؛ فنحوُ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (١) المُرادُ أنَّ لهم به اتِّباعَ الظَّنِّ لا العِلمَ، وإنْ لم يَكُنِ الظَّنُّ داخلًا في العِلْمِ. تنبيهٌ: إذا عُلِمَ الأمرُ أنَّ الاستثناءَ مِن النَّفيِ إثباتٌ، ومِن الإثباتِ نفيٌ، تَرَتَّبَ عليهما تعدُّدُ الاستثناءاتِ، نحوُ: له عشرةٌ إلَّا تسعةً، إلَّا ثمانيةً، إلَّا سبعةً، إلَّا سِتَّةً، إلَّا خمسةً، إلَّا أربعةً، إلَّا ثلاثةً، إلَّا اثنينِ، إلَّا واحدًا. واعلَمْ أنَّ للمسألةِ أحوالًا: الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا مِن المثالِ، ولاستخراجِ الحُكْمِ من ذلك طرقٌ للنُّحاةِ وغيرِهم: منها: طريقةُ الإخراجِ، وجَبْرُ الباقي بالاستثناءِ، والثَّاني (٢) وهكذا إلى آخرِه، فإذا قال: له عليَّ عشرةٌ إلَّا تسعةً إلى آخِره، فتَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ تسعةٌ بالاستثناءِ الأوَّلِ جُبِرَ ما بَقِيَ، وهو واحدٌ، بالاستثناءِ الثَّانيِ، وهو ثمانيةٌ، فصارَ تسعةً، ثمَّ خَرَجَ بالاستثناءِ الثَّالثِ سبعةٌ، بَقِيَ اثنانِ، فجَبَرَه بالرَّابعِ وهو سِتَّةٌ، فصارَ ثمانيةً، ثمَّ خرجَ بالخامسِ خمسةٌ فبَقِيَ (٣) ثلاثةٌ، فجُبِرَ بالسَّادسِ وهو أربعةٌ، فصارَ سبعةً، ثمَّ خَرَجَ بالسَّابعِ ثلاثةٌ فبَقِيَ أربعةٌ، فجُبِرَ بالثَّامنِ وهو اثنانِ، فصارَ الباقي سِتَّةً، وأُخرِجَ منه بالاستثناءِ التَّاسعِ واحدٌ، فصارَ المُقَرُّ به خمسةً.

стр. 508

ومنها: طريقةُ الحطِّ. ومنها: أنْ يُجعَلَ كلُّ وترٍ مِن الاستثناءِ خارجًا، وكلُّ شفعٍ مع الأصلِ داخلًا في الحكمِ، فما اجتمعَ فهو الحاصلُ، وأمثلتُهما مع طرقٍ غيرِ هذه مذكورةٌ في كتُبِهم. فائدةٌ: الاستثناءُ يَقَعُ في الأحكامِ، نحوُ: «قَامَ القومُ إلَّا زيدًا»، ومِن الموانعِ، نحوُ: «لا تَسقُطُ الصَّلَاةُ عنِ المرأةِ إلَّا بالحيضِ»، ومِن الشُّروطِ، نحوُ: «لا صلاةَ إلَّا بطهورٍ». قالَ القَرَافِيُّ: الاستثناءُ مِن الشُّروطِ مُسْتَثْنًى من كلامِ العلماءِ، فإِنَّه لا يَلْزَمُ مِن القضاءِ بالنَّفيِ لأجلِ عدمِ الشَّرطِ أنْ يُقضَى بالوجودِ لأجلِ وجودِ الشَّرطِ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ الشَّرطَ لا يَلْزَمُ مِن وجودِه الوجودُ ولا العدمُ، فقولُهم: «الاستثناءُ مِن النَّفيِ إثباتٌ» يَختَصُّ بما عدا الشَّرطِ؛ لأنَّه لم يَقُلْ أحدٌ منَ العلماءِ أنَّه يَلْزَمُ مِن وجودِ الشَّرطِ وجودُ المشروطِ (١). (وَإِذَا عُطِفَ) استثناءٌ (عَلَى) استثناءٍ (مِثْلِهِ: أُضِيفَ) الاستثناءُ الثَّاني (إِلَيْهِ) أي: إلى الأوَّلِ، فعشرةٌ إلَّا ثلاثةً وإلَّا اثنينِ، كعشرةٍ إلَّا خمسةً، فيَرجِعُ الكلُّ المُتعاطفُ إلى المُسْتَثْنى منه حملًا للكلامِ على الصِّحَّةِ ما أمكنَ، فإنَّ عَوْدَ كلٍّ لِما يَليه قد تَعَذَّرَ بانفصالِه بأداةِ العَطفِ، هذا إذا لم يَلْزَمْ مِن عَوْدِ الكلِّ الاستغراقُ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ استثناءَ الكلِّ باطلٌ، وكذا الأكثرُ على الصَّحيحِ، فأنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً وإلَّا واحدةً، يلغو الثَّاني إنْ بَطَلَ استثناءُ الأكثرِ، وإلَّا وَقَعَ واحدةً.

стр. 509

(وَإِلَّا (١) أي: وإن لم يَكُنْ مُتعاطفةً، (فَـ) ـهو (اسْتِثْنَاءٌ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ، وَيَصِحُّ (٢) على الصَّحيحِ، واستُدلَّ له بقولِه تَعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا﴾ (٣) الآيةَ، والاستثناءُ الثَّاني وهو ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ مُسْتَثْنًى مِن قولِه: ﴿أَجْمَعِينَ﴾. ولو قال: له عليَّ عشرة إلَّا ثلاثةً إلَّا درهمًا؛ يَلْزَمُه ثمانيةٌ؛ لأنَّه مِن الإثباتِ نفيٌ، ومن النَّفيِ إثباتٌ، وأنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً إلَّا واحدةً؛ وَقَعَ اثنانِ على الصَّحيحِ، ويَلْغُو الاستثناءُ الثَّاني.

стр. 510

(فَصْلٌ) القِسْمُ (الثَّانِي) مِن المُخَصِّصِ (١) المُتَّصِلِ: (الشَّرْطُ) وتَقَدَّمَ حدُّه وأقسامُه، وما يَتَعَلَّقُ به في خِطابِ الوضعِ. (وَيَخْتَصُّ) الشَّرطُ (اللُّغَوِيُّ مِنْهُ) عُرفًا (بِكَوْنِهِ) أي: بكونِ الشَّرطِ اللُّغويِّ (مُخَصِّصًا) والمُرادُ به صيغُ التَّعليقِ بـ «إنْ» ونحوِها، نحوُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٢)، ومنه قولُهم في الفقهِ: العتقُ المُعَلَّقُ على شرطٍ، وهذا (٣) كما قال بعضُهم: يَرجِعُ إلى كونِه سببًا حَتَّى يَلْزَمَ مِن وجودِه الوجودُ، ومِن عدمِه العدمُ لذاتِه، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ الشَّرطُ اللُّغويُّ تمثيلُهم بذلك. قالَ القَرَافِيُّ (٤): ووَهِمَ مَن فَسَّرَه هناك بالشَّرطِ المقابلِ للسَّببِ والمانعِ، كما وَقَعَ لكثيرٍ من الأُصُولِيِّينَ. (وَهُوَ) أي: الشَّرطُ (مُخْرِجُ مَا) أي: مُخْرِجُ شَيْءٍ (لَوْلَاهُ) أي: لَوْلَا الشَّرطُ (لَدَخَلَ) ذلك الشَّيءُ، كقولِك: أَكرِمْ بني تميمٍ إنْ دَخَلوا، فيَقْصُرُه الشَّرطُ على مَن دَخَلَ. (وَ) قد (يَتَّحِدُ) الشَّرطُ، مثلُ: إنْ دَخَلَ زيدٌ الدَّارَ. (وَ) قد (يَتَعَدَّدُ): - إمَّا (عَلَى) سبيلِ (الْجَمْعِ)، مثلُ: إنْ دَخَلَ زيدٌ الدَّارَ والسُّوقَ.

стр. 511

- (وَ) إمَّا على سبيلِ (الْبَدَلِ) نحوُ: إنْ دَخَلَ زيدٌ الدَّارَ أو السُّوقَ، فيَكُونُ (ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، كُلٌّ مِنْهَا مَعَ الْجَزَاءِ كَذَلِكَ) أي: إمَّا أنْ يَكُونَ جزاؤُه مُتَّحِدًا، مِثْلُ: أَكْرِمِه، أو مُتَعَدِّدًا: إمَّا على سبيلِ الجمعِ، مثلُ: أَكْرِمْه وأَعطِه، أو على سبيلِ البدلِ، مِثلُ: أَكْرِمْه أو أَعطِه، فتَكُونُ الأقسامُ تسعةً مِن ضربِ ثلاثةٍ في ثلاثةٍ. (وَ) للشَّرطِ صدرُ الكلامِ فـ (يَتَقَدَّمُ عَلَى الْجَزَاءِ لَفْظًا؛ لِتَقَدُّمِهِ) أي: الشَّرطِ على الجزاءِ (فِي الْوُجُودِ طَبْعًا)؛ لأنَّ الجزاءَ إِنَّمَا يَكُونَ بعدَ شيءٍ يُجازَى عليه. (وَمَا ظَاهِرُهُ) قال في «شرحه» (١) أي: «وأيُّ تركيبٍ ظاهرُه» (أَنَّهُ) أي: أنَّ الشَّرطَ (مُؤَخَّرٌ) فيه عنِ الجزاءِ، فأكثرُ النُّحاةِ أنَّ ما تَقَدَّمَ ليسَ بجَزاءٍ، بلِ (الْجَزَاءُ فِيهِ) أي: في الشَّرطِ (مَحْذُوفٌ قَامَ مَقَامَهُ) أي: مقامَ الجزاءِ ما تَقَدَّمَ، (وَدَلَّ عَلَيْهِ) أي: على الجزاءِ (مَا تَقَدَّمَ) فقولُهم: «أَكْرَمْتُك إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ» خبَرٌ، والجزاءُ محذوفٌ مُراعَاةً لتَقَدُّمِ الشَّرطِ كتقدُّمِ الاستفهامِ والقَسَمِ؛ لأنَّ الإكرامَ يَتَوَقَّفُ على الدُّخُولِ، فيَتَأَخَّرُ عنه مِن حيثُ المعنى، فيَكُونُ جزاءً له معنًى. (وَيَصِحُّ إِخْرَاجُ الْأَكْثَرِ) مِن الباقي (بِهِ) أي: بالشَّرطِ، فلو قال: أَكْرِمْ بني تميمٍ إنْ كانوا علماءَ، وكانَ الجُهَّالُ أكثرَ: صَحَّ، بل ولو كانَ الكلُّ جُهَّالًا خَرَجُوا بالشَّرطِ.

стр. 512

(وَهُوَ) أي: الشَّرطُ (فِي اتِّصَالٍ بِمَشْرُوطٍ) أي: يُشتَرَطُ اتِّصالُ الشَّرطِ بالمشروطِ كاستثناءٍ بلا خلافٍ، لكنَّ قولَه: «إنْ شاءَ اللهُ» يُسَمَّى استثناءً، وإنَّه كالاستثناءِ في الاتِّصالِ. (وَ) الشَّرطُ في (تَعَقُّبِ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ: كَاسْتِثْنَاءٍ) أي: يَعُودُ للكلِّ عندَ الأربعةِ وغيرِهم، مثالُه: أَكْرِمْ بني تَميمٍ، وأعطِ قُريشًا إنْ نَزَلُوا بَلَدَك. (وَيَحْصُلُ: مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ) أي: على شرطٍ (عَقِبَهُ)، فلو عَلَّقَ عِتْقَ قِنِّه على شرطٍ، حَصَلَ العتقُ عَقِبَ الشَّرطِ على الصَّحيحِ، لا معَه. (وَ) يَحصُلُ (عَقْدٌ) مِن بيعٍ، أو (١) هبةٍ، ونحوِهما (عَقِبَ صِيغَةٍ) لذلك العَقدِ أي: بعدَ قبولِ على الصَّحيحِ.

стр. 513

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ) مِن المُخَصِّصِ المُتَّصِلِ: (الصِّفَةُ) نحوُ: أَكْرِمْ بني تميمٍ الدَّاخلينَ، فيَقْصُرُ الإكرامَ عليهم، والمرادُ بالوصفِ ما أَشْعَرَ بمَعنًى يَتَّصِفُ به أفرادُ العامِّ، سواءٌ كانَ نعتًا أو عطفَ بيانٍ، أو حالًا، وسواءٌ كانَ ذلك مفردًا أو جملةً أو شِبْهَها، وهو الظَّرفُ والجارُ والمجرورُ، ولو كانَ جامدًا مُؤَوَّلًا بمُشْتَقٍّ، فلو وَقَفَ على ولدِه أبي محمَّدٍ عبدِ اللهِ، وفي أولادِه مَن كُنيتُه «أبو محمَّدٍ» غيرُه؛ اختصَّ به عبدُ اللهِ، كما لو قال: على أنَّه، وبشرطِ أنَّه، ونحوَه. تنبيهٌ: يَخرُجُ ممَّا تَقَدَّمَ مِن الصِّفَةِ أنْ يَكُونَ الوصفُ خرج مَخرَجَ الغالبِ، فيُطرَحُ مفهومُه كما يَأْتي في مفهومِ المخالفةِ، أو سياقُ الوصفِ لمدحٍ، أو ذمٍّ، أو ترحُّمٍ، أو توكيدٍ، أو تفصيلٍ؛ فلَيْسَ شيءٌ مِن ذلك مُخَصِّصًا للعمومِ. (وَهِيَ) أي: الصِّفَةُ إذا تَعَقَّبَتْ جُملًا أو مفرداتٍ بواوِ عطفٍ أو بما في معناها، (كَاسْتِثْنَاءٍ فِي عَوْدِ) ـها للكلِّ إنْ صَلُحَ، ولا مانعَ كما تَقَدَّمَ حَتَّى (وَلَوْ تَقَدَّمَتِ) الصِّفَةُ على الموصوفِ، نحوُ: «وَقَفْتُ على مُحتاجي أولادي وأولادِهم»، فتُشتَرَطُ الحاجةُ في الجميعِ على الصَّحيحِ. وأمَّا إذا كانَتِ الصِّفَةُ مُتوسِّطةً، فالمختارُ رُجوعُها إلى ما وَلِيَتْه، نحوُ: «وَقَفْتُ على أولادي المحتاجينَ وأولادِهم». (الرَّابِعُ) مِن المُخَصِّصِ المُتَّصِلِ: (الغَايَةُ) ، والمرادُ بها أنْ يَأْتيَ بعدَ العامِّ حرفٌ مِن أَحرُفِ الغايةِ، كـ: «إلى» و «حتَّى» و «اللَّامِ»، مثالُ «إلى» و «حتَّى»: أكرِم بني تميمٍ إلى، أو حتَّى، أنْ يَدخُلوا. فيُقصَرُ على غيرِهم.

стр. 514

ومثالُ اللَّامِ: قولُه تَعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ (١) أي: إلى. وكـ: «أو» في قولِه (٢): لَأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ (٣) المُنَى أي: إلى. (وَهِيَ كَاسْتِثْنَاءٍ فِي اتِّصَالٍ) أي: يُشْتَرَطُ في الغايةِ اتِّصالٌ مُعتادٌ كما تَقَدَّمَ في الاستثناءِ. (وَ) في (عَوْدٍ) أي: إذا وَلِيَتِ الغايةُ مُتَعَدِّدًا يَعُودُ إلى الكلِّ، نحوُ: وَقَفْتُ على أولادي وأولادِ أولادي إلى أنْ يَستغنوا. (وَيَخْرُجُ الأَكْثَرُ بِهَا) يَعني: يَجُوزُ إخراجُ الأكثرِ مِن الباقي بالغايةِ، بأنْ يَكُونَ المُخرَجُ أكثرَ مِن غيرِ المُخرَجِ. (وَ) مِن أحكامِ الغايةِ أنَّ (مَا بَعْدَهَا: مُخَالِفٌ) لِما قَبْلَها عندَ الأكثرِ، أي: محكومٌ عليه بنقيضِ حُكمِه؛ لأنَّ ما بعدها لو لم يَكُنْ مخالفًا لِما قَبْلَها لم يَكُنْ غايةً، بل وسطًا بلا فائدةٍ، قال اللهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤) فلَيْسَ شيءٌ مِن اللَّيلِ داخلًا قطعًا. فائدةٌ: غايةُ الشَّيءِ: طَرَفُه ومُنتهاه، ثمَّ يُطلَقُ تارةً على الحرفِ، كقولِه تَعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٥)، ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٦).

стр. 515

فإذا قِيلَ: الغايةُ هل تَدخُلُ في المُغَيَّا أو لا تَدخُلُ؟ فيُقالُ: إنْ أُرِيدَ بالمعنى الأوَّلِ وهو طرفُ الشَّيءِ ومُنتهاه؛ فداخلةٌ قطعًا، وإنْ أُريدَ ما بعدَ الَّذِي دَخَلَ عليه الحرفُ؛ فلا خلافَ في عدمِ دُخُولِه، وإنْ أُرِيدَ نَفْسُ ما دَخَلَ عليه حرفُ الغايةِ؛ فهو مَحَلُّ الخلافِ، ومَحَلُّ كونِ الغايةِ مِن المُخصِّصاتِ إِنَّمَا هو في غايةٍ تَقَدَّمها عمومٌ يَشْمَلُها لو لم يُؤتَ بها، كقولِه تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (١)، فلولا الغايةُ لقاتَلْنا الكفَّارَ أَعطَوُا الجزيةَ أو لم يُعطوا، بخلافِ نحوِ: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢)، فالغايةُ خارجةٌ قطعًا، فلهذا قال: (إِلَّا فِي: قُطِعَتْ أَصَابِعُهُ كُلُّهَا مِنَ الخِنْصَرِ إِلَى الإِبْهَامِ، وَنَحْوِهِ؛ فَلَا) يَكُونُ ما بَعدَها مُخالِفًا لِما قَبْلَها، وتَكُونُ الغايةُ -وهي الإبهامُ- داخلًا قطعًا، فأمَّا نحوُ: «رُفعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (٣)، ولو سَكَتَ عن ذِكْرِ الغايةِ لم يَكُنِ الصَّبيُّ شاملًا للبالغِ، ولا النَّائمُ للمستيقظِ، ولا المجنونُ للمُفيقِ، فذِكْرُ الغايةِ في ذلك: إمَّا تأكيدٌ لتقريرِ أنَّ أزمنةَ الصِّبا وأزمنةَ النَّومِ وأزمنةَ الجُنونِ لا يُستثنى منها شيءٌ، وإمَّا للإشعارِ بأنَّ ما بعدَ الغايةِ مُخالِفٌ لِما قَبْلَه، ولولا الغايةُ لكانَ مَسكوتًا عن ذِكْرِ الحُكمِ محتملًا. (وَغَايَةٌ، و) مُغَيَّا؛ أي: (مُقَيَّدٌ بِهَا) أي: بالغايةِ (يَتَّحِدَانِ، وَيَتَعَدَّدَانِ) أي: يَتَّحِدُ كلٌّ مِنهما ويَتَعَدَّدُ على سبيلِ الجمعِ والبدلِ، ثلاثةَ أقسامٍ كلٌّ منها معَ الآخَرِ كذلك يُكْمِلُ (تِسْعَةَ أَقْسَامٍ) كالشَّرطِ.

стр. 516

مثالُ اتِّحادِ المُغَيَّا: أَكْرِمْ بني تميمٍ، ومثالُ تَعدُّدِه: إمَّا على سبيلِ الجمعِ، مثلُ: أَكْرِمْهم وأَعطِهم، وإمَّا على سبيلِ البدلِ، مثلُ: أَكْرِمْهم أو أَعْطِهم، وكلٌّ مِن هذه الثَّلاثةِ إمَّا أن تَكُونَ الغايةُ مُتَّحِدَةً، مثلُ: إلى أنْ يدخلوا، أو مُتَعَدِّدَةً: إمَّا على سبيلِ الجمعِ، مثلُ: إلى أنْ يَدخُلوا ويَقُوموا (١)، أو على سبيلِ البدلِ، مثلُ: إلى أن يَدخُلوا أو يَقُومُوا. (الخَامِسُ) مِن المُخَصِّصاتِ: (بَدَلُ البَعْضِ) مِن الكلِّ، مثلُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ (٣). تنبيهٌ: الأربعةُ الأُوَلُ لا خِلافَ في كَوْنِها مِن المُخصِّصاتِ، وأمَّا بدلُ البعضِ، فذَكَرَه الآمِدِيُّ ومَن تَبِعَه مِن المُخَصِّصاتِ؛ لأنَّه إخراجُ بعضِ ما تَنَاوَلَه اللَّفظُ، قال الأَصْفَهَانِيُّ: وفيه نظرٌ؛ فإنَّ المبدلَ في حُكْمِ المُطَرَحِ، والبدلُ قد أُقيمَ مُقامَه؛ فلا يَكُونُ مُخَصِّصًا له (٤). انتهى. ومَن خَصَّ بدلَ البعضِ بكونِه مُخَصِّصًا دونَ الأبدالِ الباقيةِ؛ لكونِها غيرَ متناهيةٍ. (وَ التَّوَابِعُ المُخَصِّصَةُ) للأسماءِ المُتقدِّمةِ (كَبَدَلٍ، وَعَطْفِ بَيَانٍ، وَتَوْكِيدٍ، وَنَحْوِهِ، كَاسْتِثْنَاءٍ) في المعنى. (وَشَرْطٌ مَعْنَوِيٌّ (٥) بِحَرْفِ جَرٍّ، أَوْ) بحرفِ (عَطْفٍ) كقولِه: «على أنَّه»، أو «بشرطِ أنَّه»، وكقولِه: «ومِن شَرطِه كذا»، فهذا (كَـ) ـشرطٍ (لُغَوِيٍّ) فـ:

стр. 517

أَكْرِمْ بني تميمٍ، وبني أسدٍ، وبني بكرٍ المؤمنينَ، أَمْكَنَ كَوْنُه تمامًا لـ «بكرٍ» فقط، وبشرطِ كونِهم مُؤمنينَ، أو على أنَّهم مُتَعَلَّقٌ بالإكرامِ وهو للجميعِ معًا كقولِهم: إنْ كانُوا مُؤمنينَ. (وَ) كذا (يَتَعَلَّقُ حَرْفُ جَرٍّ مُتَأَخِّرٌ بِالفِعْلِ المُتَقَدِّمِ) وهو قولُه: «أَكْرِمْ»، وهو الكلامُ والجملةُ، فيَجِبُ الفرقُ بينَ ما تَعَلَّقَ بالاسمِ وما تَعَلَّقَ بالكلامِ. تنبيهٌ: قال الشَّيخُ (١): والوقفُ على جملٍ أَجنبِيَّاتٍ: كالوقفِ على أولادِه، ثمَّ أولادِ فلانٍ، ثمَّ المساكينِ، على أنَّه لا يُعطَى منهم إلَّا صاحبُ عيالٍ؛ يُقَوِّي اختصاصَ الشَّرطِ بالجملةِ الأخيرةِ؛ لأنَّها أجنبيَّةٌ مِن الأُولى. (وَإِشَارَةٌ بِـ «ذَلِكَ») بعدَ جُملٍ (وَتَمْيِيزٌ بَعْدَ جُمَلٍ: يَعُودَانِ) أي: الإشارةُ بذلك والتَّمييزُ (إِلَى الكُلِّ) أي (٢): كلِّ الجملِ المُتقدِّمةِ، مثالُ الإشارةِ بذلك: قولُه تَعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ (٣) يَجِبُ عَوْدُه إلى جميعِ ما تَقَدَّمَ، وعَوْدُه إلى بعضِه لَيْسَ بلغةِ العربِ، ولهذا لو قال: «مَن دَخَلَ وخَدَمَني وأَكْرَمَني فله درهمٌ»؛ لم يَعُدْ إلى الدُّخولِ فقط، وإذا عادَ إلى الجميعِ؛ فالمؤاخذةُ بكلٍّ مِن الجملِ، فالخُلُودُ للكفرِ، والمضاعفةُ في قدرِ العذابِ لِما ذَكَرَه مِن الذُّنوبِ، قاله ابنُ عَقِيلٍ (٤). ومثالُ التَّمييزِ: لو قال: «له عليَّ ألفٌ وخمسون درهمًا»؛ فالجميعُ دراهمُ على الصَّحيحِ.

стр. 518

(فَصْلٌ) (يُخَصَّصُ الكِتَابُ: (١) بِبَعْضِهِ) عندَ العلماءِ، وهو مِن تخصيصِ قطعيِّ المَتنِ بقطعيِّه، مثالُه: قولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ (١) الآيةَ، خُصَّ بقولِه تَعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّخصيصُ في هذا المثالِ بالسُّنَّةِ، كما في حديثِ أبي السَّنَابِلِ بن بَعْكَكٍ معَ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ حينَ قال: مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٣). فجاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فأَفْتَاها بأنَّها قد حلَّتْ بوضعِ حَمْلِها (٤). وأُجِيبَ بأنَّه لا يَخرُجُ عن كَوْنِه مُبَيَّنًا إذا بُيِّنَ ما أُنزِلَ بآيةٍ أُخرى مُنَزَّلَةٍ كما بُيِّنَ ما أُنْزِلَ عليه مِن السُّنَّةِ، فإنَّ الكلَّ مُنَزَّلٌ. (٢) (وَ) يُخَصَّصُ (بِالسُّنَّةِ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَتْ مُتواترةً أو آحادًا، أمَّا المتواترةُ فإجماعًا، وأمَّا [خبَرُ الواحدِ] (٥) فعلى الصَّحيحِ، وخَصَّ

стр. 519

السَّمْعَانِيُّ (١) مَحَلَّ الخلافِ بخبَرٍ لم يُجمَعْ على العملِ به، فإنْ أُجمِعَ على العملِ به فلَيْسَ فيه خلافٌ في أنَّه يَجُوزُ التَّخصيصُ عندَه، ومَثَّلُه بتخصيصِ آيةِ المواريثِ بحديثِ: «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ» (٢)، و «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (٣)، ونهيِه عنِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعَمَّتِها (٤)، فيَجُوزُ التَّخصيصُ به بلا خلافٍ؛ لأنَّ هذه الأخبارَ بمَنزلةِ المتواترِ؛ لانعقادِ الإجماعِ على حُكْمِها، وإن لم يَنعقِدْ على رِوايتِها، ومِثْلُه تخصيصُ متواترةٍ بآحادٍ. (وَ) تخصيصُ (السُّنَّةِ: (١) بِهِ) أي: بالكتابِ عندَ الجمهورِ، وهذا قليلٌ جدًّا، مثالُه: قولُه ﷺ : «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ». رَوَاه ابنُ ماجه (٥)، خُصَّ بقولِه تَعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٦). (٢) (وَ) تُخَصَّصُ (٧) السُّنَّةُ (بِبَعْضِهَا) على الصَّحيحِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَتْ مُتواتِرةً أو آحادًا، واستدلَّ لذلك بقولِه ﷺ : «فِيمَا سَقَتِ

стр. 520

السَّمَاءُ العُشْرُ» (١)، خُصَّ بقولِه ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٢)، وهو كثيرٌ. فائدةٌ: الخاصُّ معَ العامِّ يُخَصَّصُ، سواءٌ تَقَدَّمَ أو تَأَخَّرَ أو جُهِلَ أو قارَنَ، فهو تخصيصٌ لا نسخٌ، على الصَّحيحِ. (وَ) يُخَصَّصُ لفظٌ (عَامٌّ (١) بِمَفْهُومٍ مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ مفهومَ موافقةٍ أو مخالفةٍ، فيُخَصَّصُ العامُّ بمفهومِ الموافقةِ اتِّفاقًا، وهو مِن المخصِّصاتِ المُنفصلةِ، مثالُه: قولُه ﷺ : «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (٣) خُصَّ بمفهوم قولِه (٤) تَعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٥) فمفهومُه: أنَّه لا يُؤذيهما بحبسٍ ولا غيرِه، فلذلك لا يُحبَسُ الوالدُ بدَينِ وَلَدِه، بل ولا له مُطالبتُه على الصَّحيحِ، ومَحَلُّ هذا حيثُ لم يُجعَلْ مِن بابِ القياسِ، فإنْ قُلْنا إنَّه مِن بابِ القياسِ؛ فيَكُونُ مُخَصَّصًا بالقياسِ. تنبيهٌ: المرادُ باللَّيِّ: المطلُ، وبحِلِّ عِرضِه: أنْ يَقُولَ: ظَلَمَني، وبعقوبتِه: الحبسُ. وتخصيصُ العامِّ بمَفهومِ المخالفةِ عندَ القائلِ به على الصَّحيحِ،

стр. 521

مثالُه: قولُه ﷺ : «إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمَلِ الخَبَثَ» (١) خُصَّ بمفهومِه وهو ما لم يَبْلُغْ قُلَّتَينِ: عمومُ قولِه ﷺ : «المَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ» (٢) فإِنَّه أعمُّ مِن القُلَّتَينِ أو دُونَهما، فتَصيرُ القُلَّتانِ في الحديثِ الأوَّلِ تَنجيسُهما مخصوصٌ بالتَّغييرِ بالنَّجاسةِ، ويَبقى ما دُونَهما يَنْجُسُ (٣) بمُجَرَّدِ المُلاقاةِ في غيرِ المواضعِ المُستثناةِ بدليلٍ آخَرَ، واستدلَّ له بأنَّه خاصٌّ، وفيه جمعٌ بينَهما، فكانَ أَوْلى. (٢) (وَ) يُخَصَّصُ عامٌّ أيضًا (بِإِجْمَاعٍ) عندَ الجمهورِ، (وَالمُرَادُ) بالإجماعِ (دَلِيلُهُ)؛ لأنَّ الإجماعَ في نَفْسِه مُخَصِّصٌ؛ لأنَّه لا يُعتَبَرُ زَمَنَ الوحيِ؛ إذِ الإجماعُ لا بُدَّ له مِن دليلٍ يَستندُ إليه وإن لم نَعرِفْه، فالدَّليلُ الَّذِي تَضَمَّنَه الإجماعُ هو المُخصِّصُ، والإجماعُ دليلٌ عليه، مثالُه: قولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٤) خُصَّ بالإجماعِ على أنَّ العبدَ القاذفَ يُجلَدُ على النِّصفِ مِن الحُرِّ.

стр. 522

(وَلَوْ عَمِلَ أَهْلُهُ) أي: أهلُ الإجماعِ (بِخِلَافِ نَصٍّ خَاصٍّ) في مسألةٍ (تَضَمَّنَ) إجماعُهم على ذلك العملِ دليلًا (نَاسِخًا) أي: لا يَكُونُ إجماعُهم ناسخًا لذلك النَّصِّ، بلِ النَّاسخُ هو الدَّليلُ الَّذِي تَضَمَّنَه الإجماعُ، وهو مستندُ الإجماعِ، والإجماعُ دليلٌ عليه كالَّتي قَبْلَها. (٣) (وَ) يُخَصَّصُ العامُّ (بِفِعْلِهِ) أي: بفعلِ النَّبِيِّ ﷺ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ (إِنْ شَمِلَهُ العُمُومُ) أي: إنْ كانَ العمومُ شاملًا له ﷺ وللأُمَّةِ، كما لو قال: «كَشْفُ الفَخِذِ حرامٌ على كلِّ مسلمٍ»، ثمَّ فَعَلَه؛ لأنَّ فعلَه كقولِه في الدَّلالةِ سواءٌ؛ فاستويا في التَّخصيصِ، والظَّاهرُ أنَّه وأُمَّتَه سواءٌ فيه، وقد خَصَّ الإمامُ أحمدُ قولَه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (١) بفعلِه ﷺ ، وقالَ: دَلَّ على أنَّه أرادَ الجِماعَ. (وَ) أمَّا (إِنْ ثَبَتَ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ) أي: اتِّباعِ الأُمَّةِ له ﷺ (فِيهِ) أي: في الفعلِ العامِّ له وللأُمَّةِ (بِدَلِيلٍ خَاصٍّ؛ فَالدَّلِيلُ نَاسِخٌ لِلْعَامِّ)؛ لأنَّ مَحَلَّ كَوْنِ فِعلِه مُخصِّصًا ما إذا كانَ العمومُ شاملًا له وللأمَّةِ بتحريمِ شيءٍ مثلًا، ثمَّ يَفْعَلُ الفِعلَ المنهيَّ عنه، وهو ممَّا لا يَجِبُ اتِّباعُه فيه، إمَّا لكونِه مِن خصائصِه، أو غيرِ ذلك، أمَّا إذا أَوْجَبْنا التَّأسِّيَ به فيه فيَرتفعُ الحُكمُ عنِ الكلِّ، وذلك نسخٌ لا تخصيصٌ، وأمَّا إذا كانَ العمومُ للأُمَّةِ دُونَه، فَفِعْلُه لَيْسَ بتخصيصٍ؛ لعدمِ دُخُولِه في العُمومِ، وقد مَثَّلَ لذلك بالنَّهيِ عنِ استقبالِ القِبلةِ واستدبارِها (٢)، ثمَّ جَلَسَ في بيتِ حَفْصَةَ مُستقبِلَ بيتِ المقدسِ (٣).

стр. 523

فعلى القولِ بأنَّ النَّهيَ شاملٌ للصَّحراءِ والبنيانِ، فيَحرُمُ فيهما، وبه قال جمعٌ، ويَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بذلك وخَرَجَ مِن عُمومِ النَّهيِ، وإنْ قُلْنا إنَّه ﷺ لَيْسَ مختصًّا بذلك فالتَّخصيصُ لِلْبُنْيَانِ مِن العُمومِ، سواءٌ هو والأُمَّةُ في ذلك. (٤) (وَ) يُخَصَّصُ العامُّ أيضًا (بِإِقْرَارِهِ ﷺ عَلَى فِعْلٍ) أي: تقريرُ النَّبِيِّ ﷺ ما فَعَلَ واحدٌ مِن أُمَّتِه بحضرتِه، مُخالِفًا لعمومٍ ولم يُنكِرْه معَ عِلمِه: مُخصِّصٌ على الصَّحيحِ. (وَهُوَ) أي: التَّخصيصُ للحُكْمِ (أَقْرَبُ مِنْ نَسْخِهِ) الَّذِي دَلَّ عليه العامُّ نَسخًا (مُطْلَقًا أَوْ) نَسْخًا (عَنْ فَاعِلِهِ) واسْتُدِلَّ لذلك بأنَّ سُكوتَه عن ذلك معَ عِلمِه دليلُ جوازِه، وإلَّا لوَجَبَ إنكارُه. تنبيهٌ: هل يَكُونُ التَّخصيصُ بنفسِ تقريرِه ﵇، أو بما تَضَمَّنَه مِن سَبْقِ قَولٍ به، فيَكُونُ مُستدلًّا بتقريرِه على أنَّه خُصَّ بقولٍ سابقٍ؛ إذ لا يَجُوزُ لهم أن يَفعلوا ما فيه مخالفةٌ للعامِّ، إلَّا بإذنٍ صريحٍ، فتَقريرُه دليلُ ذلك؟ ظاهرُ كلامِ أَصحابِنا وغيرِهم الأوَّلُ. (٥) (وَ) يُخَصَّصُ العامُّ أيضًا (بِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ) على الصَّحيحِ إنْ قِيلَ هو حُجَّةٌ، وإلَّا فلا، مثالُه: قولُه ﷺ : «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ». رَوَاه مسلمٌ (١) من حديثِ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن مَعْمَرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، وكانَ سعيدٌ يَحتكِرُ الزَّيتَ، فقِيلَ له، فقالَ: إنَّ مَعمَرًا راوي الحديثِ كانَ يَحتكرُ.

стр. 524

(٦) (وَ) يُخَصَّصُ العامُّ أيضًا (بِقَضَايَا الأَعْيَانِ) ومَعنى ذلك أنْ يَرِدَ مَعنا حُكْمٌ عامٌّ، ثمَّ تَرِدَ مَعَنا قضيَّةُ عينٍ مخالفةٌ لذلك العامِّ، فهل يُخَصُّ العامُّ ذلك؟ مثالُه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن لُبْسِ الحريرِ للرِّجالِ (١)، ثمَّ أَذِنَ في لُبْسِه لعبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ والزُّبيرِ بنِ العَوَّامِ لقَملٍ كانَ بهما (٢). وإذنُه لهما في ذلك قضيَّةُ عينٍ، فهل ذلك مُخَصِّصٌ لعمومِ النَّهيِ أم لا؟ (٧) (وَ) يُخَصَّصُ العامُّ أيضًا (بِالقِيَاسِ) وهو نوعانِ: أحدُهما: أنْ يَكُونَ قطعيًّا، وذلك فيما إذا كانَ حُكْمُ الأصلِ الَّذِي يَستندُ إليه الفرعُ مَقطوعًا به وعِلَّتُه منصوصةً أو مُجمعًا عليه، وهي موجودةٌ في الفرعِ قطعًا ولا فارقَ قطعًا، فهذا النَّوعُ مِن القياسِ يَجوزُ التَّخصيصُ به بلا خلافٍ. والثَّاني: أن يَكُونَ ظَنِّيًّا، فيَجوزُ التَّخصيصُ به عندَ الأكثرِ، واسْتُدِلَّ لذلك بأنَّ القياسَ خاصٌّ لا يَحتملُ التَّخصيصَ، وفيه جمعٌ بينَهما، فقُدِّمَ التَّخصيصُ به.

стр. 525

فائدةٌ: في (١) مأخذِ المسألةِ مِن كلامِ الإمامِ أحمدَ، قال في روايةِ الحسنِ بنِ ثوابٍ: حديثُ رسولِ الله ﷺ [لا يَرُدُّه] (٢) إلَّا مثلُه (٣)، وظاهرُه أنَّ القياسَ لا يَرُدُّ الظَّاهرَ. قالَ ابنُ عَقِيلٍ: هذا مِن كلامِه لا يَمنَعُ؛ لأنَّ التَّخصيصَ لَيْسَ بردٍّ، وإنَّما هو بيانٌ (٤). وتَمَسَّكوا للتَّخصيصِ بروايةِ بكرِ بنِ محمَّدٍ: إذا قَذَفَ زوجتَه بعدَ الثَّلاثِ، وله منها ولدٌ يُريدُ نَفيَه يُلاعِنُ. فقِيلَ له: أليسَ يَقُولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٥)، وهذه ليسَتْ زوجةً. فاحتجَّ بأنَّ الرَّجلَ يُطَلِّقُ ثلاثًا وهو مريضٌ تَرِثُه؛ لأنَّه فَرَّ مِنَ الميراثِ، وهذا فارٌّ مِن الولدِ. قال القاضي: فقد عارَضَ الظَّاهرَ بضربٍ مِن القياسِ (٦). ونَقَلَ المَيْمُونِيُّ في الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابنتَه وهي كبيرةٌ أَحَبُّ إليَّ أن يَستأْمِرَها، فإنْ زَوَّجَها مِن غيرِ أنْ يَستأْمِرَها جازَ النِّكاحُ. وهذا للأبِ خاصَّةً (٧). قالَ ابنُ قاضي الجبلِ (٨): قُلْتُ: كأنَّه خَصَّ قولَه: «لَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» (٩). (وَيُصْرَفُ بِهِ) أي: بالقياسِ: مَعنًى (ظَاهِرٌ غَيْرُ عَامٍّ إِلَى احْتِمَالٍ مَرْجُوحٍ)،

стр. 526

ومَعنى هذا الكلامِ: أنْ يَكُونَ مَعنى اللَّفظِ مُحتملًا (١) لشيئينِ هو ظاهرٌ في أحدِهما ومرجوحٌ في الآخرِ، لكنْ هو موافقٌ للقياسِ، فينصرفُ عنِ الظَّاهرِ إلى الاحتمالِ المرجوحِ لأجلِ موافقةِ القياسِ على الأرجحِ. (وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا: ظَنِّيَّةٌ) لا قطعيَّةٌ؛ لأنَّ أدلَّتَها ظنِّيَّةٌ، فتَكُونُ مِن بابِ الظُّنونِ. (وَفِعْلُ الفَرِيقَيْنِ) منَ الصَّحابةِ ﵃ (إِذْ قَالَ) لهُم النَّبِيُّ ﷺ لمَّا فَرَغَ منَ الأحزابِ، وأَمَرَه جبْريلُ ﵇ بالمَسيرِ إلى بني قُرَيْظَةَ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)، ثمَّ ذُكِرَ له ﷺ أنَّ طائفةً صَلَّتْ في الطَّريقِ في الوقتِ، وطائفةً صَلَّتْ في بني قُرَيْظَةَ بعدَ الوقتِ، فلم يَعِبْ واحدةً منهما (يَرْجِعُ) أي: فعلُ الفريقينِ منَ الصَّحابةِ (إِلَى تَخْصِيصِ العُمُومِ بِالقِيَاسِ وَعَدَمِهِ)، فمَن صَلَّى في الوقتِ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى بني قُرَيْظَةَ أَخَذَ بقولِه: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (٢) للتَّأكيدِ في سرعةِ المَسيرِ إليه لا في تأخيرِ الصَّلَاةِ عن وَقتِها، ومَن أخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلَ أَخَذَ بعمومِ قولِه ذلك. (وَالمُصِيبُ) في فِعلِه مِن الطَّائفتينِ: (المُصَلِّي فِي الوَقْتِ فِي قَوْلِ) الشَّيخِ، ولأنَّ المرادَ مِن ذلك التَّأهُّبُ وسرعةُ المَسيرِ، لا تأخيرُ الصَّلَاةِ. وقالَ ابنُ حَزمٍ: التَّمسُّكُ بالعُمومِ هنا أرجحُ، وأنَّ المُؤخِّرَ للصَّلاةِ حَتَّى وَصَلَ بني قُريظةَ هو المُصيبُ في فِعلِه، وكلا الطَّائفتينِ مُجتهدٌ، فلذلك لم يُعَنِّفْ واحدةً منهما.

стр. 527

(فَصْلٌ) (إِذَا وَرَدَ) مِنَ الشَّارِعِ لفظٌ (عَامٌّ، وَ) لفظٌ (خَاصٌّ) فتارةً يَكونانِ مُقتَرنَينِ، وتارةً لا يَكونانِ مُقتَرنينِ، فإنْ كانَا مُقتَرنينِ، مثلَ لو قال في كلامٍ مُتواصلٍ: زَكُّوا البقرَ ولا تُزَكُّوا العَواملَ، (قُدِّمَ الخَاصُّ) عندَ الأكثرِ، أَعني: عدمَ زكاةِ العَواملِ، وإنْ لم يَقتَرنا قُدِّمَ الخاصُّ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ الخاصُّ مُتَقَدِّمًا أو مُتَأَخِّرًا على الصَّحيحِ؛ لأنَّ في تقديمِ الخاصِّ عملًا بكليهما بخلافِ العكسِ، فكانَ أَوْلى، ووَجهُه قولُه تَعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) خَصَّ قولَه تَعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٢)، وأيضًا الخاصُّ قاطعٌ أو أشدُّ تصريحًا، وأقلُّ احتمالًا؛ ولأنَّه لا فرقَ لغةً بينَ تقديمِ الخاصِّ وتأخيرِه. (وَإِنْ كانَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أي: مِن اللَّفظينِ الواردينِ (عَامًّا مِنْ وَجْهٍ (٣)، خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ) آخَرَ (تَعَارَضَا) لعدمِ أولويَّةِ أحدِهما بالعملِ به دونَ الآخرِ، مثالُه: قولُه ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٤)، معَ قولِه ﵇: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» (٥)، فالأوَّلُ: عامٌّ في الرِّجالِ والنِّساءِ، خاصٌّ في المُرتدِّين، والثَّاني: خاصٌّ في النِّساءِ، عامٌّ في الحَربيَّاتِ والمُرتدَّاتِ، إذا عُلِمَ ذلك فالصَّحيحُ أنَّهما يَتعادلانِ. (وَطُلِبَ المُرَجِّحُ) مِن خارجٍ، وقد تَرَجَّحَ الأوَّلُ بقيامِ القَرينةِ على اختصاصِ الثَّاني بسببِه، وهو الحَربيَّاتُ.

стр. 528

(وَإِذَا وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا: لَمْ يُخَصِّصْهُ) عندَ الأربعةِ وغيرِهم، ومَعناه أنْ يَأْتيَ معنَى لفظٍ عامٍّ ويَأتيَ لفظٌ خاصٌّ هو بعضُ ذلك العامِّ، وداخلٌ فيه، كقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (١)، فالإحسانُ بلامِ التَّعريفِ عامٌّ في جميعِ أنواعِ الإنسانِ، فيَندرجُ فيه إيتاءُ ذي القُربى، فذِكْرُه بعدَه لَيْسَ تخصيصًا للأوَّلِ بإيتاءِ ذي القُربى لمُوافقتِه له، بل يَكُونُ اهتمامًا بهذا النَّوعِ، فإنَّ عادةَ العربِ أنَّها إذا اهتمَّتْ ببعضِ أنواعِ العامِّ خَصَّصَتْه بالذِّكرِ إبعادًا له عنِ المجازِ والتَّخصيصِ بذلك النَّوعِ، واستُدلَّ له بأنَّه لا تعارضَ بينَهما، فيُعمَلُ بهما، وليسَ من هذا البابِ قولُه تَعالى: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٢)؛ لأنَّ ﴿فَاكِهَةٌ﴾ مطلقٌ. (وَلَا تَخُصُّ عَادَةٌ) أي: فعليَّةٌ (عُمُومًا، وَلَا تُقَيِّدُ) العادةُ (مُطْلَقًا) عندَ الجمهورِ، نحوُ: «حُرِّمَتِ الرِّبا في الطَّعامِ»، وعادتُهم البُرُّ، ووجهُه: العُمومُ لغةً وعُرفًا، والأصلُ عدمُ مُخَصِّصٍ. قالَ المُعتَرضُ: المرادُ ظاهرٌ له عُرفًا؛ فيُخَصَّصُ به كالدَّابَّةِ. رُدَّ بما سَبَقَ، فلم يَتَخَصَّصِ الاسمُ، فلو تَخَصَّصَ كالدَّابَّةِ: اختصَّ، فهو تخصيصٌ بالنِّسبةِ إلى اللُّغةِ بعُرفٍ قَوليٍّ، والأوَّلُ بعُرفٍ فعليٍّ. ومنه مسألةُ: مَن حَلَفَ لا يَأكُلُ رأسًا وبيضًا وكذا لحمًا، هل يَحنَثُ بمُحَرَّمٍ غيرِ معتادٍ؟ على وجهينِ، والمعروفُ حنثُه. تنبيهٌ: المرادُ بالعادةِ الَّتي لا تُخَصِّصُ العُمومَ العادةُ الفعليَّةُ، كما سَبَقَتِ الإشارةُ إلى ذلك، وأمَّا القوليَّةُ فتُخَصِّصُ العُمومَ، كما إذا كانَتْ عادتُهم إطلاقَ

стр. 529

الطَّعامِ على المُقتاتِ خاصَّةً، ثمَّ وَرَدَ النَّهيُ عن بيعِ الطَّعامِ بجنسِه مُتَفاضلًا، فإنَّ النَّهيَ يَكُونُ خاصًّا بالمُقتاتِ؛ لأنَّ الحقيقةَ العُرفيَّةَ مُقَدَّمةٌ على اللُّغويَّةِ. (وَلَا يُخَصُّ عَامٌّ: (١) بِمَقْصُودِهِ) عندَ الجمهورِ لِما سَبَقَ، وقالَ صاحبُ «المحرَّر»: المُتبادرُ إلى الفهمِ مِن لَمسِ النِّساءِ: ما يُقصَدُ مِنهنَّ غالبًا منَ الشَّهوةِ، ثمَّ لو عَمَّتْ خُصَّتْ به، وخَصَّه حفيدُه أيضًا بالمقصودِ، وكذا قاله في آيةِ المواريثِ (١): مقصودُها بيانُ مقدارِ أنصباءِ المذكورينَ إذا كانوا ورثةً. وقولُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) قصدُه الفرقُ بينَه وبينَ الرِّبا، «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» (٣) قصدُه ما يَجِبُ فيه العشرُ ونِصفُه، فلا يُحتَجُّ بعمومِ ذلك، قاله ابنُ مُفْلِحٍ (٤). (٢) (وَلَا) يُخَصُّ عامٌ (بِرُجُوعِ ضَمِيرٍ إِلَى بَعْضِهِ) أي: بعضِ العامِّ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المَظهرَ عامٌّ، والأصلُ بقاؤُه، فلا يَلْزَمُ مِن تخصيصِ المُضمَرِ تخصيصُه، مثالُ ذلك: قولُه تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥) ثمَّ قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٦)؛ فإنَّ «المطلَّقات» يَعُمُّ البَوَائِنَ والرَّجعيَّاتِ، والضَّميرُ في قولِه تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدٌ إلى الرَّجعيَّاتِ فقطْ؛ لأنَّ البائنَ لا يَملِكُ الزَّوجُ رَدَّها، ولو وَرَدَ بعدَ العامِّ حُكْمٌ لا يَأْتي إلَّا في بعضِ أفرادِه كانَ حُكمُه كحُكْمِ المُضمَرِ.

стр. 530

(بَابٌ) لمَّا كانَ مَعنى المُطلَقِ والمُقيَّدِ قريبًا مِن مَعنى العامِّ والخاصِّ ذُكِرَ عَقِبَهما، بل جَعَلَه البَيْضَاوِيُّ (١) تَذنيبًا داخلًا في بابِ الخاصِّ والعامِّ أي: ذَنابةً وتَتِمَّةً له. و (المُطْلَقُ) مأخوذٌ مِن مادَّةٍ تَدُورُ على مَعنى الانفكاكِ مِنَ القَيدِ، فلذلك (٢) اختارَ هذا الحدَّ على غيرِه، فقالَ: هو (مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا) خَرَجَ: ألفاظُ الأعدادِ المُتناولةُ لأكثرَ مِن واحدٍ، وقولُه: (غَيْرَ مُعَيَّنٍ) خَرَجَ: المعارفُ؛ كزيدٍ ونحوِه، وقولُه: (بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لِجِنْسِهِ) خَرَجَ: المُشتَركُ والواجبُ المُخيَّرُ، فإنَّ كلًّا مِنهما يَتناوَلُ واحدًا لا بعَينِه لا باعتبارِ حقائقَ مختلفةٍ، وذلك مثلُ قولهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) فلفظُ الرَّقبةِ قد يَتناوَلُ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ مِن جنسِ الرِّقابِ. (وَالمُقَيَّدُ: مَا تَنَاوَلَ مُعَيَّنًا) كزيدٍ (أَوْ) تَناوَلَ (مَوْصُوفًا بِـ) ـوصفٍ (زَائِدٍ عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِهِ) نحوُ: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٤)، وتَتَفاوَتُ مراتبُه في تقييدِه باعتبارِ قِلَّةِ القيودِ وكَثرَتِها، فما كَثُرَتْ فيه قيودُه كقولِه تَعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٥) الآيةَ، أعلى رتبةً ممَّا قيودُه أقلُّ.
следующие страницы →