← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 252

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (594 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الباب الثاني عشر في الأسباب التي تعين على الصبر لما كان الصبر مأمورًا به جعل اللَّه سبحانه له أسبابًا تعين عليه وتوصل إليه، وكذلك ما أمر اللَّه سبحانه بأمر إلا أعان عليه ونصب له أسبابًا تمدّه وتُعين عليه (١)، كما أنه ما (٢) قدّر داءً إلا قدّر له دواءً، وضمن الشفاء باستعماله. فالصبر وإن كان شاقًّا كريهًا على النفوس فتحصيله ممكن، وهو يتركب من مفردين: العلم والعمل، فمنهما تُركب جميع الأدوية التي تُداوى بها القلوب والأبدان، فلا بدَّ من جزء علمي وجزء عملي، فمنهما يركب هذا الدواء الذي هو أنفع الأدوية. فأما الجزء العلمي فهو إدراك ما في المأمور من الخير والنفع واللذة والكمال، وإدراك ما في المحظور من الشرِّ والضرِّ والنقص، فإذا أدرك هذين العلمين كما ينبغي أضاف إليهما العزيمة الصادقة والهمَّة العالية والنّخوة والمروءة الإنسانية، وضم هذا الجزء إلى هذا الجزء. ومتى فعل ذلك حصل له الصبر وهانت عليه مشاقُّه وحَلَت له مرارته وانقلب ألمه لذة. وقد تقدم أن الصبر: "مصارعةُ باعث العقل والدين لباعثِ الهوى والنفس" (٣)، وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما على الآخر،

стр. 142

فالطريق فيه تقوية من أردنا أن تكون الغلبة له وتضعيف الآخر، كالحال مع القوة والمرض سواء. فإذا قوي باعث شهوة الوقاع المحرم وغلب بحيث لا يملك معها فرجه، أو يملكه ولكن لا يملك طرْفَه، أو يملكه ولكن لا يملك قلْبَه، بل لا يزال يحدثه بما هناك ويَعدُه ويُمنّيه ويصرفه عن حقائق الذكر والتفكر فيما ينفعه في دنياه وآخرته = فإذا عزم على التداوي ومقاومة هذا الداء فليضعفه أولًا بأمور: أحدها: أن ينظر إلى مادة قوة الشهوة فيجدها من الأغذية المحركة للشهوة إما بنوعها وإما بكمّيتها وكثرتها، فليحسم هذه المادة بتقليلها، فإن لم تنحسم فليبادر إلى الصوم فإنه يُضيّق مجاري الشهوة ويكسر حذتها (١)، ولا سيّما إذا كان أكلُه وقت الفطر معتدلًا. الثاني: أن يجتنب محرّك الطلب وهو النظر، فليغضّ لجام طرْفِه ما أمكنه، فإن داعي الإرادة والشهوة إنما يهيج بالنظر، والنظر يحرك القلب بالشهوة (٢). وفي "المسند" عنه ﷺ : "النظر سَهْمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليس" (٣)،

стр. 143

وهذا السهم يسدّدُه إبليس نحو القلب ولا يصادف جُنّة (١) دونه، وليست الجُنة إلا غضّ الطرف أو التحيّز والانحراف عن جهة الرمي؛ فإنه إنما يَرمي هذا السهم عن قوس الصور، فإذا لم تقف على طريقها أخطأك السهم، وإن نصبت قلبك غرضًا فيوشك أن يقتله سهم من تلك السهام المسمومة. الثالث: تسلية النفس بالمباح المعوض عن الحرام، فإن كل ما يشتهيه الطبع ففيما أحبه (٢) اللَّه سبحانه غنية عنه، وهذا هو الدواء النافع في حق أكثر الناس؛ كما أرشد إليه النبي ﷺ (٣). فالدواء الأول: يُشبه قطع العلف عن الدابة الجموح، وعن الكلب الضاري؛ لإضعاف قوتهما. والثاني: يُشبه تغييب اللحم عن الكلب والشعير عن البهيمة لئلا

стр. 144

تتحرك نفوسهما له عند المشاهدة. والدواء الثالث: يشبه إعطاءها من الغذاء ما يميل إليه طبعها بحسب الحاجة؛ لتبقى معه القوة؛ فتطيع صاحبها، ولا تغلب بإعطائها الزيادة على ذلك. الرابع: الفكر في المفاسد الدنيوية المتوقعة من قضاء هذا الوطر، فإنه لو لم يكن جنةٌ ولا نار لكان في المفاسد الدنيوية ما ينهى عن إجابة هذا الداعي، ولو تكلفنا عدّها لفاتت الحصر، ولكن عين الهوى عمياء (١). الخامس: [الفكرة] (٢) في مقابح الصورة التي تدعوه نفسه إليها إن كانت معروفة بالإجابة (٣) وليُعِزَّ لنفسه (٤) أن تشرب من حوض ترده الكلاب والذباب، كما قيل: سأتركُ وصلكم شَرَفًا وعِزًّا … لِخِسَّة سائر الشُّركاء فيه (٥) [وقال آخر: إذا كثر الذباب على طعام … رفعت يدي ونفسي تشتهيه] (٦)

стр. 145

وتجتنبُ الأسودُ ورودَ (١) مَاءٍ … إذا كان الكلابُ يَلَغْنَ فيه (٢) وليذكر مخالطة ريقه لريق كل خبيث ريقُه الداءُ الدويّ، فإن ريق الفاسق داء، كما قيل: تسلَّ يا قلبُ عن سَمْحٍ بمهجته … مبذّلٍ كلُّ من يلقاهُ يقرفُه كالماء أيُّ (٣) صَدٍ (٤) يأتيه ينهلُه … والغُصْنِ أيُّ نسيمٍ مرَّ يعطفُه وإن حلا ريقُه فاذكر مرَارتَه … في فمِ أبخَرَ يحفيه ويرشفُه ومن له أدنى مروءة ونخوة يأنف لنفسه من مواصلة من هذا شأنه، فإن لم تجبه نفسه إلى الإعراض ورضي بالمشاركة، فلينظر إلى ما وراء هذا اللّون (٥) والجمال (٦) الظاهر من القبائح الباطنة، فإن من مكّن مِنْ نفسه فعل القبائح (٧) فنفسه أقبح من نفوس البهائم، فإنه لا يرضى لنفسه بذلك حيوان من الحيوانات أصلًا إلا ما يُحكى عن الخنزير، وأنه ليس في الحيوان لوطي سواه، فقد رضي هذا المُمَكّن من نفسه أنه يكون بمنزلة الخنزير، وهذا القبح يغطي كل جمال وملاحة في الوجه والبدن،

стр. 146

غير أن حبّك الشيءَ يعمي ويُصِم (١). وإن كانت الصورة أنثى فقد خانت اللَّه ورسوله وأهلها وبعلها ونفسها [وأرّثت ذلك لمن بعدها من ذريتها، فلها نصيب من وزرهم وعارهم] (٢) ولا نسبة لجمال صورتها إلى هذا القبح ألبتة. وإذا أردت معرفة ذلك فانظر إلى القبح الذي يعلو وجه أحدهما في كِبَره، وكيف يقلب اللَّه سبحانه تلك المحاسن مقابح حتى تعلو الوحشة والقبح وجْهه، كما قيل: لو فَكّرَ العاشقُ في منتهى … حُسنِ الذي يَسبيه لم يَسْبِه (٣) وتفصيل هذه الوجوه يطول جدًّا، فيكفي ذكر أصولها (٤).

стр. 147

فصل وأما تقوية باعث الدين، فإنه يكون بأمور: أحدها: إجلال اللَّه ﵎ أن يعصى وهو يرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك ألبتة. الثاني: مشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فـ "إن المحب لمن يحب مطيع" (١)، وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته (٢)، بونٌ بعيد. الثالث: مشهد النعمة والإحسان، فإن الكريم لا يعاملُ (٣) بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لئام الناس، فليمنعه مشهد إحسان اللَّه ونعمته عن معصيته حياءً منه أن يكون خير اللَّه وإنعامه نازلًا إليه (٤)، ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه، فمَلَكٌ ينزل بهذا وملكٌ يعرُج بهذا، فأقبِح بها من مقابلة!. الرابع: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد

стр. 148

في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلًا عن هذا العبد الضعيف. الخامس: مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، وتزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعًا وعقلًا وعرفًا. ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذتُها وتبقى سوء معيشتها (١)؟! تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٢). قال بعض الصحابة: "يُنزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظُّلّة؛ فإن تاب عاد إليه" (٣). وقال بعض التابعين: "يُنزع عنه الإيمان كما يُنزع عنه القميص فإن

стр. 149

تاب لبِسه" (١). ولهذا رأى النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (٢) الزناة في التنور عراة؛ لأنهم تعرَّوا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورًا ظاهرًا يحمى عليه بالنار. السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرّة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوّك من الآدميين وأحلى موقعًا وأتم فرحة. وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد، وأعاده إلى صحته واعتداله. السابع: مشهد العِوَض، وهو ما وعَد اللَّه سبحانه به تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوض، فأيُّهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه. الثامن: مشهد المعيّة، وهي نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. فالعامة اطلاع الرب تعالى عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله، وقد تقدم. والمقصود هنا: المعية الخاصة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ

стр. 150

الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، وقولِه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فهذه المعية الخاصة خير له وأنفع في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوتِه على التمام من أول العمر إلى آخره، فكيف يؤثر عليها لذة مُنغّصة مُنَكّدة في مدة يسيرة من العمر، إنما هي كأحلام النائم أو ظل زائل؟! التاسع: مشهدُ المغافصة (١) والمعاجلة (٢)، وهو: أن يخاف (٣) أن يغافصَه الأجلُ؛ فيأخذه اللَّه على غِرّة، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا وبينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرّها وما أصعبها، [لكن ما يعرفها إلا من جربها] (٤)! وفي بعض الكتب القديمة: "يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم، الحذر الحذر" (٥). العاشر: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها؛ فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن

стр. 151

مرضت أبدانهم. وقال بعض أهل العلم في الأثر المروي: "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللَّه العافية" (١): إن أهل البلاء المبتلون بمعاصي اللَّه والإعراض والغفلة عنه (٢). وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم، واللَّه أعلم. الحادي عشر: أن يُعوّد باعث الدين ودواعيه مصارعة الهوى ومقاومته على التدريج قليلًا قليلًا حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذ هِمته، فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة يزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال، ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز (٣) والخياط ونحوهما. ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوي فيه باعث الشهوة، ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد.

стр. 152

الثاني عشر: كف الباطن عن حديث النفس، وإذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها، فإنها تصير مُنى، وهي رؤوسُ أموال المفاليس. ومتى ساكن الخواطر صارت أماني، ثم تقوى فتصير همومًا، ثم تقوى فتصير إرادات، ثم تقوى فتصير عزمًا يقترن به المراد. فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته (١). الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى، وليس المراد أن لا يكون له هوى، بل يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه، فإن كلَّ شيء من الإنسان يستعمله للَّه فإن اللَّه يقيه شرّ استعماله لنفسه وللشيطان، وما لا يستعمله للَّه استعمله لنفسه وهواه ولابد. فالعلم إن لم يكن للَّه كان للنفس والهوى، والعمل إن لم يكن للَّه كان للرّياء والنفاق، والمال إن لم ينفق للَّه أنفق في طاعة الشيطان والهوى، والجاه إن لم يستعمل للَّه استعمل صاحبه في هواه وحظوظه، والقوة إن لم يستعملها في أمر اللَّه استعملتْه في معصيته. فمن عوّد نفسه العمل للَّه لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عوّد نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشقّ من الإخلاص والعمل للَّه، وهذا في جميع أبواب الأعمال، فليس شيء أشق على المنفق للَّه

стр. 153

من (١) الإنفاق لغيره، وكذا بالعكس. الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات اللَّه التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي: آياته المتلوَّة وآياته المخلوقة، فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاضرة الشيطان ومحادثته ووسواسه. وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاضر الرحمن ورسوله والصحابة، فرغب عن ذلك إلى محاضرة الشيطان من الإنس والجنّ! فلا غبن بعد هذا الغبن، واللَّه المستعان. الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزوّد منها إلى دار بقائه وخلوده أخسَّ ما فيها وأقله نفعًا [إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب] (٢) فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان زاده ما يعذب به ويناله بسببه غاية الألم؟! بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه كان حسرة عليه. السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين إصبعيه، وأزمّة الأمور بيديه، وانتهاء كل شيء إليه على الدوام، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، كما في الأثر المعروف: "إن للَّه في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته، واسألوا اللَّه أن يستُر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم" (٣).

стр. 154

ولعله في كثرة تعرضه يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه، فمن أُعطي منشور الدعاء أُعطي الإجابة، فإنه لو لم يُرد إجابته لما ألهمه دعاءه، كما قيل: لو لم ترِد نَيلَ ما أرجو وأطلبه … من جود كفك ما عوّدتَني الطَّلبا (١) ولا يستوحش مِنْ ظاهر الحال، فإن اللَّه سبحانه يعامل عبده بمعاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء (٢) في صفاته، فإنه ما حَرَمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال، كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك: اخرُجْ منها، فلك خلقتها وسأعيدك إليها. فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويصحه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلًا إلا إذا كانت تغضبه عليه، وتبعده منه. السابع عشر: أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب

стр. 155

يجذبه إلى أسفل سافلين. فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين. ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الذي كانت منجذبة إليه في الدنيا [فهو أولى بها، فالمرء مع من أحب طبعًا وعقلًا وجزاءً، وكل مهتم بشيء] (١) فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع، "وكلُّ امرئ يصبو إلى ما يناسبه"، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهممها وأعمالها إلى أعلى، والنفوس السافلة إلى أسفل. الثامن عشر: أن يعلم أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث (٢) الرحمة، وتنقيته من الدغل (٣) شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلاًّ فارغا قابلًا (٤) ينزل فيه، وإن فرّغه حتى أصابه غيث الرحمة لكنه لم يُنَقّه من الدّغل لم يكن الزرع زرعًا كاملًا بل ربما غلب الدّغل على الزرع وكان الحكم له.

стр. 156

وهذا كالذي يصلح أرضه، ويهيئها لقبول الزرع، ويودع فيها البذر، وينتظر نزول الغيث، فإذا طهّر العبد قلبه وفرّغه من إرادات السوء وخواطره، وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص، وعرّضه لمهاب رياح الرحمة، وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه، كان جديرًا في حصول المُغَلّ (١). وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن ﷻ في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة، ولا سيما إذا اجتمعت الهمم، وتساعدت القلوب، وعظم الجمع، كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها اللَّه تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مُفضِية إلى مسبِّباتها. بل هذه الأسباب في حصول الرحمة، أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبّباتها، ولكن العبد لجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه، ولو فرغّ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب، فإن فضل اللَّه لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو أزال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب. فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المُجدبة سكْرٌ (٢) وسدّ كثيف، فصاحبها يشكو الجدب، والنهر إلى جانب أرضه!

стр. 157

التاسع عشر: أن يعلم العبد أن اللَّه سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذُلَّ معه، وأمن لا خوف فيه، وغناء لا فقر معه، ولذّة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه، وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعز الذي يقارنه الذلُّ ويعقبه الذلُّ، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف، وكذلك الغناء واللذة والفرحة والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضدّه يتعقبه ضدّه، وهو سريع الزوال، فغَلِط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله، ففاتهم في محله، وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به إنما هو متاع قليل ثم يزول عنه. والرسل إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم، فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه، فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقًّا؛ لأن صاحب هذا الملك حرٌّ، والمَلِك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مسخَّر مملوك في زي مالك، يقوده زمام الشهوة والغضب، كما يقاد البعير. فالمغرور المخدوع يقعُ نظره على المُلْكِ (١) الظاهر الذي صورته مُلكٌ وباطنه رقّ، وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة.

стр. 158

والبصير الموفق يغير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم. العشرون: أن لا يغترّ باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كافٍ في حصول المقصود، بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه. وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء الكمال والفلاح، فلا أفلح من استمرّ على عوائده أبدًا. ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد منها، قال النبي ﷺ : "من سمع بالدجال فلينأَ عنه" (١)، فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانّه. وهاهنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يظهر له في مظان الشر بعض (٢) شيء من الخير، ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة، واللَّه المستعان (٣).

стр. 159

الباب الثالث عشر في بيان أن الإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال (١) ما دام قلم التكليف جاريًا عليه لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال، فإنه بين أمر يجب امتثاله وتنفيذه، ونهي يجب عليه اجتنابه وتركه، وقدر يجب عليه الصبر عليه اتفاقًا، ونعمة يجب عليه شكر المنعم عليها؛ وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات. وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين: أحدهما: يوافق هواه ومراده. والآخر: يخالفه. وهو يحتاج إلى الصبر في كل منهما. أما النوع الموافق لغرضه: كالصحة، والسلامة، والجاه، والمال، وأنواع الملاذّ المباحة، وهو أحوج شيء إلى الصبر فيها من وجوه: أحدها: أن لا يركن إليها، ولا يغترّ بها، ولا تحمله على البطر والأشر والفرح المذموم الذي لا يحب اللَّه أهله. الثاني: أن لا ينهمك في نيلها ويبالغ في استقصائها، فإنها تنقلب إلى أضدادها، فمن بالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك إلى ضده، وحرم الأكل والشرب والجماع.

стр. 160

الثالث: أن يصبر على أداء حق اللَّه فيها، ولا يضيعه فيسلَبها. الرابع: أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكِّن نفسه من كل ما تريده منها فإنها (١) توقعه في الحرام (٢)، فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في المكروه، ولا يصبر على السرّاء إلا الصدّيقون. قال بعض السلف: "البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا صدّيق" (٣). وقال عبد الرحمن بن عوف: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر" (٤). ولذلك حذر اللَّه سبحانه عباده من فتنة المال والأزواج والأولاد، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادّة، بل عداوة المحبة الصادّة (٥) للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة، وغير ذلك من أعمال البر، كما في "جامع الترمذي" من حديث إسرائيل: حدثنا سماك عن عكرمة عن

стр. 161

ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. قال: "هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، فأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول اللَّه ﷺ ، فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ ورأوا الناس قد فقِهوا في الدين همّوا أن يعاقبوهم، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده، وفي الحديث: "الولد مَبْخَلَةٌ مَجْبنَة" (٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني حسين (٣) بن واقد قال: حدثني عبدُ اللَّه بن بُريدة قال: سمعت أبي يقول: "كان رسول اللَّه ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول اللَّه ﷺ عن المنبر فحَملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق اللَّه ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" (٤).

стр. 162

وهذا من كمال رحمته ﷺ ولطفه بالصغار وشفقته عليهم، وهو تعليم منه للأمة الرحمة والشفقة واللطف بالصغار. فصل وإنما كان الصبر على السرّاء شديدًا؛ لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره، وكذلك الشبق عند غيبة المرأة أصبر منه عند حضورها. فصل وأما النوع الثاني المخالف للهوى فلا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي، أو لا يرتبط أوله (١) باختياره كالمصائب، أو يرتبط أوله باختياره ولكن لا اختيار له فى إزالته بعد الدخول فيه، فهاهنا ثلاثة أقسام: أحدها: ما يرتبط باختياره، وهو: جميع أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية. فأما الطاعة فالعبد محتاج إلى الصبر عليها؛ لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبودية، أما الصلاة فلِما في طبعها من الكسل وإيثار الراحة (٢).

стр. 163

وأما الزكاة فلِما في طبعها من البخل والشح وكذلك الحج (١) والجهاد للأمرين جميعًا. ويحتاج العبد هاهنا إلى الصبر في ثلاثة أحوال: أحدها: قبل الشروع فيها بتصحيح النية والإخلاص، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على توفية المأمور به. الحالة الثانية: الصبر حال العمل، فيلازم الصبر [عن دواعي التقصير فيه والتفريط، ويلازم الصبر] (٢) على استصحاب ذكر النية وعلى حضور القلب بين يدي المعبود، وأن لا ينساه في أمره، فليس الشأن في فعل المأمور بل الشأن كل الشأن أن لا ينسى الآمر حال الإتيان بأمره، بل يكون مستصحبًا لذكره في أمره. فهذه عبادة العبيد المخلصين، فهو محتاج إلى الصبر على توفية العبادة حقها (٣) بالقيام بأدائها وأركانها وواجباتها وسننها، وإلى الصبر على استصحاب ذكر المعبود فيها وأن لا يشتغل عنه بعبادته، فلا يعطله حضوره مع اللَّه بقلبه عن قيام جوارحه بعبوديته، ولا يعطله قيام الجوارح بالعبودية عن حضور قلبه بين يديه. الحالة الثالثة: الصبر بعد الفراغ من العمل وذلك من وجوه:

стр. 164

أحدها: أن يصبر نفسه عن الإتيان بما يبطله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فليس الشأن في الإتيان بالطاعة إنما (١) الشأن في حفظها مما يبطلها. الثاني: أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها والتكبر والتعاظم بها، فإن هذا أضر عليه من كثير من المعاصي الظاهرة. الثالث: أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سرًّا بينه وبين اللَّه فيكتب له في ديوان السر، فإذا تحدث به نقل إلى ديوان العلانية، فلا يظن أن بساط الصبر انطوى بالفراغ من العمل. فصل وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر، وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات [ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة، وقطع] (٢) العوائد، فإن العادة طبيعة خامسة فإذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان على جند اللَّه، فلا يقوى باعث الدين على قهرها. فصل القسم الثاني: ما لا يدخل تحت الاختيار، وليس للعبد حيلة في دفعه، كالمصائب التي لا صنع للعبد فيها، كموت من يعزّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، وهذا نوعان:

стр. 165

أحدهما: ما لا صنع لآدمي فيه. والثاني: ما أصابه من جهة آدمي مثله، كالسبّ والضرب وغيرهما. فالنوع الأول أربع مقامات: أحدها: مقام العجز والشكوى والتسخط، وهذا لا يفعله إلا أقل الناس عقلًا ودينًا ومروءة، وهو أعظم المصيبتين. المقام الثاني: مقام الصبر، إما للَّه وإما للمروءة والإنسانية. المقام الثالث: مقام الرضى، وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه. المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى، فإنه يشهد البلية نعمة، فيشكر المبتليَ عليها. وأما النوع الثاني: وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات، وتنضاف إليها أربعة أخر: أحدها: مقام العفو والصفح. الثاني: مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام، وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها. الثالث: مقام شهود القدر، وأنه وإن كان ظالمًا بإيصال هذا الأذى إليك، فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم، وأذى الناس مثل الحَرّ والبرد لا حيلة في دفعه، فالمتسخط من أذى الحرّ والبرد غير حازم، والكل جارٍ بالقدر، وإن اختلفت (١) طرقه وأسبابه.

стр. 166

المقام الرابع: مقام الإحسان إلى المسيء ومقابلة إساءته بإحسانك، وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه إلا اللَّه، فإن فات العبد هذا المقام العالي فلا يرضى لنفسه بأخسّ المقامات وأسفلها. فصل (١) القسم الثالث: ما يكون وروده باختياره، فإذا تمكّن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه، وهذا كالعشق الذي أوله اختيار وآخره اضطرار، وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها، كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر. فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله، فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره، وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه. وللشيطان ههنا دسيسة عجيبة، وهي: أن يخيّل إليه أن نيل بعض ما مُنع منه قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوي، وغايته أن يكون كالتداوي بالخمر والنجاسة، وقد أجازه كثير من الفقهاء (٢).

стр. 167

وهذا من أعظم الجهل، فإن هذا التداوي لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه، وكم مِمّن تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء! بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ [يوسف: ٩٠]، فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يَستغني أحدهما عن صاحبه. فإن قيل: فهل يثاب على الصبر في هذا القسم إذا كان عاصيًا مفرّطًا يتعاطى أسبابه؟ وهل يكون معاقَبًا على ما تولد منه وهو غير اختياري له؟ قيل: نعم، إذا صبر للَّه وندم على ما تعاطاه من المسبب المحظور، أثيب على صبره؛ لأنه جهاد منه لنفسه وعمل صالح، واللَّه لا يضيع أجر من أحسن عملا. وأما عقوبته فإنه يستحق العقوبة على المسبب وما تولد منه، كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره، فإذا كان المسبب محظورًا لم يكن السكران معذورًا، فإن اللَّه سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها، كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما تولد منها. ولهذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من تبعه (١)؛ لأن اتّباعهم له تولد عن فعله، ولذلك كان على ابن آدم القاتل

стр. 168

لأخيه كفلٌ من ذنب كل قاتل ظلمًا إلى يوم القيامة (١)، وقد قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. فإن قيل: فكيف التوبة من هذا المتولد وليس من فعله، والإنسان إنما يتوب عما يتعلق باختياره؟ قيل: التوبة منه بالندم عليه، وعدم إجابة دواعيه وموجباته، وحبس النفس عن ذلك، فإن كان المتولد متعلقًا بالغير فتوبته مع ذلك برفعه عن الغير بحسب الإمكان، ولهذا كان من توبة الداعي إلى البدعة أن يبيّن أن ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضدّه؛ كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل اللَّه من البينات والهدى ليضلوا الناس بذلك: أن يصلحوا العمل في نفوسهم، ويبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠]. وهذا كما شُرط في توبة المنافقين الذين كان ذنبهم إفسادَ قلوب ضعفاء المؤمنين، وتحيزَهم واعتصامَهم باليهود والمشركين أعداء

стр. 169

الرسول، وإظهارهم الإسلام رياء وسمعة: أن يصلحوا بدل إفسادهم، وأن يعتصموا باللَّه بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين، وأن يخلصوا دينهم للَّه بدل إظهارهم له رياء وسمعة (١). فهكذا تُفهم شرائط التوبة وحقيقتها، واللَّه المستعان.

стр. 170

الباب الرابع عشر في بيان أشق الصبر على النفوس (١) مشقة الصبر بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد، فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق شيء على الصابر، وإن فُقدا معًا سهُل الصبر عنه، وإن وجد أحدهما وفُقِد الآخر سهُل الصبر من وجه وصعُب من وجه. فمن لا داعي له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش ولا هو سهل عليه، فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله. ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله، فصبره عنه أشق شيء عليه، ولهذا كان صبر السلطان على الظلم، وصبر الشاب عن الفاحشة، وصبر الغنى عن تناول اللذات والشهوات عند اللَّه بمكان. وفي "المسند" وغيره عن النبي ﷺ : "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" (٢). ولذلك استحق السبعة المذكورون في الحديث أن يظلهم اللَّه في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته، فإن صبر الإمام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ورضاه وغضبه، وصبر الشاب على عبادة اللَّه ومخالفة

стр. 171

هواه، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن بعضه، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعي ومنصبه، وصبر المتحابين في اللَّه على [ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما، وصبر الباكي من خشية اللَّه على] (١) كتمان ذلك وإظهاره للناس، من أشق الصبر. ولهذا كان عقوبة الشيخ الزاني والملك الكذاب والفقير المختال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم، فكان تركهم الصبر عنها دليلًا على تمردهم على اللَّه وعتوهم عليه. ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان؛ كالنميمة، والغيبة، والكذب، والمراء، والثناء على النفس تعريضًا وتصريحًا، وحكاية كلام الناس، والطعن على من يبغضه، ومدح (٢) من يحبه ونحو ذلك، فتتفق قوة الداعي وتيسر حركة اللسان، فيضعف الصبر، ولهذا قال ﷺ لمعاذ: "أمسك عليك لسانك". فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (٣). ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد، فإنه يعز عليه

стр. 172

الصبر عنها، ولهذا تجد الرجل [يقوم الليل ويصوم النهار و] (١) يتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة (٢)، ويطلق لسانه في الغيبة، والنميمة، والتفكُّه بأعراض الخلق (٣)، والقول على اللَّه ما لا يعلم! وكثيرًا ممن تجده يتورع عن الدانق (٤) من الحرام، والقطرة من الخمر، ومثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام، كما يحكى أن رجلًا خلا بأجنبية فلما أراد مواقعتها قال: يا هذه غطي وجهك، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام!! وقد سأل عبدَ اللَّه بن عمر رجلٌ من أهل الكوفة عن دم البعوض، [فقال: "انظروا إلى هؤلاء يسألوني عن دم البعوض] (٥) وقد قتلوا ابن بنت رسول اللَّه ﷺ " (٦). واتفق لي قريب من هذه: جاءني في حال الإحرام، قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألون عن قتل المُحرِم القمل، فقلت: يا عجبًا لا يتورعون عن قتل النفس التي حرم

стр. 173

اللَّه، ويسألون عن قتل القملة في الإحرام. والمقصود: أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصي وآحادها، باختلاف داعية تلك المعصية في قوتها وضعفها. ويُذكر عن علي ﵁: "الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب اللَّه له ثلاثمائة درجة. ومن صبر على الطاعة كُتبت له ستمائة درجة، ومن صبر عن المعصية كُتبت له تسعمائة درجة" (١). وقال ميمون بن مهران: "الصبر صبران، فالصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية" (٢). وقال الفضيل في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، قال: "صبروا على ما أمروا، وصبروا عما نهو عنه" (٣). وكأنه جعل الصبر على المصيبة داخلًا في قسم المأمور به، واللَّه أعلم.

стр. 174

الباب الخامس عشر في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز قال الإمام أحمد: ذكر اللَّه الصبر في القرآن في تسعين موضعًا (١). انتهى. ونحن نذكر الأنواع التي سيق فيها الصبر (٢)، وهي عدة أنواع: أحدها الأمر به كقوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨]. الثاني: النهي عما يضادّه، كقوله: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. وبالجملة فكل ما نهي عنه فإنه يضاد الصبر المأمور به.

стр. 175

الثالث تعليق الفلاح به، كقوله (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ فعلَّق الفلاح بمجموع هذه الأمور. الرابع: الإخبار عن مضاعفة أجر الصابر على غيره، كقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. قال سليمان بن القاسم (٢): "كلُّ عملِ يُعرف ثوابُه إلا الصبر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]. قال: كالماء المنهمر" (٣). الخامس: تعليق الإمامة في الدين به وباليقين، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]، فبالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين. السادس: ظفرهم بمعيّة اللَّه سبحانه لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦] كما قال أبو علي: "فاز الصابرون بعز الدارين؛ لأنهم نالوا من اللَّه معيّته" (٤). السابع: أنه جمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم، وهي: الصلاة منه عليهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ

стр. 176

الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. وقال بعض السلف -وقد عُزّي على مصيبة نالته- فقال: "ما لي لا أصبر وقد وعدني اللَّه على الصبر ثلاثَ خصال، كلُّ خصلة منها خير من الدنيا وما عليها" (١). الثامن: أنه سبحانه جعل الصبر عونًا وعدّة وأمر بالاستعانة به (٢) فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، فمن لا صبر له لا عون له. التاسع: أنه سبحانه علّق النصر بالصبر والتقوى، فقال ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]. ولهذا قال النبي ﷺ : "واعلم أن النصر مع الصبر" (٣). العاشر: أنه سبحانه جعل الصبر والتقوى جُنة عظيمة من كيد العدو ومكره، فما استجن العبد من ذلك بجُنة أعظم منهما، فقال تعالى:

стр. 177

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. الحادي عشر: أنه سبحانه أخبر أن ملائكته تُسلم عليهم في الجنة بصبرهم كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]. الثاني عشر: أنه سبحانه أباح لهم أن يعاقبوا بمثل ما عُوقبوا به، ثم أقسم قسمًا مؤكدًا غاية التوكيد أن صبرهم خير لهم، فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. فتأمل هذا التأكيدَ بالقسمِ المدلولِ عليه بالواو ثم باللام بعده ثم باللام التي في الجواب. الثالث عشر: أنه سبحانه رتّب المغفرة والأجر الكبير على الصبر والعمل الصالح، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ [هود: ١١]. وهؤلاء ثنية (١) اللَّه من نوع الإنسان المذموم الموصوف (٢) باليأس والكفر عند المصيبة، والفرح والفخر عند النّعمة، ولا خلاص من هذا الذم إلا بالصبر والعمل الصالح، كما لا تُنال المغفرة والأجر الكبير إلا بهما. الرابع عشر: أنه سبحانه جعل الصبر على المصائب من عزم الأمور، أي: مما يُعزم عليه من الأمور التي إنما يعزم على أجلّها وأشر فها، فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، وقال لقمانُ لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا

стр. 178

أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]. الخامس عشر: أنه سُبحانه وعدَ المؤمنين بالنصر والظفر، وهي كلمتُه التي سبقت لهم، وهي الكلمة الحسنى، وأخبر أنه إنما نالهم بالصبر، فقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. [السادس عشر: أنه سبحانه علّق محبته بالصبر،] (١) وجعلها لأهله، فقال تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦]. السابع عشر: أنه أخبر عن خصال الخير أنه لا يُلقّاها إلا الصابرون في موضعين من كتابه: من سورة القصص في قصة قارون، وأن الذين أوتوا العلم قالوا للذين تَمَنّوا مثل ما أوتي: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص: ٨٠]. وفي سورة حم السجدة (٢)، حيث أمر العبد أن يدفع بالتي هي أحسن، فإذا فعل ذلك صار الذي بينه وبينه عداوة كأنه حبيب قريب ثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٥].

стр. 179

الثامن عشر: أنه سبحانه أخبر [أنه] إنما ينتفع بآياته ويتعظ بها الصبّار الشكور، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥]. وقال تعالى في لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾ [لقمان: ٣١]. وقال تعالى في قصة سبأ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ [سبأ: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾ [الشورى: ٣٢، ٣٣]. فهذه أربع مواضع (١) في القرآن تدل على أن آيات الرب إنما يَنتفع بها أهل الصبر والشكر. التاسع عشر: أنه أثنى علي عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ [ص: ٤٤]، فأطلق عليه قوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ بكونه وجده صابرًا، وهذا يدل على أن من لم يصبر فإنه بئس العبد. العشرون: أنه سبحانه حكم بالخسران حكمًا عامًّا على كل من لم يكن من أهل الحق والصبر، وهذا يدل على أنه لا رابح سواهم، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].

стр. 180

قال الشافعي: "لو فكر الناس كلهم في هذه الآية لوسعتهم" (١). وذلك أن العبد كماله في تكميل قوّتيه: قوة العلم وقوة العمل، وهما الإيمان والعمل الصالح. وكما هو محتاج إلى تكميل نفسه، فهو محتاج إلى تكميل غيره، وهو التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وآخية ذلك وقاعدته وساقه الذي يقوم عليه إنما هو الصبر. الحادي والعشرون: أنه سبحانه خص أهل الميمنة بأنهم أهل الصبر والرحمة الذين قامت بهم هاتان الخصلتان، ووصوا بهما غيرَهم، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)﴾ [البلد: ١٧، ١٨]. وهذا حصر لأصحاب الميمنةِ فيمن قام به هذان الوصفان، والناس بالنسبة إليهما أربعة أقسام، [هؤلاء خير الأقسام] (٢) وشرّهم من لا صبر له ولا رحمة، ويليه من له صبر ولا رحمة عنده، ويليه القسم الرابع وهو من له رحمة ورقة ولكن لا صبر له. الثاني والعشرون: أنه قرن الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان كلها: فقرنه بالصلاة، كقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقرنه بالأعمال الصالحة عمومًا؛ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: ١١]. وجعله قرين التقوى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ
следующие страницы →