← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 251

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 041 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وأنواعها وأحكامها وبيان وجوب (١) تعلّقها بالإله الحقّ دون ما سواه، وقد ذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه (٢). ومما يوضح ذلك ويزيده تقريرًا أنَّ المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرٌ ولا عطاءٌ ولا منع، بل ربُّه سبحانه الذي خلَقه، ورزقَه، وبصَّره، وهداه، وأسبغَ عليه نِعَمه، وتحبَّب إليه بها مع غناه عنه، ومع تبغُّض العبدِ إليه بالمعاصي مع فقره إليه. فإذا مسَّه اللَّه بِضُرٍّ فلا كاشف له إلا هو، وإذا أصابه بنعمةٍ فلا راد لها ولا مانع؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس/ ١٠٧]. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر/ ٢]. فالعبدُ لا ينفع ولا يضرّ ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن اللَّه، فالأمر كله للَّه أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، هو مقلِّب القلوب ومصرِّفها كيف يشاء،

стр. 212

المتفرِّد بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، والخفض والرفع ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود/ ٥٦]، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف/ ٥٤]. وهذا الوجه أظهرُ (١) لعموم الناس من الوجه الأوَّل، ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأوَّل. لكن من تدبَّر القرآن تبين له أنَّ اللَّه سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الأوَّل (٢). فهذا الوجه يقتضي التوكلَ على اللَّه، والاستعانة به، والدعاء له، ومسألته دون ما سواه. ويقتضي أيضًا محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده، وإسباغ نعمه عليه؛ فإذا عبده وأحبَّه وتوكَّل عليه من هذا الوجه دخل في الوجه الأوَّل. وهذا كمن (٣) نزل به بلاءٌ عظيم وفاقة شديدة أوخوف مقلِق، فجعل يدعو اللَّه ويتضرع إليه، حتَّى فتح له من لذيذ مناجاته له وباب الإيمان به (٤) والإنابة إليه ما (٥) هو أحبُّ إليه من تلك الحاجة التي قصدها أوَّلًا، لكنَّه لم يكن يعرف ذلك أوَّلًا حتّى يطلبه ويشتاقَ إليه، فعرَّفه إيَّاه بما أقامه له من الأسباب التي أوصلته إليه. والقرآن مملوءٌ من ذكر حاجة العباد (٦) إلى اللَّه دون ما سواه، ومن

стр. 213

ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذّات، وليس عند المخلوق شيء من هذا. فهذا الوجه يحقق التوكل على اللَّه، والشكر له، ومحبته على إحسانه. وممَّا يوضح ذلك ويقوّيه أنّ تعلّق (١) العبد بما سوى اللَّه مضرَّةٌ عليه، إذا أخذَ منه القدرَ الزائد على حاجته المعينة له على عبودية اللَّه، ومحبته، وتفريغ قلبه له. فإنَّه إن نالَ من الطعام والشراب فوق حاجته (٢) ضرَّه أو أهلكه، وكذلك من النكاح واللباس. وإن أحبَّ شيئا بحيث يخالِله فلا بُدَّ أن يسأمه أو يفارقه، فالضررُ حاصلٌ له إن وُجد أو فُقِدَ، فإن فُقِدَ تعذب بالفراق وتألم، وان وُجدَ فإنهُ يحصل له من الألم أكثر ممَّا يحصل له من اللذة. وهذا أمرٌ معلومٌ بالاعتبار والاستقراء أن كلَّ من أحب شيئًا دون اللَّه لغير اللَّه، فإنَّ مضرته أكثرُ من منفعته، وعذابَه به (٣) أعظمُ من نعيمه. يزيدُ (٤) ذلك إيضاحًا أنَّ اعتمادَه على المخلوق وتوكُّلَه عليه يُوجب له الضررَ من جهته، فإنَّه يُخْذَل من تلك الجهة. وهذا أيضًا معَلوم بالاعتبار والاستقراءِ. فإنَّه (٥) ما علَّق العبدُ رجاءه وتوكلَه بغير اللَّه إلا خابَ من تلك الجهة، ولا استنصرَ بغيره إلا خُذِلَ. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا

стр. 214

سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم/ ٨١، ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]. وقال تعالى عن إمام الحنفاء إنَّه قال للمشركين: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت/ ٢٥]. ولمَّا كان غايةُ صلاحِ العبدِ في عبادة اللَّه وحدَه، واستعانته به (١) وحده كان في عبادة غيره والاستعانة بغيره غايةُ مضرته. وممَّا يوضح الأمرَ في ذلك ويبينه أنَّ اللَّه سبحانه غني حميد، كريم رحيم، فهو محسِن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعةٍ إليه سبحانه ولا لدفع مضرَّة، بل رحمةً وإحسانًا وجودًا محضًا. فإنه رحيم لذاته، محسن لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته؛ كما أنَّهُ غني لذاته، قادر لذاته، حيٌّ لذاته. فإحسانه وجوده وبرّه ورحمته من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك، كما أنَّ حياته (٢) وقدرته وغناه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك. وأما العباد فلا يتصوَّر أن يُحسِنوا إلا لحظوظهم، فأكثرُ ما عندهم للعبد أن يحبوه، ويعنهموه، ويجلبوا (٣) له منفعةً، ويدفعوا عنه مضرَّة. وذلك من تيسير اللَّه وإذنه لهم به، فهو في الحقيقة وليّ هذه

стр. 215

النعم (١) ومُسْدِيها ومُجرِيها على أيديهم. ومع هذا فإنَّهم لا يفعلون ذلك إلا لحظوظهم من العبد، فإنهم إذا أحبوه طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواءٌ أحبوه لجماله الباطن أوالظاهر. فإذا أحبوا الأنبياء والأولياءَ، وطلبوا (٢) لقاءهم، فهم يحبون التمتع برؤيتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك. وكذلك من أحب إنسانًا لشجاعته أو رياسته أو جماله أو كرمه، فهو يحب أن ينال حظه من تلك المحبة، ولولا التذاذه بها لما أحب ذلك. وإن جلبوا له منفعةً كخدمةٍ ومالٍ (٣)، أو دفعوا عنه مضرَّةً كمرض وعدوّ -ولو بالدعاء- فهم يطلبون العوض إذا لم يكن العمل للَّه. فأجناد الملوك، وعبِيدُ المالِك (٤)، وأُجَراء المستأجرِ، وأعوانُ الرئيس كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، ولا يعرج أكثرُهم على قصد منفعة المخدوم إلا أن يكون قد عُلم وهُذِّبَ من جهة أخرى، فيدخل ذلك في الجهة الدينية، أو يكون فيه طبعُ عدل وإحسان من باب المكافأة والرحمة؛ وإلا فالمقصودُ بالقصد الأول هو منفعة نفسه. وهذا من حكمة اللَّه التي أقام بها مصالح خلقه، إذ قسَّم بينهم معيشتَهم في الحياة الدنيا، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا (٥).

стр. 216

فصل إذا تبيَّن هذا ظهر أنَّ أحدًا من المخلوقين لا يقصد منفعتَك بالقصد الأوَّل، بل إنَّما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدلَ، فإذا دعوتَه فقد دعوتَ من ضرُّه أقربُ من نفعه. وأمَّا الربُّ ﵎ فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها. فتدبَّرْ هذا حقَّ التدبُّر وراعِه حق المراعاة، فملاحظتُه تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك، فإنَّه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأوَّل، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلًا أو آجلًا، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه. فتأمَّل ذلك، فإنَّ فيه منفعةً عظيمةً، وراحة، ويأشا من المخلوقين، وسدًّا (١) لباب عبوديتهم، وفتحًا لباب عبودية اللَّه وحده. فما أعظمَ حظَّ من عرفَ هذه المسألة ورعاها حقَّ رعايتها! ولا يحملنَّك هذا على جفوة النَّاس، وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم، بل أحْسِن إليهم للَّه لا لرجائهم، فكما لا تَخَفْهم فلا ترجُهم (٢). وممَّا يبين ذلك أنَّ غالبَ الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك، وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإنَّ صاحبَ الحاجة أعمى (٣) لا يرى إلا قضاءَها.

стр. 217

فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجاتهم (١)، بل لو كان فيها هلاكُ دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك. وهذا إذا تدبره العاقل علم أنَّه عداوة في صورة صداقة، وأنَّهُ لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة. فهم يريدون أن يُصَيِّروك (٢) كالكِير، تنفخ بطنَك وتعصر أضالعَك (٣) في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلُك لجزَرُوك كما يجزُرون الشاة! وكم يذبحونك كلَّ وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرًا ومعبرًا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر. وكم بعتَ آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمتَ! وكم بعتَ حظَّك من اللَّه بحظوظهم منك، ورُحْتَ صفر اليدين! وكم فوتوا عليك من مصالح الدَّارين، وقطعوك عنها، وحالوا بينك وبينها؛ وقطعوا عليك (٤) طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دُعِيتَ إليها، وقالوا: نحن أحبابك، وخدمك، وشيعتك، وأعوانك، والساعون في مصالحك؛ وكذبوا! واللَّه إنْ هم إلا أعداء (٥) في صورة أولياءَ، وحربٌ في صورة مسالمين، وقُطّاع طريق في صورة أعوان. فواغوثاه ثمَّ واغوثاه (٦) باللَّه الذي يغيث ولا يغاث! ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ

стр. 218

فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن/ ١٤]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون/ ٩]. فالسعيد الرابح من عامل اللَّه فيهم، ولم يعاملهم في اللَّه. وخاف اللَّه فيهم، ولم يخفهم في اللَّه؛ وأرضى اللَّه بسخطهم، ولم يُرضِهم بسخط اللَّه. وراقب اللَّه فيهم، ولم يراقبهم في اللَّه؛ وآثرَ اللَّه عليهم، ولم يؤثرهم على اللَّه. وأماتَ خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه، وأحيا حب اللَّه وخوفَه ورجاءَه فيه. فهذا (١) هو الذي يكتَب عليهم، وتكون معاملته لهم كلُّها ربحًا، بشرط أن يصبر على أذاهم، ويتخذه مغنمًا لا مغرمًا، وربحًا لا خسرانًا. وممَّا يوضح الأمر أن الخلقَ لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة، إلا بإذن اللَّه ومشيئته وقضائه وقدره. فهو في الحقيقة الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس/ ١٠٧]. قال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن عباس: "واعلم أنَّ الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك لم يضروك إلا بشيءٍ كتبه اللَّه عليك" (٢).

стр. 219

وإذا كانت هذه حال الخليقة، فتعليق الخوف والرجاء بهم ضارّ غير نافع (١). فصل وجِمَاعُ هذا أنَّك إذا كنتَ غيرَ عالمٍ بمصلحتك، ولا قادرٍ عليها، ولا مريدٍ لها كما ينبغي، فغيرك أولى أن لا يكون عالمًا بمصلحتك، ولا قادرًا عليها، ولا مريدًا لها. واللَّه سبحانه هو يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله (٢) لا لمعاوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا لِتكثُر بك، ولا لِتعزز بك؛ ولا يخاف الفقر، ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق. ولا يحبس فضلَه عنك لحاجةٍ منه إليه (٣) واستغناءً به (٤)، بحيث إذا أخرجه أثَّر ذلك في غناه. وهو يحب الجود والبذل والعطاءَ والإحسان أعظمَ ممَّا تحبّ أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أنَّ هناك أمرَين لا ثالث لهما: أحدهما: أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك، وأنت المعوّق لوصول فضله إليك، وأنت حجر في طريق نفسك. وهذا الأمر (٥) هو الأغلبُ على الخليقة، فإنَّ اللَّه سبحانه قضى فيما قضَى به أنَّ ما عنده

стр. 220

لا يُنال إلا بطاعته، وأنَّه ما استُجلِبتْ نِعَمُ اللَّه بغير طاعته، ولا استُديمتْ بغير شكره، ولا عُوِّقتْ وامتنعتْ بغير معصيته. وكذلك إذا أنعمَ عليك ثمَّ سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنَّما أنت السبب (١) في سلبها عنك، فإنَّ اللَّه لا يغيِّر ما بقومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال/ ٥٣]. فما أُزيلت نعمُ اللَّه بغير معصيته: (٢) إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَهَا ... فإنَّ الذنوبَ تُزيلُ النِّعَمْ (٣) فآفتُك من نفسك، وبلاؤك منك (٤)، وأنت في الحقيقة الذي بالغتَ في عداوتك، وبلغتَ من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدوُّ منك، كما قيل: ما يبلغُ الأعداءُ من جَاهلٍ ... ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ (٥)

стр. 221

ومن العجب أنَّ هذا شأنك مع نفسك، وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره وتعاتبها (١) وتلومها! فقد ضيعت فرصتك، وفرَّطت في حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثمَ قعدتَ تعاتب القدرَ بلسان الحال والقال! فأنت المعنيّ بقول القائل: وعاجزُ الرَّأي مِضياعٌ لِفرصته ... حتَّى إذا فاتَ أمرٌ عاتَبَ القَدَرا (٢) ولو شعرتَ بدائك (٣)، وعلمتَ من أين دُهِيتَ ومن أين أُصِبتَ، لأمكنك تداركُ ذلك. ولكن قد فسدت الفطرة، وانتكس القلب، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضتَ عمَّن أصلُ بلائك ومصيبتك منه، وأقبلتَ تشكو مَنْ كلُّ إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه. فإذا شكوته إلى خلقه كنتَ كما قال بعض العارفين، وقد رأى رجلًا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به (٤): يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك! وإذا عَرَتْكَ مصيبةٌ فاصْبِرْ لها ... صبرَ الكريمِ فإنَّهُ بك أرحَمُ (٥)

стр. 222

وإذا شكوتَ إلى ابنِ آدمَ إنَّما ... تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ (١) وإذا علمَ العبدُ حقيقة الأمر، وعرف من أين أُتِيَ، ومن أيِّ الطرقِ أُغيرَ على سَرْحه (٢)، ومن أي ثَغرَة سُرِقَ متاعُه وسُلِبَ = استحيا من نفسه -إن لم يستحي من اللَّه- أن يشكوَ أحدًا من خلقه، أو يتظلَّمهم، أو يرى مصيبته وآفته (٣) من غيره. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى/ ٣٠]. وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٦٥]. هذا، ومن المخاطب بهذا الخطاب؟ (٤) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/ ٧٩].

стр. 223

[الاحتجاج بالقدر، والنصوص الواردة في إثباته] فإن أصررتَ (١) على اتهام القدر، وقلتَ: فالسببُ الذي أُصِبتُ به (٢)، وأُتيتُ منه، ودُهيتُ منه، قد سبقَ به القدرُ والحكمُ، وكان في الكتاب مسطورًا، فلا بُد منه على الرغم منِّي. وكيف لي أن أنفكَّ منه، وقد أُودع الكتابَ الأوَّل قبل بدءِ الخليقة، والكتابَ الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم، وأنا في ظلمات الأحشاءِ، حين أُمر الملَكُ بكَتْب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة؛ فلو جريتُ إلى سعادتي ما جريتُ حتَّى بقيَ بيني وبينها شِبْرٌ لغلَب عليَّ الكتابُ، فأدركتني الشقاوة. فما حيلةُ من قلبُه بيدِ غيرِه، يقفبه كيف يشاءُ، ويصرّفه كيف أراد؛ إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه. فهو (٣) الذي يحول بين المرءِ وقلبه، وهو الذي يثبِّت قلبَ العبد إذا شاءَ، ويُزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته. قال أعلمُ الخلق بربِّه صلوات اللَّه وسلامه عليه: "ما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من أصابع الرحمن، إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، ثمَ قال: "اللَّهم مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك" (٤) وكانت (٥) أكثر يمينه: "لا، ومقلِّبِ القلوب" (٦).

стр. 224

وقال بعض السلف: "مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلِّبها الرياح ظهرًا لبطن" (١). فما حيلةُ قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهل له مشيئة بدون مشيئته؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير/ ٢٩]. وروى (٢) عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: تلا رسول اللَّه ﷺ قوله : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد/ ٢٤] وغلامٌ جالسٌ عند رسول اللَّه ﷺ فقال: بلى، واللَّه يا رسول اللَّه، إنَّ عليها لأقفالها، ولا يفتحُها إلا الذي أقفلها. فلمَّا وُلِّيَ عمرُ بن الخطَّاب طلَبه ليستعمله وقال: "لم يقل ذلك إلا من عقل" (٣). وقال طاووس: "أدركتُ ثلاثمائة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: كل شيء بقدر" (٤).

стр. 225

وقال أيوب السَّخْتِياني: "أدركتُ الناسَ، وما كلامهم إلا: إن قُضِي، إن قُدِّرَ" (١). وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩] قال: "كتب اللَّه أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة". قال: "والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يومًا بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩] " (٢). وفي الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه (٣). وقد يُقال وهو الأظهر: إنَّ الآية تعمُ الأمرَين، فيأمر اللَّه ملائكته فتنسخ (٤) من أم الكتاب أعمالَ بني آدم، ثمَ يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرةً ولا تنقصها (٥). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر/ ٤٩]: "خلَق اللَّه الخلقَ كلَّهم بقدر، وخلق الخير والشر؛ فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة" (٦). وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدِّيلي (٧) قال: قال لي عمران بن

стр. 226

حصين: أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟ قال قلتُ: لا، بل فيما قضي عليهم ومضى. قال: أفيكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعتُ فزعًا شديدًا وقلتُ: إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه، ولا يُسأل عمَّا يفعل، وهم يُسْألَون. فقال: سددك اللَّه، إنما سألتك لأحزر (١) عقلك. إنَّ رجلًا من مُزينة -أو جهينة- أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت ما يعمل النَّاس ويتكادحون فيه، أشيءٌ قضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيُّهم؟ قال: "فيما قضي عليهم ومضى". فقال الرجل: ففيم العمل؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان خلقه اللَّه لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها. وتصديقُ ذلك في كتاب اللَّه : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس/ ٧، ٨] (٢). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/ ٣٠]. قال: علِم من إبليس المعصية وخلقه لها (٣). وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف/ ٣٠]،

стр. 227

قال ابن عباس: إنَّ اللَّه سبحانه بدأ خلقَ ابن آدم (١) مؤمنًا وكافرًا، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن/ ٢]، ثمَّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقَهم: مؤمنٌ وكافرٌ (٢). وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال/ ٢٤] قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي اللَّه، ويحول بين الكافر وبين الإيمان (٣) وطاعة اللَّه (٤). وقال ابن عباس ومالك وجماعة مني السلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود/ ١١٨، ١١٩] قالوا: خلق أهلَ الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة/ ٢٥٣]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس/ ٩٩]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/ ١١٢]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف/ ٣٧]، أي نصيبهم ممَّا كتب لهم (٦).

стр. 228

وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾ [الشعراء/ ٢٠٠]، قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب (١). وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ [المطففين/ ٧]، قال محمد بن كعب القُرَظي: رقم اللَّه كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رُقِمَ في ذلك الكتاب. ورقم كتابَ الأبرار، فجعله في عليّين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رُقِمَ عليهم في ذلك الكتاب (٢). وقال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد/ ١]: بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ (٣). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس/ ٩] قال: "عن الحق" (٤). وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الإسراء/ ٤٦] قال: "كالجَعْبة فيها السهام" (٥). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية/ ٢٣]، قال: "أضلَّه في سابق علمه" (٦). وقال في قوله حكاية عن عدوه إبليس

стр. 229

﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف/ ١٦] قال: "أضللتني" (١). وقال في قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات/ ١٦٢، ١٦٣] قال: "من قضيتُ له أنَّه صالي الجحيم" (٢). وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد اللَّه أن لا يعصى لم يخلق إبليس، وقد فصَّل لكم وبين لكم: ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدِّر له (٣) أن يصلى الجحيم (٤). وقال وُهَيب بن خالد: حدثنا خالد قال: قلتُ للحسن: ألهذه خلق آدم -يعني السماء- أم للأرض؟ فقال: "لا بل للأرض". قال: قلتُ: أرأيتَ لو اعتصمَ من الخطيئة فلم يعملها، أكان تُرِكَ في الجنة؟ قال: "سبحان اللَّه كان (٥) له بد من أن يعملها؟ " (٦). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَ﴾ [الأنبياء/ ٧٣]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص/ ٤١]، وقال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان/ ٧٤]، أي أئمة يُهْتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضالين يَدعُون إلى النار.

стр. 230

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام/ ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام/ ١١٠]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١١١]. وقال زيد بن أسلم: "واللَّه ما قالت القدرية كما قال اللَّه ، ولا كما قال رسوله، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس. قال اللَّه : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان/ ٣٠، التكوير/ ٢٩]، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة/ ٣٢]، وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف/ ٨٩]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف/ ٤٣]، وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون/ ١٠٦]، وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر/ ٣٩] " (١). وقال مجاهد في قوله : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء/ ١٣] قال: "مكتوب في عنقه شقي أو سعيد" (٢). وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة/ ٤١] "يقول: ومن يرد اللَّه ضلالته لم تغنِ عنه شيئًا" (٣).

стр. 231

وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعيد (١) عن سوَّار بن مصعب عن أبي حمزة عن مِقسَم عن ابن عباس: صعد النبي ﷺ المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمَّ بسط يده اليمنى فقال: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، كتاب من اللَّه الرحمن الرحيم لأهل الجنَّة بأسمائهم، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمَلٌ (٢) أوَّلُهم على آخرهم، لا ينقَص منهم ولا يُزاد فيهم، فرغ ربكم. وقد يُسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل (٣) هم هم، فيردّهم ما سبق لهم من اللَّه من السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها قبل موته بفَواق ناقة. وقد يُسلك بأهل الشقاء طريق السعادة حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل هم هم، فيردّهم ما سبق لهم من اللَّه، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفَواق ناقة. فصاحب الجنَّة مختوم له بعمل أهل الجنَّة وإنْ عمِل عملَ أهل النار، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإنْ عمِل بعمل أهل الجنَّة". ثمَّ قال رسول اللَّه ﷺ : "الأعمال بخواتيمها" (٤). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 232

كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة/ ٦]، وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، وقوله (١): ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام/ ١٢٥]، وفي قوله (٢): ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١١١]، وقوله (٣): ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ (٤) [يس/ ٨]، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف/ ٢٨] ونحو هذا من القرآن: "وإنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميعُ النَّاس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللَّه أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللَّه السعادة في الذكر الأوَّل. ثمَّ قال لنبيه ﷺ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء/ ٣]، ويقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء/ ٤]، ثمَّ قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر/ ٢]. ويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران/ ١٢٨] (٥). وفي صحيح مسلم عن طاوس: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدر. وسمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول

стр. 233

اللَّه ﷺ : "كل شيء بقدر، حتَّى العَجْز والكَيْس" (١). وفي صحيح مسلم أيضًا (٢) عن عبد اللَّه بن عمرو (٣) قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "كتب اللَّه مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (٤). وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، فاحرصْ على ما ينفعك واستعنْ باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر اللَّهُ وما شاءَ (٥) فعل، فإنَّ "لو" تفتح عمل الشيطان" (٦). وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ النذْرَ لا يُقَدِّرُ لابن آدمَ شيئًا لم يكن اللَّه قدرَه، ولكنِ النذرُ يُوافِقُ القدَر فيُخرِجُ ذلِكَ من البَخيلِ مَا لَمْ يكن يريد أن يُخرجَه" (٧). وفي حديث جبريل وسؤاله للنبي (٨) ﷺ عن الإيمان قال: "الإيمان أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره" (٩).

стр. 234

وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق، وفيه: "فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتابُ، فيعملُ بعمل أهل النَّارِ، فيدخل النَّار. وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النارِ حتَّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتابُ، فيعمل بعمل أهل الجنَّة، فيدخلها" (١). ذكر (٢) الطبري عن الحسن بن علي الطوسي، حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري محدث البصرة قال: رأيتُ النبي ﷺ في النوم فقلتُ: يا رسول اللَّه، حديث عبد اللَّه بن مسعود حدَّثني الصادق المصدوق -أعني حديث القدر- فقال: "إي واللَّه الذي لا إله إلا هو حدثتُ به، رحم اللَّه عبد اللَّه بن مسعود حيث حدث به، ورحم اللَّه زيد بن وهب حيث حدَّث به، ورحمَ اللَّه الأعمش حيث حدَّث به، ورحمَ اللَّه من حدَّث به قبل الأعمش، ورحمَ اللَّه من يحدث به بعد الأعمش" (٣). وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: "الشقيُّ من شَقِيَ في بطن أُمِّه، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره" (٤). وقد رويَ حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأم من حديث عبد اللَّه بن مسعود (٥)، وأنس بن مالك (٦)، وعبد اللَّه بن

стр. 235

عمر (١)، وعائشة أم المؤمنين (٢)، وحذيفة بن أُسَيد (٣)، وأبي هريرة (٤). وقال أبو الحسن علي بن عبيد (٥) الحافظ: سمعتُ أبا عبد اللَّه بن أبي خيثمة يقول: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول: انحدرتُ من سُر من رأى إلى بغداد في حاجة لي، فبينما أنا أمشي في بعض الطريق إذا بجُمْجُمةِ قد نخِرت فأخذتُها، فإذا على الجبهة مكتوب: "شقي"، والياء مكسورة إلى خلف! (٦) وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ، ذكره الطبري في "السنَّة". وفي الصحيحين حديث علي عن النبي ﷺ : "ما منكم من أحدٍ إلا كُتِبَ مقعده من النار ومقعده من الجنَّة، فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نتكلُ على كتابنا، وندعُ العمل؟ فقال: "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلِقَ له: أما من كان من أهل السعادة فييسَّر لعمل أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاوة فييسَّر لعمل أهل الشقاوة" ثمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل/ ٥ - ١٠] (٧).

стр. 236

وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أنَّ النبيّ ﷺ سُئِلَ: أَعُلِمَ أهلُ الجنة من أهل النارِ؟ قال: "نعم"، قيل له (١): ففيم يعمل العاملون؟ قال: "نعم، كلّ ميسَّر لما خلق له" (٢). وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: دُعِيَ رسول اللَّه ﷺ إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول اللَّه، طوبى لهذا، عصفورٌ من عصافير الجنة، لم يدرك السوءَ ولم يعمله. قال: "أو غيرَ ذلك، إنَّ اللَّه تعالى خلق للجنَّة أهلًا، خلقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم. وخلق للنارِ أهلًا، خلقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (٣). وفي الصحيحين (٤) عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: "الغلام الذي قتله الخضر طُبع يومَ طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهقَ أبوَيه طغيانًا وكفرًا". وفي مسند الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ اللَّهَ خلقَ الخلقَ في ظلمة، ثمَّ ألقى عليهم من نوره". وفي لفظ: "فجعلهم في ظلمة واحدة، فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة، فمن أصابه النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقولُ:

стр. 237

جفَّ القلمُ على علم اللَّه" (١). وذكر راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة (٢) السلَمي سمع (٣) النبي ﷺ يقول: "خلقَ اللَّهُ آدمَ وأخرجَ الخلقَ من ظهره فقال: هؤلاء في الجنَّة ولا أبالي، وهؤلاء في النارِ ولا أُبالي" قال: قيل علامَ (٤) نعمل؟ قال: على مواقع القَدَر" (٥). وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبد اللَّه بن مسعود أنَّهُ مرَّ على رجل

стр. 238

فقالوا: هذا هذا. . ونالوا منه. فقال عبد اللَّه: أرأيتم لو قطعتم يده، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدًا؟ قالوا: لا، قال: فلو قطعتم رجله، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلًا؟ قالوا: لا (١)، قال: فلو قُطِعَ رأسُه، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسًا؟ قالوا: لا. قال: فكما لا تستطيعون أن تغيروا خَلقَه لا تستطيعون أن تغيروا خُلقه. إنَّ النطفة إذا وقعت في الرحم بعث اللَّه إليه (٢) ملَكًا، فيكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقيٌّ أو سعيد (٣). وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعًا: "إنَّما هُما اثنتان: الهدي والكلام. فأحسن الكلام كلام اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد. وشرُّ الأمور محدثاتها، وإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة، وإنَّ كلَّ ما هو آتٍ قريبٌ. وإنَّ الشقيَّ من شقيَ في بطن أُمِّه، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره" (٤). وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أنَّ عبد الرحمن بن هنيدة (٥) حدَّثه أنَّ عبد اللَّه بن عمر (٦) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أرادَ

стр. 239

اللَّهُ أن يخلق النَّسَمة قال ملَكُ الأرحام مُعرضًا (١): يا ربّ، أذَكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي اللَّه أمره. ثمَّ يقول: يا ربّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيقضي اللَّه أمره. ثمَّ يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتَّى النكبةَ يُنكبها" (٢). وقال الليث عن عُقَيل (٣) عن ابن شهاب: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال، فذكره سواء. قال الزهري: وحدَّثني عبد الرحمن بن أذينة (٤) عن ابن عمر مثل ذلك. وذكر أبو داود أيضًا عن عائشة ترفعه: "إنَّ اللَّه حينَ يريدُ أن يخلقَ الخلقَ يبعث ملكًا فيدخل على الرحم فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام، أو جارية، أو ما شاء اللَّه أن يخلق في الرحم، فيقول: أي ربّ، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي، أو سعيد. فيقول: أي رب، ما أجله؟ فيقول كذا وكذا، فيقول: أي رب، ما خلقه؟ فيقول كذا وكذا. قال: [فيقول] (٥): يا رب، ما خلائقه؟ فيقول كذا وكذا. قال: "فما من شيءٍ إلا وهو يخلق معه في الرحم" (٦).

стр. 240

وذكر ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي ذر أنَّ المنيّ إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرَج به إلى الرب تعالى في راحته فيقول: يا رب، عبدك ذَكَر أم أنثى؟ فيقضي اللَّه ما هو قاض. أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاقٍ بين عينيه. قال أبو تميم: وزاد (١) أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات (٢). وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن كعب بن علقمة، عن عيسى ابن هلال، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفةُ في رحم المرأة أربعين يومًا جاءَها مَلَك، فاختلجها (٣)، ثمَّ عرَجَ بها إلى الرحمن فقال: اخلُق يا أحسن الخالقين، فيقضي اللَّه فيها بما يشاء من أمره، ثمَّ تدفع (٤) إلى الملَك، فيسأل الملَك عن ذلك، فيقول: يا ربّ، سِقْط أم تِمّ؟ فيبيّن له، ثمَّ يقول: يا ربّ، واحد أو توأم؟ فيبين له، ثمَّ يقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيبين له، فيقول: يا ربّ، أناقص الأجل أم تامّ الأجل؟ فيبيّن له (٥)، ثمَّ يقول: يا ربّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيبين له، ثمَّ يقول: يا ربّ، اقطع رزقَه مع خلقِه، فيهبط بهما جميعًا. فوالذي

стр. 241

نفسي بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قُسِمَ له، فإذا أكل رزقه قُبِضَ" (١). وفي صحيح مسلم (٢): عن حذيفة بن أُسيد يبلغ به النبي ﷺ قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص". وفي الصحيحين عن أنس بن مالك -ورفع الحديث- قال: "إن اللَّه وكّل بالرحم ملكًا فيقول: أي ربّ نطفة، أي ربّ علقة، أي رب مضغة. فإذا أراد اللَّه أن يقضي خلقًا قال الملك: أي ربّ، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه" (٣). وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : "إن أحدكم يُجمَع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (٤). ففي (٥) حديث ابن مسعود أنّ هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور

стр. 242

الرابع من أطوار التخليق عند نفخ الروح فيه، وفي الأحاديث التي ذكرت (١) آنفًا أنّ ذلك في الأربعين الأولى قبل كونه علقةً ومضغةً، وفي رواية صحيحة (٢): "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً بعث اللَّه إليها ملكًا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها" (٣)، وفي رواية (٤): أنّ ذلك يكون في بضع وأربعين ليلة (٥). فصل الجمع بين هذه الروايات أنّ للملَك ملازمةً ومراعاةً لِحال (٦) النطفة، وأنّه يقول: ياربّ هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها. فكلّ وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر اللَّه تعالى، وهو أعلم بها منه (٧). ولِكلام الملَك وتصرُّفِه أوقاتٌ: أحدها حين يخلقها (٨) اللَّه نطفةً ثم ينقلها علقةً، وهو أول أوقات علمِ الملك بأنه ولد، لأنه ليس كلّ نطفة تصير ولدًا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني. ولهذا -واللَّه أعلم- وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله ﴿اقْرَأْ

стр. 243

بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق/ ١ - ٢] إذ خلقُه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته. ثمّ للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته. وهذا إنّما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه، لأن (١) نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره. فههنا تقديران وكتابتان (٢): التقدير الأول عند ابتداءِ تعلّق (٣) التخليق في النطفة، وهو إذا مضى عليها أربعون، ودخلت في طور العلقة، ولهذا في إحدى الروايات: "إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة". والتقدير الثاني والكتابة الثانية إذا (٤) كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرًا أو أُنثى. فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره. ثم إذا وُلِد قُدّر مع ولادته كلَّ سنة ما يلقاه في تلك السنة، وهو ما يقدَّر ليلة القدر من العام إلى العام. فهذا التقدير أخصّ من التقدير

стр. 244

الثاني، والثاني أخصّ من الأول. ونظير هذا أيضًا أنّ اللَّه سبحانه قدّر مقاديَر الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدّر مقادير هذا الخلق حين خلقه وأوجده (١)، ثم يقدّر كلّ سنة في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام. وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلّقها بالرحم، وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدّم ذلك (٢) تقديرُ شأنها قبل خلق السموات والأرض، فهو تقدير بعد تقدير. ونظير هذا أيضًا رفعُ الأعمال وعرضُها على اللَّه، فإنّ عمل العام يُرفَع في شعبان، كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: "فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم" (٣). ويُعرض عملُ الأسبوع يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبيّ ﷺ (٤). ويُعْرَض عملُ اليوم في آخره والليلة في آخرها، كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري (٥) عن النبي ﷺ : "أنَّ اللَّه لا ينامُ ولا ينبغي له أن ينام، يخفض

стр. 245

القسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار وعملُ النهار قبل الليل". فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الاثنين والخميس، والعرضُ فيهما (١) أخص من العرض في شعبان، ثمَّ إذا انقضى الأجلُ رُفِعَ العمل كله، وعُرِضَ على اللَّه، وطويت الصحف، وهذا عرضٌ آخر. وهذه المسائل العظيمة القدرِ هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر، فصلوات اللَّه وسلامه على كاشف الغمّة وهادي الأمة محمد ﷺ . فإنْ قيل: فما (٢) تقولون في قوله: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً بعث اللَّه إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سمعها وبصرها وجِلْدها ولَحْمها (٣) وعظمها ثمَّ قال: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شَاء، ويكتب الملك، ثمَّ يقول: يا ربّ أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك". وهذه بعض ألفاظ مسلم في الحديث. وهذا يوافق الرواية الأخرى "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة (٤) وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد (٥)؟ "، ويوافق الرواية الأخرى: "إنَّ النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً ثمَّ يتسور عليها الملك". وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى.

стр. 246

قيل: لا ريب أنَّ التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأولى، هذا أمرٌ معلوم بالضرورة، فإمَّا أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة، وسمَّى المضغة فيها نطفةً اعتبارًا بأوَّل أحوالها وما كانت عليه. أو يكون المراد بها الأربعين الأولى، وسمَّى كتابةَ تصويرها وتخليقها (١) وتقديرَه تخليقًا اعتبارًا بما يؤول؛ فيكون قوله "صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدَّر ذلك وكتبه وأعلم به، ثمَّ يفعله (٢) بعد الأربعين الثالثة. أو يكون المراد به (٣) الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر. فإنَّ النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينئذٍ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس. ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صُورت التصويرَ المحسوس المشاهد. فأحد التقديرات الثلاثة متعيِّن (٤)، ولا بُدَّ؛ ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم. وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدرة (٥)، واللَّه أعلم بمراد رسوله. غير أنَّا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم

стр. 247

واللحم إنَّما يكون بعد الأربعين الثالثة. والمقصود أنَّ كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاقٍ، عند أوَّل تخليقه. ويحتمل وجهًا رابعًا وهو أنَّ النطفة في الأربعين الأولى لا يُتعرَّض إليها ولا يُعتنى بشأنها (١)، فإذا جاوزتها وقعتْ في أطوار التخليق طَورًا بعد طَور، ووقع حينئذٍ التقدير والكتابة. فحديث ابن مسعود صريحٌ بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أُسَيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنَّما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين، ولم يوقِّت فيها البَعدية (٢) بل أطلقها، وقد قيدها ووقَّتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب. فأخبر بما يكون للنطفة (٣) بعد الطور الأوَّل من تفاصيل شأنها وتخليقها، وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة، وكلّه بعد الأربعين الأولى، وبعضه متقدم على بعض؛ كما أنَّ كونها علقةً متقدم (٤) على كونها مضغةً، وكونها مضغة متقدِّم (٥) على تصويرها، والتصوير متقدم على نفخ الروح، ومع (٦) ذلك فيصح أن يقال: إنَّ النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة، ويصوَّر خلقُها، وتركَّب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها الروح، ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل.

стр. 248

وهذا وجه حسن جدًّا (١). والمقصود: أنَّ تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار الدنيا، فأسكنه الجنة والنار وهو في بطن أمه. [أحاديث أخرى في إثبات القدر] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه كتبَ على ابن آدم حظَّه من الزِّنى أدْرَكَ ذلك لا محالةَ" الحديث (٢). وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: ما بعثَ اللَّه من نبيٍّ ولا استخلف من خليفة إلا كانَ له بطانتان: بطانة تأمرُه بالخيرِ وتحضُّه عليه، وبطَانةٌ تأمرُه بالشرِّ، وتحضُّه عليه. والمعصومُ من عَصَمَ (٣) اللَّه" (٤). وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم أنَّه قال: أتيت النبي ﷺ فقال: "يا عُدَيُّ أسلِمْ تَسْلَمْ، قلتُ: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنِّي رسول اللَّه، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرّها" (٥).

стр. 249

وفي صحيح البخاري من حديث الحسن عن (١) عمرو بن تغلب قال: أتى النبي ﷺ مالٌ، فأعطى قومًا ومنع آخرين، فبلغه أنَّهم عتبوا، فقال: "إني أعطي الرجل وأدَع الرجل، والذي أدعِ أحبُّ إليَّ من الذي أُعطي. أُعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهَلع، وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعلَ اللَّهُ في قلوبهم من الغِنى (٢) والخيرِ" الحديث (٣). وفي الصحيحين (٤) من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ : "كان اللَّه، ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماءِ، ثمَّ خلقَ (٥) السماوات والأرض، وكتب في الذكر كلَّ شيء". وفي الصحيح عن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قال لأشجِّ عبد القيس: "إنَّ فيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهما اللَّه: الحِلم والأناة". قال: يا رسول اللَّه خُلقَين تخلَّقْتُ بهما، أم جُبلتُ عليهما؟ قال: "بل جبلتَ عليهما". قال: الحمد للَّه الذي جَبَلني عَلى خلقين يحبهما اللَّه (٦). وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : "جفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ". رواه البخاري تعليقًا (٧).

стр. 250

وذكر البخاري أيضًا (١) عن ابن عباس في قوله : ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون/ ٦١] قال: سبقت لهم السعادة. وفي سنن أبي داود وابن ماجه من حديث عبد اللَّه بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت: "أنَّ اللَّه لو عذَّب أهلَ سماواته وأهلَ أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته (٢) خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقتَ مثل أحدٍ ذهبًا في سبيل اللَّه ما قبله اللَّه منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متَّ على غير هذا لدخلتَ النَّار". وقاله زيد بن ثابت عن النبي ﷺ (٣). وفي سنن أبي داود عن أبي حفص الشامي قال: قال عبادة بن الصامت: يا بنيّ إنَّك لن تجد (٤) طعمَ الإيمان حتَّى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ أوَّل ما خلقَ اللَّه القلم فقال له: اكتب، قال:
следующие страницы →