← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومَعنى هذا الكلامِ: أنْ يَكُونَ مَعنى اللَّفظِ مُحتملًا (١) لشيئينِ هو ظاهرٌ في أحدِهما ومرجوحٌ في الآخرِ، لكنْ هو موافقٌ للقياسِ، فينصرفُ عنِ الظَّاهرِ إلى الاحتمالِ المرجوحِ لأجلِ موافقةِ القياسِ على الأرجحِ. (وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا: ظَنِّيَّةٌ) لا قطعيَّةٌ؛ لأنَّ أدلَّتَها ظنِّيَّةٌ، فتَكُونُ مِن بابِ الظُّنونِ. (وَفِعْلُ الفَرِيقَيْنِ) منَ الصَّحابةِ ﵃ (إِذْ قَالَ) لهُم النَّبِيُّ ﷺ لمَّا فَرَغَ منَ الأحزابِ، وأَمَرَه جبْريلُ ﵇ بالمَسيرِ إلى بني قُرَيْظَةَ: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)، ثمَّ ذُكِرَ له ﷺ أنَّ طائفةً صَلَّتْ في الطَّريقِ في الوقتِ، وطائفةً صَلَّتْ في بني قُرَيْظَةَ بعدَ الوقتِ، فلم يَعِبْ واحدةً منهما (يَرْجِعُ) أي: فعلُ الفريقينِ منَ الصَّحابةِ (إِلَى تَخْصِيصِ العُمُومِ بِالقِيَاسِ وَعَدَمِهِ)، فمَن صَلَّى في الوقتِ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى بني قُرَيْظَةَ أَخَذَ بقولِه: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (٢) للتَّأكيدِ في سرعةِ المَسيرِ إليه لا في تأخيرِ الصَّلَاةِ عن وَقتِها، ومَن أخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلَ أَخَذَ بعمومِ قولِه ذلك. (وَالمُصِيبُ) في فِعلِه مِن الطَّائفتينِ: (المُصَلِّي فِي الوَقْتِ فِي قَوْلِ) الشَّيخِ، ولأنَّ المرادَ مِن ذلك التَّأهُّبُ وسرعةُ المَسيرِ، لا تأخيرُ الصَّلَاةِ. وقالَ ابنُ حَزمٍ: التَّمسُّكُ بالعُمومِ هنا أرجحُ، وأنَّ المُؤخِّرَ للصَّلاةِ حَتَّى وَصَلَ بني قُريظةَ هو المُصيبُ في فِعلِه، وكلا الطَّائفتينِ مُجتهدٌ، فلذلك لم يُعَنِّفْ واحدةً منهما.

стр. 527

(فَصْلٌ) (إِذَا وَرَدَ) مِنَ الشَّارِعِ لفظٌ (عَامٌّ، وَ) لفظٌ (خَاصٌّ) فتارةً يَكونانِ مُقتَرنَينِ، وتارةً لا يَكونانِ مُقتَرنينِ، فإنْ كانَا مُقتَرنينِ، مثلَ لو قال في كلامٍ مُتواصلٍ: زَكُّوا البقرَ ولا تُزَكُّوا العَواملَ، (قُدِّمَ الخَاصُّ) عندَ الأكثرِ، أَعني: عدمَ زكاةِ العَواملِ، وإنْ لم يَقتَرنا قُدِّمَ الخاصُّ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ كانَ الخاصُّ مُتَقَدِّمًا أو مُتَأَخِّرًا على الصَّحيحِ؛ لأنَّ في تقديمِ الخاصِّ عملًا بكليهما بخلافِ العكسِ، فكانَ أَوْلى، ووَجهُه قولُه تَعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١) خَصَّ قولَه تَعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ (٢)، وأيضًا الخاصُّ قاطعٌ أو أشدُّ تصريحًا، وأقلُّ احتمالًا؛ ولأنَّه لا فرقَ لغةً بينَ تقديمِ الخاصِّ وتأخيرِه. (وَإِنْ كانَ كُلٌّ مِنْهُمَا) أي: مِن اللَّفظينِ الواردينِ (عَامًّا مِنْ وَجْهٍ (٣)، خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ) آخَرَ (تَعَارَضَا) لعدمِ أولويَّةِ أحدِهما بالعملِ به دونَ الآخرِ، مثالُه: قولُه ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٤)، معَ قولِه ﵇: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» (٥)، فالأوَّلُ: عامٌّ في الرِّجالِ والنِّساءِ، خاصٌّ في المُرتدِّين، والثَّاني: خاصٌّ في النِّساءِ، عامٌّ في الحَربيَّاتِ والمُرتدَّاتِ، إذا عُلِمَ ذلك فالصَّحيحُ أنَّهما يَتعادلانِ. (وَطُلِبَ المُرَجِّحُ) مِن خارجٍ، وقد تَرَجَّحَ الأوَّلُ بقيامِ القَرينةِ على اختصاصِ الثَّاني بسببِه، وهو الحَربيَّاتُ.

стр. 528

(وَإِذَا وَافَقَ خَاصٌّ عَامًّا: لَمْ يُخَصِّصْهُ) عندَ الأربعةِ وغيرِهم، ومَعناه أنْ يَأْتيَ معنَى لفظٍ عامٍّ ويَأتيَ لفظٌ خاصٌّ هو بعضُ ذلك العامِّ، وداخلٌ فيه، كقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (١)، فالإحسانُ بلامِ التَّعريفِ عامٌّ في جميعِ أنواعِ الإنسانِ، فيَندرجُ فيه إيتاءُ ذي القُربى، فذِكْرُه بعدَه لَيْسَ تخصيصًا للأوَّلِ بإيتاءِ ذي القُربى لمُوافقتِه له، بل يَكُونُ اهتمامًا بهذا النَّوعِ، فإنَّ عادةَ العربِ أنَّها إذا اهتمَّتْ ببعضِ أنواعِ العامِّ خَصَّصَتْه بالذِّكرِ إبعادًا له عنِ المجازِ والتَّخصيصِ بذلك النَّوعِ، واستُدلَّ له بأنَّه لا تعارضَ بينَهما، فيُعمَلُ بهما، وليسَ من هذا البابِ قولُه تَعالى: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٢)؛ لأنَّ ﴿فَاكِهَةٌ﴾ مطلقٌ. (وَلَا تَخُصُّ عَادَةٌ) أي: فعليَّةٌ (عُمُومًا، وَلَا تُقَيِّدُ) العادةُ (مُطْلَقًا) عندَ الجمهورِ، نحوُ: «حُرِّمَتِ الرِّبا في الطَّعامِ»، وعادتُهم البُرُّ، ووجهُه: العُمومُ لغةً وعُرفًا، والأصلُ عدمُ مُخَصِّصٍ. قالَ المُعتَرضُ: المرادُ ظاهرٌ له عُرفًا؛ فيُخَصَّصُ به كالدَّابَّةِ. رُدَّ بما سَبَقَ، فلم يَتَخَصَّصِ الاسمُ، فلو تَخَصَّصَ كالدَّابَّةِ: اختصَّ، فهو تخصيصٌ بالنِّسبةِ إلى اللُّغةِ بعُرفٍ قَوليٍّ، والأوَّلُ بعُرفٍ فعليٍّ. ومنه مسألةُ: مَن حَلَفَ لا يَأكُلُ رأسًا وبيضًا وكذا لحمًا، هل يَحنَثُ بمُحَرَّمٍ غيرِ معتادٍ؟ على وجهينِ، والمعروفُ حنثُه. تنبيهٌ: المرادُ بالعادةِ الَّتي لا تُخَصِّصُ العُمومَ العادةُ الفعليَّةُ، كما سَبَقَتِ الإشارةُ إلى ذلك، وأمَّا القوليَّةُ فتُخَصِّصُ العُمومَ، كما إذا كانَتْ عادتُهم إطلاقَ

стр. 529

الطَّعامِ على المُقتاتِ خاصَّةً، ثمَّ وَرَدَ النَّهيُ عن بيعِ الطَّعامِ بجنسِه مُتَفاضلًا، فإنَّ النَّهيَ يَكُونُ خاصًّا بالمُقتاتِ؛ لأنَّ الحقيقةَ العُرفيَّةَ مُقَدَّمةٌ على اللُّغويَّةِ. (وَلَا يُخَصُّ عَامٌّ: (١) بِمَقْصُودِهِ) عندَ الجمهورِ لِما سَبَقَ، وقالَ صاحبُ «المحرَّر»: المُتبادرُ إلى الفهمِ مِن لَمسِ النِّساءِ: ما يُقصَدُ مِنهنَّ غالبًا منَ الشَّهوةِ، ثمَّ لو عَمَّتْ خُصَّتْ به، وخَصَّه حفيدُه أيضًا بالمقصودِ، وكذا قاله في آيةِ المواريثِ (١): مقصودُها بيانُ مقدارِ أنصباءِ المذكورينَ إذا كانوا ورثةً. وقولُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) قصدُه الفرقُ بينَه وبينَ الرِّبا، «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» (٣) قصدُه ما يَجِبُ فيه العشرُ ونِصفُه، فلا يُحتَجُّ بعمومِ ذلك، قاله ابنُ مُفْلِحٍ (٤). (٢) (وَلَا) يُخَصُّ عامٌ (بِرُجُوعِ ضَمِيرٍ إِلَى بَعْضِهِ) أي: بعضِ العامِّ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ المَظهرَ عامٌّ، والأصلُ بقاؤُه، فلا يَلْزَمُ مِن تخصيصِ المُضمَرِ تخصيصُه، مثالُ ذلك: قولُه تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥) ثمَّ قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٦)؛ فإنَّ «المطلَّقات» يَعُمُّ البَوَائِنَ والرَّجعيَّاتِ، والضَّميرُ في قولِه تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ عائدٌ إلى الرَّجعيَّاتِ فقطْ؛ لأنَّ البائنَ لا يَملِكُ الزَّوجُ رَدَّها، ولو وَرَدَ بعدَ العامِّ حُكْمٌ لا يَأْتي إلَّا في بعضِ أفرادِه كانَ حُكمُه كحُكْمِ المُضمَرِ.

стр. 530

(بَابٌ) لمَّا كانَ مَعنى المُطلَقِ والمُقيَّدِ قريبًا مِن مَعنى العامِّ والخاصِّ ذُكِرَ عَقِبَهما، بل جَعَلَه البَيْضَاوِيُّ (١) تَذنيبًا داخلًا في بابِ الخاصِّ والعامِّ أي: ذَنابةً وتَتِمَّةً له. و (المُطْلَقُ) مأخوذٌ مِن مادَّةٍ تَدُورُ على مَعنى الانفكاكِ مِنَ القَيدِ، فلذلك (٢) اختارَ هذا الحدَّ على غيرِه، فقالَ: هو (مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا) خَرَجَ: ألفاظُ الأعدادِ المُتناولةُ لأكثرَ مِن واحدٍ، وقولُه: (غَيْرَ مُعَيَّنٍ) خَرَجَ: المعارفُ؛ كزيدٍ ونحوِه، وقولُه: (بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لِجِنْسِهِ) خَرَجَ: المُشتَركُ والواجبُ المُخيَّرُ، فإنَّ كلًّا مِنهما يَتناوَلُ واحدًا لا بعَينِه لا باعتبارِ حقائقَ مختلفةٍ، وذلك مثلُ قولهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣) فلفظُ الرَّقبةِ قد يَتناوَلُ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ مِن جنسِ الرِّقابِ. (وَالمُقَيَّدُ: مَا تَنَاوَلَ مُعَيَّنًا) كزيدٍ (أَوْ) تَناوَلَ (مَوْصُوفًا بِـ) ـوصفٍ (زَائِدٍ عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِهِ) نحوُ: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٤)، وتَتَفاوَتُ مراتبُه في تقييدِه باعتبارِ قِلَّةِ القيودِ وكَثرَتِها، فما كَثُرَتْ فيه قيودُه كقولِه تَعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٥) الآيةَ، أعلى رتبةً ممَّا قيودُه أقلُّ.

стр. 531

تنبيهٌ: الإطلاقُ والتَّقييدُ يَكُونانِ: تارةً في الأمرِ، كـ: «أعتقْ رقبةً»، و «أعتقْ رقبةً مُؤمنةً»، وتارةً في الخبَرِ، كـ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ (١)» (٢)، و «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِىٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ (٣)» (٤). (وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ) أي: الإطلاقُ والتَّقييدُ (فِي لَفْظٍ) واحدٍ اعتبارًا (بِالجِهَتَيْنِ) بأنْ يَكُونَ اللَّفظُ مُقَيَّدًا من وجهٍ مُطلقًا من آخَرَ، كـ «رقبةٍ مؤمنةٍ»، قُيِّدَتِ الرَّقبةُ مِن حيثُ الدِّينُ، فتَتَعَيَّنُ المؤمنةُ للكفَّارةِ، وأُطلِقَتْ مِن حيثُ ما سواه مِن الأوصافِ، كالصِّحَّةِ وضِدِّها، فالآيةُ مُطلقةٌ في كلِّ رقبةٍ مؤمنةٍ وفي كلِّ كفَّارةٍ مُجْزِيَةٍ، ومُقَيَّدَةٌ بالنِّسبةِ إلى مُطلَقِ الرِّقابِ ومُطلَقِ الكفَّاراتِ، وذلك إِنَّمَا يَكُونُ باعتباريٍّ لا حقيقيٍّ؛ لأنَّ الإطلاقَ والتَّقييدَ مِن عوارضِ الألفاظِ، باعتبارِ مَعانِيها اصطلاحًا، وإنْ أُطلِقَ على المعاني عُرفًا، فلا مُشاحَّةَ في الاصطلاحِ. قالَ الطُّوفِيُّ (٥): هما في الألفاظِ مُستعارَانِ منهما في الأشخاصِ، يُقالُ: رجلٌ أو حيوانٌ مُطلَقٌ إذا خلا عن قيدٍ أو عِقالٍ، ومُقَيَّدٌ إنْ كانَ في رِجلِه قيدٌ أو عِقالٌ أو شِكالٌ ونحوُه مِن موانعِ الحيوانِ مِن الحركةِ الطَّبيعيَّةِ (٦) الاختياريَّةِ.

стр. 532

فإذا قُلْنا: «أعتقْ رقبةً»، فهذه الرَّقبةُ شائعةٌ في جِنسِها شيوعَ الحيوانِ المطلَقِ بحَرَكَتِه (١) الاختياريَّةِ بينَ جنسِه. وإذا قُلْنا: «أعتقْ رقبةً مؤمنةً»، كانَتْ هذه الصِّفَةُ لها كالقَيدِ المميِّزِ للحيوانِ المقيَّدِ مِن بينِ أفرادِ جِنسِه، ومانعةً لها من الشُّيُوعِ كالقيدِ المانعِ للحيوانِ مِن الشُّيُوعِ بالحركةِ في جِنسِه، وهما أمرانِ نِسبيَّانِ باعتبارِ الطَّرفينِ، فمُطلقٌ لا مُطلَقَ بعدَه؛ كمعلومٍ، ومُقيَّدٌ لا مُقَيَّدَ بعدَه؛ كزيدٍ، وبينَهما وسائطُ تَكُونُ مِن المقيَّدِ باعتبارِ ما قَبْلُ، ومن المطلقِ باعتبارِ ما بعدُ؛ كجسمٍ، وحيوانٍ، وإنسانٍ. (وَهُمَا) أي: المُطلَقُ والمُقَيَّدُ (كَعَامٍّ وَخَاصٍّ) فما ذُكِرَ مِن تخصيصِ العمومِ: مِن مُتَّفَقٍ عليه، ومُختلَفٍ فيه، ومختارٍ جارٍ في تقييدِ المطلقِ؛ فيَجُوزُ تقييدُ الكتابِ بالكتابِ وبالسُّنَّةِ، والسُّنَّةِ بالسُّنَّةِ وبالكتابِ، وتقييدُهما بالقياسِ والمفهومينِ ونحوِهما، على الأصحِّ في الجميعِ. (لَكِنْ) لا يُقالُ: كانَ يَنبغي إذا كانَ المُطلقُ والمقيَّدُ كالعامِّ والخاصِّ ألَّا يُفرَدَا بالذِّكْرِ؛ لأنَّا نَقولُ: تَحصُلُ المخالفةُ بينَهما مِن وجوهٍ، وهي أنَّ لنا هنا مَن يَرى ويَقولُ: «يُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّدِ»، ولا قائلَ هنا بحملِ الخاصِّ على العامِّ، وأيضًا فالحملُ هناك للعامِّ على غيرِ المُخرَجِ بالتَّخصيصِ، وهنا بالعكسِ، فالحملُ هنا للمُطلقِ على نفسِ المقيَّدِ، وأيضًا فمِن أقسامِ وُرودِ المُطلقِ والمُقيَّدِ ما قد يَكُونُ فيه تخصيصٌ، وما يَكُونُ حملًا لا تخصيصًا، وأيضًا فالحملُ هنا بطريقِ القياسِ على رأيٍ، وغيرُ ذلك مِن الأحكامِ الآتي بيانُها، فاحتيجَ إلى الإفرادِ بالذِّكرِ. إذا عَلِمْتَ ذلك، فنَقولُ: إذا وَرَدَ مُطلقٌ فقطْ أو مُقَيَّدٌ فقطْ، فحُكمُه

стр. 533

واضحٌ، أو مُطلقٌ في مَوْضِعٍ ومُقَيَّدٌ في آخَرَ، فقَصْرُ المُقيَّدِ على قيدِه يَطرُقُه الخلافُ الَّذِي في المفاهيمِ. وأمَّا تقييدُ المُطلَقِ بقيدِ المُقيَّدِ فهو المرادُ هنا، لكنْ قال بعضُ العلماءِ: بشرطِ أنْ يَكُونَ المُقيَّدُ مَعمولًا به، نحوُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١) الآيةَ، والمرضُ والسَّفرُ شرطٌ في إباحةِ التَّيمُّمِ، فأمَّا إذا لم يَكُنْ معمولًا به؛ فلا يُحمَلُ عليه المُطلَقُ قطعًا، كقولِه تَعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (٢) فلَيْسَ الخوفُ شرطًا في القصرِ، وإهمالُ الأُصُولِيِّينَ هذا بالشَّرطِ إِنَّمَا هو لوضوحِه. إذا عُلِمَ ذلك، ف للمُطلَقِ والمُقيَّدِ أحوالٌ: الحالةُ الأُولى: (إِنْ وَرَدَا وَاخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا: فَلَا حَمْلَ) اتِّفاقًا؛ لأنَّ القياسَ شرطُه اتِّحادُ الحُكمِ (مُطْلَقًا) أي: سواءٌ اتَّفَقَ السَّببُ أو اختلفَ، مثالُ الأوَّلِ: التَّتابُعُ في صيامِ كفَّارةِ اليمينِ في قراءةِ ابنِ مسعودٍ، وإطلاقُ الإطعامِ فيها. ومثالُ الثَّاني: الأمرُ بالتَّتابُعِ في كفَّارةِ اليمينِ وإطلاقُ الإطعامِ في كفَّارةِ الظِّهارِ، ولهذا عن أحمدَ روايةٌ: لا يَحرُمُ وطءُ مَن ظاهَرَ منها قبلَ تكفيرِه بالإطعامِ، والصَّحيحُ: يَحرُمُ، وقاسوه على العتقِ والصَّومِ. (٢) (وَإِلَّا) بأنْ لم يَختلِفْ حُكْمُ المُطلَقِ والمُقيَّدِ، فتارةً يَتَّحِدُ سببُهما، وتارةً لا يَتَّحِدُ، (فَإِنِ اتَّحَدَ سَبَبُهُمَا) فتارةً يَكونانِ مُثبتَينِ، وتارةً يَكُونانِ نَهيَينِ، وتارةً يَكونُ أحدُهما أمرًا والآخَرُ نهيًا، فإن لم يَختلِفِ الحُكْمُ واتَّحَدَ

стр. 534

السَّببُ (وَكَانَا مُثْبَتَيْنِ) أو في مَعنى المثبَتِ كالأمرِ، (كَـ) قولِه: («أَعْتِقْ فِي الظِّهَارِ رَقَبَةً»، ثُمَّ قال: «أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً»؛ حُمِلَ) منهما (مُطْلَقٌ وَلَوْ) كانَ (تَوَاتُرًا، عَلَى مُقَيَّدٍ وَلَوْ) كانَ (آحَادًا) عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم؛ لأنَّه عَمَلٌ بالصَّريحِ واليقينِ معَ الجمعِ بينَهما، وقِيلَ للقاضي أبي يَعلى في التَّحالُفِ لاختلافِ المتبايِعَينِ المرادُ: والسِّلعةُ قائمةٌ، لقولِه: والسِّلعةُ قائمةٌ، فقالَ: «لا يُحمَلُ على وجهٍ لنا». انتهى. وإنْ سَلَّمْنا على روايةٍ، فإذا لم يُمكِنِ التَّأويلُ. (وَ) لفظٌ (مُقَيَّدٌ وَلَوْ) وَرَدَ (مُتَأَخِّرًا) عنِ المُطلقِ فهو: (بَيَانٌ لِلْمُطْلَقِ) على الأصحِّ كتخصيصِ العامِّ، فتَلَخَّصَ منَ المسألةِ أنَّ المُطلقَ يُحمَلُ على المُقيَّدِ على الصَّحيحِ، وإذا قُلْنا يُحمَلُ فهو بيانٌ للمُطلقِ لا نسخٌ، ولو تَأَخَّرَ المُقيَّدُ عنه على الصَّحيحِ. (وَإِنْ) لم يختلفْ حُكمُ المُطلَقِ والمُقيَّدِ، و (كَانَا نَهْيَيْنِ) نحوُ: لا تَعتِقْ مُكاتبًا، لا تَعتِقْ مكاتبًا كافرًا: (قُيِّدَ) اللَّفظُ (المُطْلَقُ بِمَفْهُومِ) اللَّفظِ (المُقَيَّدِ) فالقائلُ أنَّ المفهومَ حُجَّةٌ يُقَيِّدُ قولَه: «لا تَعتِقْ مُكاتبًا» بمفهومِ قولِه: «لا تَعتِقْ مكاتبًا كافرًا»، فيَجُوزُ إعتاقُ المُكاتبِ المسلمِ. ومَن لا يَقُولُ بالمفهومِ يَعمَلُ بالإطلاقِ ويَمنَعُ إعتاقَ المُكاتبِ مطلقًا، والصَّحيحُ هو الأوَّلُ. (وَكَنَهْيٍ: - نَفْيٌ) نحوُ: «لِا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (١)، «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ» (٢)، فالمُقيَّدُ دَلَّ بالمفهومِ على الصَّحيحِ كالَّتي قَبْلَها.

стр. 535

- (وَ) كنهيٍ أيضًا (إِبَاحَةٌ، وَكَرَاهَةٌ، وَفِي نَدْبٍ نَظَرٌ)، وإنْ كانَ المُطلَقُ والمُقيَّدُ خَبَريْنِ عن حُكمٍ شرعيٍّ؛ فيُنظَرُ في ذلك الحُكْمِ، قاله الشَّيخُ (١). (وَإِنْ كَانَا) أي: المُطلقُ والمُقيَّدُ، أي: كانَ أحدُهما (أَمْرًا، وَ) الآخَرُ (نَهْيًا: فَالمُطْلَقُ) مِنهما (مُقَيَّدٌ بِضِدِّ الصِّفَةِ) فأحدُهما في مَعنى النَّفيِ والآخرُ في مَعنى الإثباتِ، مثلُ: «إنْ ظَاهَرْتَ فأعتقْ رقبةً»، وتَقولُ: «لا تَمْلِكْ رقبةً كافرةً»، فلا بدَّ مِنَ التَّقييدِ بنفيِ الكفرِ؛ لاستحالةِ إعتاقِ الرَّقبةِ الكافرةِ، فالحملُ في ذلك ضروريٌّ لا من حيثُ إنَّ المُطلَقَ حُمِلَ على المُقيَّدِ. (وَإِنِ) اتَّحَدَ حُكْمُ المُطلَقِ والمُقيَّدِ و (اخْتَلَفَ سَبَبُهُمَا) كإعتاقِ الرَّقبةِ في القتلِ وفي الظِّهارِ واليمينِ، أمَّا في الظِّهارِ فإنَّها وَرَدَتْ فيه مطلقةً في قولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢)، وقالَ في اليمينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٣)، وأمَّا في القتلِ فإنَّها وَرَدَتْ فيه مُقَيَّدَةً بالإيمانِ في قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٤) حُمِلَ المُطلقُ على المُقيَّدِ قياسًا بجامعٍ بينَهما على الصَّحيحِ، كتخصيصِ العُمومِ بالقياسِ، ولا يُحمَلُ عليه لغةً عندَ (٥) أحمدَ وغيرِه على الأرجحِ. (أَوِ) اخْتَلَفَ (سَبَبُ مُقَيَّدَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَمُطْلَقٌ) يَعني: إذا وَرَدَ مَعَنا مُقيَّدَانِ مُتَنافِيانِ ومُطلقٌ، فلا يَخلو: إمَّا أن يَختلِفَ السَّببُ، أو يَتَّفِقَ، فإنِ اختلفَ السَّببُ لكنَّ جنسَ الجميعِ واحدٌ، كتتابُعِ صومِ الظِّهارِ، فإنَّ النَّصَّ قد وَرَدَ

стр. 536

بتتابُعِه، لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (١)، وتفريقِ صومِ المُتعةِ، فإِنَّه وَرَدَ (٢) النَّصُّ بتفريقِه؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٣)، ووَرَدَ قضاءُ رمضانَ مطلقًا لم يَرِدْ به تتابُعٌ ولا تفريقٌ، قال تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤)، فأَطلَقَ القضاءَ، فعلى القولِ بعدمِ التَّتابُعِ هو دائرٌ بينَ قيدينِ: التَّتابُعُ في صومِ الظِّهارِ، والتَّفريقُ في صومِ التَّمتُّعِ في الحجِّ، وليسَ أحدُهما أَوْلَى مِن الآخَرِ، ولكنَّ الأشبهَ به (٥) أرجحُ في الحملِ، فلذلك (حُمِلَ المُطْلَقُ) على أشبهِ المُقَيَّدَينِ به وهو عدمُ التَّتابُعِ في القضاءِ (قِيَاسًا بِجَامِعٍ) بينَ المُطلقِ وأحدِ المُقيَّدَينِ في الأصحِّ. قال المجدُ: وأمَّا إلحاقُه بأحدِهما قياسًا إذا وُجِدَتْ علَّةٌ تَقتضي الإلحاقَ فإِنَّه على الخلافِ المذكورِ (٦). تنبيهٌ: قال في «القواعد الأصوليَّة»: إذا كانَ مَعَنا نَصَّانِ مُقَيَّدان في جنسٍ واحدٍ، والسَّببُ مُختلِفٌ، وهناك نصٌّ ثالثٌ مُطلَقٌ من الجنسِ؛ فلا خلافَ أنَّه لا يُلحَقُ بواحدٍ مِنهما لغةً (٧). انتهى. إذْ لا مدخلَ للُّغةِ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ. (وَإِلَّا) بأنِ اتَّحَدَ الحُكمُ واختلفَ السَّببُ، فإنْ كانَ حَمْلُ المُطلقِ على أحدِ المقيدينِ أرجحَ مِن الآخرِ بأنْ كانَ القياسُ فيه أظهرَ: قُيِّدَ به؛ لأنَّ العملَ بالقياسِ الجَليِّ أَوْلى.

стр. 537

فإنْ (تَسَاوَيَا) أي: القيدانِ (١) فلم يُمكِنْ حملُ المُطلَقِ على أحدِهما قياسًا بجامعِ عملٍ بالمُطلقِ (وَسَقَطَا) كالبَيِّنَتَينِ إذا تَعارَضَتَا؛ فإنَّ الأرجحَ فيهما التَّساقُطُ وكانَ كمَن لا بيِّنةَ هناك. مثالُه: قولُه ﷺ : «إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» (٢)، ووَرَدَ في روايةٍ: «إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٣)، وفي روايةٍ: «أُولَاهُنَّ» (٤)، وفي أُخرى: «السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ» رَوَاها أبو داودَ (٥)، وهي معنى: «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» (٦)، قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ ثامنةً؛ لأجلِ استعمالِ التُّرابِ معَها، فلَمَّا كانَ القَيدانِ -أعني: أولاهنَّ، والسَّابعةَ- مُتَنافِيَينِ تَسَاقَطَا ورَجَعْنا إلى الإطلاقِ في إحداهنَّ، ففي أيِّ غسلةٍ جُعِلَ: جازَ، إذا أَتَى عليه مِن الماءِ ما يُزيلُه ليَحصُلَ المقصودُ منه. (وَأَصْلٌ كَوَصْفٍ فِي حَمْلٍ) قال في «شرح الأصل» (٧): حملُ المُطلقِ على المُقيَّدِ بالنِّسبةِ إلى الوصفِ مُتَّفَقٌ عليه، كوصفِ الرَّقبةِ في القتلِ ونَحوِه بالإيمانِ، وأمَّا بالنِّسبةِ إلى الأصلِ -أي: المحذوفِ بالكُلِّيَّةِ كالإطعامِ- فإِنَّه مذكورٌ في كفَّارةِ الظِّهارِ دونَ كفَّارةِ القتلِ. قالَ في «القواعد الأصوليَّة»: فظاهرُ كلامِ أصحابِنا يُحمَلُ المُطلقُ على المُقيَّدِ في الأصلِ، كما حُمِلَ عليه في الوصفِ؛ لأنَّهم حَكَوْا في كفَّارةِ القتلِ

стр. 538

في وجوبِ الإطعامِ روايتينِ: الوجوبُ إلحاقًا (١) بكفَّارةِ الظِّهارِ، كما حَكَوْا روايتينِ في اشتِراطِ وصفِ الإيمانِ في كفَّارةِ الظِّهارِ، والاشتِراطُ إلحاقًا (٢) بكفَّارة القتلِ (٣). قُلْتُ: هذا مبنيٌّ على الرِّوايةِ الثَّانيةِ عن أحمدَ أنَّه يَجِبُ الإطعامُ في كفَّارةِ القتلِ، واختارَها كثيرٌ مِن الأصحابِ. والصَّحيحُ: لا يَجِبُ، ولنا روايةٌ ضعيفةٌ بإجزاءِ الرَّقَبَةِ الكافرةِ في الظِّهارِ، والوطءِ في رمضانَ، وفي اليمينِ، والصَّحيحُ اشتِراطُ الإيمانِ في الكلِّ، وهذه هي المسألةُ المُتقدِّمةُ، وهما ما إذا اتَّحَدَ الحُكمُ واختلفَ السَّببُ، فقياسُ صاحبِ «القواعدِ» المسألةَ الأُولى على هذه فيه نظرٌ، بلِ الحُكمُ مُختلَفٌ فيهما على الصَّحيحِ. (وَمَحَلُّ حَمْلِ) المُطلقِ على المُقيَّدِ (إِذَا لَمْ يَسْتَلْزِمِ) الحملُ (تَأْخِيرَ بَيَانٍ عَنْ وَقْتِ حَاجَةٍ، فَإِنِ اسْتَلْزَمَهُ) أي: استلزمَ الحَملُ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ: حُمِلَ اللَّفظُ المُطلقُ على إطلاقِه في قولِ بعضِ أصحابِنا المُحقِّقينَ، وقَدَّمَه صاحبُ «الأصلِ». مثالُ ذلك: لَمَّا أَطلقَ النَّبِيُّ ﷺ لُبْسَ الخُفَّيْنِ بعَرفاتٍ (٤) وكانَ مَعَه الخلْقُ العظيمُ مِن أهلِ مَكَّةَ والبوادي واليمنِ مِمَّن لم يَشهَدْ خُطبتَه بالمدينةِ، فإِنَّه لا يُقَيَّدُ بما قاله في المدينةِ وهو قطعُ الخُفَّينِ (٥).

стр. 539

وقالَ بعضُ مُحقِّقي أصحابِنا أيضًا وغيرُهم: المُطلقُ مِن الأسماءِ يَتناولُ الكاملَ مِن المُسَمَّياتِ، يَعني: إذا استلزمَ الحملُ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ؛ (حُمِلَ المُسَمَّى فِي إِثْبَاتٍ) لا نفيٍ (عَلَى الكَامِلِ الصَّحِيحِ (١) منَ المُسَمَّياتِ (لَا عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي قَوْلِ) بعضِ مُحَقِّقي أصحابِنا وغيرِهم، كالماءِ والرَّقبةِ وعقدِ النِّكاحِ الخالي عن (٢) وطءٍ يَدخُلُ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾ (٣) لا حَتَّى تُنكحَ، ولو حَلَفَ لا يَتزوَّجُ: حَنِثَ بمُجرَّدِ العقدِ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ، ولو حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ: لم يَحنَثْ بمُجَرَّدِه عندَ أحمدَ ومالكٍ، وكذا قال بعضُ أصحابِنا: الواجباتُ المُطلقةُ تَقتضي السَّلامةَ مِن العَيبِ في عُرف الشَّارِعِ بدليلِ الإطعامِ في الكَفَّارةِ والزَّكاةِ، (وَالمُطْلَقُ: ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى المَاهِيَّةِ) فهو (كَالعَامِّ) وهو يُشْبِهُه لاستِرسالِه على كلِّ فردٍ، وأَطلَقُوا عليه العُمومَ، (لَكِنَّـ) ـهُ (عَلَى سَبِيلِ البَدَلِ) ولهذا قِيلَ: عامٌّ عمومَ بدلٍ، وقِيلَ للقاضي وقد احتجَّ على القضاءِ في المسجدِ بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) لا يَدُلُّ على المكانِ، فقال: هو أمرٌ بالحُكمِ في عمومِ الأمكنةِ والأزمنةِ، إلَّا ما خَصَّه الدَّليلُ، وعندَ الحَنفيَّة: المُطلقُ قطعيُّ الدَّلالةِ على الماهيَّةِ.

стр. 540

(بَابٌ) (المُجْمَلُ لُغَةً) مِن الجَمْلِ، ومنه قولُه ﷺ عنِ اليهودِ: «جَمَلُوهَا» (١) أي: خَلَطُوها، ومنه العَلمُ الإجماليُّ لاختلاطِ المعلومِ بالمجهولِ، وهنا سُمِّيَ مُجملًا؛ لاختلاطِ المُرادِ بغيرِه. ومِن معاني المُجملِ اللُّغويَّةِ (المَجْمُوعُ) مِن أَجْمَلْتُ الحسابَ جَمَعْتُه، وقِيلَ: (أَوِ المُبْهَمُ) من أَجْمَلَ الأمرَ أي: أبْهَمَه، (أَوِ المُحَصَّلُ) مِن أَجْمَلَ الشَّيءَ: حَصَّلَه. (وَ) المُجمَلُ (اصْطِلَاحًا) أي: عندَ علماءِ هذا الفنِّ: هو (مَا) أي: قولٌ أو فعلٌ (تَرَدَّدَ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَأَكْثَرَ)، احتُرزَ به عمَّا له مَحمَلٌ واحدٌ كالنَّصِّ، وقولُه: (عَلَى السَّوَاءِ) احتِرازٌ عنِ الظَّاهرِ وعنِ الحقيقةِ الَّتي لها مجازٌ، فإنَّ المُجملَ يَتناوَلُ القولَ والفعلَ والمُشتَركَ والمُتواطئَ. (وَحُكْمُهُ) أي: المُجملِ (التَّوَقُّفُ عَلَى البَيَانِ الخَارِجِيِّ) أي: لا يَجُوزُ العملُ بأحدِ مُتحمَّلَاتِه إلَّا بدليلٍ خارجٍ عن لفظِه؛ لعدمِ دَلالةِ لفظِه على المُرادِ به وامتناعِ التَّكليفِ بما لا دليلَ عليه. (وَهُوَ) أي: الإجمالُ (فِي الكِتَابِ) العَزِيزِ (وَالسُّنَّةِ) أي: كلامِ النَّبِيِّ ﷺ في الأصحِّ، والمُخالفُ في ذلك داودُ الظَّاهرِيُّ، والحُجَّةُ عليه مِن الكتابِ والسُّنَّةِ بما لا يُحصى ولا يُعَدّ، وإنكارُه مكابرةٌ. قال (٢):

стр. 541

الإجمالُ بدونِ البيانِ لا يُفِيدُ ومعَه تطويلٌ، ولا يَقَعُ في كلامِ البُلَغَاءِ، فضلًا عن اللهِ تَعَالَى ورسولِه سيِّدِ الأنبياءِ. والجوابُ: أنَّ الكلامَ إذا وَرَدَ مُجمَلًا، ثمَّ بُيِّنَ: أَوْقَعُ عندَ النَّفسِ مِن ذِكْرِه مُبَيَّنًا ابتداءً. (وَيَكُونُ) الإجمالُ (فِي: (١) حَرْفٍ) كالواوِ في قولِه تَعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ (١) يَحتملُ أن تَكُونَ عاطفةً، ويكونَ الرَّاسخونَ في العلمِ يَعلمون تأويلَه، ويَحتملُ أنْ تَكُونَ مُستأنفةً، فتَكُونُ للاستئنافِ ويَكُونُ الوقفُ على: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وقد تَرَجَّحَ أنَّها للاستئنافِ كما تَقَدَّمَ في أواخرِ الكلامِ على الكتابِ العزيزِ، وأمَّا «مِنْ» فتأتي في بعضِ الأماكنِ مُحتمِلةً لمَعانٍ، فتَكُونُ مجملةً، فإنَّها تَصلُحُ للتَّبعيضِ وابتداءِ الغايةِ والجنسِ، ونَحوِها. (٢) ويَكُونُ الإجمالُ أيضًا في (اسْمٍ) مفردٍ (٣) (وَمُرَكَّبٍ)، فالمُفردُ كالقُرءِ المُتَرَدِّدِ بينَ الحَيضِ والطُّهرِ، والمختارُ أصلُه «مُخْتَير» فإنْ فَتَحْتَ الياءَ كانَ اسمَ مفعولٍ، وإنْ كَسَرْتها كانَ اسمَ فاعلٍ، وعلى كِلا التَّقديرينِ الياءُ حرفُ علَّةٍ مُتحرِّكٌ، وما قَبْلَه مفتوحٌ، فيُقْلَبُ ألفًا، فلَمَّا قُلِبَتْ ألفًا حَصَلَ الإجمالُ لاحتمالِ أنْ يَكونَ اسمَ فاعلٍ واسمَ مفعولٍ، وكذا حُكمُ مُغْتَالٍ (٢) ونحوِه، فقِسْه على ذلك.

стр. 542

قال العَسْكَرِيُّ: ويَتَمَيَّزُ بحرفِ الجرِّ، تَقولُ: هذا مختارٌ لكذا في الفاعلِ، ومختارٌ مِن كذا في المفعولِ (١). والفرقُ بينَ هذا وبينَ القرءِ أنَّ الإجمالَ طرديٌّ على هذا باعتبارِ الإعلالِ والعملِ التَّصرُّفِيِّ، والقُرءُ مُجمَلٌ من حيثُ وضعُه، معَ أنَّ كلًّا مِنهما إجمالُه مِن حيثُ هو مفردٌ، وأمَّا المُرَكَّبُ فكثيرٌ، فمنه قولُه تَعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢) فيُحتمَلُ أنْ يَكُونَ الوليَّ؛ لأنَّه الَّذِي يَعقِدُ نكاحَ المرأةِ؛ لأنَّها لا تُزَوِّجُ نَفْسَها، ويُحتمَلُ أنْ يَكُونَ الزَّوجَ؛ لأنَّه الَّذِي بيدِه دوامُ العقدِ والعِصمةِ، فوَقَعَ الاختلافُ في بيانِه، والرَّاجحُ أنَّه الزَّوجُ. (٤) (وَ) يَكُونُ الإجمالُ أيضًا فِي (مَرْجِعِ ضَمِيرٍ) نحوُ الضَّميرِ في قولِه ﷺ في الصَّحيحين: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» (٣)، يُحتملُ عودُه إلى الغارزِ وهو أقربُ مذكورٍ؛ أي: لا يَمنَعُه جارُه أنْ يَفعَلَ ذلك في جدارِ نَفْسِه، وعلى هذا فلا دَلالةَ فيه على القولِ أنَّه إذا طَلَبَ جارُه منه أن يَضَعَ خشبةً على جدارِ المطلوبِ منه وَجَبَ عليه التَّمكُّنُ، ويُحتملُ أنْ يَعُودَ إلى الجارِ الآخَرِ، فيَكُونُ فيه دَلالةٌ على ذلك، والَّذي عليه الإمامُ أحمدُ أنَّ الضَّميرَ إِنَّمَا يَعُودُ إلى الجارِ لا إلى الغارزِ، وفي الحديثِ ما يَدُلُّ على ذلك لقولِ أبي هُرَيْرَةَ: ما لي أراكم عنها مُعرِضينَ! واللهِ لأَرْمِيَنَّ بها بينَ أَظهُرِكم (٤). ولو كانَ ذلك عائدًا إلى الغارزِ لَمَا قال ذلك.

стр. 543

(٥) (وَ) يَكُونُ الإجمالُ أيضًا في مرجعِ (صِفَةٍ) كقولِك: زيدٌ طبيبٌ ماهرٌ، فيحتملُ أنْ يَعُودَ «ماهرٌ» إلى ذاتِ زيدٍ [أي: زيدٌ ماهرٌ] (١)، ويحتملُ أنْ يَعُودَ إلى وصفِه المذكورِ يَعني طبيبًا ماهرًا في طِبِّه، ولا شكَّ أنَّ المعنى متفاوتٌ باعتبارِ الاحتمالينِ، وإنْ كانَ بينَهما فرقٌ، فإنْ أَعَدْنا «ماهرٌ» إلى «طبيب» فيَكُونُ ماهرًا في طِبِّه، وإنْ أعدْناه إلى زيدٍ؛ فتَكُونُ مهارتُه في غيرِ الطِّبِّ، وهو مِن المجملِ (٢) باعتبارِ التَّركيبِ. وقالَ الكُورَانِيُّ: إذِ المُستكنُّ في «ماهر» يُمكِنُ عَودُه إلى «زيدٌ» وإلى «طبيب»، فعلى ما اختارَه الشَّافعيُّ يَعودُ إلى «طبيبٌ»، فتَنحصرُ مهارةُ زيدٍ في الطِّبِّ (٣). (٦) (وَ) يَكُونُ الإجمالُ أيضًا في (تَعَدُّدِ مَجَازٍ عِنْدَ تَعَذُّرِ الحَقِيقَةِ) أي: إذا كانَتِ المجازاتُ مُتكافئةً، ولم يَتَّضِحْ أحدُها بقرنيةٍ، ولا بشهادةِ عُرفٍ، ومَنَعَ مانعٌ مِن الحملِ على الحقيقةِ: فيُقَدَّرُ الجميعُ؛ لأنَّه الأقربُ إلى الحقيقةِ؛ كقولِه ﷺ : «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ! حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا، فَأَكَلُوا ثَمَنَهَا» (٤)، فلو لم يَعُمَّ جميعَ التَّصرُّفاتِ لَمَا اتَّجَهَ اللَّعنُ في البيعِ، فيُضمر (٥) الجميعُ؛ لأنَّ الإضمارَ واقعٌ إجماعًا، وهو أكثرُ وقوعًا مِن الإجمالِ.

стр. 544

(٧) (وَ) يَكُونُ الإجمالُ أيضًا في (عَامٍّ خُصَّ بِمَجْهُولٍ) فإذا خُصَّ العامُّ بمجهولٍ صارَ الباقي مُحتمَلًا، فكانَ مُجمَلًا (١) كـ: اقتلوا المشركينَ إلَّا بَعضَهم. (وَ) في عامٍّ خُصَّ بـ (مُسْتَثْنًى وَصِفَةٍ مَجْهُولَيْنِ). مثالُ المُستثنَى المجهولِ: نحوُ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في قولِه تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (٢)؛ فإِنَّه قد استثنى مِن المعلومِ ما لم يُعلمْ، فصارَ الباقي محتملًا فكانَ مُجملًا. ومثالُ الصِّفَةِ المجهولةِ؛ نحوُ: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ موجبٌ للإجمالِ في قولِه تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣)، والإحصانُ غيرُ موجبٍ مُبينٍ؛ لأنَّه صفةٌ مجهولةٌ. (وَلَا إِجْمَالَ فِي: (١) إِضَافَةِ تَحْرِيمٍ إِلَى عَيْنٍ (٤) على الصَّحيحِ كـ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٥) و ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٦)، واستدلَّ له بأنَّ تحريمَ العينِ غيرُ مرادٍ؛ لأنَّ التَّحريمَ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بفعلِ المُكَلَّفِ، فإذا أُضِيفَ إلى عينٍ مِن الأعيانِ يُقَدَّرُ الفعلُ المقصودُ منه، ففي المأكولاتِ يُقَدَّرُ الأكلُ، وفي المشروباتِ الشُّربُ، وفي الملبوساتِ اللُّبسُ، وفي الموطوءاتِ الوَطءُ، فإذا أَطلَقَ أحدٌ هذه الألفاظَ سَبَقَ المعنى المرادُ إلى الفَهمِ مِن غيرِ تَوقُّفٍ، فتلك الدَّلالةُ مُتَّضحةٌ لا إجمالَ فيها.

стр. 545

(وَهُوَ) أي: التَّحريمُ المضافُ إلى العينِ (عَامٌّ) فنحوُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١)، ونحوُه مِن الأمثلةِ إنْ دَلَّ دليلٌ على تقديرِ شيءٍ مِن المحتملاتِ بعينِه: فذاك، سواءٌ كانَ المقدَّرُ عامًّا في أمورٍ كثيرةٍ أو خاصًّا بفردٍ، وإن لم يَدُلَّ دليلٌ على تعيينِ شيءٍ لا عامٍّ ولا خاصٍّ معَ احتمالِ أمورٍ مُتَعَدِّدَةٍ: لم يَتَرَجَّحْ بعضُها، فتُقَدَّرُ المحتملاتُ كُلُّها، وهو المُرادُ بالعُمومِ في هذه المسألةِ، فلا إجمالَ في ذلك؛ لأنَّ العُرفَ دَلَّ على التَّعميمِ، فيَتناوَلُ الوطءَ ومُقدِّماتِه. تنبيهٌ: العينُ تُوصَفُ بالحِلِّ والحظرِ حقيقةً لا مجازًا على الصَّحيحِ، فهي محظورةٌ علينا ومباحةٌ، كوصفِها بطهارةٍ ونجاسةٍ، وطِيبٍ وخبثٍ. (٢) (وَلَا) إجمالَ (فِي) قولِه تَعالى: (﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) على الصَّحيحِ؛ لأنَّ عدمَ الإجمالِ بوضعِ حُكمِ اللُّغةِ ظاهرٌ في مسحِ جميعِ الرَّأسِ عندَ الجمهورِ؛ لأنَّ الباءَ حقيقةٌ في الإلصاقِ، وقد أَلْصَقَتِ المسحَ بالرَّأسِ، وهو اسمٌّ لكلِّه لا لبعضِه؛ لأنَّه لا يُقالُ لبعضِ الرَّأسِ: رأسٌ، فيَكُونُ ذلك مُقتضيًا مسحَ جميعِه كآيةِ التَّيمُّمِ في قولِه تَعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (٣). (٣) (وَلَا) إجمالَ أيضًا (فِي) قولِه ﷺ : («رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ») (٤) عندَ الجمهورِ؛ لأنَّ نفيَ صورةِ الخطأِ والنِّسيانِ لا يُمكِنُ أنْ يَكُونَ مُرادًا؛ لِما فيه مِن نِسبةِ كلامِه ﷺ إلى الكذبِ والخُلْفِ، فتَعَيَّنَ أنَّ المرادَ نفيُ (٥) الحُكمِ.

стр. 546

(٤) (وَلَا) إجمالَ أيضًا (فِي آيَةِ السَّرِقَةِ) وهي قولُه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١) أي: لا إجمالَ في القطعِ، ولا في اليدِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ اليدَ حقيقةٌ إلى المَنكبِ، لصِحَّةِ إطلاقِ بعضِ اليدِ لِما دُونَه، والقطعُ حقيقةٌ في إبانةِ المفصلِ ولا إجمالَ في شيءٍ منهما، فإطلاقُها إلى الكوعِ مجازٌ قَامَ الدَّليلُ على إرادتِه في الآيةِ، وهو: فعلُ النَّبِيِّ ﷺ ، والإجماعُ، ولهذا لَمَّا نَزَلَتْ آيةُ التَّيمُّمِ تَيَمَّمَتِ الصَّحابةُ مَعَه ﷺ إلى المناكبِ. وأيضًا: لو كانَ مُشتَركًا في الكوعِ والمرفقِ والمنكبِ لَزِمَ الإجمالُ، والمجازُ أَوْلَى مِنه على ما سَبَقَ. (٥) (وَلَا) إجمالَ أيضًا (فِي) قولِه تَعالى: (﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢) وهو مِن العامِّ المخصوصِ على الصَّحيحِ، فإِنَّه عامٌّ في البيوعِ الجائزةِ وغيرِها، ثمَّ خُصِّصَ المُحرَّمُ منها وبَقِيَ ما عداه ثابتًا بالعُمومِ الأوَّلِ. وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فمُجمَلٌ، وبَيَّنَتْه السُّنَّةُ على الصَّحيحِ. فإنْ قُلْتَ: اللَّفظُ في كلٍّ مِن الآيتينِ مفردٌ مُعَرَّفٌ، فإنْ عَمَّ مِن حيثُ اللَّفظُ فلْيَعُمَّ فيهما، أو المعنى فلْيَعُمَّ فيهما أيضًا، وإن لم يَعُمَّ لا من حيثُ اللَّفظُ ولا المعنى فهُما مُستويانِ معَ أنَّ الصَّحيحَ في آيةِ البيعِ: العُمومُ، وفي آيةِ الزَّكاةِ: الإجمالُ. قُلْنا: في ذلك سِرٌّ، وهو أنَّ حِلَّ البيعِ على وَفْقِ الأصلِ مِن حيثُ إنَّ الأصلَ في المنافعِ: الحِلُّ، والمضارِّ: الحُرمةُ، بأدلَّةٍ شرعيَّةٍ، فمَهما حَرُمَ

стр. 547

البيعُ فهو خلافُ الأصلِ، وأمَّا الزَّكاةُ فهي خلافُ الأصلِ؛ لتَضَمُّنِها أخذَ مالِ الغيرِ بغيرِ إرادتِه، فوُجوبُها على خلافِ الأصلِ، والأخبارُ الواردةُ في البابِ مُشعِرةٌ بهذا المعنى، فلذلك اعتنى النَّبِيُّ ﷺ ببيانِ المبيعاتِ الفاسدةِ: كالنَّهيِ عن بيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ، والمُنابذةِ، والمُلامسةِ، وغيرِ ذلك، بخلافِ الزَّكاةِ، فإِنَّه لم يَعتَنِ فيها ببيانِ ما لا زكاةَ فيه، فمَنِ ادَّعى وجوبَها في مختلَفٍ فيه كالرَّقيقِ والخيلِ، فقد ادَّعَى حُكمًا على خلافِ الدَّليلِ. (٦) (وَلَا) إجمالَ أيضًا (فِي) قولِه ﷺ : («لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ» (١)، وَنَحْوِهِ) ممَّا فيه نفيُ ذواتِ واقعةٍ تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ فيها على إضمارِ شيءٍ كـ: «لِا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (٢)، «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ» (٣)، فهذه الأحاديثُ ونحوُها ليْسَتْ مُجملةً عندَ الجمهورِ بناءً على القولِ بثبوتِ الحقائقِ الشَّرعيَّةِ، فإِنَّه إذا اختلَّ منها شرطٌ أو ركنٌ صَحَّ نفيُه حقيقةً؛ لأنَّ الشَّرعيَّ الَّذِي هو تامُّ الأركانِ مُتَوَفِّرُ الشُّروطِ، ولهذا قال النَّبِيُّ ﷺ

стр. 548

للمسيءِ في صلاتِه: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (١)، وإذا كانَتِ الحقيقةُ هي المرادَ نفيُها فلا يَحتاجُ نفيَها إلى إضمارِ شيءٍ، فلا إجمالَ. (وَيَقْتَضِي ذَلِكَ) أي: يَقتضي عدمُ الإجمالِ (نَفْيَ الصِّحَّةِ) في عُرفِ الشَّارِعِ، وهو عامٌّ على الصَّحيحِ أي: لا عَمَلَ شرعيٌّ، وإن لم يَثبُتْ عُرفُ الشَّارِعِ فعُرفُ اللُّغةِ نفيُ الفائدةِ، نحوُ: لا علمَ إلَّا ما نَفَعَ، ولو قُدِّرَ عدمُ اللُّغةِ وأنَّه لا بُدَّ مِن إضمارٍ، فنفيُ الصِّحَّةِ أَوْلى مِن نفيِ الكمالِ؛ لأنَّ نفيَ الصِّحَّةِ يَصيرُ كالعَدمِ، فهو أقربُ إلى نفيِ الحقيقةِ المُتعذِّرةِ، وليسَ هذا إثباتًا للُّغةِ بالتَّرجيحِ، بل إثباتًا لأولويَّةِ أحدِ المجازاتِ، كالصِّحَّةِ والكمالِ والإجزاءِ بعُرفِ استعمالِه، وإذا اقتضى عدمُ الإجمالِ في الحديثِ نفيَ الصِّحَّةِ فهو عامٌّ على الصَّحيحِ. (وَعُمُومُهُ مِنَ الإِضْمَارِ) أي: مبنيٌّ على دَلالةِ الاقتضاءِ والإضمارِ، وتَقَدَّمَ في أثناءِ العامِّ أنَّها عامَّةٌ على الصَّحيحِ. (وَمِثْلُهُ (٢) أي: مِثلُ الحديثِ السَّابقِ قولُه ﷺ : («إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٣)، لا عملَ إلَّا بنيَّةٍ، فهو مِن هذا البابِ، و «الأعمالُ» مبتدأٌ خَبَرُه محذوفٌ، وتقديرُه: صحيحةٌ أو كاملةٌ، والأظهرُ إضمارُ الصِّحَّةِ؛ لأنَّه أَوْلَى المجازاتِ، لكونِه أقربَ إلى نفيِ الحقيقةِ لانتفاءِ فائدةِ الفعلِ وجدواه. (وَمَا اسْتُعْمِلَ) مِن اللَّفظِ (لِمَعْنًى) واحدٍ (تَارَةً، وَ) استُعمِلَ (لِ) ـمعنيينِ

стр. 549

(آخَرَيْنِ) تارةً (أُخْرَى، وَلَا ظُهُورَ) في ذلك؛ فهو (مُجْمَلٌ) على المختارِ، لتَردُّدِه بينَ المعنى والمعنيينِ، ومَحَلُّه إذا لم تَقُمْ قرينةٌ على المرادِ، مِثالُه: حديثُ مسلمٍ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ» (١) بناءً على أنَّ النِّكاحَ مشتَركٌ بينَ العقدِ والوطءِ، فإِنَّه إنْ حُمِلَ على الوطءِ: استُفيدَ منه معنًى واحدٌ، وهو أنَّ المُحْرِمَ لا يَطَأُ ولا يُوطَأُ؛ أي: لا يُمَكِّنُ غيرَه مِن وَطئِه، وإنْ حُمِلَ على العقدِ: استفيدَ منه معنيانِ بينَهما قَدْرٌ مشتَركٌ، وهو: أنَّ المُحرِمَ لا يَعقِدُ لنفسِه ولا يَعقِدُ لغيرِه. (وَمَا) مِن اللَّفظِ (لَهُ مَحْمَلٌ) في اللُّغةِ ويُمكِنُ حَملُه على حُكمٍ شرعيٍّ فللشَّرعيِّ، كقولِه ﷺ : «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ» (٢)، فيَحتملُ أنَّه كالصَّلَاةِ في الأحكامِ، ويَحتملُ أنَّه صلاةٌ لغةً للدُّعاءِ فيه، كقولِه: «الِاثْنَانِ جَمَاعَةٌ» (٣) فلا إجمالَ فيه عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه ﷺ بُعِثَ لتعريفِ الأحكامِ لا اللُّغةِ، وفائدةُ التَّأسيسِ أَوْلى، وأيضًا لَيْسَ في الطَّوافِ حقيقةُ الصَّلَاة الشَّرعيَّةِ، فكانَ مجازًا، والمرادُ أنَّ حُكمَه حُكمُ الصَّلَاةِ في الطَّهارةِ والنِّيَّةِ وستْرِ العورةِ وغيرِه، ويَدُلُّ على ذلك قولُه في بقيَّةِ الحديثِ: «إِلَّا أَنَّ اللهَ أَحَلَّ فِيهِ الكَلَامَ»، فدَلَّ على أنَّ المرادَ كونُه صلاةً في الحُكمِ إلَّا ما اسْتُثْنِيَ. (أَوْ) أي: وما مِن اللَّفظِ له (حَقِيقَةٌ لُغَةً وَشَرْعًا) كخطابِ الشَّرعِ بلفظٍ يَجِبُ حَمْلُه على عُرفِ الشَّرعِ، كالصَّلَاةِ والزَّكاةِ والصَّومِ وغيرِها،

стр. 550

(فَلِلشَّرْعِيِّ) على الصَّحيحِ؛ لأنَّ خطابَ الشَّرعِ بلفظٍ يَجِبُ حَمْلُه على عُرفِ الشَّرعِ؛ لأنَّه ﷺ مبعوثٌ لبيانِ الشَّرعيَّاتِ، ولأنَّه كالنَّاسخِ المُتأخِّرِ، فيَجِبُ حَملُه عليه. (فَـ) على هذا (إِنْ تَعَذَّرَ) حَملُ اللَّفظِ على الشَّرعيِّ (فَـ) يُحمَلُ على (العُرْفِيِّ)؛ لأنَّه المتبادِرُ إلى الفهمِ، ولهذا اعتَبَرَ الشَّارِعُ العباداتِ في مواضعَ كثيرةٍ. فإذا تَعَذَّرَ حَملُه على العُرفِيِّ أيضًا؛ (فَـ) يُحمَلُ على (اللُّغَوِيِّ) كقولِه ﷺ : «مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإِنْ كانَ صَائِمًا فَلْيُصِلِّ» (١). حَمَلَه ابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» على معنى: «فليدْعُ» (٢). فإنْ تَعَذَّرَ الحملُ على اللُّغةِ (فَـ) يُحمَلُ على (المَجَازِ)؛ لأنَّ الكلامَ: إمَّا حقيقةٌ، وإمَّا مجازٌ. وإذا تَعَذَّرَ حَملُه على أحدِ الحقائقِ الثَّلاثِ فما بَقِيَ إلَّا المجازُ؛ فيُحمَلُ عليه إذا كانَ مشهورًا والحقيقةُ لغويَّةٌ، وإن لم يَكُنِ المجازُ مشهورًا: عُمِلَ بالحقيقةِ.

стр. 551

(بَابٌ) (المُبَيَّنُ): اسمُ مفعولٍ (يُقَابِلُ المُجْمَلَ) في تعريفِه، فإذا قُلْتَ: المجملُ: ما تَرَدَّدَ بينَ مُحتمَلَينِ فأكثرَ على السَّواءِ، فخُذْ ضِدَّه في المُبيَّنِ وقلِ: المُبَيَّنُ (١): ما نَصَّ على معنًى مُعَيَّنٍ مِن غيرِ إبهامٍ. (وَيَكُونُ) المُبَيَّنُ (فِي: (١) مُفْرَدٍ، (٢) وَمُرَكَّبٍ)، (٣) وقولٍ (وَفِعْلٍ) كالمُجْمَلِ، سَواءٌ (سَبَقَهُ إِجْمَالٌ أَوْ لَا) كمن يَقُول ابتداءً: اللهُ بكلِّ شيءٍ عليمٌ. (وَالبَيَانُ) مَصدَرُ بَيَّنَ، يُقالُ: بيَّنَ تَبْيِينًا وبَيَانًا، كما يُقالُ: كَلَّمَ تَكليمًا وكَلامًا، وهو عبارةٌ عنِ الدَّليلِ، و (يُطْلَقُ) تارةً: (١) (عَلَى التَّبْيِينِ، وَ) التَّبيينُ (هُوَ فِعْلُ المُبَيِّنِ) اسمُ فاعلٍ، والبيانُ والتَّبيينُ كالسَّلامِ بمَعنى التَّسليمِ فهو اسمُ مصدرٍ، لا مصدرٌ؛ لعدمِ جَرَيَانِه على الفعلِ. (٢) (وَ) يُطلَقُ تارةً (عَلَى مَا حَصَلَ بِهِ التَّبْيِينُ وَهُوَ الدَّلِيلُ، (٣) وَ) يُطلَقُ تارةً (عَلَى مُتَعَلَّقِهِ) أي: مُتَعَلَّقِ التَّبيينِ، ومَحَلِّه (وَهُوَ المَدْلُولُ) وهو المُبيَّنُ اسمُ مفعولٍ.

стр. 552

إذا تَقَرَّرَ ذلك (فَـ) البيانُ (بِنَظَرٍ إِلَى) الإطلاقِ (الأَوَّلِ) الَّذِي هو التَّبيينُ (إِظْهَارُ المَعْنَى) أي: معنى المُبيَّنِ (لِلْمُخَاطَبِ) وإيضاحُه له. (وَ) البيانُ بنظرٍ (إِلَى) الإطلاقِ على (ثَانٍ) أي: ما حَصَلَ به التَّبيينُ هو (الدَّلِيلُ) لصِحَّةِ إطلاقِه عليه لُغةً وعُرفًا معَ عدمِ ما سَبَقَ، والأصلُ الحقيقةُ. (وَ) البيانُ بنظرٍ (إِلَى) الإطلاقِ على (ثَالِثٍ) أي: مُتَعَلَّقِ التَّبيينِ، ومَحَلُّه هو (العِلْمُ) الحاصلُ (عَنْ دَلِيلٍ). إذا عَرَفْتَ ذلك، فالبيانُ أنواعٌ مختلفةُ المراتبِ بَعضُها أَجْلَى مِن بعضٍ: فمنه ما لا يَحتاجُ لتَدبُّرٍ، ومنه ما يَحتاجُ له، وقد قال ﷺ : «إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا» (١)، فبيَّنَ أنَّ بعضَ البيانِ أظهرُ مِن بعضٍ، ويَدُلُّ عليه أنَّ اللهَ تعالى خاطَبَنا بالنَّصِّ والظَّاهرِ وبالمنطوقِ والمفهومِ، والعُمومِ وغيرِ ذلك، ولذلك عندَ الشَّافعيِّ (٢) لكلٍّ مِن الأنواعِ بابٌ، فقالَ: بابُ البيانِ الأوَّلِ، بابُ البيانِ الثَّاني، وهكذا. فائدةٌ: قال في «شرح الأصل»: لنا مِن المُجمَلِ قِسمٌ يَستمِرُّ بلا بيانٍ إلى آخِرِ الدَّهرِ، وذلك عندَ عدمِ الحاجةِ إلى بيانِه بألَّا يَكُونَ مِن دلائلِ الأحكامِ المُكَلَّفِ بها (٣). (وَ) أمَّا إن كانَ مِن دلائلِ الأحكامِ المُكَلَّفِ بها وأُريدَ بالخطابِ إفهامُ المُخاطَبِ ليَعمَلَ به؛ فـ (يَجِبُ لِمَا أُرِيدَ فَهْمُهُ) اتِّفاقًا بأنْ يُبَيَّنَ له ذلك على

стр. 553

حَسَبِ ما يُرادُ بذلك الخطابِ؛ لأنَّ الفهمَ شرطٌ للتَّكليفِ، فأمَّا مَن لا يُرادُ إفهامُه ذلك، فلا يَجِبُ البيانُ له بالاتِّفاقِ. (وَيَحْصُلُ) البيانُ: (١) (بِقَوْلٍ) بلا نزاعٍ، كقولِه ﷺ فيما رَوَاه البخاريُّ (١) وغيرُه مرفوعًا: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ، أَوْ كانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ»، وهو مُبَيِّنٌ لقولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢). (٢) (وَ) يَحصُلُ البيانُ أيضًا بـ (فِعْلِ) النَّبِيِّ ﷺ على الصَّحيحِ، ودليلُه أنَّه ﷺ بيَّنَ الصَّلَاةَ بالفعلِ، وقالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رَوَاه البخاريُّ (٣) من حديثِ مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ. لا يُقالُ: إنَّ الَّذِي وَقَعَ به البيانُ قولٌ، وهو قولُه: «صَلُّوا»؛ لأنَّا نَقولُ: إِنَّمَا دَلَّ القولُ على أنَّ فِعلَه بيانٌ، لا أنَّ نفسَ القولِ وَقَعَ بيانًا، وأيضًا فالفعلُ مُشاهَدٌ، والمشاهَدةُ أَدَلُّ مِن القولِ بالبيانِ. (وَلَوْ) كانَ الفعلُ: (كِتَابَةً) كالكُتُبِ الَّتي كُتِبَتْ وبُيِّنَ (٤) فيها الزَّكواتُ وأُرسِلَتْ معَ عُمَّالِه ﷺ ، (أَوْ) كانَ الفعلُ (إِشَارَةً) كقولِه ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» (٥) وأشارَ بأصابعِه العشرةِ وقَبَضَ الإبهامَ في الثَّالثةِ، يَعني تسعةً وعشرينَ.

стр. 554

(وَ) البيانُ (الفِعْلِيُّ أَقْوَى) مِن البيانِ القوليِّ؛ لأنَّ المُشاهَدَةَ أدلُّ على المقصودِ مِن القولِ، وأسرعُ إلى الفهمِ، وأَثْبَتُ في الذِّهنِ، وأعونُ على التَّصوُّرِ، وفي الحديثِ: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ» رَوَاه أحمدُ (١) بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا، وزادَ فيه الطَّبَرَانِيُّ: «فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﵇ عمَّا صَنَعَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمْ يُلْقِ الأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ أَلْقَى الأَلْوَاحَ» (٢). (٣) (وَ) يَحصُلُ البيانُ أيضًا (بِإِقْرَارِ) ـه ﷺ (عَلَى فِعْلِ) بعضِ أُمَّتِه؛ لأنَّه دليلٌ مُستقِلٌّ، فصَحَّ أنْ يَكُونَ بيانًا لغيرِه كغيرِه مِن الأدلَّةِ المُبيِّنِ لها. فائدةٌ: ذَكَرَ الطُّوفِيُّ (٣) قاعدةً كُلِّيَّةً فيما يَحصُلُ به البيانُ تَتَناوَلُ ما سَبَقَ وما يَأْتي بعدُ. (وَ) هي: (كُلُّ مُقَيَّدٍ مِنْ) جِهَةِ (الشَّرْعِ بَيَانٌ) وذلك من وُجوهٍ: منها: التَّركُ، مثلُ: أنْ يَتْرُكَ فِعلًا قد أَمَرَ به، أو قد سَبَقَ مِنه فِعلُه، فيَكُونُ تَركُه له مُبَيِّنًا لعدمِ وجوبِه، وذلك كما أنَّه قيلَ له: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤) ثمَّ إنَّه كانَ يُبايِعُ ولا يُشهِدُ، بدليلِ الفرسِ الَّذِي اشتَراه مِن الأعرابيِّ ثمَّ أَنْكَرَ البيعَ (٥)، فعُلِمَ أنَّ الإشهادَ في البيعِ غيرُ واجبٍ، وصَلَّى ﵊

стр. 555

التَّراويحَ في رمضانَ، ثمَّ تَرَكَها خشيةَ أنْ تُفرَضَ عليهم (١)، فدَلَّ على عدمِ الوجوبِ؛ إذْ يَمتنعُ تَركُ الواجبِ. ومِنها: السُّكوتُ بعدَ السُّؤالِ عن حُكمِ الواقعةِ، فيُعلَمُ أنَّه لا حُكمَ للشَّرعِ فيها، كما أنَّ زوجةَ سعدِ بنِ الرَّبيعِ جاءَتْ بابنتَيْها إلى النَّبِيِّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ! هاتانِ ابنتا سعدٍ، قُتِلَ أبوهما مَعَك يومَ أُحُدٍ، وقد أَخَذَ عَمُّهما (٢) مالَهما ولا يُنكحانِ إلَّا بمالٍ. فقالَ: «اذْهَبِي حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكِ»، فذَهَبَتْ، ثمَّ نَزَلَتْ آيةُ الميراثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣)، فبَعَثَ خَلْفَ المرأةِ وابنتَيْها وعَمِّهما فقَضَى فيهم بحُكمِ الآيةِ (٤). فدَلَّ ذلك على أنَّ قبلَ نزولِ الآيةِ لم يَكُنْ في المسألةِ حُكْمٌ، وإلَّا لَمَا جازَ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ إليه. ومِنها: أنْ يَستدلَّ الشَّارِعُ استدلالًا عقليًّا فتُبَيَّنُ به العِلَّةُ، أو مأخذُ الحُكمِ، أو فائدةٌ ما؛ إذِ الكلامُ حُكمٌ في بيانِ المُجمَلِ، ومُحتملاتُه بالفَرضِ مُتساويةٌ، فأدنى مُرَجِّحٍ يَحصُلُ بيانًا؛ محافظةً على المبادرةِ إلى الامتثالِ وعدمِ الإهمالِ للدَّليلِ.

стр. 556

(وَالفِعْلُ وَالقَوْلُ) إذا أَتَيَا (بَعْدَ مُجْمَلٍ إِنْ (١) صَلَحَا) بيانًا للمُجمَلِ: (١) (وَاتَّفَقَا) في غرضِ البيانِ بألَّا يَكُونَ بينَهما تنافٍ؛ (فَالأَسْبَقُ) منهما (إِنْ عُرِفَ: بَيَانٌ) للمُجمَلِ، قولًا كانَ السَّابقُ أو فعلًا بلا نزاعٍ؛ لأنَّه قد حَصَلَ البيانُ بالأسبقِ، (وَالثَّانِي) منهما حَصَلَ به (تَأْكِيدٌ) للأسبقِ، (وَإِنْ جُهِلَ) الأسبقُ مِن الفعلِ أو القولِ (فَـ) ـالمُبيِّنُ (أَحَدُهُمَا) فقطْ، وهو الأوَّلُ في نفسِ الأمرِ، والثَّاني تأكيدٌ، وهذا هو الصَّحيحُ، ولا يَتَعَيَّنُ تقديمُ غيرِ الأرجحِ؛ لأنَّ المُؤكِّدَ المُستقِلَّ لا يَلْزَمُ فيه الرُّجحانُ، كالجُمَلِ الَّتي يُذكَرُ بعضُها بعدَ بعضٍ للتَّأكيدِ، والتَّأكيدُ يَحصُلُ بالثَّانيةِ، وإنْ كانَتْ أضعفَ بانضمامِها إلى الأُولى، وإنَّما يَلزَمُ كونُ المُؤكِّدِ أقوى في المُفرداتِ، نحوُ: جاءَني القومُ كُلُّهم. (٢) (وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا) أي: الفعلُ والقولُ في غرضِ البيانِ بأنْ كانَ بينَهما تنافٍ (كَمَا لَوْ طَافَ) النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ آيَةِ الحَجِّ قَارِنًا) طوافينِ (مَرَّتَيْنِ، وَأَمَرَ) مَن حَجَّ (قَارِنًا بِ) طوافٍ (مَرَّةٍ: - فَقَوْلُهُ) أي: أمْره بطوافٍ واحدٍ (بَيَانٌ) لفعلِه، سواءٌ كانَ قبلَ الفعلِ أو بعدَه، - (وَفِعْلُهُ) أي: طوافُه مرَّتَينِ (نَدْبٌ، أَوْ وَاجِبٌ مُخْتَصٌّ بِهِ)؛ وذلك لأنَّ القولَ يَدُلُّ على البيانِ بنَفسِه بخلافِ الفعلِ، فإِنَّه لا يَدُلُّ (٢) إلَّا بواسطةِ انضمامِ القولِ إليه، والدَّالُّ بنفسِه أقوى مِن الدَّالِّ بغيرِه. لا يُقالُ: قد سَبَقَ أنَّ الفعلَ أقوى في البيانِ؛ لأنَّا نَقولُ: التَّحقيقُ أنَّ القولَ

стр. 557

أقوى في الدَّلالةِ على الحُكمِ، والفعلَ أدلُّ على الكيفيَّةِ، ففعلُ الصَّلَاةِ أدلُّ مِن وصفِها بالقولِ؛ لأنَّ فيه المُشاهدةَ، وأمَّا استفادةُ وجوبِها أو ندبِها أو غيرِهما؛ فالقولُ أقوى وأوضحُ لصراحتِه. (وَيَجُوزُ) على الصَّحيحِ (كَوْنُ البَيَانِ أَضْعَفَ دَلَالَةً) مِن المُجمَلِ، ودليلُه تبيينُ السُّنَّةِ لمُجملِ القرآنِ، وتَقَدَّمَ مثالُ ذلك في حديثِ البخاريِّ، وهو كثيرٌ جدًّا. قال في «شرح الأصل»: لنا أنَّ البيانَ كالتَّخصيصِ، وكما يَجُوزُ تخصيصُ القطعيِّ بالظَّنِّيِّ كخبَرِ الواحدِ والقياسِ، فكذلك يَجُوزُ بيانُ المعلومِ؛ أي: ما كانَ مَتنُه معلومًا بالمظنونِ؛ لأنَّ البيانَ يَتَوَقَّفُ على وضوحِ الدَّلالةِ على (١) قطعيَّةِ المتنِ، هذا ظاهرُ كلامِه في «المحصول»، والتَّحقيقُ في هذا المقامِ أنَّ المُبيَّنَ إنْ كانَ عامًّا أو مُطلقًا اشتُرِطَ أنْ يَكُونَ بيانُه أقوى؛ لأنَّه يَدفَعُ العُمومَ الظَّاهرَ والإطلاقَ، وشَرطُ الدَّافعِ أنْ يَكُونَ أقوى، وأمَّا المُجمَلُ فلا يُشتَرَطُ أنْ يَكُونَ بيانُه أقوى بل يَحصُلُ بأدنى دَلالةٍ؛ لأنَّ المُجمَلَ لَمَّا كانَ مُحتمِلًا لمعنيينِ على السَّواءِ، فإذا انْضَمَّ إلى أحدِ (٢) الاحتمالينِ أدنى مُرَجِّحٍ، كَفَاه (٣). (وَلَا تُعْتَبَرُ مُسَاوَاتُهُ) أي: مساواةُ البيانِ (لِلْمُبَيَّنِ فِي الحُكْمِ) على الصَّحيحِ؛ لتَضَمُّنِه صِفَتَه، والزَّائدُ بدليلٍ.

стр. 558

واعلَمْ أنَّ هذه المسألةَ غيرُ المسألةِ الَّتي قَبْلَها؛ لأنَّ الأُولى في تبيينِ الأقوى بالأضعفِ من جهةِ الدَّلالةِ، وهذه في مساواةِ البيانِ للمُبَيَّنِ في الحُكْمِ وعدمِه، وهي مُمَثَّلَةٌ في تبيينِ القرآنِ لخبَرِ الواحدِ، وذلك أضعفُ في الرُّتبةِ لا في الدَّلالةِ، ولا يَلزَمُ مِن ضعفِ الرُّتبةِ ضعفُ الدَّلالةِ؛ لجوازِ أنْ يَكُونَ الأضعفُ رُتبةً أقوى دَلالةً، كتخصيصِ عمومِ القرآنِ لخبَرِ الواحدِ؛ لأنَّه أخصُّ، فيَكُونُ أدلَّ، فحاصلُ هذا أنَّ الضَّعفَ إنْ كانَ في الدَّلالةِ لم يَجُزْ تَبيينُ القويِّ بالضَّعيفِ؛ لِما سَبَقَ، وإنْ كانَ في الرُّتبةِ: جازَ إذا كانَ أقوى دَلالةً، وهذا البحثُ للطُّوفِيِّ في «شرحه» (١) على مختصرِه، وهو في قُوَّةِ الرُّتبةِ وضعفِها، والمسألةُ الأُولى في قوَّةِ الدَّلالةِ وضعفِها، وقوَّةُ الرُّتبةِ وضعفُها قد يَكُونُ موجودًا لكنَّ دَلالتَها قويَّةٌ وقد بَيَّنَ ذلك، لكنَّ مسألةَ صاحبِ «التَّمهيد» إِنَّمَا هي في الحُكمِ، فلْيُعلَمْ ذلك. (وَلَا يُؤَخَّرُ) البيانُ (عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ) على الرَّاجحِ إلَّا على تكليفِ المُحالِ، فمَن أجازَ تكليفَ المُحالِ أجازَ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ومَن مَنَعَه مَنَعَه. وصورتُه أنْ يَقُولَ: «آتُوا الزَّكَاةَ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ» ثمَّ لا يُبَيِّنُ لهم عندَ رأسِ الحولِ كم يُؤَدُّون، ولا لمن يُؤَدُّون، ونحوَ ذلك؛ لأنَّه تكليفُ ما لا يُطاقُ ولم يَقَعْ. (وَ) أمَّا تأخيرُ البيانِ (لِمَصْلَحَةٍ) فـ (هُوَ البَيَانُ الوَاجِبُ أَوِ (٢) المُسْتَحَبُّ؛ كَتَأْخِيرِهِ) ﷺ البيانَ للأعرابيِّ (المُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ إِلَى ثَالِثِ مَرَّةٍ)،

стр. 559

ولأنَّه إِنَّمَا يَجِبُ لخوفِ فَوْتِ الواجبِ المُؤَقَّتِ [في وقتِه] (١). وتَرَدَّدُوا في المرادِ بوقتِ الحاجةِ هل هو وقتُ الفعلِ أو وقتُ تضييقِه (٢) بحيثُ لا يُمكِنُ معاودتُه للفعلِ كالظُّهرِ مثلًا، هل يَجِبُ بيانُها بمُجَرَّدِ دخولِ الوقتِ أو لا يَجِبُ إلَّا إذا ضاقَ وَقتُها؟ صَرَّحَ أبو الحسينِ البصريُّ (٣) بالثَّاني، والبَاقِلَّانِيُّ (٤) بالأوَّلِ. (وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أي: تأخيرُ البيانِ إلى وقتِ الحاجةِ على الصَّحيحِ، واستُدِلَّ له بقولِه تَعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٥)، ثمَّ بيَّن ﷺ في الصَّحيحين: «أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ» (٦)، وكذا الحُجَّةُ مِن إطلاقِ الأمرِ بالصَّلَاةِ والزَّكاةِ والحجِّ والجهادِ، ثمَّ بَيَّنَ ذلك، وكذا بيعٌ ونكاحٌ وميراثٌ وسرقةٌ، وكلُّ عمومِ قرآنٍ وسُنَّةٍ. وفي الصَّحيحين (٧) مِن حديثِ عائشةَ: «أَنَّ جِبْرِيلَ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ : اقْرَأْ. قال: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٨). تنبيهٌ: لم يُنقَلْ بيانُ إجمالٍ مقارنٍ، ولو كانَ لنُقِلَ، والأصلُ عَدَمُه. (وَ) يَجُوزُ (تَأْخِيرُ تَبْلِيغِهِ ﷺ الحُكْمَ إِلَى وَقْتِهَا) أي: وقتِ

стр. 560

الحاجةِ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ وجوبَ معرفتِه إِنَّمَا هو للعملِ، فلا حاجةَ له قبلَ وقتِ العملِ؛ ولأنَّه لا يَلزَمُ منه محالٌ، والأصلُ (١) الجوازُ عقلًا، والأمرُ بالتَّبليغِ بعدَ تسليمِ أنَّه للوُجوبِ والفورِ المرادُ به القرآنُ؛ لأنَّه المفهومُ مِن لفظِ المُنَزَّلِ، قاله ابنُ مُفْلِحٍ (٢). (وَ) يَجُوزُ (التَّدْرِيجُ بِالبَيَانِ) عندَ المُحقِّقينَ بأنْ يُبَيِّنَ تخصيصًا بعدَ تخصيصٍ، كأنْ يُقالَ: «اقتلوا المشركين»، ثمَّ يُقال: «سَلْخَ الشَّهرِ»، ثمَّ يُقالَ: «الحَربيِّينَ»، ثمَّ يُقالَ: «إذا كانوا رجالًا»، واستدلَّ له بوقوعِه، والأصلُ عدمُ مانعٍ. (وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ إِسْمَاعِ مُخَصِّصٍ مَوْجُودٍ) على الصَّحيحِ؛ لأنَّه يُحتملُ سماعُه بخلافِ المعدومِ، وسَمِعَ الصَّحابةُ الأمرَ بقتلِ الكفَّارِ إلى الجِزيةِ، ولم يَأخُذِ الإمامُ عمرُ الجزيةَ من المجوسِ حَتَّى شَهِدَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهما: «أَنَّهُ ﷺ أَخَذَهَا مِنْهُمْ»، رَوَاه البخاريُّ (٣). (وَيَجِبُ: اعْتِقَادُ العُمُومِ، وَالعَمَلُ بِهِ فِي الحَالِ) أي: قبلَ البحثِ عن مُخَصِّصٍ عندَ أكثرِ أصحابِنا وغيرِهم؛ لأنَّ المُوجِبَ للاستغراقِ لفظُ العُمومِ، والمُخصِّصُ معارضٌ، والأصلُ عَدَمُه، وعن أحمدَ روايةٌ ثانيةٌ: لا يَجِبُ اعتقادُ العُمومِ، ويَمتنعُ العملُ به قبلَ بَحثِه عن مُخَصِّصٍ، ويَكفي بحثٌ يُظَنٌّ مَعَه انتفاءُ التَّخصيصِ، قاله الأكثرُ؛ لأنَّه لا طريقَ إلى القطعِ، فشَرطُه يُبطِلُ العملَ بالعُمومِ.

стр. 561

(وَكَذَا كُلُّ دَلِيلٍ معَ مُعَارِضِهِ) فيَجِبُ العملُ بكلِّ دليلٍ سَمِعَه قبلَ البحثِ عن مُعارضِه في ظاهرِ كلامِ الإمامِ أحمدَ. قال بعضُ أصحابِنا: يَجِبُ أنْ نَقولَ: جميعُ الظَّواهرِ كالعُمومِ، وكلامُ أحمدَ في مطلقِ الظَّاهرِ مِن غيرِ فرقٍ. قالَ في «التمهيد» (١): جميعُ ذلك كمسألتِنا، وإنْ سَلَّمْنا أسماءَ الحقائقِ فقطْ، فإنَّ لفظَ العُمومِ حقيقةٌ فيه ما لم نَجِدْ مُخَصِّصًا، وحقيقةٌ فيه وفي الخصوصِ، وأيضًا لا يَلْزَمُه طلبُ ما لا يَعلَمُه كطلبِ هل بَعَثَ اللهُ رسولًا.

стр. 562

(بَابٌ) (الظَّاهِرُ لُغَةً) خلافُ الباطنِ، وهو: (الوَاضِحُ) المنكشفُ، ومنه ظهورُ الأمرِ إذا اتَّضَحَ وانكشفَ، ويُطلَقُ على الشَّيءِ الشَّاخصِ المُرتفعِ، كما أنَّ الظَّاهرَ منَ الأشخاصِ: هو المرتفعُ الَّذِي تُبادِرُ إليه الأبصارُ، كذلك في المعاني. (وَ) أمَّا الظَّاهرُ (اصْطِلَاحًا) أي: عندَ الأُصُولِيِّينَ: (مَا) أي: لفظٌ (دَلَّ دَلَالَةً) لفظيَّةً (ظَنِّيَّةً وَضْعًا) كأسدٍ، (أَوْ) ظَنِّيَّةً (عُرْفًا) كغائطٍ، فالظَّاهرُ الَّذِي يُفيدُ معنًى معَ احتمالِ غيرِه، لكنَّه ضعيفٌ فبسببِ ضعفِه خفيٌّ، فلذلك سُمِّيَ اللَّفظُ لدَلالتِه على مقابلِه -وهو القويُّ- ظاهرًا كالأسدِ، فإِنَّه ظاهرٌ في الحيوانِ المُفتَرسِ في دَلالةِ اللَّفظِ الواحدِ معَ احتمالِ إرادةِ الرَّجُلِ الشُّجاعِ مجازًا، وقولي: «في دَلالةِ اللَّفظِ الواحدِ» ليَخرُجَ المُجملُ معَ المُبيَّنِ، فإِنَّه وإنْ أفادَ مَعنًى لا يَحتملُ غيرَه فإِنَّه لا يُسَمَّى مِثلُه نصًّا. (وَ التَّأْوِيلُ لُغَةً (١) مَصدَرُ أَوَّلْتُ الشَّيءَ إذا فَسَّرْتُه، وهو لغةً: (الرُّجُوعُ) مِن آلَ إذا رَجَعَ؛ لأنَّه رجوعٌ مِن الظَّاهرِ إلى الَّذِي آلَ إليه في دَلالته، قال اللهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ (٢) أي: ما يَؤُولُ إليه بَعثُهم ونُشورُهم، ومنه قولُه تَعالى: ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣) أي: طلبَ ما يَؤُولِ إليه مَعناه. فائدةٌ: فَرَّقَ بعضُهم بينَ التَّأويلِ والتَّفسيرِ: أنَّ التَّأويلَ أكثرَ ما يُستعمَلُ في المعاني، وأكثرُه في الجملِ، والتَّفسيرُ في الألفاظِ، وأكثرُه في مفرداتِ الألفاظِ.

стр. 563

(وَ) التَّأويلُ (اصْطِلَاحًا) أي: في اصطلاحِ الأُصُولِيِّينَ: (حَمْلُ) مَعْنًى (ظَاهِرِ) اللَّفظِ (عَلَى) معنًى (مُحْتَمَلٍ (١) مَرْجُوحٍ) يَعني يَكُونُ للَّفْظِ دَلالتانِ: راجحةٌ، ومرجوحةٌ، فيُحمَلُ على المرجوحةِ، وهذا الحدُّ يَشمَلُ التَّأويلَ الصَّحيحَ والفاسدَ. (وَ) إنْ أَرَدْتَ أنْ تَحُدَّ التَّأويلَ الصَّحيحَ فـ (زِدْ) في الحدِّ (لِصَحِيحِهِ) على قولِه: «حملُ ظاهرٍ على مُحتمَلٍ مرجوحٍ» قولَك: (بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا) أي: حملُ ظاهرٍ بدليلٍ يُصَيِّرُ الحملَ راجحًا على مَدلولِه الظَّاهرِ، فيُسَمَّى تأويلًا صحيحًا، فإنْ تُرِكَ الظَّاهرُ لا لدليلٍ مُحَقَّقٍ بل لشُبَهٍ تَخَيَّلَ للسَّامعِ أنَّها دليلٌ، وعندَ التَّحقيقِ تَضمَحِلُّ: سُمِّيَ تأويلًا فاسدًا، ورُبَّما قِيلَ: تأويلًا بعيدًا (٢)، وقد يَكُونُ التَّأويلُ لا لشيءٍ مِن ذلك، فهذا لعبٌ لا يُعبَأُ به. إذا عُلم ذلك، فحَملُ اللَّفظِ على ظاهرِه لَيْسَ تأويلًا، وكذا حملُ المُشتَركِ ونَحوِه مِن المُتساوي على أحدِ مَحمَلَيْه أو محاملِه لدليلٍ لا يُسَمَّى تأويلًا، وحملُه على المجموعِ لا يُسَمَّى تأويلًا أيضًا. (١) (فَإِنْ قَرُبَ) التَّأويلُ: (كَفَى) في ترجيحِ الطَّرفِ المرجوحِ (أَدْنَى مُرَجِّحٍ) لقُربِه، مثلُ قولهِ تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣) أي: إذا عَزَمْتُم. (٢) (وَإِنْ بَعُدَ) التَّأويلُ بأنْ كانَ الاحتمالُ المرجوحُ بعيدًا منَ الإرادةِ لعدمِ قرينةٍ تَدُلُّ عليه عقليَّةٍ أو حالِيَّةٍ أو مقاليَّةٍ، (افْتَقَرَ) في حَملِ اللَّفظِ عليه وصَرفِه عنِ الظَّاهرِ (إِلَى أَقْوَى) مُرَجِّحٍ.

стр. 564

(٣) (وَإِنْ تَعَذَّرَ) التَّأويلُ بأنْ لم يَحتمِلْه اللَّفظُ: (رُدَّ) وجوبًا، وحُكِمَ ببطلانِه؛ لعدمِ الدَّليلِ. إذا تَقَرَّرَ ذلك، (فَمِنَ) التَّأويلِ (البَعِيدِ: تَأْوِيلُ الحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﷺ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ (١) نِسْوَةٍ) وهو غَيلانُ بنُ سَلَمَةَ: («اخْتَرْ) مِنْهُنَّ أَرْبَعًا»، (وَفِي لَفْظٍ) آخَرَ: («أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» (٢) أوَّلَتْه الحنفيَّةُ (عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ) لأربعٍ مِنهنُّ إنْ كانَ عَقَدَ عليهنَّ معًا، (أَوْ) على (إِمْسَاكِ) الأربعِ (الأَوَائِلِ) إنْ كانَ تَزَوَّجَهُنَّ مُتفرِّقاتٍ، وهو تأويلٌ بعيدٌ ومردودٌ، ووجهُ بُعدِه ورَدِّه بأنَّ الفُرقةَ لو وَقَعَتْ بالإسلامِ لم يُخَيِّرْه، وقد خَيَّرَه، والمُتبادِرُ عندَ السَّماعِ منَ الإمساكِ الاستدامةُ، والسُّؤالُ وَقَعَ عنه، وخصَّ التَّزويجَ فيهنَّ، ولم يُبَيِّنْ له شُروطَ النِّكاحِ معَ مسيسِ الحاجةِ إليه؛ لقُربِ إسلامِه، وأيضًا لم يُنقَلْ عنه ولا عن غيرِه مِمَّن أَسْلَمَ على أكثرَ مِن أربعٍ أنَّه جَدَّدَ النِّكاحَ، وأيضًا فالابتداءُ يَحتاجُ إلى رِضى مَن يَبْتدئها، ويَصيرُ التَّقديرُ: فارقِ الكُلَّ وابتدئْ بعدَ ذلك مَن شِئتَ، فيَضِيعُ قولُه: «اخْتَرْ أَرْبَعًا»؛ لأنَّه قد لا يَرضَيْنَ أو بَعضُهنَّ. (وَأَبْعَدُ مِنْهُ) أي: مِن هذا التَّأويلِ تأويلُهم (قَوْلَهُ ﷺ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ) وهو فيروزُ الدَّيْلَمِيُّ: («اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» (٣) أوَّلَتْه الحنفيَّةُ (عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ) إمَّا الابتداءِ، أو إمساكِ الأُولى كما سَبَقَ، وإنَّما كانَ أبعدَ مِن الَّذِي قَبْلَه؛ لأنَّ النَّافِيَ للتَّأويلِ المذكورِ في الأوَّلِ هو الأمرُ الخارجُ

стр. 565

عنِ اللَّفظِ، وهو شهادةُ الحالِ، وهنا قد انْضَمَّ إلى شهادةِ الحالِ مانعٌ لفظًا، وهو قولُه ﷺ : «أَيَّتَهُمَا شِئْتَ»، فإنَّ بتقديرِ نِكاحِهما على التَّرتيبَ تعيينَ الأُولى للاختيارِ ولفظُ: «أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» يَأباه. (وَ) منه تأويلُهم قولَه تَعالى: (﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (١) عَلَى إِطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ) مسكينًا، فجَعَلُوا المعدومَ وهو «طعام» مذكورًا مفعولًا به، والمذكورَ وهو قولُه: «سِتِّينَ» مَعدومًا لم يَجْعَلوه مفعولًا به، وعَلَّلُوا ذلك بأنَّ المقصودَ دَفعُ الحاجةِ، ودفعُ حاجةِ سِتِّين كحاجةِ واحدٍ في سِتِّين يومًا معَ ظهورِ قصدِ العددِ لفضلِ الجماعةِ وبركتِهم وتضافرِهم على الدُّعاءِ للمُحسِنِ، وهذا لا يُوجَدُ في الواحدِ، وأيضًا حَملُه على ذلك تعطيلٌ للنَّصِّ ولهذه الحكمةِ شُرِعَتِ الجماعةُ في الصَّلَاةِ وغيرِها. (وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ) التَّأويلِ السَّابقِ تَأويلُهم ما في روايةِ أبي داودَ والتِّرمذيِّ (٢) مِن حديثِ ابنِ عمرَ في الغَنمِ: («فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» عَلَى قِيمَتِهَا) أي: أنَّ المرادَ في أربعينَ شاةً قيمةُ شاةٍ؛ لأنَّ اندفاعَ الحاجةِ كما يَكُونُ بالشَّاةِ يَكُونُ بقيمتِها، ووجهُ كَوْنِه أبعدَ ممَّا قبْلَه: لأنَّه يَلْزَمُ ألَّا تَجِبَ الشَّاةُ، فعادَ هذا الاستنباطُ على النَّصِّ بالإبطالِ وذلك غيرُ جائزٍ، وكلُّ فرعٍ اسْتُنبِطَ من أصلٍ يَبطُلُ ببطلانِه. (وَ) منه تأويلُهم قولَه ﷺ : («أَيُّمَا امْرَأَة نَكَحَتْ (٣) نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) وفي روايةٍ: بَاطِلٌ (بَاطِلٌ بَاطِلٌ)، فَإِنْ أَصَابَهَا
следующие страницы →