← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ) عِلَّةٍ (قَاصِرَةٍ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ: مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ) خبَرٌ لـ «فائدةُ»، يَعني أنَّ فائدةَ العِلَّةِ القاصرةِ الثَّابتةِ بنصٍّ أو إجماعٍ معرفةُ مناسبةِ الحُكمِ للحِكمةِ؛ إذْ بالتَّعليلِ تُعرَفُ الحكمةُ، وأنَّ الحُكْمَ على وَفْقِ الحِكمةِ والمصلحةِ، فيَكُونُ أَدعى إلى القبولِ والانقيادِ ممَّا لم تُعلَمْ مُناسَبَتُه. (وَ) فائدتُها أيضًا (مَنْعُ الإِلْحَاقِ) أي: المنعُ لإلحاقِ فرعٍ بذلك لعدمِ حصولِ الجامعِ الَّذِي هو عِلَّةٌ في الأصلِ، حَتَّى لو وُجِدَ وصفٌ آخَرُ مُتَعَدٍّ لا يُمكِنُ الإلحاقُ حَتَّى يَقُومَ دليلٌ على أنَّه أرجحُ مِن تلك العِلَّةِ القاصرةِ، بخلافِ ما لو لم يَكُنْ سوى العِلَّةِ المُتعدِّيةِ، فإِنَّه لا يَفتقِرُ الإلحاقُ لها إلى دليلٍ على ترجيحٍ. (وَ) فائدتُها أيضًا: (تَقْوِيَةُ النَّصِّ) فيَزدادُ تقويةً بها، فيَصيرانِ كدَليلَينِ يَتَقَوَّى كلٌّ مِنهما بالآخَرِ، وهو مَخصوصٌ بما يَكُونُ دليلُ الحُكمِ فيه ظَنِّيًّا، أمَّا القَطعيُّ فلا يَحتاجُ لتقويةٍ. (وَزِيدَ) في فائدتِها على ما تَقَدَّمَ: (وَزِيَادَةُ الأَجْرِ عِنْدَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ لِأَجْلِهَا) أي: لأجلِ تلك العِلَّةِ، فيَزدادُ المُكَلَّفُ أَجرًا بانقيادِه للحُكمِ بسببِ تلك العِلَّةِ المقصودةِ للشَّارعِ مِن شَرعِه، فيَكُونُ له أجرانِ: أجرٌ في امتثالِ النَّصِّ، وأجرٌ بامتثالِ المَعنى فيه. تنبيهٌ: إِنَّمَا ذَكَرْتُ هذه الفوائدَ في العِلَّةِ المذكورةِ؛ لأنَّ المانعَ احتجَّ بأنَّه لا فائدةَ في التَّعليلِ بها؛ لأنَّ الحُكمَ مُقَرَّرٌ بالنَّصِّ، وغيرُ النَّصِّ لا تُوجَدُ فيه تلك العِلَّةُ، فأيُّ فائدةٍ لها؟ فقِيلَ في الجوابِ: إنَّ القاصرةَ المنصوصةَ أو المُجمَعَ عليها مُتَّفَقٌ عليها،

стр. 632

وما قالوه موجودٌ فيها، فلو صَحَّ ما قالُوه لكانَ النَّصُّ عليها عَبَثًا والإجماعُ عليها خطأً، ونفيُ الفائدةِ أو قَصْرُها فيما نَفَوْه ممنوعٌ. (وَالنَّقْضُ) وجودُ العِلَّةِ بلا حُكْمٍ (وَيُسَمَّى) أي: سَمَّاه الحنفيَّةُ: (تَخْصِيصَ العِلَّةِ)، وقد يُعَدُّ مِن شروطِ العِلَّةِ أنْ تَكُونَ مُطَّرِدةً؛ أي: كُلَّما وُجِدَتْ وُجِدَ الحُكْمُ، و (عَدَمُ اطِّرَادِهَا) ويُسَمَّى نقضًا هو (بِأَنْ تُوجَدَ) العِلَّةُ (بِلَا حُكْمٍ) أي: يُوجَدُ الوصفُ الَّذِي يُدَّعَى أنَّه عِلَّةٌ في مَحَلٍّ مانعٍ عدمَ الحُكمِ فيه، وتَختلفُ عنها، كأنْ يُقالَ في تعليلِ وجوبِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ في الصَّومِ الواجبِ: صومٌ عَرِيَ أوَّلُه عنِ النِّيَّةِ، فلا يَصِحُّ كالصَّلَاةِ، فتُنتَقَضُ العِلَّةُ وهي العُرْيُ في أوَّلِه بصومِ التَّطوُّعِ، فإِنَّه يَصِحُّ مِن غيرِ تبييتٍ، ثمَّ تَخَلَّفَ الحُكمُ عنِ الوصفِ، إمَّا في وصفٍ ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُه بنصٍّ قطعيٍّ أو ظَنِّيٍّ أو باستنباطٍ، والتَّخلُّفُ إمَّا لمانعٍ أو فقدِ شرطٍ أو غيرِهما فهي تسعةٌ مِن ضربِ ثلاثةٍ في ثلاثةٍ. (وَ) قد اختلفَ العلماءُ في بقاءِ العِلَّةِ حُجَّةً بعدَ النَّقضِ على عشرةِ أقوالٍ: أَصَحُّها: أنَّ النَّقضَ (لَا يَقْدَحُ) في العِلَّةِ (مُطْلَقًا) سواءٌ ثَبَتَتْ (١) بنصٍّ قطعيٍّ أو ظَنِّيٍّ أو باستنباطٍ، (وَتَكُونُ) العِلَّةُ (حُجَّةً فِي غَيْرِ مَا خُصَّ) كالعامِّ إذا خُصَّ به، واستُدلَّ له بأنَّ النَّقضَ يَلْزَمُ فيه مانعٌ أو عدمُ شرطٍ، وإلَّا فلا علَّةَ، ونقيضُ أحدِهما جزءٌ مِن العِلَّةِ؛ لتوقُّفِ الحُكمِ عليه، والكُلُّ وهو العِلَّةُ يَنتفي بعدمِ جُزئِه (٢). (وَالتَّعْلِيلُ لِجَوَازِ الحُكْمِ: لَا يَنْتَقِضُ بِأَعْيَانِ المَسَائِلِ) كقَوْلِنا في الزَّكاةِ في مالِ الصَّبيِّ بأنَّه حُرٌّ مُسلِمٌ، فجازَ أنْ تَجِبَ الزَّكاةُ في مالِه كالبالغِ، فقالَ

стр. 633

المُعتَرضُ: يَنتقضُ إذا كانَ له معلوفةٌ أو عواملُ أو مالُه دونَ نصابٍ، فإنَّ ذلك لَيْسَ بنقضٍ؛ لأنَّ المُعلِّلَ أثبتَ بالجوازِ حالةً واحدةُ، وانتفاءُ الزَّكاةِ في حالةٍ لا يَمنَعُ وُجوبَها في حالةٍ أُخرى. (وَ) التَّعليلُ (بِنَوْعِهِ) أي: نوعِ الحُكمِ (لَا يَنْتَقِضُ (١) بِعَيْنِ مَسْأَلَةٍ) كما قال أصحابُنا في أكلِ لَحمِ الجَزُورِ أنَّه يَنقُضُ الوُضوءَ؛ لأنَّه عبادةٌ [تَفْسُدُ بالحَدَثِ] (٢) ففَسَدَتْ بالأكلِ كالصَّلَاةِ، فيَقُولُ المُعتَرضُ: فيَنتقِضُ بالطَّوافِ، فإِنَّه يَفسُدُ بالحَدَثِ ولا يَفْسُدُ بالأكلِ. فقالوا: عَلَّلْنا نوعَ هذه (٣) العبادةِ الَّتي تَفسُدُ بالحدثِ، فلا ينتقضُ بأعيانِ المسائلِ؛ لأنَّ الطَّوافَ بعضُ نَوعِها، فإذا لم يُوجَدِ الحُكمُ فيه وُجِدَ في بقيَّةِ الفرعِ. (وَالكَسْرُ: وُجُودُ الحِكْمَةِ بِلَا حُكْمٍ) فإذا وُجِدَتْ في مَحَلٍّ بدونِ العِلَّةِ، ولم يُوجِدِ الحُكمُ فيه: سُمِّيَ كسرًا. مثالُه: أن يَقُولَ الحنفيُّ في المسافِرِ العاصي بسَفَرِه: مسافرٌ، فيَتَرَخَّصُ بسفرِه كغيرِ العاصي، فيُعتَرَضُ بمَن صَنعتُه شاقَّةٌ حَضَرًا لا يَتَرَخَّصُ إجماعًا، وقد سَبَقَ قُبَيْلَ الفصلِ عدمُ التَّعليلِ بالحُكْميَّةِ، فالعِلَّةُ السَّفرُ ولا نقضَ عليه. (وَالنَّقْضُ المَكْسُورُ) بينَ النَّقضِ والكسرِ، فإذا نقضَ المُعتَرضُ العِلَّةَ بتَركِ بعضِ الصِّفاتِ سُمِّيَ نقضًا مكسورًا، وهو بالحقيقةِ (نَقْضُ بَعْضِ الأَوْصَافِ) كأنَّه قال: الحِكمةُ المُعتبَرَةُ تَحصُلُ باعتبارِ هذا البعضِ، وقد وُجِدَ في المحلِّ ولم يُوجَدِ الحُكمُ فيه فهو نقضٌ لِما ادَّعاه عِلَّةً باعتبارِ الحكمةِ، وذلك كقَوْلِنا في بيعِ الغائبِ: بيعٌ مجهولُ الصِّفَةِ عندَ العاقدِ، فلا

стр. 634

يَصِحُّ، كقولِه: «بِعتُك عبدًا»، فيَقولُ المُعتَرضُ: يَنكسِرُ بما لو تَزَوَّجَ امرأةً لم يَرَها، فإِنَّه يَصِحُّ معَ كونِها مجهولةَ الصِّفَةِ عندَ العاقدِ، فهذا كسرٌ؛ لأنَّه نقضٌ مِن جهةِ المعنى؛ إذِ النِّكاحُ في الجهالةِ كالبيعِ، بدليلِ أنَّ الجهلَ بالعَينِ في كلٍّ مِنهما يُوجِبُ الفسادَ، ووصفُ كونِه مَبيعًا مُلْغًى بدليلِ أنَّ الرَّهنَ ونحوَه كذلك، ويَبقى عدمُ الرُّؤيةِ فيَنتقضُ بنكاحِ مَن لم يَرَها. (وَلَا يُبْطِلَانِهَا) يَعني أنَّ الكسرَ والنَّقضَ المكسورَ لا يُبطِلانِ العِلَّةَ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّها مجموعُ الأوصافِ ولم يَنقُضْها المُعتَرضُ، فإنْ بَيَّنَ بأنَّه لا أَثَرَ (١) لكونِه مَبيعًا، فإنْ أَصَرَّ المُستدلُّ على التَّعليلِ بالوصفينِ: بَطَلَ ما عَلَّلَ به لعدمِ تأثيرِه لا بالنَّقضِ، وإنِ اقتصرَ على الوصفِ المنقوضِ: بَطَلَ بالنَّقضِ؛ لأنَّه وَرَدَ على كلِّ العِلَّةِ، وإنْ أتَى بوصفٍ لا أثَرَ له في الأصولِ ليَحتَرِزَ به مِن النَّقضِ: لم يَجُزْ. (وَالعَكْسُ) عندَ الفقهاء والأُصُولِيِّينَ له اعتبارانِ: أحدُهما: مثلُ قَولِ الحنفيِّ: لَمَّا لم يَجِبِ القصاصُ بصغيرِ المُثقلِ لم يَجِبْ بكبيرِه، بدليلِ عَكسِه في المُحدَّدِ لَمَّا وَجَبَ بكبيرِه وَجَبَ بصغيرِه. ثانيهما: (وَهُوَ) المقصودُ هنا: (عَدَمُ الحُكْمِ لِعَدَمِ العِلَّةِ) وقد أَثْبَتَه قومٌ ونفاه أصحابُنا والجمهورُ، والحقُّ أنَّ العكسَ (شَرْطٌ) في العِلَّةِ (إِنْ كانَ التَّعْلِيلُ لِجِنْسِ الحُكْمِ) كقَوْلِنا: الرِّدَّةُ عِلَّةٌ لجنسِ إباحةِ الدَّمِ، فلَيْسَ بصحيحٍ لفَواتِ العكسِ، و (لَا) يَكُونُ العكسُ شرطًا في العِلَّةِ (إِنْ كانَ) التَّعليلُ (لِنَوْعِهِ) أي: نوعِ الحُكمِ، كقَوْلِنا: الرِّدَّةُ عِلَّةٌ لإباحةِ الدَّمِ، فهو صحيحٌ، وليسَ يَنعكِسُ.

стр. 635

(وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمٍ) واحدٍ (بِعِلَلٍ) مُتَعَدِّدَةٍ (كُلُّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ)، فالمُعَلَّلُ بالعِللِ المُتَعَدِّدَةِ لا يَخلو إمَّا أنْ يَكُونَ واحدًا بالنَّوعِ أو واحدًا بالشَّخصِ، فالواحدُ بالنَّوعِ يَجُوزُ تعدُّدُ عِلَلِه بحَسَبِ تعدُّدِ أشخاصِه بلا خلافٍ؛ كتعليلِ قتلِ زيدٍ برِدَّتِه وقتلِ عمرٍو بالقصاصِ، وقتلِ بَكرٍ بالزِّنا، وأمَّا الواحدُ بالشَّخصِ، فلا خلافَ في امتناعِ تعدُّدِ العِللِ العَقليَّةِ؛ لأنَّه بمَعنى تأثيرِ كلِّ واحدٍ، والمُؤثِّراتُ على أثرٍ واحدٍ مُحالٌ، فالقتلُ في صورةٍ واحدةٍ مُحالٌ تَعَدُّدُه؛ إذْ هو إزهاقُ الرُّوحِ، وكذلك أسبابُ الحَدَثِ إِنَّمَا هي أحداثٌ في مَحَلٍّ، لا حَدَثٌ واحدٌ، وأمَّا العللُ الشَّرعيَّةُ فهي مَحَلُّ الخلافِ. (وَ) الصَّحيحُ أنَّه يَجُوزُ تعليلُ (صُورَةٍ) واحدةٍ (بِعِلَّتَيْنِ وَبِعَلَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ) كتحريمِ وطءِ الحائضِ المُعتدَّةِ المُحرِمةِ، وكالحَدَثِ لخروجٍ مِن فرجٍ، وزوالِ عقلٍ، ومسِّ فرجٍ، ولمسِ أُنثى، فإنَّ كلَّ واحدٍ مِن المُتعدِّدين المَذكورينَ يُثبِتُ الحُكمَ مُستِقلًّا، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ العِلَّةَ الشَّرعيَّةَ بمَعنى المُعرِّفِ (١) ولا يَمتنعُ تعدُّدُ المُعرِّفِ؛ لأنَّ مِن شأنِ كلِّ واحدٍ أنْ يُعرِّفَ لا الَّذِي وُجِدَ به التَّعريفُ حَتَّى تَكُونَ الواحدةُ إذا عُرِّفَتْ فلا تُعَرِّفِ الأُخرى؛ لأنَّه تحصيلُ الحاصلِ واستُدِلَّ له بأنَّ وقوعَه دليلُ جوازِه، وقد وَقَعَ فللحَدَثِ عِللٌ مُستقلَّةٌ؛ كالبولِ، والغائطِ، والمَذيِ، وكذا للقتلِ وغيرِه كما تَقَدَّمَ. (وَ) على هذا فـ (كُلُّ وَاحِدَةٍ) مِن العللِ (عِلَّةٌ) مُستقِلَّةٌ (لَا جُزْءُ عِلَّةٍ) وعليه الأكثرُ؛ لأنَّه ثَبَتَ استقلالُ كلٍّ منهما مُنفردةً، وأيضًا لو لم تَكُنْ كلُّ واحدةٍ عِلَّةً لامتنعَ اجتماعُ الأدلَّةِ؛ لأنَّ العللَ أدلَّةٌ، وقد ثَبَتَ التَّعليلُ بكلِّ واحدةٍ كأدلَّةٍ عقليَّةٍ وسمعيَّةٍ يَثبُتُ المدلولُ بكلٍّ مِنهما.

стр. 636

(وَ) يَجُوزُ تعليلُ (حُكْمَيْنِ) مختلفينِ (بِعِلَّةٍ) واحدةٍ بمَعنى الأمارةِ اتِّفاقًا، ولا يَمتنعُ عقلًا ولا شرعًا نصبُ أمارةٍ واحدةٍ على حُكمينِ مُختلفينِ كغروبِ الشَّمسِ للفطرِ والصَّلَاةِ، وبمَعنى الباعثِ على الأظهرِ؛ لأنَّه لا مانعَ كالإسكارِ للتَّحريمِ والحدِّ، وهذه المسألةُ مُقابِلةٌ للمسألةِ الَّتي قَبْلَها، وهي أنْ تَتَّحِدَ العِلَّةُ ويَتَعَدَّدَ المعلولُ، فيَكُونُ أحكامًا مختلفةً، فيَجُوزُ تعليلُها بعِلَّةٍ واحدةٍ (إِثْبَاتًا وَنَفْيًا)، فمِن الإثباتِ السَّرقةُ فإنَّها عِلَّةٌ في القَطعِ لمُناسبةِ زَجرِ السَّارقِ حَتَّى لا يَعُودَ، وفي غرامةِ المالِ المسروقِ لصاحبِه لمناسبتِه لجبْرِه، ومن العِلَّةِ في المنفيِّ الحيضُ، فإِنَّه عِلَّةٌ لمنعِ الصَّلَاةِ ومسِّ المصحفِ والوطءِ وغيرِ ذلك، لمناسبتِه للمنعِ مِن كُلٍّ مِن ذلك، ولا يُعَدُّ في مناسبتِه وصفٌ واحدٌ لعددٍ مِن الأحكامِ. (٣) (وَ) مِن جملةِ شروطِ العِلَّةِ: (ألَّا تَتَأَخَّرَ عِلَّةُ الأَصْلِ عَنْ حُكْمِهِ) بألَّا يَكُونَ ثُبُوتُها مُتَأَخِّرًا عن ثبوتِ حُكمِ الأصلِ في الأصحِّ، كما لو قِيلَ فيمَن أصابَه عَرَقُ الكلبِ: أصابَه عرقُ حيوانٍ نَجِسٍ، فكانَ نجسًا كلُعابِه، فيمنعُ السَّائلَ كونُ عرقِ الكلبِ نَجسًا، فيَقُولُ (١) المُستدلُّ: لأنَّه مُستَقذَرٌ شرعًا، أي أَمَرَ الشَّارِعُ بالتَّنزُّهِ عنه، فكانَ نجسًا كالبولِ فيَقُولُ المُعتَرضُ: هذه العِلَّةُ ثُبوتُها مُتأخِّرٌ عن حُكمِ الأصلِ، فتَكُونُ فاسدةً؛ لأنَّ حُكمَ الأصلِ وهو نجاستُه يَجِبُ أنْ تَكُونَ سابقةً على حُكمِ استقذارِه؛ لأنَّ الحُكمَ باستقذارِه إِنَّمَا هو مُرَتَّبٌ على ثُبوتِ نجاستِه، وإنَّما كانَتْ هذه العِلَّةُ فاسدةً لتَأخُّرِها عن حُكمِ الأصلِ لِما يَلْزَمُ مِن ثبوتِ الحُكمِ بغيرِ باعثٍ على تقديرِ تفسيرِ العِلَّةِ (٢) بالباعثِ، وقد فُرِضَ تَأخُّرُها عنِ الحُكمِ وهو محالٌ؛ لأنَّ الفرضَ أنَّ الحُكمَ قد عُرِفَ قبلَ ثبوتِ عِلَّتِه.

стр. 637

(٤) (وَ) منها (ألَّا تَرْجِعَ) العِلَّةُ (عَلَيْهِ) أي: على حُكْمِ الأصلِ الَّذِي استُنْبِطَتْ [منه (بِإِبْطالٍ) حَتَّى لو استُنْبِطَتْ] (١) مِن نصٍّ، وكانَتْ تُؤَدِّي إلى ذلك كانَ ذلك فاسدًا، وذلك لأنَّ الأصلَ مَنشؤُها، فإبطالُها له إبطالٌ لها؛ لأنَّها فرعُه، والفرعُ لا يُبطِلُ أصلَه؛ إذْ لو أَبْطَلَ أصلَه لأبطلَ نَفْسَه، كتعليلِ الحنفيَّةِ وجوبَ الشَّاةِ في الزَّكاةِ بدفعِ حاجةِ الفقيرِ، فإِنَّه مُجَوِّزٌ لإخراجِ قيمةِ الشَّاةِ مُفْضٍ إلى عَدَمِ وُجوبِها بالتَّخييرِ بينَها وبينَ قيمتِها، وأمَّا إذا عادَتِ العِلَّةُ على حُكمِ الأصلِ بتخصيصِ النَّصِّ فللعلماءِ فيه قولانِ مُستَنْبَطَانِ مِن قولِهم في نقضِ الوضوءِ بمسِّ المحارمِ، ففي قولٍ: «يَنْقُضُ» نظرًا إلى كونِ الملموسِ مَظِنَّةَ الاستمتاعِ، فعادَتِ العِلَّةُ على عُمومِ النِّساءِ بالتَّخصيصِ بغيرِ المحارمِ، (وَفِي قَوْلٍ) آخَرَ (وَ) هو أنَّ (٢) مِن شرطِها أن (لَا) تَعُودَ عليه (بِتَخْصِيصٍ) ومِثلُه حديثُ النَّهيِ عنْ بيعِ اللَّحمِ بالحيوانِ (٣) شاملٌ للمأكولِ وغيرِه. قالَ في «شرح الأصل»: والصَّحيحُ النَّقضُ بمسِّ المحارمِ، وصحَّةُ البيعِ في بيعِ اللَّحمِ بالحيوانِ مُطلقًا، وأمَّا عَوْدُها بالتَّعميمِ كقولِه ﷺ : «لَا يَقْضِي (٤) القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» (٥) فلا خلافَ في جوازِه؛ لأنَّ العِلَّةَ تشويشُ الفكرِ، فتَتَعَدَّى إلى كلِّ مشوِّشٍ (٦).

стр. 638

(٥) (وَ) مِن شرطِها (ألَّا يَكُونَ لِلْمُسْتَنْبَطَةِ مُعَارِضٌ فِي الأَصْلِ) فإذا كانَتِ العِلَّةُ مُستَنْبَطَةً شُرِطَ فيها ألَّا تَكُونَ معارَضةً بمعارِضٍ مُنافٍ موجودٍ في الأصلِ صالحٍ للعِلِّيَّةِ وليسَ موجودًا في الفرعِ؛ لأنَّه متى كانَ في الأصلِ وصفانِ مُتنافيانِ يَقتضي كلُّ واحدٍ مِنهما نقيضَ الآخرِ؛ لم يَصِحَّ أن يُجعَلَ أحدُهما عِلَّةً إلَّا بمُرجِّحٍ. مثالُ ذلك: أن يَقُولَ الحنفيُّ في صومِ الفرضِ: «صومُ عينٍ» فيَتَأَدَّى بالنِّيَّةِ قبْلَ الزَّوالِ كالنَّفلِ، فيُقالُ له: «صومُ فرضٍ» فيُحتاطُ فيه، ولا يُبنى على السُّهولةِ. (٦) (وَ) مِن شرطِ العِلَّةِ (ألَّا تُخَالِفَ نَصًّا) مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ (وَلَا إِجْمَاعًا) لأنَّ النَّصَّ والإجماعَ لا يُقاوِمُهما القِيَاسُ (١) بل يَكُونُ إذا خالَفَهما باطلًا. مثالُ مخالفةِ النَّصِّ: أنْ يَقُولَ حنفيٌّ (٢): امرأةٌ مالكةٌ لبُضعِها فصَحَّ نِكاحُها بغيرِ إذنِ وَلِيِّها، قياسًا على بيعِها سِلْعَتَها، فيُقالُ له: هذه عِلَّةٌ مُخالِفةٌ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها (٣) بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا؛ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» (٤). ومثالُ مخالفةِ الإجماعِ: أنْ يُقالَ: مسافرٌ، فلا تَجِبُ عليه الصَّلَاةُ في السَّفرِ، قياسًا على صومِه في عدمِ الوجوبِ في السَّفرِ بجامعِ المَشَقَّةِ، فيُقالُ:

стр. 639

هذه العِلَّةُ مُخالفةٌ للإجماعِ على (١) عدمِ اعتبارِها في الصَّلَاةِ، وأنَّ الصَّلَاةَ واجبةٌ على المُسافرِ معَ وجودِ مَشَقَّةِ السَّفرِ. (٧) (وَ) مِن شروطِ العِلَّةِ المُستَنْبَطةِ أيضًا: (ألَّا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ) أي: حُكمًا في الأصلِ غيرَ ما أَثْبَتَه النَّصُّ؛ لأنَّها إِنَّمَا تُعلَمُ ممَّا أُثْبِتَ فيه. مثالُه: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (٢)، فتُعَلَّلُ الحرمةُ بأنَّه رِبًا فيما يُوزَنُ كالنَّقدينِ، فيَلْزَمُ التَّقابُضُ، معَ أنَّ النَّصَّ لم يَتَعَرَّضْ له، وقِيلَ: إنَّ الزِّيادةَ إذا لم تُنافِ النَّصَّ لم يَضُرَّ وجودُها. (٨) (وَ) مِن شَرطِها (أَنْ يَكُونَ دَلْيلُهَا شَرْعِيًّا) وذلك لأنَّ دَليلَها لو كانَ غيرَ شرعيٍّ لَلَزِمَ ألَّا يَكُونَ القِيَاسُ شرعيًّا. (٩) (وَ) مِن شرطِ صِحَّتِها أيضًا: أنْ (لَا يَعُمَّ دَلِيلُهَا حُكْمَ الفَرْعِ [بِعُمُومِهِ أَوْ بِخُصُوصِهِ] (٣) كقولِ الشَّافعيِّ: الفواكهُ مَطعومةٌ، فجَرَى الرِّبَا فيها كالبُرِّ، ثمَّ أَثْبَتَ الطُّعمَ عِلَّةً بقولِه: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» (٢)، فالفرعُ داخلٌ في الطَّعامِ.

стр. 640

وكقولِ حنفيٍّ في نجاسةِ غيرِ السَّبيلِ: خارجٌ نجسٌ، فنَقَضَ كالسَّبيلِ، ثمَّ أَثْبَتَ العِلَّةَ بما يُروى مِن قولِه: «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فَلْيَتَوَضَّأْ» (١) لأنَّه تطويلٌ بلا فائدةٍ، ورجوعٌ عن القِيَاسِ لثبوتِ الحُكمِ بدليلِها لا بنَفْسِها، فلم يَثْبُتِ الحُكمُ بالقِيَاس. قال العَضُدُ (٢): لنا أنَّه يُمكِنُ إثباتُ الفرعِ بالنَّصِّ كما يُمكِنُ إثباتُ الأصلِ به، فالعدولُ عنه إلى إثباتِ الأصلِ، ثمَّ العِلَّةِ، ثمَّ بيانِ وجودِها في الفرعِ، ثمَّ بيانِ ثبوتِ الحكمِ تطويلٌ بلا فائدةٍ. (١٠) (وَ) مِن شُروطِها: (أَنْ تَتَعَيَّنَ) في الأصحِّ، خلافًا لمنِ اكتفى بشيوعِها مُتَعَلِّقًا بقولِ عمرَ ﵁: «اعرفِ الأشباهَ والنَّظائرَ، وقِسِ الأمورَ برأيِك» (٣). فعلى هذا يَكفي كونُ الشَّيءِ مُشْبِهًا للشَّيءِ شَبَهًا ما، لكنْ أطبقَ الجماهيرُ على فسادِه، وأجمعَ السَّلَفُ على أنَّه لا بُدَّ في الإلحاقِ منَ الاشتِراكِ بوصفٍ خاصٍّ، أما التَّعليلُ بأحدِ أمرينِ أو ثلاثةٍ ونحوِ ذلك مِن المحصورِ؛ فلا يَمتنِعُ، كما لو مَسَّ الرَّجُلُ مِن الخُنثى فرجَ الرَّجلِ، أو المرأةُ مِن الخُنثى فرجَ النِّساءِ، فإِنَّه يَنتقضُ وُضوءِ الماسَّينِ؛ لأنَّه (٤) إمَّا مسُّ فرجٍ أو مَسٌّ لشهوةٍ. (١١) (وَ) مِن شروطِ العِلَّةِ (ألَّا تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا) أي: مفروضًا، لا حقيقةَ له، كتعليلِ جوازِ التَّصرُّفِ بالبيعِ ونحوِه بالمِلكِ، فلا يَجُوزُ التَّعليلُ

стр. 641

بالصِّفاتِ المُقدَّرةِ خلافًا للفقهاءِ، فإنَّ الفروعَ الفقهيَّةَ كثيرةٌ بالتَّعليلِ بالأمورِ التَّقديريَّةِ لا يَكادُ أنْ يَكُونَ عندَهم في ذلك خلافٌ، وكأنَّها عندَهم بمَنزلةِ التَّحقيقاتِ، أَلَا تَرى أنَّ الحَدَثَ عندَهم وصفٌ وجوديٌّ مُقدَّرٌ قيامُه بالأعضاءِ يَرفَعُه الوُضوءُ والغُسلُ ولا يَرفَعُه التَّيمُّمُ ونحوُ ذلك. (وَقَدْ تَكُونُ) العِلَّةُ (حُكْمًا شَرْعِيًّا) كقَوْلِنا: مَن صَحَّ طلاقُه صَحَّ ظِهارُه، فجَوَّزَ الأكثرُ التَّعليلَ به كتعليلِ مَنعِ بيعِ الكلبِ بنجاستِه؛ لأنَّ العِلَّةَ هي المُعَرِّفُ، فلا امتناعَ أنْ يُجعَلَ حُكمٌ شرعيٌّ مُعَرِّفًا لحكمٍ شرعيٍّ، والعِلَّةُ الَّتي يَحتاجُ إلى إثباتِها في الأصلِ المُتعدِّيةِ إلى الفرعِ، وأيضًا قد يَدُورُ حُكمٌ معَ حكمٍ، والدَّوَرانُ عِلَّةٌ لِما يَأْتي في مسالكِ العِلَّةِ. (وَتَكُونُ صِفَةُ الِاتِّفَاقِ، وَ) صفةُ (الِاخْتِلَافِ: عِلَّةً) أي: يَجُوزُ جَعلُها عِلَّةً عندَ الأكثرِ كالإجماعِ: حادثٌ وهو دليلٌ، والاختلافُ يَتَضَمَّنُ خِفَّةَ حُكمِه، وعكسُه الاتِّفاقُ، كقَوْلِنا في المُتولِّدِ بينَ الظِّباءِ والغنمِ: مُتَوَلِّدٌ بينَ أصلينِ يُزَكَّى أحدُهما إجماعًا، فوَجَبَ فيه كمُتولِّدٍ بينَ سائمةٍ ومعلوفةٍ. (وَيَتَعَدَّدُ الوَصْفُ) أي: يَجُوزُ التَّعليلُ بالوصفِ المُتعدِّدِ، (وَيَقَعُ) عندَ الأكثرِ؛ كتعليلِ القصاصِ بالقتلِ العَمدِ العُدوانِ؛ لأنَّ طريقَ إثباتِ الواحدِ يَثبُتُ به غيرُه، ولأنَّ الَّذِي يُستدَلُّ به على العِلَّةِ المُفردةِ يُستَدَلُّ به على المُركّبةِ فهُما سواءٌ، وهذا يُسَمَّى الوصفَ المُرَكَّبَ؛ لأنَّ العِلَّةَ تَنقسِمُ إلى: «بسيطةٍ»: وهي ما لا جُزءَ لها كالإسكارِ (١)، وإلى «مركَّبةٍ» وهي الَّتي لها جزءٌ، وهي مَسألتُنا.

стр. 642

(وَمَا حَكَمَ بِهِ الشَّارِعُ مُطْلَقًا، أَوْ) حَكَمَ به (فِي عَيْنٍ) مِن أعيانٍ (أَوْ فَعَلَهُ) الشَّارِعُ (أَوْ أَقَرَّ) غيرَ (ـهُ) على فِعلِه؛ (لَا يُعَلَّلُ) أي: لا يَجُوزُ تعليلُه (بِـ) عِلَّةٍ (مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الوَقْتِ بِحَيْثُ يَزُولُ الحُكْمُ مُطْلقًا) بزَوَالِها، وجَوَّزَه الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ، ذَكَرَه الشَّيخُ في مسألةِ التَّحليلِ، وذَكَرَه المالكيَّةُ في حُكمِه بتضعيفِ الغُرمِ على سارقِ الثَّمرِ المُعلَّقِ، والضَّالَّةِ المكتومةِ، ومانعِ الزَّكاةِ، وتحريقِ متاعِ الغالِّ، وهو شُبهتُهم أنَّ حُكمَ المُؤَلَّفَةِ انْقَطَعَ. (وَ) قال الشَّيخُ: (قَدْ تَزُولُ العِلَّةُ وَيَبْقَى الحُكْمُ كَالرَّمَلِ) أي: في طَوَافِ القُدومِ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: النُّطقُ حُكمٌ مُطلَقٌ، وإنْ (١) كانَ سَبَبُه خاصًّا فقد ثَبَتَتِ العِلَّةُ مُطلقًا، واحتَجَّ: بأنَّ هذا رأيٌ مُجَرَّدٌ، وبتَمَسُّكِ الصَّحابةِ بنهيِه عنِ ادِّخارِ لُحومِ الأضاحيِّ في العامِ القابلِ (٢)، ومُرادُه أنَّه صَحَّ عنِ ابنِ عمرَ وأبي سعيدٍ وقتادةَ بنِ النُّعمانِ، وقولِ جابرٍ: كُنَّا لا نَأكُلُ فَأَرْخَصَ لَنَا (٣). (وَ) أمَّا (تَعْلِيلُهُ) أي: الحُكمِ (بِعِلَّةٍ زَالَتْ، وَإِذَا عَادَتِ) العِلَّةُ (عَادَ) الحُكمُ فـ (فِيهِ نَظَرٌ). قالَ في «شرح الأصل»: قُلْتُ: نظيرُه قولُ مَن يَقُولُ بانقطاعِ نصيبِ المُؤَلَّفَةِ عندَ عدمِ الاحتياجِ إليه، فإنْ وُجِدَتِ الحاجةُ إلى التَّأليفِ عادَ جوازُ الدَّفعِ لعَوْدِ العِلَّةِ (٤).

стр. 643

(وَعَكْسُهُ) أي: عكسُ تعليلِ الحُكْمِ بعِلَّةٍ زالَتْ، وإذا عادَتْ عادَ (تَعْلِيلُ) حُكْمٍ (نَاسِخٍ بِـ) عِلَّةٍ (مُخْتَصَّةٍ بِذَلِكَ الزَّمَنِ بِحَيْثُ إِذَا زَالَتِ) العِلَّةُ (زَالَ) الحُكْمُ، (وَيَقَعُ الفُقَهَاءُ فِيهِ كَثِيرًا، وَوُقُوعُهُ) أي: وقوعُ هذا التَّعليلِ (فِي خِطَابٍ عَامٍّ: فِيهِ نَظَرٌ) وأَلْحَقَ الحنفيَّةُ النَّسخَ بزوالِ العِلَّةِ؛ كالخمرِ حُرِّمَتْ أوَّلًا وأَلِفُوا شُربَها، فنُهِيَ (١) عن تَخليلِها (٢) تغليظًا، وزالَتْ باعتيادِ التَّركِ [فزَالَ الحُكمُ] (٣)، وأَبْطَلَه ابنُ عَقِيلٍ (٤) بأنَّه نُسِخَ بالاحتمالِ كمَنعِه في حدٍّ وفسقٍ ونَجاسَتِها.

стр. 644

(فَصْلٌ) (لَا يُشْتَرَطُ) في العِلَّةِ: (١) (القَطْعُ بِحُكْمِ الأَصْلِ) ولو كانَتْ مُستنْبَطَةً، فلا يُشتَرطُ أنْ تَكُونَ مِن أصلٍ مقطوعٍ بحُكمِه عندَ الجمهورِ، فيَجُوزُ القِيَاسُ على ما ثَبَتَ حُكمُه بدليلٍ ظنِّيٍّ كخبَرِ الواحدِ والعُمومِ والمفهومِ وغيرِها؛ لأنَّه (١) غايةُ الاجتهادِ فيما يُقصَدُ به العملُ. (وَ) الصَّحيحُ أيضًا أنَّه (لَا) يُشتَرطُ القطعُ (بِوُجُودِهَا) أي: العِلَّةِ (فِي الفَرْعِ)؛ لأنَّ القِيَاسَ إذا كانَ ظَنِّيًّا فلا يَضُرُّ كَوْنُ مُقدِّماتِه أو شيءٍ منها ظَنِّيًّا. (٢) (وَلَا) يُشتَرَطُ في العِلَّةِ أيضًا: (انْتِفَاءُ مُخَالَفَةِ مَذْهَبِ صَحَابِيٍّ إِنْ لَمْ يَكُنْ) مذهبُه (حُجَّةً) على الصَّحيحِ، وإنْ قُلْنا هو حُجَّةٌ، فيَتَقَدَّمُ على القِيَاسِ على ما يَأْتي بيانُه في مذهبِه. (٣) (وَلَا) يُشتَرطُ (النَّصُّ عَلَيْهَا) أي: العِلَّةِ أي: لا يُشتَرطُ أنْ يَرِدَ نَصٌّ دالٌّ على عينِ تلك العِلَّةِ (أَوِ الإِجْمَاعُ عَلَى تَعْلِيلِهِ) أي: لا يُشتَرطُ الاتِّفاقُ على أنَّ حُكمَ الأصلِ مُعَلَّلٌ على الصَّحيحِ فيهما (٢) اكتفاءً بإثباتِ التَّعليلِ بدليلٍ. (وَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ انْتِفَاءِ الحُكْمِ: وُجُودَ مَانِعٍ، أَوْ عَدَمَ شَرْطٍ) يَعني

стр. 645

إذا عُلِّلَ حُكمٌ عدميٌّ بوجودِ مانعٍ أو انتفاءِ شرطٍ كما يُقالُ: عدمُ شرطِ صِحَّةِ البيعِ، وهو الرُّؤيةُ، أو وُجِدَ المانعُ وهو الجهلُ بالمبيعِ، فلا يَصِحُّ؛ (لَزِمَ وُجُودُ المُقْتَضِي) مِثلُ بيعٍ مِن أَهلِه في مَحَلِّه، وكذا يُقالُ: عدمُ الشَّرطِ كعَدمِ الرَّجمِ لعدمِ الإحصانِ، أو وُجِدَ المانعُ لعدمِ القصاصِ كعدمِ القصاصِ على الأبِ لمانعٍ وهو الأبوَّةُ، وهذا قولُ الجمهورِ؛ لأنَّ الحُكمَ شُرِعَ لمصلحةِ الخلْقِ، فما لا فائدةَ فيه لم يُشرَعْ، فانْتَفَى لنفيِ فائدتِه، ونفيُ الشَّارِعِ للحُكمِ دليلُ وجودِ المُقتضِي حملانُه (١) على التَّأسيسِ. (وَ) قال ابنُ عَقِيلٍ (٢): هَلْ (يَصِحُّ كَوْنُ العِلَّةِ صُورَةَ المَسْأَلَةِ؟) نحوُ: يَصِحُّ رَهنُ مشاعٍ كرَهْنِه مِن شريكِه، مَنَعَه بعضُهم لإفضائِه إلى تعليلِ المسألةِ وعدمِه، وصَحَّحَه بعضُهم، وهو أصحُّ، قال بعضُهم: يُستدَلُّ بوجودِ العِلَّةِ على الحُكمِ لا بعِلِّيَّتِها لتَوَقُّفِها عليه؛ لأنَّها نسبةٌ. (وَحُكْمُ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ) عندَ أصحابِنا وغيرِهم، (لَا بِهَا) أي: لا بالعِلَّةِ؛ لأنَّ حُكمَ الأصلِ قد يَثْبُتُ تَعَبُّدًا فلو ثَبَتَ بالعلَّةِ لم يَثبُتْ معَ عَدَمِها؛ ولأنَّها مظنونةٌ وفرعٌ عليه. ولَمَّا فَرَغَ مِن تعريفِ حُكمِ الأصلِ وشروطِه، وتعريفِ الفرعِ وتعريفِ العِلَّةِ وشروطِها، شَرَعَ يذكرُ (٣) شروطَ الفرعِ، فقالَ:

стр. 646

(فَصْلٌ) (شَرْطُ فَرْعٍ: (١) أَنْ تُوجَدَ) العِلَّةُ (فِيهِ) أي: في الفرعِ بأنْ يَشتمِلَ على عِلَّةِ حُكمِ الأصلِ (بِتَمَامِهَا) حَتَّى لو كانَتْ ذاتَ أجزاءٍ، فلا بدَّ مِن اجتماعِ الكلِّ في الفرعِ (فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنِهَا) أي: العِلَّةِ؛ كقياسِ النَّبيذِ على الخمرِ بجامعِ الشِّدَّةِ المُطربةِ، وهي بعينِها موجودةٌ في النَّبيذِ، (وَجِنْسِهَا (١) كقياسِ الأطرافِ على القتلِ في القصاصِ بجامعِ الجنايةِ المُشتَركةِ بينَهما، فإنَّ جنسَ الجنايةِ هو جنسٌ لإتلافِ النَّفسِ والأطرافِ وهو قصدُ الاتِّحادِ فيه، وهذه العبارةُ شاملةٌ لقياسِ الأَوْلَى والمُساوي والأَدْوَنِ. إذا عُلِمَ ذلك، (فَإِنْ كَانَتِ) العِلَّةُ (قَطْعِيَّةً) بأنْ وُجِدَتْ بتمامِها في الفرعِ قطعًا؛ كقياسِ الضَّربِ للوالدينِ على قولِ: «أُفٍّ»، بجامِعِ أنَّه إيذاءٌ، وكالنَّبيذِ يُقاسُ على الخمرِ بجامعِ الإسكارِ، (فَـ) القِيَاسُ فيهما (قَطْعِيٌّ، وَ)، الأوَّلُ (هُوَ قِيَاسُ الأَوْلَى)؛ لأنَّ الإيذاءَ بالضَّربِ أَوْلى مِن الإيذاءِ بقولِ: «أُفٍّ». (وَ) يُسَمَّى الثَّاني قياسَ (المُسَاوَاةِ) وكلٌّ منهما قطعيٌّ. (أَوْ) أي: وإنْ كانَتِ العِلَّةُ (ظَنِّيَّةً) بأنْ كانَ وُجودُها بتمامِها في الفرعِ ظَنِّيًّا، (فَـ) القِيَاسُ (ظَنِّيٌّ) كقياسِ التُّفَّاحِ على البُرِّ في أنَّه لا يُباعُ إلَّا يدًا بيدٍ بجامعِ الطُّعمِ، فالمعنى المُعتبَرُ وهو الطُّعمُ موجودٌ في الفرعِ بتَمامِه، (وَ) هذا (هُوَ قِيَاسُ الأَدْوَنِ) وإنَّما سُمِّيَ بذلك لأنَّه لَيْسَ مُلحقًا بالأصلِ، إلَّا على تقديرِ أنَّ العِلَّةَ فيه الطُّعمُ، فإنْ كانَتْ فيه تُرَكَّبُ مِن الطُّعمِ معَ التَّقديرِ بالكيلِ، أو

стр. 647

كانَتِ العِلَّةُ القوتَ، أو غيرَ ذلك لم يُلحَقْ به التُّفَّاحُ، وظَهَرَ بذلك أنَّه لَيْسَ المرادَ بالأَدْوَنِ أَلَّا يُوجَدَ فيه المَعنى بتمامِه، بل أنْ تَكُونَ العِلَّةُ في الأصلِ ظَنِّيَّةً ولا يَكفي مُجَرَّدُ الشَّبَهِ بينَ الأصلِ والفرعِ؛ لأنَّ الصَّحابةَ اعتبَروا المعنى المُؤثِّرَ في الحُكْمِ ولاشتِراكِ العامِّيِّ والعالِمِ فيه؛ ولأنَّه لَيْسَ هذا الشَّبَهُ بأَولى مِن عَكسِه، وكالقِيَاسِ العَقليِّ. (٢) (وَ) شَرطُ الفَرعِ (أَنْ تُؤَثِّرَ) عِلَّتُهُ (فِي أَصْلِهَا المَقِيسِ عَلَيْهِ) عندَ أصحابِنا وغيرِهم، واشتَرطَ بعضُهم في أَصلِها، وفي بقيَّةِ المواضعِ كقولِ المالكيَّةِ في الكلبِ: حيوانٌ فكانَ طاهرًا كالشَّاةِ، تأثيرُه في الحيوانِ إذا ماتَ ولا تأثيرَ له في الجمادِ، فالحياةُ تُؤَثِّرُ في مَحَلٍّ دونَ مَحَلٍّ. (٣) (وَ) مِن شروطِ الفرعِ (أَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ كَوْنُهُ وَسِيلَةً لِلْحِكْمَةِ مِنْ عَيْنِ الحُكْمِ) كالقصاصِ في النَّفسِ بالمُثقَلِ على المُحَدَّدِ (١)، فالحُكمُ في الفرعِ هو الحُكمُ في الأصلِ بعَينِه وهو القتلُ، (أَوْ) مِن (جِنْسِهِ) أي: جنسِ الحُكمِ كالولايةِ في نكاحِ الصَّغيرةِ على الولايةِ في مالِها، فإنَّ ولايةَ النِّكاحِ مُساويةٌ لولايةِ المالِ في جنسِ الولايةِ لا في عينِ تلك الولايةِ، فإنَّها سببٌ لنفاذِ التَّصرُّفِ، وليسَتْ عينَها (٢) لاختلافِ النَّصِّ. (٤) (وَ) مِن شُروطِ الفرعِ (ألَّا يَكُونَ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهِ بِـ) نَصٍّ (مُوَافِقٍ) للحُكْمِ الَّذِي يُرادُ إثباتُه بالقِيَاسِ عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ وجودَ النَّصِّ يُغني عنِ القِيَاسِ لتَقَدُّمِه عليه (٣).

стр. 648

فائدةٌ: إنْ كانَ النَّصُّ الدَّالُّ على حُكمِ الأصلِ هو الدَّالَّ على حُكمِ الفرعِ بعينِه، فهذا قياسٌ باطلٌ؛ إذْ ليسَ ما ادُّعِيَ أنَّه أصلٌ وأنَّ الآخَرَ فرعٌ بالأَولى مِن عكسِه كما لو قِيسَ السَّفَرْجَلُ على العِنَبِ في جَرَيَان الرِّبَا فيه بعِلَّةِ الطَّعمِ، فيُقالُ: النَّهيُ عن بيعِ الطَّعامِ بالطَّعامِ شاملٌ للأمرينِ، فجَعلُ أحدِهما أصلًا والآخَرِ فَرعًا: تَحكُّمٌ، وأمَّا إذا كانَ النَّصُّ في الفرعِ على خلافِ الحُكمِ المرادِ إثباتُه بالقِيَاسِ، فالقِيَاسُ حينئذٍ باطلٌ أيضًا؛ لأنَّ النَّصَّ حينئذٍ مُقَدَّمٌ عليه. (٥) (وَ) مِن شرطِ الفرعِ أنْ (لَا) يَكُونَ (مُتَقَدِّمًا عَلَى حُكْمِ الأَصْلِ)؛ لأنَّ المُستفادَ لا بُدَّ مِن تأخُّرِه على المُستفادِ منه، وإلَّا لتَنَاقَضَ فرضٌ معَ تَأَخُّرِه، فلا يُقاسُ الوضوءُ على التَّيمُّمِ في وجوبِ النِّيَّةِ؛ لأنَّ وُرودَ التَّيمُّمِ بعدَ الهجرةِ، والوضوءُ قَبْلَها، فلو ثَبَتَ به ثَبَتَ حُكمٌ شرعيٌّ بلا دليلٍ؛ إذِ الغرضُ أنَّه لا دليلَ عليه سِوى القِيَاسِ، ووجوبُ النِّيَّةِ فيهما إِنَّمَا ثَبَتَ بقولِه ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١). وقالَ المُوَفَّقُ وغيرُه: الصَّحيحُ يُشتَرطُ لقياسِ العِلَّةِ لا لقياسِ الدَّلالةِ، فيُقاسُ الوُضوءُ على التَّيمُّمِ لجوازِ تأخُّرِ الدَّليلِ على المدلولِ؛ كحدوثِ العالمِ دليلٌ على القديمِ والأثرِ على المُؤَثِّرِ. و (لَا) يُشتَرطُ (ثُبُوتُ حُكْمِه بِنَصِّ جُمْلَةٍ) أي: لا يُشتَرطُ أنْ يَدُلَّ النَّصُّ على حُكْمِ (٢) الفرعِ في الجملةِ لا بالتَّفصيلِ (٣)، وقالَ بعضُهم: يُشتَرطُ، وأنَّ التَّفصيلَ يُطلَقُ بالقِيَاسِ.

стр. 649

مثالُ ذلك: إذا قُلْنا في اجتماعِ الجدِّ معَ الإخوةِ: «يَرِثُ مَعَهم» قياسًا على أَحدِهم؛ لأنَّ كلًّا مِن الجدِّ والأخِ يُدْلِي بالأبِ، فلولا دَلَّ الدَّليلُ على إرثِ (١) الجدِّ في الجملةِ لَمَا سَاغَ القِيَاسُ في هذه الصُّورةِ، ورُدَّ عليهم بأنَّ العلماءَ قاسُوا «أنتِ عليَّ حرامٌ» إمَّا على الطَّلاقِ لا في تحريمِها، أو على الظِّهارِ في وجوبِ الكَفَّارةِ، أو على اليمينِ في كونِه إيلاءً، ولم يُوجَدْ في ذلك نصٌّ يَدُلُّ على الحُكمِ لا جملةً ولا تفصيلًا.

стр. 650

(مَسَالِكُ) إِثْبَاتِ (العِلَّةِ) لَمَّا فَرَغَ مِن أركانِ القِيَاسِ وما يَتْبَعُها شَرَعَ في بيانِ الطُّرُقِ الَّتي تَدُلُّ على كَوْنِ الوصفِ عِلَّةً ويُعَبَّرُ عنها بمسالكِ العِلَّةِ، وذلك: إمَّا إجماعٌ، أو نصٌّ، أو استنباطٌ، أو غيرُها، والنَّصُّ: إمَّا صريحٌ، أو ظاهرٌ، أو إيماءٌ. فأمَّا الأوَّلُ وهو (الإِجْمَاعُ) فإِنَّما قُدِّمَ لأنَّه أقوى، قطعيًّا كانَ أو ظَنِّيًّا، ولأنَّ النَّصَّ تفاصيلُه كثيرةٌ، والمرادُ ثُبوتُ العِلَّةِ بالإجماعِ: أنْ تُجمِعَ الأُمَّةُ على أنَّ هذا الحُكمَ عِلَّتُه كذا، كإجماعِهم على تعليلِ تقديمِ الأخِ مِن الأبوينِ في الإرثِ على الأخِ للأبِ بامتزاجِ النَّسَبَينِ أي: وجودِهما فيه، فيُقاسُ عليه تقديمُه في ولايةِ النِّكاحِ وصلاةِ الجنازةِ، وتحمُّلِ العقلِ والوصيَّةِ لأقربِ الأقاربِ والوقفِ عليه، ونَحوِه. المسلكُ (الثَّانِي: النَّصُّ) أي: مِن الكتابِ العزيزِ، أو السُّنَّةِ النَّبويَّةِ على صاحبِها أفضلُ الصَّلَاةِ وأتمُّ التَّسليمِ. (١) (وَمِنْهُ) أي: مِن النَّصِّ ما هو (صَرِيحٌ) وما هو ظاهرٌ، وما هو إيماءٌ وتنبيهٌ، فالأوَّلُ ما وُضِعَ لإفادةِ التَّعليلِ بحيثُ لا يَحتملُ غيرَ العِلِّيَّةِ (كَـ) أنْ يُقالَ: (لِعِلَّةِ) كذا، (أَوْ) لـ (سَبَبِ) كذا، (أَوْ) لـ (أَجْلِ) كذا، (أَوْ «مِنْ أَجْلِ» كَذَا) كقولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١). (أَوْ) يُقالَ: (كَيْ) يَكُونَ كذا، سواءٌ كانَتْ مُجَرَّدَةً عن «لا»، كقولِه تَعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ (٢)، أو مَقرونةً بها، كقولِه تَعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ

стр. 651

الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) أي: إِنَّمَا وَجَبَ تَحبيسُه لئَلَّا يَتَنَاوَلَه الأغنياءُ مِنكم فلا يَحصُلُ للفقراءِ شيءٌ. (أَوْ) يُقالَ: (إِذَنْ) كقولِه ﷺ لأُبَيِّ بنِ كَعبٍ: «إِذَنْ يَغْفِرُ اللهُ لَكَ ذَنْبَكَ كُلَّهُ» (٢) لمَّا قال له (٣): أجعلُ لك صلاتي كُلَّها. وكقولِه تَعالى: ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ (٤). (وَكَذَا) يَكُونُ مِن الصَّريحِ (إِنَّ) المُشدَّدةُ المكسورةُ، كقولِه ﷺ في الهِرَّةِ: «إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» (٥)، مُعَلِّلًا طَهارَتَها بذلك. (وَهِيَ) أي: «إنَّ» حالَ كَوْنِها (مُلْحَقَةً بِالفَاءِ آكَدُ) في التَّعليلِ، كقولِه ﷺ في المُحرِمِ الَّذِي وَقَصَتْه راحلتُه: «فَإِنَّهُ يُبَعْثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا» (٦)، فهذا كلُّه صريحٌ في التَّعليلِ، خصوصًا فيما لَحِقَتْه الفاءُ، فإنَّها يُزادُ بها تأكيدًا لدَلالتِها على أنَّ ما بَعدَها سببٌ للحُكمِ قَبْلَها، وهذا القولُ قَدَّمَه في الأصلِ، لكنَّه ذَكَرَه في قِسمِ الظَّاهرِ. (وَزِيدَ) أي: وزادَ الطُّوفِيُّ من قِسمِ الصَّريحِ: (المَفْعُولُ لَهُ) ومنه قولُه تَعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (٧)؛ لأنَّ هذا مِن بابِ المفعولِ له وهو عِلَّةُ الفِعلِ.

стр. 652

(٢) (وَ) الثَّاني مِن النَّصِّ: (ظَاهِرٌ) وهو الَّذِي يَحتملُ غيرَ العِلِّيَّةِ احتمالًا مَرجوحًا: (كَاللَّامِ) فلهذا لم تُجعَلْ هي وما بَعدَها مِن الصَّريحِ؛ لأنَّ كلًّا منها له معانٍ غيرُ التَّعليلِ. ثمَّ اللَّامُ تارةً تَكُونُ (ظَاهِرَةً) أي: ملفوظًا بها، كقولِه تَعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) ﴿لِنَعْلَمَ﴾ (٢)، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ (٣)، ونحوُه كثيرٌ. (وَ) تارةً تَكُونُ (مُقَدَّرَةً) كقولِه تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٤) أي؛ لأنَّ كانَ (٥)، فالتَّعليلُ مُستفادٌ مِن اللَّامِ المُقدَّرةِ، لا مِن «أنْ». (وَالبَاءِ) عطفٌ على اللَّامِ، كقولِه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (٦)، أي بسببِ الرَّحمةِ، فهي وإنْ كانَ أصلُ مَعناها الإلصاقَ ولها معانٍ أُخَرُ، لكنْ كَثُرَ استعمالُها في التَّعليلِ، ككَوْنِ اللَّامِ للملْكِ وللاختصاصِ أو لبيانِ العاقبةِ، أو نحوُ (٧): لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ

стр. 653

ونحوُ ذلك، وسَبَقَ في الكلامِ على الحروفِ بعضُ حروفِ التَّعليلِ، كـ: «حَتَّى» و «على» و «إذ» (١)، وغيرها. (وَ) اعلمْ أنَّ الفعلَ بحُكمِ الأصلِ في وضعِ اللُّغةِ أو استعمالِها إِنَّمَا يُضافُ إلى عِلَّتِه وسببِه، فـ (إِنْ) أُضيفَ إلى ما لا يَصِحُّ عِلَّةً بأنْ (قَامَ دَلِيلٌ أَنَّهُ) أي: المُتكلِّمَ (لَمْ يَقْصِدْ) بكلامِه (التَّعْلِيلَ، فَـ) استعمالُ أداةِ التَّعليلِ حينئذٍ (مَجَازٌ)، ويُعرَفُ ذلك بعدمِ الدَّليلِ على عدمِ صلاحيَّتِه عِلَّةً، (كَـ) أنْ يُقالَ للفاعلِ: («لِمَ فَعَلْتَ؟» فَيَقُولُ: لِأَنِّي أَرَدْتُ) فإنَّ هذا لا يَصلُحُ (٢) أنْ يَكُونَ عِلَّةً للفعلِ، فهو استعمالٌ للَّفظِ في غيرِ مَحَلِّه؛ لأنَّ الإرادةَ هي المُوجبةُ لوجودِه أو المُصَحِّحةُ له وليسَتْ عِلَّةً له؛ لأنَّ العِلَّةَ في الاصطلاحِ (٣) هو المُقتضى الخارجيُّ؛ أي المُقتضي له مِن خارجٍ، والإرادةُ ليسَتْ مَعنًى خارجًا عنِ الفاعلِ. (٣) (وَ) الثَّالثُ مِن النَّصِّ: (إِيمَاءٌ وَتَنْبِيهٌ) وهو غيرُ الصَّريحِ وغيرُ الظَّاهرِ، والإيماءُ هو اقتِرانُ الوصفِ بحُكمٍ لو لم يَكُنِ الوصفُ أو نظيرُه عِلَّةً للحُكمِ لكانَ اقتِرانُه بعيدًا مِن فصاحةِ كلامِ الشَّارِعِ، وكانَ إتيانُه بالألفاظِ في غيرِ مواضعِها، وكلامُه مُنَزَّهٌ عنِ الحشوِ الَّذِي لا فائدةَ فيه. (وَ) الإيماءُ أنواعٌ، فـ (مِنْ أَنْوَاعِهِ: (١) تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَقِبَ وَصْفٍ بِالفَاءِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَغَيْرِهِ) والفاءُ لها ثلاثةُ أحوالٍ مُرَتَّبةٍ:

стр. 654

الأُولى: أنْ تَكُونَ في كلامِ الشَّارِعِ داخلةً على العِلَّةِ، والحُكْمُ مُقَدَّمٌ (١)، كقولِه ﷺ في المحرِمِ الَّذِي وَقَصَتْه راحلتُه: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ» (٢). الثَّانيةُ: أنْ يَدخُلَ في كلامِ الشَّارِعِ على الحُكْمِ، نحوُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (٣). فائدةٌ: قال الإمامُ الرَّازيُّ (٤): تقديمُ العِلَّةِ ثمَّ مجيءُ الحكمِ بالفاءِ أقوى مِن عكسِه؛ لأنَّ إشعارَ العِلَّةِ بالمعلولِ أقوى مِن إشعارِ المعلولِ بالعِلَّةِ؛ لأنَّ الطَّردَ واجبٌ في العللِ دونَ العكسِ. الثَّالثةُ: أنْ تَكُونَ الفاءُ مِن كلامِ الرَّاوي، ولا تَكُونَ إلَّا داخلةً على الحُكمِ، والعِلَّةُ ما قَبْلَها، نحوُ: «سَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَجَدَ»، فإذا رَتَّبَ الشَّارِعُ حُكمًا عَقِبَ وصفٍ بالفاءِ كما تَقَدَّمَ، (فَإِنَّهَا) تُفِيدُ تعقيبَ (٥) الحكمِ الوصفَ، فهي (لِلتَّعْقِيبِ ظَاهِرًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ) أي: من التَّعقيبِ (السَّبَبِيَّةُ) إذِ السَّببُ ما ثَبَتَ الحكمُ عَقِبَه، ولهذا تُفهَمُ السَّبَبيَّةُ معَ عدمِ المناسبةِ، كـ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٦)، فهذا يُفيدُ العِلَّةَ بالإيماءِ على الصَّحيحِ، وسواءٌ كانَ الرَّاوي صحابيًّا أو فقيهًا أو لا، لكنَّه إذا كانَ كذلك كانَ أقوى.

стр. 655

(٢) (وَ) مِن أنواعِ الإيماءِ: (تَرَتُّبُ حُكْمٍ عَلَى وَصْفٍ بِصِيغَةِ الجَزَاءِ) يَدُلُّ على التَّعليلِ به كقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (١) أي: لتَقْوَاه، وقولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٢)، فإنَّ الجزاءَ يَتَعَقَّبُ شرطَه ويُلازِمُه، ولا مَعنى للسَّببِ إلَّا ما يَسْتَعْقِبُ الحُكمَ ويُوجَدُ بوجودِه. (٣) (وَ) مِن أنواعِه: (ذِكْرُ حُكْمٍ) مِنَ الشَّارِعِ (جَوَابًا لِسُؤَالٍ، لَوْ لَمْ يَكُنِ) السُّؤالُ (عِلَّتَهُ) أي: عِلَّةَ الحُكمِ لـ (كَانَ اقْتِرَانُهُ بِهِ) أي: اقتِرانُ السُّؤالِ بالحُكمِ (بَعِيدًا شَرْعًا وَلُغَةً، وَلَتَأَخَّرَ البَيَانُ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ كَقَوْلِ الأَعْرَابِيِّ) له ﵇ فيما أَخرَجَه السِّتَّةُ (٣) ولفظُ ابنِ ماجه: (وَاقَعْتُ أَهْلِي (٤) فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ) له ﵇: («أَعْتِقْ رَقَبَةً») فكأنَّه قِيلَ: إذا وَاقَعْتَ في رمضانَ فكفِّرْ؛ لأنَّ الظَّاهرَ كونُه جوابًا، والسُّؤالُ مُعادٌ فيه فيَكُونُ موجودًا تقديرًا، وأيضًا لو كانَ المُرادُ غيرَ ذلك كانَ يَلْزَمُ خُلُوُّ السُّؤالِ عنِ الجوابِ وتأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ. (وَيُسَمَّى) هذا النَّوعُ (إِنْ حُذِفَ) منه (بَعْضُ الأَوْصَافِ: تَنْقِيحَ المَنَاطِ) يعني: إنْ حُذِفَ شيءٌ مِن الأوصافِ المُرَتَّبِ عليها الجوابُ لكَوْنِه لا مدخلَ له في العِلَّةِ كـ ذلك الشَّهرِ، أو كونِه أعرابيًّا أو زيدًا، وكَوْنِ المُجامَعةِ زوجةً وغيرَها، سُمِّيَ إخراجُ ذلك عنِ الاعتبارِ تنقيحَ المناطِ، أي: تنقيحَ ما نَاطَ به حُكْمُ الشَّارِعِ، فالتَّنقيحُ لغةً: التَّخليصُ والتَّهذيبُ، والمناطُ: مَفْعَلٌ

стр. 656

مِن نَاطَ نِيَاطًا؛ أي: عَلَّقَ، والمرادُ أنَّ الحُكمَ تَعَلَّقَ بذلك الوصفِ، فمعنى تنقيحِ المَناطِ الاجتهادُ في المَناطِ الَّذِي رَبَطَ به الشَّارِعُ الحُكمَ، فيَبْقَى مِن الأوصافِ ما يَصلُحُ ويُلْغَى ما لا يَصْلُحُ. (٤) (وَمِنْهَا) أي: مِن أنواعِ الإيماءِ: (تَقْدِيرُ الشَّارِعِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ) ذلك الوصفُ (لِـ) أجلِ (التَّعْلِيلِ) لـ (كانَ) تَقديرُه (بَعِيدًا) لأنَّ التَّقديرَ حينئذٍ (لَا فَائِدَةَ فِيهِ)، والتَّقديرُ يَكُونُ (إِمَّا فِي السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟». قَالُوا: نَعَمْ)، قال ﵇: «فَلَا إِذَنْ» (١)، (فَنَهَى عَنْهُ) فلو لم يَكُنْ تقديرُ نقصانِ الرُّطبِ بالجفافِ لأجلِ التَّعليلِ، لكَانَ تقديرُه بعيدًا؛ إذْ لا فائدةَ فيه، والجوابُ يَتِمُّ بدونِه (٢). (أَوْ) يَكُونَ التَّقديرُ (فِي نَظِيرِ مَحَلِّهِ) أي: مَحَلِّ السُّؤالِ (كَقَوْلِهِ ﷺ لِلسَّائِلَةِ) وهي امرأةٌ مِن جُهَيْنَةَ جاءَتْه وقالَتْ له: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ فلم تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ، أفأَحُجُّ عنها؟ قال: «حُجِّي عَنْهَا، (أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أُكُنْتِ قَاضِيَتِهِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قال) ﵇: («اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ») مُتَّفَقٌ عليه (٣). فنظيرُه في المسؤولِ عنه كذلك، وفيه تنبيهٌ على الأصلِ الَّذِي هو دَينُ الآدميِّ، والفرعِ وهو الحجُّ الواجبُ، والعِلَّةِ وهي قضاءُ الدَّينِ عنِ الميَّتِ؛ فقد جَمَعَ فيه ﷺ أركانَ القِيَاسِ كلَّها.

стр. 657

(٥) (وَمِنْهَا) أي: ومِن أنواعِ الإيماءِ: (تَفْرِيقُهُ) أي: أنْ يُفَرِّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ حُكْمَيْنِ: بِصِفَةٍ معَ ذِكْرِهِمَا) أي: الحُكمَينِ، (كَـ) قولِه ﷺ : («لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ»، أو) بصفةٍ معَ (ذِكْرِ أَحَدِهِمَا) أي: أحدِ الحُكمَينِ دونَ الآخَرِ، (كَـ) قولِه ﵇: («القَاتِلُ لَا يَرِثُ» (١)، فإنَّ مُقابِلَه وهو: مَن لَيْسَ بقاتلٍ مِن الورثةِ، يَكُونُ مَحكومًا عليه بضِدِّ هذا الحُكْمِ، فيَكُونُ وارثًا، وفي معنى التَّفريق بينَ الحُكمَينِ بصفة (٢) المشارِ إليه بقولِه: (أَوْ بِشَرْطٍ وَجَزَاءٍ، نَحْوُ) قولِه ﵇: («فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَوْصَافُ فَبِيعُوا) كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كانَ يَدًا بِيَدٍ» (٣). (أَوِ) التَّفريقُ بينَ الحُكمينِ (بِغَايَةٍ) كقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ (حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (٤) فَرَّقَ في الحُكمِ بينَ الحيضِ والطُّهرِ. (أَوِ) التَّفريقُ بينَهما (بِاسْتِثْنَاءٍ) كقولِه تَعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٥). (أَوْ) التَّفريقُ بينَهما (بِـ) لفظٍ دالٍّ على (اسْتِدْرَاكٍ) كقولِه تَعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ) بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٦)، ووجهُ استفادةِ العِلَّةِ مِن ذلك كلِّه أنَّ التَّفرقةَ لا بُدَّ لها مِن فائدةٍ، والأصلُ عدمُ غيرِ المُدَّعَى وهو إفادةُ كَوْنِ ذلك عِلَّةً.

стр. 658

(٦) (وَمِنْهَا) أي: مِن أنواعِ الإيماءِ: (تَعْقِيبُ الكَلَامِ) الَّذِي أَنْشَأَه الشَّارِعُ لبيانِ حُكْمٍ (أَوْ تَضْمِينُهُ) له (مَا) أي: بأنْ يَذكُرَ في سياقِ الكلامِ شيئًا (لَوْ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ) أي: لو لم يَكُنْ عِلَّةً لذلك الحُكْمِ المقصودِ (لَمْ يَنْتَظِمِ) الكلامُ. فالأوَّلُ: (نَحْوُ) نَهْيِه عنِ البيعِ وقتَ الجمعةِ في قولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١) فإِنَّه عِلَّةٌ للمَنعِ عندَ السَّعيِ إلى الجمعةِ، لا مُطلقًا؛ لجوازِ البيعِ في غيرِ وقتِ النِّداءِ، فلو لم يُعَلَّلِ النَّهيُ عنِ البيعِ حينئذٍ بكَوْنِه شاغلًا عنِ السَّعيِ، لكَانَ ذِكْرُه لاغيًا؛ لكَوْنِه غيرَ مرتبطٍ بأحكامِ الجُمُعةِ، فلا بدَّ إذنْ مِن مانعٍ، وليسَ إلَّا ما فُهِمَ مِن سياقِ النَّصِّ مِن شغلِ البيعِ عنِ السَّعيِ إلى الجُمُعةِ فتَفُوتُ. ومثالُ الثَّاني وهو الَّذِي تَضَمَّنَه الكلامُ، نحوُ نهيِه عنِ القضاءِ عندَ الغضبِ في قولِه ﷺ : («لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» (٢) فإِنَّه عِلَّةٌ للمنعِ عندَ الغضبِ لا مُطلقًا؛ لجوازِ القضاءِ معَ عدمِ الغضبِ أو معَ يَسيرِه، فلا بدَّ إذنْ مِن مانعٍ، وليسَ إلَّا ما فُهِمَ مِن مضمونِ النَّصِّ مِن اضطرابِ الفكرةِ لأجلِ الغضبِ، فيَقَعُ الخطأُ، فوَجَبَ إضافةُ النَّهيِ إليه، فلو لم يُعَلَّلِ النَّهيُ عنِ القضاءِ عندَ الغضبِ بكَوْنِه يَتَضَمَّنُ اضطرابَ المَزاجِ، المُقتضي تشويشَ الفكرِ، المُفضِي (٣) إلى الخطأِ في الحُكمِ غالبًا: لكانَ ذِكْرُه لاغيًا. (٧) (وَمِنْهَا) أي: مِن أنواعِ الإيماءِ: (اقْتِرَانُ الحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ)

стр. 659

للحُكْمِ (كَـ: أَكْرِمِ العُلَمَاءَ، وَأَهِنِ الجُهَّالَ) فهو وصفٌ مناسبٌ، ومنه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (١)، فالإكرامُ مناسبٌ للعِلمِ، والإهانةُ للجهلِ، والقطعُ للسَّرقةِ، ونحوُ ذلك؛ لأنَّ المعلومَ مِن تصرُّفاتِ العُقلاءِ ترتيبُ الأحكامِ على الأمورِ المناسبةِ، والشَّرعُ لا يَخرُجُ عن تصرُّفاتِ العقلاءِ؛ ولأنَّه قد أُلِفَ مِنَ الشَّارِعِ اعتبارُ المناسباتِ دونَ إلغائِها، فإذا قُرِنَ بالحُكمِ في لَفظِه وصفًا مناسبًا غَلَبَ على الظَّنِّ اعتبارُه، وجَعَلَ ابنُ مُفْلِحٍ (٢) وغيرُه الحديثَ السَّابقَ ونَحوَه مِن هذا النَّوعِ، ورُدَّ؛ لأنَّ قولَه ﵇: «لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» (٣) فيه تنبيهٌ على أنَّ عِلَّةَ ذلك ما فيه (٤) تشويشُ الفكرِ، فيَطَّرِدُ ذلك في كلِّ مُشَوِّشٍ؛ لأنَّ خصوصَ كونِه غضبانًا لَيْسَ هو المناسبَ للحُكمِ، فيُلحَقُ به الجائعُ والحاقنُ ونحوُه. (فَإِنْ صُرِّحَ بِالوَصْفِ وَالحُكْمُ مُسْتَنْبَطُ مِنْهُ) أي: بأنْ ذُكِرَ الوصفُ المُقتَرنُ بالحُكْمِ صريحًا والحالُ أنَّ الحُكمَ مُستنبَطٌ مِن الوصفِ (كَـ) قولِه تَعالى: (﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٥) أي: (صِحَّتُهُ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حِلِّهِ) فإنَّ الوصفَ الَّذِي هو حِلُّ البيعِ مُصَرَّحٌ به، والحكمُ وهو الصِّحَّةُ مُستنبَطٌ مِن الحِلِّ، (فَـ) هو (مُومًى إِلَيْهِ) في الأصحِّ للزومِ الصِّحَّةِ (٦) للحِلِّ لذكره؛ لأنَّ التَّلفُّظَ (٧) بالوصفِ إيماءٌ إلى تعليلِ الحكمِ المُصَرَّحِ به. (وَعَكْسُهُ) وهو كَوْنُ الحُكْمِ مَذكورًا والوصفِ مُستنبطًا (بِعَكْسِهِ) فلا

стр. 660

يَكُونُ مِن الإيماءِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه يَقتضي أنْ تَكُونَ العِلَّةُ والإيماءُ مُتلازمَينِ لا يَنفَكُّ أحدُهما عنِ الآخَرِ (كَـ) قولِه: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ) فإنَّ الحُكمَ وهو التَّحريمُ مُصَرَّحٌ به، و (الوَصْفَ) وهو الإسكارُ (مُسْتَنْبَطٌ مِنَ التَّحْرِيمِ) الَّذِي هو الحُكمُ. ولنا قولٌ آخَرُ: أنَّه مِن الإيماءِ؛ لحصولِ اقتِرانِ الوصفِ بالحُكمِ. (وَلَا يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ الوَصْفِ المُومَى إِلَيْهِ) عندَ الأكثرِ بناءً على أنَّ العِلَّةَ المُعَرِّفُ؛ لأنَّه لو اشترطَ لم يُفهَمُ التَّعليلُ مِن ترتيبِ الحُكْمِ على وصفٍ غيرِ مناسبٍ، كـ: أَهِنِ العالمَ، وأَكرِمِ الجاهلَ. ولم يُلَمْ عليه. واختارَ الآمِدِيُّ وغيرُه: إنْ فُهِمَ التَّعليلُ مِن المناسبةِ اشْتُرِطَ؛ لأنَّ المناسبةَ فيه مَنشَأٌ للإيماءِ، مثلُ: «لَا يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» (١)، وإلَّا فلا؛ لأنَّه بمَعنى الأمارةِ. (٣) المسلكُ (الثَّالِثُ) مِن الطُّرُقِ الدَّالَّةِ على العِلِّيَّةِ: (السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَهُوَ) أي: السَّبْرُ والتَّقسيمُ (حَصْرُ الأَوْصَافِ) في الأصلِ المَقيسِ عليه، (وَإِبْطَالُ) بعضِها من (مَا لَا يَصْلُحُ) بدليلٍ (٢) (فَيَتَعَيَّنُ البَاقِي) وهو الَّذِي يَصْلُحُ للعِلِّيَّةِ (عِلَّةً) للحُكْمِ؛ سُمِّيَ بذلك لأنَّ المُناظِرَ يُقَسِّمُ الصِّفاتِ ويَختَبِرُ صلاحيَّةَ كلِّ واحدٍ منها للعِلِّيَّةِ، فيَبطُلُ ما لا يَصلُحُ ويَبقى ما يَصلُحُ، والسَّبْرُ في اللُّغةِ هو الاختبارُ، فالتَّسميةُ بمجموعِ الاسمينِ واضحةٌ، وقد يَقتصِرُ على السَّبْرِ فقطْ، والتَّقسيمُ مُقَدَّمٌ في الوجودِ عليه؛ لأنَّه تَعدادُ الأوصافِ الَّتي يُتَوَهَّمُ صلاحيَّتُها للتَّعليلِ ثمَّ يَسْبُرُها؛ أي: يَختَبِرُها ليَمِيزَ

стр. 661

الصَّالحَ للتَّعليلِ مِن غيرِه، وإنَّما قُدِّمَ السَّبْرُ عليه؛ لأنَّ المُؤَثِّرَ في علمِ العِلِّيَّةِ هو السَّبْرُ، وأمَّا التَّقسيمُ فإِنَّما هو لاحتياجِ السَّبْرِ إلى شيءٍ يُسْبَرُ، فرُبَّما سُمِّيَ بالتَّقسيمِ الخاصِّ. (وَيَكْفِي المُنَاظِرَ) في بيانِ الحصرِ إذا مُنِعَ أنْ يَقُولَ: (بَحَثْتُ) عنِ الأوصافِ (فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ) أي: غيرَ ذلك الوصفِ، فيُقبَلُ قولُه؛ لأنَّه ثقةٌ أهلٌ للنَّظرِ، فالحُكمُ بنفيِ ما سِوى هذا مُستنَدٌ إلى الظَّنِّ وعَدمِه (١) لا إلى عدمِ العلمِ بوصفٍ آخَرَ؛ لأنَّ الأوصافَ العقليَّةَ والشَّرعيَّةَ لو كانَتْ لَمَا خَفِيَتْ على الباحثِ عنها. مثالُه: أنْ يَقُولَ في قياسِ الذُّرةِ على البُرِّ في الرِّبويَّةِ: بَحَثْتُ عن أوصافِ البُرِّ فما وَجَدْتُ ما يَصلُحُ عِلَّةً للرِّبويَّةِ في بادي الرَّأيِ إلَّا الطُّعمَ أو القوتَ أو الكَيْلَ، لكنَّ الطُّعمَ والقُوتَ لا يَصلُحُ لذلك، فيَتَعَيَّنُ الكيلُ، (أَوْ) يَقُولُ: (الأَصْلُ عَدَمُهُ) أي: عَدَمُ (٢) هذا الوصفِ، فإنَّ بذلك يَحصُلُ الظَّنُّ المقصودُ. (فَإِنْ بَيَّنَ المُعْتَرِضُ) بعدَ إتمامِ المُستدلِّ السَّبْرَ والتَّقسيمَ (وَصْفًا آخَرَ) زائدًا على الأوصافِ الَّذِي ذَكَرَ المُستدلُّ، مِثْلَ أنْ يَقُولَ: هنا وصفٌ آخَرُ، وهو كونُه خبزَ قوتٍ، فله ذلك، و (لَزِمَ) المُستدلَّ (إِبْطَالُهُ) إذْ لا يَثْبُتُ الحصرُ الَّذِي قدِ ادَّعاه بدونِه. (وَلَا يَلْزَمُ المُعْتَرِضَ بَيَانُ صَلَاحِيَّتِهِ) أي: أنْ (٣) يُبَيِّنَ أنَّ الوصفَ المذكورَ صالحٌ (لِلتَّعْلِيلِ) بل إبطالُ صلاحيَّتِه لذلك وظيفةُ المستدلِّ لا يَتِمُّ دليلُه إلَّا بذلك.

стр. 662

(وَلَا يَنْقَطِعُ المُسْتَدِلُّ) في الأصحِّ بمُجرَّدِ إبداءِ المُعتَرِضِ الوصفَ، فلا يَظهَرُ بُطلانُ الحصرِ (إِلَّا بِعَجْزِهِ عَنْ إِبْطَالِهِ) وإلَّا كانَ كلُّ منعٍ قَطعًا، والاتِّفاقُ على خلافِه، فإذا أَبْطَلَه فقد سَلِمَ حَصْرُه وكانَ له أنْ يَقُولَ: هذا ممَّا عَلِمْت أنَّه لا يَصْلُحُ فلمْ أُدخِلْه في حصري، ولأنَّه لم يَدَّعِ الحصرَ قَطعًا، بل قال: إنِّي ما وَجَدْتُ، أو ظنَّ العَدَمَ، وهو فيه صادقٌ. (وَ) النَّاظرُ (المُجْتَهِدُ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ) وُجوبًا فيَرجِعُ إليه، فإذا حَصَلَ له الظَّنُّ عَمِلَ بذلك، ولا يُكابِرُ نَفْسَه، وكانَ مُؤَاخَذًا بما اقتضاه ظنُّه، ولَزِمَه الأخذُ به. (وَمَتَى كانَ الحَصْرُ) للأوصافِ مِن المُستدلِّ (وَالإِبْطَالُ) لها مِن المُعتَرِضِ (قَطْعِيًّا؛ فَالتَّعْلِيلُ) بذلك (قَطْعِيٌّ) بلا خلافٍ، ولكنَّ هذا قليلٌ في الشَّرعيَّاتِ، (وَإِلَّا) بأنْ كانَ حصرُ الأوصافِ ظنيًّا، أو الإبطالُ ظَنِّيًّا، أو كِلاهما، وهو الأغلبُ، (فَـ) التَّعليلُ (ظَنِّيٌّ) ويُعمَلُ به فيما لا يُتَعَبَّدُ به بالقطعِ مِن العقائدِ ونحوِها. (وَمِنْ طُرُقِ الحَذْفِ: (١) الإِلْغَاءُ) أي: إلغاءُ الفارقِ بينَ الأصلِ والفرعِ، يَعني أنَّ إبطالَ المُستدلِّ بعضَ الأوصافِ الَّتي يَدَّعِيها المُعتَرضُ له طُرُقٌ يُعرَفُ بها: أحدُها: أنْ يَدُلَّ بدليلٍ شرعيٍّ على إلغائِه، كما تَقَدَّمَ في قياسِ الذُّرةِ على البُرِّ. (وَ) الإلغاءُ: (هُوَ إِثْبَاتُ الحُكْمِ) أي: بيانُ المُستدلِّ إثباتَ الحُكمِ (بِالبَاقِي) مِن الأوصافِ (فَقَطْ فِي صُورَةٍ، وَلَمْ يَثْبُتِ) الوصفُ (١) (دُونَهُ)

стр. 663

أي: دونَ الباقي منها، (فَـ) حينئذٍ (يَظْهَرُ اسْتِقْلَالُهُ) أي: استقلالُ الباقي مِن الأوصافِ وحدَه، ويَعلَمُ أنَّ المحذوفَ لا أَثَرَ له. (وَنَفْيُ العَكْسِ) الَّذِي لا يُقْبَلُ (كَالإِلْغَاءِ) أي: يُشْبِهُه؛ لأنَّ كلًّا منهما إثباتُ الحُكمِ بدونِ الوصفِ (لَا عَيْنُهُ) أي: لا يَكُونُ نفيُ العكسِ عينَ الإلغاءِ؛ لأنَّه لم يُقصَدْ في الإلغاءِ لو كانَ المحذوفُ عِلَّةً، لانتفى عندَ انتفائِه، بل قُصِدَ لو أنَّ الباقيَ جُزءُ عِلَّةٍ لَمَا اسْتَقَلَّ. (٢) (وَمِنْهَا) أي: من طُرُقِ الحذفِ: (طَرْدُ المَحْذُوفِ مُطْلَقًا) أي: أَلِفنَا عدمَ اعتبارِ المحذوفِ شرعًا (كَطُولٍ وَقِصَرٍ) فإنَّهما لم يُعتَبَرا في الإرثِ ولا الكَفَّارةِ ولا التَّقديمِ في الصَّلَاةِ، ولا غيرِها، فلا يُعَلَّلُ بهما حُكْمٌ أصلًا (أَوْ) أَلِفْنا عَدَمَ اعتبارِ المحذوفِ (بالنِّسبةِ إِلَى ذَلِكَ الحُكْمِ كَالذُّكُورِيَّةِ فِي) أحكامِ (العِتْقِ) فإنَّها مُلغاةٌ فيه فلا يُعَلَّلُ بها شيءٌ مِن أحكامِ العتقِ، وإنِ اعتُبِرَتْ في غيرِه، كالقضاءِ والنِّكاحِ والإرثِ. (٣) (وَمِنْهَا) أي: مِن طُرُقِ الحذفِ عندَ بعضِ العلماءِ: (عَدَمُ ظُهُورِ مُنَاسَبَةٍ) بأنْ يَقُولَ المُستدلُّ: لم يَظهَرْ لي وجهُ مناسبةٍ بينَ الحُكمِ والوصفِ المحذوفِ. (وَيَكْفِي المُنَاظِرَ) في عدمِ ظهورِ المناسبةِ أنْ يَقُولَ: (بَحَثْتُ) فلم أَجِدْ بينَ الوصفِ والحكمِ مناسبةً. (فَلَوْ قال المُعْتَرِضُ) في سَبْرِه الوصفَ (البَاقِيَ) أي: الَّذِي اسْتَدَلَّ به المُستدِلُّ (كَذَلِكَ) أي: لَيْسَ بينَه (١) وبينَ الحُكمِ مُناسبةٌ، فسَبْرُه قاصرٌ، ثمَّ

стр. 664

إنْ كانَ قولُه ذلك (بَعْدَ تَسْلِيمِ مُنَاسَبَتِهِ) أي: مناسبةِ الوصفِ الَّذِي ذَكَرَه المُستدلُّ (لَمْ يُقْبَلْ) قولُه للمُناقضةِ، (وَ) إنْ كانَ (قَبْلَهُ) أي: قَبْلَ تسليمِ ما ذَكَرَه المُستدِلُّ فـ (سَبْرُ المُسْتَدِلِّ أَرْجَحُ) لأنَّه موافقٌ لتعديةِ الحُكمِ، والعِلَّةُ المُتعدِّيةُ أَرجَحُ من القاصرةِ. (وَلَيْسَ لَهُ) أي: للمُستدِلِّ (بَيَانُ المُنَاسَبَةِ) بينَ الحُكمِ والوصفِ الباقي؛ لأنَّه انتقالٌ مِن السَّبْرِ إلى طريقٍ آخَرَ وهو المُناسبةُ. (وَالسَّبْرُ الظَّنِّيُّ: حُجَّةٌ مُطْلَقًا) وقِيلَ: لا يُقبَلُ سبْرٌ في ظِنِّيٍّ. (وَ) أمَّا (لَوْ أَفْسَدَ حَنْبَلِيٌّ عِلَّةَ شَافِعِيٍّ) في الرِّبَا (لَمْ يَدُلَّ) إفسادُه لها (عَلَى صِحَّةِ عِلَّتِهِ) أي: عِلَّةِ الحنبليِّ، كتعليلِ بعضِ الفقهاءِ بغيرِ عِلَّتَيِ الحنبليِّ والشَّافعيِّ، وليسَ إجماعُهما دليلًا على مَن خالَفَهما (لَكِنَّهُ) أي: لكنَّ إفسادَ الحنبليِّ عِلَّةَ الشَّافعيِّ (طَرِيقٌ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ خَصْمِهِ) الشَّافعيِّ (وَإِلْزَامٌ) مِن الحنبليِّ (لَهُ) أي: لخصمِه الشَّافعيِّ (صِحَّةَ عِلَّتِهِ) أي: عِلَّةِ الحنبليِّ، وهذا الَّذِي قَدَّمَه ابنُ مُفلِحٍ (١) وغيرُه. (وَلِكُلِّ حُكْمٍ: عِلَّةٌ) عندَ الفقهاءِ (تَفْصِيلًا) وعندَ المُعتزلةِ وجوبًا. قالَ القاضي (٢): التَّعليلُ الأصلُ تُرِكَ نادرًا؛ لأنَّ تَعَقُّلَ العِلَّةِ أقربُ إلى القبولِ مِن التَّعبُّدِ، ولأنَّه المألوفُ عُرفًا، والأصلُ موافقةُ الشَّرعِ له، فيُحمَلُ ما نحن فيه على الغالبِ. وقالَ الآمِدِيُّ (٣): لا بُدَّ للحُكمِ مِن عِلَّةٍ؛ للإجماعِ على أنَّ أحكامَ الله

стр. 665

ِ تَعَالَى مُقتَرنةٌ بالعِلَّةِ، وإن اختلفوا في اقتِرانِها بطريقِ الوجوبِ أو بطريقِ اللُّطفِ، واحتَجَّ بقولِه تَعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وظاهرُه جميعُ ما جاءَ به، فلو خَلا حُكمٌ عن عِلَّةٍ لم يَكُنْ رحمةً؛ لأنَّ التَّكليفَ به بلا حكمةٍ وفائدةٍ مَشَقَّةٌ. (وَيَجِبُ العَمَلُ بِالظَّنِّ فِيهَا) أي: في عللِ الأحكامِ (إِجْمَاعًا)، وقِيلَ: الأصلُ عدمُ التَّعليلِ؛ لأنَّ المُوجِبَ الصِّيغةُ، وبالتَّعليلِ يَنتقلُ حُكمُه إلى مَعناه فهو كالمجازِ من الحقيقةِ؛ لأنَّ التَّعليلَ لا يَجِبُ للنَّصِّ دائمًا، فيُعتَبَرُ لدعواه دليلٌ، وفي «واضحِ ابنِ عَقِيلٍ» (٢) في مسألةِ القِيَاسِ: أكثرُ الأحكامِ غيرُ مُعَلَّلَةٍ، وقالَ في «فنونِه» لمن قاسَ الزَّكاةَ في مالِ الصَّبيِّ على العُشرِ وبَيَّنَ العِلَّةَ، فأَبْطَلَها ابنُ عَقِيلٍ، فقالَ له: ما العِلَّةُ إذن؟ فقالَ: لا يَلْزَمُ. ونَتَبَرَّعُ، فنَقُولُ: سُؤالُك عنِ العِلَّةِ قولُ مَن يُوجِبُ لكلِّ حُكمٍ علَّةً، وليسَ كذلك؛ لأنَّ مِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: الأصولُ مُعَلَّلةٌ، وبعضُهم يَقُولُ: غيرُ مُعلَّلةٍ، وبعضُهم يَقولُ: بعضُها مُعَلَّلٌ وبَعضُها غيرُ مُعلَّلٍ، فيَجُوزُ أنَّ هذا لا عِلَّةَ له (٣)، أو له عِلَّةٌ خافيةٌ عنَّا. المسلكُ (الرَّابِعُ) مِن الطُّرُقِ الدَّالَّةِ على العِلِّيَّةِ: (المُنَاسَبَةُ، وَ) يُقالُ: (الإِخَالَةُ) بكسرِ الهمزةِ وبالخاءِ المعجمةِ، مِن خَالَ إذا ظَنَّ؛ لأنَّه بالنَّظرِ إليه يَخَالُ أنَّه عِلَّةٌ. (وَاسْتِخْرَاجُهَا) أي: استخراجُ العِلَّةِ بذلك (يُسَمَّى: «تَخْرِيجَ المَنَاطِ») لِما فيه مِن ابتداءِ ما نِيطَ به الحُكمُ أي: عُلِّقَ عليه.

стр. 666

(وَ) تخريجُ المناطِ (هُوَ تَعْيِينُ عِلَّةِ الأَصْلِ بِإِبْدَاءِ المُنَاسَبَةِ مِنْ ذَاتِ الوَصْفِ) لا بنصٍّ وغيرِه، وهو أنْ يَكُونَ الأصلُ مُشتملًا على وصفٍ مناسبٍ للحُكمِ، فيَحكُمُ العقلُ بوجودِ تلك العِلَّةِ المناسبةِ أنَّ ذلك الوصفَ هو عِلَّةُ الحُكمِ، كالإسكارِ (١) للتَّحريمِ، والقتلِ العمدِ العدوانِ للقصاصِ. (وَالمُنَاسَبَةُ لُغَوِيَّةٌ) أي: المرادُ به هنا اللُّغويَّةُ، بخلافِ المُعرَّفِ وهو المناسبةُ، فإنَّها بالمعنى الاصطلاحيِّ حَتَّى لا يَكُونَ تَعريفًا للشَّيءِ بنَفْسِه. (وَالمُنَاسِبُ: مَا تَقَعُ المَصْلَحَةُ عَقِبَهُ) أي: بأنْ يَكُونَ في إثباتِ الحُكمِ عَقِبَه مصلحةٌ أي: إذا وُجِدَ أو إذا سُمِعَ أدركَ العقلُ السَّليمُ كَوْنَ ذلك الوصفِ سببًا مُفضيًا إلى مصلحةٍ مِن المصالحِ. (وَزِيدَ) أي: زادَ الطُّوفِيُّ (٢) في الحدِّ: (لِرَابِطٍ) ما (عَقْلِيٍّ) أي: لرابطٍ مِن الرَّوابطِ العقليَّةِ بينَ تلك المصلحةِ وذلك الوصفِ. مثالُه: إذا قِيلَ: المُسكِرُ حرامٌ، أَدرَكَ العقلُ أنَّ تَحريمَ المسكرِ (٣) مُفضٍ إلى مصلحةٍ، وهي حفظُ العقلِ مِن الاضطرابِ، وإذا قيلَ: القصاصُ مشروعٌ، أَدرَكَ العقلُ أنَّ مشروعيَّةَ القصاصِ سببٌ مُفضٍ إلى مصلحةٍ وهي حفظُ النُّفوسِ. تنبيهٌ: قولُه: «لرابطٍ عقليٍّ» أخذًا مِنَ النَّسبِ الَّذِي هو القَرابةُ، فإنَّ المناسِبَ هنا مستعارٌ ومُشتَقٌّ مِن ذلك، ولا شكَّ أنَّ المُتناسِبَينِ في بابِ النَّسبِ كالأخوَينِ وابنَيِ العمِّ، ونحوِه، إِنَّمَا كانا مُتَنَاسِبَينِ لمعنًى رابطٍ

стр. 667

بينَهما، وهو القَرابةُ، فكذلك الوصفُ المناسبُ هنا لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بينَه وبينَ ما يُناسِبُه مِن المصلحةِ رابطٌ عقليٌّ، وهو كونُ الوصفِ صالحًا للإفضاءِ إلى تلك المصلحةِ عقلًا. فائدةٌ: أنواعُ المناسبةِ تَتفاوَتُ في العمومِ والخصوصِ والخفاءِ والظُّهورِ، فما خَفِيَتْ عنَّا مُناسبتُه سُمِّيَ تَعَبُّدًا، وما ظَهَرَتْ مناسبتُه سُمِّيَ مُعَلَّلًا، وقَالَه الطُّوفِيُّ (١). (وَيَتَحَقَّقُ الِاسْتِقْلَالُ) على أنَّ الوصفَ الَّذِي أَبْدَاه المُستدِلُّ هو العِلَّةُ (بِعَدَمِ مَا سِوَاهُ) أي: سِوى ذلك الوصفِ (بِـ) طريقِ (السَّبْرِ) ولا يَكفي قولُه: «بَحَثْتُ فلم أجِدْ غيرَه»، وإلَّا يَلزَمُ الاكتفاءُ به ولا قائلَ به، وأمَّا ما سَبَقَ في (٢) طريقِ السَّبْرِ والتَّقسيمِ فيكتفى بذلك؛ لأنَّ المدارَ هناك على الحصرِ، فاكتفى فيه ببحثِه فلم يَجِدْ، وهنا على أنَّه ظَفِرَ بوصفٍ في الأصلِ مناسبٍ، فافْتَرَقَا. (وَ) المعنى (المَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ: (١) قَدْ يُعْلَمُ حُصُولُهُ) يَعني أنَّ حصولَ الحُكمِ في الوصفِ المناسبِ قد يَكُونُ يَقينًا (كَبِيعٍ) فإِنَّه إذا كانَ صحيحًا حَصَلَ منه المِلكُ الَّذِي هو المقصودُ. (٢) (أَوْ) قد (يُظَنُّ) حُصولُ الحُكْمِ (كَقِصَاصٍ) فإنَّ حُصولَ الانْزِجَارِ عنِ القتلِ لَيْسَ قطعيًّا، بدليلِ وجودِ الإقدامِ معَ عِلمِهم بأنَّ القصاصَ مشروعٌ.

стр. 668

(٣) (أَوْ) قد (يُشَكَّكُ فِيهِ) بأنْ يَتَساوى حُصُولُ الحكمِ المقصودِ وعدمُ حصولِه، فلا يُوجَدُ يقينٌ ولا ظنٌّ بل يَكُونانِ مُتَساوِيَينِ، (كَحَدِّ) شاربِ (خَمْرٍ) لحفظِ العقلِ، فإنَّ المُقْدِمِينَ كثيرٌ والمُجْتَنِبِينَ كثيرٌ، فتَساوَى المقصودُ وعَدَمُه فيه. (٤) (أَوْ) قد (يُتَوَهَّمُ) بأنْ يَكُونَ عدمُ حصولِ المقصودِ أرجحَ مِن حصولِه (كَنِكَاحِ آيِسَةٍ) مِن الحيضِ (لِـ) ـمصلحةِ (التَّوَالُدِ) لأنَّه معَ إمكانِه عقلًا بعيدٌ عادةً. (وَلَوْ فَاتَ) المقصودُ مِن الحُكمِ (يَقِينًا، كَلُحُوقِ نَسَبِ مَشْرِقِيٍّ) بأنْ تَزَوَّجَ بطريقِ التَّوكيلِ مشرقيٌّ (بِمَغْرِبِيَّةٍ) فأَتَتْ بولدٍ معَ القطعِ بانتفاءِ اجتماعِهما، (وَنَحْوِهِ) كاستبْراءِ جاريةٍ يَشتَريها بائعُها في المجلسِ معَ القطعِ بانتفاءِ شَغْلِ رَحِمِها من الثَّاني: (لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ) ولم يُلحَقْ به الولدُ عندَ الجمهورِ، خلافًا للحنفيَّةِ، فيُلحَقُ عندَهم الولدُ حفظًا للنَّسَبِ معَ أنَّ مَذهَبَهم عدمُ استبْراءِ الجاريةِ. تنبيهٌ: فإنْ قِيلَ: قدِ اعتَبَرَ أكثرُ أصحابِنا فأَوْجَبُوا الاستبْراءَ. والجوابُ: أنَّ ذلك تَعبُّدٌ غيرُ معقولِ المعنى، وليسَ مُعَلَّلًا باحتمالِ الشَّغلِ، وكذا يُلحَقُ الولدُ، واللهُ أعلمُ. (وَ المُنَاسِبُ) ثلاثةُ أَضرُبٍ: (دُنْيَوِيٌّ) وأُخرَوِيٌّ، وإقناعيٌّ، فالدُّنيويُّ ثلاثةُ أقسامٍ: (١) (ضَرُورِيٌّ أَصْلًا) وحاجيٌّ، وتحسينيٌّ، والضَّروريُّ: ما كانَتْ مَصلَحَتُه في مَحَلِّ ضرورةِ العبادِ، (وَهُوَ أَعْلَى رُتَبِ المُنَاسَبَاتِ) في إفادةِ

стр. 669

ظنِّ الاعتبارِ، وذلك خمسةُ أنواعٍ، وهي المقاصدُ الَّذِي اتَّفَقَ أهلُ المللِ في حِفْظِها وهي: - (حِفْظُ: الدِّينِ) وهو بقتالِ الكفَّارِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١) الآيةَ، - (فَـ) حفظُ (النَّفْسِ) وهو بمشروعيَّةِ القصاصِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (٢)، - (فَـ) حفظُ (العَقْلِ) وهو بتحريمِ المُسكِراتِ ونَحوِها، قال اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣)، - (فَـ) حفظُ (النَّسْلِ) وهو بوجوبِ حدِّ الزَّاني، وقد جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ ورَجَمَ، - (فَـ) حفظُ (المَالِ، وَالعِرْضِ) قال ﷺ : «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (٤)، وجُعِلَ العِرضُ في رُتبَةِ المالِ تَبَعًا لِما في «جمع الجوامع» (٥) وغيرِه، حيثُ عَطَفَه بالواوِ، فيَكُونُ مِن أدنى الكُلِّيَّاتِ، لكنَّ الأعراضَ تَتفَاوَتُ، فمنها ما هو مِن الكُلِّيَّاتِ، وهو الأنسابُ، وهي أرفعُ مِن الأموالِ، فإنَّ حِفظَ النَّسَبِ بتحريمِ الزِّنا تارةً، وبتحريمِ القذفِ المُؤدِّي إلى الشَّكِّ في أنسابِ الخلْقِ ونِسْبَتِهم إلى غيرِ آبائِهم تارةً، وتحريمُ الأنسابِ مُقَدَّمٌ على الأموالِ، ولذلك عَطَفَه بالفاءِ، ومنها ما هو دُونَها، وهو ما يَكُونُ مِن الأعراضِ غيرُ الأنسابِ.

стр. 670

(وَ) ما هو مُلْحَقٌ بالضَّروريِّ (مُكَمِّلٌ لَهُ) في حُكمِه، ومَعنى كونِه مُكَمِّلًا له: أنَّه لا يَستقِلُّ ضروريًّا بنَفْسِه، بل بطريقِ الانضمامِ، فله تأثيرٌ فيه لا بنفسِه، فيَكُونُ في حُكمِ الضَّرورةِ مبالغةً في مُراعاتِه، (كَـ) المُبالغةِ فِي (حِفْظِ العَقْلِ بِالحَدِّ بـ) تحريمِ شُربِ (قَلِيلٍ مُسْكِرٍ) والمبالغةِ في حِفظِ الدِّينِ بتحريمِ البدعةِ وعقوبةِ المُبتدعِ الدَّاعي إليها، والمبالغةِ في حِفظِ النَّفسِ بإجراءِ قصاصٍ في الجِراحاتِ ونحوِ ذلك؛ لأنَّ الكثيرَ المُسكِرَ مُفسِدٌ للعقلِ، ولا يَحصُلُ إلَّا بإفسادِ كلِّ واحدٍ مِن أجزائِه فحدُّ شاربِ القليلِ؛ لأنَّ القليلَ مُتلِفٌ لجزءٍ مِن العقلِ وإنْ قَلَّ، والمبالغةِ في حِفظِ النَّسبِ بتحريمِ النَّظرِ (١) واللَّمْسِ والتَّعزيرِ عليه، وكذلك المبالغةِ في حِفظِ المالِ والعِرضِ وغيرِها بتعزيرِ الغاصبِ ونحوِه وتعزيرِ السَّابِّ بغيرِ اِلقذف، ونحوِ ذلك، وقد نَبَّهَ الشَّارِعُ على إلحاقِ ذلك بقولِه ﷺ : «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ»، ثمَّ قال: «أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ» (٢). تنبيهٌ: كَوْنُ حفظِ العقلِ ضروريًّا في كلِّ مِلَّةٍ نظرٌ؛ فإنَّ الكِتابيَّ لا يُحَدُّ على الأصحِّ لاعتقادِه إباحتَه. (٢) (وَ) القِسمُ الثَّاني مِن الدُّنيويِّ (حَاجِيٌّ) وهو ما كانَتْ مَصلَحَتُه في مَحَلِّ الحاجةِ لا في مَحَلِّ الضَّرورةِ، ويُقالُ له: المصلحيُّ (كَبَيْعٍ، وَنَحْوِهِ) كإجارةٍ ومساقاةٍ؛ لأنَّ مالكَ الشَّيءِ قد لا يُعيرُه (٣) ولا يَهَبُه، وليسَ كلُّ أحدٍ يَعرِفُ عملَ الأشجارِ ولا التِّجارةَ، وقد يَعرِفُ ذلك، ولكنَّه مشغولٌ
следующие страницы →