(أَوْ) كانَتِ الزِّيادةُ مِن (غَيْرِهِ) أي: من (١) غيرِ الجنسِ المزيدِ، فإنَّها لا تَكُونُ (نَسْخًا) إجماعًا كزيادةِ وجوبِ الزَّكاةِ على وجوبِ الصَّلَاةِ، وكذا الصَّومُ والحجُّ وغيرُها، وأمَّا زيادةُ العبادةِ غيرِ المستقلَّةِ كزيادةِ الجزءِ المُشتَرطِ والشَّرطِ فقد تَقَدَّمَ آنفًا.
(وَنَسْخُ جُزْءِ) عبادةٍ (أَوْ) نسخُ (شَرْطِ عِبَادَةٍ) نَسخٌ (لَهُ) أي: لذلك الجزءِ أو الشَّرطِ (فَقَطْ) أي: دونَ نسخِ جميعِ تلك العبادةِ على الصَّحيحِ، وقِيلَ: نسخٌ للكُلِّ.
وقالَ المجدُ: مَحَلُّ الخلافِ في شرطٍ مُتَّصِلٍ كالتَّوجُّهِ، ومُنفصلٍ كوضوءٍ، لَيْسَ نسخًا لها إجماعًا (٢).
واستُدلَّ للمذهبِ الأوَّلِ بأنَّ وجوبَ العبادةِ باقٍ، ولا يَفتقرُ إلى دليلٍ ثانٍ إجماعًا، ولم يَتَجَدَّدْ وجوبٌ.
стр. 614
(فَصْلٌ)
(يَسْتَحِيلُ تَحْرِيمُ مَعْرِفَةِ اللهِ) تَبَارَكَ و (تَعَالَى) إلَّا على القولِ بتكليفِ المُحالِ، وذلك لتَوَقُّفِه على معرفتِه، وهو دَوْرٌ، وقد تَقَدَّمَ مِن شرطِ المنسوخِ أنْ يَكُونَ ممَّا يَجُوزُ أن يَكُونَ مشروعًا، وألَّا يَكُونَ اعتقادًا، فلا يَدخُلُ النَّسخُ التَّوحيدَ بحالٍ؛ لأنَّ الله تَعَالَى بأسمائِه وصفاتِه لم يَزَلْ ولا يَزالُ، وكذلك ما عُلِمَ أنَّه مُتَأَبِّدٌ، ونحوُ ذلك تَقَدَّمَ.
(وَ) أمَّا (مَا حَسُنَ) لذاتِه ك معرفةِ اللهِ تَعَالَى (أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ) كالظُّلْمِ والقَبائحِ العَقليَّةِ، فـ (يَجُوزُ نَسْخُ وُجُوبِهِ) أي: وجوبِ ما حَسُنَ لذاتِه (وَ) نَسْخُ (تَحْرِيمِهِ) أي: تحريمِ ما قَبُحَ لذاتِه عندَ مَن نَفَى الحُسنَ والقُبحَ ورعايةَ الحِكمةِ في أفعالِه؛ لقولِه تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١)، وقولِه تَعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٢)، ومَن أَثْبَتَ الحُسنَ والقُبحَ ورعايةَ الحِكمةِ في أفعالِه مَنَعَ النَّسخَ.
(وَكَذَا يَجُوزُ نَسْخُ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ) لأنَّها أحكامٌ، فإذا جازَ نسخُ بعضِها جازَ نَسخُ جميعِها، (سِوَى مَعْرِفَتِهِ (٣) تَعَالَى) فيَستحيلُ نَسخُها كما تَقَدَّمَ. وقِيلَ للقاضي: لو جازَ النَّسخُ لجازَ في اعتقادِ التَّوحيدِ، فقالَ: اعتقادُ التَّوحيدِ مصلحةٌ لجميعِ المُكَلَّفينَ في جميعِ الأوقاتِ، ولهذا لا يَجُوزُ الجمعُ بينَ إيجابِه والنَّهيِ عن مِثلِه في المستقبلِ بخلافِ الفعلِ الشَّرعيِّ (٤).
(وَلَمْ يَقَعَا) أي: لم يَقَعْ نسخُ وجوبِ ما حَسُنَ لذاتِه أو تحريمِ ما قَبُحَ لذاتِه، ولا نَسخُ جميعِ التَّكاليفِ (إِجْمَاعًا) وإنَّما الخلافُ في الجوازِ العقليِّ، واتَّفَقُوا على عدمِ الوقوعِ.
стр. 615
(بَابٌ)
لمَّا فَرَغَ منَ المباحثِ المُتعلِّقةِ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، شَرَعَ في القياسِ ومباحثِه، وهو ميزانُ العُقولِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١).
و (القِيَاسُ لُغَةً: التَّقْدِيرُ وَالمُسَاوَاةُ) يُقالُ: قاسَ الفعلَ بالفعلِ؛ أي: حَاذَاه وسَاوَاه، وتَقُولُ: قِسْتُ الثَّوبَ بالذِّراعِ؛ أي: قَدَّرْتُه به، وقِسْتُ الجراحةَ بالمِسْبَارِ، وهو شيءٌ يُشبِهُ الميلَ يُعرَفُ به عمقُ الجرحِ، وتَقولُ: قِسْتُ الشَّيءَ بغيرِه وعلى غيرِه.
(وَ) أمَّا القِيَاسُ (شَرْعًا) فهو: (تَسْوِيَةُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ فِي حُكْمٍ) أي: يَدُلُّ على تسويةٍ خاصَّةٍ بينَ الأصلِ والفرعِ فَهُوَ (مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ) كتخصيصِ لفظِ الدَّابَّةِ ببعضِ مُسَمَّياتِها (٢) فهو حقيقةٌ عُرفيَّةٌ مجازٌ لغويٌّ.
(وَ) القِيَاسُ (اصْطِلَاحًا) أي: في اصطلاحِ علماءِ الشَّريعةِ اختلفَ العلماءُ في تعريفِه اختلافًا كثيرًا جدًّا، وقلَّ أنْ يَسلَمَ منها تعريفٌ، وحاصِلُه (٣) يَرجِعُ إلى اعتبارِ الفرعِ بالأصلِ في حُكْمِه، فقالَ القاضي (٤) وغيرُه: هو (رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِـ) ـه (بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ) كردِّ النَّبيذِ إلى الخمرِ في التَّحريمِ بعِلَّةِ الإسكارِ، ونَعني بالرَّدِّ: الإلحاقَ والتَّسويَةَ بينَهما في الحُكمِ، وقريبٌ منه ما قال
стр. 616
المُوَفَّقُ (١) وغيرُه: «حَمْلُ فرعٍ على أصلٍ في حُكمٍ جامعٍ»، فالجامعُ بينَهما هو عِلَّةُ حُكمِ الأصلِ، وهو التَّحريمُ بجامعٍ وهو الوصفُ المناسِبُ؛ لأنَّه يَتَرَتَّبُ عليه الحُكمُ في نظرِ الشَّارِعِ، وهو هنا الإسكارُ الَّذِي هو عِلَّةُ تحريمِ الخمرِ.
فائدةٌ: لا يُقالُ: الأصلُ والفرعُ لا يُعرَفانِ إلَّا بعدَ معرفةِ حقيقةِ القِيَاسِ وأَخذُهما في تعريفِه دَوْرٌ؛ لأنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا نَعني بالفرعِ صورةً أُريدَ إلحاقُها بالأُخرى في الحُكمِ لوجودِ العِلَّةِ المُوجِبةِ للحُكْمِ فيهما، وبالأصلِ الصُّورةَ الملحقَ بها، فلا يَلْزَمُ دَوْرٌ مِن كونِ لفظِ الفرعِ والأصلِ يُشعِرُ ألَّا يَكُونَ هذا فرعٌ، وذلك أصلٌ إلَّا أنْ يَكُونَ هذا مَقِيسًا على ذلك.
(وَلَمْ يُرَدْ) بالبناءِ للمفعولِ (بِالحَدِّ) المذكورِ (قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، وَ) قياسُ الدَّلالةِ (هُوَ الجَمْعُ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِدَلِيلِ العِلَّةِ) كالجمعِ بينَ الخمرِ والنَّبيذِ بالرَّائحةِ الدَّالَّةِ على الشِّدَّةِ المُطرِبةِ.
(وَلَا) أي: ولم يُرَدْ بالحدِّ أيضًا (قِيَاسُ العَكْسِ) على الأصحِّ، (وَ) قياسُ العكسِ (هُوَ: تَحْصِيلُ نَقِيضِ حُكْمِ المَعْلُومِ فِي غَيْرِهِ) أي: غيرِ ذلك الحُكمِ (لِافْتِرَاقِهِمَا) أي: افتِراقِ قياسِ الطَّردِ وقياسِ العكسِ (في عِلَّةِ الحُكْمِ) مثلُ: لَمَّا وَجَبَ الصَّومُ في الاعتكافِ بالنَّذرِ وَجَبَ بغيرِ نذرٍ، عَكْسُه الصَّلَاةُ: لمَّا لم تَجِبْ فيه بالنَّذرِ لم تَجِبْ بغيرِ نذرٍ، وقِيلَ: قياسُ العكسِ داخلٌ في حدِّ القِيَاسِ؛ لأنَّ القصدَ مساواةُ الاعتكافِ بغيرِ نذرِ الصَّومِ في اشتِراطِ الصَّومِ له بنذرِ الصَّومِ بمَعنًى لا فارقَ بينَهما، أو بالسَّببِ، فيُقالُ: الموجِبُ للصَّومِ الاعتكافُ لا نذرُه، بدليلِ الصَّلَاةِ، فالصَّلَاةُ ذُكِرَتْ لبيانِ إلغاءِ النَّذرِ، فالأصلُ
стр. 617
اعتكافٌ بنذرِ صومٍ والفرعُ بغيرِ نذرِه، والحكمُ اشتِراطُه، والعِلَّةُ الاعتكافُ، أو أنَّ القصدَ قياسُ الصَّومِ بنذرٍ على الصَّلَاةِ بنذرٍ، فيُقالُ بتقديرِ عدمِ وجوبِ الصَّومِ في الاعتكافِ لا يَجِبُ فيه بنذرٍ كصلاةٍ، والعِلَّةُ: أنَّهما عبادتانِ، فعلى هذا يَصِحُّ الاستدلالُ به، ويَدُلُّ عليه أنَّه واقعٌ في القُرآنِ والسُّنَّةِ:
فأمَّا القرآنُ فنحوُ قولِه تَعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١)، ولا اختلافَ فيه، فدَلَّ على أنَّ القُرآنَ مِن عندِ اللهِ بمُقتضى قياسِ العكسِ،
وأمَّا السُّنَّةُ فكحديثِ: يَأْتي أحدُنا شَهوَتَه ويُؤجَرُ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ؟» يعني: أكانَ يُعاقَبُ؟ قالُوا: نعمْ، قال: «فَمَهْ؟» (٢).
فقاسَ «وَضعَها في حلالٍ، فيُؤجَرُ» على «وَضعِها في حرامٍ، فيُؤزَرُ» بنقيضِ العِلَّةِ، فظَهَرَ بذلك أنَّ قياسَ العكسِ حُجَّةٌ، لكنَّه يُسَمَّى قياسًا مجازًا على الأرجحِ.
(وَأَرْكَانُهُ) أي: أركانُ القِيَاسِ أربعةٌ وهي:
(أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ) جامعةٌ (وَحُكْمٌ) وأركانُ الشَّيءِ: هو ما يَتَأَلَّفُ ذلك الشَّيءُ منه، فإطلاقُ الأركانِ على هذه الأمورِ مجازٌ، إلَّا أنْ يَعنيَ بالقِيَاس مجموعَ هذه الأمورِ معَ الحملِ تغليبًا، فيَصِيرُ كلٌّ مِن الأربعةِ شطرًا لا شَرطًا.
стр. 618
ونظيرُه في الفقهِ: إطلاقُ أنَّ البيعَ أركانُه ثلاثةٌ: عاقدٌ، ومعقودٌ، وصيغةٌ، والمرادُ ما لا بُدَّ منه، فإذا قِسْنا النَّبيذَ على الخمرِ بعِلَّةِ الإسكارِ.
(فَالأَصْلُ) الخمرُ، وهو (مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ) على الأرجحِ؛ لافتقارِ الحُكمِ والنَّصِّ إليه.
(وَالفَرْعُ) النَّبيذُ وهو (المَحَلُّ المُشَبَّهُ) على الأرجحِ.
(وَالعِلَّةُ) وهي الجامعُ (فَرْعٌ لِلْأَصْلِ) لأخذِه منه (وَ) هي (أَصْلٌ لِلْفَرْعِ) اتِّفاقًا لبناءِ حُكمِه عليه.
(وَالحُكْمُ) المُستفادُ مِن القِيَاسِ هو (المُعَلَّلُ) أي: المعلولُ؛ لأنَّ المعلولَ هو المحكومُ فيه، ويُقالُ: بم تُعَلِّلُ الحكمَ، واعتلَّ فلانٌ لحُكمِه بكذا، وعِلَّةُ المريضِ تَقومُ به وتُؤَثِّرُ فيه، فلهذا كانَ الجسمُ معلولًا، فهذه أركانُ القِيَاسِ.
(وَ) أمَّا شروطُه فـ (شَرْطُ حُكْمِ الأَصْلِ:
(١) كَوْنُهُ شَرْعِيًّا) أي: تفريعًا على أنَّ القِيَاسَ لا يَجري في اللُّغاتِ والعَقليَّاتِ (إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا)؛ وذلك لأنَّه القصدُ مِن القِيَاسِ الشَّرعيِّ، معَ أنَّ القِيَاسَ في اللُّغويِّ والعقليِّ صحيحٌ يُتَوَصَّلُ به إلى الحُكمِ الشَّرعيِّ، كقياسِ تسميةِ اللَّائط زانيًا والنَّبَّاشِ سَارقًا ليَثْبُتَ الحدُّ والقطعُ.
فإذا قِيلَ بأنَّ ذلك إِنَّمَا هو في استلحاقِ نَفسِ الحُكمِ الشَّرعيِّ فلا بُدَّ مِن اشتِراطِ كونِه شرعيًّا.
(٢) (وَ) شَرطُ حُكمِ الأصلِ أيضًا كَوْنُه (غَيْرَ مَنْسُوخٍ) لأنَّه زالَ اعتبارُ الجامعِ.
стр. 619
(٣) (وَ) شرطُه أيضًا أن (لَا) يَكُونَ (شَامِلًا لِحُكْمِ الفَرْعِ) إذْ لو كانَ شاملًا لحُكمِ الفرعِ لم يَكُنْ جَعلُ أحدِهما أصلًا والآخَرِ فرعًا أَوْلَى مِن العكسِ، ولكانَ القِيَاسُ ضائعًا وتطويلًا بلا طائلٍ.
مِثالُه: في الذُّرةِ مطعومٌ، فلا يَجُوزُ بيعُه بجنسِه مُتفاضِلًا قياسًا على البُرِّ، فيَمتنعُ (١) في البُرِّ فنَقُولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ، إِلَّا يَدًا بِيَدٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (٢) فإنَّ الطَّعامَ يَتناوَلُ الذُّرةَ كما يَتناوَلُ البُرَّ.
(٤) (وَ) شرطُه أيضًا: أن (لَا) يَكُونَ (مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سَنَنِ) أي: عن طريقِ (القِيَاسِ) المُعتبَرِ فيه، وذلك على ضَربينِ:
أحدُهما: (لكونِه) لم يُعقَلْ مَعناه إمَّا لكونِه لم يُستثْنَ مِن قاعدةٍ عامَّةٍ (كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ (٣)، أو استُثنِيَ كالعملِ بشهادةِ خُزَيْمَةَ (٤) وَحدَه فيما لا يُقبَلُ شهادةُ الواحدِ فيه.
стр. 620
والضَّربُ الثَّاني: ما عُقِلَ مَعناه، وأشارَ إليه بقولِه: (أَوْ لَا نَظِيرَ لَهُ) أي: لم يُوجَدْ ما يُساويه في العِلَّةِ، سواءٌ كانَ (لَهُ مَعْنًى ظَاهِرٌ) كرُخَصِ السَّفرِ للمَشَقَّةِ، (أَوْ لَا) مَعنًى له ظاهرٌ، كالدِّيةِ على العاقلةِ، فلا يَجري القِيَاسُ في ذلك؛ لتَعذُّرِ التَّعديةِ حينئذٍ.
(وَمَا خُصَّ مِنَ القِيَاسِ يَجُوزُ القِيَاسُ عَلَيْهِ) كقولِ أحمدَ فيمَن نَذَرَ ذبْحَ نفسِه: يَفدي نفسَه بكبشٍ. فقاسَ مَن نَذَرَ ذبْحَ نَفسِه على مَن نَذَرَ ذبْحَ وَلَدِه.
(وَ) ما خُصَّ مِن القِيَاسِ يَجُوزُ (قِيَاسُهُ عَلَى غَيْرِهِ) كتجويزِ الإمامِ أحمدَ شراءَ أرضِ السَّوادِ لا بيعَها، قال: استحسانٌ. واحتجَّ بتجويزِ (١) الصَّحابةِ شراءَ المصاحفِ لا بيعَها، وهو قولُ أصحابِنا وغيرِهم؛ لأنَّ الظَّنَّ الخاصَّ أرجحُ، ولهذا قُدِّمَ لأصلِه.
(٥) (وَ) مِن شرطِ حُكمِ الأصلِ أيضًا (كَوْنُهُ غَيْرَ فَرْعٍ) في ظاهرِ كلامِ الإمامِ أحمدَ، وقد قيلَ له: يَقِيسُ الرَّجُلُ بالرَّأيِ؟ فقالَ: لا، هو أن يَسمَعَ الحديثَ فيَقيسَ عليه، اختارَه القاضي وغيرُه، ثمَّ ذَكَرَ أنَّه يَجُوزُ أن يُستنْبَطَ مِن الفرعِ المُتوسِّطِ عِلَّةٌ ليسَتْ في الأصلِ، ويُقاسُ عليه.
وذَكَرَ أيضًا في مسألةِ القِيَاسِ جوازَ كونِ الشَّيءِ أصلًا لغيرِه في حُكمٍ، وفرعًا لغيرِه في حُكمٍ آخَرَ، لا في حُكمٍ واحدٍ.
قال أبو محمَّدٍ البغداديُّ: لأنَّه لا (٢) يُخِلُّ بنَظمِ القِيَاسِ وحقيقتِه (٣).
стр. 621
وأمَّا وجهُ المنعِ فلأنَّ العِلَّةَ إنِ اتَّحَدَتْ فالوَسَطُ لغوٌ، كقولِ شافعيٍّ: السَّفَرْجَلُ مطعومٌ فيَكُونُ رِبَويًّا كالتُّفَّاحِ. ثمَّ يَقِيسُ التُّفَّاحَ على البُرِّ. وإنْ لم تَتَّحِدْ: فَسَدَ القِيَاسُ؛ لأنَّ الجامعَ بينَ الفرعِ الأخيرِ والمتوسِّطِ لم يَثْبُتْ اعتبارُه لثبوتِ الحكمِ في الأصلِ الأوَّلِ (١) بدونِه، والجامعُ بينَ المتوسِّطِ وأصلِه لَيْسَ في فرعِه كقولِ شافعيٍّ في الجُذامِ: عيبٌ يُفسَخُ به البيعُ، فكذا النِّكاحُ كالرَّتَقِ. ثمَّ يَقِيسُ الرَّتَقَ على الجَبِّ بفواتِ الاستمتاعِ.
(٦) (وَ) مِن شرطِ حُكمِ الأصلِ أيضًا كَونُه (مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ) فإنْ كانَ أحدُهما يَمنَعُ حُكْمَ الأصلِ، فلا يُستَدَلُّ عليه بالقِيَاسِ فيه، وإنَّما شُرِطَ ذلك لئَلَّا يَحتاجُ القِيَاسُ عندَ المنعِ إلى إثباتِه، فيَكُونُ انتقالًا مِن مسألةٍ إلى أُخرى.
و (لَا) يُشتَرطُ اتِّفاقُ (الأُمَّةِ) على حُكمِ الأصلِ بل يَكفي اتِّفاقُ الخصمينِ عليه لحصولِ المقصودِ بذلك على الصَّحيحِ، (وَلَا) يُشتَرطُ (معَ) اتِّفاقِ الخصمينِ (اخْتِلَافُهُمَا) أي: اختلافُ الأُمَّةِ، وقِيلَ: يُشتَرطُ اتِّفاقُ الخصمينِ واختلافُ الأُمَّةِ، حَتَّى لا يَكُونَ مُجمَعًا عليه.
(وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا) أي: الخصمانِ على حُكمِ الأصلِ، ولم يَكُنْ مُجمَعًا عليه (فَأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ حُكْمَهُ) أي: حُكمَ الأصلِ (بِنَصٍّ، ثُمَّ أَثْبَتَ العِلَّةَ) بأحدِ طُرُقِها الآتيةِ، (قُبِلَ) منه استدلالُه في الأصحِّ، ونَهَضَ دليلُه على الخصمِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لو لم يُقبَلْ مِن المُستدلِّ لم يُقبَلْ منه مُقدِّمَةٌ يُثبِتُها بعدَ مَنعِ خصمِه، فلا يُقَبَلُ إلَّا البديهيُّ.
стр. 622
مثالُه: أن يَقُولَ في المُتبايعَينِ إذا كانَتِ السِّلعةُ تالفةً: مُتبايعانِ تَخَالَفَا، فيَتَحَالفانِ ويَتَرَادَّانِ، كما لو كانَتِ السِّلعةُ قائمةً؛ لقولِه ﷺ : «إِذَا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ فَلْيَتَحَالَفَا وَلْيَتَرَادَّا» (١) فيَثْبُتُ الحُكمُ بالنَّصِّ، وعِلَّتُه: التَّحالفُ بالإيماءِ.
(وَإِنْ) كانَ حُكمُ الأصلِ فرعًا، و (لَمْ يَقُلْ بِحُكْمِ أَصْلِهِ) أي: أصلِ ذلك الفرعِ (المُسْتَدِلُّ) وقالَ به المُعتَرضُ، كقولِ حنفيٍّ في صومِ رمضانَ بنيَّةِ نفلٍ: أَتَى بما أُمِرَ به، فصَحَّ كفريضةِ حجٍّ بنيَّةِ نفلٍ. وهو لا يَقُولُ بصِحَّةِ فريضةِ الحجِّ بنيَّةِ النَّفلِ، بل خصمُه هو القائلُ به، (فَـ) هذا قياسٌ (فَاسِدٌ) لفسادِ أصلِه عندَه؛ لأنَّه اعترفَ ضِمنًا بخطئِه في الأصلِ، وهو إثباتُ الصِّحَّةِ في فريضةِ الحجِّ، والاعتِرافُ ببُطلانِ إحدى مُقدِّماتِ دليلِه اعتِرافٌ ببطلانِ دَليلِه، ولا يُسمَعُ مِن المُدعِّي ما هو معتَرفٌ ببطلانِه، ولا يُمَكَّنُ مِن دَعواه.
مثالٌ آخَرُ: أن يَقُولَ حنبليٌّ في قتلِ المُسلِمِ بالذِّمِّيِّ: تَمَكَّنَتِ الشُّبهةُ؛ فلا يُوجِبُ القصاصَ كالمُثقَلِ، فإِنَّه فرعٌ يُخالِفُ المُستدلَّ وهو على مذهبِ المُعتَرضِ، وفرعٌ مِن فروعِه، فلا يُمَكَّنُ المُستدلُّ مِن تقريرِ مذهبِه معَ اعتِرافِه ببطلانِه.
(وَمَا) مبتدأٌ خَبَرُه قولُه: لَيْسَ بحُجَّةٍ (اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أي: إذا اتَّفَقَ الخَصمانِ على حُكمِ الأصلِ:
стр. 623
- فإنْ كانَ (لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) أو لعِلَّةٍ يَمنَعُ الخصمُ وُجودَها في الأصلِ، سُمِّيَ قياسًا مُرَكَّبًا، (وَيُسَمَّى) الأوَّلُ: (مُرَكَّبَ الأَصْلِ).
مثالُه: قياسُ حُلِيِّ البالغةِ على حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ في أنَّه لا زكاةَ فيه، فإنَّ ذلك مُتَّفَقٌ عليه في حُلِيِّ الصِّبيةِ، لكنْ لعِلَّتَينِ مختلفتَينِ، فعندنا لكونِه حُلِيًّا مُباحًا، وعندَ الحنفيَّةِ لكونِه مالَ صَبِيَّةٍ.
- (أَوْ) أي: وإن كان اتفاق الخَصمين على حكم الأصل (لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الخَصْمُ وُجُودَهَا) أي: وجود تلك العِلَّة (فِي الأَصْلِ) سُمِّيَ قياسًا مركبًا أيضًا.
ووجهُ تسميةِ الأوَّلِ مُركَّبَ الأصلِ لاختلافِ الخَصمينِ في تركيبِ الحُكمِ، فالمُستدلُّ يركبُ العِلَّة على الحُكمِ والخَصمُ بخلافه.
(وَيُسَمَّى) الثَّاني: (مُرَكَّبَ الوَصْفِ) لاختلافِ الخصمينِ في نفسِ الوصفِ الجامعِ؛ لأنَّ الخصمَ يُوافِقُ المُستدلَّ على العِلَّةِ [ولكنَّه يَمنَعُ] (١) وُجودَها في حُكمِ الأصلِ.
مثالُه: أن يُقالَ في مسألةِ تعليقِ الطَّلاقِ بالنِّكاحِ: تعليقٌ، فلا يَصِحُّ قبلَ النِّكاحِ، كما لو قال: «زينبُ الَّتي أَتَزَوَّجُها طالقٌ». فيَقولُ الحنفيُّ: العِلَّةُ هي كونُه تعليقًا مفقودةٌ في الأصلِ، فإنَّ قولَه: «زينبُ الَّتي أَتَزَوَّجُها طالقٌ» تَنجيزٌ لا تعليقٌ، فإنْ صَحَّ هذا بَطَلَ قياسُك الَّذِي هو إلحاقُ تعليقِ الطَّلاقِ به؛ لعَدمِ الجامعِ، وإنْ بَطَلَ مَنَعْتَ حُكمَ الأصلِ، وهو عدمُ الوقوعِ في قولِه: «زينبُ الَّتي أَتَزَوَّجُها طالقٌ»؛ لأنِّي إِنَّمَا مَنَعْتُ الوقوعَ؛ لأنَّه تنجيزٌ، فلو كانَ تعليقًا لقُلْتُ به.
стр. 624
وهذا القِيَاسُ المُرَكَّبُ (لَيْسَ بِحُجَّةٍ) عندَ الأكثرِ: أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الخَصمَ لا يَنفَكُّ عنْ مَنعِ العِلَّةِ في الفرعِ أو منعِ الحُكمِ في الأصلِ، وعلى التَّقديرينِ فلا يَتِمُّ القِيَاس. وأمَّا الثَّاني: فلأنَّه لا يَنفَكُّ عن منعِ الأصلِ، كما لو لم يَكُنِ التَّعليقُ ثابتًا فيه، أو مَنْعِ حُكْمَ الأصلِ، كما إذا كانَ ثابتًا، وعلى التَّقديرينِ لا يَتِمُّ القِيَاسُ.
(وَ) أمَّا (لَوْ سَلَّمَهَا) أي: سَلَّمَ الخصمُ العِلَّةَ للمُستدلِّ (فَأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا) أي: وجودَ العِلَّةِ حيثُ اختلفوا فيه، انتهضَ الدَّليلُ على الخصمِ لقيامِ الدَّليلِ عليه، (أَوْ سَلَّمَهُ الخَصْمُ) أي: سَلَّمَ وجودَ العِلَّةِ للمُستدِلِّ، (انْتَهَضَ الدَّلِيلُ) عليه، فيَصِحُّ القِيَاسُ لاعتِرافِ الخَصمِ بالمُقتضى لصِحَّتِه، كما لو كانَ مجتهدًا أو غَلَبَ على ظنِّه صِحَّةُ القِيَاسِ، فإِنَّه لا يُكابِرُ نَفْسَه فيما أَوْجَبَه عليه.
(وَيُقَاسُ) أي: ويَجُوزُ القِيَاسُ (عَلَى عَامٍّ خُصَّ، كَلَائِطٍ، وَآتٍ بِهِيمَةً، عَلَى زَانٍ) في الأصحِّ.
تنبيهٌ: لَيْسَ مِن شرطِ حُكْمِ الأصلِ أنْ يَكُونَ فيه نصٌّ، ذَكَرَه ابنُ مُفلحٍ (١)، وذَكَرَ ابنُ بَرْهَانَ عن بعضِ أصحابِهم: يُشتَرَطُ حَتَّى لو اجتمعَتِ الأُمَّةُ عليه، لم
يَجُزِ القِيَاسُ عليه.
стр. 625
(فَصْلٌ)
(العِلَّةُ) مِن أركانِ القِيَاسِ كما تَقَدَّمَ، وتَقَدَّمَتْ أحكامُها في خطابِ الوضعِ.
وأمَّا تعريفُها: فهي وصفٌ ظاهرٌ مُنضبِطٌ مُعَرِّفٌ للحُكْمِ، فخَرَجَ بقيدِ الظُّهورِ: الخفيُّ؛ كالبَخرِ في الأسدِ، وبالانضباطِ -والمرادُ به تمييزُ الشَّيءِ عن غيرِه: ما هو منتشرٌ لا ضابطَ له؛ كالمَشَقَّةِ، فلذلك لا يُعَلَّلُ إلَّا بوصفٍ مُنضبِطٍ يَشتمِلُ عليها، وبقولِنا: «مُعرِّفٌ للحُكمِ» ما يُعرِّفُ نقيضَه، وهو المانعُ، أو ما يَتَوَقَّفُ عليه المُعرَّفُ وهو الشَّرطُ، فتقييدُ الوصفِ الظَّاهرِ المُنضبطِ بكونِه مُعَرِّفًا، فقد اختلفَ العلماءُ فيه:
فأصحابُنا والأكثرُ أنَّ العِلَّةَ (مُجَرَّدُ أَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ نَصَبَهَا الشَّارِعُ دَلِيلًا) ليستدلَّ بها المُجتهدُ (عَلَى) وجدانِ (الحُكْمِ) إذا لم يَكُنْ عارفًا به.
لا مُؤَثِّرةٍ؛ لأنَّ الحُكمَ قديمٌ فلا مُؤثِّرَ له، فإنْ أُريدَ تَعَلُّقُ الحُكمِ بالمُكَلَّفِ فهو بإرادةِ اللهِ تَعَالَى لا بتأثيرِ شيءٍ مِن العالَمِ.
ويَجُوزُ أن يَتَخَلَّفَ ذلك الدَّليلُ، كالغيمِ الرَّطبِ أمارةٌ على المَطرِ، وقد يَتَخَلَّفُ، وهذا لا يُخرِجُ الأمارةَ عن كَوْنِها أمارةً.
(زِيدَ) أي: وزادَ ابنُ عَقِيلٍ (١) وغيرُه في الحدِّ (معَ أَنَّها) أي: العِلَّةَ (مُوجِبَةٌ لِمَصَالِحَ) و (دَافِعَةٌ لِمَفَاسِدَ) ليسَتْ مِن جنسِ الأمارةِ السَّاذَجةِ.
стр. 626
واختارَ الآمِدِيُّ (١) وغيرُه الأوَّلَ؛ لأنَّه لا فائدةَ في الأمارةِ سوى تعريفِ الحُكمِ، وقد عُرِفَ بالخطابِ، ولأنَّها مُعرِّفَةٌ لحُكمِ الأصلِ، فهو فَرعُها وهي مستنبطةٌ منه فهي فرعُه، فيَلْزَمُ الدَّورُ، وفيه نظرٌ؛ لجوازِ كَوْنِ فائدتِها تعريفَ حُكْمِ الفرعِ، وبَنى أصحابُنا على قولِهم: «العِلَّةُ مُجَرَّدُ أمارةٍ وعلامةٍ» صِحَّةَ التَّعليلِ باللَّقبِ، نصَّ عليه أحمدُ (٢).
(فَيَصِحُّ تَعْلِيلٌ بِلَقَبٍ) مثالُه: تعليلُ الرِّبَا في النَّقدينِ بكونِهما ذهبًا وفِضَّةً، وتعليلُ ما يُتَيَمَّمُ به بكونِه ترابًا، وما يُتَوَضَّأُ به بكونِه ماءً.
والمرادُ باللَّقبِ: ما لَيْسَ بمُشتَقٍّ، لا الَّذِي هو أحدُ أقسامِ العِلْمِ فقطْ، قاله البِرْمَاوِيُّ (٣).
فيَصِحُّ التَّعليلُ به عندَ الأكثرِ (كَـ) ما يَصِحُّ (بِمُشْتَقٍّ) اتِّفاقًا، وذلك كاسمِ الفاعلِ والمفعولِ والصِّفَةِ المُشَبَّهةِ، ونحوِ ذلك، فهو جائزٌ على مَعنى أنَّ المَعنى المُشتقَّ ذلك منه هو عِلَّةُ الحُكْمِ، نحوُ: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٤)، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥)، «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٦)، وغيرِ ذلك ممَّا لا يَنحصِرُ.
стр. 627
(وَلَا يُشْتَرَطُ) في عِلَّةِ الأصلِ عندَ أكثرِ أصحابِنا: (اشْتِمَالُهَا عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ)، ونَعني بالأصلِ: «ما يُعَلَّلُ به الحُكمُ في الأصلِ»، واشْتَرَطَ الأكثرُ أنْ تَكُونَ مُشتملةً على حِكمةٍ مقصودةٍ للشَّارعِ مِن شرعِ الحُكمِ مِن: تحصيلِ مصلحةٍ، أو تَكميلِها، أو دفعِ مَفسدةٍ، أو تَقليلِها، ومِن أجلِ كَوْنِ العِلَّةِ لا بُدَّ مِن اشتمالِها على حِكمةٍ تَدعو إلى الامتثالِ، كانَ مَانِعُها وصفًا وجوديًّا يُخِلُّ بحِكْمَتِها، ويُسَمَّى «مانِعَ السَّببِ»، كالدَّينِ إذا قُلْنا أنَّه مانعٌ لوجوبِ الزَّكاةِ، ولأنَّ حِكمةَ السَّببِ وهو مِلكُ النِّصابِ غِنَى مالِكِه، فإذا كانَ مُحتاجًا إليه لوفاءِ الدَّينِ، فلا غِنَى، فاختَلَّتْ (١) حِكمةُ السَّببِ بهذا المانعِ، فإنْ لم يُخِلَّ بحِكمَتِها بل بالحُكمِ فقطْ، والحِكمةُ باقيةٌ، سُمِّيَ «مانعَ الحُكمِ» كالأُبوَّةِ (٢) في القصاصِ، وتَقَدَّمَ ذلك في آخِرِ أقسامِ خِطابِ الوضعِ.
فائدةٌ: الوصفُ المجعولُ عِلَّةً ثلاثةُ أقسامٍ: فإِنَّه تارةً يَكُونُ رافعًا لا دافعًا، ويَكُونُ دافعًا لا رافعًا، ويَكُونُ رافعًا دافعًا، وإليه أشارَ بقولِه:
(ثُمَّ قَدْ تَكُونُ) العِلَّةُ:
(١) (رَافِعَةً) ومنه الطَّلاقُ، فإِنَّه يَرفَعُ حِلَّ الاستمتاعِ ولا يَدفَعُه؛ لأنَّ الطَّلاقَ إلى استمرارِه لا يَمنَعُ وقوعَ نكاحٍ جديدٍ بشرطِه.
(٢) (أَوْ دَافِعَةً) ومنه العِدَّةُ، فإنَّها دافعةٌ للنِّكاحِ إذا وُجِدَتْ في ابتدائِه، لا رافعةٌ له إذا طَرَأَتْ في أثناءِ النِّكاحِ، [فإنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ تَعتَدُّ وهي باقيةٌ على الزَّوجيَّةِ.
стр. 628
(٣) (أَوْ فَاعِلَتَهُمَا) أي: فاعلةً للأمرينِ: الرَّفعِ والدَّفعِ، ومنه الرَّضاعُ، فإِنَّه يَمنَعُ مِن ابتداءِ النِّكاحِ] (١)، وإذا طَرَأَ في أثناءِ العِصمةِ رَفَعَها.
وتَكُونُ العِلَّةُ أيضًا (وَصْفًا:
(١) حَقِيقِيًّا) وهو ما يُعقَلُ باعتبارِ نَفْسِه، ولا يَتَوَقَّفُ على وضعٍ، كقَوْلِنا: مطعومٌ، فيَكُونُ ربويًّا، فالطَّعمُ مُدرَكٌ بالحسِّ، وهو أمرٌ حقيقيٌّ؛ أي: لا تَتَوَقَّفُ مَعقوليَّتُه على معقوليَّةِ غيرِه، ويُعتبَرُ فيه أمرانِ:
أحدُهما: أنْ يَكُونَ (ظَاهِرًا) لا خفيًّا.
الثَّاني: أنْ يَكُونَ (مُنْضَبِطًا) أي: يَتَمَيَّزُ عن غيرِه، ولا خلافَ في التَّعليلِ به.
(٢) (أَوْ) أي: وتَكُونُ العِلَّةُ أيضًا وصفًا (عُرْفِيًّا) وشرطُه أنْ يَكُونَ (مُطَّرِدًا) لا يَختلِفُ بحَسَبِ الأوقاتِ، وإلَّا لجازَ أنْ يَكُونَ ذلك العُرفُ في زمنِ النَّبِيِّ ﷺ دونَ غيرِه، فلا يُعَلَّلُ به.
مثالُه: الشَّرفُ والخِسَّةُ في الكَفَّارةِ وعَدَمِها، فإنَّ الشَّرَفَ يُناسِبُ التَّعظيمَ والإكرامَ، والخِسَّةَ تُناسبُ ضِدَّ ذلك؛ فيُعلَّلُ به بالشَّرطِ المُتَقَدِّمِ.
(٣) (أَوْ) أي: وتَكُونُ العِلَّةُ أيضًا وصفًا (لُغَوِيًّا) في الأصحِّ.
مثالُه: تعليلُ تحريمِ النَّبيذِ؛ لأنَّه يُسَمَّى خمرًا، فحَرُمَ؛ كعَصيرِ العِنبِ.
تنبيهٌ: ما سَبَقَ هو الوصفُ المشتملُ على الحكمةِ، أمَّا نفسُ الحِكمةِ (فَـ) قال الأكثرُ: (لَا يُعَلَّلُ) الحكمُ الشَّرعيُّ (بِحِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ وَصْفٍ ضَابطٍ
стр. 629
لَهَا) لخفائِها، كالرِّضى في البيعِ، ولذلك أُنِيطَتْ صِحَّةُ البيعِ بالصِّيغِ (١) الدَّالَّةِ عليه، ولعدمِ انضباطِها كالمَشقَّةِ، ولذلك أُنِيطَتْ بالسَّفرِ، ووجهه ردُّ الشَّارِعِ في ذلك إلى المَضارِّ الظَّاهرةِ دفعًا للعُسرِ واختلافِ الأحكامِ، ولهذا لم يُرَخَّصْ للحَمَّالِ ونحوِه للمَشَقَّةِ؛ ولأنَّه يَكُونُ الوصفُ الظَّاهرُ المُنضبطُ عديمَ التَّأثيرِ استغناءً بأصلِ الحِكمةِ، ولأنَّ فيه حرجًا بالبحثِ عنها، فتَنْتَفِي بقولِه تَعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
(وَيُعَلَّلُ ثُبُوتِيٌّ) أي: يَصِحُّ تعليلُ حُكمٍ ثُبُوتِيٍّ (بِعَدَمٍ) على الصَّحيحِ، واستُدلَّ له بأنَّه كنصِّ الشَّارِعِ عليه، وكالأحكامِ يَكُونُ نفيًا، وكالعلَّةِ اللَّفظيَّةِ معَ أنَّها مُوجبةٌ، وكتعليلِ العَدمِ به، نحوُ: «لم أُسَلِّمْ على فلانٍ لعدمِ رُؤيتِه»؛ لأنَّ نفيَ الحُكمِ لنفيِ مُقتضيه أكثرُ مِن نفيِه لوجودِ مُنافيِه؛ ولأنَّه يَصِحُّ تعليلُ ضربِه لعبدِه بعدمِ امتثالِه، ولأنَّ العِلَّةَ أمارةٌ، فالعَدميَّةُ تُعرِّفُ الحُكمَ كالوجوديَّةِ.
стр. 630
(فَصْلٌ)
في ذِكْرِ شُروطِ العِلَّةِ
(مِنْ شُرُوطِهَا:
(١) ألَّا تَكُونَ مَحَلَّ الحُكْمِ) كقَوْلِنا: الخمرُ حرامٌ؛ لأنَّه مُسكِرٌ مُعتَصَرٌ مِن العِنبِ، (وَلَا جُزْءَهُ) أي: جزءَ مَحَلِّ الحُكْمِ (الخَاصَّ) كالتَّعليلِ باعتصارِه مِن العِنبِ فقطْ، وهو الصَّحيحُ، واستُدلَّ له بأنَّ العِلَّةَ لو كانَتْ للمَحَلِّ كانَتْ قاصرةً؛ لأنَّه لو تَحَقَّقَ بخصوصِه في الفرعِ: اتَّحَدَ، وكذا جزؤُه.
تنبيهٌ: تقييدُ الجزءِ بالخاصِّ تَحَرُّزٌ مِن المُشتَركِ بينَ المَحَلِّ وغيرِه، فإنَّ ذلك لا يَكُونُ إلَّا في العِلَّةِ المُتعدِّيةِ؛ كتعليلِ إباحةِ البيعِ بكونِه عقدَ مُعاوَضَةٍ، فإنَّ جزءَه المُشتَركَ وهو عقدُه الَّذِي هو شاملٌ للمُعاوَضَةِ وغيرِها لا يُعَلَّلُ به.
(٢) (وَ) منها: أن (لَا) تَكُونَ (قَاصِرَةً)، فإنْ كانَتْ مُتعدِّيَةً: عُمِلَ بها، وإنْ كانَتْ قاصرَةً وثَبَتَتْ عِلَّتُها بنصٍّ أو إجماعٍ: جازَ العملُ بها اتِّفاقًا، وإنْ كانَتْ قَاصِرَةً (مُسْتَنْبَطَةً) فاختلفَ العلماءُ فيها على قولينِ، هما روايتانِ عنِ الإمامِ أحمدَ:
إحداهما: لا يُعَلَّلُ بها، وعليه أكثرُ أصحابِه.
والقولُ الثَّاني: يُعَلَّلُ بها، وعليه الأكثرُ.
قال المَجدُ: ثَبَتَ مذهبًا لأحمدَ حيثُ عَلَّل الرِّبَا في النَّقدينِ بالثَّمَنِيَّةِ (١).
واستدلَّ له بحصولِ الظَّنِّ بأنَّ الحُكمَ لأجلِها ولا مَعنى للصِّحَّةِ سوى ذلك، وكالثَّابتةِ بنصٍّ أو إجماعٍ.
стр. 631
(وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ) عِلَّةٍ (قَاصِرَةٍ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ: مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ) خبَرٌ لـ «فائدةُ»، يَعني أنَّ فائدةَ العِلَّةِ القاصرةِ الثَّابتةِ بنصٍّ أو إجماعٍ معرفةُ مناسبةِ الحُكمِ للحِكمةِ؛ إذْ بالتَّعليلِ تُعرَفُ الحكمةُ، وأنَّ الحُكْمَ على وَفْقِ الحِكمةِ والمصلحةِ، فيَكُونُ أَدعى إلى القبولِ والانقيادِ ممَّا لم تُعلَمْ مُناسَبَتُه.
(وَ) فائدتُها أيضًا (مَنْعُ الإِلْحَاقِ) أي: المنعُ لإلحاقِ فرعٍ بذلك لعدمِ حصولِ الجامعِ الَّذِي هو عِلَّةٌ في الأصلِ، حَتَّى لو وُجِدَ وصفٌ آخَرُ مُتَعَدٍّ لا يُمكِنُ الإلحاقُ حَتَّى يَقُومَ دليلٌ على أنَّه أرجحُ مِن تلك العِلَّةِ القاصرةِ، بخلافِ ما لو لم يَكُنْ سوى العِلَّةِ المُتعدِّيةِ، فإِنَّه لا يَفتقِرُ الإلحاقُ لها إلى دليلٍ على ترجيحٍ.
(وَ) فائدتُها أيضًا: (تَقْوِيَةُ النَّصِّ) فيَزدادُ تقويةً بها، فيَصيرانِ كدَليلَينِ يَتَقَوَّى كلٌّ مِنهما بالآخَرِ، وهو مَخصوصٌ بما يَكُونُ دليلُ الحُكمِ فيه ظَنِّيًّا، أمَّا القَطعيُّ فلا يَحتاجُ لتقويةٍ.
(وَزِيدَ) في فائدتِها على ما تَقَدَّمَ: (وَزِيَادَةُ الأَجْرِ عِنْدَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ لِأَجْلِهَا) أي: لأجلِ تلك العِلَّةِ، فيَزدادُ المُكَلَّفُ أَجرًا بانقيادِه للحُكمِ بسببِ تلك العِلَّةِ المقصودةِ للشَّارعِ مِن شَرعِه، فيَكُونُ له أجرانِ: أجرٌ في امتثالِ النَّصِّ، وأجرٌ بامتثالِ المَعنى فيه.
تنبيهٌ: إِنَّمَا ذَكَرْتُ هذه الفوائدَ في العِلَّةِ المذكورةِ؛ لأنَّ المانعَ احتجَّ بأنَّه لا فائدةَ في التَّعليلِ بها؛ لأنَّ الحُكمَ مُقَرَّرٌ بالنَّصِّ، وغيرُ النَّصِّ لا تُوجَدُ فيه تلك العِلَّةُ، فأيُّ فائدةٍ لها؟
فقِيلَ في الجوابِ: إنَّ القاصرةَ المنصوصةَ أو المُجمَعَ عليها مُتَّفَقٌ عليها،
стр. 632
وما قالوه موجودٌ فيها، فلو صَحَّ ما قالُوه لكانَ النَّصُّ عليها عَبَثًا والإجماعُ عليها خطأً، ونفيُ الفائدةِ أو قَصْرُها فيما نَفَوْه ممنوعٌ.
(وَالنَّقْضُ) وجودُ العِلَّةِ بلا حُكْمٍ (وَيُسَمَّى) أي: سَمَّاه الحنفيَّةُ: (تَخْصِيصَ العِلَّةِ)، وقد يُعَدُّ مِن شروطِ العِلَّةِ أنْ تَكُونَ مُطَّرِدةً؛ أي: كُلَّما وُجِدَتْ وُجِدَ الحُكْمُ، و (عَدَمُ اطِّرَادِهَا) ويُسَمَّى نقضًا هو (بِأَنْ تُوجَدَ) العِلَّةُ (بِلَا حُكْمٍ) أي: يُوجَدُ الوصفُ الَّذِي يُدَّعَى أنَّه عِلَّةٌ في مَحَلٍّ مانعٍ عدمَ الحُكمِ فيه، وتَختلفُ عنها، كأنْ يُقالَ في تعليلِ وجوبِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ في الصَّومِ الواجبِ: صومٌ عَرِيَ أوَّلُه عنِ النِّيَّةِ، فلا يَصِحُّ كالصَّلَاةِ، فتُنتَقَضُ العِلَّةُ وهي العُرْيُ في أوَّلِه بصومِ التَّطوُّعِ، فإِنَّه يَصِحُّ مِن غيرِ تبييتٍ، ثمَّ تَخَلَّفَ الحُكمُ عنِ الوصفِ، إمَّا في وصفٍ ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُه بنصٍّ قطعيٍّ أو ظَنِّيٍّ أو باستنباطٍ، والتَّخلُّفُ إمَّا لمانعٍ أو فقدِ شرطٍ أو غيرِهما فهي تسعةٌ مِن ضربِ ثلاثةٍ في ثلاثةٍ.
(وَ) قد اختلفَ العلماءُ في بقاءِ العِلَّةِ حُجَّةً بعدَ النَّقضِ على عشرةِ أقوالٍ: أَصَحُّها: أنَّ النَّقضَ (لَا يَقْدَحُ) في العِلَّةِ (مُطْلَقًا) سواءٌ ثَبَتَتْ (١) بنصٍّ قطعيٍّ أو ظَنِّيٍّ أو باستنباطٍ، (وَتَكُونُ) العِلَّةُ (حُجَّةً فِي غَيْرِ مَا خُصَّ) كالعامِّ إذا خُصَّ به، واستُدلَّ له بأنَّ النَّقضَ يَلْزَمُ فيه مانعٌ أو عدمُ شرطٍ، وإلَّا فلا علَّةَ، ونقيضُ أحدِهما جزءٌ مِن العِلَّةِ؛ لتوقُّفِ الحُكمِ عليه، والكُلُّ وهو العِلَّةُ يَنتفي بعدمِ جُزئِه (٢).
(وَالتَّعْلِيلُ لِجَوَازِ الحُكْمِ: لَا يَنْتَقِضُ بِأَعْيَانِ المَسَائِلِ) كقَوْلِنا في الزَّكاةِ في مالِ الصَّبيِّ بأنَّه حُرٌّ مُسلِمٌ، فجازَ أنْ تَجِبَ الزَّكاةُ في مالِه كالبالغِ، فقالَ
стр. 633
المُعتَرضُ: يَنتقضُ إذا كانَ له معلوفةٌ أو عواملُ أو مالُه دونَ نصابٍ، فإنَّ ذلك لَيْسَ بنقضٍ؛ لأنَّ المُعلِّلَ أثبتَ بالجوازِ حالةً واحدةُ، وانتفاءُ الزَّكاةِ في حالةٍ لا يَمنَعُ وُجوبَها في حالةٍ أُخرى.
(وَ) التَّعليلُ (بِنَوْعِهِ) أي: نوعِ الحُكمِ (لَا يَنْتَقِضُ (١) بِعَيْنِ مَسْأَلَةٍ) كما قال أصحابُنا في أكلِ لَحمِ الجَزُورِ أنَّه يَنقُضُ الوُضوءَ؛ لأنَّه عبادةٌ [تَفْسُدُ بالحَدَثِ] (٢) ففَسَدَتْ بالأكلِ كالصَّلَاةِ، فيَقُولُ المُعتَرضُ: فيَنتقِضُ بالطَّوافِ، فإِنَّه يَفسُدُ بالحَدَثِ ولا يَفْسُدُ بالأكلِ. فقالوا: عَلَّلْنا نوعَ هذه (٣) العبادةِ الَّتي تَفسُدُ بالحدثِ، فلا ينتقضُ بأعيانِ المسائلِ؛ لأنَّ الطَّوافَ بعضُ نَوعِها، فإذا لم يُوجَدِ الحُكمُ فيه وُجِدَ في بقيَّةِ الفرعِ.
(وَالكَسْرُ: وُجُودُ الحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ) فإذا وُجِدَتْ في مَحَلٍّ بدونِ العِلَّةِ، ولم يُوجِدِ الحُكمُ فيه: سُمِّيَ كسرًا.
مثالُه: أن يَقُولَ الحنفيُّ في المسافِرِ العاصي بسَفَرِه: مسافرٌ، فيَتَرَخَّصُ بسفرِه كغيرِ العاصي، فيُعتَرَضُ بمَن صَنعتُه شاقَّةٌ حَضَرًا لا يَتَرَخَّصُ إجماعًا، وقد سَبَقَ قُبَيْلَ الفصلِ عدمُ التَّعليلِ بالحُكْميَّةِ، فالعِلَّةُ السَّفرُ ولا نقضَ عليه.
(وَالنَّقْضُ المَكْسُورُ) بينَ النَّقضِ والكسرِ، فإذا نقضَ المُعتَرضُ العِلَّةَ بتَركِ بعضِ الصِّفاتِ سُمِّيَ نقضًا مكسورًا، وهو بالحقيقةِ (نَقْضُ بَعْضِ الأَوْصَافِ) كأنَّه قال: الحِكمةُ المُعتبَرَةُ تَحصُلُ باعتبارِ هذا البعضِ، وقد وُجِدَ في المحلِّ ولم يُوجَدِ الحُكمُ فيه فهو نقضٌ لِما ادَّعاه عِلَّةً باعتبارِ الحكمةِ، وذلك كقَوْلِنا في بيعِ الغائبِ: بيعٌ مجهولُ الصِّفَةِ عندَ العاقدِ، فلا
стр. 634
يَصِحُّ، كقولِه: «بِعتُك عبدًا»، فيَقولُ المُعتَرضُ: يَنكسِرُ بما لو تَزَوَّجَ امرأةً لم يَرَها، فإِنَّه يَصِحُّ معَ كونِها مجهولةَ الصِّفَةِ عندَ العاقدِ، فهذا كسرٌ؛ لأنَّه نقضٌ مِن جهةِ المعنى؛ إذِ النِّكاحُ في الجهالةِ كالبيعِ، بدليلِ أنَّ الجهلَ بالعَينِ في كلٍّ مِنهما يُوجِبُ الفسادَ، ووصفُ كونِه مَبيعًا مُلْغًى بدليلِ أنَّ الرَّهنَ ونحوَه كذلك، ويَبقى عدمُ الرُّؤيةِ فيَنتقضُ بنكاحِ مَن لم يَرَها.
(وَلَا يُبْطِلَانِهَا) يَعني أنَّ الكسرَ والنَّقضَ المكسورَ لا يُبطِلانِ العِلَّةَ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّها مجموعُ الأوصافِ ولم يَنقُضْها المُعتَرضُ، فإنْ بَيَّنَ بأنَّه لا أَثَرَ (١) لكونِه مَبيعًا، فإنْ أَصَرَّ المُستدلُّ على التَّعليلِ بالوصفينِ: بَطَلَ ما عَلَّلَ به لعدمِ تأثيرِه لا بالنَّقضِ، وإنِ اقتصرَ على الوصفِ المنقوضِ: بَطَلَ بالنَّقضِ؛ لأنَّه وَرَدَ على كلِّ العِلَّةِ، وإنْ أتَى بوصفٍ لا أثَرَ له في الأصولِ ليَحتَرِزَ به مِن النَّقضِ: لم يَجُزْ.
(وَالعَكْسُ) عندَ الفقهاء والأُصُولِيِّينَ له اعتبارانِ:
أحدُهما: مثلُ قَولِ الحنفيِّ: لَمَّا لم يَجِبِ القصاصُ بصغيرِ المُثقلِ لم يَجِبْ بكبيرِه، بدليلِ عَكسِه في المُحدَّدِ لَمَّا وَجَبَ بكبيرِه وَجَبَ بصغيرِه.
ثانيهما: (وَهُوَ) المقصودُ هنا: (عَدَمُ الحُكْمِ لِعَدَمِ العِلَّةِ) وقد أَثْبَتَه قومٌ ونفاه أصحابُنا والجمهورُ، والحقُّ أنَّ العكسَ (شَرْطٌ) في العِلَّةِ (إِنْ كانَ التَّعْلِيلُ لِجِنْسِ الحُكْمِ) كقَوْلِنا: الرِّدَّةُ عِلَّةٌ لجنسِ إباحةِ الدَّمِ، فلَيْسَ بصحيحٍ لفَواتِ العكسِ، و (لَا) يَكُونُ العكسُ شرطًا في العِلَّةِ (إِنْ كانَ) التَّعليلُ (لِنَوْعِهِ) أي: نوعِ الحُكمِ، كقَوْلِنا: الرِّدَّةُ عِلَّةٌ لإباحةِ الدَّمِ، فهو صحيحٌ، وليسَ يَنعكِسُ.
стр. 635
(وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمٍ) واحدٍ (بِعِلَلٍ) مُتَعَدِّدَةٍ (كُلُّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ)، فالمُعَلَّلُ بالعِللِ المُتَعَدِّدَةِ لا يَخلو إمَّا أنْ يَكُونَ واحدًا بالنَّوعِ أو واحدًا بالشَّخصِ، فالواحدُ بالنَّوعِ يَجُوزُ تعدُّدُ عِلَلِه بحَسَبِ تعدُّدِ أشخاصِه بلا خلافٍ؛ كتعليلِ قتلِ زيدٍ برِدَّتِه وقتلِ عمرٍو بالقصاصِ، وقتلِ بَكرٍ بالزِّنا، وأمَّا الواحدُ بالشَّخصِ، فلا خلافَ في امتناعِ تعدُّدِ العِللِ العَقليَّةِ؛ لأنَّه بمَعنى تأثيرِ كلِّ واحدٍ، والمُؤثِّراتُ على أثرٍ واحدٍ مُحالٌ، فالقتلُ في صورةٍ واحدةٍ مُحالٌ تَعَدُّدُه؛ إذْ هو إزهاقُ الرُّوحِ، وكذلك أسبابُ الحَدَثِ إِنَّمَا هي أحداثٌ في مَحَلٍّ، لا حَدَثٌ واحدٌ، وأمَّا العللُ الشَّرعيَّةُ فهي مَحَلُّ الخلافِ.
(وَ) الصَّحيحُ أنَّه يَجُوزُ تعليلُ (صُورَةٍ) واحدةٍ (بِعِلَّتَيْنِ وَبِعَلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ) كتحريمِ وطءِ الحائضِ المُعتدَّةِ المُحرِمةِ، وكالحَدَثِ لخروجٍ مِن فرجٍ، وزوالِ عقلٍ، ومسِّ فرجٍ، ولمسِ أُنثى، فإنَّ كلَّ واحدٍ مِن المُتعدِّدين المَذكورينَ يُثبِتُ الحُكمَ مُستِقلًّا، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ العِلَّةَ الشَّرعيَّةَ بمَعنى المُعرِّفِ (١) ولا يَمتنعُ تعدُّدُ المُعرِّفِ؛ لأنَّ مِن شأنِ كلِّ واحدٍ أنْ يُعرِّفَ لا الَّذِي وُجِدَ به التَّعريفُ حَتَّى تَكُونَ الواحدةُ إذا عُرِّفَتْ فلا تُعَرِّفِ الأُخرى؛ لأنَّه تحصيلُ الحاصلِ واستُدِلَّ له بأنَّ وقوعَه دليلُ جوازِه، وقد وَقَعَ فللحَدَثِ عِللٌ مُستقلَّةٌ؛ كالبولِ، والغائطِ، والمَذيِ، وكذا للقتلِ وغيرِه كما تَقَدَّمَ.
(وَ) على هذا فـ (كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِن العللِ (عِلَّةٌ) مُستقِلَّةٌ (لَا جُزْءُ عِلَّةٍ) وعليه الأكثرُ؛ لأنَّه ثَبَتَ استقلالُ كلٍّ منهما مُنفردةً، وأيضًا لو لم تَكُنْ كلُّ واحدةٍ عِلَّةً لامتنعَ اجتماعُ الأدلَّةِ؛ لأنَّ العللَ أدلَّةٌ، وقد ثَبَتَ التَّعليلُ بكلِّ واحدةٍ كأدلَّةٍ عقليَّةٍ وسمعيَّةٍ يَثبُتُ المدلولُ بكلٍّ مِنهما.