← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(وَكَذَا كُلُّ دَلِيلٍ معَ مُعَارِضِهِ) فيَجِبُ العملُ بكلِّ دليلٍ سَمِعَه قبلَ البحثِ عن مُعارضِه في ظاهرِ كلامِ الإمامِ أحمدَ. قال بعضُ أصحابِنا: يَجِبُ أنْ نَقولَ: جميعُ الظَّواهرِ كالعُمومِ، وكلامُ أحمدَ في مطلقِ الظَّاهرِ مِن غيرِ فرقٍ. قالَ في «التمهيد» (١): جميعُ ذلك كمسألتِنا، وإنْ سَلَّمْنا أسماءَ الحقائقِ فقطْ، فإنَّ لفظَ العُمومِ حقيقةٌ فيه ما لم نَجِدْ مُخَصِّصًا، وحقيقةٌ فيه وفي الخصوصِ، وأيضًا لا يَلْزَمُه طلبُ ما لا يَعلَمُه كطلبِ هل بَعَثَ اللهُ رسولًا.

стр. 562

(بَابٌ) (الظَّاهِرُ لُغَةً) خلافُ الباطنِ، وهو: (الوَاضِحُ) المنكشفُ، ومنه ظهورُ الأمرِ إذا اتَّضَحَ وانكشفَ، ويُطلَقُ على الشَّيءِ الشَّاخصِ المُرتفعِ، كما أنَّ الظَّاهرَ منَ الأشخاصِ: هو المرتفعُ الَّذِي تُبادِرُ إليه الأبصارُ، كذلك في المعاني. (وَ) أمَّا الظَّاهرُ (اصْطِلَاحًا) أي: عندَ الأُصُولِيِّينَ: (مَا) أي: لفظٌ (دَلَّ دَلَالَةً) لفظيَّةً (ظَنِّيَّةً وَضْعًا) كأسدٍ، (أَوْ) ظَنِّيَّةً (عُرْفًا) كغائطٍ، فالظَّاهرُ الَّذِي يُفيدُ معنًى معَ احتمالِ غيرِه، لكنَّه ضعيفٌ فبسببِ ضعفِه خفيٌّ، فلذلك سُمِّيَ اللَّفظُ لدَلالتِه على مقابلِه -وهو القويُّ- ظاهرًا كالأسدِ، فإِنَّه ظاهرٌ في الحيوانِ المُفتَرسِ في دَلالةِ اللَّفظِ الواحدِ معَ احتمالِ إرادةِ الرَّجُلِ الشُّجاعِ مجازًا، وقولي: «في دَلالةِ اللَّفظِ الواحدِ» ليَخرُجَ المُجملُ معَ المُبيَّنِ، فإِنَّه وإنْ أفادَ مَعنًى لا يَحتملُ غيرَه فإِنَّه لا يُسَمَّى مِثلُه نصًّا. (وَ التَّأْوِيلُ لُغَةً (١) مَصدَرُ أَوَّلْتُ الشَّيءَ إذا فَسَّرْتُه، وهو لغةً: (الرُّجُوعُ) مِن آلَ إذا رَجَعَ؛ لأنَّه رجوعٌ مِن الظَّاهرِ إلى الَّذِي آلَ إليه في دَلالته، قال اللهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ (٢) أي: ما يَؤُولُ إليه بَعثُهم ونُشورُهم، ومنه قولُه تَعالى: ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٣) أي: طلبَ ما يَؤُولِ إليه مَعناه. فائدةٌ: فَرَّقَ بعضُهم بينَ التَّأويلِ والتَّفسيرِ: أنَّ التَّأويلَ أكثرَ ما يُستعمَلُ في المعاني، وأكثرُه في الجملِ، والتَّفسيرُ في الألفاظِ، وأكثرُه في مفرداتِ الألفاظِ.

стр. 563

(وَ) التَّأويلُ (اصْطِلَاحًا) أي: في اصطلاحِ الأُصُولِيِّينَ: (حَمْلُ) مَعْنًى (ظَاهِرِ) اللَّفظِ (عَلَى) معنًى (مُحْتَمَلٍ (١) مَرْجُوحٍ) يَعني يَكُونُ للَّفْظِ دَلالتانِ: راجحةٌ، ومرجوحةٌ، فيُحمَلُ على المرجوحةِ، وهذا الحدُّ يَشمَلُ التَّأويلَ الصَّحيحَ والفاسدَ. (وَ) إنْ أَرَدْتَ أنْ تَحُدَّ التَّأويلَ الصَّحيحَ فـ (زِدْ) في الحدِّ (لِصَحِيحِهِ) على قولِه: «حملُ ظاهرٍ على مُحتمَلٍ مرجوحٍ» قولَك: (بِدَلِيلٍ يُصَيِّرُهُ رَاجِحًا) أي: حملُ ظاهرٍ بدليلٍ يُصَيِّرُ الحملَ راجحًا على مَدلولِه الظَّاهرِ، فيُسَمَّى تأويلًا صحيحًا، فإنْ تُرِكَ الظَّاهرُ لا لدليلٍ مُحَقَّقٍ بل لشُبَهٍ تَخَيَّلَ للسَّامعِ أنَّها دليلٌ، وعندَ التَّحقيقِ تَضمَحِلُّ: سُمِّيَ تأويلًا فاسدًا، ورُبَّما قِيلَ: تأويلًا بعيدًا (٢)، وقد يَكُونُ التَّأويلُ لا لشيءٍ مِن ذلك، فهذا لعبٌ لا يُعبَأُ به. إذا عُلم ذلك، فحَملُ اللَّفظِ على ظاهرِه لَيْسَ تأويلًا، وكذا حملُ المُشتَركِ ونَحوِه مِن المُتساوي على أحدِ مَحمَلَيْه أو محاملِه لدليلٍ لا يُسَمَّى تأويلًا، وحملُه على المجموعِ لا يُسَمَّى تأويلًا أيضًا. (١) (فَإِنْ قَرُبَ) التَّأويلُ: (كَفَى) في ترجيحِ الطَّرفِ المرجوحِ (أَدْنَى مُرَجِّحٍ) لقُربِه، مثلُ قولهِ تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٣) أي: إذا عَزَمْتُم. (٢) (وَإِنْ بَعُدَ) التَّأويلُ بأنْ كانَ الاحتمالُ المرجوحُ بعيدًا منَ الإرادةِ لعدمِ قرينةٍ تَدُلُّ عليه عقليَّةٍ أو حالِيَّةٍ أو مقاليَّةٍ، (افْتَقَرَ) في حَملِ اللَّفظِ عليه وصَرفِه عنِ الظَّاهرِ (إِلَى أَقْوَى) مُرَجِّحٍ.

стр. 564

(٣) (وَإِنْ تَعَذَّرَ) التَّأويلُ بأنْ لم يَحتمِلْه اللَّفظُ: (رُدَّ) وجوبًا، وحُكِمَ ببطلانِه؛ لعدمِ الدَّليلِ. إذا تَقَرَّرَ ذلك، (فَمِنَ) التَّأويلِ (البَعِيدِ: تَأْوِيلُ الحَنَفِيَّةِ قَوْلَهُ ﷺ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ (١) نِسْوَةٍ) وهو غَيلانُ بنُ سَلَمَةَ: («اخْتَرْ) مِنْهُنَّ أَرْبَعًا»، (وَفِي لَفْظٍ) آخَرَ: («أَمْسِكْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» (٢) أوَّلَتْه الحنفيَّةُ (عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ) لأربعٍ مِنهنُّ إنْ كانَ عَقَدَ عليهنَّ معًا، (أَوْ) على (إِمْسَاكِ) الأربعِ (الأَوَائِلِ) إنْ كانَ تَزَوَّجَهُنَّ مُتفرِّقاتٍ، وهو تأويلٌ بعيدٌ ومردودٌ، ووجهُ بُعدِه ورَدِّه بأنَّ الفُرقةَ لو وَقَعَتْ بالإسلامِ لم يُخَيِّرْه، وقد خَيَّرَه، والمُتبادِرُ عندَ السَّماعِ منَ الإمساكِ الاستدامةُ، والسُّؤالُ وَقَعَ عنه، وخصَّ التَّزويجَ فيهنَّ، ولم يُبَيِّنْ له شُروطَ النِّكاحِ معَ مسيسِ الحاجةِ إليه؛ لقُربِ إسلامِه، وأيضًا لم يُنقَلْ عنه ولا عن غيرِه مِمَّن أَسْلَمَ على أكثرَ مِن أربعٍ أنَّه جَدَّدَ النِّكاحَ، وأيضًا فالابتداءُ يَحتاجُ إلى رِضى مَن يَبْتدئها، ويَصيرُ التَّقديرُ: فارقِ الكُلَّ وابتدئْ بعدَ ذلك مَن شِئتَ، فيَضِيعُ قولُه: «اخْتَرْ أَرْبَعًا»؛ لأنَّه قد لا يَرضَيْنَ أو بَعضُهنَّ. (وَأَبْعَدُ مِنْهُ) أي: مِن هذا التَّأويلِ تأويلُهم (قَوْلَهُ ﷺ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ) وهو فيروزُ الدَّيْلَمِيُّ: («اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» (٣) أوَّلَتْه الحنفيَّةُ (عَلَى أَحَدِ الأَمْرَيْنِ) إمَّا الابتداءِ، أو إمساكِ الأُولى كما سَبَقَ، وإنَّما كانَ أبعدَ مِن الَّذِي قَبْلَه؛ لأنَّ النَّافِيَ للتَّأويلِ المذكورِ في الأوَّلِ هو الأمرُ الخارجُ

стр. 565

عنِ اللَّفظِ، وهو شهادةُ الحالِ، وهنا قد انْضَمَّ إلى شهادةِ الحالِ مانعٌ لفظًا، وهو قولُه ﷺ : «أَيَّتَهُمَا شِئْتَ»، فإنَّ بتقديرِ نِكاحِهما على التَّرتيبَ تعيينَ الأُولى للاختيارِ ولفظُ: «أَيَّتَهُمَا شِئْتَ» يَأباه. (وَ) منه تأويلُهم قولَه تَعالى: (﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (١) عَلَى إِطْعَامِ طَعَامِ سِتِّينَ) مسكينًا، فجَعَلُوا المعدومَ وهو «طعام» مذكورًا مفعولًا به، والمذكورَ وهو قولُه: «سِتِّينَ» مَعدومًا لم يَجْعَلوه مفعولًا به، وعَلَّلُوا ذلك بأنَّ المقصودَ دَفعُ الحاجةِ، ودفعُ حاجةِ سِتِّين كحاجةِ واحدٍ في سِتِّين يومًا معَ ظهورِ قصدِ العددِ لفضلِ الجماعةِ وبركتِهم وتضافرِهم على الدُّعاءِ للمُحسِنِ، وهذا لا يُوجَدُ في الواحدِ، وأيضًا حَملُه على ذلك تعطيلٌ للنَّصِّ ولهذه الحكمةِ شُرِعَتِ الجماعةُ في الصَّلَاةِ وغيرِها. (وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ) التَّأويلِ السَّابقِ تَأويلُهم ما في روايةِ أبي داودَ والتِّرمذيِّ (٢) مِن حديثِ ابنِ عمرَ في الغَنمِ: («فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» عَلَى قِيمَتِهَا) أي: أنَّ المرادَ في أربعينَ شاةً قيمةُ شاةٍ؛ لأنَّ اندفاعَ الحاجةِ كما يَكُونُ بالشَّاةِ يَكُونُ بقيمتِها، ووجهُ كَوْنِه أبعدَ ممَّا قبْلَه: لأنَّه يَلْزَمُ ألَّا تَجِبَ الشَّاةُ، فعادَ هذا الاستنباطُ على النَّصِّ بالإبطالِ وذلك غيرُ جائزٍ، وكلُّ فرعٍ اسْتُنبِطَ من أصلٍ يَبطُلُ ببطلانِه. (وَ) منه تأويلُهم قولَه ﷺ : («أَيُّمَا امْرَأَة نَكَحَتْ (٣) نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ) وفي روايةٍ: بَاطِلٌ (بَاطِلٌ بَاطِلٌ)، فَإِنْ أَصَابَهَا

стр. 566

فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (١) أوَّلَتْه الحنفيَّةُ: (عَلَى الصَّغِيرَةِ وَالأَمَةِ وَالمُكَاتَبَةِ)، ووجهُ بُعدِه أنَّ الصَّغيرةَ لَيسَتْ بامرأةٍ في لسانِ العربِ، فحَمْلُه على الصَّغيرةِ والأَمَةِ والمُكاتَبَةِ باطلٌ؛ لمصيرِه إليه غالبًا لاعتِراضِ الوليِّ إنْ تَزَوَّجَتْ بغيرِ كفؤٍ؛ لأنَّها مالكةٌ بُضْعَها، فكانَ كبيعِ مَالِها، فالصَّغيرةُ لا تُسَمَّى امرأةً، ونكاحُها موقوفٌ عندَهم، وقولُه ﷺ : «فَلَهَا المَهْرُ» إِنَّمَا مهرُ الأَمَةِ للسَّيِّدِ والمُكاتَبةُ نادرةٌ، فأبطلوا ظهورَ قصدِ التَّعميمِ لظهورِ «أيّ» مُؤكَّدَةً (٢) بـ: «ما» وتكريرِ لفظِ البُطلانِ على الرِّوايةِ الثَّانيةِ، وحَمْلُه على نادرٍ بعيدٍ كاللُّغزِ، وليسَ مثلُ هذا مِن كلامِ العربِ، ولا يَجُوزُ ولا يَصِحُّ الاستثناءُ بحيثُ لا يَبقى إلَّا النَّادرُ معَ إمكانِ قصدِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْعَ (٣) استقلالِ المرأةِ فيما يَلِيقُ بمحاسنِ العباداتِ، وهو النِّكاحُ. (وَ) أقربُ مِن هذا التَّأويلِ -معَ بُعدِه- تأويلُهم قولَه ﷺ : («لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» (٤) عَلَى) صَوْمِ (القَضَاءِ وَالنَّذْرِ

стр. 567

المُطْلَقِ)، فجَعَلوه كاللُّغزِ -أي: في حَمْلِهم العامَّ على صورةٍ نادرةٍ- وادَّعَوْا صِحَّةَ الصَّومِ بنِيَّةٍ مِنَ النَّهارِ، فإنْ ثَبَتَ ما ادَّعَوْه مِن الحُكْمِ بدليلٍ، فلْيُطلَبْ لهذا الحديثِ تأويلٌ قريبٌ عن هذا مِثلُ نفيِ الكمالِ. (وَ) مِن تأويلِهم أيضًا قولُه ﷺ : («ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (١) فيَروُونَ (٢) الحديثَ بنصبِ «ذَكَاةَ أُمِّهِ»، ويَحمِلُونَه (عَلَى التَّشْبِيهِ) ويُوجِبون ذكاةَ الجَنينِ كذكاةِ أُمِّه، وقالَ الجمهورُ: المحفوظُ الرَّفعُ، ووهَّموا روايةَ النَّصبِ، إمَّا لأنَّ «ذكاة» الأُولى خبَرٌ مُقدَّمٌ، و «ذكاة» الثَّاني هو المبتدأُ (٣)؛ أي: ذكاةُ أمِّ الجنينِ ذكاةٌ له، وإلَّا لم يَكُنْ للجنينِ مَزِيَّةٌ، وحقيقةُ الجنينِ: ما كانَ في البطنِ، فعُلِمَ أنَّه لَيْسَ المرادُ أنَّه يُذَكَّى كذكاةِ أُمِّه، بل إنَّ ذكاةَ أُمِّه ذكاةٌ له كافيةٌ عن تَذكيتِه. (وَ) منه تأويلُهم قولَه تَعالى: (﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٤) في آيتيِ الفيءِ والغنيمةِ (عَلَى الفُقَرَاءِ مِنْهُمَا) أي: مِن ذوي القُربى دونَ الأغنياءِ؛ لأنَّ المقصودَ سدُّ الخَلَّةِ، ولا خَلَّةَ معَ الغِنى، فأَبْطَلُوا العُمومَ معَ ظهورِ أنَّ القَرابةَ هي العِلَّةُ لتَعظيمِها وتشريفِها معَ إضافتِه بلامِ التَّمليكِ، ولا يَلْزَمُنا ذلك في اليُتمِ للخلافِ فيه، ثمَّ لفظُ اليتيمِ معَ قرينةِ دفعِ المالِ مُشعِرٌ بالحاجةِ ولا يَصلُحُ مُجَرَّدُه عِلَّةً، بخلافِ القَرابةِ، فإنَّها مناسبةٌ للإكرامِ باستحقاقِ خُمسِ الخمسِ.

стр. 568

(وَ) مِن التَّأويلِ البعيدِ تأويلُ (المَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) قولَه ﵇: («مَنْ مَلَكَ ذَا مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» (١) حَمَلُوه (عَلَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ) وهمُ الأصولُ والفروعُ؛ لأنَّ مَذهبَهم اختصاصُ العتقِ بذلك، لا مُطلقُ الرَّحمِ، وإنَّما كانَ بعيدًا لصرفِه اللَّفظَ العامَّ على بعضِ مَدلولاتِه مِن غيرِ دليلٍ، ولظهورِ قصدِه للتَّنبيهِ على حُرمةِ المَحرمِ وصِلَتِه. فائدةٌ: قال ابنُ مُفْلِحٍ: وعدَّ الآمِدِيُّ (٢) من التَّأويلِ البعيدِ قولَ القائلينَ بوجوبِ غَسلِ الرِّجلينِ أنَّه المرادُ مِن آيةِ الوضوءِ؛ لتَركِ ظاهرِ التَّشريكِ في المسحِ بلا ضرورةٍ، فقِيلَ له: لا يُوجِبُ العطفُ الاشتِراكَ في تفاصيلِ حُكمِ المعطوفِ عليه؟ فقالَ: هذا الأصلُ. وجوابُه: المنعُ، وسَبَقَتْ في العُمومِ، ثمَّ قراءةُ نصبِ الأرجلِ صريحةٌ أو ظاهرةٌ، وقراءةُ الجرِّ مُحتمِلةٌ، ثمَّ إنْ سُلِّمَ ظُهورُها تَعَيَّنَ الغسلُ بالسُّنَّةِ المُتواترةِ وإجماعِ الصَّحابةِ (٣).

стр. 569

(بَابُ المَنْطُوقِ وَالمَفْهُومِ) (الدَّلَالَةُ) مصدرُ دَلَّ وهي كونُ الشَّيءِ يَلْزَمُ مِن فَهمِه فهمُ شيءٍ آخَرَ، وتَقَدَّمَ أوَّلَ الكتابِ. و (تَنْقَسِمُ إِلَى: مَنْطُوقٍ) وإلى مفهومٍ، أي: ما يُفهَمُ مِن الدَّلالةِ قد يَكُونُ مِن بابِ النُّطقِ، وقد يَكُونُ مِن بابٍ غيرِ النُّطقِ؛ لأنَّ المعنى المُستفادَ مِن اللَّفظِ إنِ اسْتُفيدَ مِن حيثُ النُّطقُ به: سُمِّيَ منطوقًا، أو من حيثُ السُّكُوتُ اللَّازمُ للَّفظِ: سُمِّيَ مفهومًا. (وَ) المنطوقُ: (هُوَ مَا) أي: معنًى (دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظٌ فِي مَحَلِّ نُطْقٍ) وهو نوعانِ: صريحٌ، وغيرُ صريحٍ. (فَإِنْ وُضِعَ) اللَّفظُ (لَهُ) أي: لذلك المعنى (فَـ) المنطوقُ (صَرِيحٌ) فيَدُلُّ اللَّفظُ على المعنى بالمُطابقةِ أو التَّضمُّنِ حقيقةً ومجازًا. (وَ) النَّوعُ الثَّاني (إِنْ لَزِمَ) المعنى (عَنْهُ) أي: عنِ اللَّفظِ بأن يَدُلَّ على المعنى في غيرِ ما وُضِعَ له، وإنَّما يَدُلُّ من حيثُ إنَّه لازمٌ له، فهو دالٌّ عليه بالالتزامِ، (فَغَيْرُهُ) أي: فهذا المنطوقُ غيرُ صريحٍ وهو ثلاثةُ أقسامٍ: اقتضاءٌ، وإشارةٌ، وإيماءٌ؛ لأنَّ المعنى إمَّا أنْ يَكُونَ مقصودًا للمُتَكَلِّمِ ولكنْ يَتَوَقَّفُ على ما يُصَحِّحُه أو لا يَتَوَقَّفُ، أو يَكُونَ غيرَ مقصودٍ للمُتَكَلِّمِ، وجهاتُ التَّوقُّفِ ثلاثٌ: ما يَتَوَقَّفُ فيه صِدقُ اللَّفظِ، وما يَتَوَقَّفُ فيه صِحَّةُ الحُكمِ عقلًا، وما يَتَوَقَّفُ فيه صِحَّةُ الحُكمِ شرعًا. الأوَّلُ مِنها: (وَ) هو (إِنْ قُصِدَ) أي: قَصَدَ المُتَكَلِّمُ المَعنى (وَتَوَقَّفَ الصِّدْقُ) أي: صدقُ اللَّفظِ (عَلَيْهِ) أي: على المعنى (كَـ) قولِه ﷺ :

стр. 570

(«رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ) وَالنِّسْيَانُ» (١)، فإنَّ ذاتَ الخطأِ والنِّسيانِ لم يَرتفعا، فيَتَضَمَّنُ ما يَتَوَقَّفُ عليه الصِّدقُ مِن لفظِ الإثمِ والمؤاخذةِ ونحوِ ذلك. (أَوْ) أي: والثَّاني مِن جهاتِ التَّوقُّفِ: ما يُتَوَقَّفُ فيه (الصِّحَّةُ) أي: صِحَّةُ الحُكْمِ (عَقْلًا، كَـ) ـقولِه تَعالى: (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أي: أهلَ القريةِ؛ إذْ لو لم يُقَدَّرْ ذلك لم يَصِحَّ ذلك عقلًا؛ إذِ القريةُ لا تُسأَلُ. (أَوْ) أي: والثَّالثُ مِن جهاتِ التَّوقُّفِ: ما يُتَوَقَّفُ فيه صِحَّةُ الحُكْمِ (شَرْعًا، كَـ) ـقولِ القائلِ: (أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي) على مئةٍ، فإِنَّه يُقَدَّرُ وقوعُ بيعٍ ضمنيٍّ؛ لاستدعاءِ سَبْقِ المِلكِ لتوقُّفِ العتقِ عليه. إذا عَرَفْتَ ذلك، (فَـ) دَلالةُ اللَّفظِ في الجهاتِ الثَّلاثِ (دَلَالَةُ اقْتِضَاءٍ) لاقتضائِها شيئًا زائدًا على اللَّفظِ. (وَ) القِسمُ الثَّاني: (إِنْ لَمْ يُقْصَدْ) أي: لم يَقصِدِ المُتكلِّمُ المَعنى مِن اللَّفظِ، كقولِه ﷺ : «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ»، قِيلَ: وما نُقصانُ دِينِهِنَّ؟ قال: «تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» (٣). (فَـ) ـهذا (دَلَالَةُ إِشَارَةٍ) لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم (٤) يَقصِدْ بيانَ أكثرِ الحيضِ وأقلِّ الطُّهرِ، لكنْ لَزِمَ مِنِ اقتضاءِ المبالغةِ ذِكْرُ ذلك. (وَ) القِسْمُ الثَّالثُ: (إِنْ لَمْ يَتَوَقَّفِ) المعنى على ما يُصَحِّحُه (وَاقْتَرَنَ) الملفوظُ به (بِحُكْمٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِتَعْلِيلِهِ) أي: لتعليلِ ذلك الحُكْمِ (كانَ) ذلك

стр. 571

الاقتِرانُ (بَعِيدًا) يَعني لاستُبعِدَ مِن لفظِ الشَّارِعِ مِثْلُه؛ لتَنَزُّهِ كلامِه عمَّا لا فائدةَ فيه، كقولِه ﵇: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (١)، (فَـ) ـدَلالةُ هذا دَلالةُ (تَنْبِيهٍ، وَيُسَمَّى) التَّنبيهُ: (إِيمَاءً)، وسيَأتي في الثَّاني مِن مسالكِ العِلَّةِ بأقسامٍ مُفَصَّلَةٍ. فائدةٌ: جَعَلَ دَلالةَ الاقتضاءِ والإشارةِ مِن أقسامِ المنطوقِ، وكذلك دَلالةَ التَّنبيهِ والإيماءِ، وهي طريقةُ ابنِ الحاجبِ (٢) وابنِ مُفْلِحٍ (٣) وجماعةٍ، وجَعَلَها الغَزَّالِيُّ (٤) أقسامًا للمفهومِ، وانتصرَ الأصفهانِيُّ (٥) لابنِ الحاجبِ. قالَ البِرْمَاوِيُّ: وهو الظَّاهرُ؛ لأنَّ للَّفظِ دَلالةً عليها مِن حيثُ هو منطوقٌ، بخلافِ المفهومِ، فإِنَّه إِنَّمَا يَدُلُّ من حيثُ هو قضيَّةٌ عقليَّةٌ خارجةٌ عنِ اللَّفظِ (٦). قالَ في «شرح الأصل»: قال بعضُ شيوخِنا: ويُمكِنُ أنْ يُجعَلَ ذلك واسطةً بينَ المنطوقِ والمفهومِ، ولهذا اعتَرفَ بها مَن يُنكِرُ المفهومَ (٧). (وَالنَّصُّ): هو (الصَّرِيحُ) من اللَّفظِ لا يُعدَلُ عنه إلَّا بنسخٍ، زادَ القاضي: وإنِ احتملَ غيرَه (٨)، (وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلِ) النَّصُّ (تَأْوِيلًا؛ فَـ) هو (مَقْطُوعٌ بِهِ) أي: بدَلالتِه.

стр. 572

قالَ القَرَافِيُّ: للنَّصِّ ثلاثةُ اصطلاحاتٍ: أحدُها: ما لا يَحتملُ التَّأويلَ. الثَّاني: ما احتملَه احتمالًا مرجوحًا؛ كالظَّاهرِ، وهو الغالبُ في إطلاقِ الفقهاءِ. الثَّالثُ: ما دَلَّ على معنًى كيف كانَ (١). انتهى. ويُطلَقُ النَّصُّ على الظَّاهرِ، فالنَّصُّ لغةً: الكشفُ والظُّهورُ، ومنه نَصَّتِ الظَّبْيَةُ رَأْسَها؛ أي: رَفَعَتْه وأَظْهَرَتْه، ومنه مِنَصَّةُ العروسِ. وقالَ أبو الفَرجِ المَقْدِسِيُّ (٢): حَدُّ النَّصِّ في الشَّرعِ ما عُرِّيَ لفظُه عنِ الشَّرِكَةِ، ومَعناه عنِ الشَّكِّ (٣). تنبيهٌ: تَقَدَّمَ أنَّ الدَّلالةَ تَنقسمُ إلى: منطوقٍ، (وَإِلَى مَفْهُومٍ)، وتَقَدَّمَ الكلامُ على المنطوقِ، (وَ) أمَّا المفهومُ فـ (ـهُوَ) في الأصلِ لكلِّ ما فُهِمَ مِن نُطقٍ أو غيرِه؛ لأنَّه اسمُ مفعولٍ، فهو يُفهَمُ، لكنِ اصطلحوا على اختصاصِه بأنَّه: (مَا دَلَّ عَلَيْهِ) لفظٌ (لَا فِي مَحَلِّ نُطْقٍ) وهو المفهومُ المُجرَّدُ الَّذِي لا يَستندُ إلى النُّطقِ لكنْ فُهِمَ مِن غيرِ تصريحٍ بالتَّعبيرِ عنه، بل له استنادٌ إلى طريقٍ عقليٍّ، ولا خلافَ أنَّ دَلالةَ المفهومِ ليسَتْ وضعيَّةً إِنَّمَا هي إشاراتٌ ذهنيَّةٌ مِن بابِ التَّنبيهِ على شيءٍ بشيءٍ. وهو نوعانِ: مفهومُ مُوافقةٍ، ومفهومُ مُخالفةٍ.

стр. 573

(فَـ) الأوَّلُ منهما (إِنْ وَافَقَ) المسكوتُ عنه المنطوقَ في الحُكمِ (فَـ) هو (مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، وَيُسَمَّى) مفهومُ المُوافقةِ («فَحْوَى الخِطَابِ» وَ «لَحْنَهُ») أي: لحنَ الخطابِ، (وَ) زادَ القاضي (١) وغيرُه في تسميتِه: (مَفْهُومَهُ) أي: مفهومَ الخطابِ، وسَمَّى جماعةٌ الأَولى فَحوَى الخطابِ، والمُساويَ لحنَ الخطابِ. مثالُ فحوى الخطابِ: ما يُفهَمُ منه بطريقِ القطعِ، كدَلالةِ تحريمِ التَّأفيفُ على تحريمِ الضَّربِ، فهو أَوْلى مِنه بالتَّحريمِ؛ لأنَّه أشدُّ منه، ولحنُ الخطابِ أي: مَعناه، وهو ما لاحَ في أثناءِ اللَّفظِ، مأخوذٌ مِن قولِه تَعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٢) أي: في مَعناه، مثالُه: إحراقُ مالِ اليتيمِ الدَّالُّ عليه نظرًا في المعنى في قولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٣)، فالإحراقُ مُساوٍ لأكلِ مالِهم بواسطةِ الإتلافِ في الصُّورتَينِ، وحَكَى الماورديُّ في الفرقِ بينَ فَحوى الخطابِ ولحنِه وجهينِ: أحدُهما: ما سَبَقَ. والثَّاني: أنَّ الفَحوى ما نَبَّهَ عليه اللَّفظُ، واللَّحنَ ما يَكُونُ مُحالًا على غيرِ المرادِ في الأصلِ والوضعِ، والمفهومُ ما يَكُونُ المرادُ به المظهرَ والمسقطَ. انتهى. إذا عُرف ذلك، فتحريمُ الضَّربِ مِن قولِه تَعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٤) مِن بابِ التَّنبيهِ بالأدنى وهو التَّأفيفُ على الأعلى وهو الضَّربُ.

стр. 574

(وَشَرْطُهُ) أي: شرطُ مفهومِ المُوافقةِ (فَهْمُ المَعْنَى) مِن اللَّفظِ (فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَأَنَّهُ) أي: المفهومَ (أَوْلَى) بالحُكمِ مِن المنطوقِ (أَوْ مُسَاوٍ لَهُ) في الحُكمِ، وتَقَدَّمَ مِثالُهما. (وَهُوَ) أي: مفهومُ المُوافقةِ (حُجَّةٌ) لتَبادُرِ فَهمِ العُقلاءِ. (وَدَلَالَتُهُ: لَفْظِيَّةٌ) على الصَّحيحِ لفهمِه لغةً قبْلَ شرعِ القياسِ، ولاندراجِ أصلِه في فرعِه، نحوُ: لا تُعطِه ذَرَّةً، ولأنَّه لا يَحسُنُ الاستفهامُ، ويَشتَركُ في فَهمِه اللُّغويُّ وغيرُه بلا قرينةٍ، فعلى كَوْنِ دَلالةِ مفهومِ المُوافقةِ لفظيَّةً (فُهِمَتْ مِنَ السِّيَاقِ وَالقَرَائِنِ) لأنَّ اللَّفظَ للدَّلالةِ عُرفًا، فهي لفظيَّةٌ حقيقةً، نُقِلَ اللَّفظُ في العُرفِ مِن وضعِه الأصليِّ لثبوتِ الحُكمِ في المذكورِ خاصَّةً، إلى ثبوتِ الحُكمِ في المذكورِ والمسكوتِ معًا. والمُرادُ بالقرائنِ هنا: المُفيدةُ للدَّلالةِ، لا المانعةُ مِن إرادةِ المعنى الحقيقيِّ، ولا شكَّ أنَّ قولَه تَعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) مُستعمَلٌ في مَعناه الحقيقيِّ، غايتُه أنَّه عُلِمَ منه حُرمةُ الضَّربِ بقرائنِ الأحوالِ وسياقِ الكلامِ، واللَّفظُ لا يَصيرُ بذلك مجازًا. (وَهُوَ) أي: مفهومُ المُوافقةِ نوعانِ: أحدُهما: (قَطْعِيٌّ، كَـ) احتجاجِ أحمدَ في (رَهْنِ مُصْحَفٍ عِنْدَ ذِمِّيٍّ) بنَهيِه ﵇ عنِ السَّفرِ بالقُرآنِ إلى أرضِ العدوِّ مَخافَةَ أنْ تنالَه (٢) أيديهم، فهذا قاطعٌ، والقطعيُّ كونُ التَّعليلِ بالمعنى، وكونُه أشدَّ مناسبةً للفرعِ وكونُهما قَطعيَّينِ، فإنْ كانَ أحدُهما ظَنِّيًّا فظَنِّيٌّ.

стр. 575

(وَ) النَّوعُ الثَّاني: (ظَنِّيٌّ، كَـ) قولِهم: (إِذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، فَكَافِرٌ أَوْلَى) بردِّ شهادتِه؛ إذِ الكفرُ فسقٌ وزيادةٌ، فهذا ظَنِّيٌّ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه واقعٌ في مَحَلِّ الاجتهادِ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكافرُ عدلًا في دينِه، فيَتَحَرَّى الصِّدقَ والأمانةَ، ولهذا قُلْنا: إنَّ الكافرَ العدلَ في دينِه يَلي مالَ ولدِه على الصَّحيحِ بخلافِ المسلمِ الفاسقِ، فإنَّ مُستنَدَ قَبولِ شهادتِه العدالةُ، وهي مفقودةٌ، فهو في مَظِنَّةِ الكذبِ؛ إذْ لا وازعَ له عنه، فهذا ظَنِّيٌّ غيرُ قاطعٍ. إذا عُلِمَ (١) ذلك، فمفهومُ المُوافقةِ: إمَّا قاطعٌ كآيةِ التَّأفيفِ، وإمَّا ظنِّيٌّ، ثمَّ الظَّنِّيُّ: إمَّا صحيحٌ واقعٌ في مَحَلِّ الاجتهادِ كردِّ الشَّهادةِ كما ذُكِرَ، وإمَّا فاسدٌ. (وَ) مِن الفاسدِ (مِثْلُ) قولِك: (إِذَا جَازَ سَلَمٌ مُؤَجَّلًا، فَـ) هو (حَالٌّ) أَجْوزُ أي: (أَوْلَى) بالجوازِ؛ (لِبُعْدِ) ـه مِن (غَرَرٍ)؛ إذِ المُؤجَّلُ على غررٍ هل يَحصُلُ أو لا يَحصُلُ، والحالُّ مُتَّفقُ الحصولِ في الحالِّ فهو أَولى بالصِّحَّةِ، (وَ) هذا (هُوَ المَانِعُ) لكنَّه (فَاسِدٌ) مردودٌ بأنَّ الغَرَرَ في العقودِ مانعٌ مِن الصِّحَّةِ لا مُقتضٍ لها؛ (إِذْ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ لِانْتِفَاءِ مَانِعِهِ، بَلْ) يَثْبُتُ الحُكْمُ (لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ) أي: مُقتضِي الحُكْمِ؛ إذ قد سَبَقَ أنَّ المانعَ يَلْزَمُ مِن وجودِه العدمُ، ولا يَلْزَمُ مِن عَدمِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه (٢)، (وَ) المُقتضِي لصِحَّةِ السَّلَمِ (هُوَ: الِارْتِفَاعُ بِالأَجَلِ) كالأجلِ في الكتابةِ، وهو منتفٍ في الحالِّ، والغَرَرُ مانعٌ، لكنَّه احتُمِلَ في المُؤجَّلِ رُخصةً وتخفيفًا للمقتضى، وهو الارتفاقُ. (وَإِنْ خَالَفَ) المسكوتُ المنطوقَ في الحُكْمِ (فَـ) هو (مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ) وهذا النَّوعُ الثَّاني مِن نوعيِ المفهومِ (وَيُسَمَّى (٣) هذا النَّوعُ (دَلِيلَ الخِطَابِ)

стр. 576

لأنَّ دَلالتَه مِن جنسِ دَلالاتِ الخطابِ، أو لأنَّ الخطابَ دالٌّ عليه أو (١) لمُخالفتِه منظومَ الخطابِ. (وَشَرْطُهُ) أي: يُشتَرَطُ في العملِ بمفهومِ المُخالفةِ، وهو إثباتُ خلافِ المذكورِ للمسكوتِ شروطٌ، بعضُها راجعٌ للمسكوتِ وبعضُها للمذكورِ. (١) فمِنَ الأوَّلِ: (ألَّا تَظْهَرَ) فيه (أَوْلَوِيَّةٌ) بالحُكمِ مِن المذكورِ (وَلَا مُسَاوَاةٌ فِي مَسْكُوتٍ عَنْهُ)، فلو كانَ كذلك كانَ حينئذٍ مفهومَ المُوافقةِ كما سبق. (٢) (وَ) مِن الثَّاني: أن (لَا) يَكُونَ (خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ) أي: ألَّا يَكُونَ ذُكِرَ لكونِه الغالبَ عادةً، وأمَّا إنْ جَرَى على الغالِبِ فإِنَّه لا يُعتبَرُ مفهومُه؛ كقولِه تَعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ (٢)، فتَقييدُ تحريمِ الرَّبيبةِ بكَوْنِها في حجْرِه لكونِه الغالبَ، فلا يَدُلُّ على حِلِّ الرَّبيبةِ الَّتي ليسَتْ في حجرِه عندَ الأكثرِ، (فَـ) على هذا، وهو القولُ بأنَّ مِن شرطِه ألَّا يَكُونَ خَرَجَ مَخرَجَ الغالبِ (لَا يَعُمُّ) ولهذا احتجَّ العُلَمَاءُ عن (٣) اختصاصِ تحريمِ الرَّبيبةِ بالحجرِ للآيةِ، وأجابوا بأنَّه لا حُجَّةَ فيها لخروجِها على (٤) الغالبِ، وقِيلَ: إنَّه شرطٌ في تحريمِ الرَّبيبةِ. قالَ أبو المَعَالي (٥): له مفهومٌ؛ يعني إنْ جرى على الغالبِ ترجيحًا لِمَا أَشْعَرَ به اللَّفظُ على القَرينةِ العُرفيَّةِ، وقالَ: المفهومُ مِن مُقتضياتِ اللَّفظِ فلا يُسقِطُه موافقةُ الغالبِ.

стр. 577

وقد قال مالكٌ باعتبارِه فلم تَحرُمِ الرَّبيبةُ الكبيرةُ في قولٍ له؛ لأنَّها ليسَتْ في حجرِه. (٣) (وَ) مِن شرطِ العملِ بمفهومِ المُخالفةِ أن (لَا) يَكُونَ خَرَجَ (مَخْرَجَ تَفْخِيمٍ) وتأكيدٍ، كحديثِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ» (١) الحديثَ، فقيدُ الإيمانِ للتَّفخيمِ في الأمرِ، وأنَّ هذا لا يَليقُ بمَن كانَ مؤمنًا. (٤) (وَ) مِن شرطِه أيضًا أن (لَا) يَكُونَ اللَّفظُ خَرَجَ (جَوَابًا لِسُؤَالٍ)، فإنْ خَرَجَ جوابًا لسؤالٍ (٢) فلا مفهومَ له، مثلُ أنْ يُسألَ النَّبِيُّ ﷺ : هل في الغنمِ السَّائمةِ زكاةٌ؟ فلا يَلْزَمُ من جوابِ السُّؤالِ عن إحدى (٣) الصِّفتينِ أن يَكُونَ الحُكمُ على الضِّدِّ في الأُخرى؛ لظهورِ فائدةٍ في الذِّكرِ غيرِ الحُكمِ بالضِّدِّ. وزادَ الشَّيخُ (٤): «أو حاجةٍ إلى بيانٍ»، قال: إنْ تَقَدَّمَ ما يَقتضي التَّخصيصُ مِن سؤالٍ أو حاجةٍ إلى بيانٍ؛ كقولِه ﷺ : «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (٥) فلا مفهومَ له. (٥) (وَ) مِن شرطِه أيضًا أن (لَا) يَكُونَ المذكورُ خَرَجَ (لِزِيَادَةِ امْتِنَانٍ) على المسكوتِ، كقولِه تَعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٦) فلا يَدُلُّ على منعِ القَديدِ.

стр. 578

(٦) (وَ) مِن شرطِه أيضًا أن (لَا) يَكُونَ المذكورُ خَرَجَ (لِـ) بيانِ حُكْمِ (حَادِثَةٍ) اقتضَتْ بيانَ الحكمِ فيه، كما لو قيلَ بحضرةِ النَّبِيِّ ﷺ : لزيدٍ غنمٌ سائمةٌ، فقالَ: في السَّائمةِ الزَّكاةُ؛ إذِ القصدُ الحُكمُ (١) على تلك الحادثةِ لا النَّفيُ عمَّا عداها. (٧) (وَ) شرطُه أيضًا أن (لَا) يَكُونَ المذكورُ (لِتَقْدِيرِ جَهْلِ المُخَاطَبِ) به دونَ المسكوتِ عنه، بأن عَلِمَ المخاطَبُ وُجوبَ زكاةِ المعلوفةِ، ويَجهَلُ حُكمَ السَّائمةِ، فيَذكُرُ له حُكمَها. (٨) (وَ) شرطُ العملِ بالمفهومِ أيضًا أن (لَا) يَكُونَ المذكورُ (لِرَفْعِ خَوْفٍ، وَنَحْوِهِ (٢) بأنْ يَتْرُكَ ذِكْرَ حُكمِ المسكوتِ لخوفٍ على المخاطَبِ أمرًا ما، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّ هذا فائدةُ التَّخصيصِ للمذكورِ بالذِّكرِ، أو يَكُونَ المُتكلِّمُ يَخافُ مِن التَّصريحِ بحُكمِ المسكوتِ أمرًا مِن ذلك، وهذا في المُتكلِّمِ إذا كانَ غيرَ الشَّارِعِ، وذلك كقولِك لمَن يَخافُ مِن تركِ الصَّلَاة المُوَسَّعةِ: «تركُها في أوَّلِ الوقتِ جائزٌ»، لَيْسَ مفهومُه عدمَ الجوازِ في باقي الوقتِ، وهكذا إلى أن يَتَضَيَّقَ. (٩) (وَ) من الشُّروطِ أيضًا أن (لَا) يَكُونَ المذكورُ (عُلِّقَ حُكْمُهُ عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ) فلا مفهومَ له حينئذٍ؛ كقولِه تَعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٣) الآيةَ، أرادَ نفيَ الحرجِ عمَّن طَلَّقَ ولم يَمَسَّ وإيجابَ المُتعةِ تبعًا.

стр. 579

فوائدُ: إحداها: مِن الشُّروطِ أيضًا ألَّا يَكُونَ عهدٌ، فإنْ كانَ فهو بمنزلةِ الاسمِ اللَّقبِ الَّذِي يُحتاجُ إليه في التَّعريفِ، فلا يَدُلُّ على نفيِ الحُكمِ عمَّا عداه، وقد ذُكِرَتْ شروطٌ أُخرى غيرُ ما ذُكِرَ لا حاجةَ إلى ذِكرِها. الثَّانيةُ: ما تَقَدَّمَ منَ الشُّروطِ يَقتضي تخصيصَ المذكورِ بالذِّكرِ لا نفيَ الحُكمِ عن غيرِه. الثَّالثةُ: الضَّابطُ لهذه الشُّروطِ وما في مَعناها أن (١) لا يَظهَرَ لتخصيصِ المنطوقِ فائدةٌ غيرُ نفيِ الحُكمِ عن المسكوتِ عنه. الرَّابعةُ: ممَّا احتجَّ به للمفهومِ: قولُه ﵊: «يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الكَلْبُ الأَسْوَدُ»، فسَأَلَه أبو ذرٍّ: ما بالُ الأسودِ مِن الأحمرِ مِن الأصفرِ! فقالَ: «شَيْطَانٌ» (٢). وقد قال أحمدُ عن قولِه ﵇: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (٣): يَدُلُّ على أنَّ الوصيَّةَ لمن لا يَرِثُ، واللهُ أعلمُ. (وَيَنْقَسِمُ) مفهومُ المُخالفةِ (إِلَى) سِتَّةِ أقسامٍ: (مَفْهُومِ صِفَةٍ، وَتَقْسِيمٍ، وَشَرْطٍ، وَغَايَةٍ، وَعَدَدٍ لِغَيْرِ مُبَالَغَةٍ، وَلَقَبٍ). (فَالأَوَّلُ): وهو مفهومُ الصِّفَةِ رأسُ المفاهيمِ، ولهذا بَدَأَ به، قال أبو المَعالي: لو عَبَّرَ مُعبِّرٌ عن جميعِ المفاهيمِ بالصِّفَةِ كانَ ذلك مُتَّجِهًا؛ لأنَّ

стр. 580

المعدودَ والمحدودَ موصوفانِ بعددِها وحدِّها، وكذا سائرُ المفاهيمِ (١). انتهى. ومرادُه: أنَّ معنى الوصفيَّةِ يَدَّعِي رجوعَ الكلِّ إليه باعتبارٍ، وإنْ كانَ المقصودُ هنا نوعًا من ذلك خاصًّا باعتبارِ الآتي بيانُه. إذا تَقَرَّرَ ذلك فمفهومُ الصِّفَةِ: (أَنْ يَقْتَرِنَ بِعَامٍّ صِفَةٌ خَاصَّةٌ) قال الطُّوفِيُّ وغيرُه: هي تعقيبُ ذِكْرِ الاسمِ بصفةٍ خاصَّةٍ في معرضِ الاستدلالِ (٢)، (كَـ) قولِه: (فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ)، ونحوِ: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» (٣) وهذا لفظُ الحديثِ، ولذلك قال كثيرٌ مِن العلماءِ: هو تعليقُ الحكمِ بإحدى صِفتيِ الذَّاتِ، فشَمِلَ المثالينِ، وبينَ الصِّيغتَينِ فرقٌ في المعنى. وقالَ ابنُ العِراقيِّ: الحقُّ عِندي أنَّه لا فرقَ بينَهما، فإنْ قُلْنا: «سائمةُ الغنمِ» مِن إضافةِ الصِّفَةِ إلى موصوفِها، فهي في المعنى كالأُولى، والغنمُ موصوفةٌ والسَّائمةُ صفةٌ على كلِّ حالٍ، وقد عُلِمَ أنَّه لَيْسَ المرادُ بالصِّفَة هنا النَّعتَ، ولهذا مَثَّلُوا بقولِه ﷺ : «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٤)، والتَّقييدُ فيه بالإضافةِ لكنَّه في معنى الصِّفَةِ، فإنَّ المرادَ به المطلُ الكائنُ مِن الغنيِّ لا مِن الفقيرِ. (وَهُوَ) أي: مفهومُ الصِّفَة بأنواعِه الآتيةِ (حُجَّةٌ) مَعمولٌ به عندَ الأكثرِ (لُغَةً) أي: من حيثُ دَلالةُ اللُّغةِ ووضعُ اللِّسانِ على الصَّحيحِ، ووجهُه: لو

стр. 581

لم يَدُلَّ عليه لغةٌ لَمَا فَهِمَه أهلُها، «لَيُّ (١) الوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ» رَوَاه أحمدُ (٢) وغيرُه؛ أي: مطلُ الغنيِّ. وفي الصَّحيحين: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٣). وفيهما: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» (٤). قالَ أبو عُبيدٍ (٥): في الأوَّلِ يَدُلُّ على أنَّ لَيَّ مَن لَيْسَ بواجدٍ لا يُحِلُّ عُقوبتَه وعِرضَه، وفي الثَّاني مثلُه، وقِيلَ له في الثَّالثِ: المرادُ الهجاءُ، وهجاءُ النَّبِيِّ ﷺ . فقالَ: لو كانَ كذلك لم يَكُنْ لذِكرِ الامتلاءِ مَعنًى؛ لأنَّ قلبَه كذلك، فأَلْزَمَ أبو عُبيد من تقديرِ الصِّفَةِ المفهومَ قدرَ الامتلاءِ صفةً للهجاءِ، وهو مِن أئمَّةِ اللُّغةِ. وذكر ابن مُفْلِحٍ (٦) قولَ المُخالفِ: لو دَلَّ مفهومُ الصِّفَةِ لم يَحسُنِ الاستفهامُ، رُدَّ: ذَكَرَ أصحابُنا منعًا كصريحٍ وتسليمًا لرفعِ الاحتمالِ، وجَزَمَ به ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ معنى الخطابِ مُقَدَّمٌ (٧) عليه عندَ جمهورِ العلماءِ. (وَيَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ فِيهِ) نحوُ: لا تَشرَبِ الخمرَ؛ فإنَّه (٨) يُوقِعُ العَداوةَ، فيقول: هل (٩) أشربُ النَّبيذَ؟ ولا يُنكِرُ أحدٌ استفهامَه هذا.

стр. 582

(وَمَفْهُومُهُ) عندَ المُعظمِ، أي مفهومُ قولِه: «فِي الغَنَمِ السَّائِمَةُ الزَّكَاةُ»، و «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» (١) (لَا زَكَاةَ فِي مَعْلُوفَةِ الغَنَمِ، فَالغَنَمُ وَالسَّوْمُ: عِلَّةٌ) لتَعَلُّقِ الحُكْمِ بهما. والقولُ الثَّاني: أنَّ قولَه: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» يَدُلُّ على نفيِها عن كلِّ معلوفةٍ مِن الإبلِ والبقرِ والغنمِ، وصَحَّحَه أبو حامدٍ وغيرُه، فعليه السَّومُ وحَدُّه علَّةٌ، ووجهُه: أنَّ المفهومَ نقيضُ المنطوقِ سائمةُ الغنمِ دونَ غيرِها. (وَهُوَ) أي: مفهومُ الصِّفَةِ (فِي بَحْثٍ عَمَّا يُعَارِضُهُ كَـ) لفظٍ (عَامٍّ) فيُفهَمُ منه أنَّه يَجِبُ اعتقادُه والعملُ به قَبْلَ البحثِ عمَّا يُعارِضُه كبقيَّةِ الدَّلائلِ. (وَمِنْهَا) أي: مِن مفهومِ الصِّفَةِ (عِلَّةٌ، وَظَرْفٌ، وَحَالٌ)، فمفهومُ العِلَّةِ: تعليقُ الحُكمِ بعلَّةٍ، كـ: حُرِّمَتِ الخمرُ لشِدَّتِها والسُّكْرُ لحلاوتِه، فيَدُلُّ على أنَّ غيرَ الشَّديدِ وغيرَ الحلوِ لا يَحرُمُ، وهو أخصُّ مِن مفهومِ الصِّفَةِ؛ لأنَّ الوصفَ قد يَكُونُ تَتميمًا للعلَّةِ كالسَّومِ، فإِنَّه تتميمٌ للمعنى الَّذِي هو علَّةٌ. ومفهومُ الظَّرفِ: إمَّا لزمانٍ (٢)، نحوُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣) وإمَّا لمكانٍ، نحوُ: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٤)، وكلاهما حُجَّةٌ. ومفهومُ الحالِ؛ كقولِه تَعالى: ﴿لَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٥) وهو كالصِّفَةِ؛ لأنَّه صفةٌ في المعنى قُيِّدَ بها. (وَكَـ) الصِّفَةِ (الأُولَى) وهي المُقتَرنةُ بالعامِّ، كـ: «فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ

стр. 583

الزَّكَاةُ»، (صِفَةٌ) عارضةٌ (مُجَرَّدَةٌ، كَـ) قولِهم: (فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ) عندَ أصحابِنا وغيرِهم؛ لأنَّ غايتَه أنَّ الموصوفَ في الثَّانيةِ محذوفٌ، (وَالأُولَى) وهي المُقَيَّدَةُ بالعامِّ (أَقْوَى دَلَالَةً) في المفهومِ؛ لأنَّها كالنَّصِّ، بخلافِ هذه. (وَ) القِسْمُ (الثَّانِي) مِن السِّتَّةِ: التَّقسيمُ (كَـ: «الثِّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، وَالبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ) وهو (كَـ) القِسْمِ (الأَوَّلِ قُوَّةً) أي: في القوَّةِ؛ لأنَّ تقسيمَ هذا إلى قسمينِ وتَخصيصَ كلِّ واحدٍ بحُكْمٍ يَدُلُّ على انتفاءِ ذلك الحُكْمِ عنِ القسمِ الآخَرِ؛ إذْ لو عمَّهما (١) لم يَكُنْ للتَّقسيمِ فائدةٌ، فهو من جملةِ مفهومِ الصِّفَةِ. (وَ) القِسمُ (الثَّالِثُ) مفهومُ الشَّرطِ، والمرادُ به ما عُلِّقَ مِن الحُكْمِ على شيءٍ بأداةِ الشَّرطِ، كـ: «إن» و «إذا» ونحوِهما (٢)، وهو المُسَمَّى بالشَّرطِ اللُّغويِّ لا الشَّرطِ الَّذِي هو قسيمُ (٣) السَّببِ والمانعِ، والشَّرطُ اللُّغويُّ، كقولِه تَعالى: (﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ) فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤)، دَلَّ بمنطوقِه على وجوبِ النَّفَقَةِ على أُولاتِ الحملِ، وكذا دَلَّ بالمفهومِ على منعِ وجوبِ النَّفَقَةِ للمُعتدَّةِ غيرِ الحاملِ عندَ الأكثرِ. (وَ) كلُّ مَن قال بمفهومَيِ الصِّفَةِ والتَّقسيمِ يَقُولُ بمفهومِ الشَّرطِ، فـ (هُوَ أَقْوَى مِنْهُمَا) دَلالةً؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن عدمِ الشَّرطِ عدمُ المشروطِ. (وَيَرِدُ) أي: يُستعمَلُ الشَّرطُ (لِتَعْلِيلٍ (٥)، كَـ) قَولِه لولِدِه: (أَطِعْنِي (٦) إِنْ كُنْتَ ابْنِي) أي: لأنَّك ابني.

стр. 584

تنبيهٌ: إِنَّمَا يُعتبَرُ مفهومُ الشَّرطِ وغيرِه حيثُ لم يَظهَرْ للتَّخصيصِ فائدةٌ كما سَبَقَ في الشَّرحِ، فقولُ القائلِ لابنِه: أَطِعْني (١) إنْ كُنْتَ ابني، المرادُ به التَّنبيهُ على السَّببِ الباعثِ للحُكْمِ لا تقييدُ الحُكْمِ به. (وَ) القِسْمُ (الرَّابِعُ) مفهومُ الغايةِ، وهو مَدُّ الحُكمِ بأداةِ الغايةِ (كَـ) قولِه تَعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢)، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). (وَهُوَ) حُجَّةٌ عندَ الجمهورِ، و (أَقْوَى) دَلالةً (مِنَ) القِسْمِ (الثَّالِثِ)، وقد اعتَرفَ به مَن أنْكَرَ مفهومَ الشَّرطِ، ولهذا أجمعوا على تسميتِها حروفَ الغايةِ، وغايةُ الشَّيءِ نهايتُه، فلو ثَبَتَ الحُكمُ بعدَها لم يُفِدْ تسميتُها غايةً، وقِيلَ: لا مفهومَ للغايةِ. قالَ الباقِلَّانِيُّ: واقعُ الاتِّفاقِ على تقديرِ ضدِّ الحُكمِ بعدَها، ففي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤) يُقدَّرُ: فاقْرَبُوهنَّ، ثمَّ قال: ولا شكَّ أنَّ المُضمَرَ كالملفوظِ به؛ لأنَّه إِنَّمَا أُضمِرَ لسَبْقِه إلى فهمِ العارفِ باللِّسانِ (٥). فكأنَّه نَصَّ أهلُ اللُّغةِ على أنَّه منطوقٌ. (وَ) القِسمُ (الخَامِسُ) مفهومُ العددِ لغيرِ مبالغةٍ: وهو تعليقُ الحُكمِ بعددٍ مخصوصٍ (كَـ) قولِه تَعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ (ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٦) وهو كالصِّفَةِ؛ لأنَّ قدرَ الشَّيءِ صِفتُه.

стр. 585

قال ابنُ الرِّفعةِ: القولُ بمفهومِ العددِ هو العُمدةُ عندَنا في تنقيصِ الحجارةِ في الاستنجاءِ مِن الثَّلاثةِ (١). انتهى. وأمَّا العددُ الَّذِي قُصِدَ به التَّكثيرُ كالألفِ (٢) والسَّبعينَ ونَحوِهما ممَّا يُستعمَلُ في لغةِ العربِ للمبالغةِ؛ فلا مفهومَ له، فإنَّ قولَهم: العددُ نصوص، إِنَّمَا هو حيثُ لا قرينةَ تَدُلُّ على إرادةِ المبالغةِ، نحوُ: جِئْتُك ألفَ مرَّةٍ فلم أَجِدْك. (وَ) القِسمُ (السَّادِسُ): مفهومُ اللَّقبِ، وهو (تَخْصِيصُ اسْمٍ بِحُكْمٍ، وَهُوَ) أي: مفهومُ اللَّقبِ (حُجَّةٌ) عندَ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ أصحابِه؛ لأنَّ الحُكمَ لو تَعَلَّقَ بالعامِّ لم يَتَعَلَّقْ بالخاصِّ؛ لأنَّه أخصُّ وأعمُّ، ولأنَّه يُمَيِّزُ مُسمَّاه كالصِّفَةِ. وقالَ المجدُ (٣) وغيرُه: إنَّه حُجَّةٌ بعدَ سابقةِ ما يَعُمُّه، كما لو قِيلَ: يا رسولَ اللهِ أفي بهيمةِ الأنعامِ زكاةٌ؟ فقالَ: في الإبلِ زكاةٌ. أو: هل نَبيعُ الطَّعامَ بالطَّعامِ؟ فقالَ: لا تبيعوا البُرَّ بالبُرِّ، تقويةً للخاصِّ بالعامِّ كالصِّفَةِ بالموصوفِ.

стр. 586

(فَصْلٌ) (إِذَا خُصَّ نَوْعٌ) مِن جنسٍ (بِالذِّكْرِ بِـ) حُكْمِ (مَدْحٍ، أَوْ ذَمٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا) أي: بشيءٍ غيرِ المدحِ والذَّمِّ (مِمَّا لَا يَصْلُحُ لِمَسْكُوتٍ عَنْهُ؛ فَلَهُ) أي: لذلك المذكورِ (مَفْهُومٌ) كقولِه تَعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١)، فالحجابُ عذابٌ، فلا يُحجَبُ مَن لا يُعَذَّبُ، ولو حُجِبَ الجميعُ لم يَكُنْ عذابًا. قال الإمامُ الشَّافعيُّ: لَمَّا حَجَبَ قومًا بالسَّخطِ دَلَّ على أنَّ قومًا يَرَوْنَه بالرِّضى (٢). وقالَ أيضًا: في الآيةِ دَلالةٌ على أنَّ أولياءَه يَرونه يومَ القيامةِ بأبصارِ وجوهِهم. واحتجَّ بها الإمامُ أحمدُ وغيرُه في الرُّؤيةِ. (وَإِذَا اقْتَضَى حَالٌ) عمومَ الحُكمِ (أَوِ) اقتضى (لَفْظٌ عُمُومَ الحُكْمِ لَوْ عَمَّ) الحكمَ ذلك الحالُ أو اللَّفظُ، (فَتَخْصِيصُ بَعْضِ) ذلك (بِالذِّكْرِ (٣) لَهُ مَفْهُومٌ) كقولِه تَعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ﴾ (٤)، وقولِه تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٥). (وَفِعْلُهُ) أي: فعلُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ دَلِيلٌ كَدَلِيلِ الخِطَابِ) أَخَذَه أكثرُ أصحابِنا مِن قولِ الإمامِ أحمدَ: لا يُصَلَّى على مَيِّتٍ بعدَ شهرٍ لحديثِ

стр. 587

أمِّ سعدٍ، رَوَاه التِّرمذيُّ عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ: أنَّ أمَّ سعدٍ ماتَتْ والنَّبيُّ ﷺ غائبٌ، فلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عليها وقد مَضى لذلك شهرٌ (١). وقالَ ابنُ عَقِيلٍ: لَيْسَ للفعلِ صيغةٌ تَخُصُّ ولا تَعُمُّ، فضلًا عن أنْ نجعَلَ لها دليلَ خطابٍ، وجَوَّزَ أنَّ المستندَ استصحابُ الحالِ. (وَدَلَالَةُ المَفْهُومِ كُلُّهَا بِالِالتِزَامِ) بمَعنى أنَّ النَّفيَ في المسكوتِ لازمٌ للثُّبُوتِ في المنطوقِ ملازمةً ظَنِّيَّةً لا قطعيَّةً.

стр. 588

(فَصْلٌ) (١) كلمةُ (إِنَّمَا بِكَسْرِ) الهمزةِ، (وَ) كذا بـ (فَتْحِـ) ـها، (تُفِيدُ الحَصْرَ) عندَ أكثرِ العلماءِ، قالوا: إنَّ (١) «إِنَّمَا» تُفيدُ الحصرَ، وهو إثباتُ الحُكمِ في المذكورِ ونفيُه عمَّا عَدَاه، قال بعضُ أصحابِنا وغيرُهم: تُفيدُه (نُطْقًا) وقالَ بعضُهم وأكثرُ العلماءِ: تُفيدُه فَهْمًا، ولهم طرقٌ في إفادتِها الحصرَ، أقواها نقلُ أهلِ اللُّغةِ، واستقراءُ استعمالاتِ العربِ إيَّاها في ذلك، ولجوازِ «إِنَّمَا المَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ» (٢) يَعني قلبَه ولسانَه؛ أي: كمالُه بهذينِ العُضوينِ لا بهيئتِه ومنظرِه. (وَقَدْ تَرِدُ) «إِنَّمَا» (لِتَحْقِيقِ مَنْصُوصٍ لَا لِنَفْيِ غَيْرِهِ) أي: غيرِ المنصوصِ، نحوُ: «إِنَّمَا الكَرِيمُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ» (٣). (٢) (وَ) مِن صيغِ الحصرِ المعتبَرِ مفهومُه حصرُ المبتدأِ في الخبَرِ، فلفظُ: («تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٤)، (٣) وَ) قولُ القائلِ: (صَدِيقِي) زيدٌ، (أَوِ: «العَالِمُ» زَيْدٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ) كالقائمِ زيدٌ، (وَلَا قَرِينَةَ عَهْدٍ؛ يُفِيدُ الحَصْرَ نُطْقًا) على الصَّحيحِ، وقِيلَ: يُفيدُه فهمًا، ولحصرِ المبتدأِ في الخبَرِ صيغتانِ: إحداهما: نحوُ: صديقي زيدٌ، قاله المُحقِّقون مُستدِلِّينَ بأنَّ «صديقي» عامٌّ، فإذا أُخبِرَ عنه بخاصٍّ وهو زيدٌ، كانَ حصرًا لذلك العامِّ، وهو

стр. 589

الأصدقاءُ كلُّهم في الخبَرِ وهو زيدٌ؛ إذْ لو بَقِيَ من أفرادِ العُمومِ ما لم يَدخُلْ في الخبَرِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ المبتدأُ أعمَّ مِن الخبَرِ، وذلك لا يَجُوزُ لا لغةً ولا عقلًا، فلا تَقولُ: الحيوانُ إنسانٌ، ولا الزَّوجُ عشرةٌ، بل أنْ يَكُونَ المبتدأُ أخصَّ أو مساويًا. والصِّيغةُ الثَّانيةُ: قولُه: «العالِمُ زيدٌ»، إذا جُعِلَتِ اللَّامُ للحقيقةِ أو الاستغراقِ لا للعهدِ، والحُكمُ فيهما كالصِّيغِ الَّتي قَبْلَها، وكذا قولُه: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١)؛ لأنَّه مضافٌ إلى ضميرٍ عائدٍ إلى الصَّلَاةِ، وفيها اللَّامُ، وبه احتجَّ أصحابُنا وغيرُهم على تعيينِ لفظيِ التَّكبيرِ والتَّسليمِ بقولِه ﷺ : «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٢)، والتَّعيينُ مستفادٌ مِن الحصرِ المدلولِ عليه بالمبتدأِ والخبرِ، فإنَّ التَّحريمَ مُنحصِرٌ في التَّكبيرِ كانحصارِ زيدٍ في صداقتِك إذا قُلْتَ: «صديقي (٣) زيدٌ»، أمَّا إذا كانَ الخبَرُ نكرةً، نحوُ: «زيدٌ قائمٌ»، فالأصحُّ أنَّها لا تُفيدُ الحصرَ كما في الحديثِ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ» (٤)، [فإنَّه لا يَمنَعُ أنَّ غيرَه أيضًا جُنَّةٌ] (٥)، ولهذا جاءَ: «فَلْيَتَّقِ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (٦).

стр. 590

(وَيَحْصُلُ حَصْرٌ: (١) بِنَفْيٍ) نحوُ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» (١) (وَنَحْوِهِ) كالاستفهامِ، وسواءٌ كانَ النَّفيُ بـ «ما» أو «لا» أو «لَيْسَ» أو «إن» أو «ما» (٢)، وهو في معنى النَّفيِ كقولِه تَعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣)، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (٤). (٢) (وَ) يَحصُلُ حصرٌ أيضًا بـ (اسْتِثْنَاءٍ تَامٍّ) سواءٌ كانَتْ أداةُ الاستثناءِ «إلَّا» أو غيرَها، نحوُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. (وَ) باستثناءٍ (مُفَرَّغٍ) نحوُ: ما لي سِوى اللهِ، والدَّلالةُ هنا بالمنطوقِ على الصَّحيحِ لا بالمفهومِ. (٣) (وَ) بِـ (فَصْلِ مُبْتَدَأٍ مِنْ خَبَرٍ بِضَمِيرِ الفَصْلِ) كقولِه تَعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٥) فإِنَّه لم يُسَقْ إلَّا للإعلامِ بأنَّهم الغالبونَ [دونَ غيرِهم، ولأنَّه لم يُوضَعْ إلَّا للإفادةِ، ولا فائدةَ في مثلِ قولهِ تعالى] (٦): ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ (٧) سوى الحصرِ. (وَيُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ وَهُوَ الحَصْرُ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ) يَعني أنَّ تقديمَ المعمولِ على عاملِه يُفِيدُ الاختصاصَ، والاختصاصُ: هو الحصرُ عندَ الجمهورِ، فيَحصُلُ الحصرُ بتقديمِ المعمولِ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٨) أي: نَخُصُّك بالعبادةِ والاستعانةِ، وهذا معنى الحصرِ، وسواءٌ في المعمولِ المفعولُ والحالُ والظَّرفُ والخبَرُ بالنِّسبةِ إلى المبتدأِ، نحوُ: تميميٌّ أنا.

стр. 591

فائدةٌ: المفهومُ أقسامٌ كما تَقَدَّمَ، وهي مُرَتَّبَةٌ باعتبارِ القوَّةِ والضَّعفِ، وتَظهَرُ فائدتُه في التَّراجيحِ. (وَأَقْوَاهَا) أي: المفاهيمِ (اسْتِثْنَاءٌ) إنْ قيلَ إنَّه بالمفهومِ، - (فَـ) يَلِيه (حَصْرٌ بِنَفْيٍ) ونحوِه كما تَقَدَّمَ، - (فَـ) يَليه (مَا قِيلَ: إِنَّهُ مَنْطُوقٌ) وإنْ كانَ القولُ بذلك ضعيفًا؛ إذْ لولا قُوَّتُه لَمَا جُعِلَ منطوقًا [على قولٍ] (١) وذلك كالغايةِ والحصرِ بـ «إنَّما»، فهما سواءٌ، - (فَـ) يَليه (حَصْرُ مُبْتَدَأٍ) في خبَرٍ، - (فَـ) يَليه (شَرْطٌ، - فَصِفَةٌ) أي: مفهومُ الشَّرطِ، فمفهومُ الصِّفَةِ، والصِّفَةُ لها مَراتبُ أعلاها صفةٌ (مُنَاسِبَةٌ) للحُكْمِ، وهي الصِّفَةُ المُقتَرنةُ بالعامِّ، كـ: «فِي الغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ»، ثمَّ الصِّفَةُ غيرُ المُناسِبةِ، سوى العددِ، (فَـ) دَخَلَتْ (عِلَّةٌ) وظرفٌ وحالٌ، لكنَّ أقوى الثَّلاثةِ العِلَّةُ، (فَـ) يليها صفةٌ (غَيْرُهَا) وهي الظَّرفُ والحالُ فهما في مرتبةٍ واحدةٍ، - (فَـ) يَليها (عَدَدٌ) أي: مفهومُ العددِ، - (فَتَقْدِيمُ مَعْمُولٍ) وتَقَدَّمَتْ أمثلةُ ذلك، واللهُ أعلمُ.

стр. 592

(بَابٌ) الاستدلالُ بالكتابِ والسُّنَّةِ مُتوقِّفٌ على معرفةِ بقاءِ الحُكْمِ أو ارتفاعِه، وهو بيانُ النَّسخِ وأحكامِه. و (النَّسْخُ) له معنيانِ: مَعنًى في اللُّغةِ ومَعنًى في الشَّرعِ، فمَعناه (لُغَةً): الرَّفعُ و (الإِزَالَةُ حَقِيقَةً) عندَ الأكثرِ كـ «نَسَخَتِ الشَّمسُ الظِّلَّ»؛ أي: رَفَعَتْه وأزالَتْه. (وَ) يُطلَقُ النَّسخُ أيضًا ويُرادُ به (النَّقْلُ مَجَازًا) عندَ الأكثرِ، وهو نوعانِ: أحدُهما: النَّقلُ معَ عدمِ بقاءِ الأوَّلِ كالمناسخاتِ في المواريثِ، فإنَّها تَنتقلُ مِن قومٍ إلى قومٍ معَ بقاءِ المواريثِ في نَفْسِها. والنَّوعُ الثَّاني: النَّقلُ معَ بقاءِ الأوَّلِ، فيَكُونُ المرادُ مُماثلتَه كنسخِ الكتابِ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١). تنبيهٌ: وجهُ كَوْنِ النَّسخِ حقيقةً في الرَّفعِ مَجازًا في النَّقلِ أنَّ الرَّفعَ أخصُّ مِن النَّقلِ، فيَكُونُ أَوْلَى بحقيقةِ النَّسخِ، أمَّا أنَّ الرَّفعَ أخصُّ [مِن النَّقلِ] (٢) فلأنَّ الرَّفعَ يَستلزمُ النَّقلَ، والنَّقلُ لا يَستلزمُ الرَّفعَ (٣) فيَكُونُ أخصَّ، فهو أَوْلى بحقيقةِ اللَّفظِ؛ لأنَّ الأخصَّ أدلُّ وأبينُ وأوضحُ، فيَكُونُ بالحقيقةِ أَوْلَى. (وَ) مَعنى النَّسخِ (شَرْعًا: رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ) عنِ الحُكمِ، ومَعنى الرَّفعِ: إزالةُ الشَّيءِ على وجهٍ لَولاه لبَقِيَ ثابتًا على مثالِ

стр. 593

رَفْعِ حُكْمِ الإجارةِ بالفسخِ، فإنَّ ذلك يُفارِقُ زوالَ حُكْمِها بانقضاءِ مُدَّتِها، والمرادُ بالحُكمِ: ما تَعَلَّقَ بالمُكَلَّفِ بعدَ وُجودِه أهلًا، فالتَّكليفُ المشروطُ بالعقلِ عدمٌ عندَ عدمِه، فلا يَرِدُ: الحُكْمُ قديمٌ، فلا يَرتفعُ ولا يَنتقضُ عَكْسُه بتخصيصٍ مُتأخِّرٍ؛ لأنَّه بيانٌ لا رفعٌ عندَ أصحابِنا وغيرِهم، ويَدخُلُ في قولِه: «بدليلٍ شرعيٍ» قولُ الشَّارِعِ وفِعلُه، ويَخرُجُ المباحُ بحُكمِ الأصلِ عندَ القائلِ به، فإنَّ ذلك بحُكمٍ عقليٍّ لا شرعيٍّ، فإنْ خَرَجَ فردٌ مِن تلك الأفرادِ فلا يُسَمَّى نَسخًا، ويَخرُجُ الرَّفعُ لعدمِ الفهمِ، وبنحوِ: صلِّ إلى آخرِ الشَّهرِ، ويَخرُجُ بقولِه: «متَراخٍ» المُخَصِّصاتُ المُتَّصِلةُ كلُّها، فإنَّها إخراجٌ بدليلٍ شرعيٍّ مقارنٍ لا مُتأخِّرٍ. فائدةٌ: مِن النَّسخِ بالفعلِ نسخُ الوضوءِ ممَّا مَسَّتِ النَّارُ بأَكلِه مِن الشَّاةِ ولم يَتَوَضَّأْ ﷺ . (وَالنَّاسِخُ: هُوَ اللهُ تَعَالَى حَقِيقَةً) عندَ الجمهورِ؛ قال اللهُ تَعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (١) (٢)، ويُطلَقُ على الطَّريقِ الْمُعَرِّفَةِ -مجازًا عندَ الجمهورِ- لارتفاعِ الحُكمِ مِن الآيةِ، وخبَرِ الرَّسولِ ﷺ وفعلِه وتقريرِه، والإجماعِ على الحُكمِ، كقَوْلِنا: وجوبُ صومِ رمضانَ نَسَخَ صومَ يومِ عاشوراءَ، وعلى مَن يَعتقدُ نَسخَ الحُكمِ، كقولِهم (٣): فلانٌ يَنسَخُ القرآنَ بالسُّنَّةِ؛ أي: يَعتقدُ ذلك، فهو ناسخٌ. (وَالمَنْسُوخُ: الحُكْمُ المُرْتَفِعُ بِنَاسِخٍ) كالمرتفعِ مِن وجوبِ تقديمِ الصَّدَقَةِ بينَ يديْ مُناجاةِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 594

(وَلَا يَكُونُ النَّاسِخُ) [أي: دليلُه] (١) (أَضْعَفَ) بل يُعتبَرُ عندَ الأكثرِ فيه أنْ يَكُونَ أقوى مِن المنسوخِ أو مُساويًا له. (وَلَا نَسْخَ) إلَّا معَ التَّعَارُضِ بينَ الدَّليلَينِ، فأمَّا (معَ إِمْكَانِ الجَمْعِ) بينَهما فلا يَتَحَقَّقُ النَّسخُ؛ لأنَّا إِنَّمَا نَحكُمُ بأنَّ الأوَّلَ منسوخٌ إذا تَعَذَّرَ علينا الجمعُ بينَهما، فإذا لم يَتَعَذَّرْ وجَمَعْنا بينَهما بمقبولٍ فلا نَسخَ، وقولُ مَن قال: نُسِخَ صومُ يومِ (٢) عاشوراءَ برمضانَ، أو: نَسَخَتِ الزَّكاةُ كلَّ صدقةٍ سِواها؛ فلَيْسَ يَصِحُّ إذا حُمِلَ على ظاهرِه (٣)؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما لا مُنافاةَ فيه، وإنَّما وَافَقَ نسخَ عاشوراءَ صومُ فرضِ رمضانَ، ونسخَ سائرِ الصَّدقاتِ فرضُ الزَّكاةِ، فحَصَلَ النَّسخُ معه لا به. (وَلَا) يَجُوزُ النَّسخُ (قَبْلَ عِلْمِ مُكَلَّفٍ) بالمأمورِ (بِهِ) لعدمِ الفائدةِ باعتقادِ الوجوبِ والعزمِ على الفعلِ. (وَيَجُوزُ) النَّسخُ (فِي السَّمَاءِ وَالنَّبِيُّ ﷺ هُنَاكَ) كنسخِ الخمسينَ صلاةً بخمسٍ، فإِنَّه قد عَلِمَه واعتقدَ وجوبَه، فهو نسخٌ بالنِّسبةِ إليه ﷺ ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ بذلك قطعًا، ثمَّ نُسخَ قبلَ أنْ يبلغَه. ويَجُوزُ النَّسخُ أيضًا قبلَ الفعلِ بعدَ دخولِ الوقتِ إجماعًا، قال في «التَّمهيد»: ولا فرقَ عقلًا بينَ أن يَعصِيَ أو يُطيعَ (٤). (وَ) كذا يَجُوزُ (قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِ الفِعْلِ) على الصَّحيحِ، واستدلَّ له بما تَواتَرَ في الصَّحيحين وغيرِهما مِن نسخِ فَرضِ خمسين صلاةً في السَّماءِ

стр. 595

ليلةَ الإسراءِ لخمسٍ قَبْلَ تَمَكُّنِه ﷺ مِن الفعلِ، ولأحمدَ: أنَّه ﷺ بَعَثَ أبا بكرٍ يُبَلِّغُ براءةَ، فسَارَ ثلاثًا، ثمَّ قال لعليٍّ: «الحَقْهُ، وَبَلِّغْهَا أَنْتَ» (١). (وَ) يَجُوزُ النَّسخُ (عَقْلًا) وسَمْعًا. (وَوَقَعَ شَرْعًا) باتِّفاقِ أهلِ الشَّرائعِ للقطعِ بعدمِ استحالةِ تكليفٍ في وقتٍ ورَفعِه، وخالَفَ أكثرُ اليهودِ في الجوازِ، وبَعضُهم في الوقوعِ، والكلُّ باطلٌ، والحقُّ الَّذِي لا مَحيدَ عنه ولا شكَّ فيه جوازُه عقلًا وشرعًا. وأمَّا الوقوعُ فواقعٌ لا مَحالةَ، ووردَ في الكتابِ والسُّنَّةِ قطعًا، ونُسِخَ التَّوجُّهُ إلى بيتِ المقدسِ وتقديمُ الصَّدقةِ بمُناجاتِه ﷺ ، وصومُ عاشوراءَ وغيرُه. (وَلَا يَجُوزُ البَدَاءُ عَلَى اللهِ تَعَالَى) ، (وَ) البَدَاءُ (هُوَ تَجَدُّدُ العِلْمِ)، وقالَ ابنُ الزَّاغونِيِّ: هو أنْ يُريدَ الشَّيءَ دائمًا ثمَّ يَنتقلَ عنِ الدَّوامِ لأمرٍ حادثٍ لا بعلمٍ سابقٍ، قال: أو يَكُونَ سَبَبُه دالًّا على فسادِ الواجبِ لصِحَّةِ الأمرِ الأوَّلِ بأنْ يَأمُرَه لمصلحةٍ لم تَحصُلْ فيَبْدُوَ له ما يُوجِبُ رُجوعَه عنه (٢). (وَهُوَ) أي: القولُ بهذا (كُفْرٌ) بإجماعِ أئمَّةِ المسلمينَ المعتبرينَ لا يَشُكُّ فيه مُسلمٌ. قال الإمامُ أحمدُ: مَن قال: إنَّ اللهَ تَعَالَى لم يَكُنْ عالمًا حَتَّى خَلَقَ لنَفْسِه عِلْمًا فعَلِمَ به فهو كافرٌ.

стр. 596

(وَبَيَانُ غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ) كقولِه تَعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١) (لَيْسَ) ذلك البيانُ (بِنَسْخٍ) في الأظهرِ؛ لأنَّ الحبسَ في الآيةِ لم يُنسَخْ؛ لأنَّ النَّسخَ أنْ يَرِدَ لفظٌ عامٌّ يُتَوَهَّمُ دوامُه ثمَّ يَرِدَ ما يَرفَعُ بعضَه، والآيةُ لم تَرِدْ بالحبسِ على التَّأبيدِ، وإنَّما وَرَدَتْ به إلى غايةٍ هي أنْ يَجعَلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، فأثبتَ الغايةَ فوَجَبَ الحدُّ بعدَ الغايةِ بالخبَرِ، ذَكَرَه القاضي (٢) في مسألةِ نسخِ القرآنِ بالسُّنَّةِ. فائدتانِ: إحداهما: في ذِكْرِ شُروطِ النَّسخِ: منها: كونُ المنسوخِ حُكمًا شرعيًّا لا عقليًّا، وأنْ يَكُونَ مُنفصلًا مُتأخِّرًا عنِ المنسوخِ، وأنْ يَكُونَ النَّسخُ بخطابٍ شرعيٍّ، وألَّا يَكُونَ المنسوخُ مُقَيَّدًا بوقتٍ يَنتهي بانتهائِه في الأظهرِ كما سَبَقَ. ومِنها: أنْ يَكُونَ النَّاسخُ أقوى مِن المنسوخِ أو مِثلَه عندَ الأكثرِ، كما سَبَقَ أيضًا. ومِنها: أنْ يَكُونَ المنسوخُ ممَّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مشروعًا، وألَّا يَكُونَ اعتقادًا، فلا يَدخُلُ النَّسخُ أصلَ التَّوحيدِ بحالٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى بأسمائِه وصفاتِه لم يَزَلْ ولا يَزالُ. ومِنها: ما عُلِمَ بالدَّليلِ أنَّه مُتَأَبِّدٌ كشريعةِ نبيِّنا ﷺ .

стр. 597

ومِنها: ألَّا يَكُونَ على صفةٍ واحدةٍ لا يَتَغَيَّرُ، كمعرفةِ اللهِ تَعَالَى ممَّا يَجِبُ له ويَستحيلُ عليه ويَجُوزُ له، ولهذا يَمتنعُ نسخُ الأخبارِ كما سيَأتي. ومِنها: أنْ يَكُونَ بينَ النَّاسخِ والمنسوخِ تعارُضٌ؛ لأنَّه إذا أَمْكَنَ الجمعُ فلا تعارُضَ، كما تَقَدَّمَ. الفائدةُ الثَّانيةُ: أنَّ التَّخصيصَ والنَّسخَ يَشتَركانِ في كونِ كلٍّ منهما يُوجِبُ اختصاصَ بعضٍ مُتناوِلًا للَّفظِ، ويَفتَرقانِ مِن أَوجُهٍ: مِنها: أنَّ النَّاسخَ يُشتَرطُ تراخيه، والتَّخصيصَ يَجوزُ اقتِرانُه. ومِنها: أنَّ النَّسخَ يَدخُلُ في الأمرِ بمأمورٍ بخلافِ التَّخصيصِ. ومِنها: أنَّ النَّسخَ [لا يَكُونُ إلَّا بدليلٍ خطابيٍّ أو مُقتضاه، والتَّخصيصُ يَجُوزُ بأدِلَّةِ العقلِ وقرائنِه. ومِنها: أنَّ النَّسخَ] (١) لا يَدخُلُ في الأخبارِ، والتَّخصيصُ بخلافِه. [ومِنها: أنَّ النَّسخَ لا يَبقى معه دَلالةُ اللَّفظِ على ما تَحتَه، والتَّخصيصُ يَبقى معه ذلك] (٢). ومِنها: أنَّ النَّسخَ المقطوعَ لا يَجُوزُ إلَّا بمِثلِه، والتَّخصيصُ جائزٌ فيه بخبَرِ الواحدِ والقياسِ، قاله ابنُ قاضي الجبلِ (٣). (وَيُنْسَخُ إِنْشَاءٌ، وَلَوْ) كانَ (بِلَفْظِ قَضَاءٍ، أَوْ) كانَ (خَبَرًا، أَوْ قُيِّدَ بِـ) لفظِ (تَأْبِيدٍ، أَوْ) بلفظِ (حَتْمٍ) قال في «شرح الأصل» (٤): لا شكَّ في جوازِ نسخِ

стр. 598

الإنشاءِ إذا كانَ بلفظِ الإنشاءِ، وقد تَقَدَّمَ له صورٌ، وهذا إجماعٌ في الجملةِ، أمَّا إذا كانَ الإنشاءُ بلفظِ الخبَرِ؛ أي: بكونِ صورةِ اللَّفظِ خبَرًا ومعناه إنشاءً، وذلك في صورٍ: إحداها: أنْ يَكُونَ بلفظِ القضاءِ، كقولِك: قَضَى بكذا أو كذا، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) أي: أَمَرَ، وهذا يَجُوزُ نَسخُه عندَ الجمهورِ. الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكُونَ بلفظِ الخبَرِ، سواءٌ كانَ بمعنى الأمرِ، نحوُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٢)، أو النَّهيِ، نحوُ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٣) فقالَ الجمهورُ: يَجُوزُ نسخُه باعتبارِ مَعناه، فإنَّ مَعناه الإنشاءُ. الصُّورةُ الثَّالثةُ: إذا قُيِّدَ الحُكمُ بلفظِ التَّأبيدِ ونحوِه بجملةٍ فِعليَّةٍ، مثلُ: صُوموا يومَ عاشوراءَ أبدًا، أو حتمًا، أو غيرِه ممَّا في مَعناه، وكذا دائمًا أو مستمرًّا، فيَجوزُ بعدَ ذلك نسخُه عندَ الجمهورِ. وخالَفَ في ذلك بعضُ المُتكلِّمين وغيرُهم قالوا: لمُناقضةِ الأبديَّةِ، فيُؤدِّي ذلك إلى البَدَاءِ. وجوابُه: أنَّ ذلك إِنَّمَا يُقصَدُ به المبالغةُ لا الدَّوامُ، كما تَقولُ: «لازِمْ غريمَك أبدًا»، وإنَّما تُريدُ لازمْه إلى وقتِ القضاءِ، فيَكُونُ المرادُ هنا لا تُخِلَّ به إلى أن يُقضى وقتُه. الصُّورةُ الرَّابعةُ: أنْ يُقَيَّدَ بالتَّأبيدِ بجملةٍ اسميَّةٍ كـ: «الصَّومُ واجبٌ مُستمرٌّ أبدًا» إذا قاله على مسألةِ الإنشاءِ، فالجمهورُ على جوازِ نَسخِه؛ لأنَّ الخبَرَ عنِ الحُكمِ كالإنشاءِ في جوازِ النَّسخِ به.

стр. 599

(وَيَجُوزُ نَسْخُ إِيقَاعِ الخَبَرِ) الَّذِي أُمِرَ المُكلَّفُ بالإخبارِ به بأنْ يُكَلِّفَ الشَّارِعُ أحدًا بأنْ يُخبِرَ بشيءٍ مِن عقليٍّ أو عاديٍّ كوجودِ الباري وإحراقِ النَّارِ، ثمَّ يَنسَخَه، فهذا جائزٌ اتِّفاقًا، وهل يَجُوزُ نَسخُه بنقيضِه؟ أي: بأنْ يُكَلِّفَه الإخبارَ بنقيضِه المختارُ جوازُه (حَتَّى بِنَقِيضِهِ) بأنْ يُرادَ معَ نسخِه التَّكليفُ بالإخبارِ بضدِّ الأوَّلِ؛ كالإخبارِ بأنَّ السَّماءَ فوقَ الأرضِ يُنسَخُ بالإخبارِ بأنَّ السَّماءَ تحتَ الأرضِ. وخالَفَ المُعتزلةُ فيه، ومَبناه أصلُهم في حُكمِ العقلِ؛ لأنَّ أحدَهما كذبٌ، فالتَّكليفُ به قبيحٌ، وقد عَلِمْتَ فسادَه. و (لَا) يَجُوزُ نَسخُ (مَدْلُولِ خَبَرٍ) إذا كانَ الحُكْمُ ممَّا (لَا يَتَغَيَّرُ، كَصِفَاتِ اللهِ) تبارَكَ و (تَعَالَى، وَخَبَرِ مَا كانَ وَمَا يَكُونُ) وأخبارِ الأنبياءِ ﵈، ونحوِ ذلك إجماعًا. (أَوْ) أي: ولا مدلولِ خبَرٍ (يَتَغَيَّرُ كَإِيمَانِ زَيْدٍ) مثلًا (وَكُفْرِهِ) فلا يَجُوزُ نَسخُه أيضًا عندَ الأكثرِ، وجَوَّزَه قومٌ، ويُخَرَّجُ عليه نسخُ المُحاسبةِ بما في النُّفوسِ في قولِه تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) كقولِ جماعةٍ مِن الصَّحابةِ والتَّابعينَ، فهو في البخاريِّ (٢) عن ابنِ عمرَ، وفي مسلمٍ (٣) عن أبي هُرَيْرَةَ، (إِلَّا خَبَرٌ (٤) عَنْ حُكْمٍ) فيَجُوزُ نَسخُه قطعًا، نحوُ: هذا الفعلُ جائزٌ أو حرامٌ؛ لأنَّه في الحقيقةِ إنشاءٌ، ولو قَيَّدْنا الخبَرَ بالتَّأبيدِ لم يَجُزْ نَسخُه، قَدَّمَه

стр. 600

ابنُ مُفْلِحٍ (١)، لكنْ إنْ كانَ التَّأبيدُ على بابِه، وأمَّا إذا كانَ على مسألةِ الإنشاءِ، فهو الصُّورةُ الرَّابعةُ المُتقدِّمةُ. (وَيَجُوزُ نَسْخٌ بِلَا بَدَلٍ) عنِ المنسوخِ عندَ الجمهورِ، واستدلُّوا بما اعتُمِدَ عليه في إثباتِ النَّسخِ (وَوَقَعَ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّه نُسِخَ فرضُ تقديمِ الصَّدقةِ أمامَ المناجاةِ، وتحريمُ ادِّخارِ لُحومِ الأَضَاحِيِّ. قال الباقِلَّانِيُّ: كما يَجُوزُ أن يُرفَعَ التَّكاليفُ كلُّها يَجُوزُ أن يُرفَعُ بَعضُها بلا بدلٍ مِن بابٍ أَوْلَى (٢). فإنْ قالوا: نَأْتِ بخيرٍ مِنها أو مِثْلِها. رُدَّ: الخلافُ في الحُكمِ لا في اللَّفظِ، ثمَّ: لَيْسَ عامًّا في كلِّ حُكْمٍ، ثمَّ: مخصوصٌ بما سَبَقَ، ثمَّ: يَكُونُ نَسخُه بغيرِ بدلٍ خيرًا لمصلحةٍ عَلِمَها، ثمَّ: إِنَّمَا تَدُلُّ الآيةُ أنَّه لم يَقَعْ، لا أنَّه لا يَجُوزُ، وأيضًا: المصلحةُ قد تَكُونُ فيما نُسِخَ، ثمَّ تَصِيرُ المصلحةُ في عَدَمِه، وأمَّا مَن لا يَعتبِرُ المصالحَ فلا إشكالَ فيه، وبالجملةِ: فاللهُ يَفعَلُ ما يَشاءُ. تنبيهٌ: قد تَقَرَّرَ أنَّ النَّسخَ جائزٌ وواقعٌ ببدلٍ وبغيرِ بدلٍ، فإذا كانَ ببدلٍ فالبدلُ إمَّا مُساوٍ أو أخفُّ، أو أثقلُ، والأوَّلانِ جائزانِ باتِّفاقٍ. مثالُ المساوي: نسخُ استقبالِ بيتِ المقدسِ بالكعبةِ، ومثالُ الأخفِّ: وجوبُ مُصابَرَةِ العشرينَ مِن المسلمينَ مئتينِ مِن الكفَّارِ، والمئةِ ألفًا كما
следующие страницы →