← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 250

الذخر الحرير بشرح مختصر التحرير

أحمد بن عبد الله البعلي

Полный текст (882 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الدَّليلُ رُجْحَانًا، فهو راجحٌ، أَلَا تَرَى أنَّك أَسْنَدْت التَّرجيحَ إلى نفسِك إسنادَ الفعلِ إلى (١) الفاعلِ، وأسندتَ الرُّجحانَ إلى الدَّليلِ، فلذلك كانَ التَّرجيحُ وصفَ المستدلِّ والرُّجحانُ وَصفَ الدَّليلِ، فهذه الطَّريقةُ التَّصريفيَّةُ مُفيدةٌ في معرفةِ رُسُومِ بعضِ الأشياءِ. (وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ) مِن الأدلَّةِ على المرجوحِ منها؛ لأنَّ العملَ بالأرجحِ مُتَعَيِّنٌ عقلًا وشرعًا وقد عَمِلَ الصَّحابةُ به مُجمِعينَ عليه، وهو أمرٌ مُفيدٌ معقولٌ، فلا مانعَ له مِن لُحُوقِ الأدلَّةِ والمقتضى موجودٌ، وهو وجوبُ الوصولِ إلى الحقِّ بما يُمكِنُ مِن الظَّنِّ أو العلمِ، ويَكُونُ التَّرجيحُ بينَ الدَّليلَينِ المتعارضينِ إذا وُجِدَ في أحدِهما مُرَجِّحٌ وإلَّا تَعادَلَا، وسَبَقَ أنَّ تَعادُلَ القطعيَّينِ والقطعيِّ والظَّنِّيِّ محالٌ، فما بَقِيَ إلَّا تعارُضُ الظَّنِّيَّينِ وحينئذٍ يُحتاجُ إلى التَّرجيحِ، قاله في «شرح الأصل». وتَرجيحاتُ الأدلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُوصِلَةٌ إلى التَّصديقاتِ الشَّرعيَّةِ، وقد قُسِّمَ ثلاثةَ أقسامِ؛ لأنَّ التَّعَارُض بينَهما. (وَ) التَّرجيحُ لا يَخلُو مِن أنْ (يَكُونَ بَيْنَ مَنْقُولَيْنِ) كنَصَّينِ (وَمَعْقُولَيْنِ) كقِياسَيْنِ (وَمَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ) كنَصٍّ وقياسٍ. القِسمُ (الأَوَّلُ) الَّذِي بينَ منقولينِ يَكُونُ (فِي السَّنَدِ) وهو طريقُ ثبوتِ التَّرجيحِ، (وَ) في (المَتْنِ) وهو باعتبارِ مرتبةِ دَلالتِه، (وَ) في (مَدْلُولِ اللَّفْظِ) أي: في الحُكمِ المدلولِ مِن الحرمةِ والإباحةِ ونحوِهما، (وَ) فيما يَنْضَمُّ إليه مِن (أَمْرٍ خَارِجٍ)، فهذه أربعةُ أنواعٍ:

стр. 842

(فَـ) الأوَّلُ: (السَّنَدُ) ويَقَعُ التَّرجيحُ بحَسَبِه في أربعةِ فصولٍ: في الرَّاوي، وفي الرِّوايةِ، وفي المرويِّ، وفي المرويِّ عنه. فالرَّاوي يَكُونُ في نَفْسِه وفي التَّزكيةِ، فـ (يُرَجَّحُ) في نَفْسِه (بِالأَكْثَرِ رُوَاةً) عندَ الجمهورِ، بأنْ يَكُونَ رواةُ أحدِهما أكثرَ عَددًا مِن رواةِ الآخرِ، فيُقَدَّمُ لقوَّةِ الظَّنِّ؛ لأنَّ العددَ الأكثرَ أبعدُ مِن الخطأِ مِن العددِ الأقلِّ؛ [لأنَّ كلَّ واحدٍ يُفيدُ ظنًّا، فإذا انضمَّ إلى غيرِه قويٌّ] (١) حَتَّى يَنتهيَ إلى التَّواترِ المفيدِ لليقينِ، ورَجَّحَ ﵊ قولَ ذي اليَدَينِ بموافقةِ أبي بكرٍ وعمرَ، وعَمِلَ به الصَّحابةُ والعقلاءُ. وقياسُ المذهبِ يُرَجَّحُ بالأوثقِ (أَوْ) أي: ويُرَجَّحُ بِالـ (أَكْثَرِ أَدِلَّةً) في الأصحِّ، فإنَّ كَثرَتَها تُفيدُ تقويةَ الظَّنِّ، والظَّنَّانِ أقوى مِن الظَّنِّ الواحدِ؛ لكونِهما أقربَ إلى القطعِ. (و) يَقَعُ ترجيحُ أحدِ الرَّاويَينِ بكونِه راجحًا على الآخَرِ في وصفٍ يَغلِبُ على الظَّنِّ صِدقُه، فيُرَجَّحُ (بِالأَزْيَدِ ثِقَةً، وَبِفِطْنَةٍ، وَوَرَعٍ، وَعِلْمٍ، وَضَبْطٍ، وَلُغَةٍ (١)، وَنَحْوٍ) فكلُّ وصفٍ مِن هذه الأوصافِ يُرَجَّحُ بها على مَن لم يَبْلُغْها، فيُرَجَّحُ العالمُ بالنَّحوِ تصريفًا وإعرابًا؛ لأنَّ العالمَ بذلك يَتَحَفَّظُ عن موانعِ الزَّلَلِ، فالوثوقُ بروايتِه أقوى مِن غيرِه، وكذلك علمُ اللُّغةِ. (وَ) يُرَجَّحُ (بِالأَشْهَرِ بِـ) شيءٍ مِن (إحدى (٢) هذه الصِّفاتِ (السَّبْعَةِ) وإن لم يُعلَمْ رُجحانُه فيها، فإنَّ كَوْنَه أشهرَ إِنَّمَا يَكُونُ في الغالبِ لرُجحانِه. (وَ) يُرجَّحُ أيضًا أحدُ الرَّاويَينِ (بِالأَحْسَنِ سِيَاقًا) لأنَّ حُسنَ السِّياقِ دليلٌ على رُجحانِه، (وَ) يُرَجَّحُ أيضًا (بِاعْتِمَادِ) الرَّاوي في الرِّوايةِ (عَلَى حِفْظِهِ)

стр. 843

للحديثِ (أَوْ ذِكْرِهِ) أي: ذِكْرِ سماعِهِ من الشَّيخِ لا على نسخةٍ أو خطِّ نفسِه، فإنَّ الاشتباهَ في الخطِّ والنُّسخةِ يُحتمَلُ دونَ الحفظِ والذِّكرِ. (وَ) يُرَجَّحُ أيضًا أَحدُهما (بِعَمَلِهِ بِرِوَايَتِهِ) أي: بروايةِ نَفْسِه؛ لأنَّ مَنْ عَمِلَ بموافقتِه أبعدُ مِن الكذبِ مِن خبرِ مَن لم يُوافِقْ عَمَلُه خَبَرَه، ومِثلُ مَن لم يَعمَلْ بروايتِه مَن لم يُعلَمْ أنَّه عَمِلَ بها. (أَوْ) أي: يُرَجَّحُ أيضًا أحدُ مُرسِلَيْنِ إذا عُلم أنَّه (لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ) فيُقَدَّمُ لذلك، (أَوْ) كانَ الرَّاوي (مُبَاشِرًا) فيُرجَّحُ على غيرِه، كروايةِ أبي رافعٍ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْتُ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا» (١)، على روايةِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه تَزَوَّجَها وهو مُحرِمٌ (٢). (أَوْ) كانَ (صَاحِبَ القِصَّةِ) كروايةِ ميمونةَ نفْسِها أنَّها قالَتْ: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ» (٣)، فإنَّها تُقَدَّمُ على روايةِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا. (أَوْ) كانَ (مُشَافِهًا) بالرِّوايةِ، كروايةِ القاسمِ عن عائشةَ وهي عَمَّتُه: «أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ» (٤). فتُرَجَّحُ على روايةِ الأسودِ (٥) عنها أنَّه كانَ حرًّا؛ لأنَّه كانَ أجنبيًّا. (أَوْ) كانَ (أَقْرَبَ عِنْدَ سَمَاعِهِ) إلى النَّبِيِّ ﷺ كروايةِ ابنِ عُمَرَ:

стр. 844

«أَنَّهُ ﷺ أَفْرَدَ التَّلْبِيَةَ» (١) فتُرَجَّحُ على روايةِ مَن رَوَى أنَّه ثَنَّى؛ لأنَّه رُوِيَ أنَّه كانَ تحتَ ناقةِ النَّبِيِّ ﷺ حينَ لَبَّى، والظَّاهرُ أنَّه أَعرَفُ. (أَوْ) كانَ (مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم، فتُرَجَّحُ روايتُه على الأصاغرِ في الأصحِّ لاختصاصِه بمزيدِ خبْرةٍ بأحوالِ النَّبِيِّ ﷺ لمنزلتِه منه ومَكانَتِه (٢) عندَه وملازمتِه له، والمرادُ بالأكابرِ رؤساءُ الصَّحابةِ لا بالسِّنِّ، والقريبُ أعرفُ بحالِه من البعيدِ، ولقولِه ﵇: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (٣). (فَـ) على هذا (يُقَدَّمُ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ (٤) يعني أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم على غيرِهم في الرِّوايةِ لزيادةِ فَضيلتِهم وتيقُّظِهم وتَثَبُّتِهم للأحكامِ واحتياجِهم لها. (أَوْ مُتَقَدِّمُ الإِسْلَامِ) فتُرَجَّحُ روايتُه على المتأخِّر عندَ الآمِدِيِّ وغيرِه. قالَ الطُّوفِيُّ: نَظَرَ إلى مطلقِ الرُّجحانِ في الفضيلةِ. ثمَّ قالَ: والتَّوجيهُ المُؤَثِّرُ المناسِبُ لذلك أنَّ مُتَقَدِّمَ الإسلامِ أثبتُ وأرجحُ في الفتوى والورعِ لزيادةِ نَظَرِه في قوارعِ القرآنِ وزواجرِه، وذلك يَقتضي تَوفُّرَ الدَّواعي على العنايةِ بضبطِ الرِّوايةِ والتَّحرِّي في تَحمُّلِها وآدابِها (٥).

стр. 845

(أَوْ) كانَ (أَكْثَرَ صُحْبَةً) للرَّسولِ ﷺ . (أَوْ قَدُمَتْ هِجْرَتُهُ، أَوْ) كانَ (مَشْهُورَ النَّسَبِ) فيُرَجَّحُ لكثرةِ تَحَرُّزِه عمَّا يُنقِصُ رُتبتَه، وانفردَ الآمِدِيُّ بقولِه: أو غيرَ مُلْتَبِسٍ باسمِ بعضِ الضُّعفاءِ لغَلَبَةِ الظَّنِّ. (أَوْ سَمِعَ) حالَ كَوْنِه (بَالِغًا) فتُقَدَّمُ روايتُه على مَن سَمِعَ دونَ البلوغِ لكثرةِ ضَبطِه واحتياطِه ولخروجِه مِن الخلافِ فيَكُونُ الظَّنُّ به أقوى. (وَ) يَكُونُ تَرجيحُ الرَّاوي بتزكيتِه، فيُرَجَّحُ أحدُ الرَّاويَينِ (بِكَثْرَةِ مُزَكِّينَ، وَ) بِـ (أَعْدَلِيَّتِهِمْ وَ) بِـ (أَوْثَقِيَّتِهِمْ) بأنْ يَكُونَ المُزَكِّي لأحدهما أكثرَ مِن المُزَكِّي للآخَرِ أو أعدلَ أو أوثقَ. (وَ) يُقَدَّمُ حديثٌ (مُسْنَدٌ عَلَى) حديثٍ (مُرْسَلٍ) عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ فيه مَزِيَّةً يُقَدَّمُ بها، واتَّفقوا على كَوْنِه حُجَّةً بخلافِ المرسلِ، فإِنَّه مُختلَفٌ في كونِه حُجَّةً، وقد يَكُونُ بينَه وبينَ النَّبِيِّ ﷺ مجهولٌ، وما ذاك إلَّا لضعفٍ لَحِقَه، وكذلك كلُّ مُختلَفٍ فيه معَ كلِّ مُتَّفقٍ عليه مِن جِنسِه. تنبيهٌ: يُستثنى مِن تقديمِ المسندِ على المرسلِ مرسلُ الصَّحابيِّ بالنِّسبةِ إلى مُسنَدِ غيرِه، فيَجُوزُ أن يُقَدَّمَ المرسلُ عليه أو يعارِضَه ويُنتظرُ المُرَجِّحُ، وأمَّا إذا تعارَضَ المسندُ والمرسلُ في زمنِ الصَّحابيِّ بأنْ قالَ صحابيٌّ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ كذا، وقال صحابيٌّ آخَرُ: حُدِّثْتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ كذا، كانَ المسندُ مُتَعَيِّنَ التَّقديمِ. (وَ) يَقَعُ التَّرجيحُ في الرِّوايةِ، فيُقَدَّمُ (مُرْسَلُ تَابِعِيٍّ عَلَى) مرسلِ (غَيْرِهِ) لأنَّ الظَّاهرَ أنَّه رَوَاه عن صحابيٍّ.

стр. 846

(وَ) يُرَجَّحُ (بِالأَعْلَى إِسْنَادًا) مِن مسندينِ، والمرادُ بعلوِّه قلَّةُ عددِ الطَّبقاتِ إلى منتهاه، فيُرجَّحُ على ما كانَ أكثرَ لقلَّةِ احتمالِ الغلطِ لقلَّةِ الوسائطِ، ولهذا رَغِبَ الحفَّاظُ في السَّندِ العالي. (وَ) يُرَجَّحُ حديثٌ (مُعَنْعَنٌ عَلَى مَا) أي: حديثٍ (أُسْنِدَ إِلَى كِتَابِ مُحَدِّثٍ) معروفٍ مِن كُتبِ المُحدِّثينَ، والمرادُ بالمُعَنعَنِ: قولُ الرَّاوي: حَدَّثَني فلانٌ عن فلانٍ، إلى أنْ يَبْلُغَ به النَّبِيَّ ﷺ . (وَ) يُرَجَّحُ (كِتَابُهُ) أي: ما في كتابِ مُحَدِّثٍ مُسْنِدٍ (عَلَى) كتابِ مُحَدِّثٍ مشهورٍ، لكنَّه غيرُ مُسْنِدٍ (بِلَا نَكِيرٍ). (وَ) يُرَجَّحُ ما رَوَاه (الشَّيْخَانِ) البخاريُّ ومسلمٌ في كتابَيْهما (عَلَى) ما في (غَيْرِهِمَا) مِن كُتبِ المُحَدِّثينَ؛ لأنَّهما أصحُّ الكُتُبِ بعدِ القرآنِ؛ لأنَّ أوَّلَ ما صُنِّفَ في الصَّحيحِ البخاريُّ، ثمَّ مسلمٌ، ويُقالُ فيما اتَّفَقَا عليه: «مُتَّفَقٌ عليه»؛ لاتِّفاقِ الأُمَّةِ، إلَّا أنَّ اتِّفاقَ الأُمَّةِ لازمٌ له لاتِّفاقِ الأُمَّةِ على تَلَقِّيهما بالقبولِ، (فَـ) ما انْفَرَدَ به (البُخَارِيُّ) أي: يُرَجَّحُ على ما بعدَه، (فَـ) ما انْفَرَدَ به (مُسْلِمٌ)، هذا هو الصَّحيحُ الَّذِي عليه جماهيرُ الحفَّاظِ والمُحدِّثينَ، ثمَّ ما كانَ على شرطِ البخاريِّ ومسلمٍ، ثمَّ ما كانَ على شرطِ البخاريِّ، ثمَّ ما كانَ على شرطِ مسلمٍ. (فَمَا صُحِّحَ) من الأحاديثِ يُرَجَّحُ على ما لم يُصَحَّحْ، (فَمَرْفُوعٌ وَمُتَّصِلٌ عَلَى مَوْقُوفٍ وَمُنْقَطِعٍ) أي: يُرَجَّحُ المرفوعُ: وهو المحكيُّ بالسَّنَدِ عنِ النَّبِيِّ ﷺ ، على الموقوفِ: وهو الَّذِي لا

стр. 847

يَتَجَاوَزُ (١) الصَّحابيَّ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ رفعِه وثبوتِه عن النَّبِيِّ ﷺ ، والحُجَّةُ في قولِه ﵊ دونَ غيرِه. ويُرَجَّحُ المُتَّصِلُ على المنقطعِ؛ لأنَّ الاتِّصالَ صفةُ كمالٍ في الحديثِ تُوجِبُ زيادةَ ظنٍّ، والانقطاعَ صفةُ نقصٍ، وعِلَّةٌ تُوجِبُ نقصَ الظَّنِّ، ولأنَّ المنقطِعَ نوعٌ مِن المرسلِ وهو مُختلفٌ فيه. (وَ) يُقَدَّمُ حديثٌ (مُتَّفَقٌ) على إسنادِه على مُختلَفٍ في إسنادِه وَمُتَّفَقٌ (عَلَى رَفْعِهِ، أَوْ) على (وَصْلِهِ، عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ)؛ لأنَّ الاتِّفاقَ على الشَّيءِ يُوجِبُ له قُوَّةً، ويَدُلُّ على ثُبُوتِه وتَمَكُّنِه في بابِه، والاختلافُ فيه يُوجِبُ له ضعفًا، ويَدُلُّ على تَزَلْزُلِه في بابِه ما لم يَقُمِ البرهانُ القاطعُ على ثبوتِه فيَكُونُ المخالفُ حينئذٍ مُعاندًا كاليهودِ في نُبُوَّةِ عيسى، وهم والنَّصارى في رسالةِ محمَّدٍ ﷺ وأشباهِ ذلك. (و) تُقَدَّمُ (رِوايةٌ (٢) مُتَّفِقَةٌ) أي: لم يَختلِفْ لفظُها ولا مَعناها ولا مُضطربةٌ (عَلَى) رِوَايَةٍ (مُخْتَلِفَةٍ، أَوْ مُضْطَرِبَةٍ) على الصَّحيحِ؛ لأنَّ اختلافَ الألفاظِ ضَربٌ مِن الاضطرابِ، واتِّحادُ الألفاظِ أدلُّ على إتقانِ الرَّاوي ووَرَعِه، واضطرابُها تَنافُرُ ألفاظِها، واختلافُها بالزِّيادةِ والنَّقصِ. (وَ) يَقَعُ التَّرجيحُ في المرويِّ، فيُقَدَّمُ (مَا) أي: حديثٌ (سُمِعَ مِنْهُ ﷺ عَلَى مُحْتَمَلٍ) سماعُه وعدمُ سماعِه، فالأوَّلُ كقولِه: سَمِعْتُه، أو أَخْبَرَني ونَحوِهما، والثَّاني كقولِه: قالَ ونحوِه.

стр. 848

(وَ) يُرَجَّحُ حديثٌ سُمِعَ منه ﷺ (عَلَى) روايةٍ عن (كِتَابِهِ) لبُعد الغلطِ والتَّصحيفِ، (وَ) يُرَجَّحُ أيضًا حديثٌ سُمِعَ منه ﷺ (عَلَى مَا) أي: حديثٍ ذُكِرَ أنَّه (سَكَتَ عَنْهُ معَ حُضُورِهِ)؛ لأنَّ سَماعَه منه أعلى مِن تقريرِه لغيرِه على قولٍ أو فعلٍ. (ثُمَّ) يُقَدَّمُ (ذَا) وهو ما سَكَتَ عنه (معَ حضورِه عَلَى مَا) أي: حديثٍ سَكَتَ عنه (معَ غَيْبَتِهِ) وسَمِعَ به ولم يُنكِرْ، اللَّهمَّ (إِلَّا مَا كَانَ خَطَرُ (١) السُّكُوتِ عَنْهُ أَعْظَمَ) وأَتَمَّ وآكَدَ مِن خطرِ (١) ما جَرَى في مَجلِسِه، بحيثُ تَكُونُ الغفلةُ عنه لشِدَّةِ خَطَرِه (٢) أبعدَ، فإِنَّه يَكُونُ أَوْلَى بالتَّقديمِ. (وَ) يُقَدَّمُ (قَوْلُهُ ﷺ عَلَى) ما نُقِلَ وفُهِمَ مِن (فِعْلِهِ) على الصَّحيحِ لصراحةِ القولِ، ولهذا اتُّفِقَ على دَلالتِه بخلافِ دَلالةِ الفِعْلِ؛ لاحتمالِ اختصاصِه به (٣). (وَ) يُقَدَّمُ (هُوَ) أي: فِعْلُه ﷺ (عَلَى تَقْرِيرِهِ) لأنَّ التَّقريرَ يَطرُقُه مِن الاحتمالِ ما لَيْسَ في الفعلِ الوجوديِّ. قُلْتُ: يُطْلَبُ الفرقُ بينَ تَقريرِه ﷺ وبينَ ما سَبَقَ ممَّا سَكَتَ عنه إلَّا أن يَكُونَ أحدُهما أعمَّ مِن حضورٍ وغَيبةٍ وقولٍ وفعلٍ والآخَرُ أخصَّ بواحدٍ. (وَ) يُقَدَّمُ (مَا) أي: حديثٌ (لَا تَعُمُّ بِهِ البَلْوَى فِي الآحَادِ) بأنِ انْفَرَدَ واحدٌ بحديثٍ لا تَعُمُّ به البَلْوى، وانفردَ آخَرُ بحديثٍ تَعُمُّ به البلوى لتَوَفُّرِ الدَّواعي

стр. 849

على نَقْلِهِ، فيُرَجَّحُ ما لا تَعُمُّ به البلوى عَلَى مَا تَعُمُّ بِهِ البَلْوَى لكَوْنِه أبعدَ من الكذبِ ممَّا تَعُمُّ به البلوى؛ لأنَّ تَفَرُّدَ الواحدِ بنقلِ ما تَتَوَفَّرُ الدَّواعي على نَقْلِه يُوهِمُ الكذبَ. (وَ) يَقَعُ التَّرجيحُ في المرويِّ عنه وهو الفصلُ الرَّابعُ مِن الفصولِ الواقعةِ في السَّنَدِ، فيُرَجَّحُ (مَا) أي: حديثٌ (لَمْ يُنْكِرْهُ المَرْوِيُّ عَنْهُ) على ما أَنْكَرَه، سواءٌ كانَ الإنكارُ إنكارَ جحودٍ أو نسيانٍ (وَمَا أَنْكَرَهُ) المرويُّ عنه (نِسْيَانًا) على ما أَنْكَرَه جحودًا، وذلك مَعنى قولِه: (عَلَى ضِدِّهِمَا). النَّوع الثَّاني مِن القِسمِ الأوَّلِ الَّذِي يَقَعُ التَّرجيحُ فيه بينَ مَنقولَيْنِ: (المَتْنُ) وهو مبنيٌّ على تفاوُتِ دَلالاتِ العباراتِ في أَنفُسِها، فيُرَجَّحُ الأدلُّ منها فالأدلُّ؛ أي: إنَّ العباراتِ تَتَفَاوَتُ في الدَّلالةِ على المعاني بالقُوَّةِ والضَّعفِ والبيانِ والإجمالِ والإيضاحِ والإشكالِ، فما كانَ مِنها أقوى دَلالةً قُدِّمَ على غيرِه وهو قاعدةُ هذا النَّوعِ، فالنَّصُّ مُقَدَّمٌ على الظَّاهرِ؛ لأنَّ النَّصَّ أَدَلُّ لعدمِ احتمالِه غيرَ المرادِ، والظَّاهرُ يَحتمِلُ غيرَه، وإنْ كانَ احتمالًا مرجوحًا، لكنَّه يَصلُحُ أنْ يَكُونَ مرادًا بدليلٍ. إذا عَرَفْتَ ذلك فـ (يُرَجَّحُ) مِن المتنِ خبَرٌ فيه: (نَهْيٌ عَلَى أَمْرٍ) أي: على خبرٍ فيه أمرٌ لشِدَّةِ الطَّلبِ فيه لاقتضائِه للدَّوامِ ولقلَّةِ مَحامِلِه، ولأنَّ دَفعَ المفسدةِ أهمُّ مِن حصولِ المصلحةِ، (وَ) يُرَجَّحُ خبَرٌ فيه (أَمْرٌ عَلَى مُبِيحٍ) لاحتمالِ الضَّررِ بتقديمِ المبيحِ بلا عكسٍ، (وَ) يُرَجَّحُ (خَبَرٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ) النَّهيُ والأمرُ والإباحةُ؛ لأنَّ دَلالتَه

стр. 850

على الثُّبوتِ أَقوى مِن دَلالةِ غيرِه مِن الثَّلاثةِ عليه، والمرادُ بالخبَرِ الخبَرُ المحضُ، لا ما صِيغَتُه خبرٌ، ومعناه أمرٌ أو نهيٌ، (وَ) يُرَجَّحُ لفظٌ (مُتَوَاطِئٌ عَلَى) لفظٍ (مُشْتَرَكٍ) وتَقَدَّمَ تعريفُهما أوائلَ الكتابِ بعدَ ذِكْرِ الدَّلالةِ. (وَ) إذا اجتمعَ لفظٌ (مُشْتَرَكٌ) ومشتركٌ رُجِّحَ مَا (قَلَّ مَدْلُولُهُ عَلَى مَا كَثُرَ) كالمشتركِ بينَ مَعنيَينِ على المشتركِ بينَ ثلاثةِ معانٍ. (وَ) يُرَجَّحُ لفظٌ فيه (مَعْنًى ظَهَرَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى عَكْسِهِ) كما ذَكَرُوه في الحُمرةِ، وأنَّها أظهرُ في الشَّفَقِ. (وَ) يُرَجَّحُ لفظٌ فيه (اشْتِرَاكٌ بَيْنَ عَلَمَينِ عَلَى) لفظٍ فيه اشتراكٌ بينَ (عَلَمٍ وَمَعْنًى) والمرادُ عَلَمُ الشَّخصِ لا عَلَمُ الجنسِ، فإنَّ العَلَمَ يُطلَقُ على شخصٍ مخصوصٍ، والمعنى يَصْدُقُ على أشخاصٍ كثيرةٍ، فكانَ اختلالُ الفهمِ لجَعْلِه مُشتركًا بينَ عَلَمين أقلَّ، فكانَ أَوْلى، مثالُه: أنْ تَقُولَ: رأيتُ أَسوَدَينِ، فحَمْلُه على شخصينِ كلُّ واحدٍ مِنهما اسمُه أسودُ أَوْلَى مِن شخصٍ اسمُه أسودُ والآخَرُ لونُه أسودُ. (وَ) يُرَجَّحُ لفظٌ فيه اشتراكٌ (بينَ عَلَمٍ وَمَعْنًى عَلَى) لفظٍ فيه اشتراكٌ بينَ (مَعْنَيَيْنِ) لقلَّةِ الإخلالِ فيه، مثالُه: الأَسودَينِ أيضًا، فحَمْلُه على العَلَم والمعنى أَوْلى مِن حَمْلِه على شخصينِ لونُهما أسودُ. (٨) (وَ) يُرَجَّحُ (مَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ) آخَرَ بأسبابٍ مِنها التَّرجيحُ (بِشُهْرَةِ (١) عَلَاقَةٍ) بينَه وبينَ الحقيقةِ وبينَ المجازِ الآخَرِ والحقيقةِ، مثلُ أن يَكُونَ

стр. 851

أحدُهما مِن بابِ المشابهةِ، فيُرَجَّحُ على ما كانَ مِن بابِ النَّقلِ. (وَ) منها التَّرجيحُ (بِقُوَّتِهَا) أي: العلاقةِ، كأنْ يَكُونَ مُصَحِّحُ إحدى المجازينِ أَقْوى مِن مُصَحِّحِ الآخرِ، كإطلاقِ اسمِ الكلِّ على الجزءِ، فيُرَجَّحُ عليه. (وَ) منها التَّرجيحُ (بِقُرْبِ جِهَتِهِ (١) أي: جهةِ أحدِ (٢) المجازَيْنِ إلى الحقيقةِ كحمْلِ نفيِ (٣) الذَّاتِ على الصِّحَّةِ أقربُ مِن حَمْلِه على نفيِ الكمالِ. (وَ) منها التَّرجيحُ (بِرُجْحَانِ دَلِيلِهِ) على المجازِ الآخَرِ، بأنْ تَكُونَ قرينةُ أحدِ المجازينِ قطعيَّةً والأخرى غيرَ قطعيَّةٍ. (وَ) منها ترجيحُ أحدِ (٤) المجازينِ (بِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ) على المجازِ الآخرِ. (وَ) يُرَجَّحُ (مَجَازٌ عَلَى مُشْتَرَكٍ) بينَ حقيقتينِ؛ لأنَّ الاشتراكَ يُخِلُّ بالتَّفاهُمِ، مِثالُه: النِّكاحُ، فإِنَّه يَحتملُ أنَّه حقيقةٌ في الوطءِ مجازٌ في العقدِ، ويَحتملُ أنَّه مشتركٌ بينَهما، فالمجازُ أقربُ فلْيُحمَلْ عليه، ولأنَّ المشتركَ يَحتَاجُ إلى قرينتينِ بحَسَبِ مَعنَيَيْه على أنَّ استعمالَه في كلِّ واحدٍ من مَعنَيَيْه يَحتاجُ إلى قرينةٍ مُعَيِّنةٍ مُخَصِّصةٍ له؛ إذ لا ترجيحَ لواحدٍ مِن مَعنَيَيْه على الآخرِ، كالعينِ فإنَّها تَحتاجُ عندَ استعمالِها في الباصرةِ إلى قرينةٍ تُخَصِّصُها، وكذا استعمالُها في الجاريةِ، بخلافِ المجازِ، فإِنَّه يَحتاجُ إلى قرينةٍ واحدةٍ عندَ استعمالِه في معناه المجازيِّ، ولا يَحتاجُ إلى قرينةٍ بالنَّظرِ إلى المعنى الحقيقيِّ.

стр. 852

(وَ) إذا احتملَ الكلامُ أنْ يَكُونَ فيه تخصيصٌ ومجازٌ قُدِّمَ (تَخْصِيصٌ عَلَى مَجَازٍ) لتَعَيُّنِ الباقي مِن العامِّ بعدَ التَّخصيصِ، بخلافِ المجازِ، فإِنَّه قد لا يَتَعَيَّنُ [بأنْ يَتَعَدَّدَ] (١) ولا قرينةَ تُعَيِّنُ، مثالُه: قولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢) فقالَ الحنفيُّ: ممَّا لم يُتَلَفَّظْ بالتَّسميةِ عندَ ذبحِه وخُصَّ منه النَّاسي لهاـ فتَحِلُّ ذبيحتُه، وقال غيرُه: أي ما لم يُذبَحْ، تَعبيرًا عن الذَّبْحِ بما يُقارِنُه غالبًا مِن التَّسميةِ، فلا تَحِلُّ ذبيحةُ المُتَعَمِّدِ تَركَها على الأوَّلِ دونَ الثَّاني، (وَهُمَا) أي: يُرَجَّحُ التَّخصيصُ والمجازُ (عَلَى إِضْمَارٍ) لقِلَّتِه. (وَ) تُرَجَّحُ (الثَّلَاثَةُ) وهي: التَّخصيصُ والمجازُ والإضمارُ (عَلَى نَقْلٍ) أي: منقولٍ مِن اللُّغةِ إلى الشَّرعِ؛ لأنَّه إبطالٌ كالنَّسخِ، (وَهُوَ) أي: يُرَجَّحُ النَّقلُ (عَلَى) اسمٍ (مُشْتَرَكٍ) لإفرادِه في الحالينِ كزكاةٍ. تنبيهٌ: اللَّفظُ إذا وُضِعَ لمعنًى، ثمَّ نُقِلَ في الشَّرعِ إلى مَعنًى ثانٍ لمناسبةٍ بينَهما، وعلا استعمالُه في المعنى الثَّاني سُمِّيَ منقولًا شرعيًّا. (وَ) تُرَجَّحُ (حَقِيقَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا) على حقيقةٍ مُختَلَفٍ فيها. (وَ) يُرَجَّحُ (الأَشْهَرُ مِنْهَا) يَعني تُرَجَّحُ الحقيقةُ بكَوْنِها أشهرَ على الحقيقةِ الَّتي هي في الشُّهرةِ كهي. (وَ) يُرَجَّحُ الأشهرُ مِن (مَجَازٍ) على غيرِ الأشهرِ منه، وهو المرادُ بقولِه: (عَلَى عَكْسِهِنَّ) سواءٌ كانَتِ الشُّهرةُ في اللُّغةِ أو الشَّرعِ أو العُرفِ، وسَبَقَ أوَّلَ الكتابِ أنَّه يُقَدَّمُ المجازُ الرَّاجحُ على الحقيقةِ المرجوحةِ.

стр. 853

(وَ) يُرَجَّحُ اسمٌ (لُغَوِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ شَرْعًا فِي) مَعنًى (لُغَوِيٍّ عَلَى مَنْقُولٍ شَرْعِيٍّ) لأنَّ الأصلَ موافقةُ الشَّرعِ اللُّغةَ، (وَيُرَجَّحُ) لفظٌ (مُنْفَرِدٌ) لُغويٌّ مُستعملٌ في مَعنًى شرعيٍّ على لفظٍ مُستعمَلٍ في اللُّغةِ لمعنًى؛ لأنَّ المعهودَ مِن الشَّارِعِ إطلاقُ اللَّفظِ في مَعناه الشَّرعيِّ، ولذلك قُدِّمَ. (وَ) يُرَجَّحُ (مَا) أي: لفظٌ (قَلَّ مَجَازُهُ) على لفظٍ كَثُرَ مَجَازُه؛ لأنَّه بكثرةِ المجازِ يَضعُفُ، ولذلك قُدِّمَ ما قَلَّ مجازُه. (أَوْ) ما (تَعَدَّدَتْ جِهَةُ دَلَالَتِهِ) فيُرَجَّحُ على ما اتَّحَدَتْ جهةُ دَلالتِه. (أَوْ تَأَكَّدَتْ) بأنْ كانَتْ أَقوى، فتُرَجَّحُ عَلَى ما كَانَتْ أَضعفَ. (أَوْ كَانَتْ) دَلالتُه (مُطَابِقَةً) فتُرَجَّحُ على دَلالةِ الالتزامِ. (وَ) يُرَجَّحُ (فِي) دَلالةِ (اقْتِضَاءٍ بِضَرُورَةٍ) أي: ما يَتَوَقَّفُ عليه ضرورةُ (صِدْقِ المُتَكَلِّمِ عَلَى) لفظٍ يَتَوَقَّفُ عليه (ضَرُورَةُ وُقُوعِهِ) شرعًا أو عقلًا؛ لأنَّ ما يَتَوَقَّفُ عليه صِدقُ المتكلِّمِ أَوْلى ممَّا يَتَوَقَّفُ عليه وُقُوعُه الشَّرعيُّ والعقليُّ، نظرًا إلى أبعدِ الكذبِ في كلامِ الشَّارِعِ. تنبيهٌ: تَقَدَّمَتِ دَلالةُ الاقتضاءِ ودَلالةُ الإشارةِ ودَلالةُ الإيماءِ معَ أَمْثِلَتِها في بابِ المنطوقِ، وكذلك تنويعُ الإيماءِ والتَّنبيهِ في مسالكِ العِلَّة، فرَاجِعْه هناك. (وَ) يُرَجَّحُ في دَلالةِ الاقتضاءِ (١) (بِضَرُورَةِ وُقُوعِهِ) أي: الاقتضاءِ (عَقْلًا عَلَيْهَا) أي: على ضرورةِ وقوعِه (شَرْعًا) لبُعدِ الخُلفِ شَرعًا وامتناعِ مُخالفةِ معقولٍ لا مشروعٍ.

стр. 854

(وَ) يُرَجَّحُ (فِي) دَلالةِ (إِيمَاءٍ بِمَا) أي: بلفظٍ (لَوْلَاهُ لَكَانَ فِي الكَلَامِ عَبَثٌ أَوْ حَشْوٌ عَلَى غَيْرِهِ) مثل أنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ معَ الحُكْمِ وصفًا لو لم يُعَلَّلِ الحكمُ به لكانَ ذِكْرُه عبثًا أو حشوًا، فإِنَّه يُقَدَّمُ على الإيماءِ بما رُتِّبَ فيه الحُكمُ بفاءِ التَّعقيبِ؛ لأنَّ نفيَ العبثِ والحشوِ مِن كلامِ الشَّارِعِ أَوْلى. (وَ) يُرَجَّحُ (مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ) أي: ما دَلَّ بمفهومِ موافقةٍ (عَلَى) ما دَلَّ بمفهومِ (مُخَالَفَةٍ) للاتِّفاقِ عليه. (وَ) يُرَجَّحُ (اقْتِضَاءٌ عَلَى إِشَارَةٍ) لأنَّه مقصودٌ بإيرادِ اللَّفظِ صِدقًا أو حُصولًا، ويَتَوَقَّفُ الأصلُ عليه بخلافِ الإشارةِ، فإنَّها لم تُقصَدْ بإيرادِ اللَّفظِ، وإنْ تَوَقَّفَ الأصلُ عليها، (وَ) يُرَجَّحُ اقتضاءٌ على (إِيمَاءٍ) لأنَّ الإيماءَ وإنْ كانَ مَقصودًا بإفرادِ اللَّفظِ لكنَّه لم يَتَوَقَّفِ الأصلُ عليه. (وَ) يُرَجَّحُ اقتضاءٌ (على مَفْهُومٍ) لأنَّ الاقتضاءَ مقطوعٌ بثُبُوتِه والمفهومَ مظنونٌ ثبوتُه. ويُرَجَّحُ إيماءٌ عَلَى مَفْهُومٍ؛ لقِلَّةِ مُبطِلاتِه. (وَتَنْبِيهٌ كَنَصٍّ) أَوْ أَقوى (فِي قَوْلٍ) للشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وقال أيضًا في مسألةٍ في الوقفِ كَتَبَ عليها خمسَ كَرارِيسَ في أثنائِها: فإنَّ نَقلَ نَصِيبِ الميِّتِ إلى ذَوي طبقتِه إذا لم يَكُنْ له ولدٌ دونَ سائرِ أهلِ الوقفِ تَنبيهٌ على أنَّه يَنقُلُه لولدِه إنْ كانَ له ولدٌ، والتَّنبيهُ دليلٌ أقوى مِن النَّصِّ حَتَّى في شروطِ الواقفينَ. (وَ) يُرَجَّحُ (تَخْصِيصُ عَامٍّ عَلَى تَأْوِيلِ خَاصٍّ) لكثرتِه.

стр. 855

(وَ) يُرَجَّحُ (خَاصٌّ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ) وَاحِدٍ (عَلَى عَامٍّ) مُطلقًا لقوَّةِ دَلالتِه، فكذا ما قَرُبَ مِنه ولئلَّا تَتَعَطَّلَ دَلالتُه. (وَ) يُرَجَّحُ (عَامٌّ لَمْ يُخَصَّصْ) بأنْ تَعارَضَ (١) عامَّانِ أحدُهما باقٍ على عمومِه، والآخرُ قد خُصَّ بصورةٍ فأكثرَ، فيُرَجَّحُ الباقي على عمومِه على المخصوصِ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه والباقي على عمومِه لا خلافَ في بقائِه حقيقةً وحُجَّةً، فكانَ راجحًا، (أَوْ قَلَّ تَخْصِيصُهُ) فيُرَجَّحُ (عَلَى عَكْسِهِ) وهو الأكثرُ، مِثْلُ أنْ يُخَصَّصَ أحدُهما بصورةٍ والآخرُ بصورتينِ، فالأوَّلُ أَرجَحُ؛ لأنَّه أقربُ إلى الأصلِ، وهو البقاءُ على العمومِ، ومخالفةُ الأصلِ فيه أقلُّ. (وَمُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ) أي: حُكمُ المطلقِ معَ المقيَّدِ في التَّرجيحِ (كَـ) حُكْمِ (عَامٍّ وَخَاصٍّ) فيُقَدَّمُ المقيَّدُ ولو مِن وجهٍ على المطلقِ، والمطلقُ الَّذِي لم يُخرَجْ منه شيءٌ على ما أُخْرِجَ منه. (وَ) إذا تَعَارَضَتْ صيغُ العُمومِ فـ (عَامٌّ شَرْطِيٌّ كَـ «مَنْ» وَ «مَا») وأيٌّ، يُقَدَّمُ (عَلَى غَيْرِهِ) مِن صيغِ العمومِ، كصيغةِ النَّكرةِ الواقعةِ في صيغةِ النَّفيِ وغيرِها، كالجمعِ المُحَلَّى والمضافِ ونَحوِهما؛ لدَلالَةِ الأوَّلِ على كَوْنِ ذلك عِلَّةً للحُكْمِ، وهو أدلُّ على المقصودِ ممَّا لا عِلَّةَ فيه؛ إذ لو أَلْغَيْنا العامَّ الشَّرطيَّ كانَ إلغاءً للعلَّةِ، بخلافِ العامِّ غيرِ الشَّرطيِّ فلا يَلْزَمُ به إلغاءُ العِلَّةِ. وقالَ الآمِدِيُّ: يُمكِنُ هذا، ويُمكِنُ ترجيحُ النَّكرةِ المنفيَّةِ؛ لأنَّه يُعَدُّ خروجُ واحدٍ منه خُلفًا (٢).

стр. 856

قالَ البِرْمَاوِيُّ: وكأنَّ وَجهَه: أنَّ طُرُقَ التَّخصيصِ إليه بعيدٌ؛ لبُعدِ أنْ يُقالَ في: «لَا رَجُلَ في الدَّارِ» إنَّ فيها فلانًا (١). (وَ) يُرَجَّحُ (جَمْعٌ وَاسْمُهُ) حالَ كَوْنِ الجَمْعِ واسمِ الجَمعِ (مُعَرَّفَينِ بِاللَّامِ) على اسمِ الجنسِ باللَّامِ؛ لأنَّ الجمعَ واسمَه لا يَحتملُ العهدَ، أو يَحتملُه على بُعدٍ، بخلافِ اسمِ الجنسِ المُحَلَّى باللَّامِ، فإِنَّه يَحتملُ العهدَ احتمالًا قريبًا. (وَ) يُرَجَّحُ («مَنْ» وَ «مَا» عَلَى الجِنْسِ بِاللَّامِ) لأنَّ الجنسَ المُحَلَّى باللَّامِ اختلفَ المُحقِّقون في عمومِه بخلافِ ««مَن» و «ما». (وَ) يُرَجَّحُ مَتْنٌ (فَصِيحٌ عَلَى) مَتْنٍ (غَيْرِهِ) ممَّا لم يَستكمِلْ شروطَ الفصاحةِ، قالَ بعضُ العلماءِ: إذا كانَ في اللَّفظِ المرويِّ رَكَاكَةٌ لا يُقبَلُ، والحقُّ أنَّه يُقبَلُ إذا صَحَّ السَّنَدُ، ويَحمَلُ على أنَّ الرَّاويَ رَوَاه بلفظِ نَفْسِه، وأمَّا مَا كانَ زائدًا على الفصاحةِ، فلا يُرَجَّحُ على الفصيحِ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنطِقُ بالفصيحِ وبالأفصحِ، فلا فرقَ بينَ ثُبوتِهما عنه، والكلامُ فيما سوى ذلك، لا سِيَّما إذا خاطَبَ مَن لا يَعرِفُ تلك اللُّغةَ الَّتي ليسَتْ بأَفْصَحَ لقصدِ إفهامِهم. فائدةٌ: ذَكَرَ البيانيُّونَ أنَّ الفصاحةَ هي سلامةُ المفردِ مِن تنافُرِ الحروفِ والغرابةِ ومخالفةِ القِيَاسِ، وفي المُرَكَّبِ سلامتُه من ضعفِ التَّأليفِ وتنافُرِ الكلماتِ والتعقيدِ معَ فصاحتِها، ويَنبغي ألَّا يُرَجَّحَ البليغُ على الفصيحِ، والبلاغةُ مطابقةُ الكلامِ لمُقتضى الحالِ.

стр. 857

النَّوعُ الثَّالث مِن القِسمِ الأوَّلِ الَّذِي يَقَعُ التَّرجيحُ فيه بينَ منقولينِ: (المَدْلُولُ) أي: ما دَلَّ عليه اللَّفظُ مِن الأحكامِ فـ (يُرَجَّحُ: عَلَى إِبَاحَةِ) حظرٍ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ فِعلَ الحظرِ يَستلزِمُ مَفسدةً بخلافِ الإباحةِ؛ لأنَّه لا يَتَعَلَّقُ بفِعلِها ولا بتركِها مصلحةٌ ولا مفسدةٌ، واستدلَّ بتحريمِ مُتَوَلِّدٍ بينَ مأكولٍ وغيرِه، وجاريةٍ مشتركةٍ. (وَ) يُرَجَّحُ على (كَرَاهَةٍ) حظرٌ لقولِه ﷺ : «مَا اجْتَمَعَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ إِلَّا غَلَبَ الحَرَامُ» (١)، ولأنَّه أحوطُ. (وَ) يُرَجَّحُ على (نَدْبٍ) حظرٌ؛ لأنَّ النَّدبَ لتَحصيلِ المصلحةِ والحظرِ لدفعِ المفسدةِ، ودفعُ المفسدةِ أهمُّ من تحصيلِ المصلحةِ في نظرِ العقلاءِ. (وَ) يُرَجَّحُ على (وُجُوبٍ: حَظْرٌ) لأنَّ دفعَ المفسدةِ أهمُّ بدليلِ تركِ مصلحةٍ لمفسدةٍ مساويةٍ، وشُرِعَ عقوبتُه أكثرَ كزانٍ مُحصنٍ. (وَ) يُرَجَّحُ (عَلَى إِبَاحَةٍ: نَدْبٌ) على الصَّحيحِ. (وَ) يُرَجَّحُ (عَلَيْهِ) أي: على النَّدبِ (وُجُوبٌ وَكَرَاهَةٌ) للاحتياطِ في العملِ بهما. (وَ) يُرَجَّحُ (عَلَى نَفْيٍ: إِثْبَاتٌ) يَعني يَتَرَجَّحُ الخبرُ الدَّالُّ على ثبوتِ الحُكْمِ على الخبرِ الدَّالِّ على نَفيِه كإثباتِ بلالٍ (٢) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنه

стр. 858

صلاةَ النَّبِيِّ ﷺ في الكعبةِ على روايةِ ابنِ عبَّاسٍ (١) في نَفيِها؛ لأنَّ عندَ المثبِتِ زيادةَ عِلمٍ ممكنةً، وهو عدلٌ جازمٌ بها. (وَ) المرادُ ما قاله الفخرُ إسماعيلُ وغيرُه (إِنِ اسْتَنَدَ النَّفْيُ إِلَى عِلْمٍ بِالعَدَمِ؛ فَـ) الإثباتُ والنَّفيُ (سَوَاءٌ)، ومَعنى استنادِ النَّفيِ إلى عِلْمٍ بالعدمِ أن يَقُولَ الرَّاوي: أَعلَمُ أنَّ رسولَ الله ﷺ لم يُصَلِّ [في البيتِ] (٢)؛ لأنِّي كُنْتُ مَعَه فيه، ولم يَغِبْ عن نظري طَرفَةَ عينٍ فيه، ولم أَرَه صَلَّى فيه. أو قالَ: أَخبَرَنِي رسولُ الله ﷺ أنَّه لم يُصَلِّ فيه. فهذا يُقبَلُ لاستنادِه إلى مَدْرَكٍ علميٍّ. ويَستوي هو وإثباتُ المثبِتِ، فيتعارضانِ ويُطلَبُ المُرجِّحُ مِن خارجٍ، وكذا حُكْمُ كلِّ شهادةٍ نافيةٍ أُسنِدَتْ إلى عِلْمٍ بالنَّفيِ لا إلى العِلْمِ، فإنَّها تُعارِضُ المثبتةَ؛ لأنَّها تُساويها؛ إذ هما في الحقيقةِ مُثبِتتانِ؛ لأنَّ إحداهما تُثبِتُ المشهودَ به، والأخرى تُثبِتُ العِلْمَ بعدمِه، وقد ذَكَرَ الأصحابُ في الشَّهادةِ في الإعسارِ أنَّ الشَّهادةَ في النَّفيِ تُقبَلُ مِن غيرِ مُعارِضٍ إذا كانَ النَّفيُ مَحصورًا. (وَكَذَا العِلَّتَانِ) يَعني تُقدَّمُ المُثبِتةُ على النَّافيةِ، كما ذَكَرَه في شرحِه. (وَ) يُرَجَّحُ (على مُقَرِّرٍ) للحُكمِ الأصليِّ نصٌّ أو دليلٌ: (نَاقِلٌ) عن حُكمِ الأصلِ، مثالُه: أنَّ الأصلَ في المطعوماتِ الحِلُّ، فلو وَرَدَ بإباحةِ الثَّعلبِ حديثٌ وحديثٌ بتحريمِه فالأوَّلُ مُقَرِّرٌ لإباحتِه الأصليَّةِ والثَّاني ناقلٌ عن أصلِ الإباحةِ، فهو مُفيدٌ فائدةً زائدةً، وهي التَّحريمُ، وعليه الأكثرُ. وقالَ الطُّوفِيُّ في «شرحه»: الأشبهُ تقديمُ المُقَرِّرِ لاعتضادِه بدليلِ

стр. 859

الأصلِ، وعلى هذا تَنْبَنِي بيِّنةُ الدَّاخلِ والخارجِ، وهو ما إذا تَدَاعَيَا عينًا في يدِ أَحَدِهما وأقامَ كُلُّ واحدٍ مِنهما بَيِّنَةً أنَّها له، فالدَّاخلُ مَن في يدِه العينُ، والخارجُ مِن ليسَتْ في يدِه، فمذهبُ أحمدَ تقديمُ بَيِّنَةِ الخارجِ؛ لأنَّها ناقلةٌ عن دَلالةِ اليدِ الَّتي هي كالأصلِ، وعنه تقديمُ بيِّنةِ الدَّاخلِ؛ لأنَّها اعْتَضَدَتْ بيدِه على العينِ، فهما دليلانِ، وهو الأشبهُ بقواعدِه وقواعدِ غيرِه في اعتبارِ التَّرجيحِ بما يَصلُحُ له (١). (وَ) يُرَجَّحُ (عَلَى مُثْبِتِ حَدٍّ: دَارِئُهُ) على الصَّحيحِ لموافقتِه الأصلَ؛ إذ الأصلُ عدمُ وجوبِ الحدِّ، ولأنَّ الحدودَ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ؛ لقولِه ﷺ : «لَأْن يُخْطِئَ فِي العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي العُقُوبَةِ» (٢). (وَ) يُرَجَّحُ (عَلى نَافِي عِتْقٍ (٣)، وَ) نافي (طَلَاقٍ: مُوجِبُهُمَا) لقِلَّةِ سببِ مُبطلِ الحُرِّيَّةِ ولا تَبطُلُ بعدَ ثبوتِها ولموافقةِ النَّفيِ الأصليِّ رفعَ العقدِ، ومِثلُه الطَّلاقُ. (وَ) يُرَجَّحُ مِن التَّكليفيِّ (عَلَى أَثْقَلَ: أَخَفُّ) على الصَّحيحِ لقولِه تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤). (وَ) حُكمٌ (تَكْلِيفِيٌّ) كاقتضاءٍ ونحوِه (وَ) حُكْمٌ (وَضْعِيٌّ) كصِحَّةٍ وفسادٍ (سَوَاءٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) أي: كلامِ أصحابِنا، فإنَّهم لم يَذكُروا ترجيحَ حُكمٍ تكليفيٍّ على وضعيٍّ، فظاهرُه (٥) سواءٌ، وصَحَّحَ غيرُ أصحابِنا ترجيحَ الحُكمِ التَّكليفيِّ؛ لأنَّه مُحَصِّلٌ للثَّوابِ.

стр. 860

وقالَ الآمِدِيُّ: إنْ رَجَّحَ بالثَّوابِ تَوَقَّفَ على أهليَّةِ المخاطَبِ وتَمَكُّنِه. النَّوعُ الرَّابعُ مِن القسمِ الأوَّلِ الَّذِي يَقَعُ التَّرجيحُ فيه بينَ مَنقولينِ: الأَمْرُ (الخَارِجُ) وهو ترجيحٌ بأمورٍ لا يَتَوَقَّفُ عليها الدَّليلُ لا في وجودِه ولا في صِحَّتِه ودلالتِه، لكنْ (يُرَجَّحُ) الدَّليلُ: (بِمُوَافَقَةِ دَلِيلٍ آخَرَ لَهُ) على دليلٍ لا يُوافِقُهُ دليلٌ آخَرُ؛ لأنَّ الظَّنَّينِ أقوى مِن الظَّنِّ الواحدِ، ولهذا قَدَّمْنا حديثَ عائشةَ في صلاةِ الفجرِ بغَلَسٍ على حديثِ نافعٍ في الإسفارِ؛ لموافقةِ قولِه تَعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ [وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى] (١) (٢)؛ لأنَّ مِن المحافظةِ الإتيانَ بالمحافَظِ عليه المُوَقَّتِ أوَّلَ وقتِه، (إِلَّا فِي أَقْيِسَةٍ تَعَدَّدَ أَصْلُهَا معَ خَبَرٍ فَيُقَدَّمُ) الخَبَرُ (عَلَيْهَا) وقِيلَ: تُقَدَّمُ الأقيسةُ إنْ تَعَدَّدَ أصلُها، فإن لم يَتَعَدَّدْ أصلُها فمُتَّحِدةٌ. (فَإِنْ تَعَارَضَ: ظَاهِرُ قُرْآنٍ وَ) ظاهرُ (سُنَّةٍ، وَأَمْكَنَ بِنَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآخَرِ) كخنزيرِ الماءِ في قوله (٣) ﷺ في البحرِ: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٤) فإِنَّه عامٌّ في ميتةِ البحرِ حَتَّى خنزيرِه معَ قولِه تَعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٥) فإِنَّه يَتناوَلُ خنزيرَ البحرِ، فيَتَعَارَضُ عمومُ الكتابِ والسُّنَّةِ

стр. 861

في خنزيرِ البحرِ فقَدَّمَ بعضُهم الكتابَ، فحَرَّمَه، وبعضُهم السُّنَّةَ فأَحَلَّه، وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ؛ لقولِه: السُّنَّةُ تُفَسِّرُ القُرآنَ (١). (أَوْ) تَعارَضَ (خَبَرَانِ معَ أَحَدِهِمَا ظَاهِرُ قُرْآنٍ، وَ) مع الخبَرِ (الآخَرِ ظَاهِرُ سُنَّةٍ: قُدِّمَ ظَاهِرُهَا) أي: ظاهرُ (٢) السُّنَّةِ بناءً على ما قَبْلَها. واعلَمْ أنَّ التَّعَارُض إمَّا أنْ يَقَعَ بينَ آيتينِ، أو خبرينِ، أو قياسينِ، أو آيةٍ وخبرٍ، أو آيةٍ وقياسٍ، أو خبرٍ وقياسٍ، وعلى التَّقديراتِ السِّتَّةِ فالمرجَّحُ مِن الطَّرفينِ إمَّا آيتانِ، أو خبرانِ، أو قياسانِ، أو آيةٌ وخبرٌ، أو آيةٌ وقياسٌ، أو خبرٌ وقياسٌ، فهذه سِتَّةٌ وثلاثونَ تَعارُضًا مضروبُ سِتَّةٍ في سِتَّةٍ، فحيثُ اتَّحَدَ نوعُ العاضدِ والمعضودِ مِن الطَّرفينِ كآيتينِ عَضَّدَتْهما آيتانِ، أو خبرينِ عَضَّدَهما خبرانِ، أو قياسينِ عَضَّدَهما قياسانِ رُجِّحَ أحدُ الطرفينِ ببعضِ وجوهِ التَّرجيح ممَّا سَبَقَ أو غيرِه، وحيثُ اختلفَ نوعُهما كآيةٍ وخبرٍ معَ خبرينِ أو آيتينِ، فهل يُقَدَّمُ ما اتَّحَدَ نوعُ دَلالتِه أو ما عَضَّدَتْه السُّنَّةُ سَبَقَ ما فيه. وقالَ الطُّوفِيُّ: الأضبطُ مِن هذا أنْ يُرَجَّحَ ما تُخِيِّلَ فيه زيادةُ قُوَّةٍ كائنًا مِن ذلك ما كانَ، وقد تُتَخَيَّلُ زيادةُ القوَّةِ معَ اتِّحادِ النَّوعِ واختلافِه (٣). (وَ) يُرَجَّحُ أحدُ (٤) الدَّليلَينِ (بِـ) موافقةِ (٥) (عَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ) النَّبويَّةِ، وبعملِ أهلِ الكوفةِ عندَ أبي الخَطَّابِ وغيرِه، وبما أقامَ به الصَّحابةُ إلى ظهورِ البدعِ؛ لأنَّ إطباقَ الجمِّ الغفيرِ على العملِ على أحدِ (٦) الخبَرينِ يُفيدُ تقويةً وزيادةَ ظنٍّ، فيُرَجَّحُ به كموافقةِ خبَرٍ آخَرَ، ولأنَّ اتِّفاقَ أهلِ البلدينِ

стр. 862

المذكورينِ قد اختُلِفَ في كونِه إجماعًا، فإنْ كانَ فهو مُرَجِّحٌ لا محالةَ، وإن لم يَكُنْ إجماعًا فأدنى أحوالِه أنْ يَكُونَ مُرَجِّحًا كالظَّاهرِ والقِيَاسِ وخبَرِ الواحدِ، (أَوْ) بعملِ (الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ) أي: إذا تَعارَضَ نصَّانِ وقد عَمِلَ بأحدِهما الخلفاءُ الرَّاشدون وهم أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ ﵃، رُجِّحَ على النَّصِّ الآخَرِ على الصَّحيحِ لورودِ الأمرِ باتِّباعِهم حيثُ قالَ ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١)، وقِيلَ: يُرَجَّحُ أيضًا بقولِ أبي بكرٍ وعمرَ؛ لقولِه ﵇: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» (٢). قالَ في «شرح الأصل»: وهو أقوى، وقِيلَ: يُرَجَّحُ بقولِ الصَّحابيِّ إن كانَ حيثُ مَيَّزَه النَّصُّ من أبوابِ الفقهِ، كزيدٍ في الفرائضِ مُيِّزَ بحديثِ: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ» (٣)، ومعاذٌ بحديثِ: «أَعْلَمُكُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذٌ» (٤)، وعليٌّ بحديثِ: «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» (٥). فإذا وُجِدَ نَصَّانِ أحدُهما أعمُّ، أُخِذَ بالأخصِّ فيُرَجَّحُ قولُ

стр. 863

زيدٍ في الفرائضِ على قولِ معاذٍ، وقولُ معاذٍ في الحلالِ والحرامِ على قولِ عليٍّ، وقولُ عليٍّ في القضاءِ على قولِ غيرِه؛ عملًا بالأخصِّ فالأخصِّ (١). (أَوْ أَعْلَمَ) أي: إذا كانَ بعضُ مَن عَمِلَ بأحدِ النَّصَّينِ أَعلَمَ رُجِّحَ به عندَ الأكثرِ؛ لأنَّ له مَزِيَّةً لكَوْنِه أحفظَ لمواقعِ الخللِ، وأعرفُ بدقائقِ الدَّلالةِ، (أَوْ) وَافَقَ عَمَلَ (أَكْثَرِ الأُمَّةِ) لأنَّ الأكثرَ يُوَفَّقُ للصَّوابِ ما لا يُوَفَّقُ له الأقلُّ، ومِن شرطِه ألَّا يَكُونَ المعارِضُ له يَخفَى مِثلُه عليهم. (ويُقَدَّمُ: مَا) أي: حُكمٌ (عُلِّلَ) بأنْ تَعَرَّضَ الشَّارِعُ لعِلَّةِ أحدِ الحُكمَينِ فيُقَدَّمُ على ما لم يَتَعَرَّضْ لعِلَّتِه؛ لأنَّه أفضى إلى تحصيلِ مقصودِ الشَّارِعِ؛ لأنَّ النَّفسَ له أقبلُ بسببِ تَعَقُّلِ المعنى، (أَوْ) عَلَّلَ الحُكمَينِ و (رُجِّحَتْ عِلَّتـ) أحدِ (ـهـ) ـما على الآخَرِ، فيُرَجَّحُ بذلك. (وَ) إنْ كانَ الحُكمانِ مُؤَوَّلينِ ودليلُ أحدِهما أرجحَ قُدِّمَ (مِنْ مُؤَوَّلَيْنِ: مَا دَلِيلُ تَأْوِيلِهِ أَرْجَحُ) من دليلِ تأويلِ الآخرِ؛ لأنَّ له مَزِيَّةً بذلك. (وَ) يُرَجَّحُ (عَامٌّ وَرَدَ مُشَافَهَةً) يَعني إذا عارَضَ الخطابَ العامُّ بالمُشافهةِ [على ما لم يَكُنْ بطريقِ المُشافهةِ رُجِّحَ الخطابُ بالمُشافهةِ] (٢) فيمن خُوطِبَ شفاهًا. (أَوْ) وَرَدَ عَامٌّ (عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي مُشَافَهَةٍ، وَ) في (سَبَبٍ) فيُرَجَّحُ على العامِّ المطلقِ في حُكمِ ذلك السَّببِ؛ لأنَّ العامَّ الواردَ على السَّببِ الخاصِّ كالخاصِّ بالنِّسبةِ إلى ذلك السَّببِ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ؛ لقوَّةِ دَلالتِه.

стр. 864

(وَ) يُرَجَّحُ العامُّ (المُطْلَقُ عَلَيْهِ) أي: على العامِّ الواردِ على سببٍ خاصٍّ (فِي) حُكمِ (غَيْرِهِ) أي: غيرِ السَّببِ؛ لأنَّه اختُلِفَ في عمومِ العامِّ الواردِ على سببٍ ولم يُختَلَفْ في عمومِ المطلقِ، وإذا تعارَضَ عامٌّ لم يُعمَلْ به في صورةٍ مِن الصُّورِ. (وَعَامٌّ: عُمِلَ بِهِ) ولو في صورةٍ، رُجِّحَ العامُّ الَّذِي عُمِلَ به؛ لأنَّه شاهِدٌ له بالاعتبارِ لقُوَّتِه بالعملِ، (أَوْ) تَعارَضَ عامَّانِ أحدُهما (أَمَسُّ بِمَقْصُودِهِ) وأقربُ إليه رُجِّحَ على الآخَرِ، مثلُ قولهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) يُقَدَّمُ في مسألةِ الجمعِ بينَهما في وطءِ النِّكاحِ على قولِه تَعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) فإِنَّه أمسُّ بمسألةِ الجمعِ؛ لأنَّ الآيةَ الأُولى قُصِدَ بها بيانُ تحريمِ الجمعِ بينَ الأختينِ في الوطءِ بنكاحٍ ومِلكِ يمينٍ، والثَّانيةَ لم يُقصَدْ بها بيانُ حُرمةِ الجمعِ. (وَ) يُرَجَّحُ (مَا) أي: دليلٌ (لَا يَقْبَلُ نَسْخًا) على دليلٍ يَقبَلُه؛ لأنَّه أَقوى. (أَوْ) كانَ الدَّليلُ (أَقْرَبَ إِلَى الِاحْتِيَاطِ) فيُرَجَّحُ على غيرِه. (أَوْ) كانَ أحدُ الحديثينِ (لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْضَ صَحَابِيٍّ خَبْرًا) كقهقهةٍ في صلاةٍ، فيُرَجَّحُ على ما يَستلزمُه. (أَوْ تَضَمَّنَ إِصَابَتَهُ) أي: إصابةَ النَّبِيِّ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) فيُرَجَّحُ على ما تَضَمَّنَ إصابتَه في الظَّاهرِ فقطْ؛ لأنَّه بعيدٌ عن الخطأِ، وهو أَلْيَقُ به وبحالِه ﷺ ، كما وَرَدَ في ضمانِ عليٍّ ﵁ دَيْنَ الميِّتِ،

стр. 865

وقال: هما عَلَيَّ. وأنَّه ابتداءُ ضمانٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ امتنعَ مِن الصَّلَاةِ، وكانَ وقتَ الامتناعِ مُصيبًا في امتناعِه، وكانَ مُقَدَّمًا على حَملِه على الإخبارِ عن ضمانٍ سابقٍ يَكشِفُ عن أنَّه كانَ امْتَنَعَ من الصَّلَاةِ في غيرِ موضعِه باطنًا. (أَوْ فَسَّرَهُ) أي: فَسَّرَ (رَاوِي) أَحَدِ الحديثينِ (١) (بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) دونَ راوي الآخرِ، قُدِّمَ الأوَّلُ؛ لأنَّه أعرفُ بما رَوَاه، فيَكُونُ ظَنُّ الحُكمِ به أوثقَ، كحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ في خيارِ المجلسِ، وأنَّ المرادَ بالتَّفرُّقِ تفرُّقُ الأبدانِ؛ لأنَّه فَسَّرَه بذلك لأنَّه اشتملَ على فائدةٍ زائدةٍ. (أَوْ ذَكَرَ) راوي أحدِ الحديثينِ (سَبَبَهُ) أي: سببَ الحديثِ مَعَه، فيُقَدَّمُ على ما لم يَذكُرِ الرَّاوي الآخَرُ سَبَبَه؛ لأنَّ ذِكرَ السَّببِ يَدُلُّ على زيادةِ اهتمامِ الرَّاوي بالرِّوايةِ. (أَوْ) أي: ويُرَجَّحُ مِن حديثينِ مُتعارضينِ حديثٌ (سِيَاقُهُ أَحْسَنُ) مِن سياقِ الآخَرِ؛ لأنَّه يَدُلُّ على أنَّه أَوْلى مِن غيرِه. (أَوْ مُؤَرَّخٌ بِـ) تَارِيخٍ (مُضَيَّقٍ) نحوُ أول ذي القعدةِ مِن سنةِ كذا، والآخرُ بتاريخٍ مُوَسَّعٍ، كـ: في سَنَةِ كذا لاحتمالِ كَوْنِ الآخرِ قبلَ ذي القعدةِ. (أَوْ دَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهِ) أي: تأخُّرِ أحدِ الخبَرينِ (قَرِينَةٌ) مِثْلُ تأخُّرِ إسلامِ راويه؛ إذ الآخَرُ يَجُوزُ أن يَكُونَ قد سَمِعَه قَبْلَ إسلامِه، لا سِيَّما إن عُلِمَ موتُ الآخرِ قَبْلَ إسلامِه.

стр. 866

(وَ) يُرَجَّحُ (بِتَشْدِيدِهِ) أي: تشديدِ أحدِ (١) الحديثينِ؛ لأنَّ التَّشديداتِ مُتأخِّرَةٌ؛ لأنَّها إِنَّمَا جاءَتْ حينَ ظُهورِ الإسلامِ وكَثرتِه، وعَلَتْ شَوْكَتُه. والتَّخفيفُ كانَ في أوَّلِ الإسلامِ، وخبرُ عائشةَ يَدُلُّ على ذلك، وكذا حُكْمُ ما يُشعِرُ بشوكةِ الإسلامِ. ولمَّا فَرَغَ مِن القِسمِ الأوَّلِ مِن مُرَجِّحَاتِ المنقولينِ بأنواعِه، شَرَعَ في القسمِ الثَّاني وهو: ترجيحُ المعقولينَ بأنواعِه وهو الغرضُ الأعظمُ مِن بابِ التَّراجيحِ، وفيه اتِّساعُ مجالِ الاجتهادِ، فقالَ: (المَعْقُولَانِ) أي: الدَّليلانِ المتعارضانِ المعقولانِ: (قِيَاسَانِ، أَوِ اسْتِدْلَالَانِ، فَالأَوَّلُ) منهما وهو القِيَاسانِ (يَعُودُ) التَّرجيحُ فيه (إِلَى أَصْلِهِ) أي: الأصلِ المقيسِ عليه (وَفَرْعِهِ) أي: الفرعِ المقيسِ (وَمَدْلُولِ) لفظـ (ـهِ، وَ) لِما يَنضَمُّ إليه مِن (أَمْرٍ خَارِجٍ). فهذا القسمُ أربعةُ أنواعٍ أيضًا: فَالنَّوعُ الأوَّلُ: (الأَصْلُ) وتحتَه صورٌ: أحدُها: أنْ يَكُونَ حُكمُ الأصلِ قطعيًّا فَيُرَجَّحُ (بِقَطْعِ حُكْمِهِ) على ما دليلُ أصلِه ظَنِّيٌّ، كقَوْلِنا في لِعانِ الأخرسِ: إنَّ ما صَحَّ مِن النَّاطقِ صَحَّ مِن الأخرسِ كاليمينِ، فإِنَّه أَرجَحُ مِن قياسِهم على شهادتِه تعليلًا، بأنَّه يَفتقِرُ إلى لفظِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ اليمينَ تَصِحُّ مِن الأخرسِ بالإجماعِ، والإجماعُ قَطعيٌّ بخِلافِ شهادتِه، ففي جوازِها خلافٌ.

стр. 867

(وَ) الصُّورةُ الثَّانيةُ: تَرجيحُ أحدِ (١) الأصلينِ (بِقُوَّةِ دَلِيلِهِ) لأنَّه أغلبُ على الظَّنِّ. (وَ) الثَّالثةُ: ترجيحُه (بِأَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ) باتِّفاقٍ، فإنَّ ما قيلَ بأنَّه منسوخٌ -وإن كانَ القولُ به ضعيفًا- لَيْسَ كالمتَّفقِ على أنَّه لم يُنسَخْ. (وَ) الرَّابعةُ: تَرجيحُه بكونِ حُكمِ الأصلِ (عَلَى سَنَنِ القِيَاسِ) قالَ البِرْمَاوِيُّ: والمرادُ بذلك هنا أنْ يَكُونَ فرعُه مِن جنسِ أصلِه كقياسِ ما دُونَ أرشِ المُوضِحةِ في تَحمُّلِ العاقلةِ إيَّاه، فهو أَوْلى من قياسِهم ذلك على غراماتِ الأموالِ في إسقاطِ التَّحمُّلِ؛ لأنَّ المُوضِحةَ مِن جنسِ ما اختُلِفَ فيه فكانَ على سَنَنِه؛ إذ الجنسُ بالجنسِ أشبهُ، كما يُقالُ: قياسُ الطَّهارةِ على الطَّهارةِ أَوْلى مِن قياسِها على سَترِ العورةِ. قالَ: وقد يُرادُ هنا أن يَكُونَ أحدُهما على سَنَنِ القِيَاسِ باتِّفاقٍ، والآخَرُ على رأيٍ، فيُرَجَّحُ الَّذِي باتِّفاقٍ (٢). كما قالَ العضدُ، وقَدَّمَه في «شرح الأصل» (٣)، وتَبِعَه المُصنِّفُ. (وَ) الخامسةُ: ترجيحُه (بِـ) قيامِ (دَلِيلٍ خَاصٍّ بِتَعْلِيلِهِ) أي: على تعليلِه، فإِنَّه أبعدُ مِن التَّعبُّدِ والقصورِ والخلفِ في تعليلِه، ويُرَجَّحُ ما ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُه بالإجماعِ على ما ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُه بالنَّصِّ لقبولِ النَّصِّ للتَّأويلِ بخلافِ الإجماعِ. (وَفِي قَوْلِ) الأرمويِّ والبيضاويِّ: يُرَجَّحُ (نَصٌّ فَإِجْمَاعٌ)؛ لأنَّ الإجماعَ فَرعُه.

стр. 868

(وَ) يُرَجَّحُ أحدُ (١) القِيَاسينِ: (بِقَطْعٍ بِعِلَّتِهِ) أي: الأصلِ على الظَّنِّ بها؛ لأنَّ المقطوعَ بعِلَّتِه راجحٌ على ما هو مظنونٌ، (أَوْ) بالقطعِ (بِدَلِيلِهَا) أي: بدليلِ العِلَّةِ على دليلٍ مظنونٍ، فيُرجَّحُ القِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ مَسلَكُ عِلَّتِه قطعيًّا على القِيَاسِ الَّذِي لا يَكُونُ كذلك. (أَوْ بِظَنٍّ غَالِبٍ فِيهِمَا) أي: في العِلَّةِ ودليلُها بأنْ يُرجَّحَ الظَّنُّ الغالبُ في [العِلَّةِ على الظَّنِّ غيرِ الغالبِ، وكذا الظَّنُّ الغالبُ في] (٢) دليلِ العِلَّةِ. (وَ) يُرجَّحُ القِيَاسُ الَّذِي اسْتُنبِطَ عِلَّةُ وصفِه بـ (سَبْرِ) ـه على القِيَاسِ الَّذِي اسْتُنبِطَ عِلَّةُ وصفِه بالمناسبةِ؛ لأنَّ في السَّبْرِ بيانَ المقتضى وعدمَ المعارضِ في الأصلِ، بخلافِ المناسبةِ، (فَـ) يَليه ما ثَبَتَ عِلِّيَّتُه بـ (مُنَاسَبَةٍ) فيُرَجَّحُ على الثَّابتةِ بالشَّبَهِ لزيادةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بغلبةِ الوصفِ المناسبِ، (فَـ) يَليه ما ثَبَتَ عِلِّيَّتُه بـ (شَبَهٍ) فيُرَجَّحُ على الثَّابتةِ بالدَّورانِ، (فَـ) يَليه ما ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُه بـ (دَوَرَانٍ) وقَدَّمَه بعضُهم على السَّبرِ وغيرِه مِن الطُّرُقِ الباقيةِ؛ لأنَّ الغلبةَ المستفادةَ مِنه مُطَّرِدَةٌ مُنعكِسَةٌ، بخلافِ غيرِه مِن الطُّرُقِ. والدَّورانُ قد يَكُونُ في محلٍّ واحدٍ، وهو أن يَحدُثُ حُكمٌ في مَحَلِّ الحدوثِ صِفَةً فيه، ويَنعدمَ ذلك الحُكمُ عن ذلك المَحَلِّ بزوالِ ذلك الوصفِ عنه؛ كدَوَرانِ الحُرمةِ معَ الإسكارِ في ماءِ العنبِ وجودًا وعدمًا، وقد يَكُونُ في مَحَلَّين كاستدلالِ الحنفيِّ على وجوبِ الزَّكاةِ في الحُلِيِّ بدَوَرَانِ وجوبِ الزَّكاة في الذَّهبِ وجودًا في المضروبِ وعدمًا في الثِّيابِ، والدَّورانُ

стр. 869

في مَحَلٍّ أرجحُ في العِلِّيَّةِ مِن الدَّورانِ في مَحَلَّينِ؛ لأنَّ احتمالَ الخطأِ فيه أقلُّ، أَلَا تَرى أنْ يُقطَعَ في مِثالِنا بأنَّ ما عَدَّى السُّكْرَ مِن الصِّفاتِ لَيْسَ بعِلَّةٍ، وإلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ المعلولِ عن عِلَّتِه بخلافِ ما ثَبَتَ في مَحَلَّينِ، فإِنَّه لا يُفِيدُ القطعَ بأنَّ غيرَ الذَّهبِ لَيْسَ عِلَّةً للوجوبِ لاحتمالِ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ فيه هو المجموعَ المُرَكَّبَ من كونِه ذهبًا وكونِه غيرَ مُعَدٍّ للاستعمالِ. (وَ) يُرَجَّحُ أحدُ القِيَاسينِ على الآخرِ بـ (قَطْعٍ) فيه (بِنَفْيِ الفَارِقِ) فالقِيَاسُ المقطوعُ فيه بنفيِ الفارقِ فيه بينَ الأصلِ والفرعِ راجحٌ على القِيَاسِ الَّذِي يَكُونُ نفيُ الفارقِ فيه مظنونًا (أَوْ) أي: ومثلُه القِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ نفيُ الفارقِ فيه مظنونًا (بِظَنٍّ غَالِبٍ) فيُرَجَّحُ على الَّذِي يَكُونُ نفيُ الفارقِ فيه مظنونًا بظنٍّ غيرِ غالبٍ. (وَ) يُرَجَّحُ قياسٌ العِلَّةُ فيه (وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ) وهو المَظِنَّةُ كالسَّفَرِ على التَّعليلِ بالحكمةِ (١) كالمَشَقَّةِ وعلى الوصفِ الاعتباريِّ أو الحُكميِّ كقَوْلِنا في المنيِّ: مَبْدَأُ خلْقِ البشرِ (٢) فأَشْبَهَ الطِّينَ معَ قولِهم: مائعٌ يُوجِبُ الغسلَ، فأَشْبَهَ الحيضَ. (وَ) يُرَجَّحُ ما العِلَّةُ فيه وصفٌ (ثُبُوتِيٌّ) على ما العِلَّةُ فيه عدميٌّ. (وَ) يُرَجَّحُ ما العِلَّةُ فيه وصفٌ (بَاعِثٌ) على ما هي مُجَرَّدُ أمارةٍ لظهورِ (٣) مناسبةِ الباعثِ. (وَ) تُرَجَّحُ عِلَّةٌ (ظَاهِرَةٌ، وَ) عِلَّةٌ (مُنْضَبِطَةٌ) على عِلَّةٍ خَفيَّةٍ ومضطربةٍ؛ لأجلِ الخلافِ في مُقابَلَتِها.

стр. 870

(وَ) تُرَجَّحُ عِلَّةٌ (مُطَّرِدَةٌ) على عِلَّةٍ منقوضةٍ؛ لأنَّ شرطَ العِلَّة اطِّرادُها، (وَ) تُقَدَّمُ عِلَّةٌ (مُنْعَكِسَةٌ) على غيرِ المنعكسةِ لأنَّها أكملُ؛ لأنَّ الانعكاسَ وإن لم يُفِدِ العِلَّةَ لكنَّه يُقَوِّيها. (وَ) يُقَدَّمُ عِلَّةٌ (مُتَعَدِّيَةٌ) على قاصرةٍ على الأصحِّ لكثرةِ فوائدِها، كالتَّعليلِ في الذَّهَبِ والفضَّةِ بالوزنِ، فيَتَعَدَّى الحكمُ إلى كلِّ موزونٍ كالصفرِ ونحوِها، بخلافِ التَّعليلِ بالثَّمنيَّةِ والنَّقديةِ، فلا يَتَعَدَّاهما، فكانَ التَّعليلُ بالوزنِ الَّذِي هو وصفٌ مُتَعَدٍّ لمحلِّ النَقدينِ إلى غيرِهما أكثرُ فائدةً مِن الثَّمنيَّةِ القاصرةِ عليها. (وَ) على هذا القولِ تُرَجَّحُ العِلَّةُ الَّتي هي (أَكْثَرُ تَعْدِيَةً وَأَعَمُّ عَلَى غَيْرِهَا) ممَّا هو أقلُّ فروعًا وأخصُّ، مثالُه لو قَدَّرْنا أنَّ (١) أكثرَ علَّلنا في الرِّبَا الكيلُ؛ لأنَّ عِلَّة الكيلِ حينئذٍ تَكُونُ أكثرَ فروعًا، ولو قَدَّرْنا أنَّ المطعوماتِ أكثرُ عَلَّلْنا فيه بالطَّعمِ؛ لأنَّه حينئذٍ أكثرُ فروعًا، وحينئذٍ يَصِيرُ الأقلُّ فروعًا بالإضافةِ إلى الأكثرِ فروعًا كالقاصرةِ بالإضافةِ إلى المُتعدِّيةِ. (وَإِنْ تَقَابَلَتْ عِلَّتَانِ فِي أَصْلٍ) واحدٍ؛ (فَقَلِيلَةُ أَوْصَافٍ أَوْلَى) فتُرَجَّحُ ذاتُ الوصفِ الواحدِ على ذاتِ الوصفينِ فصاعدًا على الصَّحيحِ للشَّبَهِ بالعلَّةِ العقليَّةِ؛ ولأنَّها أَجرى على الأصولِ وأسهلُ على المجتهدِ وأكثرُ فائدةً وفروعًا كشهادةِ الأصولِ. قالَ الطُّوفِيُّ: لأنَّ ذاتَ الوصفِ الواحدِ أكثرُ فُروعًا؛ لأنَّ ثُبوتَ الحُكْمِ بها على وصفٍ واحدٍ وما تَوَقَّفَ على وصفٍ واحدٍ (٢) كانَ أكثرَ فروعًا ممَّا

стр. 871

تَوَقَّفَ على وصفينِ فأكثرَ، وصارَ هذا كالطَّلاقِ والعتقِ المعلَّقِ على شروطٍ. وكذلك الأحكامُ الَّتي (١) تَثبُتُ بشاهدٍ أقربُ وقوعًا ممَّا ثَبَتَ بشاهدينِ، وما ثَبَتَ بشاهدينِ أقربُ وُقوعًا ممَّا ثَبَتَ بأربعةٍ، فالموقوفُ على الأقلِّ أكثرُ وعلى الأكثرِ أقلُّ؛ ولهذا كانَتِ الزِّيادةُ في الحدِّ نقصًا في المحدودِ، والنَّقصُ في الحدِّ زيادةً في المحدودِ، فالحيوانُ المَشَّاءُ أكثرُ مِن الإنسانِ، والحيوانُ الكاتبُ بالفعلِ أقلُّ مِن الإنسانِ (٢). (وَ) إنْ كانَتِ العلَّتانِ (مِن أَصْلَيْنِ) فأكثرَ (فَكَثِيرَتُهَا) أي: فالعِلَّةُ الكثيرةُ الأوصافِ (أَوْلَى) من قليلتِها (إِذَا كَانَتْ أَوْصَافُ كُلِّ) واحدةٍ (مِنْهُمَا) أي: مِن العِلَّتَينِ (مَوْجُودَةً فِي الفَرْعِ) على الصَّحيحِ لقوَّةِ شَبَهِه بالأكثرِ. (وَ) تُرَجَّحُ عِلَّةٌ (مُطَّرِدَةٌ فَقَطْ عَلَى) عِلَّةٍ (مُنْعَكِسَةٍ فَقَطْ) إنْ قِيلَ بصِحَّةِ المنعكسةِ؛ لأنَّ اعتبارَ الاطِّرادِ مُتَّفقٌ عليه وضعفُ الثَّانيةِ بعدمِ الاطِّرادِ أشدُّ مِن ضعفِ الأُولى بعدمِ الانعكاسِ. قالَ الطُّوفِيُّ: وتحقيقُ هذه أنَّ غيرَ المُطردةِ وهي المنتقضةُ بصورةٍ فأكثرَ إن لم نَقُلْ بصِحَّتِها لم تُعارِضِ المُطَّرِدةَ حَتَّى تَحتاجَ إلى التَّرجيحِ، وتَكُونُ كالخبرِ الضَّعيفِ معَ الصَّحيحِ، وإنْ قُلْنا بصِحَّتِها فاجتمعتْ هي والمُطَّردةُ فالمُطَّردةُ راجحةٌ؛ لأنَّ ظنَّ العِلِّيَّةِ فيها أغلبُ، ولأنَّها مُتَّفقٌ عليها، والمنتقضةُ مُختلَفٌ فيها، فهما كالعامَّينِ إذا خُصَّ أحدُهما دونَ الآخرِ كانَ الباقي على عمومِه راجحًا. وقالَ: قد سَبَقَ أنَّ اطِّرادَ العِلَّةِ هو وجودُ الحُكمِ بوجودِها حيثُ وُجِدَتْ،

стр. 872

وانعكاسُها هو انتفاءُ الحُكمِ لانتفائِها، وسَبَقَ أيضًا أنَّ انعكاسَ العِلَّةِ هل هو شرطٌ في صِحَّتِها أم لا؟ فإنْ لم يُشتَرَطِ العكسُ لم تُرَجَّحِ المنعكسةُ على غيرِ المنعكسةِ؛ لأنَّ المشتركَ بينَهما في شرطِ الصِّحَّةِ هو الاطِّرادُ وهو موجودٌ، والانعكاسُ غيرُ مشتَرَطٍ، فوجودُه كالعدمِ وهو كالإخوةِ مِن الأمِّ معَ الإخوةِ مِن الأبِ في ولايةِ النِّكاحِ. وإنْ شَرَطْنا انعكاسَ العِلَّةِ رَجَحَتِ المنعكسةُ على غيرِها؛ لأنَّ انتفاءَ الحُكمِ عندَ انتفائِها يَدُلُّ على زيادةِ اختصاصِها بالتَّأثيرِ فتَصيرُ كالحدِّ معَ المحدودِ يُقدَّمُ المنعكسُ فيه على غيرِه وكالعلَّةِ العقليَّةِ معَ المعلولِ، كالتَّسويدِ معَ الاسودادِ. [(وَمُنَاسَبَةٌ عَلَى شَبَهَيْهِ)] (١) فكانَت المُشَبَّهَةُ لها من العللِ الشَّرعيَّةِ أَوْلى، وصارَ انعكاسُها على هذا كإخوةِ الأمِّ معَ إخوةِ الأبِ في بابِ الميراثِ يُرَجَّحُ بها دَلالتُه على أخصِّيَّةِ القرابةِ (٢). (وَ) إذا تعارَضَ أقسامٌ مِن المناسبةِ قُدِّمَتِ (المَقَاصِدُ الضَّرُورِيَّةُ) الخمسةُ الَّتي هي: حفظُ الدِّينِ، والنَّفْسِ، والعقلِ، والنَّسلِ، والمالِ (عَلَى غَيْرِهَا) مِن حاجيٍّ أو تحسينيٍّ، وتَقَدَّمَتْ في المسلكِ الرَّابعِ مِن مسالكِ العِلَّةِ. (وَ) يُقَدَّمُ (مُكَمِّلُهَا) أي: مُكَمِّلُ الخمسةِ مِن الضَّروريَّةِ (عَلَى) أصلِ (الحَاجِيَّةِ، وَ) تُقَدَّمُ (هِيَ) أي: المصلحةُ الحاجيَّةُ (عَلَى التَّحْسِينِيَّةِ، و) إذا تعارَضَ بعضُ الخمسِ الضَّروريَّةِ قُدِّمَ منها (حِفْظُ الدِّينِ: عَلَى بَاقِي الضَّرُورِيَّةِ) لأنَّه المقصودُ الأعظمُ؛ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ

стр. 873

إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)، ولأنَّ ثمرتَه نيلُ السَّعادةِ الأُخرويَّةِ؛ لأنَّها أكملُ الثَّمراتِ، ثمَّ مصلحةُ النَّفسِ؛ لأنَّ البقيَّةَ لأجلِها، وبها مُحَصِّلُ العباداتِ، ثمَّ النَّسَبُ بعدَها لشِدَّةِ تعلُّقِه ببقائِها لبقاءِ الولدِ لا مُرَبِّيَ له فيُؤدِّي إلى هلاكِه، ثمَّ العقلُ بعدَه لفواتِ النَّفسِ بفواتِه، ولأنَّ به التَّكليفَ، ثمَّ المالُ. (وَ) يُقَدَّمُ (مَا) أي: قياسٌ (مُوجِبُ نَقْضَِ عِلَّتِهِ: مَانِعٌ، أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ) على ما مُوجبِه ضعيفٌ؛ لأنَّ قوَّةَ موجبِ النَّقضِ دليلٌ على قوَّةِ العِلَّةِ المنقوضةِ. (أَوْ) موجبُ نقضِ عِلَّتِه (مُحَقَّقٌ) أي: يُقَدَّمُ على ما موجبُ نقضِ عِلَّتِه محتملٌ؛ لأنَّ المحقَّقَ أقوى مِن المحتملِ فيُقَدَّمُ القويُّ. والمحقَّقُ (عَلَى مَا) أي: على قياسٍ (مَوجِبُهُ ضَعِيفٌ أَوْ مُحْتَمَلٌ). (و) يُرَجَّحُ القِيَاسُ (بِانْتِفَاءِ مُزَاحِمِهَا) أي: مزاحِمِ عِلَّتِه (فِي أَصْلِهَا) على ما لم يَنتفِ مزاحمُ عِلَّتِه فيه؛ لأنَّ انتفاءَ مزاحمِ العِلَّةِ يُفيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بالعِلَّةِ، (وَ) يُرَجَّحُ القِيَاسُ (بِرُجْحَانِهَا) أي: العِلَّةِ (عَلَيْهِ) أي: على مُزاحِمِها على ما لا (٢) تَكُونُ عِلَّتُه راجحةً على مُزاحِمِها لقُوَّتِه برجحانِ عِلَّتِه. (وَ) يُرَجَّحُ أحدُ القِيَاسَينِ (بِقُوَّةِ مُنَاسَبَةٍ) عِلَّتُه بأنْ يَكُونَ أَفْضى إلى مَقْصُودها أو لا يُناسِبُ نَقيضَه؛ لأنَّ قوَّةَ المناسبةِ يُفِيدُ قُوَّةَ ظنِّ العِلِّيَّةِ. (وَ) يُرَجَّحُ أحدُ القِيَاسينِ على الآخَرِ بعِلَّةٍ (مُقْتَضِيَةٍ لِثُبُوتِ) الاحتياطِ؛ لأنَّ المقتضيةَ للثُّبوتِ تُفيدُ حُكمًا شرعيًّا لم يُعلَمْ بالبراءةِ الأصليَّةِ، وما فائدتُه شرعيَّةٌ راجحٌ على غيرِه، وقِيلَ: يُرَجَّحُ بعِلَّةٍ نافيةٍ لتتمَّةِ مُقتضاها

стр. 874

بتقديرِ رُجحانِها وبتقديرِ مُساواتِها، ولتأبيدِها بالأصلِ والحُكمِ إِنَّمَا يُطلَبُ للحكمةِ، والشَّارِعُ يُحَصِّلُها بالحُكمِ وبنَفْيِه. (وَ) يُرَجَّحُ القِيَاسُ بعِلَّةٍ (عَامَّةٍ لِلْمُكَلَّفِينَ) أي: الَّذِي تَكُونُ عِلَّتُه [مُتَضَمِّنةً لمصلحةِ عُمومِ المُكَلَّفينَ على القِيَاسِ الَّذِي تَكُونُ عِلَّتُه] (١) جامعةً لبعضِ المُكَلَّفينِ لكثرةِ الفائدةِ. (وَ) تُقَدَّمُ عِلَّةٌ (مُوجِبَةٌ لِحُرِّيَّةٍ) على مُقتضيةٍ لرقٍّ على الأصحِّ. (وَ) عِلَّةٌ (حَاظِرَةٌ) أي: الَّتي (٢) تُوجِبُ الحظرَ أَوْلى؛ لأنَّها أحوطُ فهي مُقدَّمةٌ على الَّتي تُوجِبُ الإباحةَ. (وَ) تُقَدَّمُ عِلَّةٌ (لَمْ يُخَصَّ أَصْلُهَا) وهي عامَّةُ الأصلِ، بأنْ تُوجَدَ في جميعِ جُزئيَّاتِه؛ لأنَّها أكثرُ فائدةً ممَّا لا تَعُمُّ، كالطَّعمِ فيمَن يُعَلِّلُ به في بابِ الرِّبَا، فإِنَّه موجودٌ في البُرِّ مثلًا قليلِه وكثيرِه، بخلافِ القوتِ عندَ الحنفيَّةِ، فلا يُوجَدُ في قليلِه فجَوَّزُوا (٣) بيعَ الحِفنةِ منه بالحفنتَينِ. (أَوْ لَمْ يَسْبِقْهَا حُكْمُهَا) بأنْ وُجِدَ حُكْمُها مَعَها، فتُقَدَّمُ على عِلَّةٍ حُكْمُها موجودٌ قَبْلَها؛ لأنَّ وُجودَ الحُكمِ مَعَها يَدُلُّ على تأثيرِها فيه كتعليلِ أصحابِنا في المبتوتةِ: أجنبيَّةٌ فلا نَفَقَةَ لها كالمنقضيةِ العِدَّةِ، ويُعَلِّلُ الخصمُ بأنَّها مُعتَدَّةٌ مِن طلاقٍ أَشْبَهَتِ الرَّجعيَّةَ فعِلَّتُنا أَولى؛ لأنَّ الحُكْمَ وهو سقوطُ النَّفَقَةِ وُجِدَ بوُجودِها، وقَبْلَ أن تصيرَ أجنبيَّةً كانَتِ النَّفَقَةُ واجبةً وعِلَّتُهم غيرُ مؤثِّرةٍ؛ لأنَّ وجوبَ النَّفَقَةِ يَجِبُ للزَّوجةِ قَبْلَ أن تَصِيرَ مُعتَدَّةً عن طلاقٍ، فوَجَبَ لها النَّفَقَةُ.

стр. 875

(أَوْ وُصِفَتِ) العِلَّةُ (بِـ) حُكمٍ (مَوْجُودٍ فِي الحَالِ) فيُقَدَّمُ على عِلَّةٍ موصوفةٍ بحُكمٍ يَجُوزُ وجودُه في ثاني الحالِ، كتعليلِ أصحابِنا في رهنِ المشاعِ أنَّه عينٌ يَصِحُّ بيعُها، فصَحَّ رَهنُها كالمفردِ، وتعليلُ الخصمِ بأنَّه قارنَ العقدَ مَعنًى يُوجِبُ استحقاقَ رفعِ يدِه في ثاني (١) الحالِ، فعِلَّتُنا مُحَقَّقةُ الوجودِ، وما ذُكِرَ مِن عِلَّتِهم يَجُوزُ أن يُوجَدَ، ويَجُوزُ ألَّا يُوجَدَ، فكانَتْ أَوْلى. (أَوْ عَمَّتْ) أي: اسْتَوْعَبَتِ العِلَّةُ (مَعْلُولَهَا) فتُقَدَّمُ على عِلَّةٍ لم تَسْتَوْعِبْه، كقياسِنا في جريانِ القِيَاسِ بينَ الرَّجُلِ والمرأةِ في الأطرافِ بأنَّ مَن أَجْرَى القِيَاسَ بينَهما في النَّفسِ أَجْرَاه في الأطرافِ كالحُرَّينِ على قولِ الخصمِ: مُختلفانِ في بدلِ النَّفسِ كمسلمٍ معَ مُستأمَنٍ، فإِنَّه لا تَأثيرَ لقولِه أنَّ العبدينِ ولو تَسَاوَيَا في القيمةِ لا يَجري القِيَاسُ بينَهما في الأطرافِ عندَه. (وَ) تُقَدَّمُ عِلَّةٌ (مُفَسَّرَةٌ) بفتحِ السِّينِ على عِلَّةٍ مُجمَلَةٍ، كقياسِنا في الأكلِ في رمضانَ أنَّه لا كَفَّارَة فيه؛ لأنَّه إفطارٌ بغيرِ مباشرةٍ، فأشبهَ لو ابتلعَ حصاةً، أَوْلَى مِن قِياسِهم: أَفْطَرَ بمُسَوِّغِ جِنسِه؛ لأنَّ المفسَّرَ في الكتابِ والسُّنَّةِ مُقَدَّمٌ على المُجمَلِ، وكذا في المستنبَطِ فهذه الثَّلاثةُ ذَكَرَها في «التَّمهيد» (٢) وغيرِه، فتُقَدَّمُ هي وما ذُكِرَ قَبْلَها (عَلَى ضِدِّهِنَّ) كما شَرَحْناه، واللهُ أعلمُ. النَّوعُ الثَّاني مِن القسمِ الثَّاني الَّذِي يَقَعُ التَّرجيحُ فيه بينَ مَعقولينِ: (الفَرْعُ) ويَحصُلُ بترجيحِ القِيَاسِ بحَسَبِه مِن وجوهٍ بمشاركةِ الفرعِ الأصلَ في معنًى أخصَّ، ويُرَجَّحُ على ما هو مشاركٌ في معنًى أعمَّ مِن ذلك الأخصِّ.

стр. 876

(وَيَقْوَى ظَنٌّ بِمُشَارَكَةٍ فِي أَخَصَّ وَيَبْعُدُ (١) الفرعُ (عَنِ الخِلَافِ فَيُقَدَّمُ): فرعٌ (مُشَارِكٌ) لأصلِه (فِي عَيْنِ الحُكْمِ، وَ) عينِ (العِلَّةِ) على الثَّلاثةِ، وهي ما يَكُونُ فرعُه مشاركًا لأصلِه في عينِها وجنسِه، وفي عينِه وجنسِها، وفي جِنسِهما؛ لأنَّ التَّعْدِيَةَ باعتبارِ الاشتِراكِ في المعنى الأخصِّ يَكُونُ أَغلَبَ على الظَّنِّ مِن الاشتِراكِ في المعنى الأعمِّ. (فَـ) يَلي ما تَقَدَّمَ فرعٌ مشاركٌ لأصلِه (فِي عَيْنِهَا) أي: العِلَّةِ (وَجِنْسِهِ) أي: الحُكمِ؛ لأنَّ العِلَّةَ أصلُ الحُكمِ المُتَعَدِّي، فاعتبارُ ما هو معتبرٌ في خصوصِ العِلَّةِ أَوْلَى مِن اعتبارِ ما هو مُعتَبَرٌ في خصوصِ الحُكمِ، (فَـ) يلي ما تَقَدَّمَ فرعٌ مشاركٌ للأصلِ (فِي عَيْنِه) أي: الحُكمِ (وَجِنْسِهَا) أي: العِلَّةِ، فيُقَدَّمُ على مشاركٍ في جنْسِهما (٢)؛ لأنَّ المشاركَ في عينِ أَحدِهما أَوْلى؛ لأنَّه أخصُّ (فَـ) يَلي ذلك الفرعُ المشاركُ (فِي جِنْسِهِمَا) أي: العِلَّةِ والحُكمِ. (وَ) يُرَجَّحُ قياسٌ (بِقَطْعِ عِلَّةٍ فِي فَرْعِـ) ـه على قياسٍ عِلَّةُ فرعِه مَظنونةٌ. (وَ) يُرَجَّحُ فرعٌ (بِتَأَخُّرِهِ) عن الأصلِ في الرُّتبةِ على فرعٍ يُساوي الأصلَ فيها؛ لأنَّ الفرعَ وإنْ كانَ مُتَأَخِّرًا عن زمنِ الأصلِ لا تَمتنعُ مُساواتُه له في الرُّتبةِ والواجبِ لفرعيَّةِ الفرعِ، إِنَّمَا هو التَّأخيرُ عنه باعتبارِ الرُّتبةِ لا مُطلقًا بل بالنِّسبةِ إلى ذلك الحُكمِ الَّذِي أُريدَ تُعدِيَتُه إليه. (وَ) يُرَجَّحُ حُكمُ الفرعِ (بِثُبُوتِهِ بِنَصٍّ) على ما لم يَثبُتْ حُكمُ الفرعِ فيه بالنَّصِّ، وقولُه: (جُمْلَةً) لأنَّه لو ثَبَتَ حُكمُ الفرعِ بالنَّصِّ على سبيلِ التَّفصيلِ لم يَكُنْ ثابتًا بالقِيَاسِ.

стр. 877

النَّوعُ الثَّالثُ مِن القسمِ الثَّاني الَّذِي يَقَعُ التَّرجيحُ فيه بينَ معقولينِ: (المَدْلُولُ) وهو حُكمُ الفرعِ. (وَ) النَّوعُ الرَّابعُ منه: (أَمْرٌ خَارِجٌ) ويَقَعُ التَّرجيحُ فيهما (كَمَا مَرَّ فِي) الدَّليلَينِ (المَنْقُولَيْنِ) على ما تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا. (وَ) تُرَجَّحُ (عِلَّةٌ وَافَقَهَا: خَبَرٌ ضَعِيفٌ) كحديثِ ابنِ لهيعةَ وجابرٍ الجُعفيِّ، فكانَ أحمدُ رَحِمَه اللهُ تَعَالَى يَكتُبُ حديثَهما، فيُقالُ له في ذلك، فيَقُولُ: أَعرِفُه أَعتبِرُ به، كأنِّي أستدلُّ به معَ غيرِه. يَعني يَصِيرُ حُجَّةً بالانضمامِ لا منفردًا، ويَقُولُ: يُقَوِّي بعضُها بعضًا. (أَوْ) وافقَ العِلَّةَ (قَوْلُ صَحَابِيٍّ) وإن لم نَجعَلْه حُجَّةً. (أَوْ) وافَقَها (مُرْسَلُ غَيْرِهِ) أي: غيرِ الصَّحابيِّ؛ لأنَّ المرسلَ يُرَجَّح به أحدُ (١) الدَّليلَينِ فكذلك في العِلَّةِ، وهذا كلُّه على الصَّحيحِ. ولَمَّا فَرَغَ من الدَّليلَينِ المنقولينِ والمعقولينِ شَرَعَ في القسمِ الثَّالثِ وهو ترجيحُ المنقولِ والمعقولِ، فقالَ: (المَنْقُولُ وَالقِيَاسُ) فإذا وَقَعَ التَّعَارُضُ بينَ القِيَاسِ والمنقولِ الَّذِي هو الكتابُ والسُّنَّةُ، فإِنَّه (يُرَجَّحُ) منقولٌ (خَاصٌّ) إنْ (دَلَّ) على المطلوبِ (بِنُطْقِهِ) لكونِ المنقولِ أصلًا بالنِّسبةِ إلى القِيَاسِ؛ لأنَّ المنقولَ مُقَدِّمَاتُه أقلُّ، فيَكُونُ أقلَّ خَلَلًا، (وَإِلَّا) بأنْ كانَ المنقولُ خاصًّا ودلَّ على المطلوبِ لا بنُطقِه (فَـ) هو يَقَعُ على درجاتٍ؛ لأنَّ الظَّنَّ الحاصلَ مِن المنقولِ الَّذِي دَلَّ على المطلوبِ لا

стр. 878

بمنطوقِه (مِنْهُ ضَعِيفٌ، وَ) منه (قَوِيٌّ، وَ) منه (مُتَوَسِّطٌ، فالتَّرجيحُ فيه بحَسَبِ ما يَقَعُ للنَّاظرِ)، فله أنْ يَعتبِرَ الظَّنَّ منه، ومن القِيَاسِ، ويَأْخُذَ بأقوى الظَّنَّينِ وإنْ كانَ المنقولُ عامًّا. قالَ في «شرح الأصل»: فحُكمُه قد تَقَدَّمَ الكلامُ عليه في بابِ الخبرِ، يَعني في النَّوعِ الثَّاني من القِسمِ الأوَّلِ في التَّرجيحِ بينَ مَنقولينِ (١). وقالَ الطُّوفِيُّ: إذا تعارَضَ القِيَاسُ والعامُّ المخصوصُ فالتَّرجيحُ مبنيٌّ على ما سَبَقَ مِن أنَّ العامَّ المخصوصَ يَبقى حُجَّةً وحقيقةً في الباقي أم لا؟ إنْ قُلْنا: يَبْقَى حُجَّةً قُدِّمَ على القِيَاسِ، مثالُه: قولُه تَعالى: ﴿أُحِلَّ (٢) لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣) عامٌّ مخصوصٌ بالخمرِ ونَحوِها مِن الطَّيِّباتِ المُحَرَّمةِ، وما بَقِيَ منه يَتَناوَلُ لحمَ الخيلِ، فيَكُونُ حلالًا، وقياسُها على البغالِ بجامعِ الصُّورةِ والولادةِ والاقتِرانِ بها في قولِه تَعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (٤) يَقتضي تحريمَها، فأيُّهما يُقَدَّمُ؟ فيه الخلافُ المُتقدِّمُ (٥). انتهى كلامُ الطُّوفِيِّ.

стр. 879

(خَاتِمَةٌ) قد ذَكَرَ كثيرٌ مِن العلماءِ التَّراجيحَ في الحدودِ، وهي قسمانِ: عقليَّةٌ، وسمعيَّةٌ؛ أي: شرعيَّةٌ، فالعقليَّةُ: هي تعريفُ الماهيَّاتِ، وليسَتْ مقصودةً هنا، إِنَّمَا المقصودُ هنا الحدودُ الشَّرعيَّةُ، وهي حدودُ الأحكامِ الظَّنِّيَّةِ المفيدةِ لمعانٍ مفردةٍ تصوُّريَّةٍ؛ وذلك لأنَّ الأماراتِ المُفضيةَ إلى التَّصديقاتِ كما يَقَعُ التَّعَارُضُ فيها ويُرَجَّحُ بعضُها على بعضٍ [كذلك الحدودُ السَّمعيَّةُ يَقَعُ التَّعَارُضُ فيها ويُرَجَّحُ بعضُها على بعضٍ] (١). واعلَمْ أنَّ التَّرجيحَ في الحدودِ السَّمعيَّةِ تارةً يَكُونُ باعتبارِ اللَّفظِ، وتارةً يَكُونُ باعتبارِ المعنى، وتارةً يَكُونُ باعتبارِ أمرٍ خارجٍ. فَـ (يُرَجَّحُ) باعتبارِ اللَّفظِ (مِنْ حُدُودٍ سَمْعِيَّةٍ ظَنِّيَّةٍ مُفِيدَةٍ لِمَعَانٍ مُفْرَدَةٍ تَصَوُّرِيَّةٍ): لفظٌ (صَرِيحٌ) على حدٍّ فيه تجوُّزٌ، أو استعارةٌ، أو اشتراكٌ، أو غرابةٌ، أو اضطرابٌ، إنْ قُلْنا: إنَّ التَّجوُّزَ والاستعارةَ والاشتِراكَ تَكُونُ في الحدودِ. (وَ) يُرَجَّحُ باعتبارِ المعنى بكونِ المعرَّفِ مِن أحدِ (٢) التَّعريفينِ (أَعْرَفَ) مِن الآخرِ. (وَ) يُرَجَّحُ بكونِ مدلولِ أحدِهما (أَعَمَّ) من (٣) مدلولِ الآخَرِ، فيُرَجَّحُ الأعمُّ ليَتَناوَلَ الأخصَّ وغيرَه، فتَكثُرُ الفائدةُ.

стр. 880

(وَ) يُرجَّحُ تعريفٌ (ذَاتِيٌّ) على عَرَضِي؛ لأنَّ التَّعريفَ به يُفِيدُ كُنْهَ الحقيقةِ بخلافِ العرضيِّ. (وَ) يُقَدَّمُ (مِنْ هَذَا) التَّعريفِ الذَّاتِيِّ: (حَقِيقِيٌّ تَامٌّ، فَـ) حقيقيٌّ (نَاقِصٌ، فَـ) يلي هذا التَّعريفَ (رَسْمِيٌّ كَذَلِكَ) أي: تامٌّ فناقصٌ، (فَـ) تعريفٌ (لَفْظِيٌّ) على ما تَقَدَّمَ بيانُه في المقدِّمَةِ. (وَ) يُرَجَّحُ باعتبارِ أمرٍ خارجٍ (بِمُوَافَقَةِ) نقلٍ سمعيٍّ أو لُغَوِيٍّ، (أَوْ) بِـ (مُقَارَبَةِ نَقْلٍ سَمْعِيٍّ) أي: شرعيٍّ (أَوْ لُغَوِيٍّ) على ما لا يَكُونُ كذلك؛ لأنَّ النَّقلَ لو كانَ لمناسبةٍ فالأقربُ أَوْلى، (أَوْ) أي: ويُرَجَّحُ أحدُ التَّعريفينِ بكونِه مُوافِقًا لـ (عَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ، أَوْ) عملِ أحدِ (الخُلَفَاءِ) الرَّاشِدِينَ وهم أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عنهم أجمعينَ، (أَوْ) موافقًا لعملِ (عَالِمٍ) واحدٍ لحصولِ القُوَّةِ بذلك، فيَحصُلُ التَّرجيحُ، ويُرَجَّحُ أحدُ التَّعريفينِ على الآخَرِ برجحانِ طريقِ اكتسابِه بأنْ كانَ طريقُ اكتسابِه قطعيًّا والآخَرُ ظَنِّيًّا أو اكتسابِ أَحدِهما أَرْجَحَ مِن طريقِ اكتسابِ الآخَرِ. (وَبِكَوْنِ طَرِيقِ تَحْصِيلِهِ أَسْهَلَ أَوْ أَظْهَرَ) مِن طريقِ الآخرِ، فيُقَدَّمُ على غيرِه؛ لأنَّه أَفْضى إلى مقصودِ التَّعريفِ وأغلبُ على الظَّنِّ. (و) يُرَجَّحُ أحدُ التَّعريفينِ (بِتَقْرِيرٍ) أي: بكونِه مُقَرِّرًا لـ (حُكْمِ حَظْرٍ) على ما كانَ مُقَرِّرًا لحكمِ إباحةٍ (أَوْ نَفْيٍ) أي: يُرَجَّحُ على مُقرِّرٍ لحُكمِ إثباتٍ (أَوْ دَرْءِ حَدٍّ) بأنْ يَلْزَمَ مِن العملِ به دَرءُ الحدِّ دونَ الآخرِ، فيُرَجَّحُ عليه، (أَوْ) يَلْزَمَ مِن العملِ بِه (ثُبُوتُ عِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ، وَنَحْوِهِ) فيُرَجَّحُ على ما لا يَلْزَمُ مِن العملِ به ذلك.
следующие страницы →