فلا يمكن أن يُنهى عن التشبه به في هذه الدعوة، وهي النداء الذي نادى به ربه، وإنما نهي عن التشبه به في السبب الذي أفضى به إلى هذه المناداة، وهو مغاضبته التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم.
والمكظوم والكظيم والكاظم: الذي قد امتلأ غَيْظًا أو غَضَبًا أو هَمًّا وحزَنًا، وكظم عليه فلم يُخرجه.
فإن قيل: وعلى ذلك، فما العامل في الظرف؟
قيل: ما في صاحب الحوت من معنى الفعل.
فإن قيل: فالسؤال بعد قائم، فإنه إذا قيّدَ المنهي عنه بقيد أو زمن كان داخلًا في حيّز النهي، فإذا كان المعنى: لا تكن مثل مَنْ صحب الحوت في هذه الحال وهذا الوقت كان نهيًا عن تلك الحالة.
قيل: لما كان نداؤه مُسَبّبًا (١) عن كونه صاحب الحوت، فنهي أن يتشبّه به في الحال التي أفضت به إلى صُحْبَة الحوت والنداء، وهي ضعف العزيمة والصبر لحكمه تعالى. ولم يقل تعالى: ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضبًا فالتقمه الحوت فنادى، بل طوى القصة واختصرها، وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر، واكتفى بغايتها وما انتهت إليه.
فإن قيل: فما منعك من تعليق (٢) الظرف بنفس الفعل المنهي عنه
стр. 107
أي: لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظًا وهمًّا وغمًّا، بل يكون نداؤك نداءَ راضٍ بما قضي عليه، قد تلقَّاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر، لا نداء كظيم؟.
قيل: هذا المعنى وإن كان صحيحًا، فلم يقع النهي عن التشبه به في مجرده، وإنما نهي عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مُغاضبًا حتى سُجنَ في بطن الحوت، ويدل عليه قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] ثم قَال ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أي في ضَعف صبره لحكم ربه، فإن الحالة التي نهي عنها هي ضد الحالة التي أمر بها.
فإن قيل: فما منعك أن تَصير إلى أنه أُمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي يقدّره عليه، ولا يكن كصاحب الحوت حيثُ لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه، فلم يصبر على احتماله والسكون تحته؟
قيل: منع من ذلك أن اللَّه سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من الضرّ، وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] فكيف يَنهى عن التشبه به فيما يُثني عليه ويمدحه به؟!
وكذلك أثنى على أيوب بقوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وعلى يعقوب بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وعلى موسى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤]، وقد شكا إليه خاتم أنبيائه ورسله
стр. 108
بقوله: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" الحديث (١).
فالشكوى إليه سبحانه لا تنافي الصبر الجميل بل إعراض عبده عن الشكوى إلى غيره جملة وجعل الشكوى إليه وحده هو الصبر، واللَّه سبحانه يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يُرِد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه، وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه، ويحب من يشكو ما به إليه.
وقيل لبعضهم: كيف تشكو إليه ما لا يخفى عليه؟ فقال:
قالو أتشكو إليه ما لا يخفى عليه
فقلتُ ربّيَ يرضى ذلّ العبيد لديه (٢)
والمقصود: أنه سبحانه أمر رسوله ﷺ أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا وهذا أكمل الصبر؛ ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردّوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم الحاكم اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
فإن قيل: فأيُّ أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور، أم
стр. 109
الصبر عن المحظور، أم الصبر على المقدور؟.
قيل: الصبر المتعلق بالتكليف -وهو: الأمر والنهي- أفضل من الصبر على مجرد القدر؛ فإن هذا الصبر يأتي به البَرِّ والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا بد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارًا أو اضطرارًا، وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل، وأعظمهم اتباعًا أصبرهم في ذلك.
وكل صبر في محله وموضعه أفضل؛ فالصبر عن الحرام في محله أفضل، والصبر على الطاعة في محلها أفضل.
فإن قيل: فأي الصبرين أحب إلى اللَّه: صبر من يصبر على أوامره، أم صبر من يصبر عن محارمه؟
قيل: هذا موضع تنازع فيه الناس (١):
فقالت طائفة: الصبر عن المخالفات أفضل؛ لأنه أشق وأصعب، فإن أعمال البِرّ يفعلها البَرّ والفاجر، ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون (٢).
قالوا: وإن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس،
стр. 110
وهو أشق شيء وأفضله.
قالوا: وإنّ ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من تُرِكَ لأجله أحب إليه من نفسه وهواه، بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك.
قالوا: وأيضًا فالمروءة والفتوة كلها في هذا الصبر؛ كما قال الإِمام أحمد: "الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى" (١)، فمروءة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر.
قالوا: وليس العجب ممن يصبر على الأوامر؛ فإن أكثرها محبوبات للنفوس لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر، وهذه محابٌ النفوس الفاضلة التركية، بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محابٌ النفوس، فيترك المحبوبَ العاجلَ في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى، والنفس موكلة بحب العاجل، فصبرها عنه مخالف لطبعها.
قالوا: وإنّ المناهي لها أربعة دواعٍ تدعو إليها: نفس الإنسان، وشيطانه، وهواه، ودنياه، فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة حق الجهاد، وذلك أشق شيء على النفس وأمَرُّه.
قالوا: فالمناهي من باب حِميَة النفوس عن مشتهياتها ولذاتها، والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقِّه.
стр. 111
قالو: ولذلك كان باب قربان النهي مسدودًا كله، وباب الأمر إنما يُفعل منه المستطاع، كما قال النبي ﷺ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (١)، فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات، وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما رخّص في ترك بعض المأمور للعجز والعذر.
قالوا: ولهذا كانت عامة العقوبات من الحدود وغيرها على ارتكاب المنهيات، بخلاف ترك المأمور فإن اللَّه سبحانه لم يُرتب عليه حدًّا معينًا. قالوا: وأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف هل عليه حدٌّ أم لا؟ (٢)
فصل
فهذا بعض ما احتجت به هذه الطائفة.
وقالت طائفة أخرى: بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجلّ من الصبر على المحظور، وأن فعل المأمور أحب إلى اللَّه من ترك المحظور، والصبر على أحب الأمرين إليه أفضل وأعلى، وبيان ذلك من
стр. 112
وجوه (١):
أحدها: أنّ فعل المأمور مقصود لذاته، وهو مشروع شرع المقاصد، فإن معرفة اللَّه وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه وإخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خُلق لها الخلق وثبت (٢) بها الأمر، وذلك أمر مقصود لنفسه.
والمنهيات إنما نُهي عنها لأنها صادّة عن ذلك أو شاغلة عنه أو معوِّقة أو مفوِّتة لكماله، ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله.
فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه، فلو لم يصُدَّ الخمر والميسر عن ذكر اللَّه وعن الصلاة وعن التوادّ والتحابّ الذي وضعه اللَّه بين عباده لما حرمه، وكذلك لو لم يَحُلْ بين العبد وبين عقله الذي به يعرف اللَّه ويعبد ويحمد ويمجد ويصلي له ويسجد لما حرمه، وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصدّ عما يحبه ويرضاه، ويحول بين العبد وبين إكماله.
الثاني: أنّ المأمورات متعلقة بمعرفة اللَّه وتوحيده وعبادته وشكره
стр. 113
ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه، فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته، ومتعلَّق المنهيات ذوات الأشياء المنهي عنها، والفرق من أعظم ما يكون.
الثالث: أن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور، فإنه ليس إلى شيء أضرَّ وأحوجَ وأشدَّ فاقةً منه إلى معرفة ربه وتوحيده وإخلاص العمل له وإفراده بالعبودية والمحبة والطاعة. وضرورته إلى ذلك أعظم من ضرورته إلى نفَسِه ونَفْسِه وحياتِه، وأعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه، بل هذا لقلبه وروحه (١) كالحياة والغذاء لبدنه، وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه، كما قيل:
يا خادمَ الجسم كم تشقى بخدمته … أتطلب الربح فيما فيه خسران؟
اجهد لنفسك فاستكمل فضائلها … فأنت بالنَّفْسِ لا بالجِسمِ إنسان (٢)
وترك المنهي إنما شُرع له تحصيلًا لهذا الأمر الذي هو أضرُّ شيء وأحوجه وأفقره إليه.
الرابع: أن ترك المنهي من باب الحِمْية، وفعل المأمور من باب حفظِ القوة والغذاء الذي (٣) لا تقوم البُنْية بدونه، ولا تحصل الحياة إلا به، فقد يعيش الإنسانُ (٤) مع ترك الحمية وإن كان بدنه عليلًا أشد ما
стр. 114
يكون علة، ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها، فهذا مثل المأمورات والمنهيات.
الخامس: أن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين: ترك المأمور وفعل المحظور، ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى آخره حتى أتى من مأمورات الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار، ولو ترك كل محظور ولم يأت بمأمور الإيمان لكان مخلدًا في السعير.
فأين شيء مثاقيل الذرّ منه تُخرِج من النار، إلى شيء وزن الجبال منه أضعافًا مضاعفة لا تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه؟!
السادس: أن جميع المحظورات من أولها إلى آخرها تسقط بمأمور التوبة، ولا تَسقط المأموراتُ كلُها بمعصيةِ المخالفة إلا بالشرك أو الموافاة (١) عليه. ولا خلاف بين الأمة أن كل محظور يسقط بالتوبة، واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية؟ وفي المسألة نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه (٢).
السابع: أن ذنب الأب كان بفعل المحظور، فكان عاقبته: أن اجتباه
стр. 115
ربه فتاب عليه وهدى، وذنب إبليس كان بترك المأمور، فكان عاقبته ما ذكر اللَّه سبحانه، وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة.
الثامن: أن المأمور محبوب للرب تعالى، والمنهيُّ مكروه له، وهو سبحانه إنما قدره وقضاه لأنه ذريعة إلى حصول محبوبه من عبده ومن نفسه تعالى؛ أما من عبده فبالتوبة والاستغفار والخضوع والذل والانكسار وغير ذلك، وأما من نفسه فبالمغفرة والتوبة على العبد والعفو عنه والصفح والحلم والتجاوز عن حقه وغير ذلك مما هو أحب إليه تعالى من فواته بعدم تقدير ما يكرهه. وإذا كان إنما قدَّر ما يكرهه لأنه يكون وسيلة إلى ما يحبه، عُلم أن محبوبه هو الغاية، ففوات محبوبه أبغض إليه وأكره له من حصول مبغوضه.
بل إذا ترتب على حصول مبغوضه ما يحبه من وجه آخر كان المبغوض مرادًا له إرادةَ الوسائل، كما كان النهي عنه وكراهته لذلك.
وأما المحبوب فمرادٌ إرادةَ المقاصد كما تقدم (١)، فهو سبحانه إنما خلق الخلق لأجل محبوبه ومأموره، وهو: عبادته وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
وقدر مكروهه ومبغوضه تكميلًا لهذه الغاية التي خلق خلقه لأجلها، فإنه ترتب عليه من المأمورات ما لم يكن يحصل بدون تقديره، كالجهاد الذي هو أحب العمل إليه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، ولولا محبته لهذه المأمورات لما قدر من (٢) المكروه له ما يكون سببًا لحصولها.
стр. 116
التاسع: أن ترك المحبوب لا يكون قربة ما لم يقارنه فعلُ المأمور، فلو ترك العبد كل محظور لم يثبه اللَّه عليه حتى يقارنه مأمور الإيمان، وكذلك المؤمن لا يكون تركه للمحظور قربة حتى يقارنه مأمور النية بحيث يكون تركه للَّه. فافتقر ترك المنهيات في كونه قربة يثاب عليها إلى فعل المأمور ولا يفتقر فعل المأمور في كونه قربة وطاعة إلى ترك المحظور، ولو افتقر إليه لم يقبل اللَّه طاعة من عصاه أبدًا، وهذا من أبطل الباطل.
العاشر: أن المنهيَّ مطلوبٌ إعدامُه، والمأمور مطلوب إيجاده، والمراد: إيجاد هذا وإعدام هذا، فإذا قدِّر عدم الأمرين أو وجودهما كان وجودهما خيرًا من عدمهما، فإنه إذا عُدم المأمور لم ينفع عدم المحظور، وإذا وُجد المأمور فقد يُستعان به على دفع المحظور أو على دفع أثره، فوجود القوة والمرض خير من عدم الحياة والمرض.
الحادي عشر: أن باب المأمور الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة (١)، وباب المحظور السيئة فيه بمثلها (٢)، وهي بصدد الزوال بالتوبة والاستغفار والحسنة الماحية والمصيبة المكفرة واستغفار الملائكة للمؤمنين واستغفار بعضهم لبعض وغير ذلك، وهذا يدل على أنه أحب إلى اللَّه من عدم المنهيِّ.
الثاني عشر: أن باب المنهيات يمحوه اللَّه سبحانه ويبطل أثره بأمور عديدة من فعل العبد وغيره، فإنه يُبطله بالتوبة النصوح، وبالاستغفار،
стр. 117
وبالحسنات الماحية، وبالمصائب المكفرة، وباستغفار الملائكة، وبدعاء المؤمنين -فهذه ستة في حال حياته- وبتشديد الموت وكربه وسياقه عليه -فهذا عند مفارقته الدنيا- وبهول المطلع، وروعة الملكين في القبر، وضغطته، وعصرته، وبشدة الموقف وعنائه وصعوبته، وبشفاعة الشافعين فيه، وبرحمة أرحم الراحمين له، فإن عجزت عنه هذه الأمور فلا بد له من دخول النار، ويكون لبثُه فيها على قدر بقاء خبثه ودرنه، فإن اللَّه حرَّم الجنة إلا على طيِّب، فما دام درنُه ووسخُه وخبثُه فيه فهو في غير التطهير حتى يتصفّى من ذلك الوسخ والخبَث.
وأما باب المأمورات فلا يبطله إلا الشرك.
الثالث عشر: أن جزاء المأمورات الثواب، وهو من باب الإحسان والفضل والرحمة، وجزاء المنهيات العقوبة، وهي من باب الغضب والعدل، ورحمته سبحانه تغلِب غضبَه، فما تعلق بالرحمة والفضل أحب إليه مما تعلق بالغضب والعدل، وتعطيل ما تعلق بالرحمة أكره إليه من فعل ما تعلق بالغضب.
الرابع عشر: أن باب المنهيات تُسقط الآلافَ المؤلفة منه الواحدةُ من المأمورات، وباب المأمورات لا يُسقط الواحدةَ منه الآلافُ المؤلفة من المنهيات (١).
الخامس عشر: أن متعلَّق المأمور الفعل وهو صفة كمال، بل كمال المخلوق من فعاله، فإنه فَعَل، فكَمُل.
ومتعلق النهي الترك، والترك عدم، ومن حيث هو كذلك لا يكون
стр. 118
كمالًا، فإن العلم المحض ليس بكمال، وإنما يكون كمالًا لما يتضمنه أو يستلزمه من الفعل الوجودي الذي هو سبب الكمال، وأما أن يكون مجرد الترك الذي هو عدمٌ محضٌ كمالًا أو سببًا للكمال فلا.
مثال ذلك: أنَّه لو ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يسجد للَّه، وإلا فلو ترك السجود للَّه وللصنم لم يكن ذلك كمالًا. وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمنًا ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب له وموالاته وطاعته.
فعُلم أن الكمال كلَّه في المأمور، وأن المنهيَّ ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئًا ولم يكن كمالًا، فإن الرجل لو قال للرسول: لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافرًا، ولم يكن مؤمنًا بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته، ما لم يأتِ بالفعل الوجودي الذي أُمر به.
السادس عشر: أن العبد إذا أتى بالمأمور به على وجهه ترك المنهي ولا بد، فالمقصود إنما هو فعل المأمور، ومع فعله على وجهه يتعذر فعل المنهى. فالمنهيُّ عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة، فإن العبد إذا فعل ما أُمِرَ به من العدل والعفة، امتنع صدورُ الظلم والفواحش منه، فنفس العدل يتضمن ترك الظلم، ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش، فدخل ترك المنهي في المأمور ضمنًا وتبَعًا، وليس كذلك في عكسه، فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور، فإنه قد يتركهما معًا كما تقدم بيانه (١). فعُلِم أن القصد هو إقامة الأمر على وجهه، ومع ذلك
стр. 119
لا يمكن ارتكابُ المنهيِّ ألبتَّة، وأما ترك المنهي فإنه لا يستلزم إقامة الأمر.
السابع عشر: أن الرب تعالى إذا أمر عبدَه بأمر ونهاه عن أمر ففَعَلَهما جميعًا كان قد حصّل محبوب الرب وبغيضه، فقد يقوم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ويقاومُه، ولا سيّما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض، فيهَبُ له جناية ما فعل من هذا بطاعة ما فعل من الآخر.
ونظير هذا في الشاهد: أن يقتل الرجلُ عدوًّا لملكٍ هو حريص على قتله، وشَرِب مسكرًا نهاه عن شربه، فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه.
وأما إذا ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدًا، كما إذا أمر الملك عبده بقتل عدوِّه، ونهاه عن شرب مسكر، فعصاه في قتل عدوِّه مع قدرته عليه، وترَك شرب المسكر؛ فإن الملك لا يَهبُ له جُرْمَ ترك أمره في جَنْب ترك ما نهاه عنه. وقد فطر اللَّه عباده على هذا، فهكذا السادات مع عبيدَهم والآباء مع أولادهم والملوك مع خدمهم (١)، والزوجات مع أزواجهم، ليس التارك منهم محبوب الأمر ومكروهَه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره وبعض مكروهِه بوجه.
الوجه الثامن عشر: أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه، بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه، فيستحيل الإتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه أو بغضه، فغايته أنه اجتمع له
стр. 120
الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه، ويبغضه من وجه.
أما إذا ترك المأمور به جملة فإنه لم يقم به ما يحبه الرب عليه، فإنَّ مجرد ترك المنهي لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم (١)، فلا يحبه على مجرد الترك، وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر، فصار مبغوضًا للرب تعالى من كل وجه، إذ ليس فيه ما يحبه الرب عليه، فتأمله.
يوضحه:
التاسع عشر: وهو أن اللَّه سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجابًا أو استحبابًا، ولم يعلقها بالترك من حيث هو ولا في موضع واحد، فإنه يحب التوابين، ويحب المحسنين، ويحب الشاكرين، ويحب الصابرين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص، ويحب المتقين، ويحب الذاكرين، ويحب المتصدقين (٢)، فهو سبحانه إنما علق محبته بأوامره، إذ هي المقصود من الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره (٣)، وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها.
يوضحه:
العشرون: أن المنهجات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها
стр. 121
على الوجه الذي أمر اللَّه بها لم يكن للنهي عنها معنى، وإنما نهى عنها لمضادتها لأوامره وتعويقها لها وصدها عنها، فالنهي عنها من باب التكميل والتتمَّة للمأمور، فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء (١) ليجري في مجاريه غير معوق.
فالأمر بمنزلة الماء الذي أُرسل في نهرٍ لحياة البلاد والعباد، والنهي بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها ممّا يعوّق الماء. والأمر بمنزلة القوَّة والحياة، والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والدواء الخادم لها.
قالوا: فإذا تبيَّن أن فعل المأمور أفضل، فالصبر عليه أفضل أنواع الصبر، وبه يسهل عليه الصبر عن المحظور والصبر على المقدور، فإن الصبر الأعلى يتضمن الصبر الأدنى دون العكس.
وقد ظهر لك من هذا: أن الأنواع الثلاثة متلازمة، وكل نوع منها يُغني عن النوعين الآخرين، وإن كان من الناس مَن قوةُ صبره على المقدور فإذا جاء الأمر والنهي فقدة صبره هناك ضعيفة، ومنهم من هو بالعكس من ذلك، ومنهم من قوة صبره في جانب الأمر أقوى، ومنهم من هو بالعكس، واللَّه أعلم.
стр. 122
الباب العاشر في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم
الصبر ينقسم إلى قسمين: قسم مذموم، وقسم ممدوح (١).
فالمذموم: الصبر عن اللَّه وإرادته ومحبته وسير القلب إليه، فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خُلِق له.
وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمُه وأبلغُه، فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه البتة، كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد اللَّه لأوليائه من كرامته ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالزهد (٢) في هذا أعظم أنواع الزهد وأبلغها.
كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب من زهده: ما رأيت أزهد منك! فقال: أنت أزهد مني؛ أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة، فمن أزهد منا؟! (٣).
قال يحيى بن معاذ الرازي: "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين، واعجبا كيف يصبرون؟ "
стр. 123
وفي هذا قيل:
والصبرُ يَجْمُلُ في المواطن كلها … إلا عليك فإنه لا يَجْمُلُ (١)
ووقف رجل على الشِّبلي (٢) فقال: أي الصبر أشد على الصابرين؟. فقال: الصبر في اللَّه؟ فقال: لا. فقال: الصبر للَّه؟. قال: لا. قال: فالصبر مع اللَّه؟. قال: لا. قال: فأيشٍ هو؟ قال: الصبر عن اللَّه. فصرخ الشِّبلي صرخة كادت روحه تزهق (٣).
وقيل: الصبر مع اللَّه وفاء، والصبر عن اللَّه جفاء (٤).
وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود،
стр. 124
فكيف (١) إذا كان كمال العبد وصلاحه في محبته؟!
ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل:
والصبر عنك فمذموم عواقبه … والصبر في سائر الأشياء محمود (٢)
وقال آخر في الصبر عن محبوبه:
إذا لعب الرجال بكل شيء … رأيت الحُب يلعبُ بالرجالِ
وكيف الصبرُ عمن حل مني … بمنزلة اليمين مع الشمال (٣)
وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنتَ صادقًا لما صبرت عني (٤).
ولما شكوتُ الحبَّ قالت: كذبتني … تُرَى الصَّبُّ عن محبوبه كيف يَصْبِرُ (٥)
стр. 125
فصل
وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر للَّه وصبر باللَّه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].
وتنازع الناس أيُّ الصبرين أكمل؟
فقالت طائفة: الصبر له أكمل، فإنّ ما كان للَّه أكمل مما كان باللَّه، فإن كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة، والغايات أشرف من الوسائل، ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبررًا وتقربًا إلى اللَّه؛ لأنه نذْر له، ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج النهي لأنه حَلِفٌ.
فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته، وما كان به فهو متعلق بربوبيته، [وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته] (١)، ولذلك كان توحيد الإلهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده؛ فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن اللَّه وحده خالق كل شيء وربُّه ومليكُه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الإلهية، وهو: عبادته (٢) وحده لا شريك له، لم ينفعهم توحيدُ ربوبيته.
وقالت طائفة: الصبر باللَّهِ أكمل، بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [النحل: ١٢٧] فأمره بالصبر، والمأمور به هو الذي يُفعل لأجله، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]؛ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدَّمتْها، أخبر
стр. 126
فيها أنه لا يمكنه الصبر إلا به.
وذلك يتضمن أمرين: الاستعانة، والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة، كقوله: "فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطِش، وبي يمشي" (١)، وليس المراد بهذه الباء مجرد الاستعانة، فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصي، فإن ما لا يكون باللَّه لا يكون، بل هي باء المصاحبة. والمعيَّةُ التي صرح بمضمونها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦] المعيةُ الحاصلةُ لعبدِه الذي تقرّب إليه بالنوافل حتى صار محبوبًا له، فيه يسمع وبه يبصر، وكذلك به يصبر، فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا واللَّه معه، ومتى كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله؛ كما في الأثر الإلهي: "بعيني ما يتحمَّلُ المتحمّلون من أجلي" (٢).
стр. 127
ويدل قولُه: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] على أنه من لم يكن اللَّه معه لم يمكنه الصبر، وكيف يصبر على الحكم الأمريِّ امتثالًا وتنفيذًا وتبليغًا، وعلى الحكم القدري احتمالًا له واضطلاعًا به من لم يكن اللَّه معه؟!
فلا يطمع في درجة الصبر المحمودة عواقبه من لم يكن صبره باللَّه، كما لا يطمع في درجة المُقرّب (١) المحبوب من لم يكن سمعُه وبصره وبطشه ومشيه باللَّه.
وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها" (٢) ليس المراد به: أني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى، كما يظنه أعداءُ اللَّه أهلُ الوحدة، وأن ذات العبد هي ذاتُ الربّ، تعالى (٣) عن قول إخوان النصارى علوَّا كبيرًا.
стр. 128
ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره. ولا بين حالتي تقرّبه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي، بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه، ولا عبد ومعبود، ولا محب ومحبوب، فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهًا تُعرف بالتأمل الظاهر.
وقد فَسّر المراد من قوله: "كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله" بقوله: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي" (١) فعبّر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابّه بألطف عبارة وأحسنِها، تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه، وبصره، ويده، ورجله.
ونظير هذا قوله: "الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه في الأرض، فمن صافَحه وقبّله، فكأنما صافح اللَّهَ وقبّل يمينَه" (٢).
стр. 129
ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن يُنزل الشيءُ منزلةَ ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب: أنت روحي، وسمعي، وبصري، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أنه قد صار بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره.
والثاني: أن محبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه، كما جاء في الحديث: "أنا جليس من ذكرني" (١)، وفي الحديث الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (٢)، وفي الحديث الإلهي: "فإذا أحببتُ عبدي كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا" (٣)، ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا
стр. 130
ألطف، وإيضاح هذه العبارة يزيدها جفاءً وخفاءً.
والمقصود: إنما هو الصبر باللَّه، وأن العبد بحسب نصيبه من معية اللَّه له يكون صبره، وإذا كان اللَّه معه أمكنه أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره.
قال أبو علي: فاز الصابرون بعز الدارين؛ لأنهم نالوا من اللَّه معيته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣، والأنفال: ٤٦] (١).
وهاهنا سر بديع وهو: أن من تعلَّق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه، والرب تعالى هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى يسمعه منه، وقد قيل: إن اللَّه تعالى أوحى إلى داود: "تخلَّق بأخلاقي، فإن من أخلاقي أني أنا الصبور" (٢).
والرب تعالى يُحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، فإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، فهذه
стр. 131
المعية الخاصة عبر عنها بقوله: "كنت له سمعًا، وبصرًا، ويدًا، ومؤيدًا (١) " (٢).
стр. 132
فصل (١)
وزاد بعضهم قسمًا ثالثًا من أقسام الصبر: وهو الصبر مع اللَّه، وجعلوه أعلى أنواع الصبر، وقالوا: هو الوفاء (٢).
ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع اللَّه لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت، وهنّ: الصبر على أقضيته، والصبر على أوامره، والصبر عن نواهيه.
فإن زعم أن الصبر مع اللَّه هو الثبات على أحكامه يدور معها حيث دارت، فيكون دائمًا مع اللَّه لا مع نفسه، فهو مع اللَّه بالمحبة والموافقة.
فهذا المعنى حق، ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة.
فإن زعم أن الصبر مع اللَّه هو الجامع لأنواع الصبر. فهذا حق، ولكن جَعْلُه قسمًا رابعًا من أقسام الصبر غير مستقيم.
واعلم أن حقيقة الصبر مع اللَّه هو: ثبات القلب بالاستقامة معه، لا يروغ عنه روغان الثعالب هاهنا وهاهنا، فحقيقة هذا الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه.
وزاد بعضهم قسمًا آخر من أقسامه، وسمّاه: الصبر فيه.
وهذا أيضًا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة، ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له، وهذا كما يُقال: فعلتُ هذا في اللَّه
стр. 133
وللَّه (١)، كما قال خبيب (٢):
وذلك في ذات الإله وإن يَشَأ … يُبارك على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (٣)
وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وفي حديث جابر: "إن اللَّه تعالى أحيا أباه وقال له: تمنَّ، قال: يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى اقتل فيك مرة ثانية" (٤)، وقال ﷺ : "ولقد أوذيتُ في اللَّهِ وما يُؤذى أحد" (٥).
وهذا يفهم منه معنيان (٦):
أحدهما: أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله، وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره، كما في الحديث "تعلمتُ فيك العلم" (٧).
والثاني: أنه بسببه وفي جهته حصل ذلك، وهذا فيما يصيبه بغير
стр. 134
اختياره، وغالب ما يأتي قولهم: "وذلك في اللَّه" في هذا المعنى، فتأمل قوله ﷺ : "ولقد أوذيت في اللَّه"، وقول خبيب: "وذلك في ذات الإله"، وقول عبد اللَّه بن حرام: "حتى أُقتل فيك" وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه.
وليست: "في" هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية، وإن كانت السببية أصلها، فانظر إلى قوله: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" (١)، وقوله:
стр. 135
"دخلت امرأة النار في هرة" (١)، كيف تجد فيه معنى زائدًا على السببية؟
وليست: "في" للوعاء في جميع معانيها، فقولك: فعلت هذا في مرضاتك، فيه معنى زائد على قولك: فعلته لمرضاتك، وأنت إذا قلت: أوذيت في اللَّه، لا يقوم مقام هذا اللفظ قولك: أوذيت للَّه، ولا بسبب اللَّه، وإذا فهم المعنى طُوي حكم العبارة.
والمقصود: أن الصبر في اللَّه إن أريد به هذا المعنى فهو حق، وإن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره، وعن نواهيه له وبه، لم يحصل، فالصابر في اللَّه كالمجاهد في اللَّه، والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله، واللَّه الموفق.
وأما قول بعضهم: "الصبر للَّه عناء، والصبر باللَّه بقاء، والصبر في اللَّه بلاءً، والصبر مع اللَّه وفاء، والصبر عن اللَّه جفاء" (٢)، فكلام لا يجب التسليم لقائله؛ لأنه ذكر ما سنح له وتصوره، وإنما يجب التسليم للنقل المصدَّق عن القائل المعصوم.
ونحن نشرح هذه الكلمات:
أما قوله: "الصبر للَّه عناء"، فإن الصبر للَّه ترك حظوظ النفس ومرادها لمراد اللَّه، وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه، فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين اللَّه، بحيث يسير منها إلى اللَّه، شديد جدًّا
стр. 136
على النفس، بخلاف السفر من النفس إلى الآخرة فإنه سهل كما قال أبو القاسم الجنيد: "المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهُجران الخَلق في جنب الحق شديد، والمسير من النفس إلى اللَّه صعب شديد، والصبر مع اللَّه أشد" (١).
وأما قوله: "والصبر باللَّه بقاء" فلأن العبد إذا كان باللَّه هان عليه كل شيء، ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلًا، فإنه إذا كان باللَّه لا بالخلق ولا بنفسه، كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق، وفي هذه الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته، وتنقلب مشاق التكليف له نعيمًا وقرة عين، قال بعض الزهاد: "عالجت قيام الليل عشرين سنة ثم تنعَّمت به عشرين سنة" (٢)، ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة.
وأما قوله: "الصبر في اللَّه بلاءً" فالبلاء فوق العناء، والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه، كما تقدم، فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه، وهو أشق من الجهاد له، فكل مجاهد في اللَّه وصابر في اللَّه مجاهد له وصابر له من غير عكس، فإن الرجل قد يجاهد ويصبر للَّه مرة فيقع عليه اسم من فعَل ذلك للَّه، ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في اللَّه، إلا على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل في الجنة.
وأما قوله: "والصبر مع اللَّه وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه، وأن لا يزيغ القلب عن الإنابة، ولا الجوارح عن الطاعة،
стр. 137
فتُعطى المعية حقها من التوفية؛ كما قال تعالى عن خليله ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]؛ أي: وفّى ما أُمرَ به بصبره مع اللَّه على أوامره.
وأما قوله: "والصبر عن اللَّه جفاء" فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذي لا مولى له سواه، ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته والقرب منه وإيثار مرضاته على كل شيء، فأي جفاء أعظم من الصبر عنه.
وهذا معنى قول من قال: "الصبر على ضربين: صبر العابدين، وصبر المحبين؛ فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظًا، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضًا" (١) كما قيل:
تبيَّنَ يومَ البَينِ أن اعتزامَه … على الصبر من إحدى الظُّنونِ الكَواذِبِ (٢)
وقال الآخر:
ولما دَعوتُ الصَّبْرَ بعدكَ والبُكا … أجابَ البُكا طَوْعًا ولم يُجِب الصَّبْرُ (٣)
قالوا: ويدل عليه أن يعقوب صلوات اللَّه وسلامه عليه قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣] ورسول اللَّه إذا وعد وفي، ثم حمله
стр. 138
الوجْدُ على يوسف والشوقُ إليه أن قال: ﴿يَاأَسَفَى (١) عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] فلم يكن عدمُ صبره عنه منافيًا لقوله ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فإن الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه، ولا تنافيه الشكوى إلى اللَّه، فإنه قد قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] واللَّه سبحانه أمر رسوله بالصبر الجميل، وقد امتثل ما أمر به وقال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" الحديث (٢)(٣).
وأما قول بعضهم: "إن الصبر الجميل أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو" (٤) فهذا من الصبر الجميل، لا أن متفقده فَقَد (٥) الصبر الجميل، فإن ظهور أثر المصيبة على العبد مما لا يمكن دفعُه البتة، وباللَّه التوفيق.
وزاد بعضهم في الصبر قسمًا آخر، وسمّاه: الصبر على الصبر، وقال: هو أن يستغرق في الصبر حتى يعجز الصبر عن الصبر؛ كما قيل:
صابَرَ الصَّبرَ فاستغاثَ بِهِ الصَّبْـ … ــــرُ فصاحَ المُحبُّ بالصبرِ صَبْرًا (٦)
وليس هذا خارجًا عن أقسام الصبر، وإنما هو المرابطة على الصبر، والثبات عليه، واللَّه أعلم.
стр. 139
الباب الحادي عشر في الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام
كلُّ أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارًا وإما اضطرارًا، فالكريم يصبر اختيارًا لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يحمد عليه ويُذم على الجزع، وأنه إن لم يصبر لم يرُدَّ الجزعُ عليه فائتًا، ولم ينزع عنه مكروهًا، وأن المقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يقدّر لا حيلة في تحصيله، فالجزع خوف محض ضرُّه أقرب من نفعه، قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعلُه الأحمق بعد شهر"، كما قيل:
رأى الأمر يُفضي إلى آخِر … فصيّر آخرَه أولًا (١)
فإذا كان آخر الأمر الصبر، والعبد غير محمود، فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره به الأحمق في آخره.
وقال بعض العقلاء: "من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم" (٢).
فالكريم ينظر إلى المصيبة، فإن رأى الجزع يردُّها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع، وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.
стр. 140
فصل
وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارًا، فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تُجدي عليه شيئًا فيصبر صبر الموثق للضرب.
وأيضًا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان؛ فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم، وأقل الناس صبرًا في طاعة ربهم؛ فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل للَّه في أيسر شيء، ويصبر على تحمّل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه، ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه، ويصبر على ما يُقال في عِرضِه في المعصية، ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذي في اللَّه، بل يفِرُّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشيةَ أن يُتكلّم في عرضه في ذات اللَّه، ويبذل عرضَه في هوى نفسه (١) صابرًا على ما يُقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل للَّه في مرضاته وطاعته،.
فهو أصبر شيء على البذل والتبذل في طاعة الشيطان أو مراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في اللَّه. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريمًا عند اللَّه، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رؤوس الأشهادْ لَيَعْلَمَنّ (٢) أهلُ الجمع من أولى بالكرم اليوم، أين المتقون؟
стр. 141
الباب الثاني عشر في الأسباب التي تعين على الصبر
لما كان الصبر مأمورًا به جعل اللَّه سبحانه له أسبابًا تعين عليه وتوصل إليه، وكذلك ما أمر اللَّه سبحانه بأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابًا تمدّه وتُعين عليه (١)، كما أنه ما (٢) قدّر داءً إلا قدّر له دواءً، وضمن الشفاء باستعماله.
فالصبر وإن كان شاقًّا كريهًا على النفوس فتحصيله ممكن، وهو يتركب من مفردين: العلم والعمل، فمنهما تُركب جميع الأدوية التي تُداوى بها القلوب والأبدان، فلا بدَّ من جزء علمي وجزء عملي، فمنهما يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الأدوية.
فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال، وإدراك ما في المحظور من الشرِّ والضرِّ والنقص، فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغي أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمَّة العالية والنّخوة والمروءة الإنسانية، وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء. ومتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقُّه وحَلَت له مرارته وانقلب ألمه لذة.
وقد تقدم أن الصبر: "مصارعةُ باعث العقل والدين لباعثِ الهوى والنفس" (٣)، وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما على الآخر،
стр. 142
فالطريق فيه تقوية من أردنا أن تكون الغلبة له وتضعيف الآخر، كالحال مع القوة والمرض سواء.
فإذا قوي باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه، أو يملكه ولكن لا يملك طرْفَه، أو يملكه ولكن لا يملك قلْبَه، بل لا يزال يحدثه بما هناك ويَعدُه ويُمنّيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته = فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولًا بأمور:
أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة إما بنوعها وإما بكمّيتها وكثرتها، فليحسم هذه المادة بتقليلها، فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يُضيّق مجاري الشهوة ويكسر حذتها (١)، ولا سيّما إذا كان أكلُه وقت الفطر معتدلًا.
الثاني: أن يجتنب محرّك الطلب وهو النظر، فليغضّ لجام طرْفِه ما أمكنه، فإن داعي الإرادة والشهوة إنما يهيج بالنظر، والنظر يحرك القلب بالشهوة (٢).
وفي "المسند" عنه ﷺ : "النظر سَهْمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس" (٣)،
стр. 143
وهذا السهم يسدّدُه إبليس نحو القلب ولا يصادف جُنّة (١) دونه، وليست الجُنة إلا غضّ الطرف أو التحيّز والانحراف عن جهة الرمي؛ فإنه إنما يَرمي هذا السهم عن قوس الصور، فإذا لم تقف على طريقها أخطأك السهم، وإن نصبت قلبك غرضًا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة.
الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام، فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيما أحبه (٢) اللَّه سبحانه غنية عنه، وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس؛ كما أرشد إليه النبي ﷺ (٣).
فالدواء الأول: يُشبه قطع العلف عن الدابة الجموح، وعن الكلب الضاري؛ لإضعاف قوتهما.
والثاني: يُشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا
стр. 144
تتحرك نفوسهما له عند المشاهدة.
والدواء الثالث: يشبه إعطاءها من الغذاء ما يميل إليه طبعها بحسب الحاجة؛ لتبقى معه القوة؛ فتطيع صاحبها، ولا تغلب بإعطائها الزيادة على ذلك.
الرابع: الفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر، فإنه لو لم يكن جنةٌ ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعي، ولو تكلفنا عدّها لفاتت الحصر، ولكن عين الهوى عمياء (١).
الخامس: [الفكرة] (٢) في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها إن كانت معروفة بالإجابة (٣) وليُعِزَّ لنفسه (٤) أن تشرب من حوض ترده الكلاب والذباب، كما قيل:
سأتركُ وصلكم شَرَفًا وعِزًّا … لِخِسَّة سائر الشُّركاء فيه (٥)
[وقال آخر:
إذا كثر الذباب على طعام … رفعت يدي ونفسي تشتهيه] (٦)
стр. 145
وتجتنبُ الأسودُ ورودَ (١) مَاءٍ … إذا كان الكلابُ يَلَغْنَ فيه (٢)
وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقُه الداءُ الدويّ، فإن ريق الفاسق داء، كما قيل:
تسلَّ يا قلبُ عن سَمْحٍ بمهجته … مبذّلٍ كلُّ من يلقاهُ يقرفُه
كالماء أيُّ (٣) صَدٍ (٤) يأتيه ينهلُه … والغُصْنِ أيُّ نسيمٍ مرَّ يعطفُه
وإن حلا ريقُه فاذكر مرَارتَه … في فمِ أبخَرَ يحفيه ويرشفُه
ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه، فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضي بالمشاركة، فلينظر إلى ما وراء هذا اللّون (٥) والجمال (٦) الظاهر من القبائح الباطنة، فإن من مكّن مِنْ نفسه فعل القبائح (٧) فنفسه أقبح من نفوس البهائم، فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلًا إلا ما يُحكى عن الخنزير، وأنه ليس في الحيوان لوطي سواه، فقد رضي هذا المُمَكّن من نفسه أنه يكون بمنزلة الخنزير، وهذا القبح يغطي كل جمال وملاحة في الوجه والبدن،